رسائل الشريف المرتضى - ج4

- السيد المرتضى المزيد...
355 /
165

فان كن عنه معرضات و له غير محبات استهزأن بشيبه، و ان كن له وامقات و عليه مشفقات يبكين لحلول شيبه، لفوت تمتعهن بشبابه و تلهفا على ما مضى من زمانه.

فأما قوله «لو طلعن بأسعد» فإنما تمنى ذلك و تلهف عليه، كما قال في موضع آخر:

و تعجبت من لوعتي فتبسمت * * * عن واضحات لو لثمن عذاب

و لم يجعل ذلك شرطا في انهن عذاب واضحات كما لم يجعل تشبيه الشيب بالنجوم مشروطا بطلوع السعود، و انما تمنى ذلك و تلهف عليه، أو لأنه حكى عن محبوبته أنها شبهت الشيب بالنجوم على سبيل التهجين له و الإزراء عليه إرادة أن تسلب الشيب فضيلة النجوم و انه أشبهها منظرا فما أشبهها فضلا و منفعة فقالت لو طلعن بأسعد أي طلوع الشيب بضد السعادة، و ان كان طلوع النجوم قد يكون بالسعد و هذا تدقيق مليح و تصرف قوي.

و له من قصيدة:

عنت كبدي قسوة منك ما ان * * * تزال تجدد فيه ندوبا

و حملت عندك ذنب المشيب * * * حتى كأني ابتدعت المشيبا

و من يطلع شرف الأربعين * * * يلاق من الشيب زورا غريبا

و له من قصيدة:

و قد دعا ناهيا فأسمعني * * * و خط على الرأس مخلص شعره

شيب أرتني الأسى أوائله * * * فليت شعري ما ذا ترى آخره

166

صغر قدري في الغانيات و ما * * * صغر صبا تصغيره كبره

و له من قصيدة:

أ يثني الشباب اما تولى * * * منه في الدهر دولة ما تعود

لا أرى العيش و المفارق بيض * * * أسوة العيش و المفارق سود

و أعد الشقي حدا و لو * * * أعطيت غنما حتى يقال سعيد

من عدته العيون فانصرفت * * * عنه الفتاتا الى سواه الخدود

و له أيضا:

راعني ما يروع من وافد * * * الشيب طروقا و رابني ما يريب

شعرات سود إذا حلن بيضا * * * حال عن وصله المحب الحبيب

مر بعد الشباب ما كان يحلو * * * مجتناه من عيشنا و يطيب

و له أيضا:

أجدك ما وصل الغواني بمطمع * * * و لا القلب من رق الغواني بمعتق

وددت بياض السيف يوم لقيتني * * * مكان بياض الشيب كان بمفرقي

و له أيضا:

عمر الغواني لقد بين من كثب * * * هضيمة في محب غير محبوب

167

إذا مددن الى إعراضه سببا * * * وقين من كرهه الشبان بالشيب

و له أيضا:

خلياه وجدة اللهو ما دام * * * رداء الشباب غضا جديدا

أن أيامه من البيض بيض * * * ما رأين المفارق السود سودا

و له أيضا:

فدك منى فما جوى السقم إلا * * * في ضلوع على جوى الحب تحني

لو رأت حادث الخضاب لأنت * * * و أرنت من احمرار اليرنا

كلف البيض بالمعمر قدرا * * * حين يكلفن و المصغر سنا

يتشاغفن بالغرير المسمى * * * عن تصاب دون الخليل المكنى

و له أيضا:

ترك السواد للابسيه و بيضا * * * و نضا من السنين عنه ما نضا

و شآه اغيد في تصرف لحظه * * * مرض اعل به القلوب و امرضا

و كأنه وجد الصبي و جديده * * * دينا دنا ميقاته أن يقتضي

اسيان أثرى من جوى و صبابة * * * و إساف من وصل الحسان و انقضا

الأسيان و الأسوان الحزين، و معنى إساف ذهب ماله، و كذلك انفض. و جعلهما البحتري هاهنا في من ذهب من يده وصل الحسان و ميلهن اليه.

168

و له أيضا:

أخي ان الصبي استمر به * * * سير الليالي فانهجت برده

تصد عني الحسان مبعدة * * * إذ انا لا تربه و لا صدده

شيب على المفرقين بأرضه * * * يكثرنى ان أبينه عدده

تطلب عندي الشباب ظالمة * * * بعيد خمسين حين لا تجده

لا عجب ان نقلت خلتنا * * * فافتقد الوصل منك مفتقده

من يتطاول على مطاولة * * * العيش تقعقع من ملة عمده

و قد نبهنا في كتاب الغرر على هفوة الامدي في قول البحتري «تقعقع من ملة عمده»، لأنه ظن أن معناه أن عظام الكبير المسن يجيء لها صوت إذا قام و قعد و تسمع لها قعقعة. و ما سمعنا بهذا الذي ظنه في وصف ذوي الأسنان و الكبر.

و المعنى أظهر من أن يخفى على أحد، لأنه أراد من عمر و أسن و طاول العيش تعجل رحيله و انتقاله عن الدنيا. و كنى عن ذلك بتقعقع العمد، لأن ذوي الأطناب و الخيام إذا انتقلوا من محل الى غيره و قوضوا عمد خيامهم و سارت بها الإبل سمعت لها قعقعة.

و من أمثال العرب المعروفة «من يتجمع تتقعقع عمده»، يريدون أن التجمع يعقب التفرق و الرحيل الذي تتقعقع معه العمد.

و معنى قوله «من ملة» يريد من السأم و الملال، دون ما ظنه الامدي من أنه تملي العيش.

و له أيضا

169

أقول للمتى إذ أسرعت بي * * * إلى الشيب اخسرى فيه و خيبي

مخالفة بضرب بعد ضرب * * * و ما انا و اختلافات الضروب

و كان جديدها فيها غريبا * * * فصار قديمها حق الغريب

و له أيضا:

هل أنت صارف شبة ان غلست * * * في الوقت أو عجلت عن الميعاد

جاءت مقدمة امام طوالع * * * هذي تراوحني و تلك تغادى

و أخو الغبينة تاجر في لمة * * * يشري جديد بياضها بسواد

لا تكذبن فما الصبي بمخلف * * * لهوا و لا زمن الصبي بمعاد

و ارى الشباب على غضارة حسنه * * * و جماله عددا من الاعداد

و وجدت الامدي قد نزل في معنى قوله

يشري جديد بياضها بسواد

، لأنه قال: معنى يشري يبيع، و أراد أن الغبين من باع جديد بياضه بالسواد، و أراد بالسواد الخضاب، فكأنه ذم الخضاب.

و الأمر بخلاف ما ذكره، و ما جرى للخضاب ذكر و لا هاهنا موضع للكناية عنه. و معنى يشري هاهنا يبتاع، لأن قولهم «شريت» يستعمل في البائع و المبتاع جميعا. و هذا من الأضداد، نص أهل اللغة على هذا في كتبهم. فكأنه شهد بالغين لمن يبتاع الشيب بالشباب و يتعوض عنه به.

و انما ذهب على الامدي أن لفظة «يشري» تقع على الأمرين المضادين، فتمحل ذكر الخضاب الذي لا معنى له هاهنا.

و قال الامدي في قوله «عددا من الأعداد» أنه أراد عددا قليلا. و قد أصاب في ذلك، الا انه ما ذكر شاهده و وجهه، و العرب تقول في الشيء القليل أنه معدود

170

إذا أرادوا الأخبار عن قلته، قال اللّٰه تعالى «وَ شَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرٰاهِمَ مَعْدُودَةٍ» (1)) و قال جل اسمه في موضع آخر «وَ اذْكُرُوا اللّٰهَ فِي أَيّٰامٍ مَعْدُودٰاتٍ» (2)). و أظنهم ذهبوا في وصف القليل بأنه معدود من حيث كان العد و الحصر لا يقع الا على القليل و الكثير لكثرته لا ينضبط و لا ينحصر.

و له أيضا:

ما كان شوقي ببدع يوم ذاك و لا * * * دمعي بأول دمع في الهوى سفحا

و لمة كنت مشغوفا بجدتها * * * فما عفا الشيب لي عنها و لا صفحا

هذا و اللّٰه هو الكلام الحلو المذاق السليم من كل كلفة البريء من كل غفلة و خلسة و له أيضا:

قالت الشيب أتى قلت أجل * * * سبق الوقت ضرارا و عجل

و مع الشيب على علاته * * * مهلة للهو حينا و الغزل

خيلت أن التصابي خرق * * * بعد خمسين و من يسمع يخل

و له أيضا:

تزيدني الأيام مغبوط عيشة * * * فينقصني نقص الليالي مرورها

و ألحقنى بالشيب في عقر داره * * * مناقل في عرض الشباب أسيرها

____________

(1) سورة يوسف: 20.

(2) سورة البقرة: 203.

171

مضت في سواد الشعر اولى بطالتى * * * فدعني يصاحب و خط شيبى أخيرها

المناقل المراحل، و وجدت الامدي يفسر البيت الأول من هذه القطعة فيقول:

أراد أن الأيام زادتنى شيئا من غبطة العيش اجتمعت مع الليالي على انتقاصه و ارتجاعه.

و غير هذا التأويل الذي ذكره أولى منه، و هو أن يكون المراد أن الأيام إذا زادتنى غبطة في العيش نقصني ذلك مرورها، و يريد بقوله «نقص الليالي» كما تنقص الأيام من الليالي، لأن الأيام تأخذ الليالي و تنقصها. و هذا التأويل أشبه بالصواب من تأويله.

