رسائل الشريف المرتضى - ج4

- السيد المرتضى المزيد...
355 /
65

وَ أَزْوٰاجُهُ أُمَّهٰاتُهُمْ» (1) و فسر ذلك بتفسيرين: أحدهما أنه تعالى أراد أنهن يحرمن علينا كتحريم الأمهات، و الأخر أنه يجب علينا من تعظيمهن و توقيرهن مثلما يجب علينا في أمهاتنا. و يجوز أن يراد الأمران معا فلا تنافي بينهما.

و من ذهب لأجل تسميته بأنهن أمهات المؤمنين الى أن معاوية خال المؤمنين فقد ذهب مذهبا بعيدا، و حاد عن رأي الصواب السديد، لأن أخا الأم انما يكون خالا إذا كانت الأمومة من طريق النسب، و أما إذا كانت على سبيل التشبيه و الاستعارة فالقياس غير مطرد فيها، و لهذا لا يسمى آباء أزواج النبي أجدادا لنا و لا أخواتهن لنا خالات، و لا يجري القياس في هذا الموضع مجراه في النسب.

و كيف اختص بالخؤولة معاوية دون كل اخوة أزواج النبي؟ و هلا وصف محمد بن أبي بكر و عبد اللّٰه بن عمر بالخؤولة ان كان القياس مطردا؟ و لكن العصبية تعمي و تصم.

(19)

يا للرجال لرأي أم قادها * * * ذئبان يكتنفانها في اذؤب

انما أراد بالذئبين هاهنا طلحة و الزبير، و قد سماهما بهذا الاسم للمكر و الخديعة و المؤاربة و المخاتلة، فإنهما كانا من أشد الناس على عثمان و أبسطهم لسانا فيه و اجلابا له، و كان طلحة ممن حاصر الدار و قاتل أهلها و باشر القتل و تولاه و تحدد فيه، ثم بايعا أمير المؤمنين مسابقين الى بيعته، مغتبطين على ولايته. ثم مالا عن ذلك حسدا و نفاسة، و استأذناه في الخروج إلى مكة للعمرة، فاذن لهما على ريبة

____________

(1) سورة الأحزاب: 6.

66

بهما و شك فيهما.

فقد روي عن ابن عباس رضي اللّٰه عنه قال: كنت جالسا عند علي (عليه السلام) حين دخل طلحة و الزبير فاستأذناه في العمرة، فأبى أن يأذن لهما و قال: قد اعتمرتما، فأعادا عليه الكلام فأذن لهما، ثم التفت الي فقال: و اللّٰه ما يريدان العمرة. فقلت له: لا تأذن لهما، فردهما ثم قال لهما: و اللّٰه ما تريدان العمرة، و ما تريدان الا نكثا لبيعتكما و فرقة لأمتكما، فحلفا فأذن لهما، ثم التفت الي فقال: و اللّٰه ما يريدان العمرة و لكن يريدان الغدرة. فقلت: فلم أذنت لهما؟ فقال: حلفا باللّه. قال:

فخرجا إلى مكة، فدخلا على عائشة فلم يزالا بها حتى أخرجاها.

و الاخبار من الطرق المختلفة متظافرة أن طلحة و الزبير حملا عائشة على المسير إلى البصرة بعد أن كان أشار عليها جماعة من الصحابة بالمقام، و جرى في ذلك من الجدال و الحجاج ما هو مشهور مشروح (1). و من أراد تفحصه و النظر فيه فلينظر في الكتب المصنفة لا سيما في نصر بن مزاحم المنقري الذي أفرده لأخبار يوم الجمل، فإنه يقف من بواطن هذا الأمر على ما يكثر فيه عجبه، و يطول له ذكره.

و من الأخبار الطريفة ما رواه نصر بن مزاحم هذا عن أبي عبد الرحمن المسعودي عن السري بن إسماعيل بن الشعبي عن عبد الرحمن بن مسعود العبدي قال: كنت بمكة مع عبد اللّٰه بن الزبير و بها طلحة و الزبير. قال: فأرسلا الى عبد اللّٰه بن الزبير، فأتاهما و أنا معه، فقالا له: ان عثمان قتل مظلوما و انا نخاف

____________

(1) انظر شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2- 78، العقد الفريد 3- 96. و انظر روايات اخرى لما دار بين السيدتين في البدء و التاريخ 2- 109، و في الفائق للزمخشري 1- 190.

67

الانتشار من أمة محمد (صلى اللّٰه عليه و آله)، فإن رأت عائشة أن تخرج معنا لعل اللّٰه يرتق بها فتقا و يشعب بها صدعا. قال: فخرجنا نمشي حتى انتهينا إليها، فدخل عبد اللّٰه بن الزبير في سمرها و جلست على الباب، فأبلغها ما أرسلا به إليها، فقالت: سبحان اللّٰه، ما أمرت بالخروج، و ما تحضرني امرأة من أمهات المؤمنين الا أم سلمة، فإن خرجت خرجت معها فرجع إليهما فأبلغهما ذلك، فقالا: ارجع إليها فلتأتها فإنها أثقل عليها منا، فرجع إليها فبلغها، فأقبلت حتى دخلت على أم سلمة، فقالت أم سلمة: مرحبا بعائشة، و اللّٰه ما كنت لي بزائرة فما بدا لك؟ قالت: قدم طلحة و الزبير فخبرا أن أمير المؤمنين عثمان قتل مظلوما. قال: فصرخت أم سلمة صرخة أسمعت من في الدار، فقالت: يا عائشة أنت بالأمس تشهدين عليه بالكفر و هو اليوم أمير المؤمنين قتل مظلوما، فما تريدين؟ قالت: تخرجين معي فلعل اللّٰه أن يصلح بخروجنا أمر أمة محمد (ص). فقالت: يا عائشة أخرج و قد سمعت من رسول اللّٰه ما سمعت، نشدتك باللّه يا عائشة الذي يعلم صدقك أن صدقت، أ تذكرين يومك من رسول اللّٰه فصنعت حريرة في بيتي فأتيته بها و هو (عليه السلام) يقول: و اللّٰه لا تذهب الليالي و الأيام حتى تتنابح كلاب ماء بالعراق يقال له الحوأب امرأة من نسائي في فتية باغية، فسقط الإناء من يدي، فرفع رأسه الي فقال: ما بالك يا أم سلمة؟ قلت: يا رسول اللّٰه ألا يسقط الإناء من يدي و أنت تقول ما تقول؟ ما يؤمنني أن أكون أنا هي، فضحكت أنت، فالتفت إليك فقال (ص): ما يضحكك يا حمراء الساقين، انى لأحسبك هي.

و نشدتك باللّه يا عائشة أ تذكرين ليلة أسري بنا رسول اللّٰه (ص) من مكان كذا و كذا، و هو بيني و بين علي بن أبي طالب يحدثنا، فأدخلت جملك فحال بينه و بين علي، فرفع مرفقة كانت معه فضرب بها وجه جملك و قال: أما و اللّٰه ما يومك منه بواحد، و لا بليته منك بواحدة، أما انه لا يبغضه الا منافق أو كذاب.

68

و أنشدك اللّٰه يا عائشة أ تذكرين مرض رسول اللّٰه (ص) الذي قبض فيه، فأتاك أبوك يعوده و معه عمر، و قد كان علي بن أبي طالب يتعاهد ثوب رسول اللّٰه (ص) و نعله و خفه، و يصلح ما و هي منها. فدخل قبل ذلك، فأخذ نعل رسول اللّٰه (ص) و هي حضرمية و هو يخصفها خلف البيت، فاستأذنا عليه فأذن لهما، فقالا: يا رسول اللّٰه كيف أصبحت؟ قال: أصبحت أحمد اللّٰه تعالى. قالا: ما بد من الموت؟

قال (ص): لا بد منه. قالا: يا رسول اللّٰه فهل استخلفت أحدا؟ فقال: ما خليفتي فيكم الا خاصف النعل، فخرجا فمرا على علي (ع) و هو يخصف النعل.

كل ذلك تعرفينه يا عائشة و تشهدين عليه لأنك سمعته من رسول اللّٰه (ص).

ثم قالت أم سلمة: يا عائشة أنا أخرج على علي بعد هذا الذي سمعته عن رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)، فرجعت عائشة إلى منزلها فقالت: يا بن الزبير أبلغهما أني لست بخارجة بعد الذي سمعته من أم سلمة، فرجع فبلغهما. قال: فما انتصف الليل حتى سمعنا رغاء ابلها ترتحل، فارتحلت معهما.

و من العجائب أن يكون مثل هذا الخبر الذي يتضمن النص بالخلافة، و كل فضيلة غريبة موجودة في الكتب للمخالفين و فيما يصححونه من روايتهم و يصنفونه من سيرتهم و لا يتبعونه، لكن القوم رووا ما سمعوا، و أودعوا كتبهم ما حفظوا و نقلوا و لم يتخيروا و يتبينوا ما وافق مذهبهم دون ما خالفهم، و هكذا يفعل المسترسل المستسلم للحق.

و روى نصر بن مزاحم المنقري: ان القوم لما خرجوا من مكة يريدون البصرة فبلغوا «ذات عرق» قام سعيد بن العاص فحمد اللّٰه و أثنى عليه ثم ذكر عثمان فترحم عليه و دعا له، لم قال: و قد زعمتم أيها الناس أنكم تخرجون لتطالبوا بدم عثمان، فان كنتم ذلك تريدون فان قتلة عثمان على صدور هذه المطي و أعجازها، فميلوا عليهم بأسيافكم، و الا فانصرفوا الى منازلكم و لا تقتلوا في طاعة المخلوقين أنفسكم،

69

و لا يغني من اللّٰه الناس عنكم يوم القيامة. فقال مروان: يضرب بعضهم ببعض فمن قتل كان الظفر فيه و يبقى الباقي و هو واهن ضعيف.

(20)

ذئبان قادهما الشقاء و قادها * * * للحين فاقتحما بها في منشب

الحين: الهلاك.

و اقتحما: أي دخلا، يقال اقتحمت على الأمر و هجمت عليه، و افتحمته عيني إذا ازدرته.

المنشب: يقال «نشب في الأمر بنشب» إذا دخل فيه و علق به، و مثله نشق الصيد في الحبالة ينشق إذا دخل فيها ما نشب.

(21)

في ورطة لحجا بها فتحملت * * * منها على قتب بإثم محقب

الورطة: الهلكة، و كذلك الوردة. و الورطة و الوراط: الخديعة.

و معنى لحجا: نشبا، يقال لحج لحجا و لخص يلخص لخصا إذا نشب.

و القتب: قتب الرحل، و القتب أيضا واحد الأمعاء و يقال لواحدتها قتبة.

فأما «محقب» فمن قولهم احتقب الذنب، مأخوذ من الحقيبة و الحقاب.

