رسائل الشريف المرتضى - ج4

- السيد المرتضى المزيد...
355 /
215

و لي من قصيدة أولها

أظنك من جدوى الأحبة قانطا

و غر الثنايا رقتهن بلمتى * * * فواعدنها زورا من الشيب و أخطأ

سواد يبريني و ان كنت مذنبا * * * و يبسط من عذري و ان كنت غالطا

و يسكننى حب القلوب و طالما * * * ألف على ضمي اكفا سبائطا

معنى البيت الأول: ان الحسان اللواتي يوصفن بوضوح الثنايا لما رأين اللمة السوداء فغبطن بها و اغتبطن منها تعللن بأن واعدنها زمان الشيب الذي يمحو حسنها و يذهب بهجتها، و معنى البيت الثاني يجيء كثيرا في الشعر و ان الشباب معذور الجناية مغتفر الذنب و الشيب بالضد من ذلك، و سيجيء من شعري مترددا.

و لي من قصيدة أولها

حييت يا ربع اللوى من مربعي

شعر شفيعى في الحسان سواده * * * حتى إذا ما أبيض بي لم يشفع

عوضت قسرا من غداف مفارقي * * * و هي الغبينة بالغراب الأبقع

لون تراه ناصعا حتى إذا * * * خلف الشباب فليس بالمستنصع

من العجب أن تتغير قبول الشفاعة و نجح الوسيلة بتغير الصبغة، و هذا معنى يختص بالسبب.

فأما البيت الأخير فغريب المعنى، لأن لون البياض أنصع الألوان و أشرفها و أحسنها، هذا في الجملة، و إذا كان البياض بدلا من الشباب كان مستقبحا مستهجنا منفورا عنه متباعدا منه. و هذا من عجائب لون الشيب و من لطيف ما نبه عليه و أشير اليه.

و تشبيه الشعر الذي أبيض بعضه و باقية أسود بالغراب الأبقع من غريب التشبيه،

216

لأن الشعراء قد شبهت الشباب بالغراب و الغداف و أكثرت من ذلك، و ما ورد تشبيه الشيب الممتزج بالغراب الأبقع.

فإن قيل: إذا شبهوا الشباب بالغراب و الغداف قبح هذا التشبيه تشبيه المختلط بالغراب الأبقع. قلنا: هو كذلك، الا أن هذا لا يدفع استغراب هذا التشبيه و انه غير متداول مبتذل.

و ممن سبق الى هذا المعنى أبو حية النميري في قوله:

زمان علي غراب غداف * * * فطيره الشيب عني فطارا

و وجدت لبعض الأعراب ممن لا أعلم تقدمه لزمان أبي حية أو تأخره:

و كأنما الشيب ألملم بلمتى * * * باز اطار من الشباب غرابا

و نظير بيت الأعرابي قول أبي دلف:

أرى بازي المشيب أطار عني * * * غرابا حب ذلك من غراب

و مثله لابن المعتز:

و أرسل الشيب في رأسي و مفرقه * * * بزاته البيض في غربانى السود

و نظير قول أبي حية ليزيد بن الطثرية:

و أصيح رأسي كالصخيرة أشرفت * * * عليها عقاب ثم طار غرابها

و لي أيضا:

صدت و ما صدها الا على يأس * * * من ان ترى صبغ فوديها على رأسي

217

أحب إليها بليل لا يضيء لها * * * إلا إذا لم تسر فيه بمقباس

و الشيب داء لربات الحجال إذا * * * رأينه و هو داء ماله آسى

يا قربهن و رأسي فاحم رجل * * * و بعدهن و شيبي ناصع عاسى

ما ذا يريبك من بيضاء طالعة * * * جاءت بحلمي و زانت بين جلاسى

و ما تبدلت الا خير ما بدل * * * عوضت بالشيب أنوارا بأنقاس

معنى البيت الأول انها لم تصد عنه الا بعد يأسها من شبابه و يقينها بفوته.

و البيت الثاني من غريب الصنعة لطيف اللفظ، لأن الليل من شأنه أن يضيء بالأنوار و المصابيح و النجوم، الا الشباب المشبه لليل فإنه يضيء لمبصره و يحسن في عينه إذا كان خاليا من ضوء المشيب و نوره و يظلم إذا طلعت أنوار المشيب و اضواؤه فيه، و هذا عكس المعهود.

و العبارة عن فقد معاينة الشيب فيه بأنها لم تسر فيه بمقباس، لا تجهل بلاغتها و حلاوتها، و النقس المداد و على الظاهر و المعهود، و الأنوار أفضل و أفخر من الأنقاس.

و لي من قصيدة أولها «عل البخيلة ان تجود لعاشق»:

صدت و قد نظرت سواد قرونها * * * عنى و قد نظرت بياض مفارقي

و تعجبت من جنح ليل مظلم * * * أنى رمى فيه الزمان بشارق

و سواد رأس كان ربع أحبه * * * رجع المشيب به طلول معاشق

يا هند إن أنكرت لون ذوائبى * * * فكما عهدت خلائقى و طرائقى

و وراء ما شنئته عينك خلة * * * ما شئت من خلق يسرك رائق

أ وميض شيب أم وميض بواتر * * * قطعن عند الغانيات علائقى

218

و كأن طلعة شيبة في مفرق * * * عند الغواني ضربة من فالق

و معيري شيب العذار و ما درى * * * ان الشباب مطية للفاسق

و يقول لو غيرت منه لونه * * * هيهات أبدل مؤمنا بمنافق

و الشيب أملا للصدور و ان نبت * * * عن لونه في الوجه عين الرامق

و إذا ليالي الأربعين تكاملت * * * للمرء فهو إلى الردي من حالق

أردت انها لما رأت سواد شعرها و بياض شعري ظهر لها تضاد ما بيننا و تباعده فصدت و أعرضت. و تشبيه الشعر الأسود بالليل و الشيب بالنجوم و الشهب قد ذكرنا أنه يتردد في الشعر.

و معنى البيت الثالث: ان الشباب كان للأنس به كالربع المسكون الذي تحله الأحبة، و لما علاه الشيب صار كالطلول، و هي الرسوم التي لا تسكن و لا تحل.

و في البيتين الرابع و الخامس تسلية لمن صد من النساء عن الشيب، لأن الخلائق معه و الطرائق كما عهدت و ألفت و انه لم ينقصن جلدا و لا غير ودا و لا حل عقدا، و ليس يعزى عنه بأبلغ من هذا القول.

و لما كان الشيب قاطعا علائق الغواني و بانا لحبالهن حسن التشكل في بياضه و ومضه هل هو لشيب أم لسيوف بواتر قطعت علائق الحب و وصائله؟

و انما أضفت في البيت السابع الى الغواني إنزال حلول الشيب في الرأس منزلة حلول الضربة الفالقة له، لأن هذا حكم موقوف على الغواني و النساء لأنهن الجازعات من الشيب دون الرجال. و انما عادل النساء بين شيب الرأس و الضربة الفالقة له، لأنه عندهن بعد الشيب لا منفعة فيه و لا متعة به كما لا منفعة بالرأس الفيلق.

و وصفت الشباب في البيت الثامن بأنه مطية الفاسق من حيث الاستعانة به على بلوغ الأغراض و نيل الأوطار، فجرى مجرى المطية التي توصل الى بعيد

219

الوطر. و هذا أحسن من قول أبي نواس «كأن الشباب مطية الجهل»، و في الناس من يرويه «مظنة» بالظاء المعجمة و النون. و انما تقدم عليه لأن الجهل يرجع الى الاعتقاد بالقلب و ليس للشباب معونة على ذلك، اللهم الا أن يريد بالجهل الأفعال القبيحة التي يدعو إليها الجهل، فقد يسمى ما يدعو اليه الجهل الذي هو الاعتقاد من الأفعال جهلا على سبيل المجاز و الاستعارة.

و هذا ما أراد أبو نواس لا محالة، و الترجيح باق، لأنه استعمل لفظة «الجهل» في غير موضعها، و لأن ليس كل من فعل قبيحا فعن جهل يقبحه، بل أكثر من يرتكب القبيح يرتكبه مع العلم بقبحه، فوصف الشباب بأنه مطية للفاسق أصح معنى و أبلغ لفظا.

فأما وصف الخضاب بأنه منافق و الشباب بأنه مؤمن، فمن غريب الوصف و بديعه، و لا أعرف نظيره. لأن المؤمن ظاهره و باطنه سواء، و الشيب إذا لم يخضب كذلك، و المنافق يخالف ظاهره باطنه، و الشعر المخضوب كذلك.

و أحسن ابن الرومي في قوله يصف الخضاب بأنه لا طائل فيه:

إذا كنت تمحو صبغة اللّٰه قادرا * * * فأنت على ما يصنع الناس اقدر

و لي من قصيدة أولها

إلا أرقت لضوء برق أومضا

:

و لقد أتاني الشيب في عصر الصبي * * * حتى لبست به شبابا ابيضا

لم ينتقص مني أوان نزوله * * * بأسا أطال على العداة و أعرضا

فكأنما كنت امرءا مستبدلا * * * أثوابه كره السواد فبيضا

أردت أن الشيب لما طرق قبل كبر السن و الهرم كان ما يرى من بياض شعره

220

كأنه شباب، لأنه في زمان الشباب و أن صير مظلما لونه، و هذا عكس قول البحتري:

و شبيبة فيها النهي فإذا بدت * * * لذوي التوسم فهي شيب اسود

فشباب أبيض عكس شيب أسود.

و معنى البيتين الأخيرين تردد كثيرا في الشعر، لأن عذر كل من اعتذر للشيب انما هو بأنه ما فل حده و لا أوهن قوته و لا غير حزمه، و قد قال الشاعر:

لم ينتقص منى المشيب قلامة * * * الان حين بدا أكب و أكيس

و ما تعوض عنه من لون الشباب بلون المشيب بمن استبدل ثوبا أسود بأبيض، من بارع التشبيه و نادرة، لأن تبديل الثياب المختلفة الألوان لا تغير جلدا و لا توهن عضدا، و إذا وصف بمثل ذلك من تغير لون شعره فهو الغاية في المعنى المقصود.

و نظير هذا المعنى بعينه من شعري مما سيجيء ذكره:

فلا تنكري لونا تبدلت غيره * * * كمستبدل بعد الرداء رداء

و لي أيضا:

أما الشباب فقد مضت أيامه * * * و استل من كفى الغداة زمامه

و تنكرت آياته و تغيرت * * * جاراته و تقوضت آطامه

و لقد درى من في الشباب حياته * * * ان المشيب إذا علاه حمامه

و لي أيضا:

إلا حبذا زمن الحاجري * * * و إذا أنا في الورق الناضر

221

اجرر ذيل الصبي جامحا * * * بلا آمر و بلا زاجر

الى ان بدا الشيب في مفرقي * * * فكانت أوائله آخري

المراد بالورق الناضر هاهنا الشباب، و انما يوصف بذلك لغضاضته و بهجته و رونقه.