فإن قيل: كما تأخذ الأيام من الليالي كذلك الليالي تأخذ من الأيام و تنقصها.

قلنا: هذا صحيح، و لو قال قائل في غير هذا الموضع في من نقص و ثلم انه منقوص النقص في هذا نقص الليالي من الأيام لجاز، و انما أضاف النقص في هذا الموضع الى مرور الأيام، لأنه أضاف الزيادة إليها و شبه نقصها له بنقصها لليالي.

و له أيضا:

كلف يكفكف عبرة مهراقة * * * أسفا على عهد الشباب و ما انقضى

عدد تكامل للذهاب مجيئه * * * و إذا مجيء الشيب حان فقد مضى

خفض عليك من الهموم فإنما * * * يحظى براحة دهره من خفضا

قال الامدي في قوله «و ما انقضى» أنه أراد و انقضائه، لأن ما و الفعل بمنزلة المصدر، مثل قولك «سرني ما عمل زيد» أي سرني عمله.

ثم قال: و يجوز أن يكون أراد بقوله «و ما انقضى» أي لم ينقض بعد.

172

قال: و هذا أجود، لأنه قال «و إذا مضى الشيء حان فقد مضى»، فدل على أنه في بقية من الشباب.

و الوجه الأول الذي ذكره بعيد من الصواب لا يجوز أن يكون الشاعر عناه و لا اراده، و انما خبر أنه متلهف متأسف على عهد الشباب قبل مفارقته و خوفا من فوته، فالكلام كله دال على ذلك.

و له أيضا:

خلق العيش في المشيب و ان * * * كان نضيرا في الشباب جديده

ليت ان الأيام قام عليها * * * من إذا ما انقضى زمان يعيده

و لو أن البقاء يختار فينا * * * كان ما تهدم الليالي تشيده

شيبتني الخطوب الا بقايا * * * من شباب لم يبق الا شريده

لا تنقب عن الصبي فخليق * * * ان طلبناه أن يعز وجوده

و له أيضا:

أواخر العيش أخبار مكدرة * * * و أقرب العيش من لهو أوائله

يحرى الشباب إذا ما تم تكملة * * * و الشيء ينفده نقصا تكامله

و يعقب المرء برءا من صبابته * * * تجرم العام يمضي ثم قابله

ان فر من عنت الأيام حازمها * * * فالحزم فرك ممن لا تقاتله

و ان اراب صديق في الوداد فلم * * * أمسيت احذر ما أصبحت آمله

و هذه الأبيات تصلح أن تكون لأبي تمام، لقربها من طريقته و ظهور الصنعة

173

فيها و التكلف، و ان كانت في حيز الجودة و الرصافة و الوثاقة.

و قوله «يحرى الشباب» معناه ينقص، يقال حرى الشيء يحرى حريا إذا نقص و أحراه الزمان، و يقال للأفعى حارية، و هي التي كبرت و نقص جسمها، و ذلك أخبث لها.

و قال أيضا:

أما الشباب فقد سبقت بقضه * * * و حططت رحلك مسرعا عن نقضه

و أفاق مشتاق و اقصر عاذل * * * أرضاه فيك الشيب إذ لم ترضه

شعر صحبت الدهر حتى جازني * * * مسودة الأقصى الى مبيضة

فعلى الصبي الان السلام و لوعة * * * تثنى عليه الدمع في مرفضه

و ليفن تفاح الخدود فلست من * * * تقبيله غزلا و لا من عضه

و له أيضا:

و صال سقاني الخبل صرفا و لم يكن * * * ليبلغ ما أدت عقابيله الهجر

و باقي شباب في مشيب مغلب * * * عليه اختناء اليوم يكثره الشهر

و ليس طليقا من تروح أو غدا * * * يسوم التصابي و المشيب له أسر

تطاوحنى العصران في رجويهما * * * يسيبني عصر و يعلقني عصر

متاع من الدنيا استبد بجدتي * * * و أعظم جرم الدهر أن يمنع الدهر

أما قوله «اختناء اليوم» فالاختناء عندهم هو الاستحياء و الانخزال، و اليوم ينخزل من مكاثرة الشهر لقصوره عنه.

174

و هذه الأبيات أيضا فيها أدنى تكلف، و ان كانت جيدة المعاني وثيقة المباني.

و له أيضا:

تقضى الصبي ان لا ملام لراحل * * * و اغنى المشيب عن كلام العواذل

و تأبى صروف الدهر سودا شخوصها * * * على البيض ان يحظين منه بطائل

تحاولن عندي صبوة و اخالنى * * * على شغل مما يحاولن شاغل

رمي رزايا صائبات كأننى * * * لما اشتكى منها رمي جنادل

و هذه الأبيات لها ما شاءت من جزالة و فصاحة و ملاحة.

و له أيضا:

في الشيب زجر له لو كان ينزجر * * * و بالغ منه لو لا أنه حجر

أبيض ما اسود من فوديه و ارتجعت * * * جلية الصبح ما قد أغفل السحر

و للفتى مهلة في العيش واسعة * * * ما لم يمت في نواحي رأسه الشعر

قال الامدي: قوله

ارتجعت جلية الصبح ما قد أغفل السحر

قريب من قوله:

تزيدني الأيام مغبوط عيشة * * * فينقصني نقص الليالي مرورها

و نقول: ان الأمر بخلاف ما ظنه، و لا نسبة بين الموضعين، لأن أحد البيتين تضمن أن الذي يزيده هو الذي ينقصه، و البيت الأخر تضمن أن الصبح ارتجع بوضوحه و جليته ما أغفله السحر و تركه من السواد الرقيق اليسير، فالمرتجع غير المعطى هاهنا.

175

و له أيضا:

رب عيش لنا برامة رطب * * * و ليال فيها طوال قصار

قبل أن يقبل المشيب و تبدو * * * هفوات الشباب في الإدبار

كل عذر من كل ذنب و لكن * * * أعوز العذر من بياض العذار

كان حلوا هذا الهوى فأراه * * * صار مرا و السكر قبل الخمار

معنى قوله «طوال قصار» انهن طوال في أنفسهن و ان كن قصارا ببلوغ الأماني فيهن و الظفر بالمحبوبات و نيل المطلوبات.

و قوله

كل عذر من كل ذنب

يريد به ان العذر معتاد في الذنوب كلها الا من الشيب.

فان قيل: فقد سمى الشيب ذنبا و جعله من جملة الذنوب، و ليس بذنب على التحقيق.

قلنا: انما سماه ذنبا تجوزا و استعارة، لأن النساء يستذنبن به و يؤاخذن بحلوله و نزوله و ان لم يكن على الحقيقة ذنبا، و من حيث لم يك ذنبا لم يكن عنه اعتذار و لا تنصل.

و له أيضا:

عيرتني المشيب و هي برته * * * في عذاري بالصد و الاجتناب

لا تريه عارا فما هو بالشيب * * * و لكنه جلاء الشباب

و بياض البازي أصدق حسنا * * * لو تأملت من سواد الغراب

176

و له أيضا:

ها هو الشيب لائما فأفيقى * * * و اتركيه ان كان غير مفيق

فلقد كف من عناء المعنى * * * و تلافى من اشتياق المشوق

عذلتنا في عشقها أم عمرو * * * هل سمعتم بالعاذل المعشوق

و رأت لمة ألم بها الشيب * * * فريعت من ظلمة في شروق

و لعمري لو لا الاقاحى لأبصرت * * * أنيق الرياض غير أنيق

و سواد العيون لو لم يكمل * * * ببياض ما كان بالموموق

و مزاج الصهباء بالماء أملا * * * بصبوح مستحسن و غبوق

اي ليل يبهى بغير نجوم * * * أو سماء تندى بغير بروق

قال الامدي: أخذ قوله

أي ليل يبهى بغير نجوم

من قول الشاعر:

أشيب و لم اقض الشباب حقوقه * * * و لم يمض من عهد الشباب قديم

تفاريق شيب في السواد لوامع * * * و ما خير ليل ليس فيه نجوم

و قد قلنا: انه لا ينبغي أن يقال أخذ فلان كذا من فلان، و انما يقال في البيتين انهما يتشابهان و يتشاكلان و ان هذا نظير ذاك و يزاد على ذلك. و يشبه قول البحتري:

و لعمري لو لا الافاحى لأبصرت * * * أنيق الرياض غير أنيق

قول الشاعر:

لا يرعك المشيب يا ابنة * * * عبد اللّٰه فالشيب حلية و وقار

انما تحسن الرياض إذا ما * * * ضحكت في خلالها الأنوار

177

و قد شبهت الشعراء الشيب بالنجوم و بالنور، و هو طريق مسلوك معهود، فمن محسن في العبارة و مسيء و مستوف و مقصر، و سأنبه على ذلك و على ما يحضرني فيه عند الانتهاء الى ما أذكره من شعري بمشيئة اللّٰه و عونه.

و له أيضا:

فإن ست و ستون استقلت * * * فقد كرت بطلعتها الخطوب

لقد سر الاعادي في انى * * * برأس العين محزون كئيب

و انى اليوم عن وطني شريد * * * بلا جرم و من مالي حريب

تعاظمت الحوادث حول حظي * * * و شبت دون بغيتي الحروب

على حين استتم الوهن عظمي * * * و اعطى في ما احتكم المشيب

و له أيضا:

قنعت على كره و طأطأت ناظري * * * الى رنق مطروق من العيش حشرج

و جلجلت في قولي و كنت متى أقل * * * بمسمعة في مجمع لا الحلج

يظن العدي انى فنيت و انما * * * هي السن في برد من العيش منهج

نضوت الصبي نضو الرداء و ساءني * * * مضي أخي أمس متى يمض لا يجئ

و له أيضا:

و معيري بالدهر يعلم في غد * * * ان الحصاد وراء كل نبات

ابني اني قد نضوت بطالتى * * * فتحسرت و صحوت من سكراتى

178

نظرت إلى الأربعون فأضرجت * * * شيبى و هزت للحنو قناتي

و أرى لدات أبي تتابع كثرهم * * * فمضوا و كر الدهر نحو لداتي

و من الأقارب من يسر بميتتي * * * سفها و عز حياتهم بحياتي

و أحسن كل الإحسان في هذا الكلام العذب الرطب مع متانة و جزالة، و لقوله

فأضرجت شيبى و هزت للحنو قناتي

الحظ الجزيل من فصاحة و ملاحة.