70

(22- 23)

أم تدب الى ابنها و وليها * * * بالمؤذيات له دبيب العقرب

[لو شد والدها بقوة قلبها * * * لاقى اليهود بخيبر لم يهرب] (1)

لم يرد بقوله «ابنها و وليها» الإشارة إلى واحد، و انما أراد جنس الأبناء و الأولياء. و قد يعبر عن الجنس بلفظ الواحد، يقولون «أهلك الناس الدينار و الدرهم» و انما يراد الجنس لا الواحد. و قال اللّٰه تعالى «وَ حَمَلَهَا الْإِنْسٰانُ» (2) و المراد الجنس لا تعيين واحد بعينه.

و لما كانت مضرة خروج الامرأة في يوم الجمل، و حربها للإمام العادل، لاحقة بالدين، عادت تلك المضرة على جميع المسلمين، فلهذا جعل ذلك الدبيب مشبها بدبيب العقرب من حيث اشتركا في المضرة و الأذية.

(24)

اما الزبير فحاص حين بدت له * * * جأواء تبرق في الحديد الأشهب

و يروى «حاض» أيضا، و معنى حاص و حاض واحد، لأنه مأخوذ من العدول عن الشيء و الانحياز عنه، و يقولون في القلب «ضاح» مكان حاض.

و الجأواء: الكتيبة التي يضرب لونها الى السواد من صدأ الحديد، يقولون

____________

(1) هذا البيت يوجد في بعض نسخ الشرح.

(2) سورة الأحزاب: 72.

71

في لون البعير جؤوة إذا خالطه مثل لون الحديد، و انما أراد بهذا القول انصراف الزبير عن الوقعة قبل إنجاز الأمر بالحرب و انفصاله.

أما انصراف الزبير فقد اختلف الناس فيه و في أسبابه و الداعي إليه: ادعى قومه أنه انصرف للندم على الحرب و التوبة منها، فإنه لما ذكره أمير المؤمنين علي بما ذكره به عاد إلى الحق و انصرف عن الحرب.

و قد تكلمنا على ذلك في كتابنا المعروف «بالشافي في الإمامة» و حررناه و فرعناه الى غايته، و أبطلنا أن يكون الرجوع للتوبة و الندم لوجوه كثيرة، من أوضحها: أنه لو كان للتوبة لوجب أن ينحاز إلى جهة أمير المؤمنين علي معتذرا اليه و متنصلا من بغيه عليه و نكثه لبيعته بعد أن كان قد عقدها و أكدها و تولى أيضا نصرته مع العود إلى الإقرار بإمامته، و قتال من أقام الحرب من البغاة، فلا حال هو فيها أحوج إلى النصرة و المعونة من حاله هذه.

و من جملتها أن قلنا: ان الانحياز عن الحرب و الرجوع عن مباشرتها، يحتمل وجوها كثيرة، فليس لنا أن نحمله على أحد محتملاتها بغير دليل قاطع. هذا إذا سلمنا أن الرجوع على ذلك الوجه محتملا للتوبة كاحتماله لغيرها، و قد بينا أنه لا يحتملها، لأنه لم يصر إلى جهة الإمام المفترض الطاعة متنصلا غاسلا لدرن ما أقدم عليه.

و بينا أيضا في ذلك الكتاب أن الرجل عصى بأفعال كثيرة: منها الحرب، و منها نكث البيعة، و الخروج عن الطاعة، و المطالبة بدم عثمان لمن لا يستحق أن يطالب به. فهب عوده عن الحرب توبة منها- و قد بينا أنه ليس كذلك- أ ليس باقي الذنوب قتلا، و هو عليها مصر غير نادم و لا مقلع. و في ما لم يثبت منه كفاية في الغرض المقصود.

و قد روى نصر بن مزاحم في كتابه الذي أشرنا إليه أن أمير المؤمنين عليا حين

72

وقع القتال تقدم على بغلة رسول اللّٰه (ص) الشهباء بين الصفين، فدعا الزبير، فدنا منه حتى اختلفت أعناق دابتيهما، فقال: يا زبير أنشدك اللّٰه أسمعت رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) يقول: انك ستقاتله و أنت ظالم له؟ قال: اللهم نعم. قال:

فلم جئت؟ قال: جئت لأصلح بين الناس. فأدبر الزبير و هو يقول:

أتى علي بأمر كنت أعرفه * * * قد كان عمر أبيك الخير مذ حين

فقلت حسبك من عذل أبا حسن * * * بعض الذي قلت منه اليوم يكفيني

فاخترت عارا على نار مؤججة * * * أنى يقوم لها خلق من الطين

نبئت طلحة وسط القوم منجدلا * * * ركن الضعيف و مأوى كل مسكين

قد كنت انصره حينا و ينصرني * * * في النائبات و يرمي من يراميني

حتى ابتلينا بأمر ضاق مصدره * * * فأصبح اليوم ما يعنيه يعنيني

قال: أقبل الزبير إلى عائشة فقال: يا أمة اللّٰه، ما لي في هذا الأمر بصيرة و أنا منصرف. فقالت عائشة: أبا عبد اللّٰه أ فررت من سيوف ابن أبي طالب؟ فقال: انها و اللّٰه طوال جدا و تحملها فئة أجلاء.

ثم أتى عبد اللّٰه ابنه فقال: يا بني إني منصرف. فقال: ا تفضحنا في قريش؟

أ تتركنا حتى إذا التقت حلقتا البطان، فضحتنا في العرب؟ لا و اللّٰه لا تغسل رءوسنا منها أبدا، أجبنا كل ما أرى يا أبتاه؟

فقال: يا ميسرة أسرج لي الفرس، ثم هيأ فرسه فرمى بها الى القوم ثلاث مرات فحطمهم ثم انصرف الى ابنه فقال: يا بني أ يفعل هذا الجبان؟ قال: لا فما ردك يا أبتاه؟ قال: ان علمته كسرك، قم بأمر الناس.

فخرج الزبير راجعا فمر بوادي السباع و فيه الأحنف بن قيس قد اعتزل في بني تميم فأخبر الأحنف بانصرافه فقال: ما أصنع به ان كان الزبير لف بين الغازيين

73

من المسلمين، و قتل أحدهما الأخر، ثم هو يريد اللحاق بأهله (كذا)، فسمعه ابن جرموز، فخرج هو و رجلان معه، و قد كان لحق بالزبير رجل من كلب و معه غلامه فلما أشرف ابن جرموز و صاحباه على الزبير حرك الرجلان رواحلهما فخلفا الزبير وحده، فقال لهما الزبير: ما لكما؟ هم ثلاثة و نحن ثلاثة. فلما أقبل ابن جرموز قال له الزبير: إليك عني. فقال ابن جرموز: يا أبا عبد اللّٰه، انني جئت أسألك عن أمور الناس. فقال: تركت الناس على الركب يضرب بعضهم وجوه بعض بالسيف. فقال ابن جرموز: أخبرني عن أشياء أسألك عنها. قال: أخبرني عن خذلك لعثمان و عن بيعتك عليا و عن نقضك بيعته و اخراجك أم المؤمنين، و عن صلاتك خلف ابنك، و عن هذه الحرب التي جنيتها، و عن لحوقك بأهلك؟

فقال: أما خذلي لعثمان فأمر قدم فيه الذنب و أخر فيه التوبة. و أما بيعتي عليا فلم أجد منها بدا، إذ بايعه المهاجرون و الأنصار. و أما نقضي بيعته فإنما بايعته بيدي دون قلبي و أما اخراجي أم المؤمنين فأردنا أمرا و أراد اللّٰه غيره، و اما صلاتي خلف ابني فإن خالته قدمته. فتنحى ابن جرموز و قال: قتلني اللّٰه ان لم أقتلك [ثم جرى في قتله ما قد سطر].

و ذكر في هذا الحديث مواضع تدل على أن انصرافه لم يكن للتوبة، منها قوله «ما لي في هذا الأمر بصيرة»، و هذا قول شاك غير مستبصر، و التوبة لا تكون مع عدم الاستبصار و اليقين بالمعصية. و منها أنه قال لابنه «قم بأمر الناس»، فكيف يتوب من المعصية من يستخلف عليها؟ و منها تصريحه بأنه بائع أمير المؤمنين بلسانه و أنه كان مبطئا للبغي عليه و الغدر به، و انه أراد أمرا و أراد اللّٰه غيره. فأي توبة تكون بالانصراف؟ و هذا كلام كله دال على خلاف التوبة، و انما كان بعد الانصراف و قد كان ينبغي لما اعترف في محاورة ابن جرموز .. التوبة أن يعترف

74

أمير المؤمنين (أيضا) خطيئة موبقة و انه قد تاب منها و أقلع عنها بعوده عن الحرب و لحوقه بأهله. و استقصاء هذا الكلام تجده في الكتاب الشافي متى طلبته.

(25)

حتى إذا أمن الحتوف و تحته * * * عاري النواهق ذو نجاء ملهب

الناهقان من الفرس: العظمان الشاخصان في وجهه، أسفل من عينيه، و الجمع النواهق. و يقال: الناهقان من الفرس و الحمار حيث يخرج النهاق من حلقه.

و النجاء: الإسراع، فسمي ما يكون النجاء به نجاء، و النجاء: السحاب الذي قد أهرق ماؤه، و يقولون: ناقة ناجية و نجاة تقطع الأرض بسيرها.

و الملهب: الفرس المسرع المضطرم، و يقولون: ألهب الفرس إلهابا فهو ملهب.

(26)

اثوى ابن جرموز عمير شلوه * * * بالقاع منعفرا كشلو التولب

معنى أثواه: تركه بالقاع، من الثواء الذي هو المقام. و ابن جرموز هو عمرو فصغره فقال: عمير، و يحتمل أن يكون تكبيرا، فان كان صغره للتكبير فلأنه جرى على يده أمر عظيم، و قتل رجل شجاع كبير. و وجه التحقير أنه كان خاملا غير نبيه النسب و لا معروف بفضيلته.

و الشلو: كعضو من أعضاء اللحم، و جمعه أشلاء.

و منعفر: من العفر و هو التراب، و منه قولهم «ظبي أعفر» إذا كان على لون

75

التراب. و العفر: يقال أيضا لمخاط الشيطان.

و التولب: ولد الحمار الحولي، و جمعه توالب.

(27)

و اغتر طلحة عند مختلف القنا * * * عبل الذراع شديد أصل المنكب

العبل: الضخم من كل شيء، يقال: قد عبل يعبل عبالا، و يقال: عبل يعبل عبلا إذا أبيض و غلظ، فهو عبل. و جبل اعبل و صخرة عبلاء: أي بيضاء.

