رسائل الشريف المرتضى - ج4

- السيد المرتضى المزيد...
355 /
315

الأعراض المدركات على ضروب: منها ما يدرك بمحله، و منها ما يدرك في محله و منها ما يدرك محله من غير إدراك محله و لا انتقاله إلى حاسة الإدراك. فالأول هو الألم، و الثاني هو اللون و الحرارة و البرودة و الأصوات و الطعوم و الأراييح، و الثالث هو الألوان.

316

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

317

(60) (مسائل شتى)

318

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

319

بسم اللّٰه الرّحمن الرّحيم

(1) [صيغة البيع]

مسألة خرجت في محرم سنة سبع و عشرين و أربعمائة، قال الشريف المرتضى (رحمه اللّٰه):

عد الشافعي أن رجلا إذا قال لغيره «بعني كذا» فقال «بعتك» كان ذلك إيجابا و قبولا و انعقد البيع، و قال في النكاح بمثل ذلك. و يحتاج عنده في البيع إذا كان «بعتك» أن يقول «اشتريت» حتى يكون قبولا صحيحا.

و الذي يقوى في نفسي أن النكاح كالبيع في افتقاره الى صريح القبول، فإذا قال له «زوجني» فقال له الولي «زوجتك» لا بد من أن يقول «قد قبلت هذا العقد». و كذلك إذا قال له في البيع «بعني» فقال «قد بعتك» لا بد من أن يقول المبتاع «قد اشتريت» حتى يكون قبولا.

و الدليل على صحة ما ذهبنا اليه أن قوله «زوجني» أو «بعني» أمر و سؤال على حسب الحال في رتبة القائل و المقول له، فإذا قال له «بعتك» أو «زوجتك»

320

لا بد له من قبول صريح، و ليس في قوله «بعني» أو «زوجني» ما ينبئ عن القبول، لأن الأمر لا يفهم منه ذلك. أ لا ترى أنه لو قال له «أ تبيعني» أو قال «أ تزوجني» قال الأخر «بعتك» فإن أحدا لا يقول ان ذلك يغني عن القبول، فكذلك إذا قال «بعني» أو «زوجني».

فإن قيل: انما لم يغن «أ تبيعني» عن القبول لأنه استفهام لا يدل على إرادة الأمر للمأمور به، فقام مقام القبول دون الاستفهام.

قلنا: الأمر و ان دل على الإرادة و لم يدل الاستفهام عليها فليس بقبول صريح.

أ لا ترى أنه لو قال مصرحا «أنا مريد للنكاح أو البيع» لم يكن ذلك قبولا، فإذا كان التصريح بكونه مريدا لا يغني عن لفظ القبول فأجدر أن لا يغني عن لفظ القبول الأمر الذي يدل على الإرادة.

و انما ضاق الكلام على أبي حنيفة في هذه المسألة مع الشافعي، لأن الشافعي يحمل البيع على النكاح و لم يختلفا في النكاح. و نحن نسوي بين الأمرين في أنه لا بد من قبول صريح فيهما، فليس يتوجه كلام الشافعي علينا.

فان قال الناصر لأبي حنيفة: ان العادة بالسوم في البيع جارية، فإذا قال له «بعني» فإنما هو مستام، فإذا قال «بعتك» يحتاج الى قبول مجدد. و ليس كذلك النكاح، لأن العادة لم تجر فيه بالمساومة بقوله «زوجنيها» عن أن يقول «تزوجت».

قلنا: الخطبة في النكاح كالسوم في البيع، و قد جرت العادة بأن يخطب الرجل و يعرض نفسه في عقد النكاح على غيره كما جرى في البيع بالمساومة، فلا يجب أن يجعل قوله «بعني» و لا «زوجني» مفهوما منه القبول في الموضعين و لا بد من قبول صريح.

و الذي يكشف عن صحة ما ذكرناه أنه لو قال له «ابتع مني هذا الثوب»

321

فقال «قد ابتعته» لا يكون قوله «ابتع مني» إيجابا حتى يقول «قد بعتك»، فكذلك لا يكون قوله «بعني» قبولا حتى يقول «اشتريت»، و كذلك القول في النكاح.

و العلة الجامعة بين الأمرين أن الإيجاب غير مفهوم من لفظ الأمر، و كذلك القبول لا يفهم من لفظ الأمر فلذا اعتبروا الإرادة و ان قوله «بعني» يدل على الإرادة و مع هذا فلم يغن ذلك عن لفظ الإيجاب الصريح.

(2) [ألفاظ الطلاق]

مسألة خرجت في شهر ربيع الأخر سنة سبع و عشرين و أربعمائة، قال رضي اللّٰه عنه:

أن اعتمد بعض أصحابنا في أن الطلاق الثلاث بلفظ واحد، غير أن من قال «أنت طالق ثلاثا» [كان] (1) مبدعا مخالفا لسنة الطلاق، فيجب أن لا يقع طلاقه كما لا يقع طلاق البدعة إذا كان في حيض أو طهر فيه جماع و ما جرى مجرى ذلك.

الجواب:

ان تلفظه بالطلاق و قوله «أنت طالق» و الشروط متكاملة ليس بدعة، و انما أبدع إذا أتبع ذلك بقوله «ثلاثا»، و قوله «ثلاثا» ملغى لا حكم له، و الطلاق واقع بقوله «أنت طالق» مع تكامل الشروط، كما لو قال «أنت طالق» و شتمها و لعنها لكان مبدعا بذلك و طلاقه واقع لا محالة.

و ليس كذلك الطلاق في الحيض، لأنه منتهى عن التلفظ بالطلاق في وقت

____________

(1) الزيادة منا.

322

الحيض، و النهي بظاهره يقتضي الفساد في الشريعة و لا تتعلق به أحكام الصحة.

و مما يوضح ذلك: أنه لو قال لها «أنت طالق» ثم اتبع ذلك في المجلس أو بعده بقوله «و أنت طالق» لكان عندنا مبدعا و طلاقه واقعا لا محالة، بإدخاله الطلاق على الطلاق من غير مراجعة بينهما.

و مع هذا فلا يقدر أحد من أصحابنا على أن يقول: ان تطليقة واحدة ما وقعت بقوله الأول «أنت طالق» و ان اتبع ذلك لما هو مبدع فيه من التلفظ ثانيا بالطلاق فكذلك لا يمنع قوله «ثلاثا» الذي هو مبدع من التلفظ به من أن يكون قوله «أنت طالق» الذي لم يكن مبدعا واقعا.

(3) [استمرار الصوم مع قصد المنافي له]

مسألة

قال رضي اللّٰه عنه:كنت أمليت قديما مسألة أنظر منهما (1) أن من عزم في نهار (2) شهر رمضان على أكل و شرب أو جماع يفسد بهذا العزم صومه، و نظرت ذلك بغاية الممكن و قويته، ثم رجعت عنه في كتاب الصوم من المصباح و أفتيت فيه بأن العازم على شيء مما ذكرناه في نهار شهر رمضان بعد تقدم نيته و انعقاد صومه لا يفطر به، و هو الظاهر الذي تقتضيه الأصول، و هو مذهب جميع الفقهاء.

و الذي يدل عليه: أن الصوم بعد انعقاده بحصول النية في ابتدائه، و انما يفسد بما ينافي الصوم من أكل أو شرب أو جماع، و لا منافاة بين الصوم و بين عزيمة

____________

(1) كذا في الأصل.

(2) في الأصل «أن من عينهم لانهار».

323

الأكل و الشرب.

فإذا قيل: عزيمة الأكل و ان لم تناف (1) الصوم فمتى تنافي نية الصوم التي لا بد للصوم منها و لا يكون صوما الا بها، لأن نية الصوم إذا كانت عند الفقهاء كلهم هي العزيمة على الكف عن هذه المفطرات و على ما حددتموه في المصباح هي العزيمة على توطين النفس على الكف إذا صادفت هذه العزيمة نية الصوم التي لا بد للصوم منها أفسدت الصوم.

قلنا: عزيمة الأكل لا شبهة في أنها تنافي عزيمة الكف عنها، لكنها لا تنافي حكم عزيمة الصوم و نيته و حكم النية نفسها، لأن النية إذا وقعت في ابتداء الصوم استمر حكمها في باقي اليوم و ان لم تكن مقارنة لجميع أجزائه و أثرت فيه بطوله.

و عندنا ان هذه النية- زيادة على تلك- مؤثرة في كون جميع أيام الشهر صوما و ان لم تكن مقارنة للجميع.

