روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان - ج1

- الشهيد الثاني المزيد...
463 /
57

(و) يجب أيضاً زيادةً على الوضوء لأربعة أشياء (لدخول المساجد) مع اللبث في غير المسجدين، و فيهما يكفي في الوجوب مجرّد الدخول (و قراءة) سور (العزائم) الأربع أو شيء منها حتّى البسملة إذا قصدها لأحدها.

و المراد بالعزائم نفس السجدات الواجبة، فإطلاقها على السور من باب حذف المضاف، أي: سور العزائم، و تسميتها عزائم بمعنى إيجاب اللّه تعالى لها على العباد، كما هو أحد معنيي العزيمة.

و في تسميتها عزائم احتراز عن باقي السجدات المستحبّة، لا بالمعنى المشهور للأُصوليّين من أنّ العزيمة ما وجب فعله مع عدم قيام المانع، و هو المعنى المقابل للرخصة؛ إذ لا وجه لاختصاصها بذلك من بين نظائرها هنا من الواجبات و إن كان التعريف صادقاً عليها.

و مستند الحكم فيهما النصّ و الإجماع.

و إنّما يجب الغسل لهما إذا كانا واجبين بنذرٍ و شبهه؛ إذ لا وجوب لأحدهما بأصل الشرع، كما نبّه عليه المصنّف بقوله (إن وجبا) أي كلّ واحد من الدخول و القراءة بانفراده.

و إطلاق الغسل يشمل بظاهره تحريم هذه الأشياء على محدثٍ يجب عليه الغسل بجنابةٍ أو غيرها، فيدخل فيه حدث مسّ الأموات، و هو على إطلاقه في الغاية (1) التي شارك فيها الوضوء.

و أمّا دخول المساجد و قراءة العزائم فعمّم المصنّف الحكمَ فيها في التذكرة. (2)

و استثنى الشهيد (رحمه اللّه) ماسّ الميّت من تحريم دخول المساجد. (3) و ادّعى عليه ابنُ إدريس الإجماع. (4) و المنقول منه بخبر الواحد حجّة مع اعتضاده بأصالة البراءة و خُلوّ الأخبار من الدلالة عليه نفياً و إثباتاً.

و أمّا قراءة العزائم له فليس فيها تصريح لأحد من الأصحاب. و الظاهر أنّ الحكم فيه كذلك؛ لأصالة البراءة و عدم الدليل المحرّم.

و أمّا حدث الاستحاضة، الموجب للغسل: فظاهر عبارة جماعة أنّه كالحيض في منع

____________

(1) في «ق، م»: «الغايات».

(2) تذكرة الفقهاء 1: 235 و 238، المسألتان 68 و 70.

(3) الدروس 1: 117.

(4) السرائر 1: 163.

58

دخول المساجد و قراءة العزائم مع عدم فعل ما يلزمها من الأغسال و الوضوءات، أمّا لو فعلَت ذلك، استباحت ما يستبيحه المتطهّر.

و في الدروس جوّز لها دخول المسجد مع أمن التلويث من غير تقييدٍ، محتجّاً بخبر زرارة عن الباقر (1) (عليه السلام) (2)، و سيأتي الكلام فيه.

(و) يجب الغسل أيضاً (لصوم الجنب) إذا بقي من الليل مقدار فعله؛ للأخبار و الإجماع. و خلاف ابن بابويه (3) لا يقدح فيه.

و يلحق به الحائض و النفساء إذا انقطع دمهما قبل الفجر، دون ماسّ الميّت؛ للأصل و عدم النصّ، كما اعترف به الشهيد في الذكرى. (4)

قيل (5) عليه: إنّ مطلق صوم الجنب لا يكون مشروطاً بالغسل؛ لأنّ مَنْ نام بنيّة الغسل حتى أصبح لا يفسد صومه، و كذا مَن لم يعلم بالجنابة حتى طلع الفجر أو تعذّر عليه الغسل.

و جوابه: أنّ الحكم بوجوب الغسل أعمّ من كونه شرطاً. و يؤيّده ما ذكر من الصور إذ لو كان شرطاً، لم يصحّ الصوم على وجه. نعم، هو واجب موسّع قبل النوم، و بعده لا تكليف. و لأنّ شرطيّة الطهارة قويّة لا يعذر فيها الناسي. و مقتضى كلامهم أنّه شرط على بعض الوجوه لا مطلقاً، فسقط الإيراد. (6)

و قد يجاب بأنّ المفرد المحلّى باللام لا يعمّ عند المصنّف، فيصدق بجُنبٍ ما من غير أن يندرج فيه ما ذُكر.

و أورد العلامة قطب الدين الرازي على المصنّف أنّ قوله: «و لصوم الجنب» يدلّ على أنّ غسل الجنابة واجب لغيره، و هو لا يقول به.

و أجاب المصنّف: بأنّ المراد تضيّق الوجوب، و معناه أنّ الصوم ليس موجباً للغسل، بل يتضيّق وجوبه بسببه، و إنّما الموجب له الجنابة، فذكره لبيان كيفيّة الوجوب لا لبيان ماهيّته، كذا قرّره الشهيد (رحمه اللّه) و أقرّه. و زُيّف بأنّ الغسل شرط للصوم قطعاً،

____________

(1) علل الشرائع 1: 334/ 1، الباب 210.

(2) الدروس 1: 99.

(3) المقنع: 189.

(4) الذكرى 1: 193.

(5) لم نعثر على القائل فيما بين أيدينا من المصادر.

(6) في الطبعة الحجريّة زيادة: «كما مرّ».

59

و وجوب المشروط يقتضي وجوب الشرط.

و يمكن الجواب عن الإيراد و إن قلنا بالشرطيّة بعدم المنافاة بين وجوبه لنفسه و وجوبه لكونه شرطاً للصوم؛ لأنّ الواجب في نفسه لا يمتنع جعله شرطاً لواجبٍ آخر، كستر العورة مع وجود الناظر؛ فإنّه واجب في نفسه و شرط للصلاة، و كصوم رمضان بالنسبة إلى الاعتكاف المنذور فيه، و حينئذٍ فيجب لوجوبه، قضيّةً للاشتراط، و لهذا يتعلّق به حكم الوجوب اللاحق، كتضيّقه بتضيّق مشروطه.

(و) يجب الغسل أيضاً لصوم (المستحاضة مع غمس) دمها (القطنة) سواء سال أم لم يسل، فيشمل حالتيها: الوسطى و العليا، و تخرج القليلة.

و المستند بعد الأخبار الإجماعُ.

و لا إشكال في الحكم إذا كان الغمس بعد انتصاف الليل و قبل الفجر بالنسبة إلى اليوم المستقبل، و كذا إذا كان بعد الفجر قبل الصلاة على الظاهر؛ لعموم توقّف الصوم على الأغسال.

و يحتمل ضعيفاً عدم وجوبه للصوم هنا و إن وجب للصلاة؛ لسبق انعقاده.

أمّا لو كان بعد صلاة الفجر، لم يجب الغسل للصوم قطعاً؛ لعدم وجوبه بالنسبة إلى صلاة الفجر.

ثمّ إن استمرّ إلى صلاة الظهر و كان كثيراً توقّف عليه الصوم؛ لوجوبه لصلاة الظهر.

أمّا لو كثر و انقطع قبل الظهر، ففي إيجابه الغسل خلاف يأتي تحقيقه إن شاء اللّه.

و لو تجدّدت الكثرة بعد صلاة الظهرين، لم يتوقّف صوم اليوم الحاضر على الغسل و إن استمرّت إلى وقت العشاءين، مع احتماله. و الظاهر توقّف صوم اليوم المستقبل عليه، للعموم.

و كذا إذا تجدّدت الكثرة بعد صلاة العشاء، سواء انقطعت قبل الانتصاف أم استمرّت. و الظاهر الاكتفاء حينئذٍ بغسلٍ واحد قبل الفجر و إن وجب في السابق أكثر.

و لو كان متوسّطاً، فإن استمرّ إلى الفجر، فتوقُف الصوم عليه ظاهر. و إن انقطع قبله، فالأجود وجوب الغسل له، و توقّف الصوم عليه؛ للعموم.

[و منه المستحبّ]

(و يستحبّ) الغسل بأصل الشرع (للجمعة) على المشهور؛ لقوله (عليه السلام) (صلّى اللّه عليه و آله)

مَنْ توضّأ

60

يوم الجمعة فبها و نِعمَت، و من اغتسل فالغسل أفضل

(1)

و قول الكاظم (عليه السلام)

إنّه سُنّة و ليس بفريضة.

(2)

و الأخبار الدالّة على الوجوب محمولة على تأكّد الاستحباب جمعاً بين الأخبار.

و وقته للمختار من طلوع الفجر، و يمتدّ إلى الزوال؛ لقول الصادق (عليه السلام)

كانت الأنصار تعمل في نواضحها و أموالها، و إذا كان يوم الجمعة جاؤوا المسجد

(3)

فيتأذّى الناس بأرواح آباطهم و أجسادهم، فأمرهم رسول اللّهُ (صلّى اللّه عليه و آله) بالغسل يوم الجمعة، فجرت بذلك السّنّة.

(4)

و كلّما قرب من الزوال كان أفضل؛ لزيادة المعنى عند الحاجة إليه في الأصل.

و لو فاته قبل الزوال لعذرٍ و غيره على الأصحّ، استحبّ قضاؤه إلى آخر السبت ليلًا و نهاراً، مع احتمال عدمه ليلًا، لظاهر النصّ. (5)

و يستحبّ تعجيله يوم الخميس مع خوف فوت الأداء و إن علم التمكّن من القضاء.

و احتمل المصنّف هنا تحتّم القضاء، كصلاة الليل.

و أفضل وقتي التعجيل و القضاء الأقرب إلى وقت الأداء، و هو آخر الأوّل و أوّل الثاني.

(و) يستحبّ الغسل أيضاً (أوّل ليلة من شهر رمضان) و هو إجماع، و رواه عثمان بن عيسى عن سماعة عن أبي عبد الله (عليه السلام) (6) و هُما واقفيّان، لكن أُيّدت الرواية بعمل الأصحاب.

(و ليلة نصفه) و هي ليلة الخامس عشر. و لم نعلم فيها نصّاً على الخصوص.

قال المحقّق في المعتبر: و لعلّه لشرف تلك الليلة، فاقترانها بالطهر حسن. (7)

و يظهر من المصنّف في النهاية (8) أنّ به روايةً.

(و) ليلة (سبع عشرة، و) ليلة (تسع عشرة، و) ليلة (إحدى و عشرين، و) ليلة

____________

(1) سنن أبي داود 1: 97/ 1354؛ سنن الترمذي 2: 369/ 497؛ سنن النسائي 3: 94؛ سنن ابن ماجة 1: 347/ 1091؛ سنن البيهقي 1: 441- 442/ 1410؛ مسند أحمد 5: 644- 645/ 19661 و 19664.

(2) التهذيب 1: 112/ 295؛ الاستبصار 1: 102/ 333.

(3) كلمة «المسجد» لم ترد في «ق، م» و العلل و التهذيب.

(4) الفقيه 1: 62/ 230؛ علل الشرائع 1: 331/ 3، الباب 203؛ التهذيب 1: 366/ 1112.

(5) انظر: الكافي 3: 43/ 7.

(6) الكافي 3: 40/ 2؛ التهذيب 1/ 104/ 270.

(7) المعتبر 1: 335.

(8) نهاية الإحكام 1: 177.

61

(ثلاث و عشرين) من شهر رمضان، و هو إجماع.

و رواه محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام)، قال

الغسل في سبعة عشر موطناً: ليلة سبع عشرة، و هي ليلة التقى الجمعان، و تسع عشرة فيها يكتب وفد السنة، و ليلة إحدى و عشرين، و هي الليلة التي أُصيب فيها أوصياء الأنبياء، و فيها رُفع عيسى بن مريم (عليه السلام) و قُبض موسى (عليه السلام) و ثلاث و عشرين يرجى فيها ليلة القدر.

(1)

(و ليلة الفطر) ذكره الشيخان. (2)

و رواه الحسن بن راشد، قال

إذا غربت الشمس ليلة العيد فاغتسل

(3)

الحديث، و الحسن بن راشد ضعّفه النجاشي. (4)

و لم يذكر هذا الغسل جماعة، لكن أحاديث السنن يتسامح فيها.

(و يومي العيدين) و هو إجماعنا، و مذهب الجمهور.

و حكي عن أهل الظاهر وجوبه فيهما. (5)

و وقته مجموع النهار، عملًا بإطلاق اللفظ، لكنّ الأفضل فعله عند الصلاة؛ للتعليل المذكور في الجمعة. و لو فات، لم يقض؛ لعدم النصّ.

(و ليلة نصف رجب) و هو مشهور، لكن لم يعلم فيه خبر، و ربما كان ذلك لشرف الوقت، كما تقدّم.

(و) ليلة نصف من (شعبان) رواه أبو بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال

صوموا شعبان، و اغتسلوا ليلة النصف منه

(6)

و في بعض رجالها ضعف.

و ذكر الشيخ في المصباح روايةً عن سالم مولى [أبي (7)] حذيفة عن رسول اللّهُ (صلّى اللّه عليه و آله) قال

مَنْ تطهّر ليلة النصف من شعبان فأحسن الطهر

و ساق الحديث إلى قوله

قضى اللّه له ثلاث حوائج، ثمّ إن سأل أن يراني في ليلته رآني.

(8)

____________

(1) التهذيب 1: 114/ 302.

(2) المقنعة: 51؛ المبسوط 1: 40.

(3) الكافي 4: 167/ 3؛ التهذيب 1: 115/ 303.

(4) رجال النجاشي: 38/ 76.

(5) كما في المعتبر 1: 356.

(6) التهذيب 1: 117/ 308.

(7) ما بين المعقوفين من المصدر.

(8) مصباح المتهجّد: 838- 839.

62

و هذه الرواية أيضاً ضعيفة، و المعوّل على الاستحباب اتّباعاً.

(و يوم المبعث) و هو السابع و العشرون من رجب، ذكره الشيخ في الجُمل و المصباح، (1) و لم يثبت فيه خبر، و الكلام فيه كنصف رجب.

(و) يوم (الغدير) و هو إجماع منّا.

و رواه علي بن الحسين العبدي، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول

مَنْ صلّى فيه ركعتين يغتسل عند زوال الشمس من قبل أن تزول بمقدار نصف ساعة

إلى قوله

ما سأل اللّه حاجةً من حوائج الدنيا و الآخرة إلا قُضيت له كائناً ما كانت.

(2)

(و) يوم (المباهلة) و هو الرابع و العشرون من ذي الحجّة على المشهور.

و قيل: الخامس و العشرون، و اختاره المحقّق. (3)

و روى سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال

غسل المباهلة واجب

(4)

و المراد تأكيد الاستحباب؛ للإجماع على عدم وجوبه.

(و) يوم (عرفة) عند الزوال.

(و غسل الإحرام) على الأصحّ.

و أوجبه ابن أبي عقيل. (5) و نقله المرتضى عن كثير منّا. (6)

و الأولى حمل لفظ «الفرض» في الحديث (7) به على تأكيد الاستحباب، أو أنّ ثوابه ثواب الفرض، كما ذكره الشيخ (رحمه اللّه) في التهذيب (8)؛ جمعاً بين الأخبار، مع أنّ في الرواية ضعفاً.

(و) غسل (الطواف، و) غسل (زيارة النبي و الأئمّة (عليهم السلام)) للرواية (9) في ذلك كلّه.

(و) غسل (قضاء) صلاة (الكسوف) العارض للشمس و القمر (للتارك عمداً مع

____________

(1) الجُمل و العقود (ضمن الرسائل العشر): 167؛ مصباح المتهجّد: 12.

(2) التهذيب 3: 143- 144/ 317.

(3) المعتبر 1: 357.

(4) الفقيه 1: 45/ 176؛ التهذيب 1: 104/ 207.

(5) حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 152، المسألة 102.

(6) مسائل الناصريّات: 147، المسألة 44.

(7) التهذيب 1: 271105؛ الاستبصار 1: 98/ 316.

(8) التهذيب 1: 105 ذيل الحديث 271؛ و كذا في الاستبصار 1: 98 ذيل الحديث 316.

(9) التهذيب 1: 114/ 302.

63

استيعاب الاحتراق) للقرص كلّه؛ للخبر. (1)

و اقتصر المفيد و المرتضى على تركها متعمّداً. (2)

و أوجبه سلّار. (3)

و استقرب المصنّف (رحمه اللّه) استحبابه لجاهل وجوب الصلاة أيضاً. (4)

(و) غسل (المولود) حين ولادته، لأنّه خرج من محلّ الخبث، و للخبر. (5)

و أوجبه ابن حمزة (6) محتجّاً برواية (7) ضعيفة.

(و) غسل (السعي إلى رؤية المصلوب) مع الرؤية (بعد ثلاثة) من صلبه.

و قيل: من موته. (8) و لا شاهد له.

و لا فرق بين مصلوب الشرع و غيره، عملًا بالإطلاق.