(مضى ما للبحتري) و هذا ما أخرجته لأخي الرضي رضى اللّٰه عنه في الشيب قال رضي اللّٰه عنه و هو ابتداء قصيدة:

دوام الهوى في ضمان الشباب * * * و ما الحب الا زمان التصابي

أ حين فشا الشيب في شعره * * * و كتم أوضاحه بالخضاب

تروعين أوقاته بالصدود * * * و ترمين أيامه بالسباب

تخطى المشيب الى رأسه * * * و قد كان أعلى قباب الشباب

كذاك الرياح إذا استلأمت * * * تقصف أعلى الغصون الرطاب

مشيب كما استل صدر الحسام * * * لم يرو من لبثه في القراب

نضى فاستباح حمى الملهيات * * * و راع الغواني بظفر و ناب

و ألوى بجدة أيامه * * * فأصبح مقذى لعين الكعاب

تستر منه مجال السوار إذا * * * ما بدا و مناط النقاب

قوله

لم يرو من لبثه في القراب

استعارة مليحة، و انما أشار الى أن الشيب عجل على سوادة في غير حينه و أبانه، لأنه لما شبه طلوع الشيب بسله السيف أراد أن يبين مع هذا التشبيه سرعة وفوده في غير وقته، فقال

لم يرو من لبثه في القراب

179

تحقيقا للمعنى الذي ذكرناه.

و له هو ابتداء قصيدة:

مسيري في ليل الشباب ضلال * * * و شيبي ضياء في الورى و جمال

سواد و لكن البياض سيادة * * * و ليل و لكن النهار جلال

و ما المرء قبل الشيب الا مهند * * * صدي و شيب العارضين صقال

و ليس خضاب الرأس إلا تعلة * * * لمن شاب منه عارض و قذال

و له من جملة قصيدة:

ضاع الشباب فقل لي أين أطلبه * * * و أزور عن نظري البيض الرعاديد

و جرد الشيب في فودي أبيضه * * * يا ليته في سواد الشعر مغمود

بيض و سود برأسي لا يسلطها * * * على الذوائب الا البيض و السود

و له و هو ابتداء قصيدة:

لون الشبيبة أنصل الألوان * * * و الشيب جل عمائم الفتيان

نبت بأعلى الرأس يرعاه الردى * * * رعى المطي منابت الغيطان

الشيب أحسن غير أن غضارة * * * للمرء في ورق الشباب الإني

و كذا بياض الناظرين و انما * * * بسوادها تتأمل العينان

180

و له من قصيدة:

تنفس في رأسي بياض كأنه * * * صقال ترامى في النصول الذوالق

و ما جزعي ان حال لون و انما * * * ارى الشيب عضبا قاطعا حبل عاتقي

فما لي أذم الغادرين و انما * * * شبابي اوفى غادر بي و ماذق

تعيرني شيبي كأني ابتدعته * * * و من لي ان يبقى بياض المفارق

و ان وراء الشيب ما لا أجوزه * * * بعائقة تنسى جميع العوائق

و ليس نهار الشيب عندي بمزمع * * * رجوعا الى ليل الشباب الغرانق

نظير قوله

و من لي ان يبقى بياض المفارق

قول البحتري

و من لي ان أمتع بالمعيب

، و أحسن مسلم بن الوليد في قوله:

الشيب كره و كره أن يفارقني * * * أعجب بشيء على البغضاء مردود

يمضي الشباب و يأتي بعده خلف * * * و الشيب يذهب مفقودا بمفقود

و معنى قوله «مفقودا بمفقود» أي انه يمضى صاحبه معه و يفقد بفقده، و ليس كذلك الشباب. و معنى قوله

و ما جزعي ان حال لون

أي ليس في التغير ما أجزع له لكنني أرى الشيب كالسيف الذي يقطع حبل عاتقي. و هذا مع انه تشبيه للون الشيب بلون السيف، يفيد أن حلول الشيب به في قطع آماله و حسم لذاته و تغيير أحواله يجري مجرى قطع السيف لحبل عاتقه، و قد أحسن كل الإحسان في هذه الأبيات، فما أجود سبكها و أسلم لفظها و أصح معانيها.

و له من جملة قصيدة:

و لي الشباب و هذا الشيب طارده * * * يفدي الطريدة ذاك الطارد العجل

181

ما نازل الشيب في رأسي بمرتحل * * * عني و أعلم انى عنه مرتحل

من لم يعظه بياض الشعر أدركه * * * في غرة حتفه المقدور و الأجل

من اخطأته سهام الموت قيده * * * طول السنين فلا لهو و لا جذل

و له و هو أول قصيدة:

اراعى بلوغ الشيب و الشيب دائبا * * * و أفنى الليالي و الليالي فنائيا

تلون رأسي و الرجاء بحاله * * * و في كل حال لا يغب الأمانيا

و منها:

و عارية الأيام عندي شبيبة * * * أساءت لها قبل الأوان التقاضيا

ارى الدهر غصابا لما ليس حقه * * * فلا عجب ان يسترد العواريا

و ما شبت من طول السنين و انما * * * غبار حروب الدهر غطى سواديا

و ما انحط اولى الشعر حتى نعيته * * * فبيض هم القلب باقي عذاريا

و يشبه تشبيهه الشيب و إضافته ذلك الى حروب الدهر قول ابن المعتز:

صدت شرير و أزمعت هجري * * * و صغت ضمائرها الى الغدر

قالت كبرت و شبت قلت لها * * * هذا غبار وقائع الدهر

و قال ابن الرومي:

اطار غبار الشيب فوق مفارقي * * * تلوى سني الراكضات إماميا

و لأبي الجنوب:

قالت أرى شيبا برأسك قلت لا * * * هذا غبار من غبار العسكر

و قصر غاية التقصير عن ابن المعتز و ابن الرومي، لأنهما مع التشبيه للشيب

182

بالغبار في اللون أضافاه من وقائع الدهر و ركض السنين الى سبب لهذا الغبار و موجب، فعماده على كل حال سبب، و أبو الجنوب حصل على تشبيه اللون المحض الصرف، فزيادتهما عليه غير مجهولة.

و لي ما فيه بعض الشبه بما ذكرناه لكنه في وصف الإبل، و هو:

و يهززن عن داعي المراح مفارقا * * * بلا شمط الا بياض غبار

فهذا البيت تضمن تشبيه بياض الغبار بالشمط، و لهذا حسن استثناؤه من الشمط من حيث أشبهه و ان لم يكن من جنسه. و ما تقدم لأخي رضي اللّٰه عنه و لابن المعتز فيه تشبيه الشيب و بياضه بالغبار، و المعنى يتقارب، لأن الشيء إذا أشبه غيره فذلك الغير مشبه له.

و أقسم قسما برة اني لما نظمت هذا البيت في وصف الإبل ما كنت سمعت قبله من أحد في نظم و لا نثر تشبيه الشيب بالغبار، و انما اتفق على سبيل التوارد لأن تشبيه هذا بذلك أمر مشاهد يجوز أن يقع لمن فكر من غير اتباع منه لغيره، و لهذا أنكر أبدا على من تقدم من العلماء فيقول أخذ فلان من فلان إذا وقفوا على متشابه بين معانيه.

و له من جملة قصيدة:

عقيب شباب المرء شيب يخصه * * * إذا طال عمرا أو فناء يعمه

طليعة شيب خلفها فيلق الردى * * * برأسي له نقع و بالقلب كلمه

قوله «برأسي له نقع» مثل قوله «غبار حروب الدهر»، و ما ذكرناه من نظائره.

183

و معنى «شيب يخصه» أي يخص الشباب، فالهاء كناية عن الشباب.

و قوله «أو فناء يعمه» يعني يعلم المرء، فالهاء في يعمه كناية عن المرء نفسه.