و قد قلنا كلنا ان استمرار حكم النية في جميع زمان الصوم ثابت و ان لم تكن مقارنة لجميع أجزائه، و لهذا جوزنا و جوز جميع الفقهاء أن يعزب عن النية و لا يجددها و يكون صائما مع النوم و الإغماء. و نحن نعلم أن منافاة عزيمة الأكل لعزيمة الكف و كذلك منافاة النوم و الإغماء لها.

أ لا ترى أنه لا يجوز أن تكون النية عارية عنه في ابتداء الصوم و يكون مع ذلك صائما، و كذلك لا يجوز أن يكون في ابتداء الدخول في الصوم نائما أو مغمى عليه، و لم يجب أن ينقطع استمرار حكم النية بتجدد عزوب النية و لا يتجدد نوم أو إغماء مع منافاة ذلك لنية الصوم لو تقدم و قاربها. كذلك لا يجب إذا تقدم منه

____________

(1) في الأصل «و ان لم تتساق».

324

الصوم بالنية الواقعة في ابتدائه ثم عزم في خلال النهار على أكل أو غيره من المفطرات لا يجب أن يكون مفسدا لصومه، لأن حكم الصوم مستمر.

و هذه العزيمة لا تضاد بينها و بين استمرار حكم الصوم و ان كانت لو وقعت في الابتداء لخرجت عن الانعقاد. و انما كان في هذا المذهب شبهة على الصائم تجديد النية في جميع أيام الصوم و أجزاء الصوم، و إذا كانت لا خلاف بين الفقهاء و أن تجديد هذه النية غير واجب لم يبق شهرة في أن العزيمة عن الأكل في خلال النهار مع انعقاد الصوم لا يؤثر في فساد الصوم، إذ لا منافاة بين هذه العزيمة و بين الصوم و استمرار حكمه، و انما يفسد الصوم بعد ثبوته و استمرار حكمه لما نافاه من أكل أو شرب أو جماع أو غير ذلك مما اختلف الناس فيه.

و على هذا الذي قررناه لا يكون من أحرم إحراما صحيحا بنية و حصلت في ابتداء إحرامه عزم في خلال إحرامه على ما ينافي الإحرام من جماع أو غيره مفسدا لإحرامه، بل حكم إحرامه مستمر لا يفسده الا فعل ما نافى الإحرام دون العزم على ذلك. و هذا لا خلاف فيه.

و كذلك من أحرم بالصلاة ثم عزم على شيء أو التفات أو على شيء من نواقض الصلاة لم يفسدها للعلة التي ذكرناها.

و كيف يكون العزم مفسدا كما يفسده الفعل المعزوم عليه الشرعي، و قد علمنا أنه ليس في الشريعة عزم له مثل حكم المعزوم عليه الشرعي البتة.

أ لا ترى [أن] (1) من عزم على الصلاة لا يجوز أن يكون له حكم (2) مثل حكم فعل الصلاة الشرعي، و كذلك من عزم على الوضوء.

____________

(1) الزيادة منا.

(2) في الأصل «حظ».

325

و انما اشترطنا الحكم الشرعي، لأن العزم في الثواب و استحقاق المدح حكم المعزوم عليه، و كذلك العزم على القبيح مستحق عليه الذم كما يستحق على الفعل القبيح، و ان وقع اختلاف في تساويه أو قصور العزم في ذلك عن المعزوم عليه.

و مما يدل على صحة ما اخترناه أنه لو كان عزيمة الأكل و ما أشبهه من المفطرات يفسد الصوم لوجب أن يذكرها أصحابنا في جملة ما عددوه من المفطرات المفسدات للصوم التي رووها عن أئمتهم (عليهم السلام) و أجمعوا عليها بتوقيفهم حتى ميزوا ما يفطر و يوجب الكفارة و بين ما يوجب القضاء من غير كفارة، و لم يذكر أحد منهم على اختلاف تصانيفهم و رواياتهم أن العزم على بعض هذه المفطرات يفسد الصوم، و لا أوجبوا فيه قضاء و لا كفارة، لو كان العزم على الجماع جاريا مجرى الجماع لوجب أن يذكروه في جملة المفطرات و يوجبوا فيه إذا كان متعمدا القضاء و الكفارة كما أوجبوا متناوله من ذلك.

فان قيل: فما قولكم في من نوى عند ابتداء طهارته بالماء ازالة الحدث ثم أراد أن يطهر رأسه أو رجليه غير هذه النية فنوى بما يفعل النظافة و ما يجري مجراها مما يخالف ازالة الحدث.

قلنا: إذا كانت نية الطهارة لا يجب إذا وقعت النية في ابتدائها أن تجدد حتى يقارن جميع أجزائها، بل كان وقوعها في الابتداء يقتضي كون الغسل و المسح طهارة، فالواجب أن نقول: متى غير النية لم يؤثر هذا التغيير في استمرار حكم النية الأولى. كما أنه لو عزم أن يحدث حدثا ينقض الوضوء و لم يفعله لا يجب أن يكون ناقضا لحكم الطهارة و لم يجر العزم على الحدث في الطهارة مجرى المعزوم نفسه.

و هذا الذي شبه مسألة الصوم و انا فرضنا من عزم على الفطر في خلال النهار و قلنا انه بهذا العزم لا يفسد صومه.

326

و أيضا فإنه يمكن أن يفصل بين الوضوء و بين الصوم: بأن الصوم لا يتبعض و لا يكون بعض النهار صوما و بعضه غير صوم و ما أفسد شيئا منه أفسد جميعه.

و كذلك القول في الإحرام بالحج و الدخول في الصلاة و الوضوء يمكن فيه التبعيض و أن يكون بعضه صحيحا و بعضه فاسدا.

فلو قلنا انه إذا نوى ازالة الحدث و غسل وجهه ثم بدا له فنوى النظافة بما يفعله من غسل يديه أو غسل بدنه تكون هذه النية للنظافة لا لإزالة الحدث و لا تعمل فيه النية الأولى لجاز، و لكنا نقول له أعد غسل يديك ناويا للطهارة و ازالة الحدث و لا نأمره بإعادة تطهير وجهه بل البناء عليه. و هذا لا يمكن مثله في الصوم و لا في الإحرام و لا في الصلاة.

فإن قيل: و أكثر ما يقتضيه ما بينتموه أن يكون الصوم جائزا بقاء حكمه مع نية الفطر في خلال النهار، فمن أين لكم القطع على أن هذه النية غير مفسدة على كل حال؟

قلنا: كلامنا الذي بيناه و أوضحناه يقتضي وجوب بقاء حكم الصوم طول النهار و ان (1) وقعت في ابتدائه، و نية الأكل غير منافية لحكم الصوم و انما هي منافية لابتداء نية الصوم كما قلنا في عزوب النية و الجنون و الإغماء، و إذا كان حكم نية الصوم مستمرا و العزم على الأكل لا ينافي هذا الحكم على ما ذكرناه قطعنا على أنه غير مفطر، لأن القطع على المفطر انما يكون بما هو مناف للصوم من أكل أو شرب أو جماع، و العزيمة خارجة عن ذلك.

و أنت إذا تأملت في كلامنا هذا عرفت فيه حل كل شبهة تضمنتها تلك المسألة التي كنا أمليناها و نصرنا فيها أن العزم مفطر، فلا معنى لأفرادها بالنقض.

و قد مضى في تلك المسألة الفرق بين تلك الصلاة و بين الإحرام و الصوم،

____________

(1) في الأصل «و إذا».

327

و لا فرق بين الجميع، فمن قال ان العزم على ما يفسد الصوم يبطل الصوم يلزمه مثل ذلك في الصلاة، و من قال انه لا يبطله يلزمه أن يقول مثل ذلك في الصلاة و الإحرام.

و مضى في تلك المسألة أن من فرق بنية دخوله في الصلاة العزم على المشي أو الكلام فيها تنعقد صلاته. و هذا غير صحيح، لأنه يعني الصلاة في الشريعة تتضمن أفعالا و تروكا، و الأفعال كالركوع و السجود و القراءة و التروك كالكف عن الكلام و الالتفات و المشي و ما أشبه ذلك، فكيف يجوز أن يكون عازما في ابتداء الصلاة على أن يتكلم أو يمشي و تنعقد صلاته، و من جملة معاني الصلاة أن لا يتكلم.

