رسائل الشريف المرتضى - ج4

- السيد المرتضى المزيد...
355 /
115

(87)

اجلى فوارسه و اجلى رجله * * * عن مقعص بدمائه متخضب

معنى أجلى فوارسه و أجلى رجله: أي انكشف الفرسان و الرجالة عن مقعص.

و المقعص: المقتول. و القعص: القتل. يقال ضربه فأقعصه، و مات قعصا:

إذا أصابته ضربة أو رمية فمات مكانه.

(88- 89)

فكأن زوره العواكف حوله * * * من بين خامعة و نسر أهدب

شعث لغامظة دعوا لوليمة * * * أو ياسرون تخالسوا في منهب

(ش 1) زوره: الذين يزورونه، يريد النسور و ما يجري مجراها من الجوارح التي تقع على القتلى.

الخوامع: الضباع لأنها تخمع أي تعرج، الواحدة خامعة.

وصفهم بأنهم عواكف لطول مقامهم عليه يأكلون لحمه.

و وصف النسر بأنه أهدب لتكاثف ريشه و شيوعه.

و الأصل في الشعث: النقصان، و يقال رجل أشعث الرأس إذا كان بعيد [العهد] بالدهن.

اللغامظة: جمع لغموظ، و هو الشره الحريص على الأكل، و يقال للطفيلي لغموظ.

116

و الياسرون: المقامرون، مأخوذ من الميسر. و الميسر: المقامرة، و الجمع إيسار.

و المنهب: موضع [النهب].

(ش 2) أراد بزوره النسور و ما سواها من الجوارح التي تقع على القتلى و تتبع مطارحهم و تأكل لحومهم، و وصفها بأنها عواكف لطول مقامها على اعتراق عظامهم و انتهاك جلودهم، لأن العكوف هو طول المقام.

و الخامعة: الضبع لأنها تخمع، و الخمع و الخماع: العرج. و الخمع:

الذئب و جمعه أخماع. و انما سمي اللص خمعا تشبيها بالذئب في مكره و دهائه.

و النسر: جارح معروف، و انما وصفه بأنه أهدب لسبوغ ريشه و لحوقه بالأرض.

و الأصل في الشعث: النقصان، و رجل أشعث الرأس: إذا كان بعيد العهد بالدهن.

اللغامصة: جمع لغموص، و هو الشهوان الحريص على الأكل، و يقال فيه لغموط و لغموظ. و هو أيضا الطفيلي. و امرأة لغموظة كذلك.

و العلوس بالعين و الغين: الأكول الحريص، و رجل معلس: شديد الأكل.

و الياسرون: مأخوذ من «الميسر» و هو القمار، و جمعه: إيسار. و كانوا ييسرون في الجاهلية على الجزور. و الياسر: الجزار الذي يلي قمة الجزور. و الياسر أيضا:

الذي يرمي القداح.

المنهب: موضع النهب.

117

(90- 91)

فاسأل فإنك سوف تخبر عنهم * * * و عن ابن فاطمة الأغر الأغلب

و عن ابن عبد اللّٰه عمرو قبله * * * و عن الوليد و عن أبيه الصقعب

(ش 1): يعني فاطمة بنت أسد.

الأغر: الأبيض الوجه، و الغرة: الوجه، معروفة يوصف بذلك الكريم النجيب.

الأغلب: الغليظ العنق، يوصف به الأسد. و وصف الرجل استعارة، فإن الأغلب:

الغليظ العنق مع قصر فيها.

و أراد بابن عبد اللّٰه: عمرو بن عبد ود بن مضر بن مالك بن حنبل بن عامر ابن لؤي بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن الياس بن مضر، و يقال له «فارس يليل»، لأنه أقبل في ركب حتى إذا كانوا في يليل، و هو واد قريب من بدر يدفع إليهم، خرجت عليهم بنو بكر بن عبد مناف، فعرضت لهم تريد أخذهم، فقال لأصحابه: النجاة فاني سوف أشغلهم عن لحاقكم، فمضوا و وقف في وجوه بني بكر يحاربهم حتى فات أصحابه، و دفع القوم عنهم، فعرف بذلك و سمي «فارس يليل» باسم ذلك المكان (1).

فلما حضر الأحزاب المدينة أمر النبي (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) بحفر الخندق و كان قد أشار بحفره سلمان الفارسي رضي اللّٰه عنه، فلما رأته العرب قالوا: هذه مكيدة فارسية. و اسم الموضع الذي حفر فيه الخندق «المذاد»، فامتنعت العرب أن تعبره، فلم يجزعه أحد منهم غير عمرو بن عبد ود، و ضرار بن الخطاب الفهري

____________

(1) انظر تاج العروس 8- 178، معجم البلدان 5- 441.

118

و عكرمة بن أبي جهل، و نوفل بن عبد اللّٰه بن المغيرة، و في ذلك يقول الشاعر:

عمرو بن ود كان أول فارس * * * جزع المذاد و كان فارس يليل

و لما جزع عمرو الخندق (1) دعا الى البراز و قال:

و لقد بححت من النداء * * * بجمعهم هل من مبارز؟

و وقفت إذ جبن الشجا * * * ع بموقف البطل المناجز

اني كذلك لم أزل * * * متسرعا نحو الهزاهز

ان الشجاعة و السماحة * * * في الفتى خير الغرائز

فأحجم المسلمون عنه و لم يخرج إليه أحد، فدعا النبي (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) عليا (عليه السلام) و أمره بالخروج اليه و دفع اليه ذا الفقار. و يقال: ان جبرائيل (عليه السلام) هبط به، و يقال: بل هبط بجريدة من الجنة فهزها النبي (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) فتحولت في يده سيفا، فناوله عليا (عليه السلام) و أمر بالمبارزة، فلما توجه اليه قال النبي (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم): خرج الإيمان سائره الى الكفر سائره.

فدعاه علي (عليه السلام) الى المنازلة و قال: يا عمرو انك كنت عاهدت اللّٰه لقريش ألا يدعوك رجل منهم الى خلتين الا أجبت إلى إحداهما. قال عمرو: أجل. قال:

فإني أدعوك الى اللّٰه تعالى و رسوله (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) و الى الإسلام. فقال:

لا حاجة لي فيما دعوت اليه. قال: فإني أدعوك إلى المبارزة و النزال، و كان عمرو نديما لأبي طالب، فقال عمرو: يا ابن أخي ما أحب أن أقتلك. فقال علي (عليه السلام): فأنا أحب أن أقتلك.

فجاء عمرو و نزل عن فرسه و عرقبه، ثم أقبل الى علي (عليه السلام) فتجاولا، ثم ثارت بينهما غبرة سترتهما عن أعين الناس، فجزع النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)

____________

(1) الإرشاد للمفيد ص 46، المناقب لابن شهرآشوب 1- 196.

119

و المسلمون لذلك جزعا شديدا، فلم يشعروا الا بالتكبير، فعرفوا أن عليا (عليه السلام) قتله. ثم انجلت الغبرة، فإذا علي على صدره يجتز رأسه، فكبر المسلمون و هزم الأحزاب بذلك فعرج جبريل و هو يقول: لا سيف الا ذو الفقار و لا فتى الا علي.

و روي عمرو بن عبيد عن الحسن بن أبي الحسين: ان عليا (عليه السلام) أقبل و في يده رأس عمرو حتى وضعه بين يدي رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم)، فدعا له المسلمون، و قام إليه أبو بكر و عمر فقبلا رأسه.

و روي عن أبي بكر بن عياش أنه قال: ضرب علي ضربة ما كان في الإسلام أعز منها. يعني ضربته لعمرو بن عبد ود، و ضربة عبد الرحمن بن ملجم لعنه اللّٰه.

قال الشاعر:

جبريل نادى في الوغى * * * و النقع ليس بمنجلي

و المسلمون بأسرهم * * * حول النبي المرسل

و الخيل تعثر بالجماجم * * * و الوشيج الذبل

لا سيف الا ذو الفقار * * * و لا فتى الا علي

و قالت أم كلثوم بنت عمرو بن عبد ود ترثي أباها:

لو كان قاتل عمرو غير قاتله * * * لكنت أبكي عليه آخر الأبد

لكن قاتله من لا يعاب به * * * و كان يدعى قديما بيضة البلد

و أما الوليد- الذي ذكره في البيت- فهو الوليد بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس. و كان من قصته أنه خرج يوم بدر عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، و شيبة بن ربيعة أخوه، و الوليد بن عتبة بن ربيعة يطلبون البراز، فخرج إليهم عدتهم من الأنصار، فناسبوهم فلما عرفوهم قالوا: لا حاجة لنا فيكم، انما نريد أكفاءنا من قريش.

120

فأمر النبي (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) حمزة بن عبد المطلب رضي اللّٰه عنه أن يخرج إلى عتبة، و عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب أن يخرج إلى شيبة بن ربيعة و علي بن أبي طالب الى الوليد بن عتبة، فناسبوهم لما خرجوا إليهم فعرفوهم و قالوا:

أكفاء كرام.

و كان الثلاثة من رؤساء قريش و سادات المشركين: فأما حمزة و علي فقتلا مبارزيهما، و أما عبيدة و شيبة فاختلفا ضربتين، ضرب كل منهما صاحبه، و أدرك علي شيبة فقتله، و احتمل عبيدة و قد انقطعت رجله، فجاؤا به الى رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)، فمات بعد انصرافهم من بدر بالصفراء، و دفن بها رضي اللّٰه عنه.

و قال أسيد بن أبي إياس بن زنيم بن صحبة بن عبيد بن عدي من الدئل يحرض المشركين من قريش على قتل علي (عليه السلام) و يغريهم به شعرا:

في كل مجمع غاية أخزاكم * * * جذع أبر على المذاكي القرح

للّٰه دركم و لما تنكروا * * * قد ينكر الحر الكريم و يستحي

هذا ابن فاطمة الذي أفناكم * * * ذبحا و قتلة قعصة لم يذبح

أعطوه خرجا و اتقوا بضريبة * * * فعل الذيل و بيعة لم تريح

اين الكهول و اين كل دعامة * * * في المعضلات و اين زين الأبطح

أفناكم ضربا و طعنا يفتري * * * بالسيف يعمل حده لم يصفح

و كان لواء قريش في أحد مع طلحة بن أبي طلحة فقتله علي (عليه السلام)، فقال الحجاج بن علاط السلمي في ذلك:

للّٰه أي مذبب عن حرمة * * * أعني ابن فاطمة المعم المخولا

جادت يداك له بعاجل طعنة * * * تركت طليحة للجبين مجدلا

و شددت شدة باسل فكشفتهم * * * بالحرب إذ يهوون اخول أخولا

121

و عللت سيفك بالدماء و لم تكن * * * لترده ظمآن حتى ينهلا

و قالت هند بنت عتبة ترثي أباها:

أيا عين جودي بدمع سرب * * * على خير خندف لم ينقلب

تداعى له غدوة رهطه * * * بنو هاشم و بنو المطلب

يذيقونه حد أسيافهم * * * و يعلونه بعد ما قد شجب

و كان قتل هؤلاء النفر قبل أن يلتقي الجمعان، و لما برز هؤلاء الثلاثة (عليهم السلام) الى الثلاثة المذكورين رفع النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) يده الى اللّٰه تعالى يتضرع اليه و يسأله ما وعده من النصر و يقول: اللهم ان يظهروا على هذه العصابة يظهر الشرك و لا يتم لك دين. فلما قتلوا الثلاثة (1) نذرت هند لتأكل كبد حمزة (عليه السلام).