و له و هو ابتداء قصيدة:

أ شوقا و ما زالت لهن قباب * * * و ذكر تصاب و المشيب نقاب

و غير التصابي للكبير تعلة * * * و غير الغواني للبياض صحاب

و ما كل أيام المشيب مريرة * * * و لا كل أيام الشباب عذاب

أؤمل ما لا يبلغ العمر بعضه * * * كأن الذي بعد المشيب شباب

و طعم لبازي الشيب لا شك مهجتي * * * أسف على رأسي و طار غراب

لداتك اما شبت و اتبعوا الردى * * * جميعا و اما ان رديت و شابوا

هذه الأبيات قوية مستوية مطبوعة الألفاظ بعيدة من التكلف، و البيت الأخير يتضمن قسمة عليها بعض الطعن، لأنه قد يشيب و لا تموت لداته بأن يشيبوا أيضا معه أو بعضهم، و كذلك قد يموت هو و يموت بعض لداته، فليس الواجب أنه متى شاب مات جميع لداته و لا أنه متى مات شاب جميعهم، و القسمة تقتضي تعاقب كل واحد من الأمرين و وجوب أحدهما، و قد بينا ان الأمر بخلاف ذلك، و القسمة الصحيحة هي قولي:

و الشيب ان فكرت فيه مورد * * * لا بد يورده الفتى ان عمرا

و قولي:

من عاش لم تجن عليه نوب * * * شابت نواحي رأسه أو هرما

و قولي

184

و من ضل عن أيدي الردى شاب مفرقا

و له من أثناء قصيدة:

ألا أين ذاك الشباب الرطيب * * * أم اين لي بيض اياميه

مشى الدهر بيني و بين النعيم * * * ظلما و غير من حالية

نظرت و ويل أمها نظرة * * * لبيضاء في عارضي بادية

يقولون راعية للشباب * * * فقلت و لكنها ناعيه

و له و هو ابتداء قصيدة:

ما أبيض من لون العوارص أفضل * * * و هوى الفتى ذاك البياض الأول

مثلان ذا حرب الملام و ذا له * * * سبب يعاون من يلوم و يعذل

أرنو الى يقق المشيب فلا أرى * * * الا قواضب للرقاب تسلل

و اللمة البيضاء أهون حادث * * * في الدهر لو أن الردى لا يعجل

و لقد حملت شبابها و مشيبها * * * فإذا المشيب على الذوائب أثقل

تشبيه بياض الشيب ببياض السيوف يمضى كثيرا في الشعر و يتردد، فأما الاستثقال بحمل الشيب من أحسن ما قيل فيه قول علي بن جبلة و ربما رويت لدعبل بن علي الخزاعي:

ألقى عصاه و أرخى من عمامته * * * و قال ضيف فقلت الشيب قال أجل

فقلت أخطأت دار الحي قال و لم * * * مضت لك الأربعون الوفر ثم نزل

فما شجيت بشيء ما شجيت به * * * كأنما اعتم منه مفرقي بحبل

185

و له من جملة قصيدة:

أرى شيبة في العارضين فيلتوى * * * بقلبي حراها جوى و غليل

و من عجب غضى من الشيب جازعا * * * و كرى إذا لف الرعيل رعيل

و له من أثناء قصيدة:

إذا ما الفتى لم يكسه الشيب عفة * * * فما الشيب الا سبة للأشايب

و له و هو ابتداء قصيدة:

ارابك من مشيب ما ارابا * * * و ما هذا البياض علي عابا

لئن أبغضت منى شيب رأسي * * * فانى مبغض منك الشبابا

يذم البيض من جزع مشيبي * * * و دل البيض أول ما أشابا

و كانت سكرة فصحوت عنها * * * و أنجب من ابى ذاك الشرابا

يريد بقوله

فاني مبغض منك الشبابا

انني قد عرفت و انصرفت عن الشغف بالنساء و هواهن فما أبالي بشبابهن و لا كبرهن و هما عندي سيان في الاعراض عنه، يدلك على ذلك البيت الأخير.

و له من جملة قصيدة:

و قالوا الشيب زار فقلت أهلا * * * بنور ذوائب الغصن الرطيب

186

و لم أك قبل وسمك لي محبا * * * فيبعدنى بياضك عن حبيبي

و لا ستر الشباب علي عيبا * * * فأجزع ان تنم على عيوبي

و لم اذمم طلوعك بي لشيء * * * سوى قرب الطلوع الى شعوب

أما تشبيهه الشيب في بياضه بالنور فهو طريق مهيع و يجيء في الشعر كثيرا، و قد نبهنا في ما مضى من شعر البحتري على شيء منه، و ان كان هذا المعنى أكثر من أن يحصى.

فأما البيت الذي أوله.

و لم أك قبل وسمك لي محبا

فيشبهه قول البحتري:

أ عاتك ما كان الشباب مقربي * * * إليك فالحي الشيب إذ كان مسعدي

من وجه و ان خالفه من آخر، و الوجه الذي كأنهما يشتبهان منه أن المشيب لم يزده بعدا من الغواني و انه على ما كان عليه في حال الشباب. و يختلفان من حيث صرح أخي (رحمه اللّٰه) بأنه ما كان محبا تنزها و تصاونا، فاستوت فيه حال الشيب و الشباب، و البحتري ذكر أنه كان مبعدا مقصي في الحالين فلم يزده الشيب شيئا.

و قوله

و لا ستر الشباب علي عيبا

البيت، في غاية حسن المعنى و اللفظ، و كأنه غريب، لأني لا أعرف إلى الان نظيره.

و له من جملة قصيدة:

فكيف بالعيش الرطيب بعد ما * * * حط المشيب رحله في شعري

سواد رأس أم سواد ناظر * * * فإنه مذ زار اقذى بصري

ما كان أضوأ ذلك الليل على * * * سواد عطفيه و لما يقمر

عمر الفتى شبابه و انما * * * آونة الشيب انقضاء العمر

187

نظير قوله (رحمه اللّٰه)

ما كان أضوأ ذلك الليل من شعري

قولي:

صدت و ما صدها الا على يأس * * * من أن ترى صبغ فوديها على رأسي

أحبب إليها بليل لا يضيء لها * * * إلا إذا لم تسر فيه بمقباس

و المعنى في بيتي مشبه للمعنى في بيته (رحمه اللّٰه)، و ان كان بينهما من الفرق ما إذا تؤمل عرف، و لا بد من الإشارة الى بعض ما افترقا فيه:

قوله (رحمه اللّٰه)

ما كان أضوأ ذلك الليل علي

البيت، انما يفيد الاخبار عن ضوئه و ان لم يكن مقمرا، و لا يفيد أنه إذا كان مقمرا لا يكون مضيئا، لأنه غير ممتنع أن يكون مضيئا على الحالين. و البيت الذي لي يفيد أنه لا يضيء لهذه المرأة إلا إذا لم يكن فيه مقباس، فأفاد نعي اصابته لها الا مع الظلام و فقد الأنوار كلها.

و هذا هو المعنى المقصود الذي يخالف العادة و يقتضي العجب.

و أيضا فإن البيت الذي تضمن أنه لا يضيء لهذه الغانية إلا إذا لم يكن فيه مقباس، قد تضمن تحقيقا شديدا، لأن هذه الحال تختص بالغانيات اللواتي يكرهن الشيب و ينفرن منه. و البيت الأخير يتضمن الإطلاق للخبر عن إضاءة الليل من غير اقمار، و الإطلاق على ظاهره لا يصح، لأن سواد الشعر المشبه بسواد الليل يضيء في أعين كل الناس إذا كان فيه الشيب بلون القمر، و انما لا يضيء في أعين النساء خاصة لنفورهن من الشيب، فلا بد من أن يريد بقوله

ما كان أضوأ ذلك الليل

عند النساء، و ان حذف لضيق الكلام و ضرورة الشعر، فما لا حذف فيه و لفظه مطابق للمعنى المقصود أولى.

و له من جملة قصيدة:

لا تأخذيني بالمشيب فإنه * * * تفويف ذي الأيام لا تفويفي

188

لو أستطيع نضوت عني برده * * * و رميت شمس نهاره بكسوف

كان الشباب دجنة فتمزقت * * * عن ضوء لا حسن و لا مألوف

و لئن تعجل بالنصول فخلفه * * * روحات سوق للمنون عفيف

و له و هو ابتداء قصيدة:

أغدرا يا زمان و يا شباب * * * أصاب بذا لقد عظم المصاب

و ما جزعي لأن غرب التصابي * * * و حلق عن مفارقي الغراب

فقبل الشيب أسلفت الغواني * * * قلى و امالنى عنها اجتناب

عففت عن الحسان فلم يرعني * * * المشيب و لم ينزقنى الشباب

معنى هذه الأبيات يوافق معنى البيت الذي ذكرناه له (رحمه اللّٰه)، و هو:

و لم أك قبل وسمك لي محبا * * * فيبعدنى بياضك عن حبيبي

يخالف معنى قول البحتري:

أ عاتك ما كان الشباب مقربي * * * إليك فالحي الشيب إذ كان مبعدي

لأن بيت البحتري انما تضمن انه كان في أيام الشباب مقصي بين الغواني محروما وصالهن، فلم يزده الشيب شيئا و لا نقصه. و هذه الأبيات تنطق بأنه عف في شبابه و تنزه عن الغواني أنفة و صيانة، فلا ظلامة له في الشيب و هذه عادته و سجيته.

و له من جملة قصيدة

189

فليت عشرين بت احسبها * * * باعدن بين الورود و القرب

اني أظمأ الى المشيب و من * * * ينج قليلا من الردى يشب

و ان يزر طالع البياض أقل * * * يا ليت ليل الشباب لم يغب

و له و هي قطعة مفردة:

عجلت يا شيب على مفرقي * * * و أي عذر لك ان تعجلا

و كيف أقدمت على عارض * * * ما استغرق الشعر و لا استكملا

كنت ارى العشرين لي جنة * * * من طارق الشيب إذا أقبلا

فالآن سيان ابن أم الصبي * * * و من تسدى العمر الأطولا

يا زائرا ما جاء حتى مضى * * * و عارضا ما غام حتى انجلى

و ما رأى الراءون من قبلها * * * زرعا ذوي من قبل ان ينقلا

ليت بياضا جاءني آخر * * * فدى بياض كان لي أولا

و ليت صبحا ساءني ضوؤه * * * زال و أبقى ليله الاليلا

يا ذابلا صوح فينانه * * * قد آن للذابل ان يختلى

حط برأسي يققا ابيضا * * * كأنما حط به منصلا

هذا و لم أعد مجال الصبي * * * فكيف من جاوز أو اوغلا

من خوفه كنت إهاب السري * * * شحا على وجهي ان يبذلا

فليتني كنت تسربلته * * * في طلب العز و نيل العلى

فالوادع القاعد يزري به * * * من قطع الليل و جاب الفلا

قد كان شعري ربما يدعي * * * نزوله بي قبل أن ينزلا

فالآن يحمينى ببيضائه * * * ان أكذب القول و ان أبطلا

قل لعذولي اليوم عد صامتا * * * فقد كفاني الشيب ان اعذلا

190

طبت به نفسا و من لم يجد * * * إلا الردى أذعن و استقتلا

لم يلق من دوني لها مصرفا * * * و لم أجد من دونه موئلا

قوله «يا زائرا» و البيت الذي بعده و البيتان اللذان قبلهما من أحسن ما وصف به عجل الشيب و نزوله قبل أوانه.