و لو جاز هذا جاز أن تنعقد صلاته مع عزمه في افتتاحها العزيمة على حدث من بول أو غيره، لأن الحدث و ان أبطل الصلاة فالعزيمة عليه لا تبطلها، لأنه لا منافاة بينه و بينها، و بين عزمه على المشي منافاة لنية الصلاة من الوجه الذي ذكرناه.

(4) [اضافة الأولاد إلى الجد إضافة حقيقية]

مسألة:

ما تقول في رجل من ولد أبي طالب تزوج امرأة حسنية فرزقا مولودا فخرجت قسمة رسم مخرجها ان تفض على ولد فاطمة (عليها السلام) هل يستحق به هذا المولود من الحسنية أو الحسينية سهما لولادته من مولاتنا فاطمة (صلوات اللّٰه عليها) بما تقدم من قيام الدلالة من كتاب اللّٰه تعالى أن ولد البنت ولد الجد على الحقيقة، تفتينا في ذلك مأجورا.

328

الجواب:

ولد البنت يضافون الى جدهم إلى أمهم إضافة حقيقية، فمن وصى بمال لولد فاطمة (عليها السلام) كان عاما في أولاد بنيها و أولاد بنتها، و الاسم يتناول الجميع تناولا حقيقيا.

(5) [تحديد نسبة الأولاد إلى الإباء]

مسألة:

ما تقول في من وقف على ولده و ولد ولده ذكورهم و إناثهم بالسوية بينهم أبدا ما تناسلوا، فتزوجت احدى بناته برجل من غير الواقف فرزق ولدا، فهل يستحق من الوقف ما يستحق أولاد الرجل لصلبه بالدلالة القائمة من كتاب اللّٰه تعالى أن ولد البنت ولد الصلب حقيقة لا مجازا، أفتنا في ذلك.

الجواب:

إذا أطلق الواقف القول بأن الوقف على ولده دخل فيهم ولد الأنثى البنت كدخول ولد الذكر، لأن الاسم يتناول الجميع على سبيل الحقيقة. اللهم الا أن يستثنى اللفظ و يخصصه بما يخرج منه ولد البنت، و الا فالإطلاق يقتضي ما تقدم ذكره.

(6) [الفرق بين نجس العين و نجس الحكم]

مسألة:

سئل رضي اللّٰه عنه عن معنى قول القائل: هذا نجس العين و هذا نجس الحكم

329

يبين ذلك. و هذا وقع نجس الحكم في الماء منجس أم لا؟

فأجاب بأن قال:

الأعيان لا تكون نجسة، لأنها عبارة عن الأجسام، و هي جواهر متركبة، و هي مماثلة. فلو نجس بعضها تنجس سائرها، و كان لا فرق بين الخنزير و بين غيره من الحيوان في النجاسة، و قد علم خلاف ذلك. و التنجيس حكم شرعي، و لا يقال نجس العين الا على وجه المجاز دون الحقيقة.

و الذي يدور بين الفقهاء في قولهم «نجس العين» و «نجس الحكم» محمول على ضرب من تعارفهم، و هو أن كل ما حكم بنجاسته في حال الحياة و حال الموت و لم يتغير أجزاء هذا الوصف عليه قالوا «نجس العين» كالخنزير، و ما اختلف حاله فحكم عليه في بعض الأحوال بالطهارة و بعض الأحيان بالنجاسة قالوا «نجس الحكم».

أ لا ترى أن ما تقع عليه الذكاة كالشاة و غيرها يحكم بطهارته حيا و بنجاسته إذا مات، و الكافر يحكم بنجاسته في حال كفره و بطهارته عند إسلامه، فأجروا على ما اختلف حاله بأنه نجس الحكم و على ما لزمته صفة النجاسة في جميع الأحوال بأنه نجس العين.

و قد علمنا أن الجنب يجري عليه الوصف بأنه غير طاهر، و معلوم أن نجاسته حكمية. و أمثال هذا يتسع و المذكور منه فيه كفاية.

(7) [تنجس البئر ثم غور مائها]

مسألة:

بئر سقطت فيها نجاسة و غار ماؤها حتى لم يبق منه فيها شيء قبل التعرض

330

لنزحها ثم ظهر فيها الماء بعد الجفاف، ما حكم ذلك الماء الذي ظهر فيها من نجاسة أو طهارة؟

الجواب:

انني لست أعرف في هذه المسألة نصا، و الذي توجبه الأصول أن يقال: ان الماء الذي ظهر في البئر بعد الجفاف على أصل الطهارة و غير محكوم بنجاسة.

و الوجه في ذلك: أن الماء الذي حكمنا بنجاسته من أجل مخالطته لسنا نعلم أ هو الماء الذي ألان في البئر بعد جفافها و الا انه العائد (1) إليها، لأنه جائز أن يكون ذلك الماء الظاهر في البئر انما هو من مواد لها وجهات انضب إليها، و إذا لم يقطع على نجاسة هذا الماء فهو على أصل الطهارة.

و ليس لأحد أن يقول: ظهور الماء عقيب الجفاف أمارة على أن العائد هو الماء الأول المحكوم بنجاسته. و ذلك أن ما ذكر (2) ليس بأمارة على عود الماء النجس، لأن جواز ظهور الماء بعد جفاف البئر من مواد ينضب إليها و اتصلت بها كتجويز ظهور الماء بعود الماء الأول إليها، و لا ترجيح لإحدى الجهتين على الأخر، فلا أمارة في ظهوره على أنه هو الماء الأول، و لم يبق في أيدينا الا التجويز بنجاسة كل ما يجوز أن يكون خالطته بنجاسة.

فإن قيل: هذه بئر تعلق عليها الحكم بوجوب النزح فيجب أن ينزح على كل حال.

قلنا: يعنى وجب نزح البئر لا نزاح البئر نفسها، لأن نزحها نفسها لا يمكن و انما يتعلق النزح بما فيها، و إذا وجب نزح ماء بئر لأجل نجاسة ثم فقد ذلك الماء

____________

(1) لعل الصحيح «أو أنه العائد».

(2) في الأصل «و ذكر أن ما ذكر».

331

فقد زال الحكم بوجوب النزح عن هذه البثر.

و ليس لأحد أن يقول: أن أرض البئر و جوانبها التي أصابها الماء النجس تنجس، فإذا تجدد عليها ماء جديد يحكم بنجاسته. لأن هذا يقتضي غسل البئر بعد نزح مائها، و هذا لا يقوله محصل.

[8] [استحقاق مدح الباري على الأوصاف]

مسألة خرجت في صفر سنة سبع و عشرين و أربعمائة، قال (رحمه اللّٰه):

اعلم أنه لا يجب أن يوحش من المذهب فقد الذاهب اليه و العابر عليه، بل ينبغي أن لا يوحش عنه الا ما لا دلالة يعضده و لا حجة تعمده.

و لما فكرت فيما يمضي كثيرا في الكتب من أن القديم تعالى يستحق المدح عليه أنه تعالى لا يفعل القبيح، و رأيت أن إطلاق ذلك غير تفصيل و ترتيب غير صحيح على موجب الأصول الممهدة.

و الذي يجب أن يقال: انه تعالى من حيث أنه لم يفعل القبيح لا يستحق المدح التابع للأفعال لكنه يستحق المدح بذلك من حيث كان تعالى على صفات تقتضي إلا يختار فعل القبيح، كما يستحق تعالى المدح بكونه قديما و عالما و حيا و قادرا، و ان كان هذا المدح الذي يستحقه ليس هو كالمدح المستحق على الأفعال.

و الذي يدل على ما ذكرناه: أنه جل و عز لا يختار القبيح، اما لثبوت الصارف عنه، و هو كونه تعالى عالما بقبحه و أنه غني عنه، أو من حيث أنه لا داعي إلى فعله، على اختلاف عبارة الشيوخ عن ذلك، فجرى مجرى من لا يختار القبيح منا بالإلجاء الى أن لا يفعله في أنه لا يستحق مدحا. أ لا ترى أن أحدا لا يستحق المدح

332

بألا يقتل نفسه و ولده و يتلف أمواله، لأن ذلك مما لا يجوز وقوعه منه للصارف القوي عنه.

و ليس لهم أن يفرقوا بين الأمرين بالإلجاء و يقولون: ان أحدنا ملجأ الى أن [لا] (1) يقتل نفسه و يتلف ماله للمضرة التي تلحقه بذلك، و القديم تعالى غير ملجأ الى أن لا يفعل القبيح.

لأن المضار التي بها يكون الإلجاء لا تجوز عليه، و ذلك أن المعول على المعاني دون العبارات، و انما كان أحدنا ملجأ الى أن [لا] يقتل نفسه لثبوت الصارف القوي عن ذلك و انه ممن لا يجوز أن يختاره و حاله هذه.