شارك حمزة أيضا في قتل عتبة بن ربيعة، فلذلك ذكره السيد الحميري.

و الصقعب: الطويل، وصفه بذلك و ليس هو هاهنا اسم رجل.

(ش 2) يعني بابن فاطمة أمير المؤمنين (عليه السلام)، لأن أمه فاطمة بنت أسد «رض»، و قد تقدم ذلك.

و الأغر: ذو الغرة البيضاء، و يوصف بذلك الكريم النجيب.

و الأغلب: الأول من الغلبة، و هو أشبه هاهنا من أن يريد به القصير العنق، لأن الغلباء من الأعناق القصيرة الغليظة.

____________

(1) في الهامش: الثلاثة الذين قتلوا هم: عتبة، و ولده الوليد، و اخوه شيبة. و أما حمزة فهو قتل في يوم أحد. و لعل الشارح أراد أنه حصل من هند ما ذكر في يوم أحد.

و اللّٰه أعلم.

122

و أراد بابن عبد اللّٰه: عمرو بن عبد ود، و هو عمرو بن عبد أبي قيس بن عبد ود ابن نضر بن مالك بن حنبل بن عامر بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر ابن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر، و يقال له ذو الندى، و هو فارس يليل، و كان فارس قريش، و كان يعد بألف فارس، حتى إذا كانوا بيليل عرضت لهم بنو بكر بن عبد مناة بن كنانة في عدد، فقال لأصحابه: امضوا فمضوا، و قام في وجوه أصحابه حتى منعهم من أن يصلوا إليهم فعرف بذلك.

و يليل واد قريب من بدر، يدفع الى بدر.

فلما حضر الأحزاب الخندق، أمر النبي بحفر الخندق، و كان أشار بذلك سلمان الفارسي. فلما رأته العرب قالت: مكيدة فارسية، و امتنعت العرب من أن تعبره، فكان ممن طفره عمرو بن عبد ود، و ضرار بن الخطاب الفهري، و عكرمة ابن أبي جهل، و نوفل بن عبد اللّٰه بن المغيرة. و في ذلك يقول الشعراء:

عمرو بن ود كان أول فارس * * * جزع المذاد و كان فارس يليل

و لما عبر عمرو الخندق، دعا الى البراز و قال:

و لقد بححت من النداء * * * بجمعهم هل من مبارز؟

و وقفت إذ جبن الشجاع * * * بموقف البطل المناجز

اني كذلك لم أزل * * * متسرعا نحو الهزاهز

إن السماحة و الشجاعة * * * في الفتى خير الغرائز

فأحجم المسلمون عنه فلم يخرج إليه أحد، فقال النبي (ص): أين علي؟

فجاء اليه، فأمره بالخروج اليه، و دفع اليه ذا الفقار سيفه، و يقال انه هبط به جبريل (عليه السلام)، و يقال ان جبريل هبط بجريدة من الجنة فهزها النبي (ص) فتحولت سيفا، فسلمه الى علي (عليه السلام) و أمره بالبروز الى عمرو بن ود، فلما توجه اليه قال النبي (ص): خرج الإسلام سائره الى الكفر سائره، فدعاه علي الى

123

أن ينازله و قال: يا عمرو انك كنت عاهدت اللّٰه لقريش أن لا يدعوك رجل الى خلتين إلا أخذت بإحداهما. قال عمرو: أجل. قال (عليه السلام): اني أدعوك الى اللّٰه و رسوله و الإسلام. فقال: لا حاجة لي بذلك. قال: فإني أدعوك إلى المبارزة، و كان عمرو نديما لأبي طالب، فقال: يا بن أخي ما أحب أن أقتلك، فقال له علي (عليه السلام): و لكني و اللّٰه أحب أن أقتلك.

فحمي عمرو فاقتحم عن فرسه و عرقبه، ثم أقبل الى علي، فتبارزا و تجاولا، و ثارت عليهما غبرة سترتهما عن العيون، فجزع النبي (ص) و المسلمون لذلك، فلم يرع المسلمين إلا تكبيرة علي، فعرف المسلمون أن عليا قتله، و انجلت الغبرة فإذا علي على صدره يذبحه، فكبر المسلمون و هزم اللّٰه المشركين، و قال جبرائيل للنبي (ص): يا محمد هذا المواساة، و عرج الى السماء و هو يقول بصوت يسمع لا سيف الا ذو الفقار و لا فتى الا علي.

و روى عمرو بن عبيد عن الحسن بن أبي الحسن أن أمير المؤمنين (عليه السلام) لما قتل عمرا و حمل رأسه و ألقاه بين يدي النبي (ص)، قام أبو بكر و عمر فقبلا رأس أمير المؤمنين (عليه السلام).

و روى أبو بكر بن عياش أنه قال: لقد ضرب علي (عليه السلام) ضربة ما كان في الإسلام أعز منها، يعني ضربة عمرو بن عبد ود. و لقد ضرب علي ضربة ما كان في الإسلام ضربة أشد منها على الإسلام، يعني ضربة ابن ملجم لعنه اللّٰه.

و قال الشاعر في ذكر هذه القتلة:

جبريل نادى في الوغى * * * و النقع ليس بمنجلي

و المسلمون بأسرهم * * * حول النبي المرسل

و الخيل تعثر بالجماجم * * * و الوشيج الذبل

124

لا سيف الا ذو الفقار * * * و لا فتى الا علي

و قالت كلثوم بنت عمرو بن عبد ود ترثي أباها:

لو كان قاتل عمرو غير قاتله * * * لكنت أبكي عليه آخر الأبد

لكن قاتله من لا يعاب به * * * و كان يدعى قديما بيضة البلد

و أما الوليد الذي ذكره في البيت، فهو الوليد بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس ابن عبد مناف بن قصي بن كلاب، و كان من قصته أنه خرج في يوم بدر عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، و شيبة بن ربيعة أخوه، و الوليد بن عتبة بن ربيعة يطلبون البراز، فخرج إليهم عدتهم من الأنصار فناسبوهم، فلما عرفوهم قالوا: لا حاجة بنا إليكم، انما نريد أكفاءنا من قريش. فأمر النبي (ص) حمزة بن عبد المطلب فخرج الى عتبة بن ربيعة، و عبيدة بن الحارث ابن عبد مناف فخرج الى شيبة، و عليا الى الوليد، فناسبوهم فانتسبوا فقالوا: أكفاء كرام، و كان هؤلاء من سادات قريش و من رؤساء المشركين. فأما حمزة و علي فما لبثا عتبة و الوليد حتى قتلاهما.

و أما عبيدة و شيبة فاختلفا ضربتين، فضرب عبيدة شيبة، و ضرب شيبة عبيدة فقطع رجله، و أدرك علي شيبة فأجهز عليه و حملا عبيدة إلى النبي (ص) فمات بعد انصرافهم من بدر. و توفي عبيدة بن الحارث و دفن بالصفراء.

و قال أسيد بن أبي إياس بن زنيم بن صحبة بن عدي الدئلي يحرض المشركين من قريش على قتل علي (عليه السلام) و يغريهم به:

في كل مجمع غاية أخزاكم * * * جذع أبر على المذاكي القرح

للّٰه دركم و لما تنكروا * * * قد ينكر الحر الكريم فيستحي

هذا ابن فاطمة الذي اوداكم * * * قتلا و قتلة قعصة لم يذبح

أعطوه خرجا و أذنوا بضريبة * * * فعل الذليل و بيعة لم تربح

125

اين الكهول و اين كل دعامة * * * في المعضلات و اين زين الأبطح

أفناكم ضربا و طعنا يفتري * * * بالسيف يعمل حده لم يصفح

و كان لواء المشركين في يوم أحد مع طلحة بن أبي طلحة، فقتله علي بن أبي طالب (ع)، فقال الحجاج بن علاط السلمي في ذلك:

للّٰه أي مذبب عن حرمة * * * أعني ابن فاطمة المعم المخولا

جادت يداك له بعاجل طعنة * * * تركت طليحة للجبين مجدلا

و شددت شدة باسل فكشفتهم * * * بالحرب إذ يهوون اخول أخولا

و عللت سيفك بالدماء و لم يكن * * * لترده ظمآن حتى ينهلا

و قالت هند بنت عتبة ترثي أباها:

أيا عين جودي بدمع سرب * * * على خير خندف لم ينقلب

تداعى له رهطه غدوة * * * بنو هاشم و بنو المطلب

يذيقونه حد أسيافهم * * * تعل به بعد ما قد شجب

و كان هؤلاء النفر قبل التقاء الجمعين لما برزوا ثلاثتهم و برز إليهم حمزة و علي و عبيدة، رفع النبي (ص) يده الى اللّٰه تعالى يتضرع اليه و يسأله ما وعده من النصر و يقول: اللهم ان تظهر علي هذه العصابة ظهر الشرك و لم يقم لك دين.

و لما قتلوا نذرت هند لتأكل كبد حمزة ان قدرت عليه.

فان قيل: فلم ذكر السيد عتبة بن ربيعة أبا الوليد و انما قتله حمزة؟

قلنا: الفجر لمن قتله حمزة لأمير المؤمنين (ع)، لأن الجر و السنخ واحدة (كذا) و الرافدة و مساعدة كل واحد منهما لصاحبه تسوغ هذه الإضافة.

فأما الصقعب: فهو الطويل من الرجال.

126

(92- 93)

و بنى قريظة يوم فرق جمعهم * * * من هاربين و ما لهم من مهرب

و موائلين الى أزل ممنع * * * رأسي القواعد مشمخر حوشب

الموائلون: اللاحقون، يقال: وألت إليه إذا لجأت اليه، و اسم الموضع:

الموئل، و وأل يئل.

و الأزل: هاهنا الذي تزل عنه الأقدام لطوله و كونه أملس وعرا.

و الممنع: المتصعب.

