روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان - ج1

- الشهيد الثاني المزيد...
463 /
457

[خاتمة في أحكام الأواني]

(خاتمة) لمباحث إزالة النجاسات في أحكام الأواني و القصد الذاتي من ذكرها هنا بيان حكم تطهيرها و كيفيّته، و قد جرت العادة بانجرار البحث فيها إلى ما هو أعمّ من تطهيرها، فيذكر الجنس الذي يجوز اتّخاذها منه و ما لا يجوز كما قال:

(يحرم استعمال أواني الذهب و الفضّة في الأكل و غيره) لقول النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)

لا تشربوا في آنية الذهب و الفضّة و لا تأكلوا في صحافها؛ فإنّها لهم في الدنيا و لكم في الآخرة

(1) و قوله (صلّى اللّه عليه و آله)

الذي يشرب في آنية الفضّة إنّما يُجَرجِرُ في جوفه نار جهنّم

(2) يقال: جرجر الشراب، أي: صوّت.

و المراد أنّه بفعله مستحقّ للعذاب على أبلغ وجوهه، فالمُجرجر في جوفه ليس إلا نار جهنّم، و الوعيد بالنار إنّما يكون على فعل المحرّم، و إذا حرم الشرب حرم غيره؛ لأنّه أبلغ. و لعدم القائل بالفرق، و يلزم من تحريمه في الفضّة تحريمه في الذهب بطريق أولى.

و هل يحرم اقتناؤها لغير الاستعمال، بل للادّخار أو تزيين المجالس؟ الأكثر على التحريم؛ لما رواه محمّد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) أنّه نهى عن آنية الذهب و الفضّة (3)، و النهي للتحريم، و لمّا امتنع تعلّقه بالأعيان؛ لأنّه من أحكام فعل المكلّف، وجب المصير إلى أقرب المجازات إلى الحقيقة، و الاتّخاذ أقرب من الاستعمال؛ لأنّه يشمله، بخلاف العكس.

____________

(1) صحيح البخاري: 5: 2133/ 5310، صحيح مسلم 3: 1637 و 1638/ 2607، سنن البيهقي 1: 44/ 103.

(2) صحيح البخاري 5: 2133/ 5311، صحيح مسلم 3: 1643/ 2065، سنن البيهقي 1: 42/ 99.

(3) الكافي 6: 267/ 4، التهذيب 9: 90/ 385.

458

و لإيماء قول النبيّ المتقدّم (1)

إنّها لهم في الدنيا و لكم في الآخرة

إليه.

و كذا قول الكاظم (عليه السلام)

آنية الذهب و الفضّة متاع الذين لا يوقنون

(2). و لما فيه من السرف و الخيلاء و كسر قلوب الفقراء و تعطيل الإنفاق، فإنّها خُلقت للانتفاع بها في المعاملات و المعاوضات.

و هل يحرم تزيين المشاهد و المساجد بها كما يحرم تزيين غيرها من المجالس؟ نظر: من إطلاق النهي، و حصول التعظيم.

و يستوي في النهي الرجالُ و النساء و إن جاز للنساء التحلّي بهما.

و لا يحرم الطعام و الشراب الموضوع فيهما و إن كان الاستعمال محرّماً.

و لا يقدح في التحريم تمويههما بغيرهما من الجواهر؛ للعموم.

و لو انعكس بأن موّه إناء النحاس مثلًا بهما أو بأحدهما، فإن أمكن تحصيل شيء منهما بالعَرض على النار، منع من استعماله، و إلا فإشكال من المشابهة و عدم الحقيقة.

و لا يحرم اتّخاذها من غير الجوهرين و إن غلت أثمانها، كالفيروزج و الياقوت و الزبرجد؛ للأصل، و خفاء نفاسة ذلك على أكثر الناس، فلا يلزم منه ما لزم في النقدين.

(و يكره المفضّض) و هو ما وُضع فيه قطعة من فضّة أو ضبّة؛ لقول الصادق (عليه السلام)

لا بأس بالشرب في المفضّض، و اعزل فاك عن موضع الفضّة

(3). و قيل: يحرم (4)؛ لما روي عنهُ أنّه كره الشرب في الفضّة و القداح المفضّضة (5)، و العطف على الشرب في الفضّة مشعر بإرادة التحريم.

و طريق الجمع بين الخبرين بحمل الثاني على الكراهة أو على تحريم الأكل و الشرب من موضع الفضّة.

(و) على تقدير الجواز يجب أن (يجتنب موضع الفضّة) فيعزل الفم عنه؛ للأمر به في قوله (عليه السلام)

و اعزل فاك عن موضع الفضّة

(6) و هو للوجوب.