و هذه حال القديم تعالى في كونه غير فاعل، لأن ذلك انما اعتبر استعماله في من ألجأه غيره و حمله اما على أن يفعل أو على أن لا يفعل.

و قولهم في الكتب: أن الإلجاء إذا لم يكن من باب المنع فلا يحصل الا بالمضار الحاضرة. تحكم غير مسلم، لأن الإلجاء في الموضع الذي ذكروه معلوم سقوط المدح فيه، فيحتاج الى أن يعلل بأنه لم يسقط المدح فيه عن الفاعل، و إذا فعلنا ذلك لم نجد علة إلا خلوص الصارف و أنه لا يجوز من العاقل و الحال هذه أن يفعل ما خلص الصارف عن فعله.

و هذا بعينه ثابت في الأفعال القبيحة مع اللّٰه تعالى، لأنه جل اسمه لا يجوز البتة أن يختار القبيح، لأن علمه بقبحه و بأنه غني عنه صارف، فلا يجوز معه وقوع القبيح على وجه من الوجوه، فينبغي أن يسقط المدح كما يسقط في الموضع الذي ذكروه.

و ليس بنا حاجة الى المضايقة في تسمية ذلك إلجاء، فلا معنى للخلاف في العبارات.

____________

(1) الزيادة منا.

333

و كيف يجوز أن نقول: حكم الإلجاء مقصور على المضار الحاصلة. و عندنا ان هاهنا ضربا من الإلجاء بغير المضار، و هو أن يعلم اللّٰه تعالى القادر أنه متى رام الفعل منعه منه.

فإذا قالوا: ان الإلجاء إذا لم يكن بالمنع- و هو وجه الذي ذكرتموه- فلا يكون بالمضار.

قلنا: إذا كان الإلجاء فلا يكون بالمضار و قد يكون بالوجه الذي سميتموه، فألا جاز ثلاث و هو الوضع الذي أشرنا إليه، لمساواته في الحكم للوجهين اللذين ذكرتموهما، لأن الوجهين اللذين عنيتم انما كان لهما حكم الإلجاء لخلوه من الصارف و القطع على أن الفعل لا يجوز البتة وقوعه، و هنا ثابت فيما ذكرناه.

فان قالوا: قد ثبت أن أحدنا لو استغنى بحسن عن قبيح- بأن يقدر وصول صاحبه الى درهم يعلم أنه يصل اليه بكل واحد من الصدق و الكذب- فانا نعلم أنه لا يختار و حاله هذه الا الصدق، و مع هذا فإنه يستحق المدح على امتناعه من القبيح مع ثبوت الصارف عنه، و هو الاستغناء بالصدق عنه. فيعلم بذلك أن القديم تعالى يستحق المدح و إذا لم يفعل القبيح، لأن الحالين واحدة.

قلنا: و من الذي يسلم لكم أن أحدنا إذا استغنى بالصدق عن الكذب و حاله ما ذكرتم يستحقه بامتناعه من الكذب مدحا، فدل على ذلك فإنه دعوى منكم، و هيهات أن يتمكنوا من الدلالة عليه.

و لو جاز أن يستحق مدحا و حاله هذه على امتناعه من القبيح لجاز أن يستحق المدح على امتناعه من القبيح مع الإلجاء، فأي فرق بين الأمرين و الصوارف ثابتة و الدواعي مرتفعة، و القطع على أنه لا يجوز أن يفعل القبيح و حاله هذه حاصل على أن أحدنا لو استحق المدح في هذا الموضع- و ان القول أيضا الأصح

334

أنه لا يجوز أن يستحقه- بينه و بين القديم تعالى [..] (1) منفعة في الكذب و داع اليه على كل حال، و ان [..] (2) فيما يصل اليه بهما من النفع، و القديم تعالى لا حاجة له و لا منفعة تتعلق بكل واحد من [..] أحدهما قبيح صارف خالص من فعله و استحقاق المدح مع ذلك بعينه (3).

فان قالوا: فيجب على هذا أن لا يمدح من لا يفعل القبائح حتى يعلم من حاله أنه امتنع مع الحاجة إليها و أنه ليس بمستغن عنها.

قلنا: كذلك، و من الذي يقول ان كل ممتنع من القبيح لا لقبحه بل لغير ذلك لا يستحق مدحا، فنحن لا نمدح الممتنع من القبيح الا بعد أن نعلم أنه امتنع منه لقبحه. و كذلك لا قدح إلا إذا علمنا له اليه داعيا و لا لمدحه مع خلوه من الصوارف عنه.

فان قالوا: فيجب [..] يستحق المدح من فعل الواجب.

قلنا: أما الضرب من المدح الذي يستحق على الأفعال فيجب أن لا يستحقه تعالى على فعل الواجب، لأنه لا داعي له إلى الإخلال به كما قلناه في فعل القبيح لكنه يستحق على ذلك الضرب الأخر من المدح الذي تقدمت الإشارة إليه كما يستحق هذا القبيح بأن لا يفعل القبيح.

فان قيل: فكيف قولكم في استحقاقه تعالى المدح على الإحسان و التفضل.

قلنا: يجب أن يستحق بذلك المدح المستحق بمثله على الأفعال، لأن الإحسان مما يجوز- و هو على ما هو عليه- أن يفعله و أن لا يفعله، و ليس اليه داع موجب لا بد معه من فعله و لا عن الامتناع منه صارف خالص لا بد من ارتفاعه معه، و الدواعي

____________

(1) بياضات في الأصل.

(2) بياضات في الأصل.

(3) في الأصل «فعينه».

335

و الصوارف مترددة، و الدواعي إليه كونه إحسانا و الصارف كونه غير واجب على الفاعل، فإذا اختار فعله فلا بد من استحقاق المدح.

فان قالوا: فيجب مع امتناع (1) أحدنا من القبيح الذي يستغنى عنه بالحسن أن يستحق الضرب الأخر من المدح الذي قلتم ان القديم تعالى يستحقه على أنه لم يفعل القبيح.

قلنا: لا يجب ذلك، لأن القديم تعالى انما لا يختار القبيح لكونه تعالى على صفات نفسه يقتضي ذلك يستحق بها المدح و التعظيم من كونه تعالى غنيا عالما، و هذا غير ثابت في أحدنا. و انما اتفق لأمر عارض كان يجوز ألا يحصل استغناؤه عن القبيح بالحسن، من غير أن يكون له في نفسه وجه لاستحقاق ضرب من ضروب المدح.

فان قيل: هذا الذي حررتم يخالف كل شيء سطره الشيوخ قديما في هذه المسألة.

قلنا: الذي ذكروه أنه تعالى يستحق المدح بألا يفعل القبيح، و قد قلنا بذلك و دللنا عليه، فما خالفنا ظاهر ما أطلقوه و ان كانوا [..] (2) الضرب الأخر من المدح الذي من شأنه أن يسقط عن خلوص الصوارف فقد زلوا في ذلك، و الزلل جائز عليهم لا سيما في هذه المواضع [..] (3).

(9) [المنع من العمل بأخبار الآحاد]

مسألة خرجت في شهر ربيع الأول سنة سبع و عشرين، قال رضي اللّٰه عنه:

____________

(1) في الأصل «مع امتنع»

(2) بياض في الأصل.

(3) بياض في الأصل.

336

فيما يجب الاعتماد في فساد العمل بأخبار الآحاد في الشريعة قوله تعالى «وَ لٰا تَقْفُ مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ» (1) و قوله تعالى «وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللّٰهِ مٰا لٰا تَعْلَمُونَ» (2)، و كل آية تنهى فيها عن الفعل من غير علم، و هي كثيرة.

و لما كان بخبر الواحد في الشريعة عاملا به الظن من غير علم لصدق الراوي يوجب أن يكون داخلا تحت النهي.

فان قالوا: في العامل بخبر الواحد علم و هذا العلم بصواب العلم بقوله و حسنه و ان لم يكن عالما بصدقه فلم يجب العلم من العمل (3)، و انما نهى تعالى عن العمل الذي لا يستند إلى شيء من العلم.

قلنا: اللّٰه تعالى نهى عن اتباع ما ليس لنا به علم، [و لو علمنا] (4) بخبر الواحد فقد قفونا ما ليس له علم، لأنا لا ندري أصدق هو أم كذب، و العلم بصواب العمل عنده هو علم به، و أقوى العلوم به العلم بصدقه، و ليس ذلك بموجود في العمل بخبر الواحد، فيجب أن يكون النهي متناوله.