و أما قوله

ليت بياضا جاءني آخرا

البيت، فإنما يريد بالبياض الأخر الشيب و البياض الأول حال المرودة و ابيضاض العارضين بفقد الشعر منهما.

و قوله

و ليت صبحا ساءني ضوؤه

في غاية الطبع و الحلاوة. و معنى «يختلى» أي يقطع، و أصله قطع الخلاء الذي هو الحشيش.

و قوله

حط برأسي يققا أبيضا

تشبيه للشيب بالسيف في لونه و قطعه.

و له من جملة قصيدة:

الان لما اعتم بالشيب مفرقي * * * و جلي الدجى عن لمتى لمعانها

و نجذنى صرف الزمان و وقرت * * * عن الحلم نفسي و انقضى نزوانها

يروم العدي ان تستلان حميتى * * * و قبلهم أعيا علي حرانها

و هذه أبيات لها جزالة و قوة و بلاغة.

و له من أثناء قصيدة:

إلى كم ذا التردد في التصابي * * * و فجر الشيب عندي قد أضاء

فيا مبدئ العيوب سقى سواد * * * يكون على مقانحها غطاء

191

شبابي ان تكن أحسنت يوما * * * فقد ظلم البياض و قد أساء

قد ملح بقوله

و فجر الشيب عندي قد أضاء

، و البيت الثاني جيد المعنى و له من أثناء قصيدة:

و هذا و ما أبيض السواد فكيف بي * * * إذا الشيب مشى ليلة من عماثمي

و كنت ارى ان الشباب وسيلة * * * لمثلي الى بيض الخدود النواعم

و له من أثناء قصيدة:

فالآن إذ نبذ المشيب شبيبتى * * * نبذ القذى و اقام من تأويدى

و فررت عن سن القروح تجاريا * * * وعا على قعس السنين عمودي

و لبست في الصغر العلى مستبدلا * * * اطواقها بتمائم المولود

و صفقت في أيدي الخلائف راهنا * * * لهم يدي بوثائق و عقود

و حللت عندهم محل المحتبي * * * و نزلت منهم منزل المودود

فغر العدو يريد ذم فضائلى * * * هيهات ألجم فوك بالجلمود

و لهذه الأبيات من الاطراد و الاتساق و جودة السبك و صحة النسج ما تستغني به عن شهادة لها و تنبيه عليها.

و له من جملة قصيدة:

ان أشك فعلك في فراق أحبتي * * * فلسوء فعلك في عذارى أقبح

ضوء تشعشع في سواد ذوائبى * * * لا أستضيء به و لا استصبح

192

بعت الشباب به على مقة له * * * بيع العليم بأنه لا يربح

هذه أبيات محكمة في القلوب تحكيمها في الطبع و سلامة اللفظ و صحة النسج.

و له من أثناء قصيدة:

قل للعواذل مهلا فالمشيب غدا * * * يغدو عقالا لذي القلب الذي طمحا

هيهات أحوج مع شيبى الى عذل * * * و الشيب اعذل ممن لا منى و لحي

و له من أثناء قصيدة:

قالوا المشيب فعم صباحا بالنهي * * * و اعقر مراحك للطروق الزائر

لو دام لي ود الاوانس لم إبل * * * بطلوع شيب و ابيضاض غدائر

لكن شيب الرأس ان يك طالعا * * * عندي فوصل البيض أول غائر

واها على عهد الشباب و طيبه * * * و الغض من ورق الشباب الناضر

واها له لو كان غير دجنة * * * قلصت صبابتها كظل الطائر

خمس و عشرون اهتصرن شبيبتى * * * و ألن عودي للزمان الكاسر

كان الشباب وراء ظل قالص * * * لأخي الصبي و امام عمر قاصر

و أرى المنايا إن رأت بك شيبة * * * جعلتك مرمى نبلها المتواتر

تعشو الى ضوء المشيب و تهتدي * * * و تضل في ليل الشباب الغائر

لو يفتدى ذاك السواد فديته * * * بسواد عيني بل سواد ضمائرى

أبياض رأس و اسوداد مطالب * * * صبرا على حكم الزمان الجائر

193

ان اصفحت عنه الخدود فطالما * * * عطفت له بلواحظ و نواظر

و لقد يكون و ما له من عاذل * * * فاليوم عاد و ما له من عاذر

كان السواد سواد عين حبيبه * * * فغدا البياض بياض طرف الناظر

لو لم يكن في الشيب الا أنه * * * عذر الملول و حجة للغادر

أما قوله

و اعقر مراحك للطروق الزائر

فمن مليح اللفظ و رشيقه، لأن الضيف الزائر انما يعقر له الأنعام و الشيب إذا زار فإنما يعقر له الطرب و المراح و الارن و النشاط.

و أما البيت الثالث من هذه الأبيات الذي أوله

لكن شيب الرأس ان يك طالعا

و الثاني الذي أوله

إن أصفحت عنه الخدود

فمعناهما يكثر و يتكرر في الشعر، لان الطريق المسلوك في ذم الشيب هو من حيث ينفر النساء منه و يعرضن عنه و يقطعن حبل وصل صاحبه، و في هذا من الشعر ما لا يحصى، و العبارات عنه مختلفة في اختصار و اطالة و ضعف و جزالة و طبع و تكلف، و يمضى فيما أخرجته من شعري هذا المعنى كثيرا بألفاظ مختلفة و مواقع متباينة، و أنت ترى ذلك إذا انتهينا اليه.

و قد أحسن صخر بن حنباء التميمي في قوله:

فان أك بدلت البياض و أنكرت * * * معالمه منى العيون اللوامح

فقد يستجد المرء حالا بحالة * * * و قد يستشن الجفن و النصل جارح

و ما شأن عرضي من فراق علمته * * * و لا أثرت في الخطوب الفوادح

و لجرير:

بان الشباب و قال الغانيات لقد * * * ولى الشباب و أؤدي عصرك الخالي

قد كن يفزعن من صرمى و مقليتى * * * فاليوم يهزأن من وصلي و ادلالى

194

و لبعض العرب:

يا جمل ان سل سربال الشباب فما * * * يبقى جديد من الدنيا و لا خلق

صدت امامة لما جئت زائرها * * * عني بمطروفة إنسانها غرق

و راعها الشيب في رأسي فقلت لها * * * كذلك يصفر بعد الخضرة الورق

و قال ابن الرومي و جود:

كبرت و في خمس و ستين مكبر * * * و شبت فإجمال ألمها منك نفر

إذا ما رأتك البيض صدت و ربما * * * غدوت و طرف البيض نحوك أصور

و ما ظلمتك الغانيات بصدها * * * و ان كان من أحكامها ما يحور

اعر طرفك المرآة و انظر فإن نبا * * * بعينك عنك الشيب فالبيض أعذر

إذا شنئت عين الفتى وجه نفسه * * * فعين سواه بالشناءة أجدر

فأما قوله في الأبيات التي نحن في الكلام على معناها

قلصت صبابتها كظل الطائر

فإنما يريد به سرعة انتقاله و زواله، لأن ظل الطائر وشيك الزوال متدارك الانتقال.

و أما قوله

و أرى المنايا إن رأت بك شيبة

و البيت الذي بعده و أوله

تعشو الى ضوء المشيب فتهتدي

فانني رأيت هذا المعنى لابن الرومي في قطعة له و ما رأيته لأحد قبله و يقوى في الظن أنه سبق اليه، و الأبيات:

كفى بسراج الشيب في الرأس هاديا * * * الى من أضلته المنايا لياليا

أمن بعد إبداء المشيب مقاتلي * * * لرامي المنايا تحسبيني ناجيا

غدا الدهر يرميني فتدنو سهامه * * * لشخصي أخلق ان يصبن سواديا

و كان كرامي الليل يرمى و لا يرى * * * فلما أضاء الشيب شخصي رمانيا

195

و لقد أحسن في البيت الأخير كل الإحسان، لأن المعنى الذي قصده تكامل فيه و انتهى الى الغاية عنده و ساعده اللفظ و حسن العبارة، فلم يبق عذر في قبول القلوب له و علوقها به. و من شأن ابن الرومي أن يورد المعنى ثم يأخذ في شرحه في بيت آخر و إيضاحه و تشعيبه و تفريعه، فربما أخفق و أكدى و ربما أصاب فأصمى، لأن الشعر انما تحمد فيه الإشارة و الاختصار و الإيماء إلى الأغراض و حذف فضول القول.

و في هذه الأبيات قد اتفق له لما كرر المعنى و اعاده و أبداه خلص في البيت الأخير وصفا و عذب مذاقة، لأنه في أول البيت قد أشار الى هذا المعنى الموجود في آخرها، و في البيت الثاني أيضا قد أعاد ذلك، و في البيت الثالث قد ألم بالمعنى بعض الإلمام، لأنه ذكر أن سهام الدهر تقرب منه و أخلق أن تصيب سواده يعني شخصه، و لم يذكر العلة في إصابتها له، و هي إضاءة الشيب لمقاتلة و هدايتها الى مراميه كما ذكره في البيتين الأولين، و طبق المفصل في البيت الرابع، لانه جعل الدهر في زمان الشباب يرميه بسهامه و هو لا يراه لأن سواد شبابه ساتر له.