و ربما قيل باستحباب الغسل برؤية مصلوب غير الشرع من أوّل يوم؛ لمساواته الأوّل بعدها في تحريم وضعه على الخشبة.

و كذا لا فرق بين المصلوب على الهيئة المعتبرة شرعاً و غيره.

و لو قُتل بغير الصلب، لم يستحبّ الغسل؛ للأصل.

و أوّل وقته الرؤية.

و نُقل عن أبي الصلاح القول بوجوبه. (9)

(و للتوبة) من فسق أو كفر و إن كان ارتداداً.

و وقته بعد التوبة و الإسلام؛ لتضيّقهما.

و تقييدهم بالفسق يقتضي عدم الاستحباب للتوبة من صغيرةٍ لا توجبه.

و يمكن دخوله في العموم و التعليل بالتفاؤل بغسل الذنب و الخروج من دنسه.

____________

(1) انظر: التهذيب 1: 117- 118/ 309.

(2) المقنعة: 51؛ و حكاه عنه و عن السيّد المرتضى المحقّق في المعتبر 1: 358.

(3) انظر: المراسم: 52.

(4) نهاية الإحكام 1: 178.

(5) الكافي 3: 40/ 2؛ الفقيه 1: 45/ 176؛ التهذيب 1: 104/ 270.

(6) الوسيلة: 54.

(7) نفس المصادر في الهامش (5).

(8) نقله العاملي في مفتاح الكرامة 1: 18 عن بعض الناس في حاشية البيان.

(9) الكافي في الفقه: 133- 135.

64

(و) غسل (صلاة الحاجة، (1) و) صلاة (الاستخارة) للخبر. و ضعفه معتضد بعمل الأصحاب.

(و) غسل (دخول الحرم و المسجد الحرام و مكة و الكعبة و المدينة و مسجد النبي (صلّى اللّه عليه و آله) (صلّى اللّه عليه و آله)) للنصّ (2) في ذلك كلّه.

(و لا تتداخل) هذه الأغسال عند اجتماع أسبابها؛ لأنّ كلّ واحد منها سبب مستقلّ في استحباب الغسل، و الأصل عدم تداخلها. و إن تداخلت في بعض الصور، فعلى خلاف أصلها، لأمرٍ عرضيّ من نصّ أو غيره. و لاعتبار نيّة السبب و خصوصاً مع انضمام واجبٍ إليها، لتضادّ وجهَي الوجوب و الندب، فإنّه إمّا أن ينوي الندب أو الوجوب أو هُما، و يلزم من الأوّل عدمُ ارتفاع الحدث؛ لعدم رفع هذه الأغسال المندوبة الحدثَ بل قد تُجامعه، كما يصحّ غسل الإحرام من الحائض. و من الثاني نيّةُ وجوب ما ليس بواجب. و من الثالث الجمعُ بين الضدّين، فإن اجتمعا، فظاهر بطلانه. و إن حصل أحدهما، فهو ترجيح بلا مرجّح.

و الحقّ: التداخل مطلقاً و خصوصاً مع انضمام الواجب؛ لما رواه زرارة عن أحدهما (عليهما السلام)

إذا اجتمعت للّه عليك حقوق أجزأك عنها غسل واحد

قال

و كذلك المرأة يجزئها غسل واحد لجنابتها و إحرامها و جمعتها و غسلها من حيضها و عيدها.

(3)

و الأوّل شامل لاجتماع المسنونة خاصّة و الواجبة خاصّة و اجتماعهما معاً، و الآخر صريح في الاجتزاء بغسلٍ واحد مع انضمام الواجب لكن مع اجتماع الأسباب المندوبة.

و الأولى اشتراط نيّة الجميع؛ لأنّ نيّة السبب في المندوب مطلوبة، إذ لإيراد به رفع الحدث، بخلاف الواجبة.

و لو نوى البعض، فالوجه: اختصاصه بما نواه.

و مع انضمام الواجب يكفي أحد الأمرين: نيّة الواجب أو نيّة الجميع، صرّح به

____________

(1) الكافي 3: 476/ 1، و 477/ 3؛ الفقيه 1: 353/ 1551؛ التهذيب 1: 116/ 305، 117/ 306.

(2) الكافي 3: 40/ 1 و 2؛ الفقيه 1: 44/ 172، و 45/ 176؛ الخصال 2: 498- 499/ 5، و 603/ 9؛ عيون اخبار الرضا (عليه السلام) 2: 123؛ التهذيب 1: 104/ 270، و 105/ 272، و 110- 111/ 290، و 114/ 302.

(3) التهذيب 1: 107/ 279؛ و في الكافي 3: 41 (باب ما يجزئ الغسل منه إذا أجمع) الحديث 1 مضمرا.

65

جماعة. (1) و لا يخلو من إشكال؛ لتضادّ الوجه، و اعتبار نيّة السبب.

و يمكن سقوط اعتبار السبب هنا و دخوله تحت الوجوب، كما في الأذكار المندوبة خلال الصلاة الواجبة، و الصلاة على جنازتي مَنْ زاد عن الستّ و نقص عنها، مع أنّ بعض (2) مشايخنا المعاصرين مع حكمه بالتداخل مطلقاً أسقط اعتبار السبب، عملًا بظاهر الرواية. قال: و لأنّه حكم شرعيّ، فلا يتوقّف على اختيار المكلّف، فيكون معناه سقوط الاستحباب و زيادة ثواب هذا الغسل على غيره. و هو قريب.

[و أما التيمّم]

(و التيمّم يجب) بأصل الشرع (للصلاة و الطواف الواجبين) بل الصواب أنّه يجب لما تجب له الطهارتان (و) يزيد عليهما (لخروج الجنب من المسجدين) ليدخل فيه التيمّم لمسّ كتابة القرآن إن وجب، و للصوم إن قلنا بوجوب التيمّم مع تعذّر الغسل لئلا يدخل في قوله

و المندوب ما عداه.

و شمل قوله: «لخروج الجنب» مَنْ أجنب في المسجد باحتلام كما ورد به النصّ (3) و بغيره، و مَنْ دخل مجنباً؛ لاشتراك الجميع في العلّة، و هو قطع شيء من المسجدين جنباً، فإنّه محرّم بدون الطهارة مع الإمكان.

و إطلاق الحكم بالتيمّم مبنيّ على الغالب من عدم وجود ماءٍ في المسجدين يصلح للغسل من غير تلويث المسجد بالنجاسة خصوصاً في مورد النصّ، و هو الاحتلام فيهما، فإنّه يستلزم النجاسة، أو على الغالب من نقصان زمانه عن (4) زمان الغسل.

و لو فرض تساوي زمانيهما أو نقصان زمان الغسل و أمكن الغسل في المسجد، وجب الغسل. و إطلاق الخبر بالتيمّم مقيّد بعدم ذلك، جمعاً بينه و بين ما دلّ على اشتراط عدم الماء في جواز التيمّم، مع احتمال التيمّم مطلقاً؛ لظاهر النصّ في تخصيص التيمّم بالذكر مع حرمة الكون في المسجد.

و يؤيّده ما رُوي

أنّ الحائض إذا أصابها الحيض تفعل ذلك.

(5)

و هو دليل على عدم

____________

(1) منهم: الشيخ الطوسي في المبسوط 1: 40؛ و الخلاف 1: 221، المسألة 189.

(2) هو السيّد حسن بن السيد جعفر الأعرجي رحمه الله، كما في هامش «م». و انظر: الدرّ المنثور 2: 159.

(3) الكافي 3: 73/ 14؛ التهذيب 1: 407/ 1280.

(4) في «ق، م» و الطبعة الحجرية: «على» بدل «عن» و الصحيح ما أثبتناه.

(5) الكافي 3: 73/ 14.

66

اعتبار الطهر في هذا التيمّم.

و في المعتبر نفى الوجوب عن الحائض و إن استحبّ؛ لأنّه لا سبيل لها إلى الطهارة، بخلاف الجنب. (1) و ردّه الشهيد (2) (رحمه اللّه) بأنّه اجتهاد في مقابلة النصّ، ثمّ عارضه باعترافه بالاستحباب.

و يشكل بأنّ المحقّق (3) طعن فيه في الرواية بالقطع، (4) فلا حجّة فيها، فيرجع إلى الاجتهاد. و يصحّ استناد الاستحباب إلى الرواية؛ للتسامح في دلائل السنن.

و يمكن كون التيمّم مبيحاً لهذا الجواز و إن كان الحدث باقياً.

و الظاهر إلحاق النفساء بالحائض هنا؛ لأنّها حائض في المعنى، دون المستحاضة المخاطَبة بالغسل؛ لعدم النصّ.

و إنّما قيّدنا جواز الغسل في المسجد مع إمكانه بمساواة زمانه لزمان التيمّم أو قصوره عنه مع أنّ الدليل يقتضي تقديمه مطلقاً مع إمكانه؛ لعدم العلم بالقائل بتقديمه مطلقاً، و إلا كان القول به متوجّهاً.

بقي هنا بحث، و هو: أنّ هذا التيمّم للخروج من المسجدين هل يُبيح الصلاة و نحوها؟ قيل (5) لا؛ لوجوب الخروج عقيبه بغير فصلٍ متحرّياً أقرب الطرق، فعلى هذا لا ينوي فيه البدليّة.

و التحقيق أن يقال: إن كان الغسل ممكناً في المسجد و لم نقل بتقديمه على التيمّم، فلا إشكال في عدم إباحة هذا التيمّم؛ للإجماع على عدم إباحة الصلاة بالتيمّم مع إمكان الغسل.

و إن لم يكن في المسجد، فلا يخلو إمّا أن يكون الغسل ممكناً خارجه، (6) كما لو كان الماء موجوداً و لا مانع لهذا المتيمّم من الغسل من مرضٍ و لا غيره، و هنا يتوجّه أيضاً عدم

____________

(1) المعتبر 1: 222- 223.

(2) الذكرى 1: 207.

(3) المعتبر 1: 222.

(4) أي: انّها مقطوعة.

(5) القائل هو المحقّق الكركي في حاشية الشرائع، الورقة 4.

(6) في الطبعة الحجريّة: «خارجا».

67

إباحته للصلاة (1)؛ لأنّ وقوعها في المسجد ممتنع، لوجوب المبادرة إلى الخروج، و بعد الخروج يتمكّن من الغسل، فيفسد التيمّم، و إنّما شُرّع التيمّم هنا مع إمكان الغسل خارجاً، لتحريم المرور في المسجدين من دون الغسل أو التيمّم، فإذا تعذّر الغسل داخله، قام التيمّم مقامه في إباحة قطع مسافته.

و إن كان الغسل غير مقدور خارج المسجد، فالوجه: كون هذا التيمّم مبيحاً؛ لعدم المانع، فإنّ التيمّم مع تعذّر الطهارة المائيّة يبيح ما تبيحه، إلا على قول ولد المصنّف رحمه الله من عدم إباحة دخول المساجد مطلقاً بالتيمّم. (2)

و سيأتي بطلانه.

و يمنع حينئذٍ وجوب المبادرة إلى الخروج و تحرّي أقرب الطرق؛ لأنّ ذلك مشروط بإمكان الغسل خارج المسجد، جمعاً بين قولهم هنا كذلك و قولهم في باب التيمّم: إنّه يبيح ما تبيحه المائيّة، و من جملة ما تبيحه المائيّة اللبث في المسجدين و غيرهما، فيصحّ اللبث و الصلاة.

و لا يلحق باقي المساجد بالمسجدين في شرعيّة التيمّم؛ لعدم النصّ.

و قرّب في الذكرى استحبابه لها، للقرب إلى الطهارة، و عدم زيادة الكون فيها على الكون له في المسجدين. (3)

و الفرق واضح بعد ورود النصّ، و لأنّ قطع المسجدين مشروط بالغسل مع إمكانه، بخلاف غيرهما من المساجد. و استحباب قطعها بالغسل مع عدم اللبث لا يقتضي جوازه هنا، مع استلزامه اللبث المحرّم، لأنّ ذلك يحصل مع الغسل خارجها، فلا يعارض ما دلّ على تحريم اللبث فيها للجنب. و لو سلّم فتركه أولى؛ لأنّ ترك ما هو عرضة للتحريم أولى من الطمع في تحصيل المندوب.

(و) التيمّم (المندوب) بأصل الشرع (ما عداه) فيستحبّ بدلًا من الوضوء المستحبّ في كلّ موضع يكون الوضوء رافعاً، لتحقّق البدليّة.

____________

(1) في «ق، م»: «الصلاة».

(2) قال فخر المحقّقين في إيضاح الفوائد 1: 66: لا يبيح- أي التيمّم- للجنب الدخول في المسجدين و لا الاستقرار في باقي المساجد، إلى آخره.

(3) الذكرى 1: 207.

68

و هل يستحبّ بدلًا من غير الرافع، كنوم الجنب و ذِكْرِ الحائض؟ يحتمله؛ لحلوله محلّ الرافع، فغيره أولى. و العدم؛ لعدم النصّ.

و يستحبّ أيضاً بدلًا من غسل الإحرام مع تعذّره.

و هل يستحبّ بدلًا من غيره؟ وجهان أرجحهما: العدم؛ لعدم النصّ.

و على القول برفع الغسل المندوب الحدث كما هب إليه المرتضى (1)- لا إشكال في الاستحباب، و يكون مبيحاً للصلاة.

و يستحبّ أيضاً للنوم مع وجود الماء. و لصلاة الجنازة على المشهور. و ادّعى عليه الشيخ (2) الإجماعَ. و حجّيّة المنقول منه بخبر الواحد كما قرّر في الأُصول يدفع منع المحقّق له في المعتبر (3) بعدم معرفته.

و الظاهر في نيّتهما البدليّة، كغيرهما؛ لعدم المانع.

و رجّح بعضُ (4) المحقّقين عدمَها فيهما.

فهذه ستّة أقسام من الاثني عشر واجبة و مندوبة بأصل الشرع.

ثمّ أشار إلى الثلاثة الواجبة بسببٍ من المكلّف بقوله (و قد تجب الثلاثة بالنذر و شبهه) كالعهد و اليمين.

و يشترط في انعقاد نذر كلّ منها أن يكون راجحاً لولا النذر، سواء كان واجباً أم مندوباً على الأصحّ في الأوّل، فالوضوء ينعقد نذره دائماً؛ لرجحان فعله دائماً.

و هل ينصرف النذر إلى الرافع للحدث أو المبيح للصلاة أم الأعمّ؟ وجهان، و الثاني لا يخلو من قوّة.

ثمّ إن أطلق، كان وقته العمر، و يتضيّق عند ظنّ الوفاة، كنظائره من أفراد النذر المطلق. و إن قيّده بوقتٍ و اتّفق فيه محدثاً، فالأمر واضح، و إلا بني على الوجهين. فإن لم نعتبر أحد الأمرين، وجب التجديد. و إن اعتبرناه، لم يجب الوضوء؛ لامتناع تحصيل

____________

(1) حكاه عنه المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 196؛ و العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 178، المسألة 124؛ و الشهيد في الدروس 1: 87؛ و الذكرى 1: 202.

(2) الخلاف 1: 160- 161، المسألة 112.

(3) المعتبر 1: 405.

(4) لم نتحقّقه.

69

الحاصل، و لا الحدث؛ لعدم وجوب تحصيل شرط الواجب المشروط.

و يجيء على القول برفع المجدّد احتمال وجوبه؛ لإمكان أن يظهر بعد ذلك الخلل في الأوّل، بل يحتمل وجوبه و إن لم يظهر.

و يضعّفان معاً بأنّه الآن غير رافع؛ لاستحالة تحصيل الحاصل، فلا يخاطب به.

و لو اتّفقت المرأة حائضاً في الوقت المعيّن و حضر وقت صلاة، بُني على الوجهين أيضاً.

و أمّا الغسل فإن قيّده في نذره بأحد أسبابه الراجحة، انعقد. و إن أطلق، أوقعه على أحد تلك الأسباب. و في إجزاء الواجب حينئذٍ منه و من الوضوء وجه.

ثمّ إن عيّن زماناً و لم يوجد السبب فيه، بطل النذر.

و أمّا التيمّم فلمّا كانت مشروعيّته مشروطةً بعدم الماء أو عدم التمكّن من استعماله اشترط ذلك في انعقاد نذره، فيتوقّع مع الإطلاق، و يبطل مع التعيين حيث لا يتعذّر استعمال المائيّة و لا يجب عليه تحصيل سببه بالحدث، كما مرّ.

و يشترط في صحّة نذره إطلاقه أو تعليقه بأحد أسبابه الراجحة، ففي الواجبِ الحكمُ ظاهر، و في بدل المندوب من الوضوء يشترط كونه رافعاً، كما تقدّم، و من الغسل يختصّ بغسل الإحرام.