فان قيل: نهينا (5) عن أن نقتفي ما ليس لنا به علم، و نحن إذا عملنا بخبر الواحد فإنما اقتفينا بخبر قول الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله) الذي يعبدنا بالعمل به و الدليل الدال على ذلك و لم نتبع قول الخبر الواحد.

قلنا: ما اقتفينا الا بقول الخبر الواحد و لا عملنا الا على قوله، لأن عملنا مطابقا لما أخبرنا به مطابقة يقتضي تعلقها به. و انما الدليل في الجملة عند من ذهب

____________

(1) سورة الإسراء: 36.

(2) سورة البقرة: 169.

(3) في الأصل «فلم يجب العمل من عمل».

(4) زيادة منا.

(5) في الأصل «لقينا».

337

الى هذا المذهب الى وجوب العمل بخبر الواحد العدل و على طريق التفصيل انما نعمل بقول من أخبرنا بتحليل شيء بعينه أو تحريمه.

و بعد، فلو سلمنا أنا مقتفون قول النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) لكان لا بد من كوننا مقتفين أيضا قول المخبر لنا بالتحليل أو التحريم. أ لا ترى أن قوله (عليه السلام) لو انفرد عن خبر المخبر (1).

فان قيل: هذا سيبطل بالشهادات، و قيم المتلفات، و جهة القبلة، و مسائل لا تحصى.

قلنا: أخرجنا هذه المواضع كلها من ظاهر الآية بدليل و بقي موضع الخلاف متناولا حكمه للظاهر.

و يمكن أيضا أن يستدل على أن الظن عند خبر الواحد في الشريعة لا يجوز العمل عنده، و كذلك في القياس الشرعي، بأن اللّٰه تعالى ينهى في الكتاب عن اتباع الظن و العمل به، و ظاهر ذلك يقتضي العمل به و لا عنده في موضع من المواضع، و لما دلت الأدلة الظاهرة على العمل عند الظنون في مواضع من الشريعة خصصنا ذلك بتناوله النهي و بقيت مسائل الخلاف يتناولها الظاهر و لا نخرجها منه الا بدليل، و لا دليل يوجب إخراجها.

(10) [الجسم لم يكن كائنا بالفاعل]

مسألة خرجت في ربيع الأول سنة سبع و عشرين و أربعمائة، دليل لم نسبق عليه على أن الجسم لم يكن كائنا بالفاعل (2) قال، (رحمه اللّٰه):

____________

(1) كذا، و العبارة فيها نقص.

(2) في الأصل «بأنها على».

338

الذي يدل على ذلك: أنه لو كان الجسم كائنا بالفاعل لوجب أن يكون التأثير (1) في هذه الصفة من صفات الفاعل لا يجوز أن يؤثر في كون الجسم على صفة، و لا يخلو من أن تكون تلك الصفة المؤثرة هي كون الفاعل قادرا أو كونه مريدا أو كارها، كما تحصل هاتين الصفتين مؤثرتين في كون الخبر و الأمر على ما هما عليه.

و لا يجوز أن يؤثر في كون الجسم كائنا في المحاذيات كون الفاعل مريدا أو كارها أو صفة من صفاته غير كونه قادرا، لأنه قد يعرض (2) في هذه الصفات كلها و يجعل الجسم كائنا و متحركا و ساكنا. أ لا ترى أن النائم و الساهي قد يخلوان (3) من الإرادة و الكراهة و العلوم و مع هذا يجعلان الأجسام مستقلة في المحاذيات.

فثبت أن التأثير بكونه قادرا، و كونه قادرا صفة مؤثرة في الأحداث، فيجب أن لا يؤثر سواه. أ لا ترى أن كونه قادرا لا يؤثر في كون الفعل محكما و لا في كون الصوت خبرا و أمرا.

و حيث (4) كانت هذه كلها أحوالا زائدة على الأحداث فيجب أن يؤثر كونه قادرا في كون الجسم كائنا لما ذكرناه.

(11) [النظر قبل الدلالة]

مسألة، قال رضي اللّٰه عنه:

____________

(1) في الأصل «ان يكون الرر».

(2) كذا في الأصل.

(3) في الأصل «قد يخلوا».

(4) في الأصل «و امرأة من حيث».

339

اعلم أن عادة الشيوخ جرت إذا ذكروا في كتبهم أن من الواجبات النظر في طريق معرفة اللّٰه تعالى أن يبتدءوا بالدلالة على أن كون النظر أولا قبل الدلالة على وجوبه. و الظاهر يقتضي العكس فيما فعلوه.

و ليس يجوز أن يكون الوجه في ذلك أن كون النظر لا سابقا و كونه واجبا صفتان له، و أنت بالخيار في تقديم كل واحدة على الأخرى. و ذلك أن كونه أول الواجبات يتضمن دعوى وجوبه و أوليته، و ليس يمكن أن يعلم أنه أول الواجبات فوجب لذلك تقديم الكلام في أوليته، لانفصال الوجوب من الأولية و تعلق الأولية بالوجوب.

و لما فكرت في جهة العذر في ذلك لم أجد إلا ما أنا ذاكره، و هو:

أن الدلالة على وجوب النظر مبنية على وجوب معرفة اللّٰه تعالى، و معرفة اللّٰه تعالى مبنية على أن اللطف في فعل الواجبات العقلية، و هو العلم باستحقاق الثواب و العقاب على الطاعات و القبائح لا يتم إلا بمعرفة اللّٰه تعالى، و مبني على أن اللطف واجب على اللّٰه تعالى إذا كان من فعله، و إذا كان من فعلنا فواجب علينا، فصار العلم بوجوب النظر في معرفة اللّٰه تعالى لا يتم الا بعد معارف كثيرة طويلة لا يمكن أن يدل عليه عاجلا من غير حوالة على ما يطول من أصول كثيرة، و أخروا الكلام في وجوبه لما ذكرناه من تعلقه لما لا يمكن الكلام في هذا الموضع. و اللّٰه أعلم.

[12] [التاء في كلمة «الذات» ليست للتأنيث]

مسألة:

سئل رضي اللّٰه عنه عن التاء في قولنا «ذات القديم تعالى» [و] في قولهم

340

«صفات الذات» و «ذات الباري»، فقيل: هل التاء في «ذات» للتأنيث كقولنا «جاءتني امرأة ذات جمال» أو هي من نفس الكلمة كالتاء في قولنا «بات».

الجواب و باللّه التوفيق:

ان صفات التأنيث لا تجوز عليه تعالى، لأنها تقتضي النقص عن كمال التقصير، و لا يجوز عليه تعالى ما يقتضي نقصا و يبقى كمالا.

و ليس يعترض على هذا الذي ذكرناه قولهم «علامة» و «نسابة»، لأن الهاء هاهنا ليست للتأنيث و انما هي للتأكيد و قوة الصفة.

و قولنا «ذات» لا يقتضي تأنيثا، و التاء في اللفظ ليست للتأنيث بل هي من نفس الكلمة، و لم يدل على ذلك الا أنه يستعمل في القديم تعالى منزه عن التأنيث.

و يدل على قولنا «ذات» ليست التاء الداخلة فيه للتأنيث: أنه وصف يجري [على] الذكر و الأنثى و جميع الموجودات و يجري على المعدومات كلها عند أكثر المتكلمين، فلو كان للتأنيث لما جرى على الذكر و لاختصت به المؤنثات، و لما جرى أيضا على الأعراض و ما يوصف به على الحقيقة بتأنيث و لا تذكير.

فوضح بذلك أنه لا يختص التأنيث و انما هو عبارة عن نفس الشيء و عينه، فنقول: ذات يخالف الذوات كما نقول عين يخالف الأعيان.

و انما نعني بقولنا «امرأة [ذات] جمال» فالتاء للتأنيث لا محالة، لأنها تختلف في المذكر و المؤنث، فتقول «جاءني رجل ذو جمال و امرأة ذات جمال»، فلو لم تكن للتأنيث لما اختلف مع التذكير و لا تخالف المذكر و المؤنث في الوصف بأنه ذات على ما بيناه. فاللّه أعلم بالصواب.

