روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان - ج1

- الشهيد الثاني المزيد...
463 /
107

غَسلًا، فالمتّجه حينئذٍ عدم الإجزاء.

(و يستحبّ المسح مُقبِلًا) تفصّياً من الخلاف، فيحصل القطع برفع الحدث معه، و ليس بواجب على الأصحّ، خلافاً للأكثر (1)؛ لإطلاق الآية (2) و الأخبار.

و لصحيحة حمّاد بن عثمان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال

لا بأس بمسح الوضوء مُقبلًا و مُدبراً.

(3)

و ما تقدّم من الاستدلال بالوضوء البياني من أنّه إن كان (عليه السلام) مسح رأسه منكوساً، تعيّن ذلك، لكنّ الإجماع على خلافه، بل غايته الجواز، فدلّ على مسحه مُقبِلًا فيجب، يندفع هنا بدليلٍ خارجي، و هو الخبر المتقدّم. و حاصله: أنّه حجّة فيما لا يثبت خلافه؛ لاشتماله على مقطوعٍ بعدم وجوبه.

و العجب! أنّ المرتضى- (رحمه اللّه)- مَنَع من استقبال الشعر هنا مع تجويزه الاستقبال في الوجه و اليدين؛ محتجّاً هنا بتوقّف القطع برفع الحدث عليه. (4)

(و لا يجوز) المسح (على حائلٍ، كعمامة و غيرها) و لو حنّاء- و ما ورد من نفي البأس عنه (5) محمول على أثره، و هو اللون- لإفادة الباء في الآية (6) الإلصاقَ مع التبعيض؛ إذ لا منافاة، فلا يخرج عن العهدة بدونه.

و لقول الصادق (عليه السلام) حين سُئل عن رجل يتوضّأ و ثقل عليه نزع العمامة، قال

يدخل إصبعه.

(7)

[الخامس مسح بشرة الرِّجْلين]

(و) يجب (مسح بشرة الرِّجْلين) بإجماعنا، و تواتر الأخبار به عن أئمّتنا (عليهم السلام) و روى عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) من طريق العامّة في جملة أخبار. (8)

____________

(1) كما في الذكرى 2: 138؛ و منهم: الشيخ الصدوق في الفقيه 1: 28؛ و الشيخ الطوسي في الخلاف 1: 83، المسألة 31؛ و النهاية: 14؛ و ابن حمزة في الوسيلة: 50.

(2) المائدة (5): 6.

(3) التهذيب 1: 58/ 161؛ الاستبصار 1: 57/ 169.

(4) الانتصار: 99 و 103، المسألتان 9 و 11؛ و كما في الذكرى 2: 138.

(5) التهذيب 1: 359/ 1079 و 1081 و الاستبصار 1: 75/ 232 و 233.

(6) المائدة (5): 6.

(7) الكافي 3: 30/ 3؛ التهذيب 1: 90/ 239؛ الاستبصار 1: 61- 62/ 183.

(8) سنن أبي داود 1: 41/ 160؛ سنن البيهقي 1: 429/ 1360.

108

و لقوله تعالى وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ (1) بالجرّ عطفاً على الرؤوس لفظاً، أو بالنصب على المحلّ؛ لأنّ الرؤوس في محلّ نصب بامسحوا و هو أولى من عطف الأرجل على تقدير النصب على الأيدي؛ للقرب، و الفصل، و الإيهام المخلّ بالفصاحة من الانتقال من جملةٍ إلى أُخرى قبل إكمالها، كقولك

ضربت زيداً و عمرواً، و أكرمت خالداً و بكراً

و يجعل بكراً معطوفاً على زيد و عمرو المضروبين.

و حَملُ الجرّ في الأرجل على المجاورة للمجرور- كقوله تعالى عَذٰابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (2)* و قراءة حمزة وَ حُور عين (3) إذ ليس معطوفاً على لَحْمِ طَيْرٍ (4) لعدم كون الحور معطوفاً بهنّ- ضعيف؛ لإنكار أكثر أهل العربيّة الجرّ بالمجاورة، فيضعف جدّاً إن لم يمنع، و لا يليق بكتاب اللّه عزّ و جلّ، مع أنّه مشروط عند مجوّزة بعدم الالتباس و عدم العطف، و هُما مفقودان هنا.