____________

(1) في ص 457.

(2) الكافي 6: 268/ 7، التهذيب 9/ 389.

(3) التهذيب 9: 91- 92/ 392.

(4) كما في جامع المقاصد 1: 188، و انظر: الخلاف 1: 69، المسألة 15.

(5) الكافي 6: 267/ 5، التهذيب 9: 90- 91/ 387.

(6) التهذيب 9: 91- 92/ 392.

459

و اختار في المعتبر الاستحباب؛ محتجّاً بالاستصحاب، و بقول الصادق (عليه السلام) حين سُئل عن الشرب في القدح فيه ضبّة من فضّة، فقال

لا بأس إلا أن يكره الفضّة فينزعها منه

(1)- (2).

و لا دلالة له على مطلوبه؛ فإنّه إنّما دلّ على جواز (استعمال المفضّض) (3) لأعلى جواز استعمال موضع الفضّة، و ما تقدّم صريح في وجوب العزل عن موضعها.

(و أواني المشركين طاهرة) كسائر ما بأيديهم ممّا لا يشترط فيه و لا في أصله التذكية؛ للأصل، و قول الصادق (عليه السلام)

كلّ شيء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر

(4) و غيره من الأخبار (ما لم يعلم مباشرتهم لها برطوبة) على وجه يلزم منه نجاستها.

و ليس العلم بذلك مقصوراً على الإدراك بالحواسّ، بل ما حصل به العلم من طرقه الموجبة له، كالخبر المحفوف بالقرائن و غيره، كما حقّق في محلّه.

و على تقدير الحكم بالطهارة يستحبّ اجتنابها؛ حملًا للأخبار المقتضية لغَسلها من غير تقييد على الاستحباب، أو لكونهم لا يتوقّون النجاسة، أو لحصول الظنّ بنجاستها، فليخرج باجتنابها أو غَسلها من خلاف أبي الصلاح حيث حكم بثبوت النجاسة بكلّ سبب يثير الظنّ (5).

(و جلد الذكي) أي المذكّى ممّا هو قابل للذكاة من ذي النفس (طاهر) سواء كان مأكول اللحم أم لا، و لا يشترط في طهارته مع الذكاة الدبغُ، كما يقتضيه إطلاق العبارة، و هو أشهر الأقوال؛ للأصل، و لقوله (عليه السلام)

دباغ الأديم ذكاته

(6) و لوقوع الذكاة عليه فيستغنى عن الدباغ؛ إذ لو لم يقع عليه، لكان ميتةً، و هي لا تطهر بالدباغ، لكن يكره استعماله قبله؛ تفصّياً من الخلاف.

و احترز بذي النفس عمّا لأنفس له، كالسمك؛ فإنّ جلده طاهر؛ لأنّه لا ينجس بالموت.

(و غيره) أي غير الذكي، و هو جلد الميتة و ما لا يقبل الذكاة (نجس) و إن دُبغ؛ لإطلاق

____________

(1) التهذيب 9: 91/ 391.

(2) المعتبر 1: 455- 456.

(3) بدل ما بين القوسين في الطبعة الحجريّة: «الاستعمال».

(4) التهذيب 1: 284- 285/ 832، و فيه «كلّ شيء نظيف ..».

(5) لم نعثر عليه في مظانّه.

(6) سنن الدارقطني 1: 45/ 13، سنن البيهقي 1: 33/ 70، المعجم الكبير- للطبراني- 7: 46/ 6341، و فيه «ذكاة الأيم دباغه».

460

تحريم الميتة في الآية (1)، فينصرف إلى الانتفاع مطلقاً، و للأخبار المتواترة به.

مثل: قول النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)

لا تنتفعوا من الميتة بإهاب و لا عصب

(2) و هو من الصحيح عندهم.

و قول الباقر (عليه السلام) حين سُئل عنه

لا و لو دُبغ سبعين مرّة

(3). و قول الصادق (عليه السلام)

لاتصلّ في شيء منه و لا شسع

(4). و ما احتجّوا به من قوله (صلّى اللّه عليه و آله)

أيّما إهاب دبغ فقد طهر

(5) معارض بخبرنا، و معها يكون المقتضي لبقاء النجاسة سليماً عن المعارض، و بأنّ خبرنا متأخّر؛ لأنّهم رووا أنّ كتابه (صلّى اللّه عليه و آله) إلى جهينة بذلك كان قبل موته بشهر أو شهرين (6)، مع أنّ في جملة الحديث ما يصرّح بتأخّره.