341

[13] [منع كون الصفة بالفاعل]

مسألة:

استدل من منع من كون الصفة بالفاعل، بأن قال: لو كانت بالفاعل لكان متى قدر على جعل الذات على صفة يكون عليها بالفاعل. أ لا ترى أن [من] قدر منا على جعل الصوت خبرا فهو قادر على أن يجعله أمرا و نهيا و خبرا عن كل مخبر عنه من حيث كانت هذه الصفات أجمع بالفاعل. فلو كان الجسم مستقلا بالفاعل لكان كونه أسود و أبيض بالفاعل، لأن الطريق واحد.

و هذا الدليل معترض، بأن يقال: ما أنكرتم أن يكون انتقاله بالفاعل و كونه أسود و أبيض بمعنى، لأن الصفات التي تجوز على الذات ينقسم استنادها: فتارة تستند الى الفاعل، فما الذي يمنع عن استناد الانتقال الى الفاعل و السواد و البياض إلى العلة. و إذا كنا نجوز ذلك يمكن القطع على أن السواد إذا كان لعلة كان الانتقال كذلك.

و ليس يعصم من هذا السؤال قولهم: ان الصفتين إذا كانت كيفية استحقاقهما واحدة لم يجز أن يكونا مستحقين من وجهين مختلفين، فلما كان الجسم يستحق كونه أسود يستحق كونه منتقلا في باب الصحة و الجواز و الشروط، وجب متى كانت هذه الصفة بالفاعل أن تكون الأخرى كذلك.

و ان كانت لمعنى فكذلك، لأن الاشتراك في كيفية الاستحقاق- و هو حصول الصفة على وجه الجواز- انما يدل على أن الصفة ليست للنفس، فإذا انتفى بالاشتراك في هذه الكيفية كون الصفة مستندة الى النفس، و انقسم بعد ذلك بما يمكن استناد الصفة اليه: فتارة يكون بالفاعل، و أخرى بالعلة.

342

فمتى علمنا بالدليل أن العلة أثر بها قطعنا بذلك، و متى دل على أن الفاعل أثر بها حكمنا به، و متى جوزنا في البعض أن يكون الفاعل هو المؤثر و البعض العلة وجب التوقف و ترك القطع.

و هذه حالنا في انتقال الجسم و كونه أسود، لجواز أن يستند الانتقال الى الفاعل و السواد الى المعنى. فلا سبيل بالاعتبار الذي اعتبر على أن يقطع على أن الانتقال لا يجوز استناده الى الفاعل من غير توسط معنى.

[14] [الدليل على أن الجوهر ليس بمحدث]

مسألة:

و مما استدلوا بها على أن الجوهر لا يكون محدثا، بمعنى أن ذلك لو وجب فيه لكان المعنى الذي يحتاج إليه في حدوثه يفتقر الى معنى، لمشاركته له في العلة التي احتاج اليه من أجلها، و هي حدوثه مع جواز ألا يحدث. و ذلك يؤدي الى إثبات ما لا نهاية له من إثبات الحوادث، و هو مستحيل.

و هذا الدليل يعترض بمثل المسألة الأولى، لأنه يمتنع أن يكون حدوث بعض المحدثات لعلة حدوث البعض الأخر بالفاعل.

و قولهم: انهما إذا اشتركا في كيفية الاستحقاق لم يجز أن يقتضي أحدهما أمرا و الأخر سواه. باطل، لأن المشاركة في كيفية الاستحقاق جواز الحدوث يمنع من استناد الصفة إلى النفس، و إذا بطل استنادها الى النفس لم يمتنع انقساما يستند اليه، فيكون في بعض الذوات بالفاعل و في بعض بالعلة.

و هذا أمر متلبس لا سبيل إلى العلة، بل الشك في ذلك و التجويز هو الواجب

343

الى أن يدل دليل.

(15) [إبطال قول «ان الشيء شيء لنفسه»]

مسألة:

لا يجوز أن يقال ان الشيء شيء لنفسه. لأن ذكر المعلوم بأنه شيء ليس بصفة لاشتراك الموجود و المعدوم و الأجناس المختلفة في إجراء هذا الاسم عليها.

فان قيل: فلما تصفون الموجود بأنه موجود لنفسه و اجراء ذلك في القديم تعالى.

قيل له: لأن الوجود صفة، فجاز أن يستند الى النفس.

فان قيل: فما تقولون في العرض.

قيل: اجراء هذا الاسم على ما ليس بصفة و ان كان غير قولنا عرض أنه الذي لا؟؟؟ (1) له كلية الأجسام، و هذا الحكم فليس بصفة.

(16) [النسبة بين الافعال و ما هو لطف منها]

مسألة:

أن يسأل سائل عن وجه المناسبة بين الأفعال في العقل و بين ما هو لطف فيها من الشرعيات.

____________

(1) كذا في الأصل.

344

فالجواب: انا إذا علمنا كون هذه الأفعال- أعني الشرعيات- واجبة علمنا أن لها وجها (1) و مناسبة بين ما هي لطف و ان لم يتعين لنا وجه المناسبة، غير أنهم قد بينوا ما يمكن أن يكون وجها على طريق الاستظهار [..] (2) و قالوا:

انه يمكن أن يكون الوجه أن في الشرعيات من ذكر اللّٰه تعالى و الرجوع اليه و التمسك بطاعته و توطين النفس عليها، مثل الذي يجب على المكلف في التكليف العقلي أن يفعله، فإذا عزم على هذا الفعل و وطن نفسه على الاستكثار و سارع الى مثله في العقليات.

و الوجه الثاني في هذه الأفعال من تحمل المشقة على وجوه مخصوصة مثل ما في تلك الأفعال.

و هذا يسقط استبعاد من يستبعد كونها تصلح في العقليات، و قالوا: انا لا نقطع على أنها مصلحة لأي وجه من هذين الوجهين. و انما أوردنا ليزيل ما يتوهم و يستبعد من المناسبة.

و بينوا: إن الطريقة في ذلك كالطريقة في الآلام و الغموم و المعالجات، و ذلك أن من نزلت به الآلام فتلف لها و طلب التخلص منها بالمكاره و العلاج و احتمى من الملاق (3) طلبا للسلامة منها يكون أقرب الى مفارقة المعاصي و فعل الطاعات و تحمل المشقة فيها، ليتخلص من العقاب الدائم و يستحق الثواب الدائم.

ثم لم يجز أن يعرف التفصيل في ذلك، و لا أن يقطع على أن هذا هو الوجه دون غيره. و بينوا ذلك أيضا بأن الإنسان إذا قارف ذنبا وجب عليه التوبة منه، قد

____________

(1) في الأصل «ان لها وجوب».

(2) بياض في الأصل.

(3) كذا في الأصل.

345

حصل ليزيل من نفسه العقاب.

و لا فرق بين أن يعرف عين الفعل و بين أن لا يعرفه، في أن وجه وجوب التوبة قد حصل له و قد تمكن من تلافي ما كان منه، فكذلك القول في المصالح، لأنها انما تجب لما يتضمن من إزالة المضرة و اجتناب المنفعة على ما بين.

[17] [دور العقل و السمع في النوافل]

مسألة:

إذا قلنا: ان النوافل انما يتعلقها لذلك السمع، و هو استحقاق الثواب عليها و ان تركها لا يستحق العقاب عليه، فلا بد من بيان أن السمع هو الكاشف عن ذلك و أن العقل لا مدخل له فيه.

و ذلك أنه قد تقرر كونها لما فيها من المشقة قبيحة، فلو لم يكن فيها بعض وجوه المصالح لعرضنا لاعتقاد يجري مجرى الجهل، لأنه كان يجب لو لا البيان أن نعتقدها قبيحة منا و من حقها أن تكون حسنة.

و الوجه الذي ذكر في حسنها: أنها مسهلة للفرائض، فكأن المكلف إذا مرن على فعلها و اعتادها يكون اقدامه على الواجب أسهل و على النفار من فعله أبعد، فيكون وجها مقويا داعيا الى فعل الفرائض.

و على هذا ورد الشرع في أن يأمر الصبي بالصلاة في حال و يضربه على فعله في حال، لكي يعتاد و يمرن عليها.

فإذا كان ما يتقدم التكليف يؤثر هذا التأثير، فإن تأثر (1) النوافل على هذه الحد

____________

(1) في الأصل «فلا تؤثر».

346

في حال التكليف أقرب.

و هذه الطريقة متعارفة، لأن من يتحمل المشقة فيما لا يجب عليه يكون الواجب عليه أسهل عنده و أقرب الى فعله.

و قد قيل: ان النوافل مسهلة لأمثالها من العقليات من الإحسان و التفضل، و اعتبر قائل ذلك أنها لو كانت مقربة الى فعل الواجبات الشرعية لوجبت كما وجبت الشرعيات لتقربها من الواجبات العقلية. و في هذا نظر.