و ما ورد ممّا يوهم خلاف الشرطين مقرّر على وجه يدفع التوهّم، و جرّ أليم لا يلبسه بيوم و حور عين مجرور عطفاً على جنات (5) أي: المقرّبون في جنّاتٍ و مصاحبة حور عين؛ لمنع الجوار مع العطف بالواو.

و اعلم أنّه يستفاد من قوله

بشرة الرِّجلين

مع قوله في الرأس كذلك أو شعره المختصّ: أنّه لا يجزئ المسح على الشعر في الرِّجْلين، بل يتحتّم البشرة، و الأمر فيه كذلك.

(بأقلّ اسمه) كما تقدّم في مسح الرأس؛ لعطف الأرجل على الرؤوس، فشاركه في الحكم، إلا أنّه لا خلاف هنا في إجزاء المسمّى، كما ذكره المحقّق- (رحمه اللّه)- في المعتبر. (6)

و حدّه (من رؤوس الأصابع إلى الكعبين) و لا بدّ من إدخال جزء من الحدّين؛ لعدم المفصل المحسوس، كنظائره.

(و هُما) أي: الكعبان (مجمع القدم و أصل الساق) على المختار عند المصنّف (رحمه اللّه)-

____________

(1) المائدة (5): 6.

(2) هود (11): 26.

(3) الواقعة (56): 22.

(4) الواقعة (56): 21.

(5) الواقعة (56): 12.

(6) المعتبر 1: 150.

109

و تبعه الشهيد- (رحمه اللّه)- في الألفيّة، (1) و المقدادُ في الكنز، (2) مع أنّ الشهيد (رحمه اللّه) في الذكرى ادّعى إجماعنا و كثير ممن خالفنا- كسائر الحنفيّة و بعض الشافعيّة على أنّهما قبّتا القدم عند معقد الشراك. (3)

و لاشتقاقه من قولهم: كعب: إذا ارتفع. و منه: كعب ثدي الجارية: إذا علا.

قال:

قد كعب الثدي على نحرها* * * في مُشرق ذي صَبَح نائِر (4)

فهو بالاشتقاق أنسب.

و كذلك المحقّق في المعتبر (5) ادّعى أيضاً إجماع فقهاء أهل البيت (عليهم السلام) على ذلك، و قَبله الشيخ- (رحمه اللّه)- في التهذيب. (6)

و للنقل المتواتر عن أهل البيت (عليهم السلام)، كما روي عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه وصف الكعب في ظهر القدم. (7)

و عنه (عليه السلام) في وصف وضوء رسول اللّهُ (صلّى اللّه عليه و آله)

ثمّ وضع يده على ظهر القدم ثمّ قال: هذا هو الكعب. قال: و أومأ بيده إلى أسفل العُرقُوب و قال: هذا هو الظنبوب.

(8)

(9) و لا ريب أنّ الكعب الذي يدّعيه المصنّف ليس في ظهر القدم، و إنّما هو المفصل بين الساق و القدم، و المفصل بين شيئين يمتنع كونه في أحدهما.

و احتجّ المصنّف على مذهبه بما رواه زرارة و بكير ابنا أعين عن أبي جعفر (عليه السلام) حيث سألاه عن الكعبين، فقال: «ها هنا» يعني المفصل دون عظم الساق. (10)

____________

(1) الألفيّة: 44.

(2) كنز العرفان 1: 18.

(3) الذكرى 2: 149.

(4) البيت ورد في الذكرى 2: 149 كما في المتن؛ و في ديوان الأعشى: 189 هكذا:

قد نهد الثدي على صدرها

(5) المعتبر 1: 151.

(6) التهذيب 1: 75.

(7) الكافي 3: 26- 27/ 7؛ التهذيب 1: 75/ 189؛ الاستبصار 1: 69/ 210.