(28)

فاختل حبة قلبه بمذلق * * * ريان من دم جوفه المتصبب

معنى اختل: دخل في خلل قلبه.

و المذلق: المتحدد من كل شيء.

و قد روي أن مروان بن الحكم هو الذي قتل طلحة بسهم رماه به.

و روي أنه تعمده، لأنه كان أشد الناس على عثمان، و هو ممن باشر الأمر و حضر يوم الدار.

و روي أن مروان في يوم الجمل، كان يرمي بسهامه في العسكرين معا و يقول:

من أصبت منهما فهو فتح، لقلة دينه و تهمته للجميع.

76

(29)

في مارقين من الجماعة فارقوا * * * باب الهدى و حيا الربيع المخصب

المارقون: هم الذين خرجوا عن الجماعة، و العادلون من عدل الى جور، و من قصد الى خبط. و أصله من قولهم: مرق السهم من الرمية يمرق مروقا: إذا نفذ من الشق الأخر.

و الحيا المقصور: هو الغيث، و الحياء أيضا هو الاستحياء.

و المخصب: مأخوذ من الخصب، و هو سعة العيش.

(30)

خير البرية بعد احمد من له * * * مني الهوى و الى بنيه تطربى

انما عنى أمير المؤمنين (عليه السلام) و ان لم يسمه، لكنه وصفه بصفة ليست الا له بقوله «انه خير البرية بعد احمد».

و قد دلت الأدلة الواضحة على أن أمير المؤمنين (عليه السلام) خير البشر بعد النبي (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) و أفضلهم و أكملهم (1)، و لو لم يدل على ذلك الا أنه استخلفه و نص عليه بالإمامة فقد دلت العقول على أن امامة المفضول للفاضل لا تحسن. و يدل أيضا على ما ذكرناه قوله (صلى اللّٰه عليه و آله) «أنت مني بمنزلة هارون من موسى الا أنه لا نبي بعدي» (2)، و لا شبهة و لا خلاف في أن من جملة منازل

____________

(1) انظر الأحاديث في ذلك فضائل الخمسة 2- 100 و 103.

(2) انظر مصادر حديث المنزلة في فضائل الخمسة 1- 347.

77

هارون من موسى أنه كان أفضل قومه عنده و أعلاهم منزلة لديه، وجب أن يكون أمير المؤمنين (عليه السلام) بهذه الصفة لأنها من جملة المنازل، و لم يخرجها الاستثناء.

و قد استقصينا الكلام في التفضيل و ما يتصل به في مواضع من كتبنا، و خاصة في الكتاب المعروف «بالشافي»، و ليس هذا موضوع تقصيه.

و معنى «و الى بنيه تطربي» أي إلى ولائهم و محبتهم خفوفي و اسراعي، لأنا قد بينا فيما تقدم معنى الطرب.

(31)

أمسى و أصبح معصما منى له * * * بهوى و حبل ولاية لم يقضب

معنى أمسى و أصبح معصما: أي متمسكا لازما، لأنهم يقولون: أعصم الرجل بصاحبه اعصاما إذا لزمه و تمسك به، و أعصمت القربة بالعصام: إذا شددتها به و معنى لم يقضب: لم يقطع، يقولون قضبت الشيء قضبا أي قطعته، و منه قولهم: سيف قضاب. و القضب: الرطبة، و هي علف أهل العراق، و يقال لموضعها:

المقضبة، و لعلهم انما سموها بذلك لأجل القطع.

(32)

و نصيحة خلص الصفاء له بها * * * منى و شاهد نصرة لم يعزب

النصيحة معروفة، و هي المشورة بما فيه الحظ و الصلاح و نصح الشيء مثل نصع: إذا خلص، و منه سميت النصيحة. و يقولون أيضا نصحت الثوب انصحه نصحا إذا خطته. و الناصح: الخياط. و النصاح: الخيط. و يقال نصحت الإبل

78

نصوحا: إذا رويت، و أنصحتها أنا انصاحا. و النصاحات: الجلود، واحدها نصاح.

و معنى «لم يعزب» لم يفارقني. يقال: عزب عنه حلمه إذا فارقه، فهو عازب.

و عزب عنى الشيء عزوبا: إذا ذهب.

(33)

ردت عليه الشمس لما فاته * * * وقت الصلاة و قد دنت للمغرب

هذا خبر عن رد الشمس له (عليه السلام) في حياة النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)، لأنه روى أن النبي (ص) كان نائما و رأسه في حجر أمير المؤمنين، فلما حان وقت صلاة العصر كره أن ينهض لأدائها فيزعج النبي (ص) من نومه، فلما مضى وقتها و انتبه النبي دعا اللّٰه بردها عليه، فردها و صلى الصلاة في وقتها (1).

فان قيل: هذا يقتضي أن يكون (عليه السلام) عاصيا بترك الصلاة.

قلنا: عن هذا جوابان:

(أحدهما): أنه انما يكون عاصيا إذا ترك الصلاة بغير عذر، و إزعاج النبي لا ينكر أن يكون عذرا في ترك الصلاة.

فإن قيل: الأعذار في ترك جميع أفعال الصلاة لا تكون الا بفقد العقل و التميز كالنوم و الإغماء و ما شاكلهما، و لم يكن في تلك الحال بهذه الصفة، و أما الأعذار التي يكون معها العقل و التميز ثابتين كالزمانة و الرباط و القيد و المرض الشديد و اشتباك القتال، فإنما يكون عذرا في استيفاء أفعال الصلاة و ليس بعذر في تركها أصلا، فإن كل معذور ممن ذكرنا يصليها على حسب طاقته و لو بالإيماء.

____________

(1) انظر أحاديث رد الشمس في فضائل الخمسة 2- 135.

79

قلنا: غير منكر أن يكون صلى موميا و هو جالس لما تعذر عليه القيام إشفاقا من انزعاج النبي (ص). و على هذا تكون فائدة رد الشمس ليصلي مستوفيا لأفعال الصلاة، و ليكون أيضا فضيلة له و دلالة على عظم شأنه.

(و الجواب الأخر): ان الصلاة لم تنته بمعنى جميع وقتها، و انما فاته ما فيها من الفضيلة و المزية من أول وقتها و يقوي هذا شيئان:

أحدهما: الرواية الأخرى في الشعر «حين تفوته»، لأن قوله «حين تفوت» صريح في أن الفوت لم يقع و انما قارب و كاد.

و الشيء الأخر قوله «و قد دنت للمغرب»، و هذا أيضا يقتضي أنها لم تغرب و انما دنت و قاربت الغروب.

فان قيل: إذا كانت لم تنته فأي معنى للدعاء بردها حتى يصلي في الوقت و هو قد صلى فيه؟

قلنا: الفائدة في ردها ليدرك فضيلة الصلاة في أول وقتها، ثم ليكون ذلك دلالة على سمو محله و جلالة قدره في خرق العادة من أجله.

فإن قيل: إذا كان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) هو الداعي بردها له، فالعادة انما خرقت للنبي (ص) لا لغيره.

قلنا: إذا كان النبي إنما دعا بردها لأجل أمير المؤمنين (عليه السلام) ليدرك ما فاته من فضل الصلاة، فشرف انخراق العادة و الفضيلة به منقسم بينهما.

فان قيل: كيف يصح رد الشمس و أصحاب الهيئة و الفلك يقولون ان ذلك محال لا تناله قدرة؟ و هبة كان جائزا في مذهب أهل الإسلام، أ ليس لو ردت الشمس من وقت الغروب الى وقت الزوال، لكان يجب أن يعلم أهل المشرق و المغرب بذلك؟ لأنها تبطئ بالطلوع على أهل البلاد، فيطول ليلهم على وجه

80

خارق للعادة، و يمتد من نهار قوم آخرين ما لم يكن ممتدا. و لا يجوز أن يخفى على أهل البلاد غروبها ثم عودها طالعة بعد الغروب، و كانت الأخبار تنتشر بذلك، و يؤرخ هذا الحادث العظيم في التواريخ، و يكون أهم و أعظم من الطوفان.

قلنا: قد دلت الأدلة الصحيحة الواضحة على أن الفلك و ما فيه من شمس و قمر و نجوم غير متحرك بنفسه، و لا بطبيعته على ما يهذي به القوم، و ان اللّٰه تعالى هو المحرك له و المصرف باختياره. و لقد استقصينا الحجج على ذلك في كثير من كتبنا، و ليس هذا موضع ذكره.

و أما علم المشرق و المغرب و السهل و الجبل بذلك- على ما مضى في السؤال- فغير واجب، لأنا لا نحتاج الى القول بأنها ردت من وقت الغروب الى وقت الزوال، أو ما يقاربه على ما مضى في السؤال، بل نقول: ان وقت الفضل في صلاة العصر هو ما يلي بلا فصل، زمان أداء المصلى لفرض الظهر أربع ركعات عقيب الزوال، و كل زمان- و ان قصر و قل- يجاوز هذا الوقت، فذلك الوقت فائت.

و إذا ردت الشمس هذا القدر اليسير، الذي يفرض أنه مقدار ما يؤدى فيه ركعة واحدة، خفي على أهل الشرق و الغرب و لم يشعر به، بل هو مما يجوز أن يخفى على من حضر الحال، و شاهدها ان لم يمعن النظر فيها و التنقير عنها، فبطل السؤال على جواب الثاني المبني على فوت الفضيلة.

و أما الجواب الأخر المبني على أنها فاتت بغروبها للعذر الذي ذكرناه، فالسؤال أيضا باطل عنه، لأنه ليس بين مغيب قرص الشمس في الزمان و بين مغيب بعضها و ظهور بعض، الا زمان يسير قليل يخفى فيه رجوع الشمس، بعد مغيب جميع قرصها، الى ظهور بعضه على كل قريب و بعيد. و لا يفطن إذا لم يعرف سبب ذلك بأنه على وجه خارق للعادة. و من فطن بأن ضوء الشمس غاب

81

ثم غاب بعضه يجوز أن يكون ذلك لغيم أو حائل.

(34)

حتى تبلج نورها في وقتها * * * للعصر ثم هوت هوى الكوكب

التبليج: مأخوذ من قولهم: بلج الصبح يبلج بلوجا إذا أضاء. و البلجة: آخر الليل، و جمعها بلج. و البلجة بالفتح: الحاجبان غير مقرونين، يقال منه: رجل أبلج و امرأة بلجاء.

و أما «هوي الكوكب» فأراد به سقوط الكوكب و غيبوبته، يقولون أهويت أهوى هويا إذا سقطت إلى أسفل، و كذلك الهوي في السير و هو المضي فيه. و يقال:

هوى من السقوط فهو هاو، و هوى من العشق فهو هو، و هوت الظبية تهوي: إذا فتحت فاها. و يقال: مضى هوي من الليل: أي ساعة.