و الراسي: الثابت القواعد.

و المشمخر: العالي.

و الحوشب: العظيم الجنبين، و هو أيضا العظيم البطن. و الحوشب أيضا:

عظم الرسغ من الفرس، [و] الحوشب: حشو الحافر، و الجمع من الكل:

حواشب.

و انما عنى أن بني قريظة لما حاربهم، هزمهم و هربوا منه و لجئوا الى حصن كان لهم، و صفه هذه الصفات.

(94)

رد الخيول عليهم فتحصنوا * * * من بعد ارعن جحفل متحزب

يقول: ان اللّٰه تعالى لما أخزاهم به و فل حدهم، تحصنوا من بعد أن كانوا

127

مصحرين في كنيف.

و الأرعن: الجيش الكثيف، شبهه برعن الجبل، و هو أنف يتقدم الجبل، و الجمع رعان و رعون.

و الجحفل: الجيش الكبير العظيم.

و المتحزب: المتجمع، و الحزب: الجماعة، و الجمع أحزاب.

(95)

ان الضباع متى تحس بنبأة * * * من صوت اشوس تقشعر و تهرب

شبههم بالضباع.

و النبأة: الصوت، و النبإ الخبر.

و الأشوس: الرافع رأسه تكبرا، و الجمع شوش.

و انما أراد به الأسد، و قد استعاره.

(96)

فدعوا ليمضي حكم احمد فيهم * * * حكم العزيز على الذليل المذنب

لما حضرهم علي (عليه السلام)، حين تحصنوا منه، قال لهم: لا أمان لكم الا أن تنزلوا على حكم محمد (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم). فقالوا: ما ننزل على حكمه.

128

(97)

فرضوا بآخر كان أقرب منهم * * * دارا فمتوا بالجوار الأقرب

(ش 1) قوله «فرضوا بآخر» لأنهم قالوا لما اشتد بهم الأمر و تطاول حصارهم نحن نرضى بحكم سعد بن معاذ، لانه كان جارا لهم، و ظنوا أنه يحكم بما يوافقهم فحكموه، فحكم فيهم أن يقتل مقاتليهم، و أن يسبى ذراريهم، و أن يقسم أموالهم فقال له رسول اللّٰه: لقد حكمت بحكم اللّٰه و رسوله فيهم. و القصة مشهورة و شرحها يطول.

(ش 2) المت في النسب: أن تصل نفسك بغيرك، تقول: متت اليه أمت متا. و المت و المطل واحد، الا أن المت يختص بالنسب. و المد: في الحبل و شبهه. و المط: في الخط. و المطل: في المواعيد.

(98- 101)

قالوا الجوار من الكريم بمنزل * * * يجرى لديه كنسبة المتنسب

فقضى بما رضي الإله لهم به * * * بالحرب و القتل الملح المخرب

قتل الكهول و كل أمرد منهم * * * و سبى عقايل بدنا كالربرب

و قضى عقارهم لكل مهاجر * * * دون الاولى نصروا و لم يتهيب

الملح: من الإلحاح، بمعنى المداومة للشيء و الاستمرار عليه. و الإلحاح

129

و الالحاف: واحد. و المعنى أنه لما استمر عليهم القتل و عمهم جميعهم، أخلى ديارهم و أجلاهم منها، فبقيت بعدهم عاطلة دارسة.

و العقائل: جمع عقيلة، و هي الكريمة من النساء. و عقائل المال: كرائمه.

و البدن: جمع بادنة، و هي الوافر لحم الجسم. و يقال أيضا: بدنت المرأة و بدن الرجل تبدينا: أسن و هرم، و رجل بدن: أي كبير السن.

و البدن: العظم، و جمعه أبدان.

و البدن أيضا: الدرع القصيرة، و جمعها أبدان أيضا.

و الربرب: جماعة البقر ما كان دون العشرة. و الصوار ما جاز.

و آخر في قوله «و رضوا بآخر كان أقرب» سعد بن معاذ الأنصاري، لأن بني قريظة لما حاصرهم النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) في حصنهم المدة المذكورة في الكتب و ضاق ذرعهم و عرض عليهم رسول اللّٰه (ص) أن ينزلوا على حكمه فيهم فأبوا ذلك و رضوا على حكم سعد بن معاذ لأنه كان جارا لهم لأنهم ظنوا أنه يحكم بما يوافقهم فحكموه، فحكم عليهم أن يقتل مقاتلتهم و يسبي ذراريهم و أن يقسم أموالهم. فقال له النبي (ص): لقد حكمت فيهم بحكم اللّٰه من فوق سبعة أرقعة.

و القصة مشهورة يطول ذكرها.

(102- 105)

و بخم إذ قال الإله بعزمة * * * قم يا محمد بالولاية فاخطب

و انصب أبا حسن لقومك انه * * * هاد و ما بلغت ان لم تنصب

130

فدعاه ثم دعاهم فأقامه * * * لهم فبين مصدق و مكذب

جعل الولاية بعده لمهذب * * * ما كان يجعلها لغير مهذب

أما «خم» فهو الموضع الذي يضاف اليه الغدير في قولهم غدير خم، و هو الذي عناه الكميت مرة بقوله:

و يوم الدوح دوح غدير خم * * * أبان له الولاية لو أطيعا

و يجب أن يكون مشتقا من الخم و هو الكنس، يقولون خممت أخمه خما إذا كنسته. و الخمامة الكناسة، و المخمة: المكنسة، و رجل مخموم النفس و القلب:

نفيه من الدنس. و كان هذا الوضع لا شية فيه و لا أذى و لا قذى.

يروى أن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) لما عاد من حجة الوداع نزل بغدير خم، و أن قوله تعالى «يٰا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمٰا بَلَّغْتَ رِسٰالَتَهُ» (1) نزل في هذا الموضع.

و يروى أن في هذا الموضع نزل قوله تعالى «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلٰامَ دِيناً» (2). و ان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) نزل، و اليوم شديد متوهج القيظ، فأمر (ص) بما تحت الشجر من الشوك فضم، ثم قام و قال للناس مقبلا عليهم:

«أ لست أولى بكم من أنفسكم»؟

فلما أجابوه بالاعتراف و الإقرار، أخذ بضبعي أمير المؤمنين (عليه السلام)

____________

(1) سورة المائدة: 67.

(2) سورة المائدة: 3.

131

فرفعهما حتى نظر الناس الى بياض إبط رسول اللّٰه (ص)، ثم قال:

«فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه، و عاد من عاداه، و انصر من نصره، و اخذل من خذله» (1).

و استأذن حسان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) أن يقول في ذكر الحال شعرا، فأذن له، فقال حسان: يا معشر مشيخة قريش اسمعوا قولي بشهادة من رسول اللّٰه (ص)، ثم قال:

يناديهم يوم الغدير نبيهم * * * بخم و أسمع بالرسول مناديا

يقول فمن مولاكم و وليكم * * * فقالوا و لم يبدوا هناك التعاميا

إلهك مولانا و أنت ولينا * * * و لا تجدن منا لأمرك عاصيا

فقال له قم يا علي فانني * * * رضيتك من بعدي اماما و هاديا

و روي أن عمر بن الخطاب قال لأمير المؤمنين (عليه السلام) في الحال: بخ بخ لك يا علي، أصبحت مولاي و مولى كل مؤمن و مؤمنة.

و قد بينا في الكتاب «الشافي» خاصة و في غيره من كتبنا عامة أن هذا الكلام نص عليه بالإمامة و إيجاب لفرض طاعته، لأن النبي (ص) قرر أمته بفرض طاعته بما أوجبه له قوله عز و جل «النَّبِيُّ أَوْلىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ» (2)، و لا خلاف بين أهل اللغة بأن الأولى هو الأخص الأحق بالشيء الذي قيل و هو أولى به، فإذا قال (صلى اللّٰه عليه و آله): (من كنت مولاه فعلي مولاه)، فقد أتى من لفظة مولى بما يحتمل معنى أولى، و ان كان محتملا لغيره من الناصر و الحليف و المعتق

____________

(1) أو في مصدر يراجع للاطلاع على أسانيد حديث الغدير و مداليل ألفاظه كتاب الغدير في الجزء الأول منه.

(2) سورة الأحزاب: 6.

132

و ابن العم و غير ذلك مما قد سطر و ذكر، فلا بد أن يكون انما أراد من اللفظة المحتملة- و هي لفظة مولى- معنى الأولى الذي تقدم التصريح به، لأن من شأن أهل اللسان إذا عطفوا محتملا على صريح لم يجز أن يريدوا بالمحتمل الا معنى الصريح. ألا ترى أن من له عبيد كثيرون إذا أقبل على جماعة قال: أ لستم عارفين بعبدي زيد؟ ثم قال عاطفا على الكلام: فاشهدوا إن عبدي حر لوجه اللّٰه تعالى، لم يجز أن يريد بلفظة عبدي الثانية، و هي مشتركة بين جماعة عبيده الا العبد الأول الذي تقدم التصريح باسمه، من أراد غيره كان سفيها ملغزا معميا.

و بينا بحيث أشرنا إليه ما يرد على هذا الكلام من الأسئلة المختلفة، و استقصينا الجواب عنها و أزلنا كل شبهة معترضة فيها، و ليس هذا موضع استيفاء ذلك، و من أراد تناوله فمن مواضعه.

و أما قول السيد «إذ قال الإله بعزمة» و العزم لا يجوز على اللّٰه تعالى، لأنه اسم لإرادة متقدمة على الفعل، فإرادة التقديم لفعله لا تتقدمه، لأن تقدمها عيب، فالوجه فيه أن السيد انما أراد هاهنا القطع بالأمر و الثبات له و الإيجاب، لأنهم يقولون:

عزمت عليك أن تفعل كذا و كذا أي ألزمتك و أوجبت عليك. و الإرادة إذا تناولت فعل الغير لا تسمى عزمة، و تسمى الواجبات عزائم، و لا يسمون المندوبات بذلك و لهذا قالوا: عزائم السجود في القرآن، و هي السور التي فيها سجود واجب، فما أخطأ السيد في ذكر العزمة و لا وضعها في غير موضعها.

فان قيل: فان السيد ذكر في شعره الولاية، و هي الولاء و المحبة و النصرة، و لم يذكر الإمامة، و قد كان قادرا على أن يقول: قم يا محمد بالإمامة و اخطب.

فكيف عدل عن لفظ الإمامة إلى لفظ الولاية؟

قلنا: لا فرق هنا بين اللفظتين، و انما أراد بالولاية الخلافة و تولي الأمر

133

الموجب لفرض الطاعة. إلا ترون أن الخليفة إذا أمر أميرا و فوض اليه تدبير أمره قيل: انه قد ولاه ولاية، من حيث جعل له طاعة على أهل ولايته، و كل رتبة تقتضي طاعة فهي تسمى ولاية.