هذا كلّه إذا نذر كلّ واحد من الثلاثة على حدته أو نذرها بلفظ يشملها، كأن نذر الطهارة ملاحظاً إطلاقها على الأنواع الثلاثة، أمّا لو نذر الطهارة مطلقاً، ففي تخييره بين الثلاثة أو حمله على المائيّة خاصّة أو على الترابيّة أوجُه مبنيّة على ما سلف من الكلام على أنّ مقوليّة الطهارة على الثلاثة هل هو بطريق الاشتراك أو التواطؤ أو التشكيك أو الحقيقة و المجاز؟

فعلى الأوّلين يبرّ بكلّ واحد من الثلاثة، لكن يشترط في التيمّم تعذّر الآخَرَين. و على الثالث يحتمل قويّاً ذلك أيضاً. و يحتمل انصرافه إلى الفرد الأقوى، و هو المائيّة مخيّراً بين فرديها؛ لأنّه المتيقّن، و إلى الأضعف و هو التيمّم لأصالة البراءة. و هو أضعفها. و على الرابع ينصرف إلى المائيّة خاصّة قطعاً، و قد سبق تحقيقه.

70

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

71

[النظر الثاني: في أسباب الوضوء و كيفيته]

(النظر الثاني: في أسباب الوضوء) بضمّ الواو اسم للفعل مأخوذ من الوضاءة بالمدّ. و هي: النظافة و النظارة، و هو اسم مصدر؛ لأنّ قياس المصدر: التوضّؤ، كالتعلّم و التكلّم، و تقول: «توضّأت» بالهمزة. و يجوز على قلّة «توضّيت» بالياء. و كذا «قرأت» و نحوهما. و الوضوء بفتح الواو اسم للماء الذي يتوضّأ به.

و قيل: هُما جميعاً بالفتح. (1) و قيل بالضمّ. (2)

و إطلاق الأسباب على الأحداث المعهودة باعتبار استلزامها الطهارة إمّا وجوباً أو ندباً، فإنّ السبب عند الأُصوليّين هو كلّ وصفٍ ظاهرٍ منضبطٍ دلّ الدليل على كونه معرّفاً لإثبات حكمٍ شرعيّ لذاته، و هو هنا عبارة عن الوصف الدالّ على المخاطبة بالطهارة وجوباً أو ندباً.

و لا يرد حدث الصبي و المجنون و الحائض، فإنّ حدثهم بحسب ذاته دالّ عليها مستلزم لها، و إنّما تخلّف الحكم لعارضٍ، و هو فَقدُ الشرط في الأوّلين و وجود المانع في الأخير، و تخلّف الحكم لفقد الشرط أو وجود المانع لا يقدح في السببيّة، كما قرّر في محلّه. و عدم تكليفهما لا يدلّ على عدم ترتّب حكم السببيّة و لو بالقوّة، و لهذا تجب عليهما الطهارة عند الكمال بالسبب الحاصل قبله، كما صرّح به الشهيد (3) (رحمه اللّه) و غيره.

و يعلم من ذلك أنّ التعبير عن الأحداث بالأسباب أولى من التعبير بالنواقض و الموجبات،

____________

(1) انظر: الصحاح 1: 81، «و ض أ».

(2) انظر: الصحاح 1: 81، «و ض أ».

(3) انظر: الحاشية النجّاريّة، الورقة 3.

72

كما فَعَله غيره؛ لأنّ تسميتها نواقض باعتبار تعقّبها لطهارةٍ سابقة، و ظاهر أنّ الحدث أعمّ من ذلك. و تسميتها موجباتٍ باعتبار وجودها عند تكليف المكلّف بما يشترط فيه الطهارة، أو عند وجود السبب فيما وجب منها لنفسه، كغسل الجنابة عند المصنّف، (1) و غسل الأموات، و ظاهر أيضاً أنّ الأحداث أعمّ من ذلك، فالأسباب أعمّ منهما مطلقاً.

أمّا من النواقض: فلاجتماعهما في حدثٍ تعقّب طهارةً و تخلّف الأسباب فيما عدا ذلك، و لا يتصوّر ناقض غير سبب بعد ما تلوناه.

و أمّا من الموجبات: فلأنّه يصدق على الأحداث السببيّة عند وجودها حال براءة ذمّة المكلّف من مشروطٍ بالطهارة، و لا تصدق الموجبيّة حينئذٍ.

و أمّا النواقض: فبينها و بين الموجبات عموم من وجه؛ لصدق الناقض بدون الموجب في حدثٍ تعقّب طهارةً صحيحة مع خلوّ ذمّة المكلّف من مشروطٍ بها، و يصدق الموجب بدون الناقض في الحدث الحاصل عقيب التكليف بصلاةٍ واجبة من غير سبق طهارة.

و لا يرد أنّ الوجوب حاصل من قبلُ حيث لم يكن متطهّراً، فيلزم تحصيل الحاصل أو اجتماع علّتين أو عِلَل على معلولٍ شخصيّ.

لأنّا نقول: إنّ كلّ واحد من الحدث السابق و المفروض لو انفرد كان موجباً، و ليس للاجتماع مدخل في نفي هذا الحكم، و الأحداث كلّها معرّفات شرعيّة للأحكام لا علل عقليّة.

و يصدقان معاً في الحدث المتعقّب لطهارةٍ شرعيّة مع اشتغال ذمّة المكلّف بمشروطٍ بها.

(و) نبحث في هذا النظر أيضاً عن (كيفيّته) أي الوضوء. و إطلاق الكيفيّة على الذات من حيث إنّه يُسأل عنها بكيف هي؟.

[القول في مبطلات الوضوء]

(إنّما يجب الوضوء) خاصّةً (من) خروج (البول و الغائط و الريح من) الموضع (المعتاد) لخروج هذه الثلاثة منه، و هو المخرج الطبيعيّ. و إطلاق المعتاد عليه باعتبار التعريف، لا لملاحظة اشتراط اعتياد الخروج منه، فيجب الوضوء بالخارج منه بأوّل مرّة بمعنى كون الخروج سبباً فيه و إن تخلّف تأثيره لفقد شرطٍ، كالصغر.

و لو خرجت الثلاثة من غير الموضع الطبيعيّ، أوجبت إن اعتيد، و إلا فلا و يمكن

____________

(1) مختلف الشيعة 1: 159، المسألة 107.

73

دخوله في العبارة أيضاً سواء كان فوق المعدة أم تحتها.

هذا مع عدم انسداد الطبيعيّ، و معه لا يعتبر في غيره الاعتياد، و يصير معتاداً بالخروج منه مرّتين متواليتين عادةً.

و يعلم من الحصر المستفاد ب«إنّما» عدم الوجوب بالخارج غير الثلاثة من حبّ و دود و غيرهما مع عدم مصاحبته لشيء من الثلاثة، و معها ينقض لا باعتباره، بل باعتبار ما خرج معه منها.

و يستفاد أيضاً عدم الوجوب من الريح الخارج من القُبُل، سواء الرجل و المرأة على الأصحّ.

و المتعارف من الخروج ما كان معه انفصال، فلو خرجت المقعدةُ ملطّخةً بالغائط ثمّ عادت و لمّا ينفصل، لم يجب الوضوء على الأصحّ.

(و) من (النوم الغالب) غلبة مستهلكة معطّلة للحاسّتين لا مطلق الغلبة (على الحاسّتين) و هُما: السمع و البصر.

و إنّما خصّهما بالذكر من بين الحواسّ مع اشتراط زوال الجميع قطعاً؛ لأنّهما أقوى الحواسّ، فغلبته عليهما تقتضي غلبته على باقي الحواسّ من غير عكسٍ.

و المعتبر في غلبته عليهما التحقيق على تقدير سلامتهما من الآفة، أو التقدير مع عدمها.

(و) يجب الوضوء ممّا يغلب على العقل من (الجنون و الإغماء و السكر).

و استدلّ على ذلك بقول الباقر و الصادق (عليه السلام)» حين عدّدا موجبات الوضوء

و النوم حتى يذهب العقل

(1)

فيعلم منه حكم مزيل العقل.

و بقول الصادق (2) (عليه السلام)

إذا خفي عليه الصوت وجب الوضوء.

(3)

و في الاستدلال بهما بحث.

(و) من (الاستحاضة القليلة) خلافاً لابن أبي عقيل، فإنّه لم يوجبه بها. (4)

____________

(1) الكافي 3: 36/ 6؛ الفقيه 1: 37/ 137؛ التهذيب 1: 8/ 12.

(2) كذا في «ق، م» و الطبعة الحجريّة و الذكرى 1: 210؛ و في الكافي و التهذيب عن أبي الحسن (عليه السلام).

(3) الكافي 3: 37/ 14؛ التهذيب 1: 9/ 14.

(4) حكاه عنه المحقّق في المعتبر 1: 242.

74

و إنّما خصّ القليلة بالذكر؛ لأنّ المتوسّطة و الكثيرة توجبان الغسل في الجملة و إن أوجبتا الوضوء خاصّةً على بعض الوجوه.

و لا (1) يرد ما قيل: إنّه إن أراد ما يوجب الوضوء خاصّةً، فكان عليه أن يذكر مع الاستحاضة القليلة قسمَي المتوسّطة، أعني ما عدا الصبح. و إن أراد موجب الوضوء في الجملة، فكان عليه أن يذكر الموجبات الأحد عشر. (2)

لأنّا قد بيّنّا أنّ المتوسّطة من حيث هي موجبة للغسل و إن كانت بالنظر إلى بعض أحوالها موجبةً للوضوء خاصّةً.

و أيضاً فما ذُكر لو تمّ، لورد في الكثيرة أيضاً؛ لإيجابها الوضوء خاصّةً على بعض الوجوه، و هو لصلاة العصر و صلاة العشاء، فلا وجه للنقض بالمتوسّطة خاصّة، و الجواب عنهما واحد.

ثمّ أكّد الحصر ب«إنّما» في إيجاب الوضوء خاصّةً بهذه الأشياء بقوله (لا غير) أي: لا غير هذه الأشياء الثمانية موجب للوضوء خاصّةً.

و يحتمل ضعيفاً أن يتعلّق بالاستحاضة القليلة، أي: لا غيرها من حالتيها المتوسّطة و الكثيرة.

و هذا المعنى يحصل على التقدير الأوّل مع إفادة ما هو أعمّ منه، فكان الأوّل أولى.

[القول في أحكام التخلي]

و لمّا كان من ضرورات بعض هذه الأسباب موضع خاصّ و تلحقه أحكام خاصّة انجرّ البحث منه إليه هنا، فقال

[يجب على المتخلّي أمور]

(و يجب على المتخلّي) للبول أو الغائط (ستر العورة) عن ناظرٍ بشريّ محترم؛ لقول النبي (صلّى اللّه عليه و آله) (صلّى اللّه عليه و آله)

احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك.

(3)

و خرج بالمحترم الطفلُ غير المميّز و مَنْ ذُكر في الرواية و ما ساواه، كالزوج.

و المراد بملك اليمين الأُنثى غير المزوّجة، و المعتدّة، و أمة المرأة بالنظر إليها.

(و عدم استقبال القبلة) على حدّ ما يعتبر في الصلاة؛ لاتّحاد المعنى و الدليل.

و معنى وجوب عدم الاستقبال إيجاد ضدّه، فإنّ الأعدام غير مقدورة و التكليف

____________

(1) في «ق، م»: «فلا» بدل «و لا».

(2) الحاشية النجارية، و الورقة 3 و 4.

(3) سنن ابن ماجة 1: 418/ 1920؛ سنن أبي داود 4: 40- 41/ 4017؛ سنن الترمذي 5: 110/ 2794؛ سنن البيهقي 1:

306- 307/ 960؛ المستدرك- للحاكم- 4: 180؛ مسند أحمد 5: 624/ 19530، و 625/ 19536.

75

مقدور، كما حقّق في الأُصولَين.

(و) عدم (استدبارها) بالمعنى المذكور في الاستقبال؛ لقوله (عليه السلام) (صلّى اللّه عليه و آله)

إذا دخلت المخرج فلا تستقبل القبلة و لا تستدبرها و لكن شرّقوا أو غرّبوا

(1)

و النهي للتحريم، و الأمر للوجوب.

و هذا الحكم و الخبر مطلقان يتناولان الفعل (في الصحاري) بفتح الراء على الأفصح، جمع صحراء، كعذراء و عذارى. و ربما كُسرت في لغة قليلة. و هي البرّيّة، و المراد بها هنا ما خرج عن البنيان (و) في (البنيان) فيحرم فيهما؛ لعدم دليلٍ يقيّد المطلق.

و خالف ابنُ الجنيد فيهما معاً، و إنّما استحبّ ترك الاستقبال في الصحراء خاصّة، (2) و سِرُ في البنيان، و إنّما جعل تجنّبه أفضل. (3)

و اختلف النقل عن المفيد في ذلك، فنقل عنه المصنّف في المختلف كراهة الاستقبال و الاستدبار معاً في الصحاري و المواضع التي يتمكّن فيها من الانحراف عن القبلة، و عدمها في دارٍ قد بُني فيها المقعد على استقبال القبلة أو استدبارها. (4)

قال المصنّف بعد حكاية ذلك عنه: و هذا الكلام يُعطي الكراهة في الصحاري، و الإباحة في البنيان. (5)

قلت: و في إعطائه ذلك نظر واضح.

و نقل الشهيد (رحمه اللّه) في الذكرى عن المفيد الكراهة في الصحاري، دون البنيان، (6) و أطلق.

و يفهم من الدروس (7) أنّ المفيد إنّما خالف في التحريم في الأبنية خاصّةً. و الظاهر أنّه سهو إلا بتقدير حمله على أنّه عمل بالمفهوم، فمخالفته في الأبنية لا تدلّ على عدم مخالفته في الصحاري؛ فإنّ العمل بالمفهوم ضعيف، لكن لا يخفى أنّه خلاف الظاهر.

____________

(1) التهذيب 1: 25/ 64؛ الاستبصار 1: 47/ 130.

(2) حكاه عنه المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 122؛ و العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 99، المسألة 56.

(3) المراسم: 32.

(4) مختلف الشيعة 1: 99، المسألة 56؛ و انظر: المقنعة: 41.

(5) مختلف الشيعة 1: 99، المسألة 56.

(6) الذكرى 1: 163.

(7) الدروس 1: 88.

76

و نقل المحقّق في المعتبر عن سلار و المفيد الكراهةَ في البنيان، (1) و أطلق. و هو يقتضي الكراهة في الصحاري بطريق أولى (2) بل التحريم؛ للاتّفاق على أنّ حكم الصحاري أغلظ من البنيان، فحينئذٍ يوافق ما نقله عنه في الدروس.

و يؤيّد التحريم أنّ سلار مصرّح بعدم الترخّص في الصحاري؛ فإنّه قال بعد النهي عن الاستقبال و الاستدبار: هذا إذا كان في الصحاري و الفلوات، و قد رخص ذلك في الدُّور، و تجنّبه أفضل. (3)

تنبيه: قال المصنّف (رحمه اللّه) في المختلف بعد أن حكى كلام ابن الجنيد بمعنى ما حكيناه عنه: و هو موافق لكلام المفيد. (4) و أنت خبير باختلافهما من وجهين:

أحدهما: أنّ المفيد شرّك في الكراهة بين الصحاري و بين المواضع التي يتمكّن فيها من الانحراف عن القبلة، و المراد بها البنيان؛ لأنّها قسيمة للصحارى، فلا تكون قسماً منها. و ابن الجنيد خصّ الاستحباب بالصحراء.

و الثاني: أنّ المفيد (رحمه اللّه) عمّم الحكم بالكراهة فيما ذكر في الاستقبال و الاستدبار، و ابن الجنيد (رحمه اللّه) إنّما ذكر الاستقبال خاصّةً، كما حكاه المصنّف عنه. و هو لفظه في كتاب الأحمدي (5) مختصر التهذيب.

و إنّما أطنبنا القول في تحرير هذا الخلاف؛ لكثرة ما قد رأيت فيه من الاختلاف، و ما ذكره المصنّف في المختلف كلّه منقول بعباراتهم. و لا يرد احتمال اختلاف مواضع النقل مع بُعد إطلاق النقل عن أحد بقولٍ له في المسألة خلافه من غير بيان.

(و) يجب (غَسل موضع البول بالماء خاصّة) عند علمائنا أجمع؛ للأصل من بقاء حكم النجاسة الشرعيّة إلى أن يرد المزيل شرعاً.

و لقول الباقر (عليه السلام)

و أمّا البول فلا بدّ من غسله.

(6)

و إطلاق الوجوب هنا باعتبار توقّف الصلاة و نحوها على إزالة النجاسة، فيكون واجباً

____________

(1) المعتبر 1: 123.

(2) في «ق، م»: «الأولى».

(3) المراسم: 32.

(4) مختلف الشيعة 1: 99، المسألة 56.

(5) هذا الكتاب مفقود.

(6) التهذيب 1: 49- 50/ 144؛ الاستبصار 1: 55/ 160.

77

موسّعاً يتضيّق بتضيّق عبادة متوقّفة على ذلك. و إطلاق الوجوب قبل الوقت مجاز.

(و كذا) يجب الماء في غسل (مخرج الغائط) و هو لغةً: ما انخفض من الأرض. و سُمّي الحدث المعلوم غائطاً باسم ما كان يفعل فيه؛ لأنّ الرجل كان إذا أراد الحاجة قصد الغائط، و لذلك قال تعالى أَوْ جٰاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغٰائِطِ* (1) (مع التعدّي) للمخرج، و هو حواشي الدُّبُر و إن لم يبلغ التعدّي إلى الأليين.