و من خبر (7) شاة ميمونة أو سودة بنت زمعة (8)، فقد روي عن الصادق (عليه السلام)

أنّها كانت مهزولةً فتركوها حتى ماتت، فقال (صلّى اللّه عليه و آله): ما كان على أهلها إذ لم ينتفعوا بلحمها أن ينتفعوا بإهابها [أن تذكّى]

(9)

(10) و هو أعرف بالنقل.

و مثله قوله (عليه السلام) في حديث عبد الرحمن بن الحجّاج

زعموا أنّ دباغ الميتة ذكاته ثمّ لم يرضوا أن يكذبوا في ذلك إلا على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)

(11). و كما لا تطهر الميتة بالدباغ و لا تستعمل في الرطب، فكذا لا يجوز استعمالها و الانتفاع

____________

(1) المائدة (5): 3.

(2) سنن أبي داود 4: 67/ 14128، سنن ابن ماجة 2: 1194/ 3613، سنن الترمذي 4: 222/ 1279، سنن النسائي 7:

175، مسند احمد 5: 403/ 18303.

(3) الفقيه 1: 160/ 750، التهذيب 2: 203/ 794، و فيه مضمرا.

(4) التهذيب 2: 203/ 793.

(5) سنن ابن ماجة 2: 1193/ 3609، سنن الترمذي 4: 221/ 1728، سنن النسائي 7: 173، سنن الدارقطني 1: 48/ 24، سنن البيهقي 1: 25/ 49، مسند احمد 1: 362/ 1898، 446/ 2431.

(6) سنن أبي داود 4: 67/ 41128، سنن الترمذي 4: 222 ذيل الحديث 1729، مسند أحمد 5: 403/ 18306.

(7) قوله: و من خبر .. عطف على قوله: و ما احتجّوا به من قوله.

و قوله: فقد روي، إلى آخره، جواب عن الاحتجاج بخبر الشاة.

(8) صحيح مسلم 1: 276/ 363، سنن أبي داود 4: 65/ 4120، سنن النسائي 7: 171- 175، سنن البيهقي، 24- 25/ 47.

(9) أضفاها من الموضع الأوّل من المصدر، و في الموضع الثاني: «أي تذكّى».

(10) الكافي 3: 398/ 6، و 6: 259/ 7.

(11) الكافي 3: 398/ 5، التهذيب 2: 204/ 798.

461

بها في اليابس؛ لعموم حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ (1) و «لا تنتفعوا» (2).

(و يغسل الإناء من الخمر و غيره من النجاسات حتى تزول العين) و الأثر، و لا يعتبر التعدّد على أصحّ القولين، بل ما يحصل به الإنقاء و إن كان بالأُولى، كما تقتضيه العبارة.

و يحتمل اعتبار المرّة بعد زوال العين إن كانت موجودةً، و هو خيرة المعتبر (3)؛ إذ لا أثر للماء الوارد مع وجود سبب التنجيس.

و يضعّف: بأنّ الباقي من البلل و غيره في المحلّ عين نجاسة، فيأتي الكلام فيه.

و يدلّ على الاجتزاء بالمرّة مطلقاً إطلاق الأمر بالغَسل في عدّة أخبار (4). و ما ورد منها بعددٍ مخصوص (5) مع ضعف سنده يمكن حمله على الاستحباب.

و للمصنّف قول بوجوب غَسل إناء الخمر ثلاث مرّات (6)، و المشهور فيه السبع؛ استناداً إلى روايتي عمّار الساباطي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (7).

و اختلافها يدلّ على الاستحباب، مع اشتهار عمّار بفساد العقيدة.

و شمل قوله: «و غيره» نجاسة موت الجرذ و الفأرة، مع أنّ فيهما قولًا بالثلاث للمصنّف (8)، و السبع لغيره (9)، كما تقدّم؛ استناداً إلى خبر عمّار (10) أيضاً، و لا ريب أنّ العمل بالمشهور أحوط.

(و) يغسل الإناء (من ولوغ الكلب) و هو شربه ممّا في الإناء بطرف لسانه، كما نصّ عليه أهل (11) اللغة، و يلحق به لطعه الإناء بطريق أولى، دون مباشرته له بسائر أعضائه، و وقوع لعابه في الإناء، بل هي كسائر النجاسات على المشهور، خلافاً للمصنّف في النهاية (12)،

____________

(1) المائدة (5): 3.

(2) تقدّمت الإشارة إلى مصادرة في ص 460، الهامش (2).

(3) المعتبر 1: 461.

(4) الكافي 6: 427/ 1، و التهذيب 1: 283/ 830، و 9: 115- 116/ 501.