و انما اشتق السيد الاسم الذي ذكره من لفظ النبي (ص) و هو «المولى» و لم يعتمد الاشتقاق من المعنى، و المعنى في كلا اللفظتين ثابت. و قد صرح بمعنى الإمامة دون الموالاة التي هي النصرة في قوله: و انصب أبا حسن لقومك الى آخره، و هذا اللفظ لا يليق إلا بالإمامة و الخلافة دون المحبة و النصرة.

و قوله «جعل الولاية لمهذب» صريح في الإمامة، لأن الإمامة هي التي جعلت له بعده، و المحبة و النصرة حاصلتان في الحال و غير مختصتين بعد الوفاة.

فإن قيل: فأي معنى لقوله «فبين مصدق و مكذب»؟

قلنا: انما أراد أن النبي لما تأهب للكلام و دعا أمير المؤمنين و أخذ بيده، تصرفت الظنون و اختلفت الأفكار فيما يريد أن يظهره، فبين تصديق و تكذيب و تصعيد و تصويب. و انما أراد أنهم كانوا كذلك قبل استماع الكلام و وقوع التصريح المزيل لكل شبهة الدافع لكل ريبة، و للّٰه درة و إجادته في هذا.

(106- 110)

[و اللّٰه أهبط جبرائيل قائلا (كذا) * * * لرسوله فانظر لذلك و أعجب] (1)

ما أن يبلغها سواك أو امرئ * * * هو منك أصلا و هو غير مجنب

____________

(1) هذا البيت ورد في بعض النسخ.

134

هذي مناقب لا ترام متى يرد * * * ساع تناول بعضها يتذبذب

انى أدين بحب آل محمد * * * دينا و من يحببهم يستوجب

لهم المودة و الولاء و من يرد * * * بدلا بآل محمد لا يحبب

فقد مضى تفسير المناقب.

فأما التذبذب: فهو الاضطراب و التردد و التحير، و ذبذب الرجل لسانه و ذكره. و انما أراد أن من رام تناول بعض هذه المناقب قصر عنها و لم ينلها.

فأما قوله «انا ندين بحب آل محمد» فمعناه: انا نطيع اللّٰه بحبهم، و نتقرب اليه بذلك.

و الدين: العادة، و الديدن: العادة، و الدين: الحساب، و الدين: الذل، و الدين: الطاعة، و الدين: الجزاء، و يقولون: دين الرجل إذا ملك و قلد.

و انما أراد من تولى آل محمد (ص) يستحق منا الولاء و المودة، و من يتدين بغيرهم لا نحبه.

(111- 112)

و متى يمت يرد الجحيم و لا يرد * * * حوض الرسول و ان يرده يضرب

ضرب المحاذر ان تعر ركابه * * * بالسوط سالفة البعير الأجرب

الجحيم: اسم من أسماء النار، و جحمت النار: أوقدتها، و جحمت النار عظمت.

135

الجحام: داء يصيب الكلب يكون منه بين عينيه، و الجحمتان عند أهل اليمن:

العينان.

العر: الجرب، و قد عرت الإبل تعر فهي عارة.

السالفة: صفحة العنق الى الخد، و السالف: الذي يتقدم القوم فيستقي الماء و جمعه سلاف، و السالف: الماضي.

و انما أراد السيد (رحمه اللّٰه) أن عدو آل محمد (ص) و من لم يتولهم و يتحقق بهم يرد الجحيم لأنها منزلة و دار مقامه، و إذا ورد حوض رسول اللّٰه (ص) الذي يشرب منه يوم القيامة، امارة السلامة و الكرامة و دخول الجنة، صد عنه و ضرب كما يضرب المشفق، من أن تجرب مطيته و ركابه، سالفة البعير الأجرب، منعا له عن الاختلاط بها و الورود معها فيجربها و يعديها.

(113- 115)

و كان قلبي حين يذكر احمدا * * * و وصى احمد نيط من ذي مخلب

بذرى القوادم من جناح مصعد * * * في الجو أو بذرى جناح مصوب

حتى يكاد من النزاع إليهما * * * يفري الحجاب عن الضلوع الصلب

(ش 1) قوله نيط أي علق، و نياط القلب: معلقه، و كذلك نياط القوس.

و الذري: جمع ذروة، و ذروة كل شيء: أعلاه، و ذرى الرجل: ناحيته.

و القوادم: جمع قادمة. و قوادم الجناح أربع ريشات مقدمة، و يليهن المناكب و هن أربع ريشات، و يليهن الأباهر و هن أربع ريشات، ثم الخوافي و هن أربع

136

فإذا جمعت كن عشرين ريشة نسقا من أول الجناح الى آخره.

و المصعد: الذي يعلو إلى جهة السماء.

و المصوب: الذي يهوى سفلا إلى جهة الأرض.

و الحجاب: حجاب القلب.

الصلب: الحجارة، و الصلب: الموضع الغليظ، و يقال للظهر صلب و صلب.

(ش 2) و انما أراد بوصي أحمد (ص) أمير المؤمنين (ع)، لأنه وصيه على أمته و على أهله. و قد دللنا على ذلك من قبل.

و معنى نيط: أي علق، و نياط القلب: معلقه، و كذلك نياط القوس، و النياط حبل مستبطن الصلب، و نياط الأرض: اتصال بعضها ببعض.

و أراد بذي مخلب: جارحا ذا مخلب.

و الذري: جمع ذروة، و ذروته: أعلاه. و ذرى الرجل: ناحيته.

و القوادم: جمع قادمة، و قوادم الجناح: أربع ريشات في مقدمته، و تليهن المناكب و هي أربع، و تليهن الأباهر و هي أربع أيضا، ثم الخوافي و هي أربع ثم الكلاء و هي أربع، فإذا جمعن كن عشرين ريشة من أول الجناح الى آخره.

و المصعد: هو الذي يصعد علوا إلى جهة السماء.

و المصوب: هو الذي يهوي إلى جهة الأرض سفلا.

و معنى هذا الكلام أن قلبي عند ذكرهما، مسرة بهما و اشتياقا إليهما، ينزو و يعلم، و يجيء و يذهب، ارتياحا و نزاعا.

و الفري: هو القطع.

و الحجاب: يعني به حجاب القلب.

و الصلب و الصلبة: حجارة المسن، الواحدة صلبة. و الصلب: الظهر.

137

و الصلب: الحسب، و الصلب: الموضع الغليظ المنقاد، و يقال للظهر: صلب.

و الصلب مثل النحل و النحل و الهدب و الهدب.

(116- 117)

هبة و ما يهب الإله لعبده * * * يزدد و مهما لا يهب لا يوهب

يمحو و يثبت ما يشاء و عنده * * * علم الكتاب و علم ما لم يكتب

الهبة: معروفة، و هي العطية على سبيل التفضل، و القبض شرط في وقوع التمليك فيها. و معنى «ما يهب الإله لعبده يزدد» أنه يتضاعف و ينمو لبركته و طهارته.

فان قيل: فأي معنى لقوله «و مهما لا يهب»، و معلوم أن غيره تعالى قد يهب و يسمى ما يهب موهوبا؟

قلنا: معنى هذا الكلام أن هبة عيره لا تتم و لا يحصل الانتفاع بها الا بعد تقدير هبة اللّٰه تعالى، لأن الواهب منا لا يتم كونه واهبا الا بما وهبه اللّٰه تعالى له من الاحياء و الأقدار و التمكن، و الموهوب له لا ينتفع بالهبة إلا بما وهبه اللّٰه تعالى من الحياة و الشهرة و القدرة، و الموهوب نفسه لا يتم الانتفاع به الا بما خلقه اللّٰه فيه من أجناس المدركات كالطعوم و الأراييح و غيرهما، فهبته تعالى أصل لكل هبة كما أن نعمة اللّٰه أصل لكل نعمة.

و وجه آخر: ان الهبة انما يقع التملك بها اما عقلا أو شرعا بحسب ما حكم اللّٰه تعالى به و دل عليه، و ما خرج عن تلك الشروط و الأحكام لا يكون هبة و لا يوصف بأنه واهب، و ما لم يتفضل علينا باعلامنا انه هبة لا يسمى بذلك، و لا يكون له تأثير و لا حكم.

138

و معنى «يمحو و يثبت ما يشاء» أنه يغير أحكام الشريعة بحسب ما يعلمه من المصالح لعباده، فيبيحه ما لم يكن مفسدة، و يحظره إذا تغيرت حاله و صار مفسدة و يوجبه إذا كان مصلحة، و يسقط وجوبه إذا خرج عن كونه مصلحة. و سمي بذلك محوا و إثباتا من حيث التبديل و التغيير و التطبيب و التشبيه بمن كتب شيئا ثم محاه و أزال رسمه.

و يجوز أيضا أن يراد بالمحو و الإثبات الحقيقة لا التسمية، لما وردت به الرواية من إثبات ما يكون في اللوح المحفوظ، فإذا تعبد تعالى بشرع كتبه و إذا نسخه محاه.

و أما قوله «و عنده علم الكتاب و علم ما لم يكتب»، فيحتمل أمرين: أحدهما أن يريد بالكتاب ما كتبه في اللوح المحفوظ، و الوجه الأخر أن يريد بالكتاب القرآن. و لا شبهة في أنه تعالى يعلم ما زاد على ذلك كله و ما لا يتناهى من المعلومات.

وجدت في نسخة السيد رضي اللّٰه عنه ملحقا ملخصه:

و إذا كنا قد قضينا من تفسير هذه القصيدة الوطر، و بلغنا الغرض، فالواجب القطع هاهنا، و انما لم نفرع التفسير و نتتبعه، و نفصل وجوه الكلام كلها و نقسمها، لأن هذا الخبر غير متناه، و يحوجنا ان قصدناه و استوفيناه الى ذكر جميع أحكام العربية، و جميع اللغة المروية في الكلام و فروعه، و خاصة في الإمامة و ما يرجع إليها و يتعلق بها، و هذا غرض لا تتسع له الطوامير، و لا تنحصر فيه الأساطير.

و في الجمل التي ذكرناها كفاية في معرفة مراد الشاعر، و ما لا بد من معرفته من معاني كلامه، و ما تعدى ذلك فهي اطالة تمل و تضجر. غير أنا آثرنا أن نختم هذه القصيدة بشيء من أخبار السيد (رحمه اللّٰه) تعالى، و محاسنه و فضائله، لتكمل

139

الفائدة و توفر، و نحن لذلك فاعلون:

اسم السيد إسماعيل، و كنيته أبو هاشم بن محمد بن يزيد بن وداع الحميري و أمه من حمير، تزوج بها أبوه لأنه كان نازلا فيهم، و أم هذه المرأة أو جدته بنت يزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري الشاعر المعروف، و ليس لابن مفرغ هذا عقب من ولد ذكر، و قد غلط الأصمعي في نسبة السيد الى يزيد بن مفرغ من جهة أبيه بنسبه.