(8) الظنبوب: العظم اليابس من قدم الساق. الصحاح 1: 175، «ظ ن ب».

(9) التهذيب 1: 75/ 190.

(10) الكافي 3: 25- 26/ 5؛ التهذيب 1: 76/ 191.

110

و بما تقدّم من وصف الباقر (عليه السلام) لوضوء رسول اللّهُ (صلّى اللّه عليه و آله)، إلى أن قال

و مسح على مقدّم رأسه و ظهر قدميه

(1)

و هو يعطي استيعاب المسح لجميع ظهر القدم.

و بأنّه أقرب إلى ما حدّده أهل اللغة. (2)

و أنت خبير بعدم دلالة الحديث الثاني، و قد تقرّر.

و أمّا حديث الأخوين: فهو و إن لم يناف مدّعاه لا ينافي مدّعى الجماعة أيضاً، فيجب حمله على ما يوافق الحديثين المتقدّمين؛ جمعاً بين الأخبار، و موافقةً للإجماع، مع أنّ الشهيد- (رحمه اللّه)- جَعَله أوّل الأدلّة النقليّة على قول جماعة الأصحاب. (3)

و أمّا استدلاله بقربه إلى ما حدّده أهل اللغة: فقد أجاب عنه في الذكرى بأنّه إن أراد بأهل اللغة لغويّة العامّة، فهُم مختلفون. و إن أراد لغويّة الخاصّة، فهُم متّفقون على ما قرّرناه أوّلًا حتى أنّ العلامة اللغوي عميد الرؤساء صنّف في الكعب كتاباً مفرداً، و أكثر فيه من الشواهد على أنّه قبّة القدم. (4)

و الظاهر أنّ تفسير الشهيد- (رحمه اللّه)- له في الألفيّة بأنّه ملتقى الساق و القدم (5) على سبيل الاحتياط لا الوجوب، كما ذكره في البيان (6)؛ لكثرة تشنيعه على الفاضل في القول بذلك حتى ألزمه خرق إجماع الكلّ و إحداث قولٍ ثالث مستلزم رفعَ ما أجمع عليه الأُمّة؛ لأنّ الخاصّة على ما ذُكر، و العامّة على أنّ الكعب ما نتأ عن يمين الرّجْل و شمالها. (7)- (8)

و العجب من المصنّف حيث قال في المختلف: إنّ في عبارة أصحابنا اشتباهاً على غير المحصّل (9)؛ مشيراً إلى أنّ المحصّل لا يشتبه عليه أنّ مرادهم بالكعب المفصل بين الساق و القدم، و أنّ مَنْ لم يفهم ذلك من كلامهم لا يكون محصّلًا. ثمّ حكى كلام جماعة منهم، و الحال أنّ المحصّل لو حاول فهم ذلك من كلامهم، لم يجد إليه سبيلًا و لم يقم عليه دليلًا.

____________

(1) الكافي 3: 25/ 4؛ الفقيه 1: 24/ 74.

(2) مختلف الشيعة 1: 125- 126، المسألة 78.

(3) انظر: الذكرى 2: 150.

(4) الذكرى 2: 149- 151.

(5) الألفيّة: 44.

(6) البيان: 48.

(7) في «ق، م» و الطبعة الحجريّة: «شماله». و الأنسب ما أثبتناه.

(8) الذكرى 2: 151.

(9) مختلف الشيعة 1: 125، المسألة 78.

111

و كأنّه تعرّض في ذلك لشيخه أبي القاسم حيث ادّعى إجماع علماء أهل البيت (عليهم السلام) على خلاف مدّعاه، كما تقدّم (1) النقل عنه، و اللّه أعلم بحقيقة الحال.

(و يجوز) المسح على الرِّجْلين (منكوساً) بأن يبتدئ بالكعب و يختم بالأصابع (كالرأس)؛ لرواية حمّاد- المتقدّمة- (2) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)

لا بأس بالمسح في الوضوء مُقبِلًا و مُدبراً

و هو شامل بإطلاقه للجميع. و في عبارة أُخرى له عنه (عليه السلام)

لا بأس بمسح القدمين مُقبلًا و مُدبراً

(3)

و غير ذلك من الأخبار، و هي مخصّصة أيضاً لدليل الوضوء البياني، كما تقدّم.