و معنى «كرامي الليل» الرامي في الليل، فالليل ظرف للرامي و ليس بمفعول صحيح. ثم قال

فلما أضاء الشيب شخصي رمانيا

و معنى رمانيا أصابني، كما قال الشاعر:

و لما رمى شخصي رميت سواده * * * و لا بد أن يرمى سواد الذي يرمى

و في شعري ما يشبه هذا المعنى، و هو:

و لاح بمفرقى قبس منير * * * يدل على مقاتلي المنونا

فأما قوله (رحمه اللّٰه) في الأبيات

و لقد يكون و ما له من عاذل

فمعناه متكرر في الشعر متردد، و الشباب أبدا يوصف بأن صاحبه معذور مغتفر الجرم و ذو الشيب

196

مؤاخذ بما لم يجنه متجرم عليه.

و قوله في آخر الأبيات

عذر الملول و حجة للغادر

من لطيف القول و سليم النسج.

و له من أثناء قصيدة:

لهفي لأيام الشباب على ندى * * * أطرافهن و ظلهن الأبرد

أيام انفض للمراح ذوائبى * * * و أروح بين معذل و مفند

و منها:

و بياض ما بيني و بين أحبتي * * * يوم اللقاء من العذار الأسود

و له من أثناء قصيدة:

و لم يبق لي في الأعين النجل طربة * * * و لا ارب عند الشباب الذي يمضى

صحا اليوم في ظل الشبيبة مفرقي * * * و أبدل مسود العذار بمبيض

و له من جملة قصيدة:

ليالي من لي برد الشباب * * * منى غصن رطيب المجاني

و قد رحل البيض من لمتى * * * بطفل الأماني بض البنان

أ فالآن لما أضاء المشيب * * * و أمسى الصبي ثانيا من عناني

و قد صقل السيف بعد الصدا * * * و بان لظى النار بعد الدخان

197

يرد الزمان علي الهوى * * * و يطمع في هفوة من جناني

أما تشبيه السواد في الشعر بالصدإ و بياض الشيب بالصقال و الجلاء فمذهب معروف متداول، لكن الغريب المليح تشبيه سواد الشباب بالدخان و بياض الشيب ببياض النار.

و له في ذم المشيب و هي قطعة مفردة:

خذا اليوم كفى للبياع على النهى * * * فلم يبق للإطراب عين و لا اثر

و قد كنت لا اعطى العواذل طاعة * * * و أعذر نفسي في التصابي و لا عذر

نقضت لبانات الصبي و تصرمت * * * فلا نهى للاحي علي و لا أمر

و لا تحسبا انى نضوت بطالتى * * * نزوعا و لكن صغر اللذة الكبر

و لا امترى ان الشباب هو الغنى * * * و ان قل مال و المشيب هو الفقر

و له أيضا في ذم المشيب و هي قطعة مفردة:

يا عذولى قد غضضت جماحى * * * فاذهبا اين شئتما بزمامى

بعد لوثى عمامة الشيب * * * اختال ببردي بطالة و عرام

خفضت نزوة الشباب و حال * * * الهم بين الحشا و بين الغرام

ايها الصبح زل ذميما فما أظلم * * * يومى من بعد ذاك الظلام

ارمضت شمسك المنيرة فودي * * * فمن لي بظل ذاك الغمام

غالطونى عن المشيب و قالوا * * * لا ترع انه جلاء الحسام

قلت ما أمن من على الرأس منه * * * صارم الحد في يد الأيام

198

ان ذنبي الى الغواني بشيبى * * * ذنب ذئب الغضا الى الارام

كن يبكين قبله من وداعي * * * فبكاهن بعده من سلامي

ما أحسن هذه الأبيات و أرطب أطرافها و أعذب ائتلافها.

و له و هي قطعة مفردة:

لجام للمشيب ثنى جماحى * * * و ذللني لأيامى و راضا

أقر بلبسه و لقد أراني * * * اجاحده إباء و امتعاضا

تعوضت الوقار من التصابي * * * أشد على المعوض ما استعاضا

لوى عنى الخدود من الغواني * * * و قطع دوني الحدق المراضا

فصار بياضه عندي سوادا * * * و كان سواده عندي بياضا

أراد بالبيت الأخير أن بياض الشيب صار سوادا لقلبه أي هما و حزنا، أو أنه سود ما بينه و بين حبائبه و أظلم ما كان مشرقا من ودهن و كان سواده بياضا بمعنى الضد من هذه الأحوال.

و له من قصيدة:

شيب و ما جزت الثلاثين نزل * * * نزول ضيف ببخيل ذي علل

يصرف عنه السمع ان ارغى الجمل * * * و لا يقول ان أناخ حي هل

كأنه لما طرا على عجل * * * سواد نبت عمه بياض طل

يجيء بالهم و يمضى بالأجل * * * فأوه ان حل و واها ان رحل

أبدل من الشباب لا بدل * * * سرعان ما رق الأديم و نغل

199

لهذه الأبيات حظ جزيل من قوة و فصاحة، و قد قالت الشعراء في تعجيل الشيب قبل أوانه فأكثرت و المراعى في المعاني المتداولة المتناولة التجويد، و قد قال ابن الرومي:

أرى بقر الأنس منى تراع اطيش * * * ما كنت عنها سهاما

و أنى تفرع رأسي المشيب * * * و لم اتفرع ثلاثين عاما

قوله

أطيش ما كنت عنها سهاما

قد كرره شغفا به في قوله أيضا:

أقول و مرت ظبيتان فصدتا * * * و راعتهما منى مفارق شيب

أطيش ما كانت سهامي عنكما * * * تصدان عنى ان ذا لعجيب

و من جيد القول في التلهف على الشباب و التأسف على فراقه قول ابن الرومي:

لا تلح من يبكي شبيبته * * * إلا إذا لم يبكها بدم

عيب الشبيبة غول سكرتها * * * مقدار ما فيها من النعم

لسنا نراها حق رؤيتها * * * إلا زمان الشيب و الهرم

كالشمس لا تبدو فضيلتها * * * حتى تغشى الأرض بالظلم

و لرب شيء لا يبينه * * * وجدانه الا مع العدم

و له من قصيدة:

دع للمشيب ذمه * * * ان له عندي بدا

أعتق من رق الهوى * * * مذللا معبدا

لكن هوى لي ان أرى * * * لون عذارى أسودا

مر البياضان عليه * * * شائبا و أمردا

200

ما أخلق البرد فلم * * * بدل لي و جددا

معنى البيت الأخير مليح جدا، لأن الاستبدال على العادة انما يكون مع الأخلاق و الرثاثة، و لا معنى لإبدال ما لم يخلق و تجديده.

و له و هو ابتداء قصيدة:

ترى نوب الأيام يرجى صعابها * * * و يسأل عن ذي لمة ما أشابها

و هل سبب للمرء من بعد هذه * * * فدأبك يا لون الشباب و دأبها

شربنا من الأيام كأسا مريرة * * * تدار بأيد لا يرد شرابها

و منها:

خطوب يعن الشيب في كل لمة * * * و ينسين أيام الصبي و لعابها

و له و هي قطعة مفردة:

صدت و ما كان لها الصدود * * * و ازور عنى طرفها و الجيد

تقول لما أخلق الجديد * * * إذا البجال ذلل الوليد

البجال: الشيخ الكبير.

فأين ذاك الخضل الأملود * * * ريان من ماء الصبي يميد

تصحبه اللحظ العذارى الغيد * * * غدا الغزال اليوم و هو سيد

قلت نعم ذاك الذي أريد * * * مضى حبيب قلما يعود

أشد ما أوجعني الفقيد * * * أيامنا بعد البياض سود

201

و له و هي قطعة مفردة:

قال لي عند ملتقى الركب عمرو * * * قوم العود بعدنا فانصاتا

اين ذاك الصبي و ذاك التصابي * * * سبقا الطالب المجد و فاتا

من قضى عقبة الثلاثين يغدو * * * راجعا يطلب الصبي هيهاتا

لم تزل و المشيب غير قريب * * * ناعيا للشباب حتى ماتا

كنت تبكي الأحياء فاستكثر * * * اليوم من الدمع و اندب الأمواتا

و له و هي قطعة مفردة:

تشاهقن لما ان رأين بمفرقي * * * بياضا كأن الشيب عندي من البدع

و قلن عهدنا فوق عاتق ذا الفتى * * * رداء من الحوك الرقيق فما صنع

و لم أر عضبا عيب منه صقاله * * * و كان حبيبا للقلوب على الطبع

و قالوا غلام زين الشيب رأسه * * * فبعدا لرأس زانه الشيب و الترع

تسلى الغواني عنه من بعد صبوة * * * و ما أبعد النبت الهشيم من النجع

و كن يخرقن السجوف إذا بدا * * * فصرن يرقعن الخروق إذا طلع

و له و هو ابتداء قصيدة:

ألهاك عنا ربة البرقع * * * مر الثلاثين إلى الأربع

أنت أعنت الشيب في مفرقي * * * مع الليالي فصلى أو دعي

202

و له و هي قطعة مفردة:

أ أميم إن أخاك غض جماحه * * * بيض طردن عن الذوائب سودا

عقب الجديد إذا مررن على الفتى * * * مر القوادح لم يدعن جديدا

قد كان قبلك للحسان طريدة * * * فاليوم راح عن الحسان طريدا

حولن عنه نواظرا مزورة * * * نظر القلى و لوين عنه خدودا

نشد التصابي بعد ما ضاع الصبي * * * عرضا لعمرك يا أميم بعيدا

و له و هي قطعة مفردة:

تمل من التصابي قبل تمسى * * * و لا أمم صباك و لا قريب

سواد الرأس سلم للتصابى * * * و بين البيض و البيض الحروب

و ولاك الشباب على الغواني * * * فبادر قبل يعذلك المشيب

هذا المصراع من البيت الأخير مليح اللفظ.

