رسائل الشريف المرتضى - ج4

- السيد المرتضى المزيد...
355 /
265

و يطلب إذا جلب نفعا و أثمر فائدة، و إذا كان بالضد من ذلك فهو كالقصير من الزمان في عدم الانتفاع بطوله.

و معنى

فكم من بياض ليس للغرر

أي لا تعزوني عن المشيب ببياض لونه و إشراقه فليس كل بياض محمودا و ان كان بياض الغرر ممدوحا.

و معنى البيت الثاني هو هذا بعينه و مؤكدا للأول و موضحا عنه.

و لي و هي قطعة مفردة:

قالت مشيبك فجر و الشباب إذا * * * زرناك ظلمة ليل فيه مستتر

فقلت من كان هجري الدهر عادته * * * ما ان له بضياء الشيب معتذر

لا تسخطيه بهذا الشيب مصدوق * * * على عيوب بضد الشيب تستتر

ترين منى وضوء الشيب يفضحني * * * ما زاغ عنه و رأسي اسود نضر

معنى البيت الأول كأنه غريب. و الجواب عن اعتذار المتمحل للهجر صحيح، لأن من كان لا يلم بزيارة و لا يهم بلقاء سواء عليه ضياء أظهره أو سواد ستره.

و البيتان الأخيران بليغان في المعنى المقصود بهما.

و تقريب الشيب من قلوب من يطلب العيوب و يؤثر الظهور على الغيوب بأنه يظهر مكتومها و يبرز مستورها، من ألطف المكايد و أغمضها.

و لي و هي قطعة مفردة:

نضوت ثياب اللهو عنى فقلصت * * * و شيبني قبل المشيب هموم

و قد كنت في ظل الشباب بنعمة * * * و أي نعيم للرجال يدوم

266

و قد علم الأقوام ان لم يغالطوا * * * بأن صحيحا في المشيب سقيم

و ان غنيا في الهوى و نزيله * * * المشيب فقير الراحتين عديم

معنى قولي

و شيبنى قبل المشيب هموم

قبل أوان المشيب و ابانه و الوقت الذي جرت العادة بنزوله فيه، و لا يجوز حمل الكلام الا على ذلك في حكم الضرورة، لأن ما شيب من الهموم فالمشيب لا محالة معه، فكيف يكون قبله لو لا الحذف الذي أشرنا اليه.

و لي قطعة و هي مفردة:

صد عنى و أعرضا * * * إذ رأى الرأس ابيضا

و نضا عنى الغضاضة * * * و اللهو ما نضا

و استرد الزمان منى * * * ما كان اقرضا

و رماني بشيب رأسي * * * ظلما و اغرضا

و استحال الطبيب لي * * * من سقامي فأمرضا

و محب عهدته * * * صار بالشيب مبغضا

كان يرضى و لم يدع * * * شيب رأسي له رضى

قال لي مفصحا * * * و ما كان الا معرضا

اين شرخ الشباب * * * قلت خباء تقوضا

أو منام وافى الصباح * * * إلينا و قد مضى

و لي و هي قطعة مفردة

267

صد عني كارها قربى * * * و قد كان حبيبا

و رأى في الفاحم الجعد * * * من الرأس مشيبا

كشهاب غابت الشهب * * * و يأبى أن يغيبا

أو كنار تخمد النار * * * و يزداد لهيبا

كنت عريانا بلا عيب * * * فأهدى لي العيوبا

قلت ما أذنبت * * * بالشيب إليكم فأتوبا

هو داء حل جسمي * * * لم أجد منه طبيبا

لم تجد ذنبا * * * و لكنك لفقت ذنوبا

يحتمل البيت الخامس الذي أوله

كنت عريانا بلا عيب

وجوها من التأويل:

أولها- ان يراد: أننى كنت بلا عيب فصار لي من الشيب نفسه عيب، لأن النساء يعبن به و ينفرن عنه.

و ثانيها- ان يكون المراد: ان الشباب كان ساترا لعيوب كان في مغفورة لي لأجله، فلما نزل الشيب اذيعت في و بقيت علي.

و ثالثها- أنه لم يكن في عيب فلما نزل الشيب تمحلت لي عيوب و علقت علي و نسبت الي، فان ذا الشيب ابدا معيب بين النساء متجرم عليه.

و لي و هي قطعة مفردة:

لا تطلبي مني الشباب فما * * * عندي شباب و الشيب قد وفدا

اين شبابي و قد انفت على * * * الستين سنا و جزتها عددا

فمن بغى عندي البشاشة و اللهو * * * و بعض النشاط ما وجدا

268

و قد مضى من يدي و فارقني * * * ما لا أراه براجع ابدا

و لي و هي قطعة مفردة:

صدت و ما كان الذي صدها * * * الا طلوع الشعر الأشهب

زار و كم من زائر للفتى * * * حل بواديه و لم يطلب

ركبته كرها و من ذا الذي * * * أركبه الدهر فلم يركب

كأنه نار لباغي القرى * * * أضرمها القوم على مرقب

أو كوكب لاح على أفقه * * * أو بارق يلمع في غيهب

لحمي و قد أصبحت جارا له * * * زادي و دمعي وحده مشربي

و اننى فيه و من اجله * * * معاقب القلب و لم أذنب

و ليس لي حظ و ان كنت من * * * أهل الهوى في قنص الربرب

و ما رأينا قبله زائرا * * * جاء إلينا ثم لم يذهب

معنى البيت الذي أوله

لحمي و قد أصبحت جارا له

ان صاحب الشيب إذا كان على الأكثر ينقص لحمه و يهزل جسمه و يعترق الشيب أعضاءه، فكان ذا الشيب يتزود لحمه فهو يفنى على الأيام.

و يحتمل وجها آخر، و هو: ان لذي الشيب حسرة على شبابه و حزنا على حلول مشيبة، فيعض كفه و أنامله كما يفعل المغيظ المهموم، و جعل ذلك الغيظ تزودا و اقتياتا على سبيل المجاز.

و البيت الأخير معناه: ان من شأن كل زائر لغيره أن يجوز انصرافه عنه و مفارقته له و ذلك المزور حي باق، الا الشيب فإنه إذا زار لم يذهب الا بذهاب الحياة و فقدها.

269

و لي و هي قطعة مفردة:

لا تسألني عن المشيب فمذ * * * جلل رأسي كرها جفاني الغرام

ليس للهو و الصبابة و اللذات * * * في أربع المشيب مقام

ما جنى الشيب في المفارق الا * * * عنت الغانيات و الأيام

هو نقص عند الحسان كما * * * ان شبابا مكان شيب تمام

و سقام و ما استوت لك في * * * نيل أمانيك صحة و سقام

و متى رمت عرجة عنه قالت * * * لي التجاريب رمت ما لا يرام

و لي و هي قطعة مفردة:

تقول لي و مآقيها مطفحة * * * من ذا ابان على صبغ الدجى قبسا

من ذا الذي غل من فوديك لونهما * * * و سل حسنك في ما سل أو خلسا

ما لي أراك و نور البدر منكسف * * * في وجنتيك و خط فيهما طمسا

كأنما أنت ربع طل ساكنه * * * و منزل عطل من اهله درسا

ما ضر شيئا و قد وافى بمنظرة * * * تقذى النواظر لو أبطأ أو احتبسا

أما علمت بأنا معشر جزع * * * نقلي الصباح و نهوى دونه الغلسا

فقلت ما كنت من شيء يصيب به * * * ربى و ان ساء منى القلب محترسا

و ما الشبيبة الا لبسة نزعت * * * بدلت منها فلا تستنكرى اللبسا

و في كل الذي تهوين من جلد * * * فما أبالي أقام الشيب أم جلسا

لا تطلبي اللهو منى و المشيب على * * * رأسي فان قعود اللهو قد شمسا

و لا ترومى الذي عودت من ملق * * * و كل ما لان قبلي الغداة قسا

270

و لي من قطعة مفردة:

قلت لمسود له شعره * * * هل لك في المبيض من شعري

خذه و ان لم ترضه صاحبا * * * مع الذي بقي من عمرى

فقال لي يا بعد ما بيننا * * * و نازح أمرك من أمري

عمرت ستين و نيفها * * * و نيفت سني على عشر

ليس لداء بك من حيلة * * * فاجرع ملاء اكؤس الصبر

ان قيل: كيف تسمح نفس صاحب الشيب بأن يسأل في نقله عنه مع سلب ما بقي من عمره و انما يكره الشيب لأنه نذير الموت و بشير بمفارقة الحياة؟

فالجواب: ان أحد ما يكره له الشيب ما ذكرني السؤال و الأكثر الأظهر في سبب كراهية المشيب نفور الغواني منه و صدودهن عنه و تعييرهن به، و ان صاحبه فاقد اللذات ضعيف الشهوات متكدر الحياة، و من كان بهذه الصفة تمنى أن يفارقه الشيب بمفارقة الحياة ليستريح من أدوائه التي لا علاج منها و لا دواء لها.

و لي و هي قطعة مفردة:

لوت وجهها عن شيب رأسي و انما * * * لوت عن بياض زاهر لونه غضا

و لو أنصفت ما أعرضت عن شبيهها * * * و لا أبدلته من محبته بغضا

نفور الإنسان لا يكون عما يماثله و يجانسه بل عما يضاده و يخالفه، و البيض من النساء يوافق لونهن لون المشيب، فكيف نفرن عنه و بعدن منه مع المشاكلة لو لا انعكاس العادة في الشيب.

271

و لي من جملة قطعة مفردة:

و رابك منى قبل أن تتبينى * * * بأن ليس لي أمر عليه مشيب

و عاقبتني ظلما و كم من معاقب * * * و ليس له عند الحسان ذنوب

و ليس عجيبا شيب رأسي و انما * * * صدودك عن ذاك المشيب عجيب

هبيه نهارا بعد ليل و روضة * * * تضاحك فيها النور و هي قطوب

و لا تطلبي شرخ الشباب و قد مضى * * * فذلك شيء ما أراه يؤوب

أما وصف ما لم يظهر زهره و نوره من الروض بالقطوب فمن واقع التشبيه و غريبه، لأنه إذا شبه ما أزهر منه و نور بالضاحك جاز أن يسمى ما استمر على اخضراره و اسوداده بأنه قاطب، لفقد النور المشبه بالضحك منه.

و لي و هي قطعة مفردة:

تلوم و قد لاحت طوالع شيبتي * * * و ما كنت منها قبل ذاك مفندا

فحسبك من لومي و الا فبعضه * * * فما أبيض إلا بعض ما كان اسودا

و لا تلزمينى اليوم عيبا بصبغة * * * ستكسينها اما بقيت لها غدا

و لو خلدت لي حالة مع تولع * * * الليالي بأحوالى لكنت المخلدا

و لو لم أشب أو تنتقصني مدة * * * لكنت على الأيام نسرا و فرقدا

و ان المشيب فدية من حفيرة * * * أبيت بها صفرا من الناس مفردا

أوسد بالصفاح لا من كرامة * * * و اني غنى وسطها ان اوسدا

فلا تنفري يا نفس يوما من * * * فما أنت إلا في طريق إلى الردى

البيت الثاني لطيف المعنى، لأن من لام و فند و عنف على شيب لا صنع للشائب

272

في نزوله و لا حيلة له في دفع حلوله يجب أن يستوقف عن لومة ان أنصف، فان أبى الا الظلم فلا أقل من أن يقتصر على بعض اللوام و لا ينتهي إلى غايته، لأن الشعر الذي عنف ببياضه انما أبيض بعضه و لم يسر ذلك الى كله، فسبب اللوم إذا لم ينته إلى الغاية فاللوم لا يجب أن ينتهي إليها.

و لي و هي قطعة مفردة:

تضاحكت لما رأيت المشيب * * * و لم أر في ذاك ما يضحك

و ما زال دفع مشيب العذار * * * لا يستطاع و لا يملك

و قال لي الدهر لما بقيت * * * اما المشيب أو المهلك

فقولي و أنت تعيبينني * * * لأي طريقهما اسلك

اللطف ما هون به نزول الشيب، و أقواه شبهة انه فداء المنية و بدل من الهلكة و قد تقدم في شعري نظائر لذلك كثيرة من استقرأها وجدها.

و لي من جملة قطعة مفردة:

يا اسم ان صبابتي * * * بك لو أويت لها طويله

و أخذتني بذنوب شيب لم * * * تكن لي فيه حيله

نزلت شواتى خطة * * * منه احاذرها نزيله

و قضى الشباب و ليته * * * لما قضى لم يقض غيلة

كان الشباب وسيلتي * * * فالآن ما لي من وسيلة

273

و لي و هي قطعة مفردة:

تقاسم الليل و الإصباح بينهما * * * عمرى فمن حاصد طورا و مزدرعى

اعطى نهاري و ليلى شبه صبغهما * * * فنسج أيدي الدجى ثم الضحى خلعى

لليل سودى و للصبح المنير إذا * * * أجلاه شيبى فلومي فيه أو قدعى

فنوبة الليل قد ولت كما نزلت * * * فأصبح من هذا المشيب معى

هذه الأبيات متضمنة لمعنى غريب، لأن هذا القسم و التوزيع على الليل و النهار من الشيب و الشباب شبههما و نظيرهما ما وجدته الى الان على هذا الترتيب في شيء من الشعر المأثور.

و لي و هي قطعة مفردة:

إن عاقب الشيب السواد بمفرقى * * * فالليل يتلوه الصباح الواضح

من اخطأته و قد رمت قوس الردى * * * يبيض منه مفارق و مسانح

لو كان لليل البهيم فضيلة * * * لم تدن منه مقابس و مصابح

البيض للعينين وجه ضاحك * * * و السود للعينين وجه كالح

و أشد من جدع الجياد إذا جرت * * * جريا و اصبرهن نهد فارح

و البزل تغتال الطريق سليمة * * * و على الطريق من البكار طلائح

قد جمعت هذه الأبيات من الاعتذار للشيب و التسلية عنه من غريب بديع غير مبتذل و بين معروف معهود، كأنه لحسن موقعه و عذوبة لفظه غير معروف و لا معهود و التأمل لذلك حكم عدل فيه. فمعنى البيت الثالث هو الذي ليس بمطروق.

و أدل دليل على أن السواد البهيم ليس بفضيلة للاستضاءة فيه بالمقابس و المصابيح و هذا تعلل و تمحل و ان كان من مليح ما تمحل، لأن الليل لا تتم الأغراض فيه الا

274

بالمصابيح ليهتدى بها في سواده و الا فالأوطار فيه غير مبلوغة، و ليس هذا في سواد الشباب و بياض الشيب، و من ذم بياض الشعر لم يذممه لأنه فضل البياض على السواد على كل حال، فينتقض عليه ذلك بمصابيح الليل. و انما ذمه لأن الأوطار التي تنال بالشباب المحمودة كلها تفقد معه، فكان المذموم هو فقد سواد تدرك به الأغراض و تنال معه الأوطار دون ما ليس هذه صفته. و هذا التحقيق مطرح في الشعر، و يكفى الشاعر إذا عيب ببياض شعره و فضل سواده على بياضه أن يعتذر في ذلك بما ذكرناه في البيت.

فأما البيت الرابع فمعناه أيضا كالبديع الغريب، و يشبهه ما مضى من قولي

تضاحك فيها النور و هي قطوب

فان القطوب كالكلوح.

و لي و هي قطعة مفردة:

تصدين عني للمشيب كأننى * * * صرفت شبابي أو دعوت مشيبي

و كيف سلوي عن حبيب إذا مضى * * * فلا متعة لي بعده بحبيب

كأني ربع بعده غير آهل * * * و واد جفاه القطر غير خصيب

فلا تندبى عندي الشباب فإنما * * * بكائي عليه وحده و نحيبي

و لي و هي قطعة مفردة:

أمن بعد ستين جاوزتها * * * تعجب أسماء من شيبتي

و أعجب من ذاك لو ما كبرت * * * و لم ينزل الشيب في لمتى

فان كنت تأبين شيب العذار * * * فكم خيب المرء من منبت

275

و ان أنت يوما تخيرت لي * * * فشيبى أصلح من ميتتي

فلا تغضبى من صنيع الزمان * * * فما لك شيء سوى الغضبة

معنى قولي

فما لك شيء سوى الغضبة

ان الغضب لا يفيد شيئا و لا تحصلين فيه الا على مجرد الغضب من غير فائدة.

فأما قولي

فشيبى أصلح من ميتتي

فقد تقدمت نظائره.

و لي و هي قطعة مفردة:

جزعت امامة من مشيب * * * الرأس إذ سفهت امامه

و تنكرت بعد الصدود * * * و قد ألم بنا لمامه

و استعبرت لما رأت * * * في لمتى منه ابتسامه

و رأت على ظلم المفارق * * * من توضحه علامة

مثل الثغامة لونها * * * لكنها غير الثغامه

و تظلمت منه على * * * ان ليس تنفعها الظلامة

و لقد أقول لها و كم * * * من قائل أمن الملامة

لا تنكري بدد المشيب * * * فإنه ثمر السلامة

من بليغ القول و مختصره وصف الشباب بأنه ثمر السلامة و هذا انتهاء ما خرج وصف المشيب من نظمي الى سلخ ذي الحجة من سنة احدى و عشرين و أربعمائة، و ان تراخى الأجل و ترامى المهل و اتفق فما يخرج من الشعر شيء من وصف الشيب ضممناه الى ما تقدم. و اللّٰه ولي التوفيق في كل قول و عمل و هو حسبنا و نعم الوكيل، و صلى اللّٰه على سيدنا محمد و آله و صحبه أجمعين.

276

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

277

(57) (مسألة في معجزات الأنبياء (عليهم السلام))

278

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

279

بسم اللّٰه الرّحمن الرّحيم

[بعض عقائد أسلاف المجبرة و المشبهة]

مسألة:

من كلام قاضي القضاة عبد الجبارين أحمد في أن المجبرة و المشبهة أن يمكنهم الاستدلال على النبوة.

قد اخترت في وقتنا هذا على التزام أشياء كان سلفهم يمتنعون من التزامها، و أطلقوا ألفاظا كانوا يأبون إطلاقها. بل صار ما كان مشايخنا يرومون إلزامهم إياه أول ما يفتون به، و استغنوا عن الكلام في البدل و عن كثير من العبارات التي كانوا يحايلون بها (1) و ان كان لا محصول لها.

و مروا على جواز تكليف العاجز ما عجز عنه، و مطالبة الأعمى بالتمييز بين الألوان، و الزمن بصعود الأجبال (2)، و تعذيب الأسود [على سواده] (3). و الزمن

____________

(1) أى يحولون بتلكم الكلم عن معرفة الحقيقة.

(2) الزمن: من اصابته الزمانة، و هي العاهة، أو عدم بعض الأعضاء، أو تعطيل القوي.

(3) زيادة منا لإكمال الجملة.

280

على زمانته، تكلف الممنوع صعود السماء، و المشي على الماء، و رد الفائت و احياء الميت، و الجمع بين المتضادين (1)، و جعل المحدث و القديم محدثا و تعذيبه إذ هو لم يفعل ذلك.

و أجازوا في العقل أن يرسل اللّٰه تعالى الى عباده رسلا يدعون الى عبادة غير اللّٰه و الكفر، و أن يحسن ذلك منه و من الفاعل له عند أمره (2)، و أن يرد القيامة اثنان فيعذب أحدهما لأنه وحد اللّٰه و يعذب الأخر لأنه ألحد.

و أنكروا ألا يكون للحسن و القبيح في العقل حقيقة أصلا.

و بلغني أن فيهم من التزم أنه ليس في أفعال اللّٰه تعالى ما هو حسن، لأنهم لما عقلوا قبح القبيح بنهي اللّٰه عنه- و اللّٰه تعالى ليس بمنهي لم يصح منه شيء- لزوال علة القبيح من أفعاله.

قيل لهم: فكذلك فقولوا انه ليس في أفعاله حسن، إذ علة الحسن فينا، و هي الأمر زائلة (3) عن أفعاله.

و اتصل بنا أنهم مروا على ذلك فخالفوا نص القرآن و الإجماع، و خرجوا عن سائر الأديان، و لم يحجموا عن شيء، و ان ظهر أمره الا لخوف عاجل ضرره، و ألا يقبل العامة منهم، و ألا يعاديهم (4) السلطان عليه من جواز ظهور العجز على تكذيب (5) المدعي للنبوة. فأما من يدعي الإلهية لنفسه فقد أجازوا ذلك.

و سئلت أن أصرف طرفا من العناية إلى شرح هذا الفصل، و أن أذكر من

____________

(1) في الأصل «بين المتضادان».

(2) في الأصل «عند أمرد».

(3) كذا في النسخة.

(4) في الأصل «تعادهم».

(5) في الأصل «على الكذب».

281

ذلك طرفا مما أرتئيه (1) على أقصى ما في مللهم إن شاء اللّٰه، و به القوة.

[وجه عدم إظهار المعجزات على أيدي غير الأنبياء] يقال لهم: إذا أجزتم أن يصد اللّٰه تعالى العباد عن الدين و يستفسد المكلفين و يخلق الضلال في قلوبهم و الجحد في ألسنتهم، فلم لا يجوز أن تظهر المعجزات على المقتولين ليغتر بذلك المكلفون فيصدقوهم فيما هم فيه كاذبون؟

فان قالوا: لا يجوز، لأن المعجز لنفسه أو لكونه معجزا دال على صدق الصادق و نبوة النبي، فليس يجوز أن ينقلب عما هو عليه، و الا يخرج (2) من أن يكون دليلا على أن فاعله قادر.

قيل لهم: و لم زعمتم ذلك، و ما وجه دلالة المعجز على صدق من ظهر عليه و من أي وجه أشبه ما ذكرتموه؟

فان قالوا: بينوا أنتم وجه دلالة ما ذكرناه على ما زعمتم أنه دليل عليه.

بينا وجه ذلك و أوضحناه و نهجنا طريقه، ثم عدنا إلى المطالبة بوجه دلالة ما سألناهم عنه على المسامحة دون المضايقة.

فإن قالوا: لأنا رأينا دعاء كل منكذب في ذلك يسمع و العلم عند مسألته لا يقع فعلمنا أن من ظهر على يديه لا بد من أن يكون مباينا لغيره من المتخرصين، إذ لو كان كهم لوجب أن تقع عند كل داع و مسألة كل سائل.

يقال لهم: ما أنكرتم أن يكون الغرض في وقوعه دعوى بعضهم دون بعض هو الاستفساد و التلبيس و لظنوا ما قلتم انكم عملتموهم، فصح أن يكون غواية

____________

(1) في الأصل «طرقا ماى ارتاه».

(2) في الأصل «و الا ان يخرج».

282

و تلبيسا. و لو ظهر على يدي كل كاذب و صح لكل مدع لجرت العادة به، و لا يتم الغرض.

[لا يجوز كذب الرسول في اخباره] استدلال آخر:

ان قالوا: لو جاز أن يظهر المعجز على يدي الكذابين لم يجز أن يظهر على [يدي] (1) أحد من الصادقين، و لوجب أن يكون من ظهر عليه كاذبا في جميع ما يخبر به. كما أنه لما دل عندنا و عندكم على صدق الأنبياء لم يجز أن يقع منهم كذب، و في علمنا يصد من ظهر على يديه في كثير مما يخبر به، دليل على أن المعجز دليل الصدق لا الكذب.

يقال لهم: ان لم تمسكتم أن يكون دلالة على كذب الكاذب و انما سميناكم تلبيسا (2) و اضلالا، و ما كان كذلك فليس يجب أن يجري على طريقة واحدة.

و إذا كان هذا الزامنا سقط ما تعلقتم به.

و أيضا: فإن العلم ليس هو تصديق لمن ظهر عليه في كل ما يخبر به، و انما هو تصديق له فيما أخبر به من النبوة لنفسه و بحمله الرسالة عن ربه، و إذا كان كذلك ثبت أنه لم يظهر قط الا تصد لمن كذب في هذا المعنى، فأما صدقه في غير ذلك فلا تعلق له بالمعجز.

و انما قلنا نحن أن الرسول (عليه السلام) لا يجوز أن يكذب في شيء من أخباره لأن في كونه في غير ما أداه عن اللّٰه تعالى [يكون] (3) اتهاما له و تنفرا عنه، و ليس

____________

(1) زيادة منا لإتمام الكلام.

(2) كذا في النسخة.

(3) الزيادة منا و العبارة غير مستقيمة.

283

يجوز أن يرسل اللّٰه تعالى من يكون كذلك، كما لا يجوز أن يفعل شيء من ضروب الاستفساد. و هذه طريقته المستمرة على أصولكم، فالمطابقة بحالها.

فان قالوا: ليس يخلو المعجز من أن يكون دليلا على الصدق و الكذب، فان كان دليلا على الصدق فهو ما قلنا، و ان كان دليلا على الكذب لزم فيه ما ألزمنا.

قيل لهم: ما أنكرتم ألا يكون دليلا على أحدهما و أن يكون الغرض فيه هو التبيين على ما بينا فهل من فضل. و ما أنكرتم من أن يكون تصديقا لكاذب مخصوص و هو المدعي للنبوة فلا يوجد الا كذلك، فهل من شيء تدفعون به ما طولبتم (1) به، و لن تجدوا ذلك أبدا.

[استحالة القبيح على القديم تعالى] دليل آخر لهم:

ان قالوا: ان المعجز تصديق لم نظهر عليه، فكما لا يجوز أن يصدق اللّٰه تعالى أحدا- بأن يخبر بأنه صادق و هو كاذب- فكذلك لا يجوز أن يصدق لما يجري مجرى القول من الفعل.

يقال للنجارية منهم: المسألة عليكم في البابين واحدة، فلم لا يجوز ذلك.

و يقال للكلابية: نحن قلوبكم ذلك، فبم تتفضلون.

فان قالوا: قد ثبت أن اللّٰه تعالى صادق لنفسه أو أن الصدق من صفات ذاته، فليس يجوز عليه الكذب في شيء من أخباره، كما انه إذا كان عالما لنفسه لم يجز أن يجهل شيئا من معلوماته.

قيل لهم: هاهنا سلمنا لكم هذا الذي لا سبيل لكم اليه، و سنبين لكم بطلان

____________

(1) في الأصل «ما طولتم».

284

دعواكم له فيما بعد، و لكن كيف بناء ما سلمناكم عنه على ما سلمناه لكم، و ذلك أن الكذب ثم يمتنع وقوعه من القديم تعالى لقبحه، فلا يجوز أن يقع منه ما ضاهاه في القبح. و انما استحال عليه لأنه موصوف بضده لنفسه.

و ليس هذا المعنى موجودا فيما سألناكم عنه، لأن المعجز فعل من أفعال اللّٰه تعالى، فما الجامع بينهما. فلا يجدون شيئا.

[عدم جواز إضلال اللّٰه تعالى عن الدين] دليل آخر لهم:

ان قالوا: لو جاز أن يظهر اللّٰه المعجز على [أيدي] (1) الكذابين لكان لا سبيل لنا على الفصل بين الصادق [و الكاذب] (2) و النبي و المتنبي من جهة الدليل، و لكان القديم تعالى غير موصوف بالقدرة، على أن يدلنا على الفصل بينهما. و هذا تعجيز له، و قد دليل الدليل على أن القدرة من صفات ذاته، فما أدى (3) الى خلاف ما دل الدليل عليه فهو باطل.

قل لهم: فقولكم أداكم اليه، و ذلك أن كذب الكاذب إذا كان لا يخرج القديم من أن يكون قادرا على ما كان قادرا عليه و لم يكن قبح الفعل يؤمننا من وقوعه منه تعالى على قولكم، فما أنكرتم من أنه لا سبيل لنا و لا للقديم تعالى الى الفصل بين الصادق من جهة الدليل لا ترون أن من خالفكم في إجازة الضلال عن الدين على اللّٰه تعالى لقبح ذلك. كيف يمكنه أن يستدل بظهور المعجز على صدق من ظهر عليه و أنكم مختصون بتعذر ذلك عليكم على أصولكم. فهذا القول بمقتضى أصولكم

____________

(1) الزيادة منا لتكميل الكلام.

(2) الزيادة منا لتكميل الكلام.

(3) في الأصل «فما أدرى».

285

وقوع على مذاهبكم، فان كان قولكم صحيحا فهو صحيح فلا تأبوه (1)، و ان كان باطلا فقولكم الذي أدى اليه باطل.

أ رأيتم ان لو جعلنا ابتداء السؤال عن هذه فقلنا لكم: لو جاز أن يضل اللّٰه عن الدين يفعل غير ذلك من ضروب القبيح فما الدليل على أنه موصوف بالقدرة على الفصل (2) بين الصادق و الكاذب من جهة الدليل. فما كان يكون جوابكم عن هذا؟

فان قالوا: إذا ثبت أن القدرة من صفات ذاته، و كان هذا وجها يمكن الفصل فيه و طريقا يمكن سلوكه و يطرق منه الى الفرق بين النبي و المتنبي، وجب أن يكون القديم موصوفا بالقدرة. على أن يفرق لنا بينهما و لما كان ذلك تعجيزا.

قيل لهم: و لم زعمتم أن هذا وجه يمكن الفصل منه على تلك الأصول. و ما الفرق (3) بينكم و بين من قال: انه لو كانت العقول لا تدل على أن القبيح لا يجوز على اللّٰه تعالى و ان الإضلال عن الدين مانع منه (4) جائز في حكمه. لكان العقل مقتضيا أنه لا سبيل الى الفصل بين الصادق و الكاذب من جهة الدليل، و كان ذلك في قسم المحال الذي لا تصح القدر عليه و لا العجز عنه.

[تقسيم خاطئ في المعلومات] ثم يقال لهم: ليس في المعلومات ما لا يصح أن يعلم من وجه و يصح أن يعلم من غيره.

و لا يجب أن يقال: ان القديم لو لم يكن موصوفا بالقدرة- على أن تعلمناه

____________

(1) في الأصل «فلا يأتوه».

(2) في الأصل «على الفعل».

(3) في الأصل «و أما الفرق».

(4) كذا في النسخة.

286

من ذلك الوجه- لاقتضى ذلك تعجيزه و إخراجه عن منعه هو عليها لنفسه. و هذا كالعلم بما كان و يكون و سائر ما يجري به مجرى العلم بالغيب، فإنه لا يصح أن فعله بالأدلة العقلية.

و لا يوصف تعالى بالقدرة على أن ينعت لنا دليلا على وجوده عقليا و كونه أو يجعل الأجسام دلالة عليه كما يكون دلالة على اللّٰه تعالى. و ان جاز أن يعلمنا ذلك عند الإدراك و الخبر المتواتر و يضطرنا الى وجود ذلك ابتداء.

و كذلك ما تنكرون أن يكون تعذر وقوع العلم لنا من جهة الدليل بالفصل بين الصادق و الكاذب لا يوجب تعجيزه تعالى لإيصال (1) القدرة عنه عما يجوز القدرة عليه.

و يقال لهم: أ ليس ما جرت العادة به من نحو طلوع الشمس و غروبها و نحو ذلك، لا يصح أن يكون دليلا على نبوة أحد من الأنبياء، و لا يوصف القديم بالقدرة على أن يجعل دليلا على صدق أحد منهم و هو على ما هو عليه الان.

فإذا قالوا: بلى.

قيل لهم: فما أنكرتم ألا يكون في العقل دليل على الفصل بين الصادق و الكاذب، و ان كان ذلك ممكنا من غير جهة الدليل العقلي.

فإن قالوا: ان ما جرت به العادة قد كان ممكنا أن يجعله دليلا بأن لا تجري العادة به، فيكون حدوثه على ما يحدث عليه الان نقضا لعادة أخرى، فيستدل به على صدق من ظهر عليه.

قيل لهم: أ فحين جرت له العادة و ذلك هذا المعنى عنه (2)، أوجب ذلك خروج القديم عن صفة قد كان عليها لنفسه أو حدث وصفه بالقدرة على أن يجعله دليلا،

____________

(1) كذا في النسخة.

(2) كذا، و العبارة غير مفهومة عندي.

287

و العجز انما يصح القدرة عليه.

قيل لهم: فكذلك ما كان في الأصل مستحيلا أن يعلم بالأدلة العقلية لم يجز أن يقال: انه يقدر عليه أو يعجز عنه، و يعاد عليهم ما ذكرناه من العلم بالكائنات الغائبات.

[نفي الإضلال ليس من التعجيز في الفعل] ثم يقال لهم: بالفصل بينكم و بين من قال انه لو لم يجز أن يظهر اللّٰه المعجزات على النبيين لم يكن القديم تعالى موصوفا بالقدرة على أن يضل الناس عن الدين هذا الضرب من الضلال و أن يلبس عليهم هذا النوع من التلبيس، و قد ثبت أن القدرة من صفات ذاته و التلبيس من صفات فعله. و هذا وجه يمكن أن يضل منه عن الدين، فلو لم يصح أن يفعله لكان ذلك تعجيزا له.

فان قالوا: لا يكون ذلك تعجيزا، لأنه قادر على أن يضلهم بغير هذا الضرب من الإضلال.

قلنا لهم: فقولوا أيضا بما ألزمناكموه و لا يكون يعجز اللّٰه تعالى، لأنه قادر أن يعلمهم الصادق من الكاذب من جهة الدليل، بأن يضطرهم الى ذلك. و هذا هدم لهذا المذهب و قبض لألسنتهم عن الشغب.

فان قالوا: هو قادر على ذلك لكن لا يفعله لئلا يخرج بفعله إياه عن صفة (1) هو عليها لنفسه.

قيل لهم: ان خروج الشيء عن صفة هو عليها لنفسه لا يكون مقدورا، و ان كان مثل هذا يجوز أن يكون مقدورا فما أنكرتم أن يكون قد فعله، فخرج عن

____________

(1) في الأصل «عن صبغة».

288

تلك الصفة. و هذا ما أردنا الزامكموه من أقبح الوجوه.

فان قيل: أ لستم تجيزون وقوع ما علم اللّٰه تعالى أنه لا يكون و ان كان مما لو كان لكان حسنا لم يمنع أن يعلموا أنه لا يقع، و ان وقوع مثله جائزا مما هو حسن، فما أنكرتم أن يكون وقوع هذا الضرب من الإضلال غير جائز. و أن يصح أن يعلم أنه لا يقع و ان جاز وقوع غيره من الإضلال، و أن يكون المانع من هذين أن أحدهما مؤد إلى تجهيل اللّٰه و الأخر إلى تعجيزه. تعالى اللّٰه عن ذلك علوا كبيرا.

قيل لهم: انا لم نمتنع من اجازة كون ما علم اللّٰه أنه لا يكون، إذا أردنا بالجواز معنى الشك من حيث ذكرتم، لكن متى علمنا أن اللّٰه تعالى عالم بأن شيئا لا يكون فنحن عالمون بأنه لا يكون، لأنه لا يجوز أن نعلم أن عالما من العالمين قد علم كون شيء أو أنه مما لا يكون و نحن شاكون أو جاهلون بكونه أو أنه مما لا يكون، لأن العالم بأن العالم عالم لا بد من أن يكون عالما بأن معلومة على ما علمه عليه. و لهذا نظائر من مدلول الدليل و مخبر الحال [..] (1).

و نحو ذلك مما سألتم عنه انما أمنا من وقوعه علمنا بأنه لا يقع، و سؤالكم مبني على ذلك و الا بطل و اضمحل.

و ما ألزمنا يكون فإنما ادعيتم أنه مؤد لكم الى القول بما لا تلزمونه من تعجيز اللّٰه تعالى، فأريناكم أنه ان كانت أقوالكم (2) صحيحة فإنه لا يؤدي الى ذلك بل يؤدي الى حال القدرة على ما لا يصح أن يكون مقدورا، و ذكرنا له نظائر من خاص قولكم و مما نتفق فيه معكم مما يستحيل وصف القديم تعالى بالقدرة عليه، و لم يوجب ذلك تعجيزا له و لا إخراجه عن صفات ذاتية. و إذا كان هكذا فليس بين

____________

(1) بياض في النسخة.

(2) في الأصل «أموالكم».

289

ما ألزمناكموه و بين ما سألتم عنه سبب.

[معنى الضلال و الهدى و الحسن و القبح] ثم يقال لهم: انا نسألكم عن ضلال فرضنا في نفس المسألة أنه مما علم أنه لا نفع، كما سألتم عن هدى فرضتم في نفس المسألة أنه لا يقع. و انما سألناكم عن ضلال موقوف على الدليل و في جواز وقوعه.

و الشك في كونه يتكلم معكم: فليس يخلو من أن يكون مما يصح وصف القديم تعالى بالقدرة على إيجاده على الوجه الذي سألناكم عنه أولا يصح ذلك بل يستحيل، فان كان مما يستحيل وصفه بالقدرة عليه فليس يلزمكم إذا لم تصفوه بالقدرة عليه تعجيز اللّٰه تعالى، فلا تلزموا أنفسكم ذلك كما يلزمكم، و لا يلزمنا أيضا تعجيز اللّٰه تعالى متى لم نصفه بالقدرة على ما يستحيل أن يكون مقدورا من الجمع بين المتضادات و سائر المحالات.

و ان كان مما يصح وصف القديم بالقدرة عليه فما الذي آمن من وقوعه، فان الحال عندنا يختلف في مقدورات القديم و يتفق عندكم، و ذلك أن سنخ القبيح يؤمننا من وقوعه منه تعالى لأدلتنا المشهورة في ذلك، و ما ليس بقبيح فلا سبيل لنا الى الامتناع من تجويزه. و لا يؤمنا من وقوعه الا الخبر الصدق إذا ورد بنفي وقوعه.

و جميع مقدورات القديم عندكم بمنزلة الحسن من مقدوراته عندنا، لأن قبح القبيح لا يعجز عن فعله، بل لا يصح منه شيء. و على قولكم فلا أمان لكم من وقوع شيء من ذلك الا من جهة الخبر.

فإذا كنا انما نكلمكم في الطريق التي منها يعلم صحة الخبر، فقد انسدت عليكم

290

الطريق التي تؤمن من وقوع ما سألناكم عنه. و هذا كما ترى يوجب عليكم الانسلاخ من جميع الأديان و الشرائع و الشك في سائر الرسل (صلوات اللّٰه عليهم). و لم يجدوا عن ذلك مذهبا الا بترك قولهم.

[وصف القديم تعالى بما لا يوصف] ثم يقال لهم: أ يوصف القديم تعالى بالقدرة على ان يظهر المعجزات على [أيدي] (1) الكذابين.

فان قالوا: لا يوصف بالقدرة على ذلك.

قيل لهم: فهل يقتضي ذلك تعجيزه تعالى و خروجه عن صفة من صفات ذاته.

فان قالوا: لا.

قيل لهم: فلم تنفروا من شيء أحلتم وصفه بالقدرة على وجه دون وجه، و ذلك أن كذب هذا الكافر هو الذي أحال وصف القديم تعالى بالقدرة على إظهار المعجز على يده و لو صدق لم يستحل ذلك. فإذا جاز أن يوصف على شيء و على بعض الوجوه دون بعض، فلم لا يجوز أن يوصف بالقدرة على الفصل بين الصادق و الكاذب من وجه دون وجه. و هذا الاضطرار دون الاكتساب.

و ان قالوا: ان القديم تعالى موصوف على إظهار المعجز على [أيدي] (2) الكذابين.

قيل لهم: فما الذي يؤمن من فعله.

فان قالوا: لو فعله يخرج من أن يوصف بالقدرة على الفصل بين الصادق

____________

(1) زيادة منا.

(2) زيادة منا.

291

و الكاذب من جهة الدليل.

قيل لهم: فكأنه يقدر أن يخرج نفسه من أن يكون قادرا على ما يصح وصفه بالقدرة عليه.

فان قالوا: نعم.

قيل لهم: فما يؤمنكم أن يفعل ذلك، فان خرج من أن يكون قادرا، لأن خروجه عن كونه قادرا لو كان أمرا مستحيلا لما صح أن يكون مقدورا لقادر، كما أنه لو جعل محدثا و المحدث قديما لما كان مستحيلا، لم يصح أن يتعلق بقدرة قادرا (1).

فان قالوا: لا نقول بأنه لو فعل لخرج من أن يكون قادرا على ما يصح وصفه بالقدرة عليه، لكن لو فعله لاستحال وصفه بالقدرة على الفصل بين الصادق و الكاذب من طريق الدليل.

قيل لهم: لا ضير، فما تنكرون أن يفعله و ان استحال ذلك بعد فعله، فإن منزلة هذا يكون بمنزلة نفس الشيء أنه متى أوجده فصار موجودا باقيا استحال وصفه (2) بالقدرة على إيجاده. و إذا كان هذا هكذا فما الذي يؤمنكم من وقوعه، فلا يجدون سعيا فضلا عن جهة.

[نقل كلام للشيخ المفيد] و قد ألزمهم الشيخ أبو عبد اللّٰه في أصل هذا الكلام، فقال: ما الفصل بينكم و بين من قال: و لو جاز أن يضل اللّٰه عن الدين لكنا لا نأمن أن يكون جميع ما فعله

____________

(1) أي في حال كونه قادرا.

(2) في الأصل «وصف».

292

ضلالا و لو لم يصل الى الفرق بين الضلال و الهدى، و لكان القديم تعالى لا يوصف بالقدرة على الفصل بين الضلال و الهدى.

فإن قال منهم قائل: ان ما يفعله القديم تعالى و لم يتعلق لنا به أمر و لا نهي فليس بضلال و لا هدى و ما أمر به و نهي عنه، فليس الأمر و النهي دليلين على كونه هدى و ضلالا بل هما علة كونه كذلك. و ليس المعجز كذلك، لأنه انما يدل على صدق الصادق و ليس هو ما به (1) يكون الصادق صادقا، و إذا كان هكذا لم يكن هذا الإلزام نظيرا لما قلناه.

فان نقلتم الكلام الى أن الهدى و الضلال و الهدى لم يكن ضلالا و هدي إلا بالأمر و النهي. أخرجتم هذه المسألة إلى شيء آخر.

يقال لهم: أ ليس ما أمر اللّٰه تعالى من الاعتقادات و الاخبار عن المحرمات و ما فعله من ذلك فينا، لا يدل فعله له و أمره به على أن معتقد الاعتقاد و مخبر الخبر على ما هما به لا يمتنع أن يكون الاعتقاد جهلا و الخبر كذبا، و لا يكون فعله و أمره دليلين على أن مخبر الخبر الذي أمر بفعله و معتقد الاعتقاد الذي تولى فعله أو أمر به على ما هو عليه، و لا يوصف بالقدرة على أن يدل على حق ذلك من باطله.

فإذا قالوا: بلى.

قيل لهم: و لم يخرج بهذا عندكم عن صفة هو عليها في ذاته و لا أوجب صفة نقص له، فما أنكرتم أنه لا يمكن أن يجعل المعجز دليلا على صدق من ظهر عليه، و لا يوجب ذلك تعجيزا له و لا خروجه عن صفة من صفات ذاته. فقد بان صحة ما ألزمهم إياه بطريق الكلام فيه.

فان قالوا: أنهم أيضا يقولون: انه لا سبيل الى ابتداء الاستدلال على أن اللّٰه

____________

(1) في الأصل «ماله».

293

حكيم لا يفعل القبيح بأمره أو بفعله إياه قبل الأدلة العقلية التي هي تدل على أن القبيح لا يجوز عليه، فكيف أنكرتم مثل هذا علينا؟

قيل له: بمثل ما قلنا طلبناك، و ذلك أنه لما كان ابتداء الاستدلال بذلك غير ممكن أحلناه و قلنا: ان القديم تعالى لا يجوز أن يوجب الاستدلال به، و لا أن يجعله دليلا على ما لا يمكن أن يستدل به علينا.

فان كنا قد بينا أن الاستدلال بالمعجز على سياق يحب أن يكون كذلك، فلا نقول: انه لو لم يكن الفصل به بين الصادق و الكاذب لأدى ذلك الى تعجيز اللّٰه تعالى، إذ المحال لا يصح القدرة عليه و لا العجز عنه، كما قلنا نحن فيما ذكرته عنا. فقد بان أنه لا متعلق لهم بشيء من الرسل على وجه لا سبب. نعوذ باللّه من الحيرة في الدين.

[معجزية القرآن الكريم] فأما القرآن فإنه يعلم أنه كلام اللّٰه تعالى أو حكاية لكلامه أو إفهام لكلامه- على ما يطلقه بعضهم- بخبر الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله). و ذلك أنه لا يمتنع أن يخلق اللّٰه تعالى القدرة على نظمه و العلم بكيفية تأليفه و وصفه على الوجه الذي لكونه عليه يكون بليغا فصيحا قدرا من الفصاحة و البلاغة لم تجر العادة بمثله في بعض البشر، أما من جاء به أو في ملك من الملائكة أو لجني من الجن و نحو ذلك.

و إذا كان هذا سابقا في قدرة اللّٰه تعالى و لم يكن قبح ذلك و كونه استفسادا مانعا من وقوعه من اللّٰه تعالى و كنا قد بينا أن العلم بصدق الرسول متعذر على أصولهم. فلا طريق لهم الى العلم بأنه كلام اللّٰه تعالى عينا أو حكاية أو إفهاما.

فان قالوا: قد علمنا أنه لم يكن من كلام رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) لعلمنا

294

بمقدار كلامه (عليه السلام) في الفصاحة و البلاغة، لما تأدى إلينا من خطبه و محاوراته في المواضع التي كان يقصد فيها إلى إيراد فصيح الكلام و يتعمل لذلك و يجتهد فيه، فوجدنا ذلك اجمع ناقصا عن رتبة القرآن في الفصاحة و البلاغة مقدارا لم تجر العادة بوقوع مثله بين كلام البشر، فأمننا ذلك من أن يكون من كلامه.

قيل لهم: ما أنكرتم من أن يكون القديم تعالى هو الذي يقدره و يخلق فيه العلم بالفصاحة متى عزم و ان يحتر من (1) عليه و يدعي الرسالة منه، و ينزع ذلك منه عند مخاطباته و خطبه تلبيسا و اضلالا و غرابة و استفسادا. و إذا كان هكذا فلم لا يكون من كلامه.

ثم لم لا يجوز أن يكون من كلام غير البشر كالجن و الملائكة، فإنكم لا تقفون على قدر فصاحة أولئك و بلاغتهم و بأي منظوم الكلام و منثوره لهم.

و يقال للنجارية منهم: لم تدفعون أن يكون في اخبار القرآن و ان كان كلام اللّٰه تعالى ما هو كذب و كان فيها ما هو صدق، لأن الكلام فعل من أفعاله. فكما لا يمتنع أن يكون في أفعاله الجور و العدل و الحسن و القبيح لم يجز أن يكون فيها الكذب و الصدق و الباطل و الحق. فلا تجدون شيئا سوى ما تقدم و قد نقضناه.

[مناقشة الكلابية في كلام اللّٰه تعالى] و قد يتوهم الكلابية أنها تعتصم من هذا الإلزام بقولها: انه تعالى صادق و الصدوق من صفات ذاته، فليس يجوز أن يوصف بهذا للصدق. و يستدلون بأنه صادق بأن يقولوا: ان القرآن قد تضمن ما لا يشك في أنه كالخبر عن الليل و النهار و السماء و الأرض و نحو ذلك، فإذا حصل صادقا في شيء لم يجز أن يكون كاذبا

____________

(1) كذا في الأصل.

295

في غيره، لأن الصدق من صفات ذاته.

فيقال لهم: أ ليس قد ثبت أنه صادق في بعض ما يصح أن يكون صادقا عنه دون بعض، و لا يجوز أن يكون عالما ببعض ما يصح ان يكون عالما به و لا قادرا على بعض ما يصح أن يكون قادرا عليه دون بعض.

فان قالوا: بلى.

قيل لهم: فما أنكرتم أن كان يكون كاذبا في بعض ما يصح أن يكون صادقا عنه و ان لم يجب أن يكون جاهلا ببعض ما يصح أن يكون عالما به و لا قادرا على بعض ما يصح أن يكون قادرا عليه.

فإذا قالوا: هو صادق في جميع ما يصح أن يكون صادقا عنه الا انه لم يحك ذلك لنا أو لم يفهمناه.

يقال لهم: خبرونا عن هذه الحكاية و الأفهام أ ليسا من صفات فعله و لا من صفات ذاته.

فإذا قالوا: بلى.

قيل لهم: أ هي في نفسها كلام و اخبار.

فإن قالوا: لا.

قيل: فكيف تعلمون أن اللّٰه تعالى قد صدق في شيء، و ما يعني ذلك و ما سمعتم كلامه و انما تعلمون عقلا أنه لم يزل متكلما انتفى الخرس و السكوت عنه على ما يدعون ذلك الخرس و السكوت قد ينتفيان بالكذب كما ينتفيان بالصدق و بغير ذلك من ضروب الكلام. فلم قلتم انه صادق و لم تسمعوا كلاما صدقا و لا كذبا، و ما يدريكم لعله كاذب لنفسه أو الكذب من صفات ذاته.

فان قالوا: هذه الحكاية نفسها كلام.

296

قيل لهم: و من المتكلم بها.

فان قالوا: القديم تعالى.

قيل لهم: يجوز أن يوصف بأنه متكلم من وجهين: من صفات ذاته، و من صفات فعله.

فان قالوا: نعم.

قيل لهم: فما أنكرتم أن يكون صادقا من صفات ذاته كاذبا من صفات فعله.

فان قالوا: لو لزمنا هذا للزمكم ان يكون عالما لنفسه جاهلا بجهل محدث.

قيل لهم: لو قلنا ان أحدنا ان يكون عالما بعلم يفعله مع كونه عالما لنفسه للزمنا ما ألزمناكم، لكنا نجيز ذلك (1) و أنتم قد أجزتموه في الكلام، فما الفصل؟

فان قالوا: ان المتكلم بهذه الحكاية غير اللّٰه.

قيل لهم: فما أنكرتم ان ذلك الغير هو الكاذب دون اللّٰه، فلم قلتم أن يكون القديم صادقا لذاته يوجب أن يكون ذلك الغير صادقا في كلامه.

فإذا قالوا: لأنه حكاية لكلامه (2) بخبر الحاكي أو بأن سمعتم كلام اللّٰه، فان كنتم سمعتم كلام اللّٰه تعالى و ليس هو هذا، فأسمعونا إياه و عرفونا اين هو و ممن سمعتموه، و ان كنتم انما سمعتم كلام الحاكي و إضافته إياه الى اللّٰه فلم زعمتم أن ذلك الحاكي قد صدق على قوله ان هذا المسموع منه حكاية كلام اللّٰه. فلا يجدون في ذلك شغبا.

ثم يقال لهم: ان الحكاية للكلام انما يكون بإيراد مثله أو بذكر معانيه،

____________

(1) في الأصل «نخير ذلك».

(2) هنا سقط و الكلام غير مستقيم.

297

و المحدث لا يكون مثل القديم، فإذا هو المسموع (1) انما هو خبر عن كلام اللّٰه، فما أنكرتم أن يكون كذبا ممن وقع من قديم أو محدث، و أن يكون كون القديم تعالى صادقا لنفسه لا يمنع من أن يكون هذه كذبا.

فان قالوا: ليست بكلام أصلا.

قيل لهم: فقد زال الشغل عنها بها، لم زعمتم أن اللّٰه صادق أو قد صدق في شيء من كلامه. و هذا مما لا حيلة لهم فيه تعالى.

ثم يقال لهم: كيف تعلمون أن الخبر عن السماء و الأرض و عما زعمتم أنه صدق لا شك فيه من اخبار القرآن خبرا عما تناوله اللفظ حتى قضيتم أنه صدق، و الصدق لا يكون صدقا حتى يكون خبرا حتى يعرف قصد المخبر به الى المخبر عنه، و الألغاز و التعمية قد تعور (2) في الكلام، و هما باب من التلبيس و الإضلال.

فلم لا يجوز أن تكون ألفاظ القرآن كلها خارجة عن تلك الوجوه، فلا يكون فيها شيء قصد به الخبر عما تتأوله اللفظ. و هذا أيضا لا حيلة لهم فيه.

ثم يقال لهم: خبرونا عن الرسول نفسه كيف يعلم أن القرآن كلام اللّٰه أو حكاية لكلامه، و ليس يأبى (3) أن يكون الملك قد ادعى إرساله به، إذ لا يأبى أن يكون قادرا على أمثاله. و ليس يمكنه حجة من عقل، فمنع بها من اجازة التلبيس على اللّٰه تعالى و التمكين من ذلك.

و عصمة الملائكة إنما يعلم سمعا، و تجويز خلقهم على ما ورد السمع يعلم عقلا فكيف يعلم أنه رسول اللّٰه؟

____________

(1) لعل العبارة «فإذا هذا المسموع».

(2) كذا في الأصل.

(3) في الأصل «و ليس باين».

298

بل كيف لا يجوز أن يكون اللّٰه هو الذي أمر بالتكذيب عليه، و مما ذا تعلمون أن مطيع اللّٰه مؤد لرسالته دون أن يكون متمردا عليه، و قد قلتم ان التلبيس يجوز على اللّٰه. و هذا أيضا مما لا حيلة لهم فيه.

فان قالوا: الرسول يعلم صحة ما أخبر به الملك اضطرارا، و كذلك نحن نعلم أن الرسول إلينا صادق اضطرارا.

قيل لهم: أ فيصح أن يعلم ذلك استدلالا.

فان قالوا: نعم. طولبوا بالحجة و ليس الى ذلك طريق. فان قالوا: لا.

قيل لهم: قد صرتم الى ما كنتم تمتنعون منه من أنه لا يوصف القديم بالقدرة على أن يدل على صدق الصادق.

و الفرق بين النبي و المتنبي من أصح الوجوه، و إذا صح (1) هذا فما أنكرتم أن يكون المنتظر في هذا هو وقوع العلم الضروري بصدق الرسول، فأما العلم بوجوده و عدمه فيستبان.

فان قالوا: هو كذلك.

قيل لهم: فظهوره الان على الكاذبين أجور ما يكون إذا كان لا معتبر به و ان يوجب اللّٰه علينا تصديق من لا علم له.

فان مروا على ذلك قيل لهم: فليس لهم للرسل بمعجزة حجة، و انما يدعى على ضمائر الناس أنهم يعلمون صدقه و يقولون: انا لا نعلم سياق ذلك، و لا يمتنع أن يكون من المتنبي الذي يعارضه معجز يحتج به، و هو خال من ذلك لا يدلي بحجة.

____________

(1) في الأصل «و انا صح».

299

و هذا خروج من جميع الأديان و الملل، و لا مذهب لكم عنه الا بترك مذهبكم.

و ليس لذكر الإجماع في هذا مدخل، و لا يتعلق به من يفهم شيئا، لأن الإجماع إنما يعلم سمعا لقول الرسول، لو لا ذلك لم يكن إجماع المسلمين أولى بالصحة مما اجمع عليه غيرهم من طريق الرأي و دخول الشبهة.

300

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

301

(58) (مسألة في نكاح المتعة)

302

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

303

بسم اللّٰه الرّحمن الرّحيم

مسألة خرجت في محرم سنة سبع و عشرين و أربعمائة، قال الشريف المرتضى (رحمه اللّٰه):

[دحض أدلة القائلين بفساد المتعة]

استدل بعضهم على [فساد] نكاح المتعة بأنه نكاح لا يصح دخول الطلاق فيه، فوجب الحكم بفساده قياسا على كل الأنكحة الفاسدة.

فيقال للمستدل بذلك: هذه طريقة قياسية، و قد دللنا في مواضع من كتبنا على أن القياس في أحكام الشريعة غير صحيح. و إذا سلم استظهارا صحة القياس جاز أن يقال لمن تعلق في ذلك: دل على صحة هذه العلة و ان الحكم في الأصل متعلق بها.

فإذا قال: ما اعتاد الفقهاء المطالبة بذلك، و انما تقع الدلالة على صحة علة الأصل عند المعارضة.

قلنا: ما امتنع محصل من أصحاب القياس من المطالبة بصحة العلة في الأصل،

304

و انما لجئوا الى المناقضة إذا أمكنت و المعارضة، لأن بالمعارضة يخرج الكلام في صحة العلة و بأي شيء تعلق حكم الأصل، و الا فلو طولب المحتج بالطريقة القياسية- بأن يدل على صحة علته- لما قدر على دفع ذلك.

فان استدل على صحتها بالاطراد و الانعكاس. فليس ذلك بحجة في صحتها، و قد نص محصلو أصحاب القياس على أن الطرد و العكس لا يدل على صحة العلة و انما يدل على صحتها بيان تأثيرها في الحكم الذي علقت. و هيهات أن يبين صاحب هذه الطريقة تأثير إمكان الطلاق في صحة العقد.

[جواز انفصال بعض الاحكام عن بعض] ثم يقال له: إمكان الطلاق حكم من أحكام النكاح، كما أن التوارث من الزوجين حكم من أحكامه. و ليس يجب إذا تعذر في بعض الأنكحة بعض أحكام النكاح أن يحكم بفساد العقد. أ لا ترى أن نكاح الذمية عندكم صحيح و التوارث لا يثبت فيه، و هو حكم من أحكام النكاح، و ليس يجب أن يقضى بفساد هذا العقد من حيث تعذر فيه هذا الحكم المخصوص.

فلو استدل مستدل على أن نكاح الذمية فاسد، بأنه لا توارث فيه، و قاسه على الأنكحة الفاسدة. أ لستم انما كنتم تفزعون الى مثل ما ذكرناه، من أنه غير ممتنع أن يعرض في بعض الأنكحة ما يمنع من حكم ثابت و في غيره.

فإذا قلتم: المعنى الذي عرض في نكاح الذمية يمنع من التوارث معقول، و هو اختلاف الملة.

قلنا: أ ليس هذا المانع من التوارث- و هو من أحكام النكاح كالطلاق- لا يمنع من صحة هذا النكاح.

305

و بعد، فالمانع من دخول الطلاق في نكاح المتعة أيضا مفهوم، و هو أنه نكاح مؤجل إلى وقت بعينه. فلم يحتج الى طلاق، لأن انقضاء المدة في ارتفاع هذا النكاح يجري مجرى الطلاق. فالطلاق انما دخل في النكاح المؤبد لأنه مستمر على الأوقات، فيحتاج الى ما يقطع استمراره و يوجب الفرقة، و ليس كذلك المتعة.

فإن قالوا: لا نسلم أن التوارث حكم الأنكحة على الإطلاق، بل هو نكاح منتفى الملة.

قلنا: و لا نسلم نحن أن إمكان الطلاق من حكم كل نكاح، بل هو من أحكام النكاح المؤبد.

[العلل غير مطردة لكي يقاس عليها] ثم يقال له: ما أنكرت أن يكون المتعة من الأنكحة الفاسدة: ان الطلاق لا يدخلها و لا ما يقوم مقامه في الفرقة، و ليس كذلك نكاح المتعة لأنه لا يدخله الطلاق، فان فيه ما يقوم مقامه في وقوع الفرقة و هو انقضاء المدة.

و بعد، فان موضع هذا القياس فاسد، لأنه يقتضي فساد نوع من أنواع النكاح من حيث فيه شروط باقي أنواعه، و قد علمنا أن البيع بيع موجود حاضر و بيع على جهة السلم، و ليس نجد شروط السلم في بيع الموجود و لا شروط الموجود في السلم، و لم يوجب ذلك فساد البيوع المختلفة. فكذلك الأنكحة المختلفة غير ممتنع اختلاف شروطها و ان عم الجميع الصحة.

على أن هذه العلة لو كانت صحيحة لما اجتمعت (1) مع إباحة نكاح المتعة، و قد علمنا بلا خلاف أن نكاح المتعة كان في صدر الإسلام مباحا، و انما ادعى قوم

____________

(1) في الأصل «لما اجتمع».

306

أنه حظر بعد ذلك و نسخت إباحته، فكيف تجتمع علة الحظر مع الإباحة.

و إذا كانت علة حظر هذا النكاح أن الطلاق لا يدخل فيه و كونه مما لا يدخله الطلاق قد كان حاصلا مع الإباحة المتقدمة بلا خلاف، و ذلك دليل واضح على فساد هذه العلة.

و ما يفسد به هذا القياس كثير و في هذا القدر كفاية.

307

(59) (نقد النيسابوري في تقسيمه للاعراض)

308

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

309

بسم اللّٰه الرّحمن الرّحيم

مسألة:

قال رضي اللّٰه عنه: تصفحت الأوراق التي عملها أبو رشيد سعيد بن محمد (1) في ذكر أنواع الأعراض و أقسامها و فنون أحكامها، فوجدتها قد أخل بأيام (2) كان يحب أن يذكرها كما ذكر ما يجري مجراها، و أخل أيضا في تقسيماته بأقسام و تمثيلاته بأشياء لا بد من ذكرها.

و اني أشير الى ذلك حتى تتكامل بما استدركته و لما تقدمه جميعا ما [لا بد منه] (3) في هذا الباب بمشيئة اللّٰه تعالى و عونه و حسن معونته.

____________

(1) أبو رشيد سعيد بن محمد بن حسن بن حاتم النيسابوري، من كبار المعتزلة و أخذ عن القاضي عبد الجبار المعتزلي و انتهت إليه الرئاسة بعده، و كانت له حلقة في نيسابور ثم انتقل إلى الري و توفى بها نحو سنة 440 (الاعلام للزركلى 3- 101).

(2) كذا في الأصل و لعل الصحيح «بأشياء».

(3) العبارة منا و بياض في الأصل.

310

[أقسام الاعراض]

الأعراض على ضربين: [ما] (1) يوجب أن يختص به حالا، و الأخر لا يوجب حالا و ما يوجب حالا على ضربين: ضرب يوجب حال الحي، و الضرب الأخر يوجب الحال لمحله.

فأما الذي يوجب حالا لحي فأنواع: الاعتقادات، و الإرادات، و الكراهات، و الظنون، و القدرة، و الحياة، و الشهوة و أضدادها، و النظر.

و أما ما يوجب حالا لمحله فهو أنواع الأكوان. و أما ما لا يوجب لحي و لا لمحل فما عدا ما ذكرناه.

و ينقسم ما لا يوجب حالا لمحل و لا حمله الى ضربين: فضرب يوجب لمحله حكما، و ضرب لا يوجب ذلك، و الأول هو التأليف إذا كان التزاما و الاعتقادات، و الثاني- و هو ما لا يوجب حالا و لا حكما- هو: المدركات من الألوان، و الطعوم، و الأرياح، و الحرارة، و البرودة، و الأصوات، و الآلام.

و الأعراض على ضربين: ضرب يصح أن يتعلق بكل حي من قديم و محدث و يوجب له حالا، و الضرب الأخر لا يصح أن يتعلق الا بالمحدث خاصة. و ليس فيها ما يختص بالقديم تعالى، و لا يصح تعلق جنسه و لا نوعه بالمحدث.

فأما ما يتعلق بكل حي من قديم أو محدث فالارادات و الكراهات و ما عداها من التعلقات، لا يصح إذا يوجب حالا الا للمحدث دون القديم.

و الأعراض على ضربين: ضرب لا يصح خلو الجواهر من نوعه، و ضرب يصح خلوها و تعريها من أجناسه و أنواعه.

____________

(1) زيادة منا لاستقامة الكلام.

311

فالأول هو نوع الأكوان، لأن الجواهر لا يصح مع وجودها أن تعرى من نوع الكون، لأن الجوهر مع تحيزه لا بد من اختصاصه بالجهة و لا يكون فيها ألا يكون.

و الضرب الثاني هو ما عدا نوع الأكوان، لأنه يصح أن تعرى الجواهر من كل ما عدا الأكوان من المعاني.

الإعراض على ضربين: ضرب يدل على حدوث الأجسام و الجواهر، و الضرب الأخر لا يدل على ذلك. فالضرب الأول هو الأكوان لأنها المختصة، فان الجواهر لا تخلو من نوعها. و الثاني ما عدا الأكوان، لأنه إذا جاز خلو الجواهر منها فلم تدل على حدوثها و ان كانت هذه المعاني محدثة لتقدم الجوهر لها خالية منها.

و الأعراض على ضروب ثلاثة: ضرب لا يكون الا حسنا أو لا قبح فيه، و الضرب الأول العلوم و النظر عند أبي هاشم، فإنه يذهب الى أن العلم و النظر لا يكونان الا حسنين، و عند أبي علي أنه قد يجوز أن يكونا قبيحين، بأن يكونا مفسدة.

و الضرب الثاني: الجهل، و الظلم، و الكذب، و ارادة القبيح، و كراهة الحسن، و الأمر بالقبيح و النهي عن الحسن، و تكليف ما لا يطاق. و هذا الضرب كثير و انما ذكرنا الأصول.

و هذا الضرب على ضربين: أحدهما لا يمكن على حال من الأحوال ألا يكون قبيحا، و الثاني يمكن على بعض الوجوه ألا يكون قبيحا.

فمثال الأول الجهل المتعلق باللّه تعالى، كاعتقاد أنه جسم أو محدث. و من مسلة (1) ما يعلق بالجهل بما لا يجوز تغير حاله و خروجه على صفته، كاعتقاد أن

____________

(1) كذا في الأصل.

312

السواد متحيز و ان الجوهر له ضد غيره من الأجناس.

و يجوز أن يلحق بهذا الضرب ارادة الجهل الذي ذكرناه أولا و الأمر به، لأنه كما لا يجوز تغير المراد عن قبحه لا يجوز قبح الإرادة المتعلقة به.

و مثال الضرب الثاني- و هو ما لا يمكن على بعض الوجوه ألا يكون قبيحا- الجهل المتعلق بما يجوز تغير حاله و الظلم و الكذب و باقي القبائح التي عددناها.

و انما قلنا ان الجهل المتعلق بما يجوز أن لا يكون قبيحا و لا جهلا، لأنه إذا اعتقد أن زيدا في الدار في حالة مخصوصة و لم يكن فيها في تلك الحال فاعتقاده جهل، الا أنه كان يمكن ألا يكون جهلا، بأن يكون زيد في الدار في تلك الحال.

و الضرر الذي هو ظلم كان يمكن أن يكون عدلا، بأن يقع على خلاف ذلك الوجه، و قد يكون أيضا من جنسه ما ليس بظلم. و كذلك الكذب فيه الوجهان اللذان ذكرناهما معا.

و أما الضرب الثالث فهو باقي الإعراض، لأن الحسن و القبح يمكن أن يدخل في الجميع على البدل.

و ما يقبح من أعراض على ضربين: أحدهما يختص بوجه قبح لا يكون لغيره و ان جاز أن يقبح للوجه الذي يعمه و يعم غيره. و الضرب الأخر إنما يقبح لوجه مشاركة فيه كل القبائح.

فمثال الأول الألم إذا كان كذبا و ارادة القبيح و كراهة الحسن، لأن الظلم وجه قبيح يختص به و لا يشاركه في هذا الوجه سواه. و كذلك الكذب و ارادة القبيح و كراهة الحسن.

و انما قلنا انه يجوز مع هذا الاختصاص أن يشارك باقي القبائح في وجه القبيح لأنه يجوز أن يعرض الظلم أو الكذب أو إرادة القبيح أو كراهة الحسن أن يكون

313

مفسدة أو عبثا، فيقبح لذلك.

فأما مثال الضرب الثاني مما يقبح لوجه مشترك فهو سائر الأعراض، لأنه لا شيء منها الا و قد يجوز أن تعرض فيه المفسدة أو يكون عبثا، فيقبح لذلك.

و اعلم انه لا يمكن أن تجتمع وجوه القبح كلها في عرض واحد حتى يكون عبثا ظلما كذبا ارادة بقبيح كراهة لحسن مفسدة عبثا لنا في هذه الوجه، و أكثر ما يجتمع فيه من وجوه القبح أن يكون العرض مثلا ظلما كذبا و يتفق أن يكون مفسدة و عبثا. و كذلك القول في الكذب و ارادة القبيح و كراهة الحسن إذا اتفق في كل كل واحد منها المفسدة و العيب، فاعلم ذلك.

[إخلال النيسابوري في تقسيم الاعراض] فأما الذي أخل بذكره في خلال تقسيمه، فإنه لما قسم الأعراض في تماثل و اختلاف و تضاد ذكر في قسمة التماثل الذي لا اختلاف فيه و لا تضاد التأليف و الحياة و القيمة (1) و الألم، و أخل بذكر الحرارة و البرودة و الرطوب و اليبوسة. و هذه أجناس تجري مجرى ما ذكره في أنها متماثلة لا مختلف فيها و لا متضاد.

و لما ذكر قسم ما هو متماثل و متضاد و لا يدخله المختلف الذي ليس بمتضاد ذكر الألوان و الطعوم و الأرياح و أخل بذكر الأصوات، و هي عند أبي هاشم متماثلة و متضادة بغير مختلف ليس بمتضاد.

فان اعتذر باعتذار هو أن الأصوات غير متضادة، فقد كان يجب أن يذكرها في باب المتماثل و المختلف مع الاعتمادات و الإرادات و الكراهات و الشهوة و البقاء و النظر، و لا هاهنا ذكرها و لا هناك. فان [كان] (2) متوقفا في القطع بتضاد

____________

(1) كذا في الأصل.

(2) زيادة منا لاستقامة الكلام.

314

المختلف منها فقد كان يجب أن يذكر توقفه، و أنها مع التوقف اما أن تكون داخلة في المختلف الذي ليس بمتضاد مع الاعتمادات و الإرادات و مع الذي هي مختلفة كالألوان و الأكوان، و هذا إخلال.

و لما ذكر أقسام الأعراض المتعلقات و كيفيات تعلقه ذا أخل بقسمة من ضروب تعلقها كان ينبغي أن يذكرها، و هي: ان المتعلقات على ضربين: ضرب متعلق بغير واحد تفصيلا من غير تجاوز له كالاعتقادات و الظن و الإرادة و الكراهة و النظر، و الضرب الآخر يتعلق بما لا يتناهى كالشهوة و النفار و القدرة فيما يتعلق به من الأجناس أو الجنس الواحد في المحال و الأوقات، لأنها انما يتعلق بالواحد من غير تعدله (1) إذا كان الجنس و المحل و الوقت واحدا.

و أخل بقسمة أخرى في المتعلقات، لأنها على ضربين: أحدهما متعلق بمتعلقه على الجملة و التفصيل، و هو الاعتقادات أو الإرادات أو الكراهات. و الضرب الثاني لا يتعلق الا على طريق سبيل التفصيل، و هو القدر و الشهوات و النفار.

و لما ذكر كيفية تولد الأسباب المولدة و على النظر و الاعتماد و الكون أخل بقسمة في هذه المولدات كان يجب ذكرها، و هي أن يقال: ان الأسباب المولودة على ضربين: ضرب تولد في الثاني، و الضرب الأخر تولد في حاله. فمثال الأول النظر و الاعتماد، و مثال الثاني الأكوان.

و لما ذكر قسمة ما يدرك من الأعراض و أن فيها ما يكفي في إدراكه محل الحياة و فيها ما يحتاج إلى بنية زائدة، أخل لما ذكر أقسام ما لا يكفي في إدراكه محل الحياة بالاراييح، فإنه ذكر الألوان و الطعوم و ترك ذكر الأراييح.

و أخل أيضا بقسمة في كيفية إدراك هذه المدركات واجب ذكرها هي: ان هذه

____________

(1) كذا في الأصل.