و الكلام في إلى في الآية (4) هنا كما مرّ في احتمال المعيّة و الغاية، فعلى الأوّل لا دلالة فيها على الابتداء، و كذا على الثاني إذا جُعلت الغاية للممسوح.

و أوجب جماعة (5) الابتداء برؤوس الأصابع، و وافقهم المرتضى (6) هنا- مع مخالفته في غَسل الوجه و اليدين- جَعلًا لإلى على بابها من الانتهاء، و أرادوا به انتهاء المسح. و لأنّ في وصف الباقر (عليه السلام) وضوء رسول اللّهُ (صلّى اللّه عليه و آله)

مسح قدميه إلى الكعبين

(7)

و لأنّ الوضوء البياني لم ينكس فيه، و إلا لما أجزأ خلافه مع جوازه إجماعاً، و التقريب ما تقدّم. و لا ريب أنّه أولى و أحوط لتحقّق الخروج عن العهدة بفعله.

(و لا يجوز) المسح (على حائلٍ، كخُفّ و غيره اختياراً) إجماعاً منّا؛ لعدم مسمّى الرّجْل فيه. و لإفادة الباء المقدّرة في المعطوف الإلصاقَ. و لعدم المسح في الوضوء البياني- المحكوم بأنّه لا تقبل الصلاة إلا به- على حائلٍ بين البشرة و بينه من خُفّ و غيره إجماعاً.

و قد روي عن عليّ (عليه السلام)

ما أُبالي أمسح على الخُفين أو على ظهر عير بالفلاة

(8)

بالعين المهملة ثمّ الياء المثنّاة من تحت، ثمّ الراء المهملة، و هو الحمار. و مثله عن أبي هريرة و عائشة. (9)

____________

(1) تقدّم في ص 109.

(2) تقدّمت في ص 107.

(3) التهذيب 1: 83/ 217.

(4) المائدة (5): 6.

(5) منهم: الشيخ الصدوق في الفقيه 1: 28؛ و ابن إدريس في السرائر 1: 99.

(6) الانتصار: 115، المسألة 16.

(7) التهذيب 1: 56/ 158؛ الإستبصار 1: 57/ 168.

(8) أورده المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 153.

(9) المصنّف- لابن أبي شيبة- 1: 213- 214/ 9؛ الفقيه 1: 30/ 97؛ أمالي الصدوق: 515؛ و كما في المعتبر 1: 153.

112

و عنها عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال

أشدّ الناس حسرةً يوم القيامة مَنْ رأى وضوءه على جلد غيره.

(1)

و عنها: لأن تقطع رِجْلاي بالمواسي أحبّ إليّ من أن أمسح على الخُفّين. (2)

و إنكار هؤلاء يدلّ على عدم فعل النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) إيّاه.

و أمّا الروايات عن أهل البيت (عليهم السلام) في ذلك فكثيرة غنيّة عن الإيراد هنا.

(و يجوز) ذلك (للتقيّة و الضرورة) كالبرد. و لا يختصّ بكيفيّة عندهم، كاللّبس على طهارةٍ، و لا كمّيّة، كاليوم و الليلة للحاضر، و الثلاثة للمسافر.

و لا يبطل الوضوء بزوال التقيّة و الضرورة ما لم يحدث على الأصحّ؛ لأنّها طهارة شرعيّة، و لم يثبت كون ذلك ناقضاً. و يحتمله؛ لزوال المشروط بزوال شرطه. و قرّبه المصنّف- (رحمه اللّه)- في التذكرة، (3) و توقّف في غيرها. (4)

و لا يشترط في جواز ذلك و نحوه للتقيّة عدم المندوحة، و هو يؤيّد بقاء الطهارة مع زوال سبب التقيّة.