قال الصولي: و السيد لقب به لذكاء كان فيه، فقيل سيكون سيدا، فعلق هذا اللقب به. بذلك أخبرنا على سبيل الإجازة أبو عبيد اللّٰه محمد بن عمران بن موسى المرزباني عن أشياخه، و أخبرنا المرزباني قال: أخبرنا محمد بن يزيد النحوي قال: حدثني من سأل العباسة بنت السيد بن محمد عن مولد أبيها، قالت: في سنة خمس و مائة، و مات في سنة ثلاث و سبعين و مائة.

و أخبرنا أبو عبيد اللّٰه المرزباني قال: حدثني أبو عبد اللّٰه الحكمي قال: حدثني يموت بن المزرع قال: حدثني محمد بن حميد الشكري قال: سئل أبو عمرو:

من أشعر المولدين؟ قال: السيد و بشار.

و أخبرنا المرزباني قال: أخبرني محمد بن يحيى قال: أخبرنا المغيرة بن بحر قال: أخبرنا الحسين بن الضحاك قال: ذاكرني مروان بن أبي حفصة أمر السيد بعد موت السيد و ان أحفظ لشعر بشار و السيد، فأنشدته قصيدته المذهبة التي منها:

أين التطرب بالولاء و بالهوى * * * أ الى الكواذب من بروق الخلب

أ إلى أمية أم الى شيع التي * * * جاءت على الجمل الخدب الشوقب

حتى أتيت على آخرها، فقال مروان:

ما سمعت قط شعرا أفصح و أغزر معاني و أبعد ما يرجع في الظن و في اللفظ (كذا) و لا أحسن من هذا الشعر.

140

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

141

(56) (الشهاب) (في الشيب و الشباب)

142

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

143

بسم اللّٰه الرّحمن الرّحيم

الحمد للّٰه على جزيل عطائه و جميل آلائه، و له الشكر على ما منح من هداية و نفح من كفاية، و صلى اللّٰه على سيد البشر محمد و آله الغرر و كرم و سلم.

سألت وفقك اللّٰه أن أجمع لك من مختار الشعر في الشيب ما تناله القدرة، و تنتهي إليه الخبرة، إذ كان الناس قد جمعوا في ذلك الكثير من غث و سمين و كريم و هجين، فأنا أجيب مسألتك و أنجح طلبتك.

و اعلم أن الإغراق في وصف الشيب و الإكثار في معانيه و استيفاء القول فيه لا يكاد يوجد في الشعر القديم، و ربما ورد لهم فيه الفقرة فكانت مما لا نظير له، و انما أطنب في أوصافه و استخراج دفائنه و الولوج الى شعابه الشعراء المحدثون، و ان كان الإحسان المطبق للمفصل قليلا و الجيد من كل شيء قدرا معدودا، و للفحلين المبرزين الطائيين أبي تمام و أبى عبادة البحتري في هذا المعنى ما يغبر في الوجوه سبقا، لا سيما البحتري فإنه مولع بالقول في الشيب لهج به معيد مبدئ لأوصافه، و لا تكاد أكثر قصائده تخلو من إلمام به و تعرض له، فقد زاد فيه على كل متقدم لزمانه اكثارا و تجويدا و تحقيقا و تدقيقا، فأنى أخرجت له في الشيب مائة و أربعين

144

بيتا لكنها مملوءة إحسانا و تجويدا.

و وجدت في شعر أخي رضي اللّٰه عنه و أرضاه و كرم مثواه في الشيب شيئا كثيرا في غاية الجودة و البراعة، و رأيت أيضا بعد ذكر ما للطائيين ما ذكره كله لكثرة الإحسان فيه و الغوص الى لطيف المعاني، و قد أخرجت من ديوانه مائتين و نيفا و سبعين بيتا، من تأملها وجد الحسن فيه غزيرا و التجويد كثيرا.

و أنا أضم الى ذلك و أختمه به ما أخرجه من ديوان شعري في هذا المعنى، فإنه ينيف على الثلاثمائة بيت الى وقتنا هذا، و هو ذو الحجة من سنة تسع عشرة و أربعمائة، و ربما امتد العمر و وقع نشاط مستقبل لنظم الشعر، فأنفق فيه من ذكر الشيب ما يزيد في عدد هذا المذكور المسطور.

فأما الإحسان و التجويد مع هذا الإكثار الذي قد زاد على المكثرين في أوصاف الشيب فمما يخرجه الاختبار و يبرزه الاعتبار، و يشهد بتقدم فيه أو تأخر ضم قول الى نظيره و معنى الى عديله، و اطراح التقليد و العصبية و تفضيل ما فضله السبك و النقد من غير احتشام لحق يصدع به و باطل يكشف عنه، و لا محاباة لمتقدم بالزمان على متأخر، فما المتقدم الا من قدمه إحسانه لا زمانه و فضله لا أصله، و قد قلت في بعض ما نظمته:

و السبق للإحسان لا الأزمان

و بانضمام ما أخرجته من هذه الدواوين الأربعة يجتمع لك محاسن القول في الشيب و التصرف في فنون أوصافه و ضروب معانيه، حتى لا يشذ عنها في هذا الباب شيء يعبأ به.

هذا حكم المعاني، فأما بلاغة العبارة عنها و جلاؤها في المعاريض الواصلة إلى القلوب بلا حجاب و الانتقال في المعنى الواحد من عبارة إلى غيرها مما يزيد عليها براعة و بلاغة أو يساويها أو يقاربها حتى يصير المعنى باختلاف العبارة عنه و تغير

145

الهيئات عليه و ان كان واحدا كأنه مختلف في نفسه، فهو وقف على هذه الدواوين مسلم لها مفوض إليها مع الانصاف الذي هو العمدة و العقدة في كل دين و دنيا و أخرى و أولى.

و ان شئت أن تختصر لنفسك و تقتصر على أحد هذه الدواوين استغناء به في هذا المعنى عما سواه و لاحوائه على ما في غيره، فأنت عند سبرك لها و أنسك بكل واحد منها و عملك بالاشتراك بينها و الانفراد و الاجتماع و الافتراق تعرف على أيها تقتصر و بائها تستغني عما سواه.

و اعلم أن الشيب قد يمدح و يذم على الجملة، ثم يتنوع مدحه الى فنون، فيمدح بأن فيه الجلالة و الوقار و التجارب و الحنكة، و انه يصرف عن الفواحش و يصد عن القبائح و يعظ من نزل به فيقلل إلى الهوي طماحه و في الغي جماحه، و ان العمر فيه أطول و المهل معه أفسح، و ان لونه أنصع الألوان و أشرقها، و ما جرى مجرى ما ذكرناه، فالتركب منه كثير.

و من يذمه بأنه رائد الموت و نذيره، و أنه يوهن القوة و يضعف المنة و يطمع في صاحبه، و أن النساء يصددن عنه و يعبن به و ينفرن عن جهته.

و ربما شكي منه لنزوله في غير زمانه و وفوده قبل ابانه، و انه بذلك ظالم جائر. و ما أشبه ذلك.

و مما يدخل في هذا الشباب و إطراء السواد و ذكر منافعهما و فوائدهما و مرافقهما و يتعلق بأوصاف الشيب ذكر الخضاب اما بمدح أو بذم، و فنون مدحه أو ذمة كثيرة، و ذكر ما يقوم مقام الخضاب في إزالة شخص الشيب عن المنظرة من مقراض أو غيره.

و سيجيء من هذه المعاني في ما نورده من الدواوين الأربعة ما ستقف عليه في مواضعه و تعلم حسن مواقعه.

146

و ما توفيقي إلا باللّه عليه توكلت و اليه أنيب.

قال أبو تمام حبيب بن أوس الطائي و هو ابتداء قصيدة

نسج المشيب له لفاعا مغدفا * * * يققا فقنع مذرويه و نصفا

نظر الزمان اليه قطع دونه * * * نظر الشفيق تحسرا و تلهفا

ما اسود حتى أبيض كالكرم الذي * * * لم يأن حتى جيء كيما يقطفا

لما تفوقت الخطوب سوادها * * * ببياضها عبثت به فتفوقا

ما كاد يخطر قبل ذا في فكره * * * في البدر قبل تمامه أن يكسفا

و وجدت أبا القاسم الامدي يذكر في كتابه المعروف «بالموازنة بين الطائيين» في البيت الأول من هذه الأبيات شيئا أنا أذكره و أبين ما فيه، قال: معنى قوله «نصفا» أي قنع جانبي رأسه حتى يبلغ النصف منه. قال: و قد قيل: انما أراد بقوله «نصف النصيف» و هو قناع لطيف يكون مثل نصف القناع الكبير، و قد ذكره النابغة، فقال:

سقط النصيف و لم ترد إسقاطه

ثم قال: و ذلك لا وجه له بعد ذكر القناع، و انما أراد أبو تمام ما أراده الأخر بقوله:

أصبح الشيب في المفارق شاعا * * * و اكتسى الرأس من مشيب قناعا

قال: فالمعنى مكتف بقوله «قنع مذرويه» و قوله «نصفا» أي بلغ نصف رأسه.

و هذا الذي ذكره الامدي غير صحيح، لأنه لا يجوز أن يريد بقوله «نصفا» أي بلغ نصف رأسه، لأنه قد سماه لفاعا، و اللفاع ما اشتمل به المتلفع فغطى جميعه

147

لأنه جعله أيضا مغدفا، و المغدف المسبل السابغ التام، فهو يصفه بالسبوغ على ما ترى، فكيف يصفه مع ذلك بأنه بلغ نصف رأسه. و الكلام بغير ما ذكره الامدي أشبه.

و يحتمل وجهين:

أحدهما- أن يريد بقوله «نصفا» النصف الذي هو الخمار، و الخمار ما ستر الوجه، فكأنه لما ذكر أنه قنع مذرويه- و هما جانبا رأسه- أراد أن يصفه بالتعدي إلى شعر وجهه فقال «نصفا» من النصيف الذي هو الخمار المختص بهذا الموضع، و ليس النصيف على ما ظنه الامدي القناع اللطيف، بل هو الخمار و قد نص أهل اللغة على ذلك في كتبهم. و بيت النابغة الذي أنشد بعضه شاهد عليه، لأنه قال:

سقط النصيف و لم ترد إسقاطه * * * فتناولته و اتقتنا باليد

و انما اتقت بيدها بأن سترت وجهها عن النظر إليه، فأقامت الخمار بهذا الموضع.