و هذا الحكم إجماعيّ من الكلّ.

و لقوله (عليه السلام)

يكفي أحدكم ثلاثة أحجار إذا لم يتجاوز محلّ العادة.

(2)

و غاية الغسل فيهما (حتى تزول العين و الأثر) و هو الرسم الدالّ عليها.

قيل: و هو اللون؛ لأنّه عَرَض لا يقوم بنفسه، فلا بدّ له من محلّ جوهريّ يقوم به؛ إذ الانتقال على الأعراض محال، فوجود اللون دليل على وجود العين، فتجب إزالته، و لا يلزم مثل ذلك في الرائحة؛ لأنّها قد تحصل بتكيّف الهواء، فوجودها لا يستلزم وجود العين. (3)

و فيه نظر؛ لأنّ اللون معفوّ عنه في سائر النجاسات ففي الاستنجاء أولى. و لأنّه لا يلزم من عرضيّته و استحالة الانتقال عليها نجاسته؛ إذ لا تلازم (4) بين عدم قيامه بنفسه و قيامه بالنجاسة؛ لأنّ هنا قسماً ثالثاً، و هو: قيامه بمحلّ طاهر، و هو الجسم. و لانتقاضه بالرائحة؛ فإنّها من جملة الأعراض و لا تقوم بنفسها، و الهواء إنّما يتكيّف بوصف النجاسة، و الكلام فيهما واحد.

(و يتخيّر مع عدمه) أي التعدّي (بين ثلاثة أحجار طاهرة و شبهها) من كلّ جسمٍ طاهرٍ جافّ صلب غير صقيل و لا لزج و لا محترم. فخرج النجس ذاتاً و عرضاً؛ لأنّ النجاسة لا تُزال بالنجس، و حينئذٍ يتحتّم الماء؛ لأنّ الحجر رخصة و تخفيف فيما تعمّ به البلوى، فيقف على موردها، و هي نجاسة الغائط المختصّ بالمحلّ، فلا يلحق به غيره.

و احتمل المصنّف بقاءَ الرخصة؛ لأنّ النجس لا يتأثّر بالنجاسة، و التفصيل، فإن كانت

____________

(1) النساء (4): 3؛ المائدة (5): 6.

(2) لم نعثر عليه فيما بين أيدينا من المصادر.

(3) القائل هو السيوري في التنقيح الرائع 1: 72.

(4) في «ق، م»

لا ملازمة.

78

نجاسته بغير الغائط، تعيّن الماء، و إلا اكتفى بثلاثة غيره. (1)

و يدخل في إطلاق العبارة الحجرُ الثاني و الثالث على تقدير النقاء بدونهما، فيجوز استعمالهما مرّة أُخرى؛ لحصول الشرط. و قطع به المصنّف في غير (2) هذا الكتاب.

و خرج بالجافّ الرطبُ؛ لأنّ البلل الذي عليه ينجس بإصابة النجاسة له و نفوذ شيء منه إلى محلّ النجو، فيحصل عليه نجاسة أجنبيّة، فيكون قد استعمل الحجر النجس، كذا قرّره المصنف في النهاية (3) و اختاره.

و ردّه الشهيد (رحمه اللّه)- بأنّ النجاسة العارضة للبلل من نجاسة المحلّ، فلا يؤثّر. و بأنّه كالماء لا ينجس حتى ينفصل. (4) و سيأتي جوابه.

و بالصلبِ الرخوُ، كالتراب و الفحم الرخو؛ لالتصاقه بالنجاسة، فلا يسقط الفرض به لكن يجزئ بعده الحجر ما لم ينقل النجاسة و ينشرها.

و لو اتّفق نقاء العين به هل يجزئ أم لا؟ قطع المصنّف في النهاية (5) بعدمه. و يحتمله؛ لحصول الفرض و إن ندر.

و كذا القول في الصقيل الذي يزلق عن النجاسة و اللزج.

و المحترم أقسام ما كُتب عليه شيء من كلام اللّه تعالى، أو العلم، كالحديث و الفقه، و التربة المقدّسة الحسينيّة، و في هذه يحكم بكفر الفاعل بها مع علمه، فلا تتصوّر حينئذٍ الطهارة بها، و أمّا مع جهله فالظاهر أنّها مطهّرة، و قد صرّح به جماعة (6)؛ لعدم المنافاة بين التطهير و بينه، و دليل المانع لا يتناول الجاهل بأصل هذه الأشياء.

و من المحترم: المطعوم؛ لأنّ له حرمةً تمنع من الاستهانة به. و لأنّ طعام الجنّ منهيّ عنه، فطعام أهل الصلاح أولى، و منه العظم و الروث بإجماع علمائنا و أكثر مَنْ خالفنا؛ لقوله (عليه السلام)

لا تستنجوا بالعظم و لا بالروث فإنّه زاد إخوانكم من الجنّ.

(7)

____________

(1) نهاية الإحكام 1: 88.

(2) نهاية الإحكام 1: 89.

(3) نهاية الإحكام 1: 88.

(4) الذكرى 1: 174.

(5) نهاية الإحكام 1: 88.

(6) حكاه العاملي في مفتاح الكرامة 1: 48 عن شرح الألفية؛ و انظر: رسائل المحقّق الكركي 3: 217.

(7) سنن الترمذي 1: 29/ 18؛ المعجم الكبير- للطبراني- 10: 77/ 10010؛ مسند أحمد 2: 7/ 4138.

79

و عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)

أنّهما طعام الجنّ، و ذلك ممّا اشترطوا على رسول اللّهُ (صلّى اللّه عليه و آله).

(1)

و لو استعمل هذه الأشياء، فَعَل حراماً، و طهر المحلّ على الأصحّ؛ لما تقدّم. و مَنَعه المحقّق في المعتبر، (2) و الشيخ في المبسوط (3) و ابن إدريس. (4)

و إنّما يكتفى بالثلاثة الأحجار و شبهها مع اتّصافها بكونها (مزيلةً للعين).

و لا يشترط هنا زوال الأثر، كالرائحة، بخلاف الرطوبة، قاله في الذكرى. (5) و هو يشعر بأنّ الرائحة من الأثر.

و يشكل بأنّ الرائحة لا يعتبر إزالتها بالماء مع اشتراط إزالة الأثر به، إلا أن يريد بذلك أنّه لا تجب إزالة الأثر بالأحجار، كما أنّه لا تجب إزالة الرائحة بها. و هو بعيد؛ لما عرفت من عدم اشتراط زوالها بما هو أقوى من الأحجار.

و قوله (و بين الماء) تتمّة الفردين المخيّر بينهما مع عدم التعدّي، لكن هذا الفرد أفضل من الآخر؛ لأنّه أقوى المطهّرين؛ لإزالته العينَ و الأثرَ.

و لمّا نزل قوله تعالى فِيهِ رِجٰالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا (6) الآية، قال رسول اللّهُ

يا معشر الأنصار قد أحسن اللّه عليكم الثناء، فماذا تصنعون

قالوا: نستنجي بالماء، (7) و روى أنّهم قالوا: نتبع الغائط بالأحجار ثمّ نتبع الأحجار بالماء. (8) فيكون حينئذٍ دليلًا على استحباب الجمع، كما يأتي.

(و لو لم ينق) المحلّ من عين النجاسة (بالثلاثة، وجب الزائد) عليها، و لا حدّ له، بل ما يحصل به النقاء، لكن يستحبّ أن لا يقطع إلا على وترٍ؛ للخبر. (9)

و لا فرق في وجوب الزائد بين تحقّق عدم البقاء و عدم تحقّق النقاء، فيجب مع الشكّ فيه

____________

(1) التهذيب 1: 354/ 1053.

(2) المعتبر 1: 133.

(3) المبسوط 1: 17.

(4) السرائر 1: 96.

(5) الذكرى 1: 170.

(6) التوبة (9): 108.

(7) التبيان 5: 300، مجمع البيان 5- 6: 73.

(8) الكشّاف 2: 311.

(9) التهذيب 1: 45/ 126؛ الاستبصار 1: 52/ 148؛ سنن ابن ماجة 1: 121/ 337؛ سنن أبي داود 1: 9/ 35؛ سنن البيهقي 1: 167- 168/ 504- 507.

80

حتى يتيقّن.

(و لو نقي) المحلّ منها (بالأقلّ) من الثلاثة (وجب الإكمال) لها؛ لقوله (عليه السلام) (صلّى اللّه عليه و آله)

إذا جلست لحاجة فامسح ثلاث مسحات.

(1)

و قول سلمان رضي اللّه عنه: نهانا رسول اللّهُ (صلّى اللّه عليه و آله) أن نستنجي بأقلّ من ثلاثة أحجار. (2)

و قول أبي جعفر (عليه السلام)

جرت السّنة في أثر الغائط بثلاثة أحجار.

(3)

و اختار المصنّف في المختلف الاكتفاء بالواحد لو نقي المحلّ به، (4) تبعاً للمفيد (5) و ظاهر الشيخ (6) رحمهما اللّه.

(و يكفي ذو الجهات الثلاث) على المشهور؛ لأنّ المراد ثلاث مسحات بحجرٍ، كما لو قيل: اضربه عشرة أسواط، فإنّ المراد عشر ضربات و لو بسوطٍ. و لأنّ المقصود إزالة النجاسة و قد حصل. و لأنّها لو انفصلت لأجزأت فكذا مع الاتّصال، و أيّ عاقلٍ يفرق بين الحجر متّصلًا بغيره و منفصلًا. و لأنّ ثلاثة لو استجمروا بهذا الحجر، لأجزأ كلّ واحد عن حجرٍ.

و في الكلّ نظر.

أمّا الأوّل: فلأنّه ليس بين المشبّه و المشبّه به تطابق، فإنّ قوله (عليه السلام)

جرت السّنّة بثلاثة أحجار

(7)

و نظائرها لا يطابق

اضربه ثلاثة أسواط

بل

اضربه بثلاثة أسواط

و فرق بين الصيغتين؛ إذ لو كان كذلك، لمنع أنّ المراد به ثلاث ضربات بسوط.

و قوله: إنّ المقصود إزالة النجاسة، إن أراد إزالتها على الوجه المعتبر شرعاً، فمسلّم، لكنّه محلّ النزاع؛ لعدم تحقّق نقله شرعاً، أو مطلقاً، فهو ممنوع؛ لأنّها حكم شرعيّ، فيتوقّف زوالها على الإذن الشرعيّ.

و قياس الاتّصال على الانفصال استبعاد غير مسموع، مع أنّه لا ملازمة بينهما؛ فإنّ

____________

(1) أورده الشهيد في الذكرى 1: 170 بتفاوت يسير؛ و انظر: مسند أحمد 4: 291/ 14198.

(2) صحيح مسلم 1: 223/ 262؛ سنن ابن ماجة 1: 115/ 316؛ سنن أبي داود 1: 3/ 7؛ سنن الترمذي 1: 24/ 16؛ سنن النسائي 1: 38- 39؛ سنن البيهقي 1: 181/ 545.

(3) التهذيب 1: 46/ 129.

(4) مختلف الشيعة 1: 102، المسألة 60.

(5) حكاه عنه ابن إدريس في السرائر 1: 96.

(6) انظر: النهاية 10؛ و الخلاف 1: 104، المسألة 50.

(7) التهذيب 1: 46/ 129.

81

حكم الشارع بإجزاء أجزاء الشيء في حالٍ لا يقتضي إجزاءها في كلّ حال.

و الفرق بين استجمار كلّ واحد بالحجر و استجمار الواحد به واضح؛ لصدق العدد في كلّ واحد، فامتثل الأمر الوارد بالثلاثة، المقتضي للإجزاء، بخلاف الواحد؛ لعدم صدق العدد عليه، كما قال العلامة قطب الدين الرازي تلميذ المصنّف: أيّ عاقل يحكم على الحجر الواحد أنّه ثلاثة (1)؟

و استدلّ الشهيد- (رحمه اللّه)- على الإجزاء بحديث المسحات، (2)- (3) بناءً على أنّ المراد بالأحجار في تلك الأخبار المسحات. و لا يخفى ما فيه.

و يمكن أن يعكس الحكم؛ إذ لا منافاة بين المسح بثلاثة أحجار و بين المسح ثلاث مسحات، بخلاف المسحات بالواحد؛ فإنّه لا يصدق عليها المسح بثلاثة أحجار.

و ربما يقال: لو كان حديث الأحجار على ظاهره، لم يجزئ ما شابهه من الخرق و نحوها، لكن جواز العدول إلى المشابه قطعاً يدلّ على عدم إرادة الأحجار حقيقةً، بل المسحات.

و يجاب: بأنّ المشابه خرج بنصٍ خاصّ، كرواية زرارة، قال

يستنجي من البول ثلاث مرّات، و من الغائط بالمدر و الخرق

(4)

و غيرها، فيبقى الباقي على حقيقته.

و التزم المانع من إجزاء الحجر الواحد- كالمحقّق في المعتبر- (5) بعدم إجزاء الخرقة الطويلة من جهاتها الثلاث إلا بعد قطعها.

[و يستحبّ أمور]

(و يستحبّ تقديم) الرِّجل (اليسرى دخولًا، و) تقديم الرِّجل (اليمنى خروجاً) عكس المسجد؛ لأنّ اليسرى للأدنى، و اليمنى لغيره.

و لا يختصّ ذلك بالبنيان على الأصحّ، فيقدّم اليسرى إذ بلغ موضع جلوسه في الصحراء، فإذا فرغ ابتدأ بنقل اليمنى.

(و) يستحبّ (تغطية الرأس) حال التخلّي إن كان مكشوفاً؛ لأنّه من سنن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) (صلّى اللّه عليه و آله)

____________

(1) لم نعثر عليه في مظانّه من المصادر المتوفّرة لدينا.

(2) تقدّمت الإشارة إلى مصدره في ص 80، الهامش (1).

(3) الذكرى 1: 170.

(4) التهذيب 1: 209/ 606.

(5) المعتبر 1: 129 و 132.

82

، و ليأمن من وصول الرائحة الكريهة إلى دماغه. و روى: التقنّع فوق العمامة (1) أيضاً.

(و الاستبراء) من البول.

و أوجبه الشيخ- (رحمه اللّه)- في الاستبصار. (2)

و هو الاستظهار في إخراج بقاياه بأن يمسح بيده من عند المقعدة إلى أصل القضيب ثلاثاً ثمّ يمسحه ثلاثاً و ينتره ثلاثاً.

و الأفضل في ذلك وضع الوسطى في الأولى تحت المقعدة و المسح بها إلى أصله ثمّ يوضع المسبّحة تحته و الإبهام فوقه و ينتره باعتماد.

و الاستبراء ثابت للذكر إجماعاً، و للأُنثى عند جماعة، فتستبرئ عَرضاً، و يلحقها حكم الاستبراء.

و نفاه المصنّف (3)؛ للأصل، فلا حكم للخارج المشتبه منها.

(و الدعاء دخولًا) بقوله: بسم اللّه و باللّه، اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الخبث المخبث الرجس النجس الشيطان الرجيم. (و خروجاً) بقوله: الحمد للّه الذي رزقني لذّته، و أبقى في جسدي قوّته و أخرج منّي أذاه يا لَها نعمة- ثلاثاً- لا يقدر القادرون قدرها.

(و عند الاستنجاء) و هو استفعال من النجو، و هو الحدث الخارج. و المراد به غسل الموضع أو مسحه، كما نصّ عليه في الصحاح، (4) فيستحبّ الدعاء عنده في الحالين بقوله: اللّهمّ حصّن فرجي، و استر عورتي، و حرّمهما على النار، و وفّقني لما يقربني منك يا ذا الجلال و الإكرام.

(و) عند (الفراغ منه).

و الظاهر أنّه الدعاء المذكور عند مسح بطنه؛ لأنّه الأقرب إلى الفراغ من التخلّي، و هو: الحمد للّه الذي أماط عنّي الأذى، و هنّأني طعامي، و عافاني من البلوى.

و قال المحقّق في المعتبر بعد قوله: و الدعاء عند الدخول و الاستنجاء و عند الفراغ: و أمّا دعاء الفراغ فروى معاوية بن عمّار، قال

إذا توضّأت فقُلْ: أشهد أن لا إله إلا اللّه، اللّهمّ

____________

(1) انظر: الفقيه 1: 17/ 41؛ و التهذيب 1: 24/ 62.

(2) الاستبصار 1: 48 باب (28) وجوب الاستبراء قبل الاستنجاء من البول.

(3) قواعد الأحكام 1: 4.

(4) الصحاح 6: 2502، «ن ج ا».

83

اجعلني من التوّابين، و اجعلني من المتطهّرين، و الحمد للّه رب العالمين

(1)

و (2) ثمّ عقّبه بدعاء الخروج المذكور، فتأمّل.

(و) يستحبّ (الجمع بين الماء و الأحجار) سواء تعدّى أم لا.

أمّا مع التعدّي: فللمبالغة في الاستظهار. و لقول الصادق (عليه السلام)

جرت السّنّة في الاستنجاء بثلاثة أحجار أبكار، و يتبع بالماء

(3)

و لما تقدّم (4) في حديث أهل قبا من الأنصار.

و يقدّم الأحجار إذا اختار الجمع؛ إذ لا فائدة فيها بعد إزالة النجاسة.

و أمّا مع عدمه: فلجمعه بين المطهّرين، فالحجر يزيل العين، و الماء يزيل الأثر. و يمكن شمول الخبر لهما.

[و يكره أمور]

(و يكره الجلوس) للبول و الغائط (في المشارع) جمع مشرعة، و هي موارد المياه، كشطوط الماء و رؤوس الآبار؛ لما فيه من أذى الواردين (و) في (الشوارع) جمع شارع، و هو الطريق الأعظم، قاله الجوهري. (5)

و المراد هنا ما هو أعمّ منه، و خصّها في الرواية بالطرق النافذة. (6) و هي المستند.

(و) في (فيء النزّال) و هو مرجعهم و مجتمعهم.

(و تحت) الأشجار (المثمرة) و هي ما من شأنها الثمر و إن لم تكن مثمرةً بالفعل؛ لإطلاق الخبر. و لأنّ بقاء المعنى المشتقّ منه غير شرط في صحّة الاشتقاق عندنا.

و هذا في المملوك و المباح، و أمّا ملك الغير فلا يجوز تحته بغير إذنه مطلقاً.

(و) في (مواضع اللعن) و هي أبواب الدُّور؛ لما روي عن أبي عبد اللّه قال

قال رجل لعليّ بن الحسين: أين يتوضّأ الغرباء؟ فقال: يتّقى شطوط الأنهار و الطرق النافذة و تحت الأشجار المثمرة و مواضع اللعن، قيل له: و أين مواضع اللعن؟ قال: أبواب الدور.

(7)

و روى أنّ أبا حنيفة خرج من عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) و أبو الحسن موسى (عليه السلام) قائم و هو

____________

(1) الكافي 3: 16/ 1؛ التهذيب 1: 25/ 63.

(2) المعتبر 1: 135- 136.

(3) التهذيب 1: 46/ 130.

(4) في ص 79.

(5) الصحاح 3: 1236، «ش ر ع».

(6) الكافي 3: 15/ 2؛ التهذيب 1: 30/ 78.

(7) الكافي 3: 15/ 2؛ التهذيب 1: 30/ 78.

84

غلام، فقال له أبو حنيفة: يا غلام أين يضع الغريب ببلدكم؟ فقال

اجتنب أفنية المساجد و شطوط الأنهار و مساقط الثمار و منازل النزّال، و لا تستقبل القبلة بغائط و لا بول، و ارفع ثوبك و ضَعْ حيث شئت.

(1)

(و استقبال) جرمي ( (2) النيّرين): الشمس و القمر، لا جهتهما؛ لنهي النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عنه. (3)

و تزول الكراهة بالحائل.

و لا فرق بين حالتي ظهور نورهما و استتاره بالكسف.

و لا يكره استدبارهما، مع احتماله؛ للمساواة في الاحترام.

(و) استقبال (الريح بالبول) و الجارّ متعلّق بالمصدر، فيشمل الثلاثة، و إنّما خصّ البول؛ لما روي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال

نهى رسول اللّهُ (صلّى اللّه عليه و آله) أن يستقبل الرجل الشمس و القمر بفرجه و هو يبول.

(4)

و حمل بعضهم الغائط عليه؛ لأنّه أغلظ.

و أمّا الريح: فالرواية به عن الحسن (عليه السلام) حين سُئل ما حدّ الغائط؟ قال

لا تستقبل الريح و لا تستدبرها

(5)

شاملة لهما، فلا وجه لاختصاصه بالبول، و أراد بالغائط التخلّي.

و التعليل بخوف ردّه عليه يخصّ البول.

و لا فرق بين استقبال الريح و استدبارها؛ للخبر. (6)

و خصّ المصنّف في النهاية حالة استدباره بخوف الردّ عليه. (7) و لا وجه له مع عموم الخبر.

(و البول في) الأرض (الصّلبة) بضمّ الصاد و سكون اللام، أي: الشديدة؛ لئلا تردّه عليه.

قال الصادق (عليه السلام)

كان رسول اللّهُ (صلّى اللّه عليه و آله) أشدّ الناس توقّياً من البول، كان إذا أراد البول يعمد إلى مكان مرتفع من الأرض أو إلى مكان من الأمكنة يكون فيه التراب الكثير كراهة

____________

(1) الكافي 3: 16/ 5، التهذيب 1: 30/ 79.

(2) في الطبعة الحجريّة: «جرم».

(3) الفقيه 4: 3/ 1؛ التهذيب 1: 34/ 91.

(4) التهذيب 1: 34/ 91.

(5) الفقيه 1: 18/ 47؛ التهذيب 1: 26/ 65، و 33/ 88؛ الاستبصار 1: 47/ 131.

(6) الفقيه 1: 18/ 47؛ التهذيب 1: 26/ 65، و 33/ 88؛ الاستبصار 1: 47/ 131.

(7) نهاية الإحكام 1: 82.

85

أن ينضح عليه البول.

(1)

(و) في (ثقوب الحيوان) و هي جحرتها بكسر الجيم و فتح الحاء؛ لنهي النبي (صلّى اللّه عليه و آله) (صلّى اللّه عليه و آله) عنه (2) خوفاً من الأذى.

و قيل: لأنّها مساكن الجنّ. (3)

(و في الماء) جارياً و راكداً، و الثاني أشدّ كراهةً؛ لقوله (عليه السلام) (صلّى اللّه عليه و آله)

لا يبولنّ أحدكم في الماء الدائم.

(4)

و قول علي (عليه السلام)

نهي أن يبول الرجل في الماء الجاري إلا من ضرورة، و قال: إنّ للماء أهلًا.

(5)

و ما روي عن الصادق (عليه السلام)

لا بأس به في الجاري

(6)

لا ينافي الكراهة، فيضعف قول عليّ بن بابويه (7) بعدم الكراهة فيه.

و النصّ ورد في البول، فلذلك خصّه المصنّف (رحمه اللّه)، و أُلحق به الغائط بطريق أولى.

و لا فرق في ذلك بين الليل و النهار و إن كان الليل أشدّ كراهةً؛ لما قيل: إنّ الماء للجنّ ليلًا، فلا يبال فيه و لا يفسد حذراً من إصابة آفةٍ من جهتهم. (8)

(و الأكل و الشرب) في وقت التخلّي؛ لتضمّنه مهانة النفس.

و لفحوى ما روي عن الباقر (عليه السلام) أنّه وجد لقمةً في القذر لمّا دخل الخلاء، فأخذها و غسلها و دفعها إلى مملوكٍ معه، و قال

تكون معك لآكلها إذا خرجت

فلمّا خرج (عليه السلام) قال للمملوك

أين اللقمة؟

قال: أكلتها يا ابن رسول اللّه، قال

إنّها ما استقرّت في جوف أحد إلا وجبت له الجنّة، فاذهب فأنت حُرٌّ لوجه اللّه، فإنّي أكره أن استخدم رجلًا من أهل الجنّة

(9)

فإنّ تأخيره (عليه السلام) أكلَها إلى الخروج مع ما فيه من الثواب يدلّ بفحواه على كراهة

____________

(1) الفقيه: 1: 16/ 36؛ علل الشرائع 1: 278/ 1، الباب 186؛ التهذيب 1: 33/ 87.

(2) سنن أبي داود 1: 8/ 29؛ سنن النسائي 1: 33- 34؛ سنن البيهقي 1: 160/ 479؛ مسند أحمد 6: 83/ 20251.

(3) سنن أبي داود 1: 8/ 29؛ سنن النسائي 1: 33- 34؛ سنن البيهقي 1: 160/ 479؛ مسند أحمد 6: 83/ 20251.

(4) صحيح مسلم 1: 235/ 282؛ سنن أبي داود 1: 18/ 69 و 70؛ سنن الترمذي 1: 100/ 68؛ سنن النسائي 1: 49 و 197؛ مسند أحمد 2: 511/ 7473.

(5) التهذيب 1: 34/ 90؛ الاستبصار 1: 13/ 25.

(6) التهذيب 1: 31/ 81، و 43/ 120- 122؛ الاستبصار 1: 13/ 22- 24.

(7) كما في الذكرى 1: 165.

(8) كما في نهاية الإحكام 1: 83.

(9) الفقيه 1: 18 19/ 49.

86

الأكل حينئذٍ.

و يلحق به الشرب؛ لاشتراكهما في المعنى.

(و السواك) لما روي أنّه يورث البَخَر ( (1) و الاستنجاء باليمين) لقوله (عليه السلام)

إنّه من الجفاء.

(2)

و لا كراهة في الاستعانة باليمين لصبّ الماء و غيره؛ لعدم تناول النهي له، و لا مع الحاجة، كتعذّره باليسرى لمرضٍ و نحوه.

(و باليسار) بفتح الياء (و فيها خاتم) بفتح التاء و كسرها، مكتوب (عليه اسم اللّه تعالى و) اسم أحد من (أنبيائه و) اسم أحد من (الأئمّة (عليهم السلام)).

و المراد باسم الأنبياء و الأئمّة (عليهم السلام) ما قصد به أحدهم، لا ما قصد به اسم موافق لهم في الاسم، و لا ما أُطلق و لم يقصد به أحد إن اتّفق.

و إنّما كره ذلك؛ لاشتماله على ترك التعظيم.

هذا مع عدم ملاقاته النجاسة، و إلا حرم.

و كره بعضهم (3) استصحاب ذلك في الخلاء مطلقاً.

و يلحق بذلك ما كان فصّه حجر زمزم؛ للخبر. (4) و روى بدله من حجارة زمرّذ، (5) بفتح الزاي المعجمة و ضمّها و ضمّ الميم و الراء المشدّدة المهملة و الذال المعجمة، و هو الزبرجد معرّب، قاله الجوهري. (6)

(و الكلام) في حال التخلّي؛ لنهي النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عنه، (7) و إنّما يكره (بغير ذكر اللّه تعالى و الحاجة و آية الكرسي) لقول الصادق (عليه السلام)

لم يرخّص في الكنيف في أكثر من آية الكرسي و حَمد الله أو آية.

(8)

____________

(1) الفقيه 1: 32/ 110؛ التهذيب 1: 32/ 85.

(2) الفقيه 1: 19/ 51.

(3) لم نتحقّقه.

(4) التهذيب 1: 355/ 1059.

(5) الكافي 3: 17/ 6.

(6) الصحاح 2: 565، «ز م ر ذ».

(7) الفقيه 1: 21 ذيل الحديث 60؛ التهذيب 1: 27/ 69.

(8) الفقيه 1: 19/ 57؛ التهذيب 1: 352/ 1042.

87

و أمّا الذكر على الخصوص: فروي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال

إنّ موسى (عليه السلام) قال: يا ربّ تمرّ بي حالات أستحي أن أذكرك فيها، فقال: يا موسى ذكرى حسن على كلّ حال.

(1)

و أمّا الحاجة: فلما في الامتناع من الكلام عندها من الضرر المنفيّ بالآية. (2)

و التقييد بالحاجة يخرج ما لو حصل الغرض بالتصفيق و شبهه؛ لانتفائها حينئذٍ.

و يلحق بذلك ردّ السلام؛ لعموم الأمر (3) به، و كذا حمد الله على العطسة؛ لأنّه ذكر، و كذا تسميت العاطس.

و استثنى المصنّف أيضاً حكاية الأذان. (4) و هو حسن في فصلٍ فيه ذِكر، دون الحيعلات؛ لعدم النّص عليه على الخصوص، إلا أن يبدّل بالحوقلة، كما ذكر في حكايته في الصلاة.

[القول في كيفية الوضوء]

[يجب في الوضوء أمور]

[الأول النيّة]

(و يجب في الوضوء النيّة، و هي) لغةً: مطلق العزم و الإرادة. و شرعاً بالنسبة إلى الوضوء (إرادة الفعل) أي: الوضوء، فاللام للعهد (لوجوبه أو ندبه) حال كون الفاعل المدلول عليه بالإرادة التزاماً- (متقرّباً) بالفعل إلى اللّه تعالى، فالإرادة بمنزلة الجنس يدخل فيها إرادة الفعل و الترك و ما اشتمل على الوجوه المذكورة و غيره، و خرج بالفعل المعهود غيرُه من الطهارات و الأفعال، و شمل الوضوء الواجبَ و المندوب، و يمتاز أحدهما عن الآخر بنيّة الوجوب أو الندب.

و يحتمل أن يريد تعريف مطلق النيّة، و يريد بالفعل الأعم من الوضوء، و غاية الجميع التقرّب إلى اللّه تعالى بمعنى موافقة إرادته، أو طلب الرفعة عنده تعالى بواسطة نيل الثواب تشبيهاً بالقرب المكاني، و كلتاهما محصّلة للامتثال، مخرجة عن العهدة و إن كان بين المنزلتين بُعد المشرقين.

و في حكم الثانية الخوفُ من العقاب. و إلى الاولى أشار أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) بقوله

ما عبدتك خوفاً من نارك و لا طمعاً في جنّتك و لكن وجدتك أهلًا للعبادة فعبدتك.

(5)

و يدلّ على الثانية ظواهر الآي (6) و الأخبار المشتملة على الترغيب و الترهيب، كقوله

____________

(1) التهذيب 1: 27/ 68.

(2) الحجّ (22): 78.

(3) النساء (4) 86.

(4) نهاية الإحكام 1: 84.

(5) شرح نهج البلاغة- لابن ميثم البحراني- 5: 361.

(6) في الطبعة الحجريّة: «الآيات».

88

تعالى وَ يَدْعُونَنٰا رَغَباً وَ رَهَباً (1) و قوله تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَ اسْجُدُوا وَ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَ افْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. (2)

أي: راجين الفلاح، أو لكي تفلحوا، و الفلاح هو الفوز بالثواب، قاله الطبرسي (3) (رحمه اللّه). و يحتمل غير ذلك. و نقل الشهيد- (رحمه اللّه)- في قواعده عن الأصحاب بطلان العبادة بهاتين الغايتين. (4) و به قطع السيّد رضي الدين ابن طاوُس- (رحمه اللّه)- محتجّاً بأنّ قاصد ذلك إنّما قصد الرشوة و البِرطيل، (5) و لم يقصد وجه الربّ الجليل، و هو دالّ على أنّ عمله سقيم و أنّه عبد لئيم. (6)

و اختار فيها و في الذكرى الصحّة؛ محتجّاً بأنّ قصد الثواب لا يخرج عن ابتغاء اللّه بالعمل؛ لأنّ الثواب لمّا كان من عند اللّه فمُبتغيه مُبتغٍ وجهَ اللّه، و بأنّ الغرض بها اللّه في الجملة.

و لا يقدح كون تلك الغاية باعثةً على العبادة؛ لأنّ الكتاب و السّنّة مشتملان على المرهّبات من الحدود و التعزيرات و الذمّ و الإيعاد بالعقوبات، و على المرغّبات من المدح و الثناء في العاجل، و الجنّة و نعيمها في الآجل.

قال: و لو قصد المكلّف الطاعةَ للّه و ابتغاء وجه الله، كان كافياً، و يكفي عن الجميع قصد الله سبحانه الذي هو غاية كلّ مقصد. (7)

إذا تقرّر ذلك، فوجوب نيّة القربة في الوضوء بل في كلّ عبادة لا ريب فيه و لا شبهة تعتريه.

و ممّا استدلّ به عليه قوله تعالى وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (8) و لا يتحقّق الإخلاص إلا بها. و الضمير لأهل الكتاب، و يدلّ على ثبوت حكمها في حقّنا

____________

(1) الأنبياء (21): 90.

(2) الحجّ (22): 77.

(3) مجمع البيان 7- 8: 98.

(4) القواعد و الفوائد 1: 77.

(5) البرطيل: الرشوة. القاموس المحيط 3: 344.

(6) لم نعثر عليه في مظانّه.

(7) القواعد و الفوائد 1: 77؛ الذكرى 2: 104.

(8) البيّنة: (98): 5.

89

قوله تعالى بعدُ وَ ذٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (1) قال الإمام الطبرسي: القيّم هي المستمرّة في جهة الصواب. (2) و حينئذٍ فلا يصلح (3) النسخ عليها.

و قوله تعالى قُلِ اللّٰهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي (4) و الأمر للنبيّ، فيجب علينا ذلك؛ للاتّباع و التأسّي.

و أمّا نيّة الوجوب: فلم يعتبرها الشيخ في النهاية و جماعة، منهم: المحقّق في المعتبر، (5) بل اكتفى الشيخ بالقربة (6) لمفهوم الحصر في قوله تعالى وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ (7) فلو زِيدَ عليه، لكان نسخاً؛ لمنافاة الزيادة له.

و هو ضعيف؛ لمنع أنّ مطلق الزيادة مُنافٍ للإخلاص، بل إنّما ينافي الحصر ما ينافي الإخلاص، و باقي قيود النيّة ليست كذلك.

و الأولى الاستدلال في نصرة هذا القول بأصالة عدم الوجوب حتى يدلّ دليل معتبر على مجامعة شيء آخر، و سيأتي ما يدلّ على متمسّك مَنْ زاد على ذلك.

و قد قال السيّد السعيد جمال الدين أحمد بن طاوُس: لم أعرف نقلًا متواتراً و لا آحاداً يقتضي القصد إلى رفع الحدث أو استباحة الصلاة لكن علمنا أنّه لا بدّ من نيّة القربة، و إلا كان هذا من باب

أُسكتوا عمّا سكت اللّه عنه.

(8)

و جزم المصنّف في هذا الكتاب و قَبله المحقّق في الشرائع (9) بوجوب نيّة الوجوب إمّا لوجوب إيقاع الفعل على وجهه، و لا يتمّ إلا بذلك، كمااستدلّ لهم به الشهيد (رحمه اللّه) في الشرح، (10) أو لوجوب التعرّض في النيّة لتشخيص الفعل الواقع على جهات متعدّدة بنيّة أحدها، و لمّا كان الوضوء تارة يقع على وجه الندب و أُخرى على وجه الوجوب اشترط

____________

(1) البيّنة: (98): 5.

(2) مجمع البيان 9- 10: 522.

(3) في «ق، م»: فلا يصحّ».

(4) الزمر (39): 14.

(5) المعتبر 1: 139.

(6) النهاية: 15.

(7) البيّنة (98): 5.

(8) حكاه عنه الشهيد في الذكرى 2: 108 نقلا عن كتابه «البشري».

(9) شرائع الإسلام 1: 12.

(10) غاية المراد 1: 32- 33.

90

تشخيصه بأحدهما حيث يكون ذلك هو المطلوب.

و لا يخفى ضعف الأوّل و عدم صلاحيّته للدلالة و تأسيس حكم شرعيّ حتى قيل: إنّه كلام شعريّ. (1)

و أمّا الثاني فلا يتمّ في الوضوء و إن تمّ في غيره من العبادات؛ لعدم اجتماع الوضوء الواجب و الندب في وقتٍ واحد حتى يحتاج المكلّف في نيّته إلى تمييز أحدهما عن الآخر؛ لأنّه إن كان المكلّف مخاطباً بمشروط بالوضوء، فليس له إلا نيّة الوجوب، و إلا فليس له إلا نيّة الندب.

و لا ينتقض بالمجدّد بتقدير جوازه قبل الصلاة حيث إنّه غير واجب، مع أنّ المجدّد مخاطب بمشروطٍ بالطهارة؛ لأنّه في وقت إيقاع أحدهما لا يمكن وقوع الآخر؛ إذ قبل الوضوء الأوّل الواجب لا يتصوّر الندب المجدّد، و عند وضوء التجديد لا يتصوّر نيّة الوجوب، فلم يقع أحدهما على وجهين.

و ربما ذكر في بعض عبارات شيخنا الشهيد- (رحمه اللّه)- أنّ الوجوب لإخراج عبادة الرياء. (2) و هو موضع تأمّل. و ربما أخرجها أيضاً بنيّة القربة، فلا وجه للجمع حينئذٍ.

و يمكن أن يقال: إنّ الوجوب المذكور هنا- و هو «لوجوبه»- علّة غائيّة للفعل، لا لإخراج شيء تحقيقاً لقول المتكلّمين: إنّه ينبغي إيقاع الواجب لوجوبه أو لوجه وجوبه، و كذا القربة غاية أُخرى، و هو الحصول على رضاه و الوصول إلى ثوابه، كما تقدّم، و هو موافق للدليل الأوّل من دليلي الموجبين، لكن لا دليل على وجوب ذلك إلا ما نقل عن المتكلّمين، و هو غير صالح للدلالة على توقّف الفعل عليه و إن أمكن جَعْل الكمال منسوباً إليه.

و بالجملة، فمشخّصات النيّة غير القربة لم يرد بها نصّ على الخصوص، فلا بدّ لمثبت شيء منها (3) من دليلٍ صالح.

و قد ذكر شيخنا الشهيد- (رحمه اللّه)- في خلاصة مناسك الحجّ (4) أنّ الوجوب الغائي قيد في النيّة لتميز الفعل عن إيقاعه لندبه، فالإشكال باقٍ، فتأمّل.

____________

(1) القائل هو المحقّق الحلّي في المسائل الطبريّة (ضمن الرسائل التسع): 317.

(2) لم نعثر عليه في مظانّها.

(3) في «ق، م»: «شرعيّتها» بدل «شيء منها».

(4) المنسك الكبير (ضمن رسائل الشهيد الأوّل). المقالة الأولى/ الإحرام.

91

(و في وجوب) نيّة (رفع الحدث أو) نيّة (الاستباحة) للصلاة أو لمشروط بالطهارة (قولان):

أحدهما: العدم، و إليه ذهب الشيخان حيث اكتفيا بالقربة، (1) و المحقّق في الشرائع. (2) و وجهه قد عُلم ممّا سلف.

و الثاني: الوجوب، كما هب إليه المصنّف في المختلف (3) و غيرِه، (4) و المحقّقُ في المعتبر إلا أنّه أسقط نيّة الوجوب، و اكتفى بالقربة و أحد الأمرين (5)؛ لقوله تعالى إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا (6) أي: لأجل الصلاة؛ إذ هو المفهوم لغةً من قولهم: إذا لقيت الأسد فخُذ سلاحك، و إذا لقيت الأمير فخُذ أُهبتك، أي: لأجل لقاء الأسد و الأمير، و لا معنى لفعله لأجل الصلاة إلا إرادة استباحتها.

و فيه نظر؛ لمنع إرادة ذلك لغةً، بل الظاهر أنّ المعنى: لا تلق الأسد إلا بسلاح، (7) و الأمير إلا بأُهبة، و كذا الآية تقدير الجملة فيها: لا تقوموا إلى الصلاة إلا متطهّرين، و إنّما كان هذا هو الظاهر؛ لأنّه لو كان متطهّراً في المثال أو آخذاً سلاحه و أُهبته، كفى ذلك في امتثال الأمر، و لو كان المطلوب إيقاعه لأجله، لم يكف.

و لا يقال: إذا حصل سبب الفعل مع استصحابه، يصير حينئذٍ كأنّه واقع لأجله؛ لأنّا نمنع ذلك، بل ربما كانت الغاية الأُولى منافيةً للغاية الأُخرى، كما لو كان قد قصد بأخذ السلاح تأهّبه للعدوّ، فإنّه يكفي ذلك عن أخذه للأسد مع عدم صدق الأخذ لأجله. و كذا لو نوى بالوضوء إباحة الطواف مثلًا.

و لا يكفي اللزوم؛ لأنّ الآية إنّما دلّت على وقوعه لأجلها، و ظاهر أنّ اللزوم غير بيّن، فلا يلزم من نيّة أحدهما نيّة الآخر.

و أيضاً فإنّ اللازم من الآية تحتّم استباحة الصلاة- كما هو مذهب السيّد المرتضى (8)- لا التخيير بينها و بين الرفع، الذي هو المدّعى، فما تدلّ عليه لا تقولون به، و ما تقولون به

____________

(1) المقنعة: 46؛ النهاية: 15.

(2) شرائع الإسلام 1: 12.

(3) مختلف الشيعة 1: 107، المسألة 65.

(4) قواعد الأحكام 1: 9- 10.

(5) المعتبر 1: 139.

(6) المائدة (5): 6.

(7) في الطبعة الحجريّة: «بسلاحك».

(8) حكاه عنه المحقّق الحلّي في الرسائل التسع: 317؛ و الشهيد في غاية المراد 1: 32- 33.

92

لا تدلّ عليه.

و اعتذر المصنّف- (رحمه اللّه)- في المختلف عن ذلك بأنّ الاستباحة عنده أحد الأمرين الواجبين، و أحد أفراد الواجب المخيّر يصدق عليه الوجوب بقولٍ مطلق، و بأنّ نيّة رفع الحدث تستلزم الاستباحة؛ لأنّها نيّة لإزالة المانع من الدخول في الصلاة ليدخل المكلّف فيها، فإنّه الغاية الحقيقيّة، فإنّ إزالة الحدث ليس غايةً ذاتيّة، و إنّما هو مراد بالعرض لأجل استباحة الصلاة. (1)

و فيه نظر؛ فإنّا لا ندّعي أنّ نيّة الرفع [لا] ترفع وجوب الاستباحة أو تنافيها، بل نقول: إنّ الرفع لا دليل عليه، و إنّ الآية إنّما تستلزم على ما قرّرتم الاستباحةَ لا الرفع.

و أمّا استلزام الرفع الاستباحةَ فحقّ في حقّ المختار، لكن لا يلزم من نيّته نيّتها إلا إذا كان اللزوم بيّناً بحيث يلزم من تصوّر الملزوم تصوّر اللازم، و ظاهر أنّ استلزام رفع الحدث لاستباحة الصلاة ليس كذلك، و إنّما يعلم اللزوم مع اقتران وسطٍ، و هو آية غير البيّن، كما إذا قيل: إنّ المراد بالاستباحة رفع المنع من الصلاة، و برفع الحدث رفع المانع، و رفع المانع يستلزم رفع المنع و بالعكس في غير المتيمّم و دائم الحدث. لكنّ المفهوم من لزوم أحدهما للآخر كون تصوّر ماهيّة كلّ منهما من حيث هي يستلزم تصوّر الأُخرى، و خروج الفردين يستلزم عدم الاستلزام كذلك، إلا أن ينظر إلى التلازم بينهما بعد إخراج الفردين المذكورين، و مع ذلك لا بدّ من اقتران وسط.

و من هنا ذهب جماعة (2) من أصحابنا إلى وجوب الجمع بين الأمرين محتجّين على ما حكاه الشهيد- (رحمه اللّه)- في الشرح بالجمع بين أدلّة الأقوال، و نيّة كلّ من الرفع و الاستباحة بالمطابقة؛ لأنّ اللزوم غير بيّن، و الاتّحاد غير حاصل.

ثمّ أورد عليهم منع عدم اللزوم البيّن لو سُلّمت المغايرة، (3) و لم يذكر للمنع سنداً.

و التحقيق أنّ اللازم البيّن له معنيان:

أحدهما: ما يلزم تصوّره من تصوّر الملزوم، ككون الاثنين ضِعف الواحد؛ فإنّ مَنْ

____________

(1) مختلف الشيعة 1: 108، المسألة 65.

(2) منهم: القاضي ابن البرّاج في المهذّب 1: 43؛ و أبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 132؛ و ابن حمزة في الوسيلة: 51؛ و قطب الدين الراوندي و معين الدين المصري كما في غاية المراد 1: 37.

(3) غاية المراد 1: 37.

93

صوّر الاثنين أدرك أنّهما ضِعف الواحد، و يقال له: البيّن بالمعنى الأخصّ.

و الثاني: ما يلزم من تصوّره مع الملزوم و النسبة بينهما الجزم باللزوم، و هو البيّن بالمعنى الأعمّ.

فعلى المعنى الأوّل اللزوم بينهما غير بيّن، كما تقدّم؛ لأنّ تصوّر أحدهما لا يلزم منه تصوّر الآخر.

و على الثاني يثبت المطلوب؛ فإنّه متى تصوّر رفع المانع و رفع المنع و النسبة بينهما علم لزوم أحدهما للآخر.

هذا كلّه على تقدير دلالة الآية على اعتبار الاستباحة، و قد عرفت ما فيه، و الكلام في نيّة استباحة غير الصلاة من المشروط بالطهارة قريب من الكلام في رفع الحدث.

(و) تجب (استدامتها) أي: النيّة (حكماً) لا فعلًا (إلى) وقت (الفراغ) من الفعل بمعنى أن لا ينوي نيّةً تنافي النيّة الاولى إمّا لجميعها، كما لو نوى إبطال العمل أو ما يبطله، أو لجزئها، كما لو نوى ببقيّة الأعضاء في الوضوء الواجب الندبَ أو غير ذلك ممّا ينافي قيود النيّة، فحينئذٍ الاستدامة الحكميّة من الأُمور العدميّة؛ لأنّها عدم الإتيان بنيّة تنافي الاولى.

و ربما فسّرت بأمرٍ وجوديّ، و هو البقاء على حكم النيّة الأُولى و العزم على مقتضاها؛ استدلالًا بأنّ مقتضى الدليل الدالّ على اعتبار النيّة في العبادات- كقوله (عليه السلام)

إنّما الأعمال بالنيّات-

(1)

وجوب استصحاب النيّة فعلًا لكن لمّا تعذّر في العبادة البعيدة المسافة أو تعسّر في غيرها اكتفي بالاستمرار الحكميّ. (2)

و في دلالة الحديث على ذلك نظر؛ لأنّ المراد بالنيّة أمّا العزم على الفعل و إن تقدّم، كما ذكره أهل اللغة، أو إرادته عند الشروع فيه، كما اختاره الفقهاء.

و المراد بالأعمال المعهودةُ عند الشارع، كالصلاة و الصيام و نحوهما، أمّا إطلاق ذلك على أجزائها فليس حقيقيّا بل من حيث التسمية لغةً، و هي غير مرادة هنا؛ للاكتفاء في كلّ واحد ممّا ذكرناه بنيّة واحدة.

مع أنّ مقتضى الدليل وجوب الإتيان بالقدر الممكن، سواء كان مع استصحاب الأُولى

____________

(1) التهذيب 1: 83/ 218، و 4: 186/ 519؛ سنن ابن ماجة 2: 1413/ 4227؛ سنن البيهقي 1: 68/ 181.

(2) انظر: القواعد و الفوائد 1: 93.

94

فعلًا، أم الرجوع إليها مع إمكانه؛ لعدم الدليل الدالّ على الاكتفاء بالاستدامة الحكميّة بهذا المعنى حتى يقال: إنّه بدل مخصوص فلا ينتقل إلى غيره و إن أمكن.

بل الحقّ في توجيه الاستدامة الحكميّة أنّ إرادَتي الضدّين لمّا كانتا متنافيتين إمّا لذاتيهما أو لأمرٍ عرَضيّ كما قرّر في الكلام و كان الواجب إيقاع الفعل بجملته على الوجه المخصوص اقتضى ذلك عدم إيجاد نيّةٍ تنافي النيّة الأُولى، فمتى لم ينو ما ينافي النيّة حصل له ما نواه، و لا يفتقر إلى تجديد العزم المذكور؛ لعدم الفائدة فيه. و الدلالة عليه؛ لأنّ دلالة الخبر على الشيء الأقوى- و هو النيّة- لا يدلّ على الاكتفاء بالأضعف، و هو العزم على مقتضاها من غير إحضارها في الذهن.

و بنى شيخنا الشهيد- (رحمه اللّه)- التفسيرين على أنّ الباقي هل هو مستغن عن المؤثّر أو محتاج إليه؟ و هي مسألة كلاميّة، (1) فعلى الأوّل الأوّلُ، و نَقَله عن الشيخ- (رحمه اللّه)- في المبسوط، (2) و على الثاني الثاني، و اختاره.

و هو محلّ نظر حكماً و بناءً؛ فإنّ ذلك إنّما يتّجه أن لو كانت النيّة بعد إحضارها يحصل منها أثر خارجي يستغني عن الموجد أو يحتاج إليه و ليست كذلك، بل عند عزوبها عن القلب تلحق بالأعدام المفتقرة إلى المؤثّر قطعاً.

مع أنّ اللازم من الاحتياج إلى المؤثّر وجوب إحضار النيّة بجميع مشخّصاتها، لا العزم المذكور؛ فإنّه غير الوجود الأوّل، و غير مستلزم له و إن دخل ضمناً، لكنّ الدلالة التضمّنيّة ملغاة في هذه الأحكام و نظائرها.

و على كلا التفسيرين لو نوى ما ينافي النيّة الأُولى، بطل الوضوء (فلو نوى) المكلّف بوضوئه بعد النيّة المعتبرة (التبرّد خاصّة) من غير ضمّ نيّة الوجوب و القربة (أو ضمّ الرياء) إلى الوجوب و القربة (بطل) وضوؤه؛ للمنافاة للنيّة الأُولى و الإخلاص. و لأنّ الأُولى قد عدمت حقيقةً بالذهول عنها و حصل غيرها حقيقةً، فتكون أقوى.

و إنّما قيّدنا النيّة المذكورة ببعديّة النيّة الأُولى المعتبرة و إن كان اللفظ أعمّ من ذلك بل هو ظاهر في مصاحبة المنافي للنيّة الأُولى؛ لأنّه فرّعها على الاستدامة حكماً، و إنّما يتمّ

____________

(1) كما في جامع المقاصد 1: 200؛ و انظر المنسك الكبير (ضمن رسائل الشهيد الأوّل) المقالة الأولى/ الإحرام.

(2) الذكرى 2: 110؛ و انظر: المبسوط 1: 19.

95

التفريع على التفسيرين بفرض طروء النيّة المنافية على المعتبرة، مع أنّ الحكم في الطارئ و المصاحب واحد و إن كان الأوّل أوفق لسياق الكلام.

و ظاهر المرتضى- (رحمه اللّه)- أنّه لو نوى الرياء بصلاة، لم تبطل بمعنى عدم إعادتها، لا بمعنى حصول الثواب. (1) و هو يستلزم الصحّة مع ضمّ الرياء إلى القربة (2) بطريق أولى.

و هو مبنيّ على قاعدته من عدم الملازمة بين قبول الأعمال و صحّتها، فبالصحّة يحصل الامتثال، و بالقبول يستحقّ الثواب.

و في الأصل و الفرع منع.

و اعلم أنّ قطع الاستدامة الحكميّة بنيّةٍ مخالفه إنّما يؤثّر في بطلان الوضوء مع فعل شيء منه كذلك، أمّا لو جدّد النيّة الأُولى قبل أن يفعل شيئاً بعد القطع، أو بعده و أعاده قبل جفاف ما سبق على قطع الاستدامة، صحّ الوضوء؛ لأنّ أفعال الوضوء بمنزلة عبادات متعدّدة لا تتوقّف صحّة بعضها على بعض، و لهذا لو نكس وضوءه، أعاد على ما يحصل معه الترتيب و لا يبطل، بخلاف الصلاة؛ فإنّها تبطل بمنافاة الاستدامة و إن أعاد النيّة قبل فعل شيء منها بغير نيّة معتبرة.

و هذا كلّه (بخلاف ما لو ضمّ التبرّد) بعد النيّة المعتبرة إليها، فإنّه لا يضرّ عند المصنّف؛ لحصوله و إن لم ينوه، فنيّته لاغية، كما لو كبّر الإمام و قصد مع التحرّم إعلام القوم.

و اختار المصنّف في غير (3) هذا الكتاب- تبعاً لجماعة- (4) البطلان هنا؛ للمنافاة أيضاً. و لأنّه لا يلزم من حصوله ضرورة جواز نيّة حصوله، و هل الكلام إلا فيه؟ و هذا أجود.

و يجوز كون قوله: «فلو نوى» إلى آخره، تفريعاً على النيّة المذكورة سابقاً، المشتملة على التقرُّب، و جعل الاستدامة الحكمية معترضةً، و وجه التفريع منافاة ذلك كلّه للقربة.

(و) يجوز أن (يقارن بها) أي بالنيّة (غَسل اليدين) المستحبّ له على المشهور؛ لأنّه من جملة الوضوء الكامل. و أولى منه عند المضمضة و الاستنشاق؛ لقربهما إلى الواجب.

و جوّز ابن إدريس تقديمها عند غَسل اليدين في الغُسل دون الوضوء. (5) و هو تحكّم.

____________

(1) الانتصار: 100، المسألة 9.

(2) في الطبعة الحجريّة: «التقرّب».

(3) نهاية الإحكام 1: 29.

(4) منهم: فخر المحقّقين في إيضاح الفوائد 1: 36؛ و المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 203.

(5) السرائر 1: 98.

96

و توقّف بعض (1) المحقّقين في الجميع؛ لعدم صدق الوضوء الحقيقي عليها. (2)

و لا يجوز تقديمها عند غيرها من مسنونات الوضوء، كالسواك و التسمية إجماعاً.

و المراد بالغَسل المستحبّ للوضوء ما كان لوضوءٍ من حدث النوم أو البول أو الغائط لأمن الريح.

و لا يجوز إيقاعها عند غَسلهما من غير ذلك إمّا مع استحبابه لا له، كما إذا وقع الوضوء عقيب الأكل أو بعد مباشرة مَنْ يتّهم بالنجاسة، أو مع وجوبه، كغَسلهما من النجاسة؛ إذ لا يعدّ من أفعال الوضوء، مع احتماله؛ لأنّه أولى بالمراعاة من الندب خصوصاً على ما ورد من التعليل في النائم بأنّه

لا يدري أين باتت يده

(3)

فإنّه يقتضي أنّه لدفع نجاسة موهومة، فالمحقّقة أولى.

و أولى بعدم الجواز ما لو كان غَسلهما لغير الواجب و الندب من باقي الأحكام الخمسة إمّا الإباحة كغَسلهما من الريح، أو التحريم، كفعله مع قصر الماء عن الغسلات الواجبة، أو الكراهة، كالقصور بسببه عن الغسلات المستحبّة؛ إذ لا يعدّ من السنن فضلًا عن سنن الوضوء، كلّ ذلك للخبر.

و اشترط المصنّف- (4) (رحمه اللّه)- أيضاً كون الغَسل من ماءٍ قليل في إناء واسع الرأس بحيث يغترف منه، فلو توضّأ من نهر أو مصنع أو من إناء لا يمكن الاغتراف منه، لم تجز النيّة عنده بل لم يستحبّ غَسلهما حينئذٍ؛ لمفهوم قول النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)

إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها الإناء ثلاثاً؛ فإنّ أحدكم لا يدري أين باتت يده.

(5)

و استوجه الشهيد- (رحمه اللّه)- القول بالاستحباب في الأخير؛ لأنّ النجاسة الموهومة تزول بالنسبة إلى غَسل باقي الأعضاء و إن لم يكن لأجل الماء. (6)

و يؤيّده إطلاق الروايات، كرواية حريز عن الباقر (عليه السلام)

يغسل الرجل يده من النوم مرّة،

____________

(1) في هامش «ق، م»: هو السيّد جمال الدين ابن طاوس (رحمه اللّه).

(2) حكاه عنه الشهيد في الذكرى 2: 108.

(3) صحيح مسلم 1: 233/ 278؛ سنن أبي داود 1: 25- 26/ 105؛ سنن النسائي 1: 99؛ مسند أحمد 2: 477- 478/ 7240.

(4) منتهى المطلب 1: 296.

(5) المصادر في الهامش (3).

(6) الذكرى 2: 109.

97

و من الغائط و البول مرّتين، و من الجنابة ثلاثاً

(1)

و نحوها.

و اعلم أنّه متى قدّم النيّة عند غسل اليدين دخلت نيّة المندوب تحت الواجب، فلا يفتقر في تحصيل الثواب إلى نيّة أُخرى. و إن أخّرها إلى أوّل الفرض أو ما بعده من السنن، فلا بدّ للمتقدّم منها عليها من نيّةٍ على الخصوص، و إلا لم يُثَب عليها.

(و تتضيّق) النيّة (عند) أوّل (غَسل الوجه) فلا يجوز تأخيرها عنه؛ لئلا يخلو أوّل الفرض عن النيّة فيبطل؛ إذ ليس للمرء من عمله إلا ما نوى.

[الثاني غَسل الوجه]

(و) يجب (غَسل الوجه بما يسمّى غَسلًا) و هو في اللغة: إمرار الماء على الشيء على وجه التنظيف و التحسين و إزالة الوسخ و نحوها. و المراد هنا ما يحصل معه الجريان على جميع أجزاء ما يجب غَسله. و أقلّه أن يجري جزء من الماء على جزءين من البشرة و لو بمعاونٍ، فمتى وصل بلل الماء إلى حدّ لا يقبل الانتقال من محلّه إلى محلّ آخر لم يصدق عليه حينئذٍ الغَسل، بل يصير دهناً لا غَسلًا.

و أمّا تمثيل مَنْ بالغ في وصف تقليل الغسل بالدهن فهو ضرب من المبالغة في جواز تقليل الجريان، و لا يريد جواز عدمه أصلًا؛ لعدم صدق مسمّى الغَسل حينئذٍ.

و لا يجب الدلك؛ لصدق الغَسل بدونه لغةً و عرفاً. و ربما استحبّ؛ لما فيه من الاستظهار.

و أوجبه ابن الجنيد (2) (رحمه اللّه).

فلو غمس الأعضاء في الماء أو صبّ عليها من غير مسّ، أجزأ.

و حدّ الوجه (من قصاص) مثلّث القاف، و الضمّ أفصح (شعر الرأس) و الشعر بفتح العين و إسكانه. و المراد بقصاصه: منتهى نبته (إلى محادر شعر الذقن) بالذال المعجمة المفتوحة و فتح القاف. و المراد إلى طرف الذقن (طولًا، و ما دارت عليه الإبهام) بكسر الهمزة، و هي الإصبع العظمى، و الجمع الأباهيم (و) الإصبع (الوسطى عَرضاً) كلّ ذلك (من مستوى الخلقة، و غيره) من الأغمّ و الأنزع و طويل الأصابع و قصيرها (يحال عليه) فيغسل ما يغسله.

(و لا يجزئ) غسل الوجه (منكوساً) بل تجب البدأة بالأعلى؛ لوصف الباقر (عليه السلام) وضوءَ

____________

(1) التهذيب 1: 36/ 97؛ الاستبصار 1: 50/ 142.

(2) حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 119، المسألة 72.

98

رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله) (صلّى اللّه عليه و آله)، و أنّه غسل وجهه من أعلاه. (1)

و لأنّ الوضوء البياني الصادر من النبيّ- الذي قال عنه

إنّ هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلّا به

(2)

أي بمثله- يمنع أن تكون البدأة فيه بغير الأعلى، و إلا لما جازت البدأة بالأعلى مع إجماع المسلمين على جوازه.

و هذا الوجه مطّرد في جميع المسائل المختلف فيها من نظائر ذلك؛ إلا ما دلّ الدليل على خروجه، كما تراه مفصّلًا.

و استحبّ السيّد المرتضى و ابن إدريس البدأة بالأعلى (3)؛ لإطلاق الآية. (4)

و قول الصادق (عليه السلام)

لا بأس بمسح الوضوء مقبلًا و مدبراً.

(5)

و لا دلالة في الخبر على مطلوبهما؛ لتغاير حقيقتي الغَسل و المسح. و مطلق الآية مقيّد بفعله (صلّى اللّه عليه و آله)؛ لأنّه المبيّن للناس.

(و لا يجب تخليل اللحية و إن خفّت) سواء كانت للرجل (أو كانت للمرأة) لأنّ الوجه اسم لما يواجه به ظاهراً، و لا يتبع غيره، و لا يلزم الانتقال إلى الشعر؛ لعدم صدق الوجه عليه عرفاً، و الخفيف و إن لم يمنع رؤية الجميع لكنّه يستر ما تحته فيزول عنه الاسم.

و لعموم قول الباقر (عليه السلام)

كلّ ما أحاط به الشعر فليس على العباد أن يطلبوه و لا أن يبحثوا عنه لكن يجري عليه الماء

(6)

فإنّه شامل للخفيف و الكثيف. و غيره من الأخبار الشاملة بعمومها لهما.

و أوجب المصنّف- (رحمه اللّه)- في غير هذا الكتاب تخليل اللحية الخفيفة؛ محتجّاً بأنّ الوجه ما تقع به المواجهة، و إنّما ينتقل الاسم إلى اللحية مع الستر لا مع عدمه، فإنّ الوجه مرئيّ، و هو المواجه، دون اللحية، فلا ينتقل الاسم إليها. و حَمَل الأخبار الدالّة على عدم الوجوب على الساتر دون غيره. (7)

____________

(1) التهذيب 1: 55/ 157؛ الاستبصار 1: 58/ 171.

(2) الفقيه 1: 25/ 76؛ سنن البيهقي 1: 130/ 380.

(3) الانتصار: 99، المسألة 9؛ رسائل الشريف المرتضى 1: 213؛ السرائر 1: 99 و 100.

(4) المائدة (5): 6.

(5) التهذيب 1: 58/ 161؛ الاستبصار 1: 57/ 169.

(6) الفقيه 1: 28/ 88.

(7) مختلف الشيعة 1: 133- 114، المسألة 69.

99

و أنت خبير بأنّ هذه الحجّة- مع مخالفة مدلولها للأصحاب- إنما تستلزم غَسل ما لا شعر فيه من الوجه؛ لعدم انتقال الاسم عنه، لا وجوب غسل ما تحت الشعر الساتر الذي هو المتنازع، فدليله لا يطابق مدّعاه.

و اعلم أنّ الخلاف إنّما هو في وجوب تخليل البشرة التي تحت الشعر الخفيف، المستورة به، أمّا ما كان منها مرئيّاً بين الشعر فيجب غَسله قطعاً؛ لعدم انتقال اسم الوجه عنه.

[الثالث غَسل اليدين من المرفقين إلى أطراف الأصابع]

(و) يجب (غَسل اليدين) مبتدئاً فيهما وجوباً (من المرفقين) بكسر الميم و فتح الفاء و بالعكس، سُمّيا بذلك؛ لأنّه يرتفق بهما في الاتّكاء و نحوه (إلى أطراف الأصابع) لما تقدّم في الوجه.

(و يُدخل المرفقين في الغَسل) إجماعاً منّا و من أكثر مخالفينا إمّا لأنّ إلى في الآية (1) بمعنى «مع» و هو كثير، كقوله تعالى مَنْ أَنْصٰارِي إِلَى اللّٰهِ (2)* أو لأنّ الغاية تدخل في المغيّا حيث لا مفصل محسوس، أو لدخول الحدّ المجانس في الابتداء و الانتهاء، مثل

بعت الثوب من هذا الطرف إلى هذا الطرف.

و الوضوء البيانيّ أوضح دلالةً في ذلك؛ فإنّهُ (صلّى اللّه عليه و آله) أدار الماء على مرفقيه مبتدئاً بهما ثمّ قال

هذا وضوء لا يقبل اللّه الصلاة إلا به.

(3)

و بالجملة، فوجوب غسل المرفق لا خلاف فيه، إنّما الخلاف في سبب الوجوب هل هو النصّ؟ كما تقدّم، أو الاستنباط من باب مقدّمة الواجب بجَعل إلى للغاية؟ و هي لا تقتضي دخول ما بعدها فيما قبلها و لا خروجه؛ لورودها معهما.

أمّا الدخول: فكقولك

حفظت القرآن من أوّله إلى آخره

و منه سُبْحٰانَ الَّذِي أَسْرىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى. (4)

و أمّا الخروج: فك أَتِمُّوا الصِّيٰامَ إِلَى اللَّيْلِ (5) و فَنَظِرَةٌ إِلىٰ مَيْسَرَةٍ (6) و حينئذٍ

____________

(1) المائدة (5): 6.

(2) آل عمران (3): 52.

(3) أورده الشهيد في الذكرى 2: 131.

(4) الإسراء (17): 1.

(5) البقرة (2): 178.

(6) البقرة (2): 280.

100

لا دلالة على دخول المرفق من الآية نصّاً، و البيانيّ أعمّ منه و من الاستنباط.

و تظهر الفائدة في وجوب غَسل جزء من العضد فوق المرفق فيما لو قُطعت اليد من المرفق، و سيأتي الكلام فيه.

(و لو نكس) الغَسل بأن ابتدأ فيه بالأصابع (بطل) الغسل، فإن لم يُعِده على الوجه المعتبر، بطل الوضوء، خلافاً للسيّد المرتضى و ابن إدريس. (1) و الكلام فيه كالكلام في البدأة بأعلى الوجه حجّةً و جواباً.

(و لو كان له يد زائدة، وجب غَسلها) إن كانت تحت المرفق مطلقاً أو فوقه و لم تتميّز عن الأصليّة، و هذا كلّه لا خلاف فيه.

أمّا لو كانت فوقه و تميّزت، فالأمر فيه كذلك عند المصنّف، و لذا أطلق القول هنا، و صرّح به في المختلف؛ محتجّاً بصدق اسم اليد، و بصحّة تقسيمها إلى الزائدة و الأصليّة، و مورد التقسيم مشترك بين الأقسام التي قسّم إليها، و بالمعارضة بما تحت المرفق. (2)

و فيه نظر؛ لوجوب حمل الأيدي على المعهود المتعارف. و الاحتجاج باشتراك مورد التقسيم بين جميع أفراد الأقسام مع اشتهاره بين القوم قد أُورد عليه أنّه غير لازم، فإنّا نقسّم الحيوان إلى الأبيض و غير الأبيض- مثلًا- مع أنّ في كلّ منهما غيرَ الحيوان.

و اعتذر عنه بأنّ التقسيم عبارة عن ضمّ القيود المتخالفة إلى مورد القسمة ليحصل بانضمام كلّ قيد إليه قسم منه، فالقسم عبارة عن مجموع مورد القسمة مع القيد، و لا يتحقّق بدون مورد القسمة، فلا بدّ أن يكون المورد مشتركاً بين جميع أفراد أقسامه. و القسم في المثال المذكور هو الحيوان الأبيض و الحيوان الغير الأبيض. و فيه بحث.

سلّمنا، لكن صحّة التقسيم إنّما هو باعتبار الصورة لا باعتبار المتعارف الحقيقي، و إلا لكان لمانعٍ أن يمنع صحّته.

و المعارضة ليست لازمةً؛ لأنّ ما تحت المرفق لم يوجب غَسله لكونه يداً، بل لأنّه في محلّ الفرض، فكان من جملته، كغير اليد من الأجزاء التي لا يصدق اسمها عليها حقيقةً و لا مجازاً.

____________

(1) انظر الهامش (3) من ص 98.

(2) مختلف الشيعة 1: 121، المسألة 74.

101

و لو كانت في نفس المرفق، فكذلك عند المصنّف (1) أيضاً بطريق أولى، و كذا عند مَنْ أوجب غَسل المرفق نصّاً.

أمّا مَنْ أوجبه تبعاً من باب مقدّمة الواجب فيمكن القول بوجوب غَسلها عنده؛ لأنّها في محلّ الفرض ظاهراً. و عدمه؛ لعدم كونه كذلك في نفس الأمر، و غَسل المرفق لاشتباه حدّ اليد، و هو منتفٍ في الخارج عنها و عن مسمّاها. و هو ضعيف.

(و كذا) يجب غَسل (اللحم الزائد) الكائن (تحت المرفق) أو فيه لا فوقه؛ لخروجه عن محلّ الفرض، و منه ما يتدلّى من اللحم و الجلد من غير محلّ الفرض إليه؛ لوجود العلّة فيه (و) كذا (الإصبع) بمثلّث الهمزة مع مثلّث الباء (الزائدة) في محلّ الفرض.

(و مقطوع اليد) من دون المرفق (يغسل الباقي) لوجوب غَسل الجميع على تقدير وجوده، فإذا زال البعض، لم يسقط الآخر.

(و يسقط) وجوب غَسل اليد (لو قُطعت من المرفق) بناءً على أنّ غَسل المرفق إنّما وجب تبعاً من باب المقدّمة لا أصالةً، كما يجب غَسل جزء من الرأس تبعاً للوجه ليتحقّق غَسل جميعه، و كما في ستر جزء من البدن مع العورة ليتحقّق سترها، فإذا زال الاشتباه بالقطع من المفصل، سقط الوجوب؛ لظهور خروجه عن محلّ الفرض، فيلحق بباقي أجزاء البدن.

و لو جعلنا «إلى» بمعنى «مع» وجب غَسل رأس العضد أصالةً؛ لأنّه جزء من محلّ الفرض.

و ممّا يرجّح هذا الوجه- مع ما تقدّم- أنّ حملها على الانتهاء يوهم ابتداء الغَسل من رؤوس الأصابع، فالحمل على ما لا يُوهم شيئاً أولى، و على هذا لا يسقط غَسل موضع القطع؛ لأنّ المرفق هو العظمان المتداخلان، فإذا ذهب أحدهما، وجب غَسل الآخر؛ إذ لا يسقط الميسور بالمعسور.

و يزيد الوجوب ما احتجّ به المصنّف (2) على استحباب غَسل العضد من الروايات:

كقول أبي الحسن الكاظم (عليه السلام) في مقطوع اليد من المرفق

يغسل ما بقي من عضده.

(3)

و الظاهر أنّ المراد به رأس العضد الذي كان يغسل قبل القطع، و أطلق عليه العضد

____________

(1) نهاية الإحكام 1: 39.

(2) مختلف الشيعة 1: 120، المسألة 73.

(3) الكافي 3: 29/ 9؛ الفقيه 1: 30/ 99؛ التهذيب 1: 360/ 1086.

102

لعدم اللّبس؛ للإجماع على عدم وجوب غَسل جميع العضد في حالٍ، و هو أولى من حمله على الاستحباب؛ لأنّه خبر معناه الأمر، و هو حقيقة في الوجوب.

و أوضح دلالةً ما روي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الأقطع اليد أو الرّجْل كيف يتوضّأ؟ قال

يغسل ذلك المكان الذي قطع منه.

(1)

و كذا القول فيما لو قُطعت رِجْله من الكعب، و قد ذُكر أيضاً في هذه الرواية.

و لو قُطعت اليد من فوق المرفق أو الرّجْل من فوق الكعب، لم يجب الغسل و لا المسح إجماعاً.

و هل يستحبّ مسح باقي العضد؟ أثبته جماعة، منهم: المصنّف و الشهيد (2) رحمهما اللّه؛ استناداً إلى الرواية السابقة عن الكاظم (عليه السلام)، مع أنّها إنّما وردت في القطع من المرفق. و على ما ذكرناه من توجيهها يسقط الاحتجاج بها رأساً.

و أمّا الرّجْل فلا نصّ معتبر على مسح ما خرج عن محلّ الفرض، غير أنّ الصدوق- (رحمه اللّه)- لمّا روى عن الكاظم (عليه السلام) ما تقدّم قال: و كذلك روي في أقطع الرِّجْلين. (3) و مثل هذا لا يصلح للاحتجاج.

[الرابع مسح بشرة مقدّم الرأس]

(و) يجب (مسح بشرة مقدّم الرأس) دون وسطه أو خلفه أو أحد جانبيه؛ لأنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) مسح في الوضوء البيانيّ بناصيته. (4) و عليه إجماع الإماميّة (أو شعره) أي: شعر المقدّم (المختصّ به) فلا يجزئ المسح على شعر غير المقدّم و إن كان موضوعاً عليه، و لا على شعره غير المختصّ به، كالطويل بحيث لو استرسل لخرج عن حدّ المقدّم.

و المراد بالممنوع منه هنا الجزء الخارج بمدّه عن حدّه دون أصله و ما يتّصل به ممّا لا يخرج به عنه.

و قوله (بأقلّ اسمه) أي: يجب المسح المذكور بأقلّ اسم المسح، و هو إجراء جزء من الإصبع على المحلّ الممسوح.

و تخصيص الإصبع في كلامهم بناءً على أنّ أقلّ ما يمسح به المكلّف بحسب الواقع

____________

(1) التهذيب 1: 359/ 1078.

(2) مختلف الشيعة 1: 120، المسألة 73؛ منتهى المطلب 2: 37- 38؛ نهاية الإحكام 1: 38؛ الذكرى 2: 133- 134.

(3) الفقيه 1: 30/ 99.

(4) صحيح مسلم 1: 230/ 81؛ سنن أبي داود 1: 38/ 150؛ سنن البيهقي 1: 100/ 280.

103

إذا قلّل هو الإصبع، فكأنّها آلة للمسح لا ملحوظة بالتقدير.

و هذا هو اختيار جماعة (1) من المتأخّرين.

و أوجب المرتضى- رضي اللّه عنه- في مسائل الخلاف و ابن بابويه- (رحمه اللّه)- ثلاث أصابع مضمومة. (2) و تبعهما الشيخ- (رحمه اللّه)- في النهاية. (3)

و إنّما أجزأ ذلك كلّه؛ لمكان الباء في قوله تعالى بِرُؤُسِكُمْ. (4)

أمّا عندنا فظاهر؛ للنصّ عليه في خبر زرارة، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): أ لا تخبرني من أين علمت و قلت: إنّ المسح ببعض الرأس و بعض الرِّجْلين؟ فضحك، ثمّ قال

يا زرارة قاله رسول اللّهُ (صلّى اللّه عليه و آله)، و نزل به الكتاب من اللّه عزّ و جلّ يقول

فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ

فعلمنا أنّ الوجه كلّه ينبغي أن يغسل، ثمّ قال

وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ

ثمّ فصل بين الكلام فقال

وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ

فعرفنا حين قال

بِرُؤُسِكُمْ

أنّ المسح ببعض الرأس؛ لمكان الباء، ثمّ وصل الرِّجْلين بالرأس كما وصل اليدين بالوجه، فقال

وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ

فعرفنا حين وصلها بالرأس أنّ المسح على بعضها.

(5)

و إنّما نقلتُ الحديث بأسره؛ لكثرة الاختلاف في هذه الباء بين الأُصوليّين، و حيث هي منصوصة عندنا عن أئمّة الهدى فلا يلتفت حينئذٍ إلى مَنْ مَنَع من ذلك من الأُصوليّين، و لا إلى إنكار سيبويه (6) إفادتها التبعيض في سبعة عشر موضعاً من كتابه، و تبعه على ذلك ابن جنّي (7)، مع أنّها شهادة على النفي، و معارضة بإقرار الأصمعي و أبي علي الفارسي و ابن كيسان و القتيبي (8) و ابن مالك من المتأخّرين، (9) و أكثر عليها من الآيات الإلهية و الشواهد الشعريّة، كقوله تعالى يَشْرَبُ بِهٰا عِبٰادُ اللّٰهِ. (10)

____________

(1) منهم: ابن إدريس في السرائر 1: 101؛ و المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 144؛ و الفاضل الآبي في كشف الرموز 1: 66.

(2) الفقيه 1: 28؛ و حكاه عنهما المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 145.

(3) النهاية: 14.

(4) المائدة (5): 6.

(5) الكافي 3: 30/ 4؛ الفقيه 1: 56/ 212؛ علل الشرائع 1: 324/ 1، الباب 190؛ التهذيب 1: 61/ 168؛ الاستبصار 1: 62- 63/ 186.

(6) انظر على سبيل المثال: الكتاب 4: 217.

(7) كما في الذكرى 2: 136.

(8) في مغني اللبيب: القتبيّ.

(9) مغني اللبيب 1: 142؛ الذكرى 2: 136.

(10) الإنسان (76): 6.

104

و قول الشاعر:

شربن بماء البحر ثمّ ترفّعت (1)

و قوله:

شرب النزيف ببرد ماء الحشرج (2)

و نُقل عن جميع الكوفيّين. (3) و حُمل النفي المتقدّم على أنّه عن أهل بلد النافي لا غير، كما صرّح به ابن جنّي. (4)

و لما ذكره محقّقو الأُصول من أنّها إذا دخلت على المتعدّي بنفسه، أفادت التبعيض، و إلا لزم عدم فائدتها، و للفرق بين

مسحت المنديل

و

مسحت بالمنديل.

و هذه الحجّة قرّرها المصنّف أيضاً في كتب الأُصول، (5) لكن مع ثبوت النصّ عندنا لا يحتاج إلى ذلك.

و أمّا عند غيرنا ممّن لم يوجب استيعاب الرأس بالمسح: فلما نقلناه عن أهل العربيّة و الأُصول.

و يدلّ على عدم وجوب الثلاث: قول الباقر (عليه السلام) في حديث الأخوين

(6)

إذا مسحت بشيءٍ من رأسك أو بشيءٍ من قدميك ما بين كعبيك إلى أطراف الأصابع فقد أجزأك

(7) فالشيء كما يتناول أقلّ من الثلاث يتناول أيضاً ما هو أقلّ من قدر الإصبع عَرضاً، و هو معنى أقلّ الاسم كما قلنا.

إذا تقرّر ذلك، فإن اقتصر المكلّف على الأقلّ، فهو الواجب. و إن زاد عليه، فلا ريب

____________

(1) صدر بيت لأبي ذؤيب الهذلي، و عجزه:

متى لجج خضر لهنّ نئيج

الخصائص- لابن جني- 2: 85؛ شرح ابن عقيل 2: 6.

(2) عجز بيت، و صدره:

فلَثَمْتُ فاها آخذاً بقرونها

و الحشرج: كوز صغير لطيف. تهذيب اللغة- للأزهري- 5: 310؛ لسان العرب 2: 237، «ح ش ر ج».

(3) كما في مغني اللبيب 1: 105؛ و الذكرى 2: 136.

(4) كما في الذكرى 2: 136.

(5) منها: نهاية الوصول، المقصد الثاني: في اللغات، الفصل الثامن: في تفسير حروف، البحث الثالث: في باقي الحروف، المسألة الرابعة: الباء للإلصاق و الاستعانة.

(6) هما: زرارة و بكير ابنا أعين.

(7) التهذيب 1: 90/ 237؛ الإستبصار 1: 61/ 182.

105

في استحبابه عيناً، لكن هل يوصف مع ذلك بالوجوب تخييراً أم لا؟ الذي يظهر من المصنّف- (رحمه اللّه)- هنا و صرّح به في الأُصول (1) عدم الوصف بالوجوب محتجّاً بأنّه (2) يجوز تركه لا إلى بدلٍ، و لا شيء من الواجب كذلك، فلا شيء من الزائد بواجبٍ. و بأنّ الكلّي قد وُجد فخرج المكلّف به عن العهدة، فلم يكن شيء مطلوب منه حتماً حتى يوصف بالوجوب.

و فيه نظر؛ إذ لا مانع من إلحاقه بالواجبات الكلّيّة، كأفراد الواجب المخيّر.

و الاستدلال بجواز تركه إن أراد به مطلق الواجب، مُنعت الصغرى؛ لجواز ترك بعض أفراد الواجب المخيّر مع الإتيان بالفرد الآخر، و ظاهر إطلاق اسم الواجب على كلّ واحد منها أو فرداً خاصّاً لم يستلزم المدّعى؛ لعدم كلّيّة الكبرى.

و قد وقع مثل ذلك في التخيير بين القصر و التمام في أماكن التخيير عندنا، و مطلقاً عند غيرنا؛ فإنّ الركعتين الأخيرتين من هذا القبيل، و لا امتناع في أن يكون الشيء مطلوباً وجوباً على وجهين أحدهما أكمل من الآخر، كمثال القصر (3) و التمام. و من هذا الباب تكرار التسبيحات الأربع في الأخيرتين، و تكرار التسبيح في الركوع و السجود و نحوها.

و استقرب شيخنا الشهيد- (رحمه اللّه)- استحباب الزائد عن أقلّ الواجب، محتجّاً بجواز تركه، كما مرّ. قال في الذكرى: هذا إذا أوقعه دفعةً، و لو أوقعه تدريجاً، فالزائد مستحبّ قطعاً. (4)

و هذا التفصيل حسن؛ لأنّه مع التدريج يتأدّى الوجوب بمسح جزء، فيحتاج إيجاب الباقي إلى دليلٍ، و الأصل يقتضي عدم الوجوب، بخلاف ما لو مسحه (5) دفعةً؛ إذ لم يتحقّق فعل الفرد الواجب إلا بالجميع.

و اعلم أنّ الخلاف المتقدّم في تقدير المسح إنّما هو في الرأس، أمّا في الرِّجْلين: فقال المحقّق في المعتبر: يكفي المسح من رؤوس الأصابع إلى الكعبين و لو بإصبع واحدة، و هو

____________

(1) نهاية الوصول، المقصد الرابع: في الأمر و النهي، الفصل الخامس: في أحكام الوجوب، البحث الأوّل: فيما يتوقّف عليه الواجب، الفرع السادس.

(2) أي: بأنّ الزائد على الواجب.

(3) في «م»: «كما في القصر» بدل «كمثال القصر».

(4) الذكرى 2: 142.

(5) في «م»: «مسح».

106

إجماع فقهاء أهل البيت (عليهم السلام) (1). فافهم ذلك، فإنّ الإجماع المنقول بخبر الواحد حجّة، مع أنّه لم يدّع خلاف ذلك.

(و لا يجزئ الغَسل عنه) أي: عن المسح؛ لأنّهما حقيقتان مختلفتان لا تدخل إحداهما تحت الأمر بالأُخرى، و لتحريم الماء الجديد، و للخبر. (2)

و هل اختلاف حقيقتي الغَسل و المسح على وجه العموم و الخصوص من وجه أم على وجه التباين بحيث لا تجتمعان في مادّة؟

يحتمل الأوّل؛ لأنّ المراد بالغَسل إجراء الماء على العضو، و بالمسح إمرار اليد عليه مع وجود بلل الوضوء عليها، و هو أعمّ من كونه مع ذلك جارياً على العضو و عدمه، و حينئذٍ فيصدق الغَسل بدون المسح في إجراء الماء على العضو من دون إمرار اليد، و المسح بدونه مع إمرارها ببلل غير جارٍ، و يجتمعان في إمرارها ببللٍ يجري على العضو.

و يحتمل الثاني؛ لدلالة الآية و الأخبار على اختصاص أعضاء الغَسل به و أعضاء المسح به، و التفصيل قاطع للشركة، فلو أمكن اجتماعهما في مادّة، أمكن غَسل الممسوح، فيتحقّق الاشتراك.

و لأنّ المصنّف نقل في التذكرة الإجماع على أنّ الغَسل لا يجزئ عن المسح. (3) و لا شكّ أنّ الماء الجاري على العضو على ذلك الوجه غَسل، فلا يجزئ إجماعاً، و لا اعتبار بعدم نيّة الغسل به؛ لأنّ الاسم تابع للحقيقة لا للنيّة.

و تظهر الفائدة فيما لو مسح على العضو الممسوح ببللٍ كثير بحيث جرى عليه، فعلى الأوّل يجزي دون الثاني.

و ممّن صرّح بالإجزاء الشهيدُ- (رحمه اللّه)- في الذكرى، قال فيها: و لا يقدح قصد إكثار الماء لأجل المسح؛ لأنّه من بلل الوضوء. و كذا لو مسح بماء جارٍ على العضو و إن أفرط الجريان؛ لصدق الامتثال. و لأنّ الغسل غير مقصود. (4)

و في تحقّق الامتثال ما مرّ من المنع. و عدم قصد الغَسل مع وجوده لا يُخرجه عن كونه

____________

(1) المعتبر 1: 150.

(2) الكافي 3: 31/ 9؛ علل الشرائع 1: 336/ 2، الباب 212؛ التهذيب 1: 65/ 184؛ الاستبصار 1: 64/ 191.

(3) تذكرة الفقهاء 1: 168، المسألة 50.

(4) الذكرى 2: 143.