(5) الكافي 6: 427/ 1، و التهذيب 1: 283/ 830، و 9: 115- 116/ 501.

(6) قواعد الأحكام 1: 9.

(7) التهذيب 9: 115- 116/ 501 و 502.

(8) قواعد الأحكام 1: 9.

(9) كالشيخ الطوسي في النهاية: 5- 6، و ابن حمزة في الوسيلة: 80، و الشهيد في الدروس 1: 125 و غيرهم.

(10) التهذيب 1: 284/ 832.

(11) منهم: الجوهري في الصحاح 4: 1329، «و ل غ».

(12) نهاية الإحكام 1: 294.

462

و جماعة (1) (ثلاثاً أُولاهنّ بالتراب) و إطلاق الغَسل عليها مجاز من باب إطلاق اسم الجزء على الكلّ.

و الأصل في ذلك النصّ، الوارد عن النبيّ و الأئمّة (صلوات اللّه عليهم).

كصحيحة الفضل عن الصادق (عليه السلام) حين سأله عن الكلب، فقال

رجس نجس لا يتوضّأ بفضله، و اصبب ذلك الماء و اغسله بالتراب أوّل مرّة ثمّ بالماء مرّتين

(2). و هذا الحديث حجّة على ابن الجنيد الموجب للغَسل منه سبعاً (3)، و على المفيد حيث جعل غَسله بالتراب وسطاً (4)، و على ابن إدريس حيث أوجب مزج التراب بالماء؛ بناءً على أنّ حقيقة الغَسل جريان الماء على المحلّ (5)، فإذا تعذّرت صيّر إلى أقرب المجازات إليها.

و يردّه إطلاق الخبر، و دلالته على اعتبار مسمّى التراب.

و يشترط طهارة التراب؛ لأنّ النجس لا يفيد طهارة غيره، و لإطلاق الطهور عليه في بعض الأخبار (6).

و لو فُقد، قيل (7): أجزأ مشابهة من الأُشنان و الدقيق؛ لأنّه ربما كان أبلغ في الإزالة من التراب.

و الأولى بقاؤه على النجاسة؛ لعدم النصّ، و بطلان القياس، و عدم ثبوت التعليل بإزالته الأجزاء اللعابيّة، فجاز كونه تعبّداً.

و لو خِيف فساد المحلّ باستعمال التراب، فكالمفقود.

و لو تكرّر الولوغ قبل التطهير، تداخل، و في الأثناء يستأنف.

و يكفي في تطهير الإناء في القليل أن يصبّ فيه الماء ثمّ يحرّك حتى يستوعب ما نجس منه ثمّ يفرغ حتى يستوفي العدد إن كان.

____________

(1) منهم: الشيخ المفيد في المقنعة: 68.

(2) التهذيب 1: 225/ 646، الاستبصار 1: 19/ 40، و ليس فيهما كلمة «مرّتين».

(3) حكاه عنه المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 458.

(4) المقنعة: 65 و 68.

(5) السرائر 1: 91.

(6) صحيح مسلم 1: 234/ 91، سنن ابي داود 1: 19/ 71، سنن الدارقطني 1: 64/ 4 و 5، سنن البيهقي 1: 366/ 1143، و 374/ 1168 و 1169، المستدرك:- للحاكم- 1: 160، مسند أحمد 3: 161/ 9227.

(7) القائل هو الشيخ الطوسي في المبسوط 1: 14.

463

و لو غسله في الكثير، كفت المرّة بالماء بعد التعفير.

(و) يغسل الإناء أيضاً (من ولوغ الخنزير سبعاً) لصحيحة عليّ بن جعفر عن أخيه موسى، قال: سألته عن خنزير شرب في إناء كيف يصنع به؟ قال

يغسل سبع مرّات

(1). و هي حجّة على الشيخ حيث ألحقه بالكلب (2)، و على المحقّق حيث اكتفى بالمرّة كما اكتفى بها في غير ولوغ الكلب، و حملها على الاستحباب (3).

و لا وجه له؛ إذ لا معارض لها مع صحّتها.

هذا كلّه في غير الكثير، و إلا كفت المرّة. و اللّه الموفّق.

[بحمد الله و توفيقه تمّ الجزء الأوّل من كتاب روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان حسب تجزئتنا و يتلوه إن شاء الله الجزء الثاني و قد ألحقنا فهارس الكتاب إلى الجزء الثاني فليطلب].

____________

(1) التهذيب 1: 261/ 760.

(2) الخلاف 1: 186، المسألة 143.

(3) المعتبر 1: 460 و 461.