و الوجه الأخر- أن يكون معنى نصفا أنه بلغ الخمسين و ما قاربها، فقد يقال في من أسن و لم يبلغ الهرم أنه نصف.

فان قيل: النصف انما يستعمل في النساء دون الرجال.

قلنا: لا مانع يمنع من استعماله فيهما و لو على سبيل الاستعارة في الرجال، فقد يستعير الشعراء ما هو أبعد من ذلك. و على هذا الوجه يكون قوله «نصفا» راجعا إلى ذي الشيب و الى من كنى عنه بالهاء في قوله «له»، و لا يكون راجعا الى الشيب نفسه.

148

و رأيت الامدي يسرف في استرذال قوله:

لم يأن حتى جيء كيما يقطفا

و لعمري انه لفظ غير مطبوع و فيه أدنى ثقل، و مثل ذلك يغفر لما لا يزال يتوالى من إحسانه و يترادف من تجويده.

و وجدته أيضا يذمه غاية الذم على البيت الأخير الذي أوله:

ما كان يخطر قبل ذا في فكره

و يصفه بغاية الاضطراب و الاختلال. و ليس الأمر على ما ظنه، إذ البيت جيد، و انما ليس رونق الطبع فيه ظاهرا، و ليس ذلك بعيب.

و له و هو ابتداء قصيدة:

يضحكن من أسف الشباب المدبر * * * يبكين من ضحكات شيب مقمر

و وجدت أبا القاسم الامدي يغلو في ذم هذا البيت، و قال: هذا بيت رديء ما سمعت يضحك من الأسف إلا في هذا البيت. قال: و كأنه أراد قول الأخر:

و شر الشدائد ما يضحك

فلم يهتد لمثل هذا الصواب. قال: و قوله:

من ضحكات شيب مقمر

ليس بالجيد أيضا، و لو كان ذكر الليل على الاستعارة لحسن أن يقول «مقمر» لأنه كان يجعل سواد الشعر ليلا و بياضه بالمشيب أقماره، لأن قائلا لو قال «قد أقمر ليل رأسي» كان من أصح الكلام و أحسنه و ان لم يذكر الليل أيضا حتى يقول

149

«قد اقمر عارضاك» أو «فوداك» لكان حسنا مستقيما، و هو دون الأول في الحسن و ذاك أنه قد علم أنهما كانا مظلمين فاستنارا.

و الذي نقوله: ان قول أبي تمام:

يضحكن من أسف الشباب المدبر

يحتمل أن يكون المراد به النساء اللواتي يرين بكاء عشاقهن و أسفهن على الشباب المدبر يهزأن بهم و يضحكن منهم، و مثل ذلك يرد في الشعر كثيرا.

فأما قوله:

يبكين من ضحكات شيب مقمر

فالأولى أن يحمل على أن المراد به أنهن يبكين من طلوع الشيب في مفارقهن و ضحكه في رءوسهن، لأنا لو حملناه على شيب عشاقهن لكان الذي يبكين منه هو الذي يهزأن به، و هذا يتنافى. فكأنه وصفهن بأنهن يضحكن و يهزأن من شيء في غيرهن و يبكين منه بعينه إذا خصهن.

فأما حمل الضحك هاهنا على معنى البكاء و غاية الحزن، فهو مستبعد و ان كان جائزا. و يكون على هذا التأويل يضحكن و يبكين بمعنى واحد.

فأما عيبه لقوله «شيب مقمر» ففي غير موضعه، و ليس يحتاج الى أن يذكر الليل على ما ظنه. و كما يقال «أقمر ليل رأسك و أقمر عارضاك» على ما استشهد به كذلك يقال «أقمر شيبك» و لا يحتاج الى ذكر الليل، و انما المعنى أنه أضاء بعد الظلام و انتشر فيه البياض بعد السواد.

و ليس هذا تتبع من يعرف الشعر حق معرفته، و لعمري ان هذا البيت خال من طبع و حلاوة، لكن ليس الى الحد الذي ذكره الامدي.

150

و له من جملة قصيدة:

غدا الهم مختطا بفودي خطة * * * طريق الردى منها الى الموت مهيع

هو الزور سجفا و المعاشر يجتوى * * * و ذو الالف يقلى و الجديد يرقع

له منظر في العين أبيض ناصع * * * و لكنه في القلب اسود اسفع

و كنا نرجيه على الكره و الرضا * * * و أنف الفتى من وجهه و هو أجدع

و الإحسان في هذه الأبيات غير مجحود و لا مدفوع.

و معنى أن الشيب في القلب أسود و ان كان في العين ناصعا ما يورثه من الهم و الحزن الذي تظلم به القلوب و تكسف أنوارها.

و له من جملة قصيدة:

شعلة في المفارق استودعتني * * * في صميم الفؤاد ثكلا حميما

تستثير الهموم ما اكتن منها * * * صعدا و هي تستثير الهموما

عرة مرة إلا إنما كنت * * * أعزي أيام كنت بهيما

دقة في الحياة تدعى جلالا * * * مثل ما سمي اللديغ سليما

حلمتني زعمتم و أراني * * * قبل هذا التحليم كنت حليما

قال الامدي: و أخذ البحتري قوله

ألا إنما كنت أعزي أيام كنت بهيما

فقال:

عجبت لتفويف القذال و انما * * * تفوفه لو كان غير مفوف

و قد كنا قلنا في مواضع تكلمنا فيها على معاني الشعر و التشبيه بين نظائره أنه ليس ينبغي لأحد أن يقدم على أن يقول: أخذ فلان الشاعر هذا المعنى من فلان

151

و ان كان أحدهما متقدما و الأخر متأخرا، لأنهما ربما تواردا من غير قصد و لا وقوف من أحدهما على ما تقدمه الأخر اليه، و انما الإنصاف أن يقال: هذا المعنى نظير هذا المعنى و يشبهه و يوافقه، فأما أخذه و سرقه فمما لا سبيل الى العلم به، لأنهما قد يتواردان على ما ذكرناه و لم يسمع أحدهما بكلام الأخر، و ربما سمعه فنسيه و ذهب عنه ثم اتفق له مثله من غير قصد، و لا يقال أيضا: أخذه و سرقه إذا لم يقصد الى ذلك.

و كم بين بيت أبي تمام و بيت البحتري مأخوذا منه أو غير مأخوذ في الطبع و صحة النسج و طلاوة اللفظ، فلبيت أبي تمام الفضل الظاهر الباهر، و يشبه قوله

و أراني قبل هذا التحليم كنت حليما

من شعري في الشيب قولي:

و قالوا أتاه الشيب بالحلم و الحجى * * * فقلت بما يبرى و يعرق من لحمي

و ما سرني حلم يفيء إلى الردى * * * كفاني ما قبل المشيب من الحلم

و ستجيء هذه الأبيات في موضعها بمشيئة اللّٰه.

و له من جملة قصيدة:

أ لم تر أرآم الظباء كأنما * * * رأت بي سيد الرمل و الصبح ادرع

لئن جزع الوحشي منها لرؤيتي * * * لانسيها من شيب رأسي أجزع

و وجدت أبا القاسم الامدي يفسر ذلك و يقول: أراد بسيد الرمل الذئب، و قوله «و الصبح أدرع» أي أوله مختلط بسواد الليل، يريد وقت طلوع الفجر، و كل ما اسود أوله و أبيض آخره فهو أدرع، و شاة درعاء للتي أسود رأسها و عنقها و سائرها أبيض، و انما قال ذلك لأن الظباء تخاف الذئب في ذلك الوقت، لأن لونه يخفى فيه لغبشته فلا تكاد تراه حتى يخالطها، و هو الوقت الذي تنتشر فيه الظباء و تخرج

152

من كنسها لطلب المرعى.

و نقول: ان الذي ذكره الامدي مما يحتمله البيت، و أجود منه أن يكون قوله «و الصبح أدرع» عبارة عن شيبه و خبرا عن بياض بعض شعره و سواد بعض، و أراد أن النساء اللواتي يشبهن الظباء ينفرن منى إذا رأين شيب رأسي كما ينفرن من ذئب الرمل. ثم قال: و لئن كان الوحشي يجزع من رؤيتي فلأنسيها من شيب رأسي أجزع.

و ان لم يكن المعنى على ما ذكرناه فلا معنى لقوله: ان الظباء التي هي البهائم تنفر منه كما تنفر من الذئب، لأنه لا وجه لذلك و لا فائدة فيه و لا سبب، فالكلام بالمعنى الذي ذكرناه أليق.

فإن قال من ينصر تأويل الامدي: أي معنى لقوله

كأنما رأت بي سيد الرمل

لو لا انه أراد بالظباء البهائم دون النساء المشبهات بهن، و كيف تنفر النساء من الذئب و انما تنفر منه الظباء على الحقيقة.

قلنا: النساء تنفر من الذئب لا محالة كما تنفر منه الظباء اللواتي هن الغزلان، و ما يهابه الرجال و ينفرون منه أجدر أن ينفر منه النساء الغرائر.

فان قيل: كيف قال في البيت الثاني:

لئن جزع الوحشي منها لرؤيتي * * * لانسيها من شيب رأسي أجزع

لو لا أن الوحشية قد نفرت منه و وقع ذلك و خبر عنه في البيت الأول؟

قلنا: ليس يقتضي هذا الكلام الثاني أن يكون المراد بذكر الظباء في البيت الأول و الظباء على الحقيقة، لأن من المعلوم أن الظباء الوحشية و كل وحش ينفر من الانس، و هذا أمر ممهد معلوم لا يحتاج الى وقوعه حتى يعلم، فلما قال: ان النساء اللواتي يشبهن الظباء ينفرن من شيبى جاز أن يقول بعد ذلك و لئن كانت الظباء

153

الوحشية تنفر مني فالظباء الإنسية لأجل انكارهن شيبي منهن أنفر.

و بعد، فلم نفسد تأويل الامدي و ننكره، بل أجزناه و قلنا: ان البيت يحتمل سواه.

و له من جملة قصيدة:

لعب الشيب بالمفارق بل * * * جد فأبكى تماضرا و لغوبا

خضبت خدها الى لؤلؤ العقد * * * دما إذ رأت شواتى خضيبا

كل داء يرجى الدواء له * * * الا القطيعين ميتة و مشيبا

يا نسيب الثغام ذنبك أبقى * * * حسناتي عند الحسان ذنوبا

و لئن عبن ما رأين لقد * * * انكرن مستنكرا و عبن معيبا

أو تصدعن عن قلى لكفى * * * بالشيب بيني و بينهن حسيبا

لو رأى اللّٰه ان في الشيب فضلا * * * جاورته الأبرار في الخلد شيبا

قال الامدي: و من يتعصب على أبى تمام يقول: انه ناقض في هذه الأبيات لقوله

فأبكى تماضرا و لغوبا

و قوله

خضبت خدها الى لؤلؤ العقد دما

ثم قوله:

يا نسيب الثغام ذنبك أبقى * * * حسناتي عند الحسان ذنوبا

و قوله

و لئن عبن ما رأين

، و قالوا: كيف يبكين دما على مشيبة ثم يعيبه.