و له من جملة قصيدة:

راحت تعجب من شيب ألم به * * * و عاذرا شيبه التهمام و الأسف

و لا تزال هموم النفس واردة * * * رسل البياض الى الفودين تختلف

ان الثلاثين و السبع التوين به * * * عن الصبي فهو مزور و منعطف

قوله

و عاذرا شبيه التهمام و الأسف

من أخصر عبارة و أبلغها من هذا المعنى.

203

و له من أثناء قصيدة:

فيا حادي السنين قف المطايا * * * فهن على طريق الأربعينا

و أب الرأس بعدك صوحته * * * بوارح شيبة فغدا حنينا

و كان سواده عند الغواني * * * يعدن الى مطالعة العيونا

اتاجرها فأربح في التصابي * * * و بعض القوم يحسبني غبينا

أهان الشيب ما اعززن منه * * * و عز على العقائل أن يهونا

جنون شبيبة و وقار شيب * * * خذا عنى الصبي و دعا الجنونا

و له من قصيدة:

و طارق للشيب حييته * * * سلام لا الراضي و لا الجاذل

أجرى على عودي ثقاف النهى * * * جري الثقافين على الذابل

و أعرني عقر مراحى له * * * لادر در الشيب من نازل

فاليوم لا زور و لا طربة * * * نام رقيبى و صحا عاذلى

و له من قصيدة:

و رأت وخط مشيب طارق * * * وخط التهمام قلبي فوخط

ما لها تنكر مع هذا الشجى * * * وقعات الشيب بالجعد القطط

204

و له و هو ابتداء قصيدة:

من شافعي و ذنوبي عندها الكبر * * * ان البياض لذنب ليس يغتفر

رأت بياضك مسودا مطالعة * * * ما فيه للحب لا عين و لا اثر

و أي ذنب للون راق منظره * * * إذا أراك خلاف الصبغة النظر

و ما عليك و نفسي فيك واحدة * * * إذا تلون في ألوانه الشعر

أنساك طول نهار الشيب آخره * * * و كل ليل شباب عيبه القصر

ان السواد على لذاته لعمى * * * كما البياض على علاته بصر

البيض اوفى و أبقى لي مصاحبة * * * و السود مستوفزات للنوى غدر

كنت البهيم و اعلاق و الهوى جدد * * * فأخلقتك حجول الشيب و الغرر

و ليس كل ظلام رام غيهبه * * * يسر خابطه ان يطلع القمر

تسلية الغواني النافرات من الشيب الحائدات عن صاحبه بأن حلوله ما أحال عهدا و لا غير ودا طريق مسلوكة و جدد مألوفة، و سيأتي في شعري من هذا المعنى ما يوقف عليه في موضعه، و من جملة قولي:

و ما ضرني و العهد غير مبدل * * * تبدل شرخى ظالما بمشيبى

و قولي:

إن كنت بدلت لونا * * * فما تبدلت حبا

و قولي:

و لا لوم يوما من تغير صبغتى * * * إذا لم يكن ذاك التغير في عهدي

و أما قوله (رحمه اللّٰه)

أنساك طول نهار الشيب آخره

فمعناه ان الشيب لامتداد أيامه ينسى ذكر عواقبه و مصائره التي هي الموت و الفناء.

205

و من مليح اللفظ قوله

و كل ليل شباب عيبه القصر

و أما قوله

البيض أوفى و أبقى لي مصاحبة

فنظيره قول الشاعر:

و الشيب ان يظهر فان وراءه * * * عمرا يكون خلاله متنفس

و من شعري قولي:

عمر الشباب قصير لا بقاء له * * * و العمر في الشيب يا أسماء ممدود

و له من قصيدة:

شيع بالقطر الروا * * * ذاك الشباب الراحل

ما سرني من بعده * * * الاعواض و البدائل

ما ضر ذي الأيام لو * * * أن البياض الناصل

كل حبيب ابدا * * * أيامه قلائل

ظل و كم يبقى على * * * فوديك ظل زائل

لقد رأى بعارضيك * * * ما أحب العاذل

و استرجعت منك اللحاظ * * * الخرد العقائل

و أغمدت عنك نصول * * * الأعين القواتل

فلا الدماليج يقعقعن * * * و لا الخلاخل

فان وعدن فاعلمن * * * ان الغريم ماطل

و وعد ذي الشيبة * * * بالوصل غرور باطل

و له من قصيدة

206

ما لقائي من عدوي * * * كلقائي من مشيبي

موقد نارا أضاءت * * * فوق فودي عيوبي

و بياض و هو عند * * * البيض من شر ذنوبي

يمكن أن يكون معنى قوله رضي اللّٰه عنه

أضاءت فوق فودي عيوبي

انها كانت مستورة بالشباب معرض عن ذكرها و التقريع بها لوسيلة الشباب و فضيلته، فلما مضى ظهر منها ما كان مستورا حاله.

و يمكن غير هذا الوجه، و هو: أنه لم يرد ان عيبا له كان كامنا مستورا فظهر بل يريد أنه بالمشيب تمحلت له عيوب و تكذبت عليه و أشيعت عنه، و ان ضوء المشيب هو الذي كان السبب فيها.

و يمكن وجه ثالث، و هو: أن يريد بالعيوب نفس الشيب لا شيئا سواه، و انه لما أضاء برأسه و عيب به كان مظهره و ناشره في رأسه كأنه مظهر لعيوبه و معلن لها.

و له و هو ابتداء قصيدة:

ما للبياض و الشعر * * * ما كل بيض بغرر

صفقة غبن في الهوى * * * بيع بهيم بأغر

صغره في أعين * * * البيض بياض و كبر

لو لا الشباب ما نهى * * * على ألمها و لا أمر

ما كان اغنى ذلك * * * المفرق عن ضوء القمر

قد كان صبح ليله * * * أمر صبح ينتظر

207

واها و هل يغني الفتى * * * بكاء عين لا اثر

يا حبذا ضيفك من * * * مفارق و ان غدر

اين غزال داجن * * * رأى البياض فنفر

هيهات رثم الرمل لا * * * يدنو الى ذنب الخمر

من بارع القول و مليحه قوله (رحمه اللّٰه) «ما كل بيض بغرر» و مثل ذلك قولهم ما كل بيضة شحمة، لأن بياض اللون قد يشترك فيه الممدوح و المذموم و المراد و المكروه.

و البيت الثاني معناه ان من باع الشباب و هو البهيم بالمشيب- و هو الأغر- فقد غبن. و موضع العجب أن الأغر أفضل و أنفس من البهيم، فكيف انعكس ذلك في الشيب و الشباب.

و نظير هذا المعنى من شعري قولي:

إن البهيم من الشباب ألذ لي * * * فلتغذني أوضاحه و حجوله

فأما قوله (رحمه اللّٰه)

صغره في أعين البيض بياض و كبر

فمن العجب أن يصغر الكبر، و نظير هذا البيت قول البحتري:

صغر قدري في الغانيات و ما * * * صغر صبا تصغيره كبره

و أما قوله

ما كان أغنى ذلك المفرق

فالليل لا يستغني عن القمر بل يفتقر إليه أشد فقر، الا ان المشبه بالليل من الشباب مستغن عن المشبه بالقمر من ضوء المشيب. و هذا المعنى يمضي كثيرا في الشعر، و سيجيء منه في شعري ما أذكره في مواضعه بمشيئة اللّٰه.

و قوله (رحمه اللّٰه)

بكاء عين لا اثر

من مطبوع القول و مقبولة.

208

و لقائل أن يقول في البيت الذي هو:

يا حبذا ضيفك من * * * مفارق و ان غدر

أي غدر يليق بالشباب و هو لم يفارق مختارا بل مضطرا؟

فالجواب عنه: ان الغدر بالفراق انما يكون متى كان عن غير سبب أوجب المفارقة و مع الإيثار للمواصلة و المقام، فكأن الشباب لما تعجل قبل حينه و أوان فراقه من غير سبب من ذي الشباب أوجب ذلك نسب اليه الغدر توسعا و استعارة و تشبيها.

و له من قصيدة:

يا قاتل اللّٰه ريعان الشباب و ما * * * خلى علي من الأشجان و الغلل

و روضة من سواد الرأس حالبة * * * كان المشيب إليها رائد الأجل

قالوا الخضاب لود البيض مطمعة * * * قد ضل طالب ود البيض بالحيل

فلقوله (رحمه اللّٰه)

كان المشيب إليها رائد الأجل

من الإحسان و العذوبة ما شاء.