و لو تأدّت التقيّة بأحد الأمرين: إمّا المسح على الخُفّ أو غَسل الرِّجْلين، تعيّن الغَسل؛ لأنّه أقرب إلى المفروض بالأصل.

(و لو غسل) رِجْليه (مختاراً، بطل وضوؤه) لاختلاف الحقيقة، و مخالفة الأمر، و للإجماع. و احترز بالاختيار عن التقية، فيجوز الغَسل لها. و لا يجب الاستيعاب حينئذٍ، بل لو تأدّت بغَسل موضع المسح خاصّةً، أجزأ.

و لو انعكس الحكم بأن مسح في موضع التقيّة، بطل وضوؤه أيضاً؛ للنهي المقتضي للفساد في العبادة، مع احتمال الصحّة؛ لأنّ النهي لوصفٍ خارج.

و اعلم إنّ الحالة الموجبة للتقيّة أن يحصل للمكلّف العلم أو الظنّ بنزول الضرر بتركها به أو ببعض المؤمنين قريباً أو بعيداً، سواء كان ذلك في واجبٍ عندهم أم مستحبّ أم مباح.

و لو لم يخف ضرراً عاجلًا و يتوهّم ضرراً آجلًا أو ضرراً سهلًا، استحبّت. و كذا

____________

(1) الفقيه 1: 30/ 96؛ أمالي الصدوق: 515.

(2) المعتبر 1: 153، المصنّف- لابن أبي شيبة- 1: 213/ 1 و 214/ 10.

(3) تذكرة الفقهاء 1: 174، الفرع «ب».

(4) قواعد الأحكام 1: 11؛ نهاية الإحكام 1: 45.

113

لو كانت التقيّة في المستحبّ، كغَسل الوجه باليدين معاً حيث لا ضرر معلوماً و لا مظنوناً، و لا يبطل الفعل بتركها هنا قطعاً.

و قد تكره، كالتقيّة في المستحبّ حيث لا ضرر عاجلًا و لا آجلًا مع خوف الالتباس على عوام المذهب.

و قد تحرم حيث يتحقّق الأمن من الضرر بفعل الواجب عاجلًا و آجلًا. و لا يتصوّر إباحتها في العبادة و إن أمكنت في الجملة، كالتقيّة في بعض المباحات التي ترجّحها العامّة و لا يحصل بتركها ضرر، فهي إذَن منقسمة بانقسام الأحكام الخمسة، و لا اختصاص لها بهذا الباب و إن أمكن فرض الأربعة فيه.

(و يجب مسح الرأس و الرّجْلين ببقيّة نداوة الوضوء) لوصف وضوء رسول اللّهُ (صلّى اللّه عليه و آله)، و فيه

ثمّ مسح ببقيّة ما بقي في يده رأسه و رِجْليه

(1)

و غيره من الأخبار.

و هذا الحكم قد استقرّ عليه إجماعنا بعد ابن الجنيد مع أنّه لم يُجوّز الاستئناف مطلقاً، بل مع جفاف أعضاء الوضوء أو مع غَسل الأعضاء مرّتين مرّتين. (2) مع أنّ الحكم الأوّل يأتي عندنا على بعض الوجوه، كشدّة الحرّ و قلّة الماء.

(فإن استأنف ماءً جديداً، بطل وضوؤه) لعدم مماثلته للوضوء المحكوم عليه بأنّه لا تُقبل الصلاة إلا به.

(فإن جفّ) البلل عن يديه (أخذ من لحيته و أشفار عينيه) و حاجبيه (و مسح به).

و يجوز الأخذ من هذه المواضع و غيرها من غير جفاف؛ لاشتراك الجميع في كونه بلل الوضوء، و لا يصدق عليه الاستئناف.

و لإطلاق قول الصادق (عليه السلام) فيما رواه مالك بن أعين عنه (عليه السلام)

مَنْ نسي مسح رأسه ثمّ ذكر أنّه لم يمسح رأسه فإن كان في لحيته بلل فليأخذ منه و ليمسح به

(3)

فجوّز (عليه السلام) الأخذ من اللّحية من غير تقييدٍ بجفاف اليد.