قال الامدي: و ليس هاهنا تناقض، لأن الشيب إنما أبكي أسفا على شبابه غير الحسان اللواتي عبنه، و إذا تميز من أشفق عليه ممن عابه فلا تناقض.

و أقول: لا حاجة بنا الى تمحله، و المناقضة زائلة عن أبي تمام على كل حال،

154

لأنه لا تناقض بين البكي على شبابه ممن بكاه من النساء و تلهف عليه و بين العيب منهن للشيب و الإنكار له، بل هذه مطابقة و موافقة، و لا يبكي على شبابه من النساء الا من رأين الشيب عيبا و ذنبا. و قد ذكرنا هذا في كتاب الغرر.

و هذا الذي ذكره- و ان كان لا يحتاج الى ما تكلفه- قد كان ينبغي أن يفطن لمثله و نظيره في التغاير و التميز لما عابه بقوله

يضحكن من أسف الشباب المدبر

فجعل الضحك من شيء و البكي من غيره على ما بيناه، و لا يحمله بعد الفطنة على أن يجعل الضحك بكاء و في معناه.

و له من جملة قصيدة:

راحت غواني الحي عنك غوانيا * * * يلبسن نأيا تارة و صدودا

من كل سابغة الشباب إذا بدت * * * تركت عميد القربتين عميدا

أربين بالبرد المطارف بدنا * * * غيدا ألفتهم لدانا غيدا

احلى الرجال من النساء مواقعا * * * من كان أشبههم بهن خدودا

و وجدت أبا القاسم الامدي يختار في قوله «أربين» الباء دون الياء، من أرب المكان إذا لزمه و أقام فيه. و أربين بالياء معناه الزيادة، فكأنه يقول على الرواية بالياء انهن ازددن علينا بالمرد و اخترنهم علينا كما يقبل الرجل الزيادة في الشيء الذي يعطاه فاضلا عن حقه.

و لعمري ان الرواية بالباء أقرب منها بالياء إلى الحق، و ان كان فيها بعض الهجنة على ما أشار إليه الامدي.

و قال الامدي: انه أخذ قوله

أحلى الرجال من النساء مواقعا

من قول الأعشى

155

و أرى الغواني لا يواصلن امرءا * * * فقد الشباب و قد يصلن الأمردا

و لعمري ان بين البيتين تشابها، الا أن أبا تمام زاد على الأعشى بقوله

من كان أشبههم بهن خدودا

، فعلل ميل النساء الى المرد و الأعشى أطلق من غير تعليل.

و له و هو ابتداء قصيدة:

أبدت اسى إذ رأتني مخلس القصب * * * و آل ما كان من عجب الى عجب

ست و عشرون تدعوني فاتبعها * * * الى المشيب و لم تظلم و لم تحب

فلا يروقك إيماض القتير به * * * فان ذاك ابتسام الرأي و الأدب

أما قوله

من عجب الى عجب

فمن البلاغة الحسنة و الاختصار السديد البارع، و قوله

فان ذاك ابتسام الرأي و الأدب

يريد به أن الرأي و الأدب و الحلم انما يجتمع و يتكامل في أوان الكبر و الشيب دون زمان الشباب. و قد تصف الشعراء أبدا الشيب بأنه تبسم في الشعر لبياضه و ضيائه، الا أن هذه من أبي تمام تسلية عن الشيب و تنبيه على منفعته.

و له من جملة قصيدة:

شاب رأسي و ما رأيت مشيب * * * الرأس الا من فضل شيب الفؤاد

و كذاك القلوب في كل بؤس * * * و نعيم طلائع الأجساد

طال انكاري البياض فان عمرت * * * شيئا أنكرت لون السواد

زارني شخصه بطلعة ضيم * * * عمرت مجلسي من العواد

نال رأسي من ثغرة الهم لما * * * لم ينله من ثغرة الميلاد

156

و رأيت الامدي يقول: ان قوما عابوا أبا تمام بقوله «شيب الفؤاد»، قال:

و ليس عندي بمعيب، لأنه لما كان الجالب للشيب القلب المهموم نسب الشيب اليه على الاستعارة.

قال الامدي: و قد أحسن عندي و لم يسئ.

فيقال له: قد أحسن الرجل بلا شك و لم يسئ و ما المعيب الا من عابه، و أما أنت أيها الامدي فقد نفيت عنه الخطأ و اعتذرت له باعتذار غير صحيح، لأن القلب إذا كان جالبا للشيب كيف يصح أن يقال: قد شاب هو نفسه؟ و انما يقال: انه أشاب و لا يقال شاب.

و العذر الصحيح لأبي تمام: أن الفؤاد لما كان عليه مدار الجسد في قوة و ضعف و زيادة و نقص ثم شاب رأسه، لم يخل ذلك الشيب من أن يكون من أجل تقادم السن و طول العمر أو من زيادة الهموم و الشدائد، و في كلا الحالين لا بد من تغير حال الفؤاد و تبدد صفاته، فسمى تغير أحواله شيبا استعارة و مجازا كما كان تغير لون الشعر شيبا.

و البيت الثاني يشهد بما قلناه، لأنه جعل القلوب طلائع الأجساد في كل بؤس و نعيم.

و قال الامدي: قوله «عمرت مجلسي من العواد» لا حقيقة له، لأنا ما رأينا و لا سمعنا أحدا جاءه عواد يعودونه من الشيب، و لا أن أحدا أمرضه الشيب و لا عزاه المعزون عن الشباب، و قد قال ابن حازم الباهلي أو غيره:

أ ليس عجيبا بأن الفتى * * * يصاب ببعض الذي في يديه

فمن بين باك له موجع * * * و بين معز مغذ اليه

و يسلبه الشيب شرخ الشباب * * * فليس يعزيه خلق عليه

157

قال: فأحب أبو تمام ان يخرج عن عادات بني آدم و يكون أمة وحده.

فيقال له: لم لم تفطن لمعنى أبي تمام فذممته، و قد تكلمنا على هذه الوهلة منك في كتابنا المعروف بغرر الفرائد و قلنا: انه لم يرد العيادة الحقيقية التي يغشى فيها العواد مجالس المرضى، و انما تلطف في الاستعارة و التشبيه و أشار الى الغرض اشارة مليحة. و المعنى: ان الشيب لما طرقني كثر عندي المتوجعون لي منه و المتأسفون على شبابي، اما بقول يظهر منهم أو بما هو معلوم من قصدهم و اعتقادهم، فسماهم عوادا تشبيها بعائد المريض الذي من شأنه أن يتوجع له من مرضه. و لما كثر المتفجعون له من الشيب حسن أن يقول «عمرت مجلسي من العواد»، لأن هذه العبارة تدل على الكثرة و الزيادة.

و هذا الذي ذكرناه في كتاب الغرر و هو كاف شاف، و يمكن فيه وجه آخر، و هو: أن يريد بقوله «عمرت مجلسي من العواد» الاخبار عن وجوب عيادته و استحقاقه لذلك بما نزل به، فجعل ما يجب أن يكون كائنا واقعا.

و هذا له نظائر كثيرة في القرآن و في كلام العرب و أشعارهم، قال اللّٰه عز و جل «وَ مَنْ دَخَلَهُ كٰانَ آمِناً» (1)) و انما المعنى أنه يجب أن يأمن، فجعل قوة الوجوب و اللزوم كأنه حصول و وقوع.

و ما يروى عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) من قوله «العارية مردودة و الأمانة مؤداة و الزعيم غارم» من هذا الباب أيضا، لأنه جعل الوجوب في هذه المواضع كأنه وقوع و وجوب.

و قد يقول القائل: فعل فلان كذا من الجميل فكثر مادحوه، و ان لم يمدحه أحد، و فعل كذا من القبيح فكثر ذاموه، و ان لم يذمه بشر. و انما المعنى ما أشرنا إليه.

____________

(1) سورة آل عمران: 97.

158

فأما ثغرة الهم فإنما أراد به ناحية الهم، و كذلك ثغرة الميلاد، و الثغرة في كلامهم هي الفرجة و الثلمة، و هي الثغر، و هو البلد المجاور لبلد الأعداء البادئ لهم، فكأن أبا تمام أراد أن الهموم هي الجالبة لشيبه و التي دخل من قبلها على رأسه الشيب دون جهة الميلاد، لأنه لم يبلغ من السن ما يقتضي نزول الشيب.

و قال الامدي: كان وجه الكلام أن يقول: من ثغرة الكبر أو من ثغرة السن لا من ثغرة الميلاد.

و هذا منه ليس بصحيح، لأن العبارات الثلاث بمعنى واحد و يقوم بعضها مقام بعض، لأن الميلاد عبارة عن السن، فمن تقادمت سنه تقادم ميلاده و من قربت سنه و قصرت قصر و قرب زمن ميلاده.

و أنكر أيضا الامدي قوله «نال رأسي»، قال: و كان يجب أن يقول: حل برأسي أو نزل برأسي.

و الأمر بخلاف ما ظنه، لأن الجميع واحد و ما نال رأسه فقد حل به و نزل.

و نظير قوله «نال رأسي من ثغرة الهم» قولي من أبيات في الشيب سيجيء ذكرها بإذن اللّٰه تعالى:

و لو أنصفتنى الأربعون لنهنهت * * * من الشيب زورا جاء من جانب الهم

و نظير قوله

طال إنكاري البياض

قول البحتري:

و كان جديدها فيها غريبا * * * فصار قديمها حق الغريب

و له- و قيل انه منحول- في ذكر الخضاب:

فان يكن المشيب طرا علينا * * * و أؤدي بالبشاشة و الشباب

فاني لست أدفعه بشيء * * * يكون عليه أثقل من خضاب

159

أردت بأن ذاك وفا عذاب * * * فينتقم العذاب من العذاب

(مضى ما لأبي تمام حبيب بن أوس الطائي في الشيب) و قال أبو عبادة الوليد بن عبيد البحتري في الشيب من جملة قصيدة:

و كنت أرجى في الشباب شفاعة * * * و كيف لباغي حاجة بشفيعه

مشيب كبث السر عي بحمله * * * محدثة أو ضاق صدر مذيعه

تلاحق حتى كاد يأتي بطيئه * * * لحث الليالي قبل آتى سريعة

و هذا و اللّٰه أبلغ كلام و أحسنه و أحلاه و أسلمه و أجمعه لحسن اللفظ و جودة المعنى، و ما أحسن ما شبه تكاثر الشيب و تلاحقه ببث السر عن ضيق صدر صاحبه و إعيائه بحمله و عجزه عن طيه، و يشبه بعض الشبه قوله «تلاحق حتى كاد يأتي بطيئه» قولي من أبيات يجيء ذكرها بمشيئة اللّٰه تعالى:

سبق احتراسي من أذاه بطيئه * * * حتى تجللني فكيف عجوله

و في البيت لمحة بعيدة من بيت البحتري و ليس بنظير له على التحقيق.