(35)

و عليه قد حبست ببابل مرة * * * أخرى و ما حبست لخلق معرب

هذا البيت يتضمن الاخبار عن رد الشمس ببابل على أمير المؤمنين (عليه السلام)، و الرواية بذلك مشهورة، و أنه (ع) لما فاته وقت صلاة العصر ردت الشمس له حتى صلاها في وقتها.

و خرق العادة هاهنا لا يمكن أن يقال ان نسبته الى غيره، كما أمكن في أيام النبي (صلى اللّٰه عليه و آله). و الصحيح في فوت الصلاة هاهنا أحد الوجهين اللذين

82

تقدم ذكرهما في رد الشمس على عهد النبي (ص)، و هو أن فضيلة أول الوقت فاتته بضرب من الشغل، فردت الشمس ليدرك الفضيلة بالصلاة في أول الوقت، و قد بينا هذا الوجه في البيت الذي أوله «ردت عليه الشمس»، و أبطلنا قول من يدعي أن ذلك يجب أن يقيم الخلق في الافاق معرفته حتى يدونوه و يؤرخوه.

و أما من ادعى ان الصلاة فاتته- بأن انقضى جميع وقتها، اما لتشاغله بتعبيته عسكره، أو لأن بابل أرض خسف لا تجوز الصلاة عليها- فقد أبطل، لأن الشغل بتعبية العسكر لا يكون عذرا في فوت صلاة فريضة. و أما أرض الخسف فإنها تكره الصلاة فيها مع الاختيار. فأما إذا لم يتمكن المصلي من الصلاة في غيرها و خاف فوت الوقت وجب أن يصلي فيها و تزول الكراهة.

و أما قوله «و عليه قد حبست ببابل» فالمراد بحبست: ردت، و انما كره أن يعيد لفظة الرد لأنها قد تقدمت.

فان قيل: حبست بمعنى وقفت، و معناه يخالف معنى ردت.

قلنا: المعنيان هاهنا واحد، لأن الشمس إذا ردت الى الموضع الذي تجاوزته فقد حبست عن المسير المعهود و قطع الأماكن المألوفة.

و أما المعرب: فهو الناطق المفصح بحجته، يقال: أعرب فلان عن كذا: إذا أبان عنه.

(36)

الا لأحمد أو له و لردها * * * و لحبسها تأويل أمر معجب

الذي أعرفه و هو المشهور في رواية «الا ليوشع أو له»، فقد روي أن يوشع

83

(عليه السلام) ردت عليه الشمس.

و على الروايتين معا سؤال، و هو أن يقال: سواء قال «لأحمد» أم قال «ليوشع أوله» فإن الرد عليهما جميعا، و إذا ردت الشمس لكل واحد منهما لم يجز إدخال لفظة «أو»، و الواو أحق بالدخول هاهنا، لأنه يوجب الاشتراك و الاجتماع أ لا ترى أنه لا يجوز أن يقول قائل «جاءني زيد أو عمرو» و قد جاءا جميعا، فإنما يقال ذلك إذا جاء أحدهما.

و الجواب عن السؤال: ان الرواية إذا كانت «إلا لأحمد أوله» فإن دخول لفظة «أو» هاهنا صحيح، لأن رد الشمس في أيام النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) يضيفه قوم اليه دون أمير المؤمنين (عليه السلام)، و قد رأينا قوما من المعتزلة الذين يذهبون الى أن العادات لا تنخرق الا للأنبياء (ع) دون غيرهم، ينصرون و يصححون رد الشمس في أيام النبي (ص) و يضيفونه الى النبوة، فكأنه قال: ان الشمس قد حبست عليه ببابل، و ما حبست إلا لأحمد (ص)، على ما قاله قوم، أو له على ما قاله آخرون، لان رد الشمس في أيام النبي (ص) مختلف في جهة إضافته، فأدخل لفظة «أو» للشك لهذا السبب.

و أما الرواية إذا كانت بذكر يوشع فمعنى «أو» هاهنا معنى الواو، فكأنه قال:

ليوشع و له، كما قال اللّٰه تعالى «فَهِيَ كَالْحِجٰارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً» (1) على أحد التأويلات في الآية، و كما قال الشاعر:

و قد زعمت ليلي بأني فاجر * * * لنفسي تقاها أو علي فجورها

____________

(1) سورة البقرة: 74،

84

(37)

و لقد سرى في ما يسير بليلة * * * بعد العشاء بكربلا في موكب

أما السري: فهو سير الليل كله، و هي مؤنثة، لأنها جمع سرية و سروة، يقولون: سريت الثوب عن الرجل و سروته: إذا كشفته، أسريه سريا، و أسرو سروا. و السرو: ما ارتفع من عن موضع السيل و انحدر عن غلظ الجبل، و منه قيل سرو حمير.

و يقال: سرأت المرأة: كثر ولدها، و سرأت الجرادة و الضبة تسرأ سرءا:

إذا باضت، و أسرأت: إذا حان ذلك منها. و أول ما تكون الجرادة فهي سروة، و إذا تحرك فهو دبى قبل أن تنبت أجنحته، ثم يكون غوغاء، و به سمي غوغاء الناس.

و كربلاء: الموضع المعروف بنواحي الطفوف، و هو الذي قتل فيه سيدنا أبو عبد اللّٰه الحسين بن علي (عليه السلام).

و يشبه أن يكون اشتقاق هذا الاسم من الكراب الذي هو الحرث، و الكراب الحراث. و من أمثال العرب «الكراب على البقر»، و يقولون ما بها كراب:

أي أحد.

(38)

حتى اتى متبتلا في قائم * * * القى قواعده بقاع مجدب

أراد بالمتبتل الراهب، من البتل و هو القطع، و مثله البت و البلت. و انما

85

سمي الراهب متبتلا لقطعه نفسه عن الناس و عن اللذات، و منه امرأة متبتلة: كل جزء منها يقوم بنفسه في الحسن، و العذراء البتول: التي انقطعت عن الأزواج، و صدقة بتلة على هذا المعنى. و إذا انفردت الفيلة و استغنت عن أمهاتها فهي البتول و أمها مبتل. و تبرت الشيء مثل بتلته و بتكته أيضا: قطعته.

و أما «القائم» فهو صومعة الراهب.

و القاع: الأرض الحرة الطين التي لا حزونة فيها و لا انهباط، و الجمع:

القيعان، و قاعة الدار: ساحتها.

و القواعد: جمع قاعدة، و هي أساس الجدار و كل ما يبنى.

و يجدب: مأخوذ من الجدب الذي هو ضد الخصب. و الجدب: العيب، يقال جدبه يجدبه فهو جادب إذا عابه، قال ذو الرمة:

فيا لك من خد أسيل و منطق * * * رخيم و من خلق تعلل جادبه

و هذه قصة مشهورة قد جاءت الرواية بها، فإن أبا عبد اللّٰه البرقي روى عن شيوخه عمن خبرهم قال: خرجنا مع أمير المؤمنين نريد صفين، فمررنا بكربلاء فقال (عليه السلام): أ تدرون أين نحن؟ هاهنا مصرع الحسين و أصحابه. ثم سرنا يسيرا فانتهينا الى راهب في صومعة، و قد انقطع الناس من العطش، فشكوا ذلك الى أمير المؤمنين (عليه السلام)، و ذلك لأنه أخذ بنا على طريق البر و ترك الفرات عيانا. فدنا من الراهب فهتف به فأشرف من صومعته، فقال: يا راهب هل قرب صومعتك من ماء؟ قال: لا فسار قليلا حتى نزل بموضع فيه رمل، فأمر الناس فنزلوا، فأمرهم أن يبحثوا عن ذلك الرمل، فأصابوا تحت ذلك الرمل صخرة بيضاء، فاقتلعها أمير المؤمنين (عليه السلام) بيده و نحاها فإذا تحتها ماء أرق من الزلال و أعذب من كل ماء، فشرب الناس و ارتووا و حملوا منه، و رد الصخرة و الرمل كما كان.

86

قال: فسرنا قليلا و قد علم كل واحد من الناس مكان العين، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): بحقي عليكم الا رجعتم الى موضع العين فنظرتم هل تقفون عليها؟

فرجع الناس يقفون الأثر إلى موضع الرمل، فبحثوا ذلك الرمل فلم يصيبوا العين فقالوا: يا أمير المؤمنين لا و اللّٰه ما أصبناها، و لا ندري أين هي.

قال: فأقبل الراهب فقال: أشهد يا أمير المؤمنين ان أبي أخبرني عن جدي- و كان من حواريي عيسى (عليه السلام)- أنه قال: ان تحت هذا الرمل عينا من ماء أبرد من الثلج و أعذب من كل ماء عذب، و أنه لا يقع عليها إلا نبي أو وصي نبي، و أنا أشهد أن لا إله إلا اللّٰه و أن محمدا عبده و رسوله و انك وصي رسول اللّٰه و خليفته و المؤدي عنه، و قد رأيت أن أصحبك في سفرك فيصيبني ما أصابك من خير و شر فقال له خيرا و دعا له بالخير، و قال (عليه السلام): يا راهب الزمني و كن قريبا مني ففعل.

فلما كانت ليلة الهرير و التقى الجمعان و اضطرب الناس فيما بينهم قتل الراهب فلما أصبح أمير المؤمنين (عليه السلام) قال لأصحابه: انهضوا بنا فادفنوا قتلاكم.

و أقبل أمير المؤمنين يطلب الراهب حتى وجده فصلى عليه و دفنه بيده في لحده، ثم قال أمير المؤمنين (عليه السلام): و اللّٰه لكأني أنظر اليه و الى زوجته و الى منزلته و درجته التي أكرمه اللّٰه بها (1).

و ليس لأحد أن ينكر هذا الخبر من حيث كان خارقا للعادة و لاحقا بالمعجزات و لأنا قد بينا في مواضع من كتبنا و في كتاب «الشافي في الإمامة» خاصة، ان المعجزات يجب ظهورها على أيدي الأئمة (عليهم السلام)، و تكلمنا على شبه من امتنع من ذلك، و ليس هذا موضع الكلام فيه.

____________

(1) انظر هذه القصة مع تغيير يسير في بعض الخصوصيات بحار الأنوار 41- 260.

87

(39)

يأتيه ليس بحيث يلقى عامرا * * * غير الوحوش و غير أصلع أشيب

معنى يأتيه (1): أي يأتي إلى الراهب، و هو في الكلام الذي ذكر صفته.

و معنى عامر: انه لا يقيم فيه سوى الوحوش، فان من أقام بمكان فكأنه قد عمره. و يمكن أن يكون أيضا مأخوذا من العمرة التي هي الزيارة.

و الأصلع الأشيب: هو الراهب.