و معنى

بلا آمر و بلا زاجر

انه لفرط جماحه و شدة تتابعه لا يؤمر و لا ينهى، لليأس من إقلاعه و انصرافه.

و يحتمل وجها آخر، و هو: أن يكون من حيث عصى العذال و خالف النصحاء كأنه غير مأمور و لا منهي و لا مزجور، و ان كان ممن أمر لفظا و نهي.

و أما

فكانت أوائله آخري

فمن الاختصارات البليغة.

و معنى أخرى: نهاية عمري و غاية مدتي. و يقال أيضا: ان يريد انه آخر سروري و لذتي و انتفاعي بالعيش و متعتى، و يجوز أن يكونا جميعا مرادين، فاللفظ يسير و المعنى كثير كما تراه.

و لي من قصيدة أولها

رضينا من عداتك بالمطال

:

و بيض راعهن البيض منى * * * فقطعن العلائق من حبالى

جعلن الذنب لي حتى كأني * * * جنيت أنا المشيب على جمالي

و ليس الشيب من جهتي فالحي * * * و لا رد الشبيبة في احتيالى

معنى البيت الثاني و الثالث يتردد كثيرا في الشعر و في شعري خاصة، و هو حجة لمن عيب بالشيب واضحة، لأن المؤاخذة لا تكون الا بالذنوب و لا صنع لذي الشيب في حلوله به، و قد يتبرأ من الذم به تارة بأنه من غير فعله و لا اختياره

222

و أنه من الدهر و من الأيام، أو من الهموم و الأحزان، أو من صد الحبائب و هجر الصواحب. و سترى ذلك في مواضعه فهو كثير.

و لي من قصيدة أولها

بقاء و لكن لو أتى لا اذمه

:

خطوت مدى العشرين أهزأ بالصبي * * * فلما نأى عني تضاعف همه

فيا ليت ما أبقى الشباب و جازه * * * سريعا على علاته لا يؤمه

و ليت ثرائى من شباب تعجلت * * * بشاشته عنى تأبد عدمه

مشيب اطار النوم عنى أقله * * * فكيف به ان شاع في الرأس عظمه

أردت انني كنت محتقرا لزمان الصبي مستهينا به حتى عدمته فحزنت له، و الشيء لا يظهر فضله الا مع الفقد و البعد.

و أردت بما أبقى الشباب من بقاياه و عقابيله. و يحتمل أن يراد بما أبقاه و خلفه عندي من الشيب، فكأنني أشفقت من لحوق الباقي بالماضي في الذهاب منى و التقضي عنى.

فأما التألم من قليل الشيب فأحسن ما قيل فيه قول ابن الرومي:

طرقت عيون الغانيات و ربما * * * أمالت الي الطرف كل مميل

و ما شبت الا شيبة غير أنه * * * قليل قذاة العين غير قليل

و هذا من بارع المعنى و اللفظ، و لو لم يكن لابن الرومي في الشيب الا هذا البيت الواحد لكفاه.

و قد أعاد ابن الرومي هذا المعنى بعينه في قوله:

أصبحت أعين الغواني عدتني * * * و لعهدي بها الي تميل

223

طرقتهن شيبة و قذاة العين * * * لا يستقل منه القليل

و بين هذا و بين قوله

قليل قذاة العين غير قليل

في الفصاحة و البلاغة كما بين سماء و أرض و كل و بعض.

و لي من قصيدة أولها

ما الحب الا موئل المتعلل

:

أما و قد صبغ المشيب ذوائبى * * * للناظرين فلات حين تغزلى

و أزال من خطر المشيب توجعى * * * علمي بأن ليس الشباب بمعقل

فلئن جزعت فكل شيء مجزعي * * * و لئن أمنت فشيمة المسترسل

معنى البيت الثاني أن الشباب لا يؤمن من خطر الموت و لا يحصن من هجومه فقد لحق بالشيب في تطرق الاخطار اليه، فما معنى التوجع منه و التألم من خطره.

و قد نطق البيت الثالث بأنني إن كنت جازعا فيجب أن أجزع من كل حال لتطرق الاخطار عليها، و ان اطرحت الجزع و لزمت الاستسلام فهي شيمة المسترسل الذي يطيب عيشه و تستمر لذته.

و لي أبيات مفردة في الشيب، و هي:

أشيب و لما تمض خمسون حجة * * * و لا قاربتنى ان هذا من الظلم

و لو أنصفتنى الأربعون لنهنهت * * * من الشيب زورا جاء من جانب الهم

قرعت له سني و لو استطيعه * * * قرعت له ما لم تر العين من عظمى

يقولون لا تجزع من الشيب ضلة * * * و أسهمه إياي دونهم تصمى

و قالوا أتاه الشيب بالحلم و الحجى * * * فقلت بما يبرى و يعرق من لحمي

224

و ما سرني حلم يفيء إلى الردى * * * كفاني ما قبل المشيب من الحلم

إذا كان ما يعطيني الحلم سالبا * * * حياتي فقل لي كيف ينفعني حزمى

و قد جربت نفسي القذاة و قاره * * * فما شد من وهني و لا سد من ثلمى

و اني مذ اضحى عذارى قراره * * * فعاد بلا سقم و أجفى بلا جرم

و سيان بعد الشيب عند حبائبى * * * وقفن عليه أو وقفن على رسم

و قد كنت ممن يشهد الحرب مرة * * * و يرمى بأطراف الرماح كما يرمى

الى ان علا هذا المشيب مفارقي * * * فلم يدعني الأقوام الا الى السلم

هذه الأبيات كثيرة المعاني في وصف الشيب جيدة النسج.

و معنى «من جانب الهم» أي من ناحيته لا من ناحية علو السن.

و قد ذكرنا هذا البيت مع نظيره من شعر أبي تمام، و يجيء مثله في الشعر و شعري خاصة كثيرا.

و معنى البيت الثالث: انني قرعت سني هما و حزنا، و لو استطعت لقرعت من عظمي ما هو خاف غير ظاهر للعين. و هذا تأكيد لصولة الهم و سورة الحزن.

و معنى البيت الرابع: أن المعزى لي عن الشيب بنجوة عن سهامه و بعد من إيلامه، فلا نسبة بيننا.

و معنى البيت الخامس: أن الشيب و ان أعطى حلما فقد عرق لحما، فهذا بذاك.

و البيت السادس: تضمن أنه لا منفعة بحلم يفضي الى الموت، لأن الحلم و غيره من أدوات الفضل انما يراد للحياة زينة لها و فخرا فيها، و لا خير فيما أفضى إلى إبطال الحياة، و هي الأصل في المنافع.

و قد ذكرنا هذين البيتين مع نظيرهما من شعر أبي تمام.

و أما قولي «أعاد بلا سقم» فمعناه أن من توجع لي من الشيب و تألم من حلوله

225

بي كأنه عائد لي، لأنه يظهر من الجزع و التألم ما يظهره العائد. و لا شبهة في أن الشيب ليس بسقم على الحقيقة فيعاد صاحبه.

و أما قولي «و أجفى بلا جرم» فيتردد في الشعر كثيرا، و انما يفضل موضع فيه على آخر لحلاوة العبارة و طلاوتها و اختصارها و حسن موقعها.

و تشبيه وقوف النساء على الشيب بوقوفهن على الرسم الدارس المحيل واقع، لأن الرسم لا منفعة في التعريج اليه و الوقوف عليه و لا فائدة فيه و لا متعة به، و كذلك الشيب عند النساء. و لا شبهة في أن ذا الشيب يستضعف جلده فلا يدعى الى الحرب و انما يدعى للسلم و الموادعة. و هذا من جهات ذم الشيب.

و لي في الشيب، و هي قطعة مفردة:

شعر ناصع و وجه كئيب * * * ان هذا من الزمان عجيب

يا بياض المشيب لونك لو * * * أنصفت رائيك حالك غربيب

صد من غير أن يمل و ما * * * أنكر شيئا سواك عنى الحبيب

يا مضيئا في العين تسود منه * * * كل يوم جوانح و قلوب

ليس لي مذ حللت يا شيب في * * * رأسي كرها عند الغواني نصيب

و لخير من لونك اليقق المشرق * * * عندي و عندهن الشحوب

رحن يدعونني معيبا و ينبذن * * * عهودى و أنت تلك العيوب

أردت أن نصوع الشعر و إشراقه يضاد اكتئاب الوجه و قطوبه فكيف اتفقا، و هذا يحقق أن النصوع و الإشراق محمود في كل شيء إلا في لون الشيب.

و معنى «ان لونك حالك غريب لو أنصفت» لأنه جالب للهم و الحزن،

226

و السواد بذلك أحق من البياض. و يحقق ذلك البيت الرابع.

و انما جعلت الشيب رقيبا على الغانيات، لأنه يحشمهن من وصلي و يبعدهن عن قربى. و هذا معنى الرقيب.

و لي من قصيدة أولها

ريعت لتنعاب الغراب الهاتف * * * و رأت بياضا في نواحي لمة

ما كان فيها في الزمان السالف * * * مثل الثغام تلاحقت أنواره

عمدا لتأخذه بنان القاطف * * * و لقد تقول و من اساها قولها

ما كان هذا في حساب العائف * * * اين الشباب و اين ما يمشى به

في البيض بين مساعد و مساعف * * * ما فيك يا شمط العذار لرامق

عبق الجوانح بالهوى من شاعف * * * فليخل قلبك من أحاديث الهوى

و ليخل غمضك من مطيف الطائف

أردت بقولي

عمدا لتأخذه بنان القاطف

انه قد انتهى بطلوع النور فيه الى غايته و استقطف للبنان. و هذه إشارة الى أن الشيب يكون آخر العمر و انقطاع أمده.

و لي من قصيدة أولها

أ أغفل و الدهر لا يغفل

و لما بدا شمط العارضين * * * لمن كان من قبله يعذل

تتاهوا و قالوا لسان المشيب * * * لحسن جوارحنا اعزل

فقلت لهم انما يعذل * * * المشيب على الغي من يقبل

ا من بعد أن مضت الأربعون * * * سراعا كسرب القطا يجفل

و لم يبق فيك لشرخ الشباب * * * مآب يرجى و لا موئل

227

تطامح نحو طويل الحياة * * * و يوشك أن ما مضى أطول

معنى

انما يعذل المشيب من يقبل

أي ينتفع بعذله من يقبل، و جعلت من لم ينتفع بالعذل كأنه غير معذول، كما قال اللّٰه تعالى «إِنَّمٰا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشٰاهٰا» (1)) و قوله جل و عز «إِنَّمٰا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ» (2).

و لي من قصيدة أولها

أ منك سرى طيف و قد كاد لا يسرى

و بيض لواهن المشيب عن الهوى * * * فأنزرن من وصلي و اوسعن من هجري

و ألزمننى ذنب المشيب كأنما * * * جنته يداي عامدا لا يد الدهر

أ من شعرات حلن بيضا بمفرقي * * * ظننتن ضعفي أو اسيتن من عمري

لحاكن ربي انما الشيب فسحة * * * لما فات في شرخ الشبيبة من أمر

سقى اللّٰه أيام الشبيبة ريها * * * و رعيا لعصر بان عنى من عصر

ليالي لا يعدو جمالي منيتي * * * و لم تردد الحسناء نهيي و لا امري

و ليل شبابي غارب النجم فاحم * * * ترى العين تسرى فيه دهرا بلا فجر

و إذ أنا في حب القلوب محكم * * * و أفئدة البيض الكواعب في اسرى

الاعتذار من الشيب بأنه من جناية الدهر و لا عذر لذي الشيب فيه، يجيء كثيرا في الشعر، و ستراه من شعري في عدة مواضع بعبارات تختلف في ضيق و سعة و اختصار و اطالة و تتفق في عذوبة و رطوبة.

و معنى الشيب فسحة أن المرء يستدرك في زمان الشيب ما فاته في زمان الشباب من صيانة و ديانة، و يتلافى ما لعله فرط فيه و ضيع.

____________

(1) سورة النازعات: 45.

(2) سورة يس: 11.

228

و أردت بقولي «لا يعدو جمالي منيتي» انني إذا تمنيت لم يتجاوز مناي ما أنا عليه من الجمال و الكمال. و هذا يدل على كمال الجمال و بلوغه الغاية.

و معنى «ليل شبابي غارب النجم» أي لا شيب فيه و مثله ترى العين تسري فيه دهرا بلا فجر. و حظ هذا البيت من اختصار و بلاغة غير مجهول.

و لي من قصيدة أولها

قد هويناه ناقضا للعهود

قلن لما رأين و خطا من الشيب * * * برأسي أعيا على مجهودي

كسنا بارق تعرض وهنا * * * في حواشي بعد الليالي السود

أبياض مجدد من سواد * * * كان قدما لا مرحبا بالجديد

يا لحاكن من رماكن * * * بالحسن لتنهرننا بغير جنود

ليس بيضى منى فأجرى عليهن * * * صدودا و ليس منكن سودى

قل ما ضركن من شعرات * * * كن يوما على الوقار شهودي

معنى «أعيا على مجهودي» أي ضقت ذرعا بدفعه.

و البيت الثاني في الغاية من وصف الشيب بالجفاء و عدم الشمول و الظهور، و يجري في التوقي من غاية إلى أخرى مجرى قول الراعي:

كدخان مرتحل بأعلى تلعة * * * غرثان ضرم عرفجا مبلولا

و معنى «لا مرحبا بالجديد» استثقال المشيب و ان كان جديدا، و من شأن كل جديد أن تسر النفوس به في الغالب الا للشيب.

و معنى «ليس بيضى مني» ما يتكرر من أنه لا صنع لي في الشيب فأؤاخذ به.

و معنى «و ليس منكن سودي» أي ليس شبابي من جهتكن فتسرفن في التلهف

229

على فوته و التأسف على فراقه.

فأما

كن يوما على الوقار شهودي

فيشهد لنفسه بالبراعة.

و لي و قد سئلت نقض قول جرير:

تقول العاذلات علاك شيب * * * أ هذا الشيب يمنعني مراحى

و ما مرح الفتى تزور عنه * * * خدود البيض بالحدق الملاح

و يصبح بين اعراض مبين * * * بلا سبب و هجران صراح

و قالوا لا جناح فقلت كلا * * * مشيبي وحده فيكم جناحي

أ ليس الشيب يدنى من مماتي * * * و يطمع من قلاتى في رواحي

مشيب شن في شعر سليم * * * كشن العر في الإبل الصحاح

كأني بعد زورته مهيض * * * ادف على الوطيف بلا جناح

أو العاني تورط في الأعادى * * * من عليه مطلع السراح

سقى اللّٰه الشباب الغض راحا * * * عتيقا أو زلالا مثل راحى

ليالي ليس لي خلق معيب * * * فلا جسدي يذم و لا مزاحي

و إذ أنا من بطالات التصابي * * * و نشوات الغواني غير صاح

و إذا أسماعهن الي ميل * * * يصخن الى اختياري و اقتراحي

إنما أردت كيف يمرح من يعرض عنه من النساء حسانهن و جفونه و قطعنه، و أي متعة في العيش لمن كان بهذه الصفة.

و قولي في البيت الثاني «بلا سبب» هو في موضع الحشو، لكنه حقق المعنى المقصود و تممه، و لا يكادون يسمون من كان بهذا الموقع حشوا.

و معنى

و يطمع من قلاتي في رواحي

أي في مماتي و انصرافي عن الدنيا،

230

يقال راح الرجل إذا مات.

و العر: الجرب. و من حسن التشبيه اجراء الشيب في حلوله بالشعر الأسود مجرى الجرب في وقوعه بالإبل الصحاح، لأنه و ان لم يماثله من جهة اللون فهو في معناه يشاكله، لأن العر إذا أصاب الإبل بوعدت من الصحاح منها و هجرت خوف العدوي، و من شاب شعره مجفو بين النساء مقاطع مباعد.

و الأبيات كما ترى مبصورة الأغراض سليمة الألفاظ.

و لي من قصيدة أولها

هل أنت من وصب الصبابة ناصري

ما لي و للبيض الكواعب هجن لي * * * بلوى الثوية ذكرة من ذاكر

شيبننى و ذممن شيب مفارقي * * * خذها إليك قضية من جائر

لا مرحبا بالشيب أظلم باطني * * * لما تجللني و أشرق ظاهري

شعر أبي لي في الحسان اصاخة * * * يوم العتاب الى قبول معاذرى

مثل الشجاة ملظة في مبلع * * * أو كالقذاة مقيمة في الناظر

لا ذنب لي قبل المشيب و اننى * * * لمؤاخذ من بعده بجراثر

لا شبهة في أن أجور الناس من فعل شيئا ثم ذمه و عابه.

و معنى «أشرق ظاهري و أظلم باطني» قد مر تفسير مثله.

و البيت الأخير معناه: ان ذنوب الشباب مغفورة و ان وقعت و ذو الشيب يؤاخذ بما جناه و ما لم يجنه تجرما عليه.

و لي من قصيدة أولها

يا طيف ألا زرتنا بسواد

231

و مخضب الأطراف صد بوجهه * * * لما رأى شيبي مكان سوادي

و الغانيات لذي الشباب حبائب * * * و إذا المشيب دنا فهن اعادى

شعر تبدل لونه فتبدلت * * * فيه القلوب شناءة بوداد

لم تجنه الا الهموم بمفرقى * * * و يخال جاء به مدى ميلادى

ما تحتاج هذه الأبيات الى منبه على سباطتها و عذوبة ألفاظها و ان ماء القبول فيها مندفق مترقرق.

و لي من قصيدة أولها

يا راكبا وصل الوجيف زميله

:

من مانع عنى و قد شحط الصبي * * * شيبا على الفودين آن نزوله

وافى هوي السلك خر نظامه * * * و الشعب سال على الديار مسيله

سبق احتراسى من أذاه بضيئه * * * لما تجللني فكيف عجوله

ما ضره لما أراد زيارة * * * لو كان بالإيذان جاء رسوله

لا مرحبا ببياض رأسي زائرا * * * أعيا علي حلوله و رحيله

من كان يرقب صحة من مدنف * * * فالشيب داء لا يبل عليلة

نصل الشباب الى المشيب و انما * * * صيغ المشيب الى الفناء نصوله

ان البهيم من الشباب ألذ لي * * * فلتعدنى أوضاحه و حجوله

أعجب به صبحا يرد ظلامة * * * و شهاب داجية يحب أفوله

قالوا المشيب نباهة و أود أن * * * يبقى علي من الشباب خموله

و الفضل في الشعر البياض و ليته * * * لم يشجني بفراقه مفضوله

الفودان جانبا الرأس. و البيت الثاني الذي أوله «وافى هوي السلك» أبلغ

232

من قول البحتري مشيب كبت السوعى بحمله محدثه، لأن البحتري لم يخرج نزول الشيب من أن يكون مستندا إلى إيثار مؤثرة و ان توفرت دواعيه، و البيت الذي لي يزيد على ذلك بالإضافة على ما يقع وجوبا، اما بالطبع على قول من أثبته أو على جهة الوجوب، فهو أشد استيفاء للمعنى.

و لا بد من تقدير ما يضاف الى الشعب مما يليق به لأنه معطوف على السلك و السلك يليق بالهوى و لا يليق ذلك بالشعب، فيجب أن يقدر فعل يليق به مثل سيل الشعب أو ما أشبهه.

و قد ذكرت ما يشبه بعض الشبه في البيت الثالث من هذه الأبيات عند ذكر ما أخرجته للبحتري.

فأما البيت الرابع فمعناه: ان الشيب هجم بغتة و فجأة، فما ضره أو قدم له نذيرا يشعر بوفوده و قرب وروده، فيكون حمله أخف و خطبة أهون.

و معنى

أعيا علي حلوله و رحيله

انني لا أطيق دفع نزوله إذا نزل كما لا أطيق دفع رحيله إذا رحل و فارق بالموت و الفناء و كأنني مقهور عليه في جميع أحواله. و جعلت نصول الشيب الى الفناء كما كان نصول الشباب الى الشيب، و كما كان الفناء عاقبة الشيب كان الشيب عاقبة الشباب و غايته.

و ما عدا هذا من الأبيات واضح المعنى، يسبق الفهم اليه من غير تأمل.

و لي من قصيدة أولها

أمالك من مشيب ما امالا

:

و كان الدهر ألبسني سوادا * * * أروق به الغزالة و الغزالا

نعمت بصبغة زمنا قصيرا * * * فلما حالت الأعوام حالا

233

و لي من قصيدة أولها

ارقت للبرق بالعلياء يضطرم

:

و عيرتني مشيب الرأس خرعبة * * * و رب شيب بدا لم يجنه الهرم

لا تتشكى كلوما لم تصبك فما * * * يشكو أذى الشيب الا القدر و اللهم

شيب كما شب في جنح الدجى قبس * * * أو انجلت عن تباشير الضحى ظلم

ما كنت قبل مشيب بات يظلمني * * * لظالم أبد الأيام أنظلم

الخرعبة من النساء: الناعمة، و يقاربه في المعنى الخرعوبة، لأن الخراعيب الأغصان الرطبة السبطة.

و معنى

و رب شيب بدا لم يجنه الهرم

لا تعيري بما لا تعلمين أنه عن هرم و ضعف و نفاد عمر، فان الشيب ربما كان عن غير كبر و لا هرم، و هذه محاسبة صحيحة.

و معنى البيت الثاني: ان الشيب ان كان عيبا أو داء فهو بغيرك لا بك، فلا تتشكى منه.

و البيت الثالث قوي في حسن العبارة عن وضوح الشيب و ظهوره.

و البيت الرابع يتضمن غاية التمدح، لأنه كان يظلم من يظلمه و يقهره الا الشيب فإنه عزيز منيع الجانب. و له نظائر في شعري منها و سيجيء:

و لو جنته يد ما كنت طائعها * * * لكن جناه على فودي غير يد

و لي من قصيدة أولها

«أ ترى يؤوب لنا الابيرق * * * و المنى للمرة شغل»

. و تعجبت جمل لشيب مفارقي و تشيب جمل

234

و رأت بياضا ما رأته بدا هناك سواه قبل كذبالة رفعت على الهضبات للسارين ضلوا لا تنكريه و بت غيرك فهو للجهلات غل أي المفارق لا يزار بذا البياض و لا يحل معنى البيت الأول: لا تعيبي ما أنت شريكة فيه و صائرة اليه، و ورد بأخصر لفظ.

و عليه سؤال، و هو أن يقال: قد لا تشيب جمل بأن تموت، فالشيب ليس بواجب لها.

قلنا: المراد انك إذا عمرت عمري و بلغت سني فلا بد من شيبك، لأنها عيرت و تعجبت من الشيب مع السن و هي شريكة في ذلك لا محالة.

و البيت الثاني في اشتهار الشيب و وضوحه بديع بليغ.

و العبارة بأنه «للجهلات غل» من حيث انه قبض عن الشهوات و صرف عن المنكرات، من أبلغ عبارة.

و البيت الثالث تفسير الأول و تأكيد له، و مثل و تشيب جمل قولي:

و عيرتني شيبا ستكسين مثله * * * و من ضل عن أيدي الردى شاب مفرقا

و لي من قصيدة أولها

نولينا منت الغداة قليلا

:

جزعت للمشيب جانبة الشيب * * * و قالت بئس النزيل نزيلا

و رأت لمة كان عليها * * * صارما من مشيبها مسلولا

راعها لونه و لم تر لو لا * * * عنت الغانيات منه مهولا

235

عاينت لونه و الحوادث ينكرن * * * طلوعا لم ترج منه افولا

لا تذميه فالمشيب على طول * * * بقاء الفتى يكون دليلا

ان لون الشباب حال إذا امتد * * * زمان انى لها أن تحولا

لو تخيرت و السواد ردائي * * * ما أردت البياض منه بديلا

و حسام الشباب غير صقيل * * * هو أشهى إلي منه صقيلا

قد طلبنا فما وجدنا عن الشيب * * * محيصا يجيرنا أو مميلا

لمعنى البيت الأول نظائر كثيرة في الشعر و في شعري خاصة سترى في مواضعها، و لتشبيه الشيب في لونه بالسيف نظائر كثيرة في شعري خاصة و غيره عامة. و هذا البيت يفيد تشبيه الشيب بالسيف لونا و قطعا لحبال المودة و ارهابا لمن حل به و جرد في ذوائبه.

و معنى

طلوعا لم ترج منه أفولا

أن لون الشيب كما لا يحول و لا يزول كلون الشباب فهو ملازم لانقضاء العمر.

و معنى البيت الخامس: ان المشيب لا يظهر في الأغلب الأكثر إلا مع امتداد العمر و طول البقاء فكيف يعاب و يذم، و هو شاهد بطول البقاء. و هذا تمحل و تعلل في الاعتذار للشيب، لأن قائلا لو قال: كما شهد بطول بقاء متقدم، فهو شاهد و دليل على قصر ما بقي من العمر، و لأن صاحبه أقرب الى الفناء من صاحب الشباب لما كان جوابه، الا أن هذا القول ألطف ما تمحل و استخرج في التسلية عن الشيب و التجلد على مصاحبته.

و لي من قصيدة:

عرفت الديار كسحق البرود * * * كأن لم تكن لانيس ديارا

236

و قالوا و قد بدلت حادثات * * * زماني ليل شبابي نهارا

أتاه المشيب بذاك الوقار * * * فقلت لهم ما أردت الوقارا

فيا ليت دهرا أعار السواد * * * إذا كان يرجعه ما اعارا

و ليت بياضا أراد الرحيل * * * عقيب الزيارة ما كان زارا

إنما أردت: لا خير في وقار يؤيس من الحياة و يدني الى المنية و يسلب القوة و يورث الضعف، و طالما استعفى الشعراء من وقار الشيب و أبهته و تجاوزوا ذلك الى كراهية المخاطبة بما يقتضي علو السن و تصرم زمان الحداية، قال مضرس ابن ربعي الأسدي:

لحي اللّٰه وصل الغانيات فاننا * * * نراهن لمحا لا ينال و خلبا

إذا ما دعين بالكنى لا يريننا * * * صديقا و لم يقربن من كان اشيبا

و مثله للأخطل:

و إذا دعوتك يا أخي فإنه * * * ادنى إليك مودة و وصالا

و إذا دعوتك عمهن عن * * * نشب يزيدك عندهن خبالا

و للبحتري ما له بهذا بعض الشبه:

يتبرجن للغرير المسمى * * * من تصاب دون الخليل المكنى

و نظير ذلك كله قول ابن الرومي:

أصبحت شيخا له سمت و أبهة * * * يدعونني البيض عما تارة و أبا

و تلك حالة إجلال و تكرمة * * * وددت اني معتاض بها لقبا

و له أيضا

237

راع ألمها شيبي و فيه أمانها * * * من أن تصيد رميهن سهامي

و عففني لما ادعين عمومتي * * * و من النساء معقة الأعمام

و لبعضهم و هو ضعيف اللفظ:

قالت و قد راعها مشيبي * * * كنت ابن عم فصرت عما

فقلت هذا و أنت أيضا * * * قد كنت بنتا فصرت اما

و لابن المعتز ما له بعض النظر بهذا المعنى يصف دليل قوم في مفازة و انهم عند خوف العطش يكنونه إجلالا له و طلبا لمرضاته و إذا بلغوا الماء دعوه باسمه استغناء عنه، و هو قوله:

ثم استنارهم دليل فارط * * * يسموا لبغيته بعيني أجدل

يدعى بكنيته لأول ظمئها * * * يوما و يدعى باسمه في المنهل

و لي من قصيدة أولها

تلك الديار برامتين همود

:

و غرائر أنكرن شيب ذوائبى * * * و البيض منى عندهن السود

انكرن داء ليس فيه حيلة * * * و ذممن مفضى ليس عنه محيد

يهوى الشباب و ان تقادم عهده * * * و يمل هذا الشيب و هو جديد

لا يبعدن عهد الشباب و من جوى * * * أدعو له بالقرب و هو بعيد

أيام أرمي باللحاظ و ارتمى * * * و أصاد في شرك الهوى و أصيد

معنى

و البيض مني عندهن السود

ان الذي أبيض من شعري مسود في فؤادي.

و البيت الثالث قوي اللفظ و العبارة، لأن من شأن من تتطاول صحبته أن يمل و الشباب تستمر محبته مع استمرار صحبته، و من شأن الجديد أن لا يكون مملولا

238

و الشيب يمل جديدا، فقد انتقضت العادة المألوفة في غير الشباب و الشيب بهما و فيهما.

و لي من قصيدة أولها

لو كنت في مثل حالي لم ترد عذلي

:

صدت اسيماء و الحراس قد هجعوا * * * و الصد ان لم يكن خوفا فعن ملل

و رابها من بياض الشيب منظرة * * * كانت أذى و قذى في الأعين النجل

يا ضرة الشمس الا أنها فضلت * * * بأن شمس الضحى زالت و لم تزل

قومي انظري ثم لومى فيه أو فذرى * * * الى عذار بضوء الشيب مشتعل

حنيته و جعلت الذنب ظالمة * * * لما تصرم من أيامي الأول

تقول لي و دموع العين واكفة * * * خريدة كرهت فقد الشبيبة لي

برد الشباب ببرد الشيب تجعله * * * مستبدلا بئسما عوضت من بدل

شمر ثيابك من لهو و من اشر * * * و عد دارك عن وجد و عن غزل

لما قلت «يا ضرة الشمس» و كان في هذا تشبيه لها بالشمس و نظير لها بها، لم أرض بذلك حتى فضلتها على الشمس، بأن الشمس تزول و تحول و هذه لا تزول.

و أما البيت الخامس فقد مضت له نظائر في شعري و سيمضي مثلها، و قد استوفى هذا البيت المعنى و لم يترك منه بقية تستدرك في غيره.

و الخريدة من النساء: الخفرة المصونة، و جمعها خرائد، يقولون خرد من الشمس إذا استتر عنها. و الخريدة أيضا: اللؤلؤة التي لم تثقب، و المعنى في كل ذلك يتقارب.

و لي من قصيدة أولها

أعلى العهد منزل بالجناب

239

ان نعما و كان قلبي في ما * * * ألفته موكلا بالتصابى

سألتني عن الهوى في ليال * * * ضاع فيهن من يدي شبابي

فمتى ما أجبتها بسوى ذكر * * * مشيبي فذاك غير جوابي

صار منى مثل الثغامة ما كان * * * زمانا محلولكا كالغراب

ليس يبقى شيء على عهده * * * الأول في كر هذه الأحقاب

من عذيري من المشيب و قد * * * صار بعيد الشباب من أثوابي

معنى قولي «فمتى ما أجبتها» البيت: اننى ان أجبتها و قد سألتني عما عهدته مني من الهوى و التصابي بأن المشيب في ذهاب ذلك عنى و نفاده منى غير معيب، فما أجبت بالجواب الصحيح الصادق. و هذا تحقيق كما تراه، لأن الشيب أثر في هواه الذي كان معهودا منه.

فأما الثغام فهو نور شديد البياض تشبه العرب به الشيب.

و أما البيت الأخير فمعناه: انه لا دواء لوصب المشيب و لا شفاء منه، لأنه لا دواء الا ما يذوقه الساقي، فإذا لم يكن فيه شفاء و لا دواء للشيب فلا دواء له و لا علاج.

و لي من قصيدة أولها

هل هاج شوقك صوت الطائر الغرد

:

من عاذري في الغواني غب منتشر * * * من المشيب كنوار الضحى بدد

وافى و لم يبغ منى ان أهيب به * * * و حل منى كرها حيث لم أرد

و لو جنته يد ما كنت طائعها * * * لكن جناه على فودي غير يد

لم أرض بأن جعلته نورا حتى أضفته إلى الضحى ليكون أظهر له و أشهر.

و للبيت الثاني حظ من البلاغة، و لا أعرف له على جهته نظيرا، فكأنني قلت

240

انه لو جناه علي- اعنى الشيب- غير اللّٰه تعالى الذي لا يغالب و لا يمانع لما أطعته و لا أنقدت له. و هذه غاية التعزز و الافتخار.

فان قيل: كيف سمى ما يفعله اللّٰه تعالى بأنه جناية، و هذه اللفظة لا تستعمل في المتعارف إلا في ما كان قبيحا.

قلنا: سميناه بهذا الاسم استعارة و تجوزا ليطابق و يجانس قولي

و لو جنته يد ما كنت طائعها

، و له نظائر كثيرة في القرآن و الشعر، قال اللّٰه تعالى «وَ جَزٰاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهٰا» (1)) و «فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ» (2).

و لي في التسلية عن الشيب و الاعتذار بحلوله، و هي قطعة مفردة:

أ ماوي ان كان الشباب الذي انقضت * * * لياليه عني شاب منك صفاء

فما الذنب لي في فاحم حال لونه * * * بياضا و قد حال الظلام ضياء

و ما ان عهدنا زائلا حان فقده * * * و ان كان موقوفا أزال اخاء

و لو كان في ما يحدث الدهر حيلة * * * أبيت على هذا المشيب إباء

فلا تنكري لونا تبدلت غيره * * * كمستبدل بعد الرداء رداء

فاني على العهد الذي تعهديته * * * حفاظا لما استحفظتنى و وفاء

مشيب كفتق الليل في مدلهمة * * * أتاك يقينا أو أزال مراء

كأن الليالي عنه لما رمينني * * * جلون صداء أو كشفن غطاء

فلا تجعلي ما كان منك من الأذى * * * عقابا لما لم آته و جزاء

و عدي بياض الرأس بعد سواده * * * صباحا اتى لم أجنة و مساء

____________

(1) سورة الشورى: 40.

(2) سورة البقرة: 194.

241

و لا تطلبي شيئا يكون طلابه * * * و قد ضل عنه رائدوه عناء

فإنك إن ناديت غب تلهف * * * شبابا و قد ولي أضعت نداء

قد تضمنت هذه الأبيات من الاعتذار بحلول الشيب و التسلية عنه و التنزيه لمن حل به من تبعته و تمثيله بكل ما لا حيلة في حئوله عن صبغته و تغيره عن صفته ما لا يكاد يجتمع في مكان واحد.

فأما الطلاوة و الحلاوة فمحكم فيها العدو و الحاسد فضلا عن المنصف و الناقد، و لا حاجة بها الى تفسير لمعانيها و إيضاح لفوائدها، فليس يفسر الا بما عبارتها عنه أوضح و أصح.

و لك أيها الناقد الخبير في البيت الذي عجزه «أتاك يقينا أو أزال مراء» و البيت الذي يليه مسرح طويل في الاستحسان ان كنت منصفا فبلسانك و ان كنت ظالما غامطا فبقلبك.

و معنى

أبيت على هذا المشيب إباء

أي كنت آبى عليه الا بالذي يمنع جانبي منه و يؤمنني ريبه و شره، و يجري ذلك مجرى قوله تعالى «فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللّٰهِ مَتٰاباً» (1) اي عظيما مقبولا.

و معنى

كمستبدل بعد الرداء رداء

أي انه لم يغير منى جلدا و لا أوهن قوة و لا اكسبنى ضعفا و عجزا، فجرى مجرى من تبدل رداء بغيره في أن أحواله في نفسه ما تبدلت و لا تغيرت.

و لي و هي قطعة مفردة:

____________

(1) سورة الفرقان: 71.

242

عجبت لشيب في عذارى طالعا * * * عليك و ما شيب امرئ بعجيب

و رابك سود حلن بيضا و ربما * * * يكون حئول الأمر غير مريب

و ما ضرني و العهد غير مبدل * * * تبدل شرخى ظالما بمشيبى

و ما كنت أخشى ان تكون جناية * * * المشيب برأسي في حساب ذنوبي

و لا عيب لي إلا المشيب و حبذا * * * إذا لم يكن شيئا سواه عيوبي

معنى

و لا عيب لي إلا المشيب

ليس بمعنى أن المشيب عيب، لكن المراد لا عيب لي عند من عابني بالمشيب الا هو، ثم صرحت بأنني راض بأن لا يكون لي عيب سواه، لأنه في نفسه أولا ليس بعيب، فكأننى قلت اننى راض بأنه لا عيب لي. و أيضا فإذا كان لا عيب لي عند من أعنتني و عابني ما ليس بعيب سوى المشيب، فقد رضيت بذلك، و ان يكون غاية ما يعتني به المعنتون انما هو الشيب من غير ثان له و لا مضموم اليه.

و لي و هي قطعة مفردة محيطة بأوصاف المشيب المختلفة و قلما تجتمع هذه الأوصاف في موضع واحد:

هل الشيب الا غصة في الحيازم * * * و داء لربات الخدور النواعم

يحدن إذا ابصرنه عن سبيله * * * صدود النشاوى عن خبيث المطاعم

تعممته بعد الشبيبة ساخطا * * * فكان بياض الشيب شر عمائمى

و قنعت منه بالمخوف كأننى * * * تقنعت من طاقاته بالاراقم

و هيبنى منه كما هاب عائج * * * على الغاب هبات الليوث الضراغم

و هددنى في كل يوم و ليلة * * * سنا ومضه بالقارعات الحواطم

كفاني عذالي على طربة الصبي * * * و قام بلوم عفته من لوائمى

243

و قلص عنى باع كل لذاذة * * * و قصر دوني خطو كل مخالم

فو اللّٰه ما أدرى أ صكت مفارقي * * * بفهر مشيب أم بفهر مراجم

و لما سقانيه الزمان شربته * * * كما أوجر المأسور مر العلاقم

حنتني منه الحانيات كأننى * * * إذا ظلت يوما قائما غير قائم

و أصبحت تستبطا منوني و يدعى * * * و ما صدقوها في اختلال العزائم

فلا انا مدعو ليوم تفاكه * * * و لا انا مرجو ليوم تخاصم

فلا تطلبا منى لقاء محارب * * * فما أنا إلا في ثياب مسالم

و لا يدفعني عنكما غشم غاشم * * * فانى في أيدي المشيب الغواشم

فلو كنت آسو منكما الكلم ما رأت * * * عيونكما عندي كلوم الكوالم

و انى أميم بالشيب فخليا * * * و لا تبغيا عندي علاج الامائم

مشيب كخرق الصبح عال بياضه * * * مجروء الليالي الحالكات العواتم

و تطلع في ليل الشباب نجومه * * * طلوع الدراري من خلال الغمائم

كأني منه كلما رمت نهضة * * * الى اللهو مقبوض الخطى بالأداهم

تساندنى الأيدي و قد كنت برهة * * * غنيا بنفسي عن دعام الدعائم

و قد كنت إباء على كل جاذب * * * فلما علاني الشيب لأنت شكائمي

و اخشع في الخطب الحقير ضراعة * * * و قد كنت دفاعا صدور العظائم

و كانت تغير الأغبياء نضارتى * * * فأصبحت ندمان الغيور المعارم

و لما عرانى ظلمه فحملته * * * انست على عمد بحمل المظالم

فلا ينغضن رأس إلى العز بعد ما * * * تجلله منه مذل الجماجم

فيا صبغة حملتها غير راغب * * * و يا صبغة بدلتها غير سائم

و يا زائري من غير أن استزيره * * * كما زير حيزوم الفتى باللهاذم

أقم لا ترم عنى و ان لم تكن هوى * * * فكم ذا سخطنا فقد غير ملائم

244

فمن مبدلي من صبحه بظلامة * * * و من عائضى من بيضه بالسواهم

و من حامل عنى الغداة غرامة * * * و قد كنت نهاضا بثقل المغارم

فيا بيض بيض الرأس هل لي عودة * * * الى السود من اغياركن الفواحم

تنازحن بالبيض الطوالع شردا * * * كما شرد الإصباح أحلام نائم

و يا فجر رأسي هل الى ليل لمتى * * * سبيل و كرات المواضى القدائم

ليالي افدى بالنفوس و ارتدى * * * من البيض إسعافا ببيض المعاصم

فان كان فقداني الشبيبة لازما * * * فحزني عليها الدهر ضربة لازم

و ان لم يكن نوحى بشاف و ادمعى * * * فدمع الحيا كاف و نوح الحمائم

الحيازم جمع حيزوم و هو الصدر، و انما خصصت النشاوي لأن النشوان نافر النفس شديد العزوف عن كل شيء، و إذا كان عن خبيث المطاعم فهو أنفر و أشد صدودا.

و شبهت طاقات الشيب بالأراقم، لا في اللون لكن في الخوف منها و الرهبة لها و الحذار من بطشها.

و الحواطم: الكواسر، جمع حاطمة، و انما سمي حطيم مكة بذلك لانحطام الناس عليه، و المخالم المحبوب المخلص. و خلم الرجل مخلصه، و منه قول أبي نواس:

فان كنت لا خلما و لا أنت زوجه

و انما كان الشيب ثياب مسالم لأنه يؤذن بالضعف و النكول و الخور، و من كان كذلك طلب الموادعة و المسالمة.

و الأميم الشجج في أم رأسه، و مثله المأموم، و الأمة الشجة التي تبلغ أم الرأس. و الأدهم: القيود.

245

و معنى البيت الذي أوله «و كانت تغير الأغبياء نضارتي» أي انني كنت لحسن شبابي أغير الغبي الذي لا فطنة عنده و لا تيقظ منه، فلما شبت و أخلق رونقي و غاضت نضارتي صار ينادمني الغيور، لأمنه مني و ثقته بأنه لا طماح من النساء الي و لا تعريج منهن علي. و لم أرض بالغيور حتى قلت «المعارم» من العرام، و العرامة التي هي النزق و سرعة البطش.

و المراد بالبيت الذي أوله

فيا صبغة حملتها غير راغب

أنني حملت صبغة الشيب غير راغب فيها و لا طالب لها و سلبت صبغة الشباب و بدلت منها من غير ملل مني لها. و هذه غاية في التألم و الشكوى، و أي شيء أثقل من إنزال ما لا يطلب و لا فيه مرغب و سلب ما هو موافق غير مملول و لا مكروه.

و معنى البيت الذي أوله

أقم لا ترم عني و ان لم تكن هوى

و ان كنت غير موافق و لا محبوب مكروه الفراق مرغوب في مطاولتك و مصاحبتك، و هذا على ظاهر الأمر كأنه عجيب، و السبب فيه أن الشيب و ان كان مكروه الحلول مشكو النزول فان فراقه لا يكون الا بالموت و الفناء، فمطاولته على هذا محبوبة مأمولة و فراقه مكروه مذموم. و لا مناقضة في ذلك، لأن المكروه غير المحبوب و الممدوح غير المذموم، و أما المكروه و المذموم فهو تجدد الشيب و حدوثه و طرده الشباب و تبعيده و أما المحبوب الممدوح فهو مطاولة الشيب و استمرار مصاحبته و دوام أيامه، فهو و ان لم يكن نزوله هوى فمقامه و دوامه هوى.

فان قيل: ما في حدوث الشيب و تجدده من الضرر الا ما في استمراره و مطاولته، بل المطاولة أشد ضررا، لأن المذموم من الشيب انه يضعف القوة و يوهي المنة و يؤذن بتصرم العمر و هذا يتأكد باستمراره و مطاولته، و ان النساء ينفرن منه و يصددن عنه و هذا هو في حدوثه و بقائه معا.

قلنا: لا شك في أن ضرر ابتداء الشيب هو قائم في استمراره و دوامه، إلا أنا

246

نؤثر على ما فيه من ضرره مقامه و نهوى دوامه و نكره فراقه لما في فراقه من الضرر الأعظم و قطع كل المنافع. و قد نختار بعض الأمور المضرة المؤلمة دفعا لما هو أضر منها، كمن يمشي على الشوك دافعا بذلك على شدة ضرره ما هو أعظم منه من المضار و كشاب الدواء المر دافعا بذلك العلل العظيمة عن جسمه، و كقاطع بعض أعضائه فاديا بذلك السراية إلى نفسه.

و لي من قصيدة أولها

ما زرت الا خداعا أيها الساري

:

لا تنكري نزوات الشيب آونة * * * في فاحم صيغ للابصار من قار

قد كنت أعذر نفسي قبل زورته * * * فالآن ضاقت على اللذات اعذاري

من منصفى من بديدات كما ابتدأت * * * في عرفج الدو نار أيما نار

لوامع لم تكن للغيث جاذبة * * * أو أنجم لم تنر للمدلج الساري

يغضضن عنهن أبصار الحسان كما * * * يغضضن عن ناخس فيها و عواري

لا مرحبا ببياض لم يكن وضحا * * * لغرة الصبح أو لمعا لنوار

أما تشبيه ابتداء الشيب و تبدده في الشعر بابتداء النار في العرفج قبل انتشارها فيه فهي تضيء منه مواضع دون أخرى، فمن واقع التشبيه و غريبه. و انما قلنا نار، استكبارا لها و استعظاما و اختصارا شديدا لشكوى تلك الحال و تعديد ما فيها من المضار.

فأما البيت الذي أوله

لوامع لم تكن للغيث جاذبة

فان تشبيه لمع بياض المشيب في خلال الشباب بلمع البروق في الغمام، لما اعتمد في البيت و وجب في صنعة الشعر، و تحقيق معناه: أن ينفى على هذا الشبه بالبروق فيقال انها لم تكن للغيث جاذبة، و كذلك لما شبه الشيب في هذا البيت بالنجوم وجب أن ينفى عنه

247

منافع النجوم و مرافقها، فيقال: انها لم تنر للمدلج الساري.

و البيت الأخير الذي أوله «لا مرحبا ببياض» في معنى هذا البيت الذي تكلمنا عليه، لأنه ذم لبياض الشيب لما لم يكن بياضا لذي منفعة كغرة الصبح و لمع النور. و هذا تصرف في المعاني و تحكم فيها.

و لي من قصيدة أولها

عتاب لدهر لا يمل عتابى

:

و إذ لم ارغ عند الغواني تغزلا * * * فمثل مشيبي بينهن شبابي

و لو كنت يوما بالخضاب موكلا * * * خضبت لمن يخفى عليه خضابى

فان تعطني أولى الخضاب شبيبة * * * فان له أخرى بغير شباب

و أين من الإصباح صبغه * * * و أين من البازي لون غراب

و اي انتفاع لي بلون شبيبة * * * و لون إهاب الشيب لون اهابى

و قد قلصت خطوي الليالي و ثمرت * * * بروحاتها من جيئتي و ذهابي

و كم ظفر الأقوام في البيض كالدمى * * * بفوق المنى منهن لا بشباب

فها الشيب منى عاريا غير مكتس * * * و نصلا على رأسي بغير قراب

معنى البيت الأول اننى إذا كنت لا أطلب الغزل عند الغواني و لا الحظوة منهن فلا فرق بيني و بين مشيبي و شبابي، لأن الشيب انما يحزن و يكرب من سلبه مودة الغواني و حطه عن رتبته بينهن و زوى عنه خدودهن.

و معنى البيت الثاني النهي عن الخضاب من حيث كان غير خاف، لأنه إذا كان لا ينبغي أن يخضب الا لمن يخفى عليه خضابه و لم يك خافيا فلا معنى لتكلف الخضاب الذي لا يخفى.

و معنى البيت الثالث معروف، و قد قيل

248

و قالوا الخضاب شباب جديد * * * فقلت النصول مشيب جديد

و قال محمود الوراق:

ان النصول إذا بدا * * * فكأنه شيب جديد

و في البيت الرابع تفضيل لون الشيب على لون الخضاب.

فأما البيت الذي أوله

و أي انتفاع لي بلون شبيبة

فمعناه كيف أدلس بياض شعري بتسويده و لون جلدي بتشنجه و تغضنه لا يليق بالشباب و انما يليق بالشيب، فإنما دلست ما هو منفضح و لبست ما هو منكشف، و كان عندي اني منفرد بهذا المعنى حتى وجدت لابن الرومي:

رأيت خضاب المرء عند مشيبة * * * حدادا على شرخ الشبيبة يلبس

و الا فما يغزو امرؤ بخضابه * * * أ يطمع ان يخفى شباب مدلس

و كيف بأن يخفى المشيب لخاضب * * * و كل ثلاث صبحه يتنفس

و هبة يوارى شيبه اين ماؤه * * * و اين أديم للشبيبة أملس

و وجدت ابن الرومي يتصرف في هذا المعنى و يعكسه حتى جعل من لا غضارة لجلده من ذوي السواد يظن به الكبر و ان سواده خضاب لا شباب، فقال:

إذا دام للمرء السواد و لم تدم * * * غضارته ظن السواد خضابا

فكيف يظن الشيخ ان خضابه * * * يظن سوادا أو يخال شبابا

و فلسفة هذا الرجل في شعره و تطلبه لطيف المعاني مع اعراض عن فصيح العبارة و غريبها و ان كانت مذمومة مستبردة في الأغلب الأكثر، ربما أثارت دفينا أو أخرجت علقا ثمينا.

و نظير قول ابن الرومي

رأيت خضاب المرء عند مشيبة حدادا

قول الأفوه الكوفي

249

فان تسألينى ما الخضاب فانني * * * لبست على فقد الشباب حدادا

و مثله لأبي سهل النوبختي:

لم أخضب الشيب للغواني * * * أبغي به عندها ودادا

لكن خضابى على شبابي * * * لبست من بعده حدادا

و لابن الرومي في ذم الخضاب:

يا ايها الرجل المسود شيبه * * * كيما يعد به من الشبان

اقصر فلو سودت كل حمامة * * * بيضاء ما عدت من الغربان

و له في هذا المعنى:

فزعت الى الخضاب فلم تجدد * * * به خلقا و لا أحييت ميتا

خضبت الشيب حين بدا فهلا * * * حلقت العارضين إذ التحيتا

لترجع مردة كانت فبانت * * * كما تسويد شيبتك ارتجيتا

و له مثله:

خضبت الشيب حين بدا لتدعى * * * فتى حدثا ضلالا ما ارتجيتا

أ لا حاولت أن تدعى غلاما * * * بحلق العارضين إذ التحيتا

أبت آثار دهرك ان تعفى * * * بكفك شئت ذلك أم ابيتا

فدع عنك الخضاب و لا ترده * * * فأجدى منه قولك لو وليتا

و هذه الأبيات- و ان كان لمعناها بعض الصحة- فألفاظها مباينة لأسلوب الشعر العربي، و حظ اللفظ في الشعر أقوى من حظ المعنى.

و له أيضا مثله

250

كما لو أردنا أن نحيل شبابنا * * * مشيبا و لم يأن المشيب تعذرا

كذلك تعيينا احالة شيبنا * * * شبابا إذا ثوب الشباب تحسرا

أبى اللّٰه تدبير ابن آدم نفاء * * * و ألا يكون العبد الا مدبرا

و لا صبغ الا صبغ من صبغ الدجى * * * دجوجية و الصبح أنور ازهرا

فأما قولي في البيت الأخير من الأبيات الثانية

فها الشيب منى عاريا غير مكتس

فإنما أردت بعد ذم الخضاب و بيان أنه لا طائل في تكلفه أن شيبي عار من الخضاب و انه على هيئته و خلقته و جعلت الخضاب تارة له كسوة و أخرى قرابا لما جعلت الشيب نصلا، فهو يشبه النصل لونا و صقالا.

و لي من قصيدة أولها

ما ذا جنته ليلة التعريف

:

و تعجبت للشيب و هو جناية * * * لدلال غائية و صد صدوف

و أحاطت الحسناء بي تبعاته * * * فكأنما تفويفه تفويفي

هو منزل بدلته من غيره * * * و هو الفتى في المنزل المألوف

لا تنكريه فهو أبعد لبسة * * * عن قذف قاذفة و قرف قروف

و لي من قطعة:

و تطلب مني الحب و الشيب لبستى * * * و اين الهوى ممن له الشعر ابيضا

فقلت لها قد كنت بالحب مولعا * * * و لكنه لما انقضت شرتى انقضى

و لي و هو ابتداء قصيدة

251

سجا لك ان الليل ليل عذاري * * * مضى عائضا منه بضوء نهار

فمن لي عن الفجر المغلس بالدجى * * * و عن يقق لم ارض عنه بقار

و كنت حذرت الشيب حتى لبسته * * * و قل على المحتوم نفع حذار

لهيب مشيب في الفؤاد مثاله * * * جوى و أوار من جوى و أوار

عشية امحى من عداد اولى الهوى * * * و لا تألف الحسناء عقوة داري

و شق مزاري بعد ان كنت برهة * * * إذا زير ربعي لا يشق مزاري

تحب و تهوى كل يوم فكاهتى * * * و يبتاع بالدر النفيس جواري

و ليس هوى الا علي معاجه * * * و في قبضتي البيض الدمى و أسارى

فها انا ملقى كالقذاة تناط بي * * * جرائر لم يجعلن تحت خياري

أقيل عثارا كل يوم و ليلة * * * الهوى من لا يقبل عثارى

أما قولي

لهيب مشيب في الفؤاد مثاله

فمعناه أن الشيب المنتشر في الشعر المشبه لضوئه بلهب النار في القلب مثال له لنلهب الحزن و الغم، و اشتعالهما في القلب من أجل نزول الشيب و حلوله.

و الجوى هاهنا هو الحزن الباطن، و الأوار لهيب النار، فكأن هذا الذي في القلب من الجوى و الأوار متولد من أوار الشيب و تلهبه في الشعر.

فان قيل: أ ليس أهل اللغة يقولون ان الجوى هو الهوى الباطن، فكيف جعلتموه حزنا و هما؟

قلنا: لا يسمون الهوى الباطن جوى إلا إذا صحبه لدع و جوى و هم، و ذلك معروف.

فان قيل: فهبوا ان الأمر على ما قلتموه في ما يكون في القلب كيف جعلتم الشيب جوى و جمعتم بينه و بين الأوار، و هو يشبه أوار النار بلونه، و لا نسبة بينه

252

و بين الجوى.

قلنا: إذا كان سبب جوى القلب الذي هو الحزن به و الغم على حلوله جاز أن يسمى باسمه، فقد سموا السبب باسم مسببه و المسبب باسم سببه، و تخطوا ذلك الى ما هو أبعد منه كثيرا، و الاستعارات واسعة فسيحة.

و في قولي «الفجر المغلس» معنى لطيف، لأنني أشرت الى أن الشيب عجل عن وقته المعهود له، فلهذا شبهته بالفجر الطالع في الغلس قبل أوان طلوعه المألوف.

و لي من قصيدة أولها

لمن ضرم أعلى البقاع تعلقا

:

و عيرننى شيبا سيكسين مثله * * * و من ضل عن أيدي الردى شاب مفرقا

و هل تارك للمرء يوما شبابه * * * صباح و امساء و مناي و ملتقى

و لي من قصيدة أولها

ما قربوا الا لبين نوقا

:

ذهب الشباب و كم مضى من فائت * * * لا يستطيع له الغداة لحوقا

ما كان الا العيش قضى فانقضى * * * بالرغم أو ماء الحياة أريقا

فلو اننى خيرت يوما خلة * * * ما كنت الا للشباب صديقا

و لقد ذكرت على تقادم عهده * * * عيشا لنا بالأنعمين أنيقا

أزمان كان بها ردائي ساحبا * * * أشرا و غصني بالشباب وريقا

و إذا تراءى في عيون ظبائهم * * * كنت الفتى المرموق و الموموقا

253

و لي من قصيدة أولها

مثلا عنى المنازل لم بلينا

:

فيا شعرات رأس كن سودا * * * و حلن بما جناه الدهر جونا

مشيبك بالسنين و من هموم * * * و ليتك قد تركت مع السنينا

كرهت الأربعين و قد تدانت * * * فمن ذا لي برد الاربعينا

و لاح بمفرقى قبس منير * * * يدل على مقاتلي المنونا

الجون من الألفاظ المشتركة بين الأبيض و الأسود، و أردت بالجون هاهنا البيض في مقابلة السود.

و معنى

و ليتك قد تركت مع السنينا

أي ليت الهموم و الأحزان و الأسباب المشيبة للشعر لم تطرقك و تركت مع مر السنين و تأثيرها فيك، فكأنني تمنيت الأربعين السنين على شيب رأسي معين، و انما يكره الأربعين من لم يبلغها لأنها أقرب الى الموت و أدنى الى الهرم من السن الذي تقدمها فإذا جاوزها و أربى عليها تمناها لأنها أقرب من الشباب و أبعد من الهرم و الموت من السن التي هو فيها.

و قد ذكرت فيما مضى نظير البيت الذي أوله

و لاح بمفرقي قبس منير.

و لي من قصيدة أولها

ان على رمل العقيق خيما

:

عجبت يا ظمياء من شيب غدا * * * منتشرا في مفرق مبتسما

لو كان لي حكم يطاع امره * * * حميت منه لمتى و اللمما

تهوين عن بيض برأسي سودة * * * و عن صباح في العذار الظلما

و قلت ظلما كالثغام لونه * * * و لون ما تبغين يحكى الفحما

صبغ الدجى أبعد عن فاحشة * * * و لم يزل صبغ الدجى متهما

254

من عاش لم تجن عليه نوب * * * شابت نواحي رأسه أو هرما

ان قيل: كيف تكون ظالمة بتشبيه الشيب بالثغام و هو أشبه شيء به؟

قلنا: لم تظلم لأجل التشبيه الذي هو صحيح واقع، و لكن لأنها ذمت بذلك الشيب و هجنته و أزرت عليه، و لهذا عورضت بأن لون ما تهواه من الشباب يشبه الفحم الذي الثغام على كل حال أفضل منه.

فأما الذي أوله

صبغ الدجى أبعد عن فاحشة

فعزيز المعنى، لأن النهار نفسه و ما يشبه بالنهار من الشيب أبعد من الفواحش و القبائح، أما النهار فإنه يظهرها و لا يسترها و الشيب يعظ و يزجر عن ركوبها، و صاحبه في الأكثر عند الناس منزه عنها. و صبغ الدجى الذي هو الليل نفسه و ما يشبه به من الشباب أدنى القبائح، لأن الليل يستر القبيح و يخفيه و الشباب يدعو الى اقتراف القبيح و يعلق على صاحبه منه ما لا يعلق على ذي الشبيبة.

و نظير

صبغ الدجى أبعد عن فاحشة

قولي:

لا تنكريه فهو أبعد لبسة * * * عن قذف قاذفة و قرف قروف

و نظير قولي

و لم يزل صبغ الدجى متهما

قولي:

و معيرى شيب العذار و ما درى * * * أن الشباب مطية للفاسق

و لي من قصيدة أولها

ليس للقليب في السلو نصيب

: و لقد قلت للمليحة و الرأس بصبغ المشيب ظلما خضيب

لا تريه مجانبا للتصابى * * * ليس بدعا صبابة و مشيب

255

و لي من قصيدة أولها

بلغنا ليلة السهب

:

و لما رأت الحسناء * * * في رأسي كالشهب

و بيضا كالظبي البيض * * * و ما يصلحن للضرب

و حادت عن مقر * * * كان فيه بقر السرب

تجنبت بلا جرم * * * و عوقبت بلا ذنب

و عاتبت و لكن * * * قلما ينفعني عتبى

انما قلت: «و ما يصلحن للضرب» لئلا يفهم من تشبيهي للطاقات البيض الشيب بالظبي البيض التماثل من كل جهة، فاستثنيت أنهن لا يصلحن للضرب كما تصلح السيوف لذلك، و إذا كان المقصد ذم الشيب ثم شبه من بعض الوجوه بما له فضل في نفسه، فمن الواجب أن يستثنى ما لا يشبه فيه من الفضيلة ليخلص القول للذم. و هذا إذا تؤمل كان له موقع لطيف من البلاغة. و لعمري ان الشعر موضوع على الاختصار و الحذف و الإشارة.

و لو قلت «و بيضا كالظبي البيض» لما فهم الا التشبيه في اللون دون غيره سنة إذا أمكن التحقيق و استيفاء الأغراض من غير أن يلحق الكلام هجنة فهو أولى.

و لي من قطعة:

ليس المشيب بذنب * * * فلا تعديه ذنبا

غصبت شرخ شبابي * * * بالليل و الصبح غصبا

و شب شيب عذاري * * * كما اشتهى الدهر شبا

ان كنت بدلت لونا * * * فما تبدلت حبا

أو كنت بوعدت جسما * * * فما تباعدت قلبا

256

و كلما شاب رأسي * * * نما غرامى و شبا

و لي من قصيدة أولها

كنت من أسماء ما كان علن

:

راعك يا أسماء منى بارق * * * أضاء ما بين العذار و الذقن

لا تنفري منه و لا تستنكرى * * * فهو صباح طالما كان دجن

ثاو نأى إذ رحل الدهر به * * * و اي ثاو في الليالي ما ظعن

ان كان أحيا الحلم فينا و الحجى * * * فإنه غال المراح و الارن

كم كع مملوء الإهاب من صبي * * * عن العلى و احتلها الهم اليفن

لست أرى تهجين هذه الأبيات بوصف ربما قصر عن مدى حقها، فكم مرسوم بالعدول عن حقه و ممدوح بالاعراض عن مدحه.

فأما كع فمعناه عجز، يقولون: كع عن كذا إذا نكل عنه و عجز. و الإهاب:

الجلد. و اليفن: الشيخ الهرم الضعيف.

و لي من قطعة مفردة:

صدت أسيماء عن شيبى فقلت لها * * * لا تنفري فبياض الشيب معهود

عمر الشباب قصير لا بقاء له * * * و العمر في الشيب يا أسماء ممدود

قالت طردت عن اللذات قاطبة * * * فقلت انى عن الفحشاء مطرود

ما صدني شيب رأسي عن تقى و على * * * لكنني عن قذى الأخلاق مصدود

لو لا بياض الضحى ما نيل مفتقد * * * ما لم ينل مطلب يبغى و مقصود

ما عادل الصبح ليل لا ضياء به * * * و لا استوت في الليالي البيض و السود

257

المعهود: المألوف لا ينفر منه. و الشيب معتاد في من كبر و أسن و انما ينفر مما خالف العادة.

و البيت الثاني نظير قول الشاعر:

و الشيب ان يظهر فان وراءه * * * عمرا يكون خلاله متنفس

لأن العمر في البياض أطول منه في السواد.

و على البيت الثالث سؤال: كيف يكون الشيب طاردا عن الفحشاء خاصة و من شأنه أن يصد عن كل لذة و متعة حسنة كانت أو قبيحة.

و الجواب: اننى أردت أنه يصدني عن الفحشاء بوعظه و زجره لا باعجازه و منعه و اني قادر متمكن من مباح اللذات، و البيت الرابع يقوى هذا المعنى.

و البيت الخامس و السادس من حسن ما فضل به البياض الذي هو لون المشيب على السواد.

و لي و هي قطعة مفردة:

نبت عينا أمامة عن مشيبي * * * و عدت شيب رأسي من ذنوبي

و قالت لو سترت الشيب عنى * * * فكم أخفى التستر من عيوبي

فقلت لها أجل صريح ودى * * * و إخلاصي عن الشعر الخضيب

و ما لك يا امام مع الليالي * * * إذا طاولن بد من مشيب

و ما تدليس شيب الرأس إلا * * * كتدليس الوداد على الحبيب

فلا تلحى عليه فذاك داء * * * عياء ضل عن حيل الطبيب

و ان بعيد شيبك و هو آت * * * نظير بياض مفرقي القريب

258

و ان تأبى فقومي ميزى لي * * * نصيبك فيه يوما من نصيبي

معنى البيت الثاني اننى خالص المودة صريح المحبة، فلا أدنس ذلك بتزوير الشعر بالخضاب و تشبيهه بالشباب. و قد أفصحت عن هذا البيت الذي أوله

و ما تدليس شب الرأس

و ابن الرومي جعل من خضب للغواني معاقبا بغشهن في وده، فقال:

قل للمسود حين شيب هكذا * * * غش الغواني في الهوى اياكا

كذب الغواني في سواد عذاره * * * و كذبنه في ودهن كذاكا

و معنى البيت الذي أوله

و ان بعيد شيبك و هو آت

اننا سواء في الشيب و انما هو واقع بي و متوقع فيك، و كل آت قريب.

و البيت الثالث معناه: انك ان اثبت أننا في إشكال و أمثال فعرفينى الفرق بيني و بينك فيه، و أي أمان لك مما نزل بي و حل عندي. و هذا من لطيف التسلية عن الشيب و الاحتيال في دفع احزانه و همومه و الاحتجاج على من عابه من النساء و ذمه و قبحه.

و لي من قطعة مفردة:

أمن شعر في الرأس بدل لونه * * * تبدلت ودا يا اسيماء عن ودى

فان يك هذا الهجر منك أو الفلي * * * فليس بياض الرأس يا اسم من عندي

تصدين عمدا و الهوى أنت كله * * * و ما كان شيبى لو تأملت من عمدي

و ليس لمن جازته ستون حجة * * * من الشيب ان لم يرده الموت من بد

و لا لوم يوما من تغير صبغة * * * إذا لم يكن ذاك التغير في عهدي

259

و لي و هي قطعة مفردة:

يقولون لي لم أنت للشيب كاره * * * فقلت طريق الموت عند مشيبي

قربت الردى لما تجلل مفرقي * * * و كنت بعيدا منه غير قريب

و كنت رطيب الغصن قبل حلوله * * * و غصني مذ شيبت غير رطيب

و لم يك الا عن مشيب ذوائبى * * * جفاء خليلي و ازورار حبيبي

و ما كنت ذا عيب فقد صرت بعده * * * تخط بأيدي الغانيات عيوبي

فليس بكائي للشباب و انما * * * بكائي على عمري مضى و نحيبي

البيت الذي أوله «و ما كنت ذا عيب» يحتمل أن يكون المراد به اننى بعد المشيب بلا عيب على الحقيقة كما كنت غير أن الغانيات يتجر من علي بعد الشيب فيضفن الي عيوبا ليس في. و يحتمل أن يراد أيضا أن عيوبي كانت مستورة مغفورة في ظل الشباب، فلما قلص عني و انحسر أظهرت و أعلنت، لأن الشافع في زال و العاذر لي حال. و يمضى هذا المعنى كثيرا.

و لي و هي قطعة مفردة قلتها في ذم الشيب:

بياضك يا لون المشيب سواد * * * و سقمك سقم لا يكاد يعاد

و قد صرت مكروها على الشيب بعد ما * * * عمرت و ما عند المشيب أراد

فلي من قلوب الغانيات ملالة * * * و لي من صلاح الغانيات فساد

و ما لي نصيب بينهن و ليس لي * * * إذا هن زودن الأحبة زاد

و ما الشيب الا توأم الموت للفتى * * * و عيش امرئ بعد المشيب جهاد

260

و لي في الاعتذار عن الشيب و التسلية عنه، و هي قطعة مفردة:

تقول لي إنما الستون مقطعة * * * بين الرجال و وصل الخرد الغيد

و ما استوى يفن ولت نضارته * * * في الغانيات بغصن ناضر العود

فقلت ما الشيب الا لبسة لبست * * * ما أثرت لي في بخل و لا جود

و لا وفاء و لا غدر و لا كلف * * * و لا ملال و لا إنجاز موعود

ان الحفاظ و بيضى فيه لامعة * * * خير من الغدر لو جربت في سودى

و إذا كنا قد استوفينا غرضنا الذي قصدناه فالواجب قطع الكتاب هاهنا فقد طال و ربما أمل الطويل.

و لعل معنتا يطعن فيما أوردناه في أثناء كلامنا من نظائر الشعر بأنا ما استوفيناه و لا استقصيناه و يذكر نظائر لم نذكرها أو يعيب بعدولنا عما عدلنا حمله عن ذكر نظائره.

و الجواب عن ذلك: ان كتابنا هذا ما وضعناه لذكر النظائر، و انما كان الغرض فيه ما تضمنته خطبة الكتاب و قد استوفى، و ما مضى من ذكر نظائر فإنه اتفق عرضا، و لو قصدنا هذا الفن لاستوفيناه بحسب ما يحضرنا و ينتهي اليه علمنا، فان نظائر الشعر لا تحصى كثرة، و من تعاطى ذكرها و اعتمده فما عليه الا الاجتهاد و إيراد ما يناله حفظه أو يده و تصفحه.

و اللّٰه تعالى المأمول المرجو للسداد و الرشاد، هاديا الى سننهما و دالا على محجتهما، و هو حسبنا اللّٰه و نعم الوكيل. و صلواته على محمد و آله الطاهرين، و الحمد للّٰه وحده.

261

الزيادة في كتاب الشيب و الشباب

قد كنا أشرنا إلى أنه متى اتفق في جملة ما ننظمه بعد عمل هذا الكتاب شيء يتضمن وصف الشيب ضممناه اليه و ألحقناه به، و نحن لذلك فاعلون:

و لي قصيدة أولها

توق ديار الحي فهي المقاتل

:

و أين الهوى منى و قد شحط الصبي * * * و فارق فودي الشباب المزايل

و قد قلصت عني ذيول شبيبتى * * * و في الرأس شيب كالثغامة شامل

و لي من دموعي غدوة و عشية * * * لبين الشباب الغض طل و وابل

و كيف يزيل الشيب أو يرجع الصبي * * * وجيب قلوب أو دموع هو أمل

و لي و هي قطعة مفردة و فيها ذم الشيب:

قد كان لي غلس لا فجر يمزجه * * * فألان فجرى بلا شيء من الغلس

262

قالوا تسلى فشيبات الصبي قبس * * * فقلت ذاك و لكن شر ما قبس

و زارني لم أرد منه زيارته * * * شيب و لم يغن أعواني و لا حرسى

يضيء بعد سواد في مطالعة * * * لفاغر من ردى الأيام مفترس

طوى قناتي و اغتالت اظافره * * * تحضى ورد الى تقويمه شوسى

و صد عنى قلوب البيض نافرة * * * و ساقني اليوم من نطق الى خرس

ان كان شيبي بقاء قبله دنس * * * فقد رضيت بذاك الملبس الدنس

و غالطونى و قالوا الشيب مطهرة * * * و ما السواد به شيء من النجس

و العمر في الشيب ممتد كما زعموا * * * لكنه لم يدع شيئا سوى النفس

معنى البيت الأول انه كان مشبه بالغلس و هو الشباب لا يمزجه شيء من المشبه بالفجر و هو الشيب، فانعكس ذلك و صار بياضي بغير سواد.

و معنى البيت الثاني: أنهم إذا أسلوا عن المشيب و عزوا عن مضرته بأنه يشبه بالقبس الذي المنفعة به ظاهرة، فمن أحسن جواب عن هذه التسلية أن يصدقوا في شبهه به هيثة و صبغة و مخالفته له في الفائدة و العائدة، و قرب شيء يوافقه ظاهرا و يخالفه باطنا. و القبس أيضا الذي شبه الشيب به قد يستضر به في حال كما ينتفع به في أخرى. و قولي

و لكن شر ما قبس

كاف في الجواب.

و انما قلت «ذاك» و لم أقل ذاكم و الخطاب لجماعة استقلالا للفظة الجمع في هذا الموضع و استخفاف خطاب الواحد.

و قد يجوز أن يقل المخاطب بالجواب على بعض من خاطبه دون بعض، إما لتقدمه و وجاهته أو لفضل علمه و فرط فطنته. و في الكلام الفصيح لهذا نظائر كثيرة يطول ذكرها، فان استحسن أو استخف راو أن يقول ذاكم مكان ذاك فليروه كذلك، فلا فرق بين الأمرين.

263

و أما البيت الثالث فمعناه ان الأعوان و الحراس من شأنهم أن يدفعوا زيارة من تكره زيارته و تجتوى مقاربته، و الشيب من بين الزائرين الوافدين لا يغني في دفعه و منعه أعوان و لا حراس.

و معنى البيت الرابع نظير قولي و قد تقدم:

و لاح بمفرقى قبس منير * * * يدل على مقاتلي المنونا

و قول أخي رضي اللّٰه عنه و قد تقدم أيضا:

تعشو الى ضوء المشيب فتهتدى * * * و تضل في ليل الشباب الغابر

و قول ابن الرومي:

فلما أضاء الشيب شخصي رمانيا

و معنى قولي في البيت الخامس «طوى قناتي» انه حنى قامتي، فان الكبر يفعل ذلك.

و البحض: اللحم، و لا شبهة في أن الكبر يعترق اللحم من الجسد.

فأما الشوس فهو رفع الرأس تكبرا و تجبرا، يقال رجل أشوس و رجال شوس، فأردت أن الشيب يمنع من التكبر و يقعد عن التجبر و يورث الخشوع و الاستكانة و الخضوع.

و قولي في البيت السادس

و ساقني اليوم من نطق الى خرس

يجوز أن يكون المراد به انني أكل عن الحجة و أعجز عن استيفاء الخطاب لضعف الكبر و عجز الهرم، فكأنني خرست بعد نطق.

و يجوز أن يراد به أيضا انني أمسك عن الكلام و أسكت عن الجواب مع قدرة عليهما باسترذال كلامي و استضعاف خطابي، فإن الكبر لا يؤتمر له و لا يصغى اليه.

264

و البيت السابع مكشوف المعنى، و كذلك الثامن.

فأما البيت الأخير فإن غاية ما يمدح به الشيب و يفضل له ان يقال: ان العمر فيه ممتد يزيد على العمر في الشباب، فكأنني سلمت هذا الذي تدعي به الفضيلة و المزية و قلت: إذا كان المشيب لم يدع شيئا سوى النفس الدال على وجود الحياة مجردة من كل انتفاع و التذاذ و بلوغ ارب و وطر، فأي فائدة في طول عمر بلا منفعة و لا لذة و لا متعة، و انما يراد تطاول العمر لزيادة الانتفاع و طول الاستمتاع.

و لي في مثل ذلك و هي قطعة مفردة:

لا تنظري اليوم يا سلمى الي فما * * * أبق المشيب بوجهي نضرة البشر

جنى علي فقولي كيف أصنع في * * * جان إذا كان يجنى غير معتذر

عرا فأعرى من الأقطار قاطبة * * * قهرا و ألبسني ما ليس من وطرى

و قد حذرت و لكن رب مقترب * * * لم انج منه و ان حاذرت بالحذر

فان شكوت الى قوم مساكنهم * * * ظل السلامة ردوني الى القدر

كوني كما شئت في طول و في قصر * * * فليس أيام شيب الرأس من عمرى

فقل لمن ظل يسلي عن مصيبته * * * لا سلوة لي عن سمعي و عن بصري

شر العقوبة يا سلمى على رجل * * * عقوبة من صروف الدهر في الشعر

ان كان طال له عمر فشيبه * * * فكل طول عداه الفضل كالقصر

يلين منه و يرخي من معاجمه * * * كرها و لو كان منحوتا من الحجر

فان تكن وخطات الشيب في شعري * * * بيضا فكم من بياض ليس للغرر

ما كل إشراقه للصبح في غلس * * * و ليس كل ضياء من سنا القمر

معنى قولي

و كل طول عداه الفضل كالقصر

أن طول الزمان انما يحمد