و معنى البيت الذي يخصني أدخل في الصحة و التحقيق، لأنني خبرت بأن بطيء الشيب سبق و غلب احتراسي و حذري منه فكيف عجوله، و من سبقه البطيء كيف لا يسبقه السريع. و البحتري قال: ان البطيء كاد أن يسبق السريع، و هذا على ظاهره لا يصح، لأنه يجعل البطيء هو السريع بل أسرع منه، لكن المعنى أنه متدارك متواتر فيكاد البطيء له يسبق السريع. و هذا في غاية الملاحة.

160

و له أيضا من جملة قصيدة:

ردى على الصبي ان كنت فاعله * * * ان الصبي ليس من شاني و لا اربى

جاوزت حد الشباب النضر ملتفتا * * * الى بنات الصبي يركضن في طلبى

و الشيب يهرب من جاري منيته * * * و لا نجاء له في ذلك الهرب

و المرء لو كانت الشعرى له وطنا * * * صبت عليه صروف الدهر من صبب

و هذا كلام مصقول مقبول عليه طلاوة غير مدفوعة و لا مجهولة. و الشيب يهرب من جاري منيته له نظائر سيجيء التنبيه عليها بمشيئة اللّٰه و عونه.

و له من ابتداء قصيدة:

لابس من شبيبة أم ناض * * * و مليح من شيبة أم راض

و إذا ما امتعضت من ولع الشيب * * * برأسي لم يغن ذاك امتعاضى

ليس يرضي عن الزمان مرو * * * فيه الا عن غفلة أو تغاضى

و التوقي من الليالي و ان * * * حالفن شيئا شبيهات المواضى

ناكرت لمتي و ناكرت منها * * * سوء هذي الابدال و الاعواض

شعرات اقصهن و يرجعن * * * رجوع السهام في الأغراض

و أبت تركي الغديات و الآصال * * * حتى خضبت بالمقراض

غير نفع الا التعلل من شخص * * * عدو لم يعده ابغاضى

و رواء المشيب كالنحض في عيني * * * فقل فيه في العيون المراض

طبت نفسا عن الشباب و ما سود * * * من صبغ برده الفضفاض

فهل الحادثات يا ابن عويف * * * تاركاتى و لبس هذا البياض

قوله «خضبت بالمقراض» في غاية الملاحة و الرشاقة.

161

و معنى قوله

رجوع السهام في الأغراض

انه لا يملك ردا لطلوع الشيب في شعره و لا تلافيا لحلوله، فيجري في ذلك مجرى رجوع السهام الى الغرض في أنه لا يملك مرسل السهم صده عنه و لا رده عن اصابته.

و يمكن في ذلك وجه آخر و ان كان الأول أشف، و هو أن يريد بالأغراض المقاتل و المواضع الشريفة من الأعضاء، فكأنه يشبه رجوع الشيب بعد قصه له و طلوعه في شدة إيلامه و ايجاعه بإصابة السهام للمقاتل و الفرائص.

و يحتمل وجها آخر، و هو أن السهام تنزع من الأغراض ثم ترجع بالرمي إليها أبدا. فأشبهت في ذلك الشيب في قصة ثم طلوعه و رجوعه الى مواضعه.

و نظير قوله «فهل الحادثات يا ابن عويف» البيت قوله من قصيدة أخرى:

يعيب الغانيات علي شيبى * * * و من لي ان أمتع بالمعيب

و له من قصيدة:

و ما أنس لا أنس عهد الشباب * * * و علوة إذ عيرتني الكبر

كواكب شيب علقن الصبي * * * فقللن من حسنه ما كثر

و اني وجدت فلا تكذبن * * * سواد الهوى في بياض الشعر

و لا بد من ترك احدى اثنتين * * * اما الشباب و اما العمر

و وجدنا لأبي القاسم الآمدي زلة في البيت الأخير من هذه الأبيات قد نبهنا عليها في كتاب الغرر، و نحن نذكرها هاهنا فان الموضع يليق بذكرها، قال الآمدي:

على البحتري في قوله «و لا بد من ترك احدى اثنتين» معارضة، و هو أن يقال:

ان من مات شابا و قد فارق الشباب و قد فاته العمر أيضا فهو تارك لهما، و من شاب

162

فقد فارق الشباب و هو مفارق للعمر لا محالة، فهو أيضا تارك لهما جميعا. و قوله «اما و اما» لا يوجب إلا أحدهما.

ثم قال: و العذر للبحتري أن من مات شابا فقد فارق الشباب وحده لأنه لم يعمر فيكون مفارقا للعمر. أ لا ترى أنهم يقولون «عمر فلان» إذا أسن، و فلان لم يعمر إذا مات شابا، و من شاب و عمر لم يكن مفارقا للشباب في حال موته، لأنه قد قطع أيام الشباب و تقدمت مفارقته له، و انما يكون في حال موته مفارقا للعمر وحده. فإلى هذا ذهب البحتري، و هو صحيح، و لم يرد بالعمر المدة القصيرة التي يعمرها الإنسان، و انما أراد بالعمر هاهنا الكبر كما قال زهير:

رأيت المنايا خبط عشواء من نصب * * * تمته و من تخطئ يعمر فيهرم

و لم يرد البحتري ما توهمه الامدي، و انما أراد أن الإنسان بين حالين: اما أن يفارق الشباب بالشيب و العمر بالموت، فمن مات شابا فإنما فارق العمر و فارق بفراقه سائر أحوال الحياة من شباب و شيب و غيرهما، فلم يفارق الشباب وحده بلا واسطة، و انما فارق العمر الذي فارق بمفارقته الشباب و غيره. و قسمة البحتري تناولت أحد أمرين: اما مفارقة الشباب وحده بلا واسطة و لن يكون الا بالشيب أو مفارقة العمر بالموت.

و تقدير كلامه: لا بد للحي منا من مشيب أو موت، لأن الشيب و الموت يتعاقبان عليه. و انما أقام البحتري قوله «العمر» مقام قوله «الحياة و البقاء»، و عدل الى لفظة العمر لأجل القافية، و لو قال: لا بد من ترك الشباب أو ترك الحياة لقام مقام قوله العمر.

فأما اعتراضه بمن مات شيخا و انه قد فارق العمر و الشباب جميعا. فليس بشيء، لأن هذا ما فارق الا العمر دون الشباب، لأن الشباب قد تقدمت مفارقته له

163

و قد خرج بالشيب عن حال الشباب فلم يفارق الا العمر وحده. و البحتري انما وجهت قسمته الى من كانت له الحالتان جميعا من شباب و حياة، فقال: لا بد أن يفارق الشباب بالشيب أو العمر بالموت. فأي اعتراض بمن هو على إحدى الحالتين دون الأخرى؟

فأما اعتذار الامدي للبحتري بأن من مات شابا ما فارق العمر و انما فارق الشباب وحده من حيث لم يطل عمره و لم يقل فيه معمر. فغلط فاحش، لأن اسم العمر يتناول أيام الشباب كما يتناول ما زاد عليها، و لهذا يقولون في الشاب و الصبي لم يطل عمرة أو كان عمره قصيرا، فاسم العمر يتناول الطويل و القصير من الزمان حياة أحدنا. و انما لا يقال في من عاش طرفة عين أن له عمرا، لأن المتعارف من استعمال هذه اللفظة فيما تستمر الحياة له ضربا من الاستمرار قصر أو طال.

و ليس يجري قولهم عمر و معمر مجرى قولهم له عمر، لأن لفظة عمر و ما أشبهها تفيد التطاول و لا تكاد تستعمل إلا في السن، لأنها تفيد من حيث التشديد التأكيد و الزيادة في العمر، و لفظة عمر بخلاف ذلك لأنها تستعمل في الطويل و القصير. و نظائر هذا البيت في معناه يجيء ذكرها عند الانتهاء الى ما خرجته من شعري في الشيب.

و له من قصيدة:

يعيب الغانيات علي شيبي * * * و من لي أن أمتع بالمعيب

و وجدي بالشباب و ان تقضى * * * حميدا دون وجدي بالمشيب

انما جعل وجده بالشباب أقل من وجده بالمشيب، لأنه يفارق الشباب بالشيب و صاحب الشيب في قيد الحياة على كل و لا يفارق الشيب الا بالموت، فالإيثار لمقامه أقوى.

164

و له من قصيدة:

أعداؤه كانت و من عجب الهوى * * * ان يصطفي فيه العدو حبيبا

أم وصلة صرفت فعادت هجرة * * * ان عاد ريعان الشباب مشيبا

أ رأيته من بعد حفل فاحم * * * جون المفارق بالنهار خضيبا

فعجبت من حالين خالف منهما * * * ريب الزمان و ما رأيت عجيبا

ان الزمان إذا تتابع خطوه * * * سبق الطلوب و أدرك المطلوبا

أراد بقوله «جون المفارق» أي هو أبيض المفارق، و لهذا قال: بالنهار خضيبا.

و له من قصيدة:

رأت فلتات الشيب فابتسمت لها * * * و قالت نجوم لو طلعن بأسعد

أ عاتك ما كان الشباب مقربي * * * إليك فالحي الشيب إذ كان مسعدى

تزيدين هجرا كلما ازددت لوعة * * * طلابا لان أردى فها انا ذا رد

متى أدرك العيش الذي فات آنفا * * * إذا كان يومي فيك أحسن من غدي

و وجدت الامدي يقول هاهنا بعد استحسانه هذه الأبيات: و هي لعمري في غاية الحلاوة و الطلاوة، و ان معنى تبسمت أنها استهزأت. قال: و بهذا جرت عادة النساء أن يضحكن من الشيب و يستهزئن لا أن يبكين كما قال أبو تمام و لم يقنع الا ببكاء الدم.

و هذه عصبية شديدة من الامدي على أبي تمام و غمط لمحاسنه، و النساء قد يستهزئن تارة بالشيب و يبكين أخرى لحلوله على حسب أحوالهن مع ذي الشيب،