(40)

في مدمج زلق أشم كأنه * * * حلقوم أبيض ضيق مستصعب

المدمج: هو الشيء المستور، يقال أدمج الرجل و دمج بتشديد الميم: إذا دخل في الشيء فاستتر، و مثله أدمقت الباب ادماقا: إذا دخلته، و اندمق هو:

إذا دخل.

و صومعة الراهب تستر من دخل فيها لا محالة.

و الزلق: معروف، و هو الذي لا يثبت على قدم.

و الأشم: الطويل المشرف .. الأبيض هاهنا هو الطائر الكبير من طيور الماء، و العرب تسمي الكبير من طيور الماء أبيض. و تشبيه الصومعة الطويلة بحلقوم طائر الماء من واقع التشبيه، و انما جر لفظتي «ضيق» و «مستصعب» لأنه جعلها من وصف المدمج الزلق و الأشم.

____________

(1) في بعض النسخ «بانية ليس بحيث يلقى عامرا».

88

(41)

فدنا فصاح به فأشرف ماثلا * * * كالنسر فوق شظية من مرقب

الماثل: المنتصب و مثل أيضا: لطأ بالأرض، و هو من الأضداد. و مثل: غاب عنك، و مثل الرجل من مرضه مثالة: إذا حسنت حاله، و مثل به يمثل مثولا من المثلة. و المثال: الفراش، و جمعه مثل.

و النسر: الجارح المشهور و انما شبه الراهب بالنسر لعلو سنه و طول عمره و مما يدل على أنه أراد به ما ذكرناه قول الشاعر:

يا نسر لقمان كم تعيش و كم * * * تسحب ذيل الحياة يا لبد

و الشظية: قطعة من الجبل منفردة.

و المرقب و المرقبة: المكان العالي.

(42)

هل قرب قائمك الذي بوأته * * * ماء يصاب فقال ما من مشرب

معنى «بوأته» أسكنته، يقال بوأته المنزل تبويئا و اباءة و إباوه: اجتمعت و إياه، و المباءة: المنزل. و باء الرجل بصاحبه بواء: إذا قتل به، و باء بذنبه يبوء بواء: إذا اعترف به.

و نفيه أن يكون هنا ماء يشرب نفي للماء، لأنه إذا لم يكن مشرب فلا ماء يشرب.

89

(43)

إلا بغاية فرسخين و من لنا * * * بالماء بين نقا و قي سبسب

و قوله «الا بغاية فرسخين» من فصيح الكلام و وجيزه.

و قد مضى تفسير النقا.

و القى: الصحراء الواسعة.

و السبسب: الأرض القفر، و البسبس و الجمع سباسب و بسابس، و السباسب:

كل عيد للعرب سمي بهذا الاسم، و منه قول النابغة الذبياني:

يحيون بالريحان يوم السباسب

(44)

فثنى الاعنة نحو وعث فاجتلى * * * ملساء تبرق كاللجين المذهب

الوعث: المكان اللين الذي لا يسلك، لأن الأخفاف تغيب فيه. الوعث من الرمل: كل لين سهل. و امرأة وعثة الأرداف: لينتها. و يقولون: نعوذ باللّه من وعثاء السفر، يعنون ألمه و تعبه.

و معنى «اجتلى ملساء» أي نظر الى صخرة ملساء و انجلت لعينه.

و معنى تبرق: تلمع، و لم يرض بأن جعل لمعانها مثل لمعان اللجين، الذي هو الفضة حتى جعله لجينا مذهبا، فهو أقوى لبريقه و لمعانه.

90

(45)

قال اقلبوها انكم ان تقلبوا * * * ترووا و لا تروون ان لم تقلب

(ش 1) يقال: انه (عليه السلام) أمرهم بقلبها و أخبرهم أن الماء تحتها، فاجتمعوا و حاولوا قلبها فلم يقدروا عليه، فدنا منها فاقتلعها وحده، فلما ارتووا أعادها.

(ش 2) الهاء في «اقلبوها» راجعة إلى الصخرة الملساء التي تقدم ذكرها.

و معنى «ان تقلبوا ترووا» انكم تجدون من الماء ما يرويكم إذا شربتم منه، فحذف هذا كله و اختصره بلاغة و فصاحة.

(46)

فاعصوصبوا في قلبها فتمنعت * * * منهم تمنع صعبة لم تركب

معنى «اعصوصبوا» اجتمعوا على قلعها و صاروا عصبة واحدة، و يقولون:

اعصوصبت الإبل و عصبت: إذا اجتمعت.

و الصعبة: أراد بها ما لم يذلله الركوب و الرياضة من فرس أو بكر، فأقام الصفة مقام الموصوف.

و أحسن كل الإحسان في تشبيه تمنع الصخرة على تحركها و قلبها بتمنع الصعبة على راكبها.

91

(47)

حتى إذا أعيتهم اهدى لها * * * كفا متى ترم المغالب تغلب

معنى أعيتهم: أي عجزوا عن قلعها، و هو الكلال. و يجوز أن يكون من قولهم «عي بالأمر» إذا ضاق به و لم يجد عنه مخرجا.

و معنى «أهوى لها كفا» مد لها كفا، من قولهم: أهويت اليه بالسيف و غيره أهواء، و أهويت بالشيء إذا أوميت به، و أهويت به: إذا ألقيته في أهوية، و أهويته:

ألقيته من الهواء.

و أراد بالمغالب: الرجل الغالب.

(48)

فكأنها كرة بكف حزور * * * عبل الذراع دحا بها في ملعب

الهاء في قوله «كأنها» ترجع إلى الصخرة.

و الكرة معروفة.

و الحزور: الغلام المترعرع، و جمعه حزاور و حزاورة.

و العبل: الغليظ الممتلئ.

«و دحا» هاهنا بمعنى رمى، يقولون: دحا الفرس يدحو دحوا: إذا رمى بيده رميا، لا يرفع سنبكه عن الأرض. و دحا أيضا: بسط، و منه قوله تعالى «وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذٰلِكَ دَحٰاهٰا» (1) أي بسطها.

____________

(1) سورة النازعات: 30.

92

و لقد أحسن في هذه المبالغة و الارتقاء منها إلى غاية بعد أخرى، لأنه انما أراد خفة حمل الصخرة عليه، و تسهيل تصريفها، و تيسير تقليبها، قال: فكأنها كرة و هذا كاف في سرعة تحريكها و تصريفها، و لم يرض بذلك حتى قال: بكف حزور، و لم يقنع حتى قال أيضا: عبل الذراع، و لم يرضه كل ذلك حتى قال: دحا بها في ملعب.

(49)

فسقاهم من تحتها متسلسلا * * * عذبا يزيد على الزلال الأعذب

انما أراد ماء متسلسلا، فأقام الصفة مقام الماء. و يقال: ماء سلسل و سلاسل أي سلس في الحلق، و هو البارد. و كذلك السلسل و السلسبيل.

و الزلال: الصافي، و يقال هو البارد.

(50)

حتى إذا شربوا جميعا ردها * * * و مضى فخلت مكانها لم يقرب

و معنى قوله «فخلت مكانها لم يقرب» أنه أعادها على حالها الأولى و مكانها بعينه، من غير تأثير يدل على أنها قلعت ثم أعيدت.

(51)

أعني ابن فاطمة الوصي و من يقل * * * في فضله و فعاله لم يكذب

انما عنى ابن فاطمة أمير المؤمنين (عليه السلام)، لأن أمه فاطمة بنت أسد بن

93

هاشم بن عبد مناف، و هي أول هاشمية ولدت لهاشمي، و روي أنها ولدته (عليه السلام) في الكعبة، و لا نظير له في هذه الفضيلة (1).

و لفاطمة بنت أسد فضائل و خصائص معروفة يطول ذكرها و شرحها.

و أمير المؤمنين (ع) وصي رسول اللّٰه، و قد أجمع الناس على إطلاق هذا الاسم له، و وصفه بهذا الوصف حتى صار علما مشهورا و وصفا مميزا، و ان اختلف في معناه: فذهب قوم إلى أنه وصيه في أهله خاصة و هم مخالفو الشيعة. و ذهبت الشيعة إلى أنه وصيه بالإطلاق في أهله و أمته. و الأمر في تسميته بالوصي أشهر من أن يحتج فيه بخبر منقول، و ان كانت الأخبار في ذلك متظافرة متواترة (2) و روى الثقفي، عن مخول بن إبراهيم، عن عبد الرحمن الأسود اليشكري، عن محمد ابن أبي بكر، عن عبادة بن عبد اللّٰه، عن سلمان الفارسي قال: سألت رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله): من وصيك من أمتك؟ فإنه لم يبعث نبي الا و كان له وصي من أمته؟ فقال رسول اللّٰه (ص): لم يتبين لي بعد. فمكثت ما شاء اللّٰه لي أن امكث و دخلت المسجد، فناداني رسول اللّٰه (ص)، فقال: يا سلمان سألتني عن وصيي من أمتي؟ فهل تدري من كان وصي موسى من أمته؟ فقلت: كان وصيه يوشع بن نون فتاة. فقال (ص): فهل تدري لم كان أوصى اليه؟ قلت: اللّٰه و رسوله أعلم. قال: أوصى اليه لأنه كان أعلم أمته بعده، و وصيي هو أعلم أمتي بعدي علي بن أبي طالب.

و خبر يوم الدار مشهور، فإن النبي جمع بنى عبد المطلب فخطبهم و قال:

أيكم يؤازرني على هذا الأمر يكن أخي و وصيي و خليفتي في أهلي و منجز وعدي و قاضي ديني؟ فأحجم القوم جميعا الا عليا (عليه السلام)، فقال له النبي (ص): أنت

____________

(1) انظر حديث مولد على (عليه السلام) بالكعبة فضائل الخمسة 1- 214.

(2) انظر في ذلك فضائل الخمسة 2- 113 فما بعد.

94

أخي و وزيري و خليفتي في أهلي؟ تنجز عدتي و تقضي ديني. و ما روي في هذا المعنى أكثر من أن يحصى (1).

و أما قوله «في فضله و فعاله لم يكذب»، فإنما أراد المبالغة في وصف فضله بالكثرة و الوفور، فالقائل فيه و المعدد له صادق على كل حال، لأنه بين تقصير و اطالة هو في كليهما صادق من زيادة الفضل على كل حد ينتهي اليه.