(فإن جفّ) جميع ذلك أو لم يمكن أن ينفصل عنه ما يتحقّق به المسح (بطل) الوضوء إلّا مع الضرورة، كإفراط الحرّ و قلّة الماء، فيجوز حينئذٍ استئناف الماء، لكن لو أمكن إبقاء جزء

____________

(1) الكافي 3: 12/ 1؛ التهذيب 1: 55- 56/ 157؛ الاستبصار 1: 58/ 171.

(2) حكاه عنه المحقّق في المعتبر 1: 147؛ و الشهيد في الذكرى 2: 138- 139.

(3) التهذيب 2: 201/ 788.

114

من اليد اليسرى ثمّ الصبّ عليه أو غمسه في الماء و تعجيل المسح به، وجب مقدّماً على الاستئناف.

[السادس الترتيب]

(و يجب) في الوضوء (الترتيب) بين الأعضاء المغسولة و الممسوحة (يبدأ بغَسل الوجه ثمّ باليد اليمنى ثمّ باليسرى ثمّ بمسح الرأس ثمّ بالرّجْلين) عند علمائنا أجمع؛ لترتيب الوضوء البياني. و لأنّ الفاء في فَاغْسِلُوا (1) تفيد الترتيب بين إرادة القيام و بين غَسل الوجه، فتجب البدأة بغَسل الوجه، و كلّ مَنْ قال بوجوب البدأة به قال بالترتيب بين باقي الأعضاء؛ لأنّ أبا حنيفة و مالكاً لا يريان الترتيب فيه و لا في غيره، بل يُجوّزان تأخيره عن الجميع (2)، و صوره مع النكس عندهما سبعمائة و عشرون كلّها مجزئة، و عندنا لا تجزئ منها إلا واحدة.

و الروايات عندنا على وجوبه و توقّف صحّة الوضوء عليه متظافرة.

و المعتبر في الترتيب تقديم المقدّم لا عدم تأخيره، فلا تجزئ المعيّة، بل يحصّل الوجه دخولًا و اليمنى خروجاً. فإن أعادها فاليسرى. و يجوز المسح بمائها؛ لعدم صدق التجديد عليه. و لو أخرجها مرتّباً، صحّ غَسل الجميع. و لو كان في جارٍ و تعاقبت عليه ثلاث جريات أو في واقفٍ و طال المكث، صح غَسل الوجه و اليدين أيضاً.

(و لا ترتيب) واجب (بينهما) أي: بين الرِّجْلين؛ للأصل. و لقوله تعالى وَ أَرْجُلَكُمْ (3) فيصدق مع الترتيب و عدمه؛ إذ لا دلالة للكلّيّ على الجزئيّ المعيّن.

و أوجبه جماعة (4)؛ لتقريب الدليل في الوضوء البياني، و هو أنّه لو قدّم فيه اليسرى أو مسحهما معاً، تعيّن ذلك، و هو خلاف الإجماع، فتعيّن كون اليمنى فيه مقدّمةً.

و هذا الدليل لا معارض له هنا كما في صورتي نكس المسح، فيعمل عليه. و الآية كما أنّها لا تدلّ عليه لا تنافيه، كجمع الأيدي مع وجوب الترتيب فيها، و هذا هو الأجود.

[السابع الموالاة]

(و تجب) فيه (الموالاة) و لا خلاف عندنا في وجوبها، و لكن اختلف في معناها على

____________

(1) المائدة (5): 6.

(2) الهداية- للمرغيناني- 1: 13؛ المبسوط- للسرخسي- 1: 55؛ بدائع الصنائع 1: 18 و 21- 22؛ المدوّنة الكبرى 1:

14؛ بداية المجتهد 1: 16- 17.

(3) المائدة (5): 6.

(4) منهم ابن أبي عقيل و ابن الجنيد كما حكاه عنهما العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 130، المسألة 81؛ و الشيخ الصدوق في الفقيه 1: 28 ذيل الحديث 88؛ و سلّار في المراسم: 38.