(18) [الدليل على أن الجواهر مدركة]

مسألة:

استدل على أن الجواهر مدركة: بأن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) لو خبر بأن زيدا في الدار و كون جسم مخصوص فيها، ثم أدركناه على حد ما أخبر به تقوى العلم بذلك، فلو لا أن الإدراك تناوله لما وجب قوة العلم لما كان متناول الخبر و الإدراك واحدا، إذ لو كان مختلفا لما أوجب ذلك.

(19) [دفع شبهة للبراهمة في بعث الأنبياء]

شبهة للبراهمة:

قالوا: لو حسنت البعثة لكان من يبعثه اللّٰه تعالى لأداء الرسالة يقطع على أنه سيبقى حتى يؤديها، لأنه متى لم يقطع على ذلك جوز ألا يكون تعالى مزيحا لعلة المبعوث إليهم في مصالحهم. و قطعه على البقاء مفسدة، لأنه إغراء بالمعاصي على

347

ما يقولون بمثله في سائر المكلفين و كما يذكرونه في تعريف الصغائر و تعريف غفران الكبائر. و هذا يجوز أن يكون بعثة الرسول لا تنفك من القبيح، فإذا ثبت أنه لا يجوز أن يستصلح المبعوث إليهم باستفساد المبعوث فيجب قبح البعثة.

الجواب:

ان الرسول فيما كلفه من أداء الرسالة بمنزلته في سائر ما كلفه في أنه يعلم أنه سيبقى بشرط، و هذا السؤال لأنه إذا جوز في سائر ما كلف لأنه قد علم بحكم النقل أن تكليفه على شريطة، و إذا لم يقطع على حصولها جوز أن لا يكون مكلفا و ان كان يعلم أن تلك الشريطة متى ثبتت كان مكلفا.

و ليس كذلك حال أداء الرسالة، لأنه قد يعلم أن البعثة بها أرادها الى المبعوث إليهم، فمتى لم يمكن من الا (1) لم يزح علة المبعوث إليهم في المصالح، فيعلم لعقله؟ أنه يمكن من التأدية محصل من ذلك الإغراء.

فيقال له: و ان علم في الرسالة أنها مصلحة للغير و أنه متى لم يعلمها ذلك الغير لم يكن مزاح العلة فإنه يجوز متى لم يكن من الا (2) ان يؤمر بها غيره فيزاح علته، لأن الذي يعلمه بالعقل أنه لا بد من إزاحة علة المكلف ثم لا يعلم أن ذلك يكون [..] (3)

قبل غيره، كما لا يعلم أنه يكون بالمشافهة دون الخبر و شكه في [..] (4) لا نمنع من حصول اليقين من له و لا يؤدي الى فساد.

فان قيل: فيجب على هذا الجواب أن لا يعلم الرسول أنه قد حمل الرسالة لا محالة.

قيل: هو يعلم ذلك و انما يشك هل كلف [..] (5) في الأحوال المتراخية أم لا، مع علمه بأنه قد كلف لا محالة ان بقي على شرائطه.

____________

(1) كذا في الأصل.

(2) كذا في الأصل.

(3) بياض في الأصل.

(4) بياض في الأصل.

(5) بياض في الأصل.

348

فإن قيل: انما حمل الرسالة حتى يؤدي، فيجب أن يقطع ثبوت الأول.

قيل له: ان من سلك هذه الطريقة يقول: انما حملها لكي يؤدي ان بقي على صفات المكلف، و لا يطلق الا ما أوردت إطلاقا، كما يقول في رد الوديعة عند المطالبة انه مكلف ذلك ان بقي متمكنا، و ان لم يتمكن لم يجب الا أن يكون مكلفا في الأول على الشرط الذي ذكرناه.

فان قيل: الغرض فيما يفعله من مقدمات الوديعة وصولها الى [..] (1)،

فالغرض بتحمل الرسالة العزم على تأديتها الى من بعث الرسول اليه.

جواب آخر:

إذا قلنا انه يعلم [..] (2) الرسالة فلا يجب بذلك الإغراء، لأن الإغراء يختلف باختلاف المكلفين، فمن علم من [..] (3) على الطاعة لكونه معصوما و العلم بحاله في إيثاره التمسك بما يلزمه فعله بذلك لا يكون [..] (4) من حاله خلاف ذلك يكون إغراء في حقه، فتختلف أحوال المكلفين بحسب المعلوم من أحوالهم، فلا يجب [..] (5) قدروه من الفساد.

و لمن حكم بأن في المعاصي صغائر أن يفرق بين العلم بصغير المعصية و العلم [..] (6) أن يقول: العلم بصغير المعصية يقتضي أن لا يستضر بفعلها ضررا يعتقد بمثله مع ما له فيها من الشهوة، فيكون ذلك إغراء. و كذلك القول في تعريف القرآن.

و ليس كذلك إذا علم أنه سيبقى يجوز معه ألا يختار التوبة، فالمخالفة قائمة من الاقدام على المعاصي، فلذلك جاز أن تختلف أحوال المكلفين فيه.

____________

(1) بياضات في الأصل.

(2) بياضات في الأصل.

(3) بياضات في الأصل.

(4) بياضات في الأصل.

(5) بياضات في الأصل.

(6) بياضات في الأصل.

349

و انما يصير الاعلام بالتبعية إغراء إذا انضافه الى العلم بأنه مأمور (1) لا محالة و ان أقدم على المعاصي.

و يمكن أن يقال: انه يأمن ألا يستكثر من الطاعات فتفوته المنافع العظيمة و الخوف من فوات المنفعة كالخوف من فوات المضرة.

و وجدت عبد الجبار بن أحمد قد ذكر في هذا فضلا في المعنى، و هو أن قال:

ان الرسول يقطع على أنه سيبقى الى أن يؤدي الرسالة التي حملها، ثم بعد يعود حاله الى أنه في كل وقت مستقبل يجوز أن يبقى و أن يقطع تكليفه، و كذلك كانت أحوال الأنبياء تنتهي الى هذه الطريقة. و ذلك يزيل ما نذكره من الإغراء، لأن الوجل و الخوف انما يزولان عنه متى علم انتهاء (2) تكليفه، فأما إذا لم يعلم فالخوف قائم.

و هذا الجواب يعترض، بأن يقال: إنما ألزمت الإغراء في الحال التي يقطع فيها المكلف على أنه سيبقى لا محالة، و هي الحال التي يعلم فيها بقاؤه إلى حين الأداء. فأما بعد هذه الى الحال فلا قطع للنبي (عليه السلام) على البقية و الإغراء ليس بحاصل، فإذا علم انتهاء تكليفه عادت الحال إلى الإغراء. فيعلم أن هذا الجواب ليس بصحيح.

(20) [معنى النفع في الضرر]

مسألة:

____________

(1) في الأصل «بأنه مسمور».

(2) في الأصل «على انتهاء».

350

قال رضي اللّٰه عنه: ان الألم يحسن إذا لم يكن ظلما و لا عبثا و لا مفسدة، و ان حد الظلم ما يعرى عن نفع يوفى عليه و دفع ضرر يزيد عليه.

و من رأيت هذا مضروبا و الظاهر أنه ذو استحقاق و زيد فيه و لا كان على وجه المدافعة فإن ذكر القصد و الحد، فقيل الألم المقصود متى يعرى من الوجوه الثلاثة كان ظلما لم يدخل المدافعة، لأن الألم فيها غير مقصود و لو قصد لكان قبيحا و ظلما.

و لا بد من بيان وجه قولهم: نفع في الضرر تجري الألم.

و الظاهر أن الظن يقوم مقام العلم في هذه الوجوه (1) كلها للاستحقاق، فان الخلاف بين أبي علي و أبي هاشم: فذهب أبو هاشم الى أن الظن فيه أيضا يقوم مقام العلم، و استدل بأنا نذم العاصي إذا غاب عنا و ان جوزنا أن يكون قد تاب لظن العلم، و قال أبو علي في هذا الموضع: و انما يحسن الظن مشروطا لا مطلقا.

و قول أبي علي كأنه أقوى، و يجب أن يراد به الوجوه التي يقصد بالألم، فيحسن عليها أن يفعل للاعتبار، و معنى الاعتبار أن يفعل المؤلم عنده اما طاعة أو ممتنع أو من معصية.