(52)

ليست ببالغة عشير عشير ما * * * قد كان أعطيه مقالة مطنب

روى الثقفي، عن مخول بن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن الأسود اليشكري عن محمد بن أبي بكر، عن عبادة بن عبد اللّٰه، عن سلمان الفارسي رضي اللّٰه عنه قال: سألت رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم): من وصيك من أمتك، فإنه لم يبعث نبي الا و كان له وصي من أمته؟ فقال: لم يتبين لي بعد. فمكثت ما شاء اللّٰه ان أمكث و دخلت المسجد، فناداني رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) فقال:

يا سلمان، سألتني عن وصيي من أمتي، فهل تدري لما [ذا] أوصي اليه؟ فقلت:

اللّٰه و رسوله أعلم. فقال: أوصي اليه لأنه كان أعلم أمته، و أعلم أمتي من بعدي علي و هو وصيي. فأي فضلة أعظم من هذه؟

و خبر يوم الدار مشهور: أن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) جمع بني عبد المطلب ثم خطبهم و قال: أيكم يؤازرني على هذا الأمر، و يكون أخي و وصيي و خليفتي في أهلي، ينجز وعدي، و يقضي ديني، فأحجم القوم الا عليا (عليه السلام)

____________

(1) تاريخ الطبري 2- 319 فما بعد.

95

فقال له النبي (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم): أنت أخي و وزيري و وصيي و وارثي و خليفتي تنجز وعدي و تقضي ديني.

و قد روي في هذا المعنى من هذه الروايات ما هو أكثر من أن يحصى، و ذلك معنى قوله «و من يقل في فضله و فعاله لم يكذب». أي فضله كثير يستغني به من يريد الإطالة في عد مناقبه و فضائله عن كذب فيها، و استعارة لما ليس بصحيح ليكثر به القول، فإنه- و ان أطال- عاجز أن يأتي على جميع فضائله و مناقبه (عليه السلام).

فأما «المطنب» فهو المكثر من القول، و الاطناب: الإكثار من القول.

و الاطنابة: السير الذي على رأس الوتر. و الاطنابة: أيضا المظلة.

(53- 54)

صهر الرسول و جاره في مسجد * * * طهر يطهره الرسول مطيب

سيان فيه عليه غير مذمم * * * ممشاه ان جنبا و ان لم يجنب

أما مصاهرة أمير المؤمنين (عليه السلام) للنبي (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) فإنها من المناقب العظام و الفضائل الجسام، لأن الروايات وردت متظاهرة أن أبا بكر خطب فاطمة (عليها السلام) الى أبيها فرده عنها و قال له: لم أؤمر بذلك، ثم خطبها عمر فكان له من الجواب مثل ذلك، فلما خطبها أمير المؤمنين قال (ص): هي لك.

و روي في أخبار كثيرة مختلفة الألفاظ و الطرق أن النبي (ص) قال لأمير المؤمنين: ما زوجتكها، انما زوجكها اللّٰه من السماء.

و في خبر آخر: ان فاطمة قالت: يا رسول اللّٰه زوجتني خفيف الشيء لا مال له. فقال (ص): أما ترضين يا بنيتي أن يكون زوجك أول المسلمين سلما، و أفضلهم

96

حلما، و أكثرهم علما؟ فقالت (عليها السلام): بلى رضيت بما رضي اللّٰه لي و رسوله.

و في هذه المصاهرة أكبر دليل على طهارة باطن أمير المؤمنين (عليه السلام)، و ان ظاهره في الخير و الفضل كباطنه، فان من اختاره اللّٰه صهرا لنبيه (ص) و تخطى اليه الخلق أجمعين، لا يجوز أن يكون الا على الصفة التي ذكرناها، لأن من يعلم الغيوب لا يختار الا على الباطن دون الظاهر لعلمه بالباطن. و انما كان اختيارنا مقصورا على الظاهر لأنا لا نعلم الباطن و لا طريق لنا الى علمه، و لو علمنا البواطن ما اخترنا الا عليها. و في هذا الذي ذكرنا دليل واضح على عصمة أمير المؤمنين (عليه السلام) و طهارة باطنه، و موافقة باطنه لظاهرة.

و أما ذكر المسجد فإنما عنى به مسجد النبي (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم)، فان اللّٰه أحل لأمير المؤمنين (عليه السلام) ما خصه به و صرفه عمن سواه، فروت أم سلمة قالت: خرج النبي الى المسجد فنادى بأعلى صوته ثلاثا: ألا ان هذا المسجد لا يحل لجنب و لا لحائض إلا لرسول اللّٰه (ص) و أزواجه و علي و فاطمة بنت محمد.

و برواية أخرى عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) بأعلى صوته: انه لا يحل لأحد من هذه الأمة أن يجنب في هذا المسجد غيري و غيرك.

و هذا معنى الاختصاص، فإن النبي (ص) أمر بسد جميع أبواب أهله، و مجانبة النافذة الى المسجد سوى باب أمير المؤمنين (عليه السلام)، فشق هذا التمييز و التخصيص على من كان بابه مفتوحا الى المسجد. الأخبار بذلك متظاهرة (1).

و قد روي عن علي بن الحسين عن أبيه (عليه السلام) قال: سألت عليا (عليه السلام) فقلت: كيف يا أبتاه كان أمرك حيث سد رسول اللّٰه (ص) أبواب المسلمين و ترك بابك

____________

(1) انظر مسند الامام احمد 1- 331.

97

مفتوحا تمر في المسجد و أنت جنب؟ قال: قال رسول اللّٰه (ص): ان موسى سأل ربه أن يطهر مسجده لهارون و ذريته من بعده ففعل، و اني سألت ربي ذلك ففعل.

أما الطيبة فقد تقدم أنها أحد أسماء المدينة، و ذكرنا ما روي من أسمائها.

فأما قوله «مطيب» فيحتمل أن يريد به الطهارة دون الذي يتطيب به، و لهذا يقولون تراب طيب، إذا كان طاهرا يصلح للوضوء. و يحتمل أيضا أنه يريد بمطيب أي مضمخ بالطيب عبق بأرجه، فأما الكعبة و موضع الصلاة من المسجد فيختص بالتطيب.

و أراد بالبيت الذي أوله «و سيان فيه» انه أباح له أن يمشي في هذا المسجد مع الجنابة و فقدها. و معنى سيان: أي مثلان.

و الجنب: من الجنابة، يقال: أجنب فلان: أي أصابته جنابة. و جنب فلان في بني فلان: أي نزل فيهم غريبا. و جمع جنب إجناب. و الجنيبة: هي الناقة يعطيها الرجل لقوم يمتارون عليها له، و الجمع جنائب. و الجناب: هو الرحل أو الفناء، و الجمع أجنبة. و جنب بنو فلان فهم مجنبون: إذا لم يكن في إبلهم لبن.

و جنبت الإبل بالتخفيف: إذا عطشت.

(55- 58)

و سرى بمكة حين بات مبيته * * * و مضى بروعة خائف مترقب

خير البرية هاربا من شرها * * * بالليل مكتتما و لم يستصحب

[الا سوى رجلا مخافة أنه * * * خشي الإذاعة منه عند المهرب]

98

باتوا و بات على الفراش ملفعا * * * فيرون ان محمدا لم يذهب

انما أراد بما أشار إليه مبيت أمير المؤمنين (عليه السلام) على فراش النبي (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم)، حين أراد الهجرة إلى المدينة، و ان المشركين هموا به و تواعدوا على قصد مبيته و الإيقاع به، فكره (صلى اللّٰه عليه و آله) أن يخلي فراشه على مراعاة القوم له، فيعلمون بخروجه فيتبعون أثره. فثبت علي (عليه السلام) في فراشه، فلما راعاه المشركون رأوا فيه شخصا ثانيا، فلم يفطنوا بمسيرة (عليه السلام).

و صفته ليست بأقل من استسلام إسماعيل (عليه السلام) لأبيه حين رأى ان يذبحه. و هو أعظم، لأن إسماعيل استسلم إلى أب حدب مشفق مأمون، و ما جرت العادة بإتلاف الإباء للأبناء. و أمير المؤمنين استسلم بمبيته على فراش النبي إلى أعداء حنقين مبغضين غير مأمونين، لا سيما و قد فوتهم بمبيته في الفراش غرضهم و حرمهم مقصودهم، و هم على من فعل ذلك أحنق، كل ذلك في طاعة اللّٰه و رسوله.

و الروعة: الخوف.

و الترقب: الانتظار. و يقول: و مضى خير البرية هاربا من شرها بروعة خائف مترقب.

و التلفع: التلفف. و اللفاع: ما تغطيت به من ثوب و استترت به.

(59)

حتى إذا طلع الشميط كأنه * * * في الليل صفحة خد أدهم مغرب

الشميط: الصبح. و سمي بذلك لاختلاط الضوء بالظلمة، و كذلك الذئب

99

الشميط الذي فيه سواد و بياض. و رجل أشمط: بين الشمط، و امرأة شمطاء.

و شماطيط الخيل: جماعات في تفرقة.

و صفحة الخد: جانبه. و انما أراد صفحة من خد فرس أدهم، فاقتصر على ذكر الصفة عن الموصوف.

و الفرس المغرب: و هو الذي ابيضت أشفار عينيه.

(60)

ثاروا لأخذ أخي الفراش فصادفت * * * غير الذي طلبت أكف الخيب

قوله «ثاروا لأخذ أخي الفراش» لأنهم أرادوا أخذ محمد (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم)، و هم يظنونه نائما في الفراش، فصادفوا عليا (عليه السلام)، فهموا بقتله، فثار إليهم فضاربهم بالسيف و نجا منهم و لم يقدروا عليه.

و قوله «أخو الفراش» كناية عن صاحب الفراش. و هذه قصة مشهورة و قد ذكرتها الرواة.

(61- 62)

[و تراجعوا لما رأوه و عاينوا * * * أسد الإله مجالدا في منهب]

فوقاه بادرة الحتوف بنفسه * * * حذرا عليه من العدو المجلب

البادرة: ما بدر من الشيء و برز و جاء في أوله و ظهر. و البادرة: اللحمة

100

التي تكون بين الكتف و العنق، و جمعها بوادر (1)، و يقال لها: البأدلة، و جمعها بآدل و يقال بأدل بغير هاء. قال الشاعر:

و لا رهل لباته و بآدله

و المجلب، من قولهم أجلب الرجل: إذا سمعت له صياحا و جلبة و استعانة، يستصرخ بقوم و يستعين بهم على حرب. قال اللّٰه تعالى «وَ أَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَ رَجِلِكَ» (2).

(63)

حتى تغيب عنهم في مدخل * * * صلى الإله عليه من متغيب

قوله «حتى تغيب» يعني النبي (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم).

و قوله في مدخل: حين دخل الغار و استتر به.

و القصة مشهورة.

____________

(1) و في الهامش: بادره مبادرة و بدارا و ابتدره و بادر غيره إليه: عاجلة.

و بدره الأمر و اليه: عجل اليه.

و استبق و استبقنا البدري، كجمزى: أى مبادرين.

و البادرة: ما يبدر من حدتك في الغضب من قول أو فعل .. و البديهة. قاموس.

(2) سورة الإسراء: 64.