115

ثلاثة أقوال:

أحدها: أنّها مراعاة الجفاف مطلقاً، فمتى أخّر متابعة الأعضاء على وجه لا يحصل معه جفاف فلا إثم عليه و لا إبطال. و هو قول الأكثر، (1) و منهم: الشيخ في الجُمل. (2)

و ثانيها: متابعة الأَعضاء بعضها لبعض بحيث إذا فرغ من عضوٍ شرع في آخَرَ في حال الاختيار، فإن أخلّ بها معه، أثم، و لا يبطل إلا بالجفاف. و مع الضرورة- كفراغ الماء و نحوه لا إثم بالتأخير و لا إبطال ما لم يجف. و هو قول الشيخين (3) في غير الجُمل و المبسوط و المصنّف رحمهم اللّه، و إليه أشار هنا بقوله (و هي) أي: الموالاة (المتابعة اختياراً، فإن أخّر) بعض الأعضاء عن بعض (فجفّ المتقدّم، استأنف) و إلا فلا لكن مع الإثم في حال الاختيار.

و ثالثها: المتابعة مع الاختيار، فمتى أخلّ بها معه، بطل الوضوء، سواء حصل معه جفاف أم لا. و هو قول الشيخ في المبسوط. (4)

و هذا القول أسقطه المصنّف في المختلف، و جَعَل فيها قولين خاصّة، (5) و قد عرفت أنّ الثلاثة للشيخ- (رحمه اللّه)- وحده فضلًا عمّن شاركه في بعضها.

و ممّن صرّح بالثلاثة المحقّقُ في المعتبر (6) و الشهيد في الذكرى (7) و كذا في حاشيته على القواعد (8) و إن كانت لا تخلو من إجمال.

و استدلّ المصنّف على مذهبه هنا باقتضاء الأمر في قوله تعالى فَاغْسِلُوا (9) إلى آخره الفور؛ لأنّه أحوط. و بقوله تعالى سٰارِعُوا إِلىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ (10)- فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرٰاتِ (11)*

____________

(1) منهم: السيّد المرتضى في مسائل الناصريّات: 126، المسألة 33؛ و القاضي ابن البرّاج في المهذّب 1: 45؛ و أبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 133، و ابن إدريس في السرائر 1: 101؛ و المحقّق الحلّي في شرائع الإسلام 1: 14.

(2) الجمل و العقود (ضمن الرسائل العشر): 159.

(3) المقنعة: 47؛ النهاية: 15.

(4) المبسوط 1: 23.

(5) مختلف الشيعة 1: 133، المسألة 82.

(6) المعتبر 1: 157.

(7) الذكرى 2: 164- 169.

(8) الحاشية النجّاريّة، الورقة 12.

(9) المائدة (5): 6.

(10) آل عمران (3): 133.

(11) البقرة (2): 148.

116

و بأنّه تعالى أوجب غَسل الوجه و اليدين و المسح عند إرادة القيام إلى الصلاة بلا فصلٍ، و فعلُ الجميع دفعةً متعذّر، فيحمل على الممكن، و هو المتعابعة.

و بما رواه أبو بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال

إذا توضّأت بعض وضوئك فعرضت لك حاجة حتى يبس وضوؤك فأعد وضوءك فإنّ الوضوء لا يتبعّض

(1)

فحكمه (عليه السلام) بأنّ الوضوء لا يتبعّض يصدق مع الجفاف و عدمه.

و بقوله (عليه السلام)

أتبع وضوءك بعضه بعضا.

(2)

و بالوضوء البياني كما تقدّم من أنّه لو لم يتابعه لوجب التفريق، و هو خلاف الإجماع. و بأنّه أحوط. (3)

و في كلّ واحد من هذه الوجوه نظر.

أمّا الأوّل: فلأنّه مخالف لمذهبه في سائر كتبه الأُصوليّة حيث ذهب إلى أنّ الأمر لا يفيد الفور و لا التراخي؛ لاستعماله فيهما، (4) بل هو الظاهر من دليله هنا في قوله