و له من قصيدة:

إليك فقد قلصت شرتى * * * بعيد البياض قلوص الظلال

و بدلت مما يروق الحسان * * * من منظر ما يروع الغوالي

سواد تعذر زور البياض * * * علوق الضرام برأس الذبال

209

و مر على الرأس مر الغمام * * * قليل المقام سريع الزيال

و له من قصيدة:

قل لزور المشيب أهلا انه * * * أخذ الغي و أعطاني الرشد

طارق قوم عودي بالنهي * * * بعد ما استغمز من طول الأود

و قر اليوم جموحا رأسه * * * جار ما جار طويلا و قصد

ظل لماع حلاه عارض * * * بعد ما أبرق حيا و رعد

و له في ذم الشيب و هي قطعة مفردة:

ليس على الشيب للغواني * * * و ان تحملن من قرار

كأنما البيض من لداتي * * * ضرائر البيض من عذاري

ان خيمت هذه بأرضي * * * تحملت تلك عن دياري

ارين في رأسي الليالي * * * شر ضياء لشر نار

تبدي الخفيات من عيوبي * * * و تظهر السر من عواري

أعدو بها اليوم للغوانى * * * أعدى من الذئب للضوارى

و كن طربى الى طروقى * * * إذ ليل رأسي بلا درارى

فمذ أضاء المشيب فودى * * * تورع الزور عن مزاري

مثل الخيالات زرن ليلا * * * و زلن مع طالع النهار

أما تشبيه النساء اللواتي يزرن مع سواد الشباب و يهجرن مع بياض المشيب بالخيال الذي يزور ليلا و يهجر نهارا فمن مليح التشبيه و غريبه.

210

و له من قصيدة:

و لم يلبثن غربان الليالي * * * نعيقا ان اطرن غراب رأسي

و ما زال الزمان يحيف حتى * * * نزعت له على مضض لباسى

نضا عنى السواد بلا مرادي * * * و أعطاني البياض بلا التماسي

أروع به الظباء و قد أراني * * * رميلا للغزال الى الكناس

و بغضنى المشيب الى لداتي * * * و هوننى البقاء على أناسي

خذوا بأزمتى فلقد أراني * * * قليلا ما يلين لكم شماسى

أ ليس الى الثلاثين انتسابي * * * و لم أبلغ الى القلل الرواسي

فمن دل المشيب على عذارى * * * و ما جر الذيول الى غراسي

و له من جملة قصيدة:

و تلفعت ريطة من بياض * * * انا راض منها بما لا يرضى

أبرمت لي من صبغة الدهر * * * لا يسرع فيها الا المنايا نقضا

مخبر فاحم و لون مضيء * * * من رأى اليوم فاحما مبيضا

قوله (رحمه اللّٰه)

لا يسرع فيها الا المنايا نقضا

يريد به أن بياض المشيب لا يحول و لا يزول الا بالموت، و ليس كسواد الشباب الذي يزول ببياض المشيب.

و له من قصيدة:

يا قاتل اللّٰه الغواني لقد * * * سقينني الطرق بعيد الحمام

211

اعرضن عني حين ولي الصبي * * * و اختلج الهم بقايا العرام

و شاعت البيضاء في مفرقي * * * شعشعة الصبح وراء الظلام

سيان عندي أبدت شيبة * * * في الفود أو طبق عضب حسام

ألقى بذل الشيب من بعدها * * * من كنت ألقاه بدل الغلام

ترى جميم الشعر لما ذوي * * * يراجع العظلم بعد الثغام

كم جدن بالأجياد لي و الطلي * * * فاليوم يبخلن برد السلام

عدل (رحمه اللّٰه) في البيت الذي أوله «ألقى بذل الشيب» عن أن يقابل الذل بالعز الى مقابلته بالدل، لأن الدل بصورة الذل في الخط و الوزن، و فيه أيضا معنى العز، فهو أليق بالمقابلة و أجمع لشروطها. فأما العظلم فهو نبت أسود العصارة، و قيل انه الوسمة، و العرب تقول ليل عظلم أي مظلم.

و له و قد حلق وفرته بمنى و رأى فيها شيئا من البياض، و هي قطعة مفردة:

لا يبعدن اللّٰه برد شبيبة * * * ألقيته بمنى و رحت سليبا

شعر صحبت به الشباب غرانقا * * * و العيش مخضر الجناب رطيبا

بعد الثلاثين انقراض شبيبة * * * عجبا أميم لقد رأيت عجيبا

قد كان لي قطط يزين لمتى * * * ثروى السنان يزين الانبوبا

فاليوم اطلب للهوى متكلفا * * * حصرا و ألقى الغانيات مريبا

اما بكيت على الشباب فإنه * * * قد كان عهدي بالشباب قريبا

أو كان يرجع ذاهب بتفجع * * * و جوى شققت على الشباب جبوبا

و لئن حننت إلى منى من بعدها * * * فلقد دفنت بها الغداة حبيبا

212

و له من جملة قصيدة:

و لقد أكون من الغواني مرة * * * بأعز منزلة الحبيب الأقرب

اقتادهن بفاحم متخايل * * * فيريبنى و يرين لي و يرين بي

و إذا دعوت أجبن غير شوامس * * * زفف النياق الى رغاء المصعب

فاليوم يلوين الوجوه صوادفا * * * صد الصحاح عن الطلي الأجرب

و إذا لطفت لهن قال عواذلى * * * ذئب الرداه يريغ ود الربرب

فلئن فجعت بلمة فينانة * * * مات الشباب بها و لما يعقب

فلقد فجعت بكل فرع باذخ * * * من عيص مدركه الأعز الأطيب

و لهذه الأبيات ما شئت من معنى و لفظ. و قوله «يرين لي» أي يوجبن حقي، فأما «يرين بي» فمعناه أنهن يوجبن لغيري الحق من أجلي.

و الزفف: ضرب من المشي. و المصعب: الفحل من الإبل. و الرداه: جمع ردهة و هي النقرة في الجبل يستنقع فيها الماء. و «مات الشباب و لما يعقب» من مليح اللفظ.

و كنا ذكرنا في صدر الكتاب أنا أخرجنا من ديوان أخي (رحمه اللّٰه) مبلغا عيناه و وقع إلينا بعد ذلك من شعره ما زاد على ما ذكرناه من العدد، و المخرج كله يزيد على الثلاثمائة بيت.

(انقضى ما أخرجته لأخي رضي اللّٰه عنه) و هذا ابتداء ما انتزعته من ديوان شعري في الشيب لي من قصيدة أولها

لو لم تعاجله النوى لتحيرا

:

جزعت لوخطات المشيب و انما * * * بلغ الشباب مدى الكمال فنورا

213

و الشيب ان فكرت فيه مورد * * * لا بد يورده الفتى ان عمرا

يبيض بعد سواده الشعر الذي * * * ان لم يزره الشيب و أراه الثرى

زمن الشبيبة لاعدتك تحية * * * و سقاك منهمر الحيا ما استغزرا

فلطا لما اضحى ردائي ساحبا * * * في ظلك الوافي و عودي اخضرا

أيام يرمقني الغزال إذا رنا * * * شغفا و يطرقني الخيال إذا سرى

معنى

بلغ الشباب مدى الكمال فنورا

انه تكامل و انتهى الى غايته، و الزرع إذا تكامل و بلغ غايته نور.

و في هذا الموضع زيادة على ما يمضى كثيرا في الشعر من تشبيه الشيب بالنور، لأن ذاك انما يفيد تشبيه به في لونه، و هذا البيت الذي يختص به يريد مع أنه يشبهه في النور ان معنى الشيب مع النور في الظهور و الطلوع عند بلوغ الغاية، و انما أردت تسلية من جزعت من شيبى من النساء بأن الشيب لا بد منه عند الانتهاء الى غايته كما لا بد من النور في هذه الحال.

و لي من أبيات قد ذكرتها فيما خرجته من شعري مثل هذا بعينه، و هو:

و رأت بياضا في نواحي لمة * * * ما كان فيها في الزمان السالف

مثل الثغام تلاحقت أنواره * * * عمدا لتأخذه بنان القاطف

و الثغام نور أبيض تشبه العرب به الشيب، فأما البيتان التاليان للبيت الأول فمعناهما واحد، لأن من عمر شاب و الشعر الأسود رهن يشيب مع البقاء أو بالتراب عند الفناء.

و قد تكررت هذه القسمة في كثير من شعري، و أنت ترى ذلك في مواضعه، من جملة ما يشبه ذلك لي

214

من عاش لم تجن عليه نوب * * * شابت نواحي رأسه أو هرما

و قولي:

و من ضل عن أيدي الردى شاب مفرقا

و هذه القسمة أصح من قسمة البحتري في قولي:

و لا بد من ترك احدى اثنتين * * * اما الشباب و اما العمر

لأن تلك القسمة اشتبهت على الامدي حتى تكلم فيها فيما بينا الزلل منه.

فان قيل: كيف تصح قسمتكم بأنه لا بد من الشيب مع طول العمر و في الناس من لا يشيب على وجه و لا سبب؟

و الجواب عن ذلك: ان في الناس من يتأخر شيبه و لا بد مع استمرار بقائه من بياض سواد شعره و لو كان فيهم من لا يشيب مع البقاء الأطول، و ليس الأمر كذلك لكانت القسمة صحيحة و محمولة على أنه لا بد مع طول العمر من الشيب أو من ورود زمانه، فان زمانه إذا وفد و ورد فهو كالوارد الوافد و ان عاق عنه في بعض الناس عائق. و هذا السؤال لا يتأتى في قولي «شابت نواحي رأسه أو هرما» لأنني جعلت من عاش بين موت أو هرم.

فان قيل: جزع النساء انما هو من الشيب و انما يسلين عنه بأنه لا بد مع العمر من حلوله، و إذا كان منه بد فلا تعزية.

قلنا: انما تجزع النساء من الشيب لما فيه من إضعاف القوة و اكلال الجوارح و إطفاء السورة، و الكبر و الهرم يكون معه ذلك كله، و ان لم يظهر شيب الشعر فقد بان انه لا بد مما يجزع النساء منه.