101

(64)

و جزاه خير جزاء مرسل امة * * * ادى رسالته و لم يتهيب

جزاه: دعا له، لما كان منه (عليه السلام) من الصبر على تجرع الغصص، و الصبر على مدافعة الأعداء، و الذب عن نبيه (عليه السلام).

و يقال: ان المشركين لما فاتهم الظفر بالنبي (صلى اللّٰه عليه و آله) على الفراش، و عرفوا أنه قد فارق مكة، طلبوه على سائر الطرق و قفوا أثره.

(65)

قالوا اطلبوه فوجهوا من راكب * * * في مبتغاه و طالب لم يركب

معنى قوله «قالوا اطلبوه» أن المشركين لما فاتهم الظفر به على الفراش، و اخفق قصدهم، و اكدى سعيهم، و علموا أنه قد فارقهم و فاتهم، أمروا بطلبه.

و ضاق الشعر عن أن يقول: فوجهوا من طالب راكب و طالب لم يركب، فاقتصد على نفي الركوب عن الطالب الثاني، اشعارا بأنه أراد بالطالب الأول الراكب.

(66)

حتى إذا قصدوا لباب مغارة * * * ألفوا عليه نسيج غزل العنكب

يقال: انهم لما قفوا أثر النبي (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم)، دلهم الأثر إلى الغار،

102

و هي المغارة التي ذكرها في الشعر، فأرسل اللّٰه العناكب فنسجت على باب الغار.

فلما هموا أن يلجوا الغار، قال بعضهم لبعض: لو كان دخل هاهنا أحد لأفسد نسج العنكبوت. فذلك قوله في البيت الذي يأتي «ما في المغار لطالب من مطلب»، فرجعوا و كان ذلك من معجزاته (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم).

يقال للذكر من العناكب: العنكبوت. و ذلك في لغة أهل اليمن.

(67- 68)

صنع الإله له فقال فريقهم * * * ما في المغار لطالب من مطلب

ميلوا فصدهم المليك و من يرد * * * عنه الدفاع مليكة لم يعطب

انما أراد أن القوم لما رأوا نسيج العنكبوت على باب الغار أشعرهم ذلك بأنه لم يلجه والج، و لا دخل اليه داخل، فيئسوا من تفتيشه و الدخول اليه.

و هذه احدى معجزاته (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) التي تفوق الإحصاء.

(69)

حتى إذا أمن العيون رمت به * * * خوص الركاب إلى مدينة يثرب

معنى «أمن العيون» انقطع عنه التتبع و الطلب.

و خوص الركاب: من الخوص في العين، و العين الخوصاء عندهم: التي ضاق مشقها. و يقال بل هي الغائرة. و يقال: قد خوصت تخوص خوصا. و بئر خوصاء: إذا غار ماؤها و نعجة خوصاء: و هي التي اسودت احدى عينيها و ابيضت

103

الأخرى. و يقال: خوص رأسه أي وقع فيه الشيب، و قيل إذا استوى بياض الشعر و سواده.

الركاب: الإبل.

يثرب: من أسماء المدينة على ساكنها السلام، و قد تقدم ذلك.

(70)

فاحتل دار كرامة في معشر * * * آووه في سعة المحل الارحب

آووه: أنزلوه و أحلوه. يقولون أويت إلى الموضع آوى أويا. و أويت في الرحمة تأوية و أواية، فانا آوي له.

المحل الأرحب: هو الواسع.

(71- 73)

و له بخيبر إذ دعاه لراية * * * ردت عليه هناك أكرم منقب

إذ جاء حاملها فأقبل متعبا * * * يهوى بها العدوي أو كالمتعب

يهوى بها و فتى اليهود يشله * * * كالثور ولى من لواحق اكلب

(ش 1) هذه قصة يوم خيبر، مشهورة. و روى أبو سعيد الخدري (رحمه اللّٰه) تعالى أن رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) أرسل عمر الى خيبر فانهزم هو و من معه، حتى جاء الى رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) يجبن أصحابه و يجبنونه، فبلغ

104

ذلك من رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) كل مبلغ، فبات ليلته مهموما، فلما أصبح خرج الى الناس و معه الراية، فقال: لأعطين الراية اليوم رجلا يحب اللّٰه و رسوله و يحبه اللّٰه و رسوله كرار غير فرار، فتعرض لها المهاجرون و الأنصار، ثم قال: اين علي؟ فقالوا: يا رسول اللّٰه هو أرمد، فبعث اليه سلمان و أبا ذر، فجاءا به و هو يقاد لا يقدر على فتح عينيه، و قال: اللهم أذهب عنه الرمد و الحر و البرد و انصره على عدوه فإنه عبدك يحبك و يحب رسولك، ثم دفع إليه الراية، فقال حسان بن ثابت: يا رسول اللّٰه أ تأذن لي أن أقول فيه شعرا؟ فأذن له، فقال:

و كان علي أرمد العين يبتغي * * * دواء فلما لم يحس مداويا

شفاه رسول اللّٰه منه بتفلة * * * فبورك مرقيا و بورك راقيا

و قال سأعطي الراية اليوم ماضيا * * * كميا محبا للرسول مواليا

يحب الهى و الرسول يحبه * * * به يفتح اللّٰه الحصون الأوابيا

فأصفى بها دون البرية كلها * * * عليا و سماه الوزير المؤاخيا

فقال: ان عليا (عليه السلام) لم يجد بعد ذلك أذى في عينيه، و لا أذى حر و لا برد.

و في رواية أخرى: ان الراية أعطاها رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) أبا بكر فعاد منهزما يجبن أصحابه و يجبونه في ذلك اليوم، ثم أعطاها في اليوم الثاني عمر فرجع بها منهزما يجبن أصحابه و يجبنونه و قد جرح في رجله، فلما كان في اليوم الثالث دفعها الى علي (عليه السلام) و قال ما حكيناه في الرواية الاولى.

و الذي قاله النبي (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) في علي (عليه السلام) حين سلم الراية إليه يقتضي ظاهره التقديم و التعظيم في الصفات التي وصفه بها على من تقدمه ممن سلمت الراية إليهم أولا.

105

و المنقب: جمع منقبة و مناقب أيضا. و المنقبة: طريق الخير و الفضل. و المنقب و النقب أيضا: الطريق الضيق.

و العدوي: عمر بن الخطاب، لأنه من ولد عدي بن كعب بن لؤي بن غالب.

و الهوي في السير: المضي بسرعة.

و أخو اليهود: مرحب لعنه اللّٰه.

و الشل: الطرد، و رجل شلول و مشل: سواق و سريع.

و اللواحق: التوابع المدركات، و يقال للفرس: لاحق الاقراب إذا لحق بطنه بظهره فهو من الضمر. و الاقراب: الخواصر.

(ش 2) أما قصة غزو خيبر فمشهورة مذكورة، و كان فيها لأمير المؤمنين (عليه السلام) البلاء العظيم، و العناء الجسيم.

و روى أبو سعيد الخدري ان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) أرسل عمر الى خيبر فانهزم و من معه، و قدم على رسول اللّٰه (ص) يجبن أصحابه، فبلغ ذلك من رسول اللّٰه كل مبلغ، فبات ليلته مهموما، فلما أصبح خرج الى الناس و معه الراية، فقال (ص): لأعطين الراية اليوم رجلا يحب اللّٰه و رسوله و يحبه اللّٰه و رسوله، كرار غير فرار. فتعرض لها جميع المهاجرين و الأنصار، فقال: أين علي؟ فقالوا: هو يا رسول اللّٰه أرمد، فبعث إليه أبا ذر و سلمان، فجاءا به يقاد و لا يقدر على فتح عينيه من الرمد، فلما دنا من رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) تفل في عينيه و قال اللهم أذهب عنه الحر و البرد و انصره على عدوه، فإنه عبدك يحبك و يحب رسولك غير مراء. ثم دفع إليه الراية، فاستأذنه حسان بن ثابت أن يقول فيه شعرا فأذن له، فقال:

و كان علي أرمد العين يبتغي * * * دواء فلم يحسن هناك مداويا

106

شفاه رسول اللّٰه منه بتفلة * * * فبورك مرقيا و بورك راقيا

و قال سأعطي الراية اليوم صارما * * * كميا محبا للرسول مواليا

يحب النبي و الرسول يحبه * * * به يفتح اللّٰه الحصون الأوابيا

فأصفى بها دون البرية كلها * * * عليا و سماه الوزير المؤاخيا

فيقال: ان أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يجد بعد ذلك أذى حر و لا برد.

و في رواية أخرى غير هذه: ان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) أعطى الراية أولا أبا بكر، فانهزم و انهزم الناس معه. ثم بعث من غد عمر، فرجع منهزما و قد جرح في رجليه، فحينئذ دفعها الى أمير المؤمنين (عليه السلام) و قال ما كتبناه في الرواية الاولى.

و هذه حالة تقتضي غاية التعظيم و نهاية التقديم. و في الشيعة من جعل مخرج هذا الكلام دالا بظاهره على نفي الصفات المذكورة في أمير المؤمنين (عليه السلام) عمن تقدمه، و يقولون: ان بعض الملوك لو أرسل الى غيره رسولا ففرط الرسول في رسالته و حرفها، فغضب المرسل و أنكر فعله، ثم قال: لأرسلن رسولا حقيقا بحسن القيام بأداء رسالتي غير محرف لها و لا مفرط فيها، لكان ظاهر كلامه يقتضي انتفاء هذه الصفات عن الرسول الأول.

أما المنقب: فجمع منقبة، و هي الفضيلة، و الطريقة الجميلة. و يقولون: فيه مناقب حسان، الواحدة منقبة، أي طريق من طرق الخير. و المنقبة أيضا: الطريق الضيق يكون بين الدارين لا يمكن أن يسلك. و يقال: منقب و منقبة للطريق: إذا كان في موضع غليظ.

و منقبة الفرس: حيث ينقب البيطار.

و قوله «يهوي بها العدوي» أراد عمر بن الخطاب، لأن عمر من ولد عدي

107

ابن كعب بن لؤي بن غالب.

و الهوي في السير: المضي فيه.

و فتى اليهود: يعني مرحبا.

الشل: الطرد هاهنا، و رجل شلول: مثل سواق سريع.

اللواحق من الكلاب (1): يحتمل هاهنا الضوامر، لأن الفرس يوصف بأنه لاحق إذا لحق بطنه بظهره من شدة الضمر. و الوجه الأخر: أن يريد باللواحق:

البوالغ المدركات لأوطارها.

(74)

غضب النبي لها فأنبه بها * * * و دعا أخا ثقة لكهل منجب

معنى أنبه: وبخه و بكته. و الهاء في «أنبه» راجعة إلى عمر.

و عنى بقوله «أخا ثقة» أمير المؤمنين (عليه السلام).

و الكهل المنجب: هو أبوه، تقول العرب: أنجب الرجل انجابا فهو منجب:

إذا ولد ولدا نجيبا فاضلا.

(75)

رجل كلا طرفيه من سام و ما * * * حام له باب و لا بأبي أب

و يروى أجلي، و الأجلى الذي انحسر الشعر عن رأسه. يقولون: أجلح لمن

____________

(1) كذا، و لعل الصحيح ان يقول: اللواحق من الفرس.

108

انحسر الشعر عن مقدم رأسه، فإذا زاد على ثلث الرأس فهو أجله، فإذا بلغ النصف فهو أجلى. و منه قيل: أجلى عن المكان، إذا انكشف عنه فهو مجل. فان عم الرأس فهو أصلع (1).

فأما قوله «كلا طرفيه من سام» الى آخره: فإنما يريد أن أمير المؤمنين (عليه السلام) ما ولده من كلا طرفيه حام، لأن حاما والد السودان و ساما والد البيضان.

و أم أمير المؤمنين (عليه السلام) فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، و هو أول هاشمي ولد في الإسلام بين هاشميين، و ليس في أمهاته و ان بعدن و علون من هو من ولد حام.

و عرض السيد في قوله هذا بعمر بن الخطاب، لأن صهاك أمه حبشية، وطئها عبد العزى بن رباح بن عبد اللّٰه بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب، فجاءت بنفيل ابن عبد العزى. هذا في رواية الهيثم بن عدي الطائي و أبي عبيدة معمر بن المثنى و غيره.

و قال قوم آخرون: ان صهاك أم الخطاب بن نفيل، و خالف آخرون في أم الخطاب و ذكروا أنها من فهم بن عيلان.

و أراد السيد فضل [نسب] أمير المؤمنين (عليه السلام) على نسب من ذكره.

فان قيل: في ولادة حام معرة و منقصة، فكيف تطرق هذا على كثير من أئمتكم (عليهم السلام) فقد ولدتهم الإماء، من أبي الحسن موسى الى صاحب الزمان (ع)؟

قلنا: ما عير السيد بولادة الإماء، و انما عير بولادة حام، و ليس كل أمة من ولد حام. و أمهات من ذكر من أئمتنا (عليهم السلام) و ان كن إماء، فلسن من أولاد

____________

(1) لم نعرف مناسبة التعليقة هذه مع البيت المشروح.

109

حام. فأم أبي الحسن موسى (ع) بربرية، و قيل انها أندلسية اسمها حميدة. و أم علي بن موسى (ع) مرسية تسمى الخيزران. و أم أبي جعفر (عليه السلام) قيل انها مرسية تسمى سكينة، و قيل بربرية. و أمهات العسكريين (ع) و القائم (عجل اللّٰه فرجه)، مولدات لسن من ولد حام.

على أنه لو كان على أصعب الوجوه في أمهات بعض أئمتنا من ولد حام لما كان في ذلك نقص و لا عيب، لأن السيد فضل أمير المؤمنين (عليه السلام) على من لم يلده حام، و ما ألحق نقصا في الذين من ولد حام، و ليس كل فضيلة تتعلق بالدين يكون فقدها نقصانا فيه. و نحن نعلم أن للحسن و الحسين (عليهما السلام) الفضيلة العظمى، لأن أمهما فاطمة (ع) بنت رسول اللّٰه (ص)، و ليس هذا لغيرهما من الأئمة. فإن كان لا نقص يلحق بفقد هذه الفضيلة [..] (1).

(76)

من لا يقر و لا يرى في نجدة * * * الا و صارمه خضيب المضرب

النجدة: هي شدة البأس، يقال: رجل نجد و نجد، و رجال إنجاد. و قد نجد الرجل من هذا المعنى. و استنجد بي فلان و أنجدته: استغاثني فأغثته. و قد نجد الرجل ينجد: إذا عرق من عمل أو كرب. و نجدت الرجل: إذا غلبته. و النجدة:

القتال.

و قول السيد «و لا يرى في نجدة» يليق بالوجوه الثلاثة المذكورة في النجدة، و أليقها بكلامه النجدة التي هي القتال.

____________

(1) كذا، العبارة غير تامة و الموضوع ناقص

110

و الصارم: السيف القاطع. و انما يكون صارمه خضيب المضرب لكثرة الضرب و اسالة النجيع عليه.

(77)

فمشى بها قبل اليهود مصمما * * * يرجو الشهادة لا كمشى الأنكب

الشهادة: خروج النفس في طاعة اللّٰه تعالى أو قربته إليه، لأنه لا يسمى من في معصيته و لا في طاعة معصيته شهيدا.

و وجدت بعض ثقات أهل اللغة يحكي في كتابه أن الشهيد هو الحي، و أظنه ذهب الى قوله تعالى «وَ لٰا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّٰهِ أَمْوٰاتاً بَلْ أَحْيٰاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ» (1).

و معنى يرجو الشهادة: أي الفوز برضوانها و ثوابها، و الجزاء على تصبره و حسن احتسابه.

الأنكب: هو المائل المنحرف، و النكب: هو أن يصيب البعير خلع فيمشي منحرفا. و قد نكب نكبا فهو أنكب.

و يقولون نكب الرجل: إذا تحرك. و نكب عن الطريق تنكيبا: عدل عنه.

و نكب نكوبا: مثله. و رجل ناكب و رجال ناكبون. و نكب الرجل: أصابته نكبة، أي نازلة. نكب: إذا أصيب منكبه. و النكب و النقب: واحد.

و ريح نكباء: تقع بين ريحين، و قد نكبت تنكب نكوبا، و هي التي بين الصبا و الدبور.

____________

(1) سورة آل عمران: 169.

111

(78)

تهتز في يمنى يدي متعرض * * * للموت أروع في الكريهة محرب

يريد: يمشي بها و هي تهتز، يعني الراية.

الأروع: مأخوذ من الروع، و هو الفزع. و يقال: ناقة روعاء: حديدة القلب و رجل أروع: إذا راعك بشجاعته و حسن منظره. و امرأة روعاء: تروع الناس بجمالها.

الكريهة: اسم الحرب.

المحرب: الحسن البلاء في الحرب. المحرب بفتح الميم: المنزل.

المحراب بكسر الميم: الغرفة.

(79)

في فيلق فيه السوابغ و القنا * * * و البيض تلمع كالحريق الملهب

الفيلق: الداهية، و منه قيل للكتيبة «فيلق».

السوابغ: الدروع، و انما سميت بذلك لتمامها و طولها. و انما أراد بذلك الدروع السوابغ، فحذف الموصوف و أقام الصفة مقامه.

(80)

و المشرفية في الأكف كأنها * * * لمع البروق بعارض متحلب

المشرفية: السيوف. و يقال انها نسبت الى مشرف اسم رجل، و يقال انها

112

منسوبة إلى قرى من أرض العرب تدنو الى الريف، و انما أراد: كأن لمعانها لمعان البروق.

العارض: السحاب، و كل شيء بدا لك فهو عارض.

المتحلب: صفة السحاب الماطر.

(81)

و ذوو البصائر فوق كل مقلص * * * نهد المراكل ذي سبيب سلهب

البصائر: جمع بصيرة، و هي الاستبصار و اليقين. و البصيرة في غير هذا الدفعة من الدم. و يقال هو ما كان منه على الأرض دون الجسد. و البصيرة: الترس، و جمعه بصائر.

و القلص: مأخوذ من التميز في الثياب و غيرها. و وصف الفرس بذلك لتميز لحمه و ارتفاعه عن قوائمه.

و نهد المراكل: غليظها، و يريد بالمراكل القوائم. و يقال: نهد الرجل ينهد نهدا: إذا شخص. و انهدته: انهضته. و يقال للفرس: نهد، لأنه ينهد في العدو و ينهض.

و يقال النهد: الحسن الخلق التام الجسم.

و سمي نهد الجارية نهدا لبروزه و شخوصه عن صدرها.

و يقال: طرح فلان نهده مع القوم إذا أعانهم.

و السبيب و السبيبة: خصل الشعر، و انما أراد هنا شعر الذنب.

و سلهب: أي طويل.

113

(82)

حتى إذا دنت الأسنة منهم * * * و رموا قبالتهم سهام المقنب

المقنب: جماعة الخيل ليست بالقليلة و لا الكثيرة.

(83)

شدوا عليه ليرجلوه فردهم * * * عنه بأسمر مستقيم الثعلب

و يروى: شدوا عليه ليزحلوه.

الشد: هو القصد و الاعتماد، و يقولون شددت عليه لأضربه أي قصدته و اعتمدته.

و معنى يرجلوه: يحطونه عن فرسه، و يجعلونه راجلا.

و معنى ليزحلوه: أي ينحونه، من قولهم زحل إذا تنحى، و رجل زحل و امرأة زحلة: من التنحي عن الأمر قبيحا كان أو حسنا.

و معنى هوى: سقط.

و الأسمر هاهنا: الرمح.

و ثعلب الريح: ما دخل منه في السنان. و الثعلب أيضا: مخرج الماء من الدار و الحوض.

و الثعلب و الثعلبان: الذكر من الثعالب. و الثعلبية: من عدو الخيل أشد من الخبب. و الثعلبية: موضع معروف.

114

(84- 86)

و مضى فأقبل مرحب متذمرا * * * بالسيف يخطر كالهزبر المغضب

فتخالسا مهج النفوس فاقلعا * * * عن جرى أحمر سائل من مرحب

فهوى بمختلف القنا متجدلا * * * و دم الجبين بخده المتترب

قوله «متذمرا» يحتمل أمرين:

أحدهما: من معنى الشجاعة، و يقولون رجل ذمر و قوم أذمار، و ذمر و ذمير و هو الشجاع المفكر، كأنه أقبل متشجعا مقدما متهجما.

و الأمر الأخر: مأخوذ من الحث، يقولون: ذمرته ذمرا إذا حثثته. فكأنه قال:

أقبل حاثا لنفسه.

و قوله «يخطر» مأخوذ من قولهم خطر البعير يخطر: إذا مشى فضرب بذنبه يمينا و شمالا. و الخطر: السبق. و رجل له خطر: أي قدر، و الجمع إخطار.

الهزبر: الأسد.

المهجة: النفس.

و في استدراك قوله «عن جري أحمر سائل من مرحب» بلاغة، لأنه لو أطلق لاحتمل أن يكون الدم السائل من كل واحد منهما.

و معنى هوى: سقط.

و مختلف القنا: المواضع التي تختلف فيها جهات الطعن.

و المتجدل: الواقع على الأرض، مأخوذ من الجدالة، و هي الأرض السهلة.

و انما وصف الخد بأنه متترب بما علاه و لصق به من تراب.