و هذا الوجه كان [..] (2) من هذه الوجوه، لأن اللّٰه تعالى إذا فعل الألم للاختبار [..] الحاصل عليه، بل العوض كالمانع و الأصل الاعتبار، فبالعوض يخرج من أن يكون عبثا.

و هذا الوجه خاصة لا يصح الا من القديم تعالى خاصة دون غيره من العباد، لأنه جل اسمه المكلف لهم، فازاحة (3) علتهم بالإطلاق واجبة عليه و غيره من العباد

____________

(1) في الأصل «الوجود».

(2) بياض في الأصل.

(3) في الأصل «فاناحة».

351

و ليس بمكلف لغيره فيلزمه الطاعة. فصار هذا الوجه خاصة يختص بالقديم تعالى من الوجوه المشتركة بيننا و بين القديم تعالى.

فعلم الألم بوجه الاستحقاق، فان اللّٰه تعالى يعاقب العصاة و يؤلمهم لهذا الوجه كما يرم العاصي (1) و ان عمه ذلك [..] (2) لهذا الوجه، فصار هذا الوجه مشتركا و الأول خاصا به تعالى. فأما باقي الوجوه التي ذكرناها فنختص نحن بها دونه، فلا يصح دخول شيء منها فيما يدخله تعالى من الآلام.

أما الظن فيستحيل عليه تعالى لأنه عالم لنفسه.

و أما فعل الألم لدفع الضرر فإنما يحسن منا إذا كنا لا نتمكن من دفعه الا به، و لهذا لا يحسن أن يخرج الغريق من الغمرة بأن يكسر يده إلا إذا لم يتمكن من إخراجه إلا كذلك، فان تمكنا من إخراجه بغير كسر يده فأخرجناه كا [..] (3)

من يده ضمنا كسر يده. و لما كان القديم تعالى قادرا على دفع كل ضرر قل أم كثر من غير أن يفعل شيئا من الآلام ارتفع هذا الوجه أيضا من جملة أفعاله.

و أما فعل الآلام فلا يحسن إلا إذا كان لا يوصل الى النفع الا به، و لهذا لا يحسن منا أن نتعب نفوسنا في طلب الأرباح و نحن نقدر على الوصول إليها من غير ألم و لا تعب. و لما كان القديم تعالى قادرا على إيصال [..] (4) يريد إيصاله من المنافع من غير مقدمة ألم لم يحسن منه أن يؤلم لإيصال النفع. فلذا قلنا: ان الاعتبار هو المقصود و النفع تابع.

فصار المحصل من هذه الجملة التي ذكرناها أن الوجوه التي يقع عليها الألم فيخرج من أن يكون ظلما فيها مشتركة بين القديم تعالى و بيننا و هو الاستحقاق فقط، و منها ما يختصه تعالى و هو الاعتبار، و منها ما يختصنا و هو باقي الوجوه من فعله

____________

(1) كذا في الأصل.

(2) بياض في الأصل.

(3) بياض في الأصل.

(4) بياض في الأصل.

352

لرفع الضرر أو للنفع.

و إذا كان غير مقصود فعلى سهل المدافعة، لأن هذا الوجه أيضا لا يليق بالقديم تعالى، لأنه قادر على دفع كل ألم يقصده الظاهر من غير فعل شيء من الآلام، و لأنه تعالى لا يصح أن يقع منه ألم غير ألم، و الآلام في المدافعة لا تكون مقصودة.

و تأمل هذه الجملة، فإن فيها فوائد كثيرة لا تمضي (1) في الكتب و ما بسطناها في الذخيرة بحسن التوفيق.

و اعلم أن هذه الوجوه التي ذكرناها تنقسم: فمنها ما إذا حصل تكامل منه بحصوله حسن إلا [..] (2) في حسنه إلى غيره، و منها ما لا يتكامل بذلك الوجه حسنه بل يقف كمال حسنه على غيره.

فمثال الوجه الأول الاستحقاق، فإنه يحسن لكونه مستحقا من غير زيادة عليه، و كذلك يحسن الألم لدفع ما هو أعظم منه و يتكامل بذلك حسنه، و كذلك إذا وقع غير مقصود على وجه [..] (3) فإنه يحسن هذا الوجه و يتكامل به حسنه.

و مثال القسم الثاني الاعتبار، فان الاعتبار لا يتكامل حسنه و انما [..] (4)

من أن يكون عبثا، و النفع الزائد يخرج من أن يكون ظلما.

و مثال هذا الوجه من الألم أيضا النفع، فإنه ينقسم، فان فعلناه يضرنا، نظرنا فان كان ممكنا أن نوصل ذلك الغير الى النفع من غير ألم قبح الألم لكونه عبثا و ان كان فيه نفع. مثاله: ان استأجر الأجير بالأجرة الوافرة التي يرضى بها لاستيفاء الماء من نهر الى آخر، فإنه يكون عبثا و ان لم يكن ظلما، و لا بد فيه من عوض زائد على إيصال النفع.

____________

(1) بياض في الأصل.

(2) بياض في الأصل.

(3) بياض في الأصل.

(4) بياض في الأصل.

353

و أما القسم الثالث- و هو ما تفعله نفوسنا من الألم- فيتكامل حسنه بالنفع الزائد من غير زيادة عليه، و من شرطه أن يكون ذلك النفع لا يحصل الا بتقديم هذا الألم. و مثاله: إتعاب اما معلوما و اما مظنونا.

و كل وجه من هذه الوجوه التي ذكرنا أن [..] (1) شيء عوض فيه المفسدة قبح لأجلها، لأن المفسدة متى عرضه غيرت وجوب الواجبات كلها و صارت [..] (2)

فأولى أن يكون الألم كذلك في الوجوه التي يحسن عليه الألم.

و إذا قيل: و إذا كانت المفسدة تغير وجوب الواجبات فما الذي يؤمنكم أن يكون رد الوديعة أو قضاء الدين مفسدة في بعض الأوقات.

فالجواب عن ذلك: انه لو كان شيء مفسدة في بعض الأوقات لوجب على اللّٰه تعالى أن يبينه لنا و يميزه، فلما لم يفعل ذلك علمنا أن جميع الأوقات متساوية في وجوب ذلك كله. و هذا بين.

(21) [معنى قول النبي «من أجبا فقد أربى»]

مسألة:

الإجباء في اللغة العربية هو بيع الزرع (3) قبل أن يبدو صلاحه، يقال: أجبا الرجل يجبى إجباء فعل ذلك.

فمعنى ما روي عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) من قوله «من أجبا فقد أربى»: أن من باع الزرع قبل أن يبدو صلاحه- و قد نهى عن ذلك و حظر عليه-

____________

(1) بياض في الأصل.

(2) بياض في الأصل.

(3) في الأصل «هو بياع الزوج».

354

يجري مجرى من أربى، لأنه فاعل المعصية محظور عليه، و ان لم يكن بيع ما لم يبدو صلاحه ربي في الحقيقة و لا معناه معناه غير أنه جار مجراه في الحظر و المعصية، و جار مجرى قول القائل «من زنى فقد سرق»، أي هو عاص مخالف للّٰه تعالى، كما أن ذاك هذه حاله (1).

(22) [اللفظة الدالة على الاستغراق]

مسألة:

ان سأل سائل فقال: إذا لم يكن عندكم في لغة العرب لفظة هو حقيقة في الاستغراق، فمن أي وجه علم تناول الوعيد بالخلود كافة على جهة التأبيد.

فإن قلتم: انما علم ذلك من قصد النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) ضرورة.

قيل لكم: و النبي من أي وجه علم ذلك.

فان قلتم: اضطره الملك الى ذلك.

قيل لكم: و الملك من أين علم ذلك، و مع كونه مكلفا لا يصح أن يضطره اللّٰه سبحانه الى قصده.

الجواب:

انا انما قلنا في المحاورة و أنه لا لفظ موضوع فيها لذلك، إذا كان هذا غير ممتنع أن يكون في لغة الملائكة لفظ موضوع للاستغراق يفهمون به مراد الحكيم سبحانه في الخطاب، و إذا صح ذلك و خاطبهم اللّٰه بذلك صح أن يضطر الملك النبي (ص) الى مراد اللّٰه تعالى منه في الاستغراق.

____________

(1) في الأصل «هدنة حاله».

355

و يمكن أيضا أن يغني اللّٰه تعالى بعض ملائكته بالحسن عن القبيح و يضطره الى علم مراده باستغراق كافة الكفار في تأييد العقاب و تناوله سائر الأوقات، و يضطر ذلك الملك غيره من الملائكة، و يضطر من اضطره النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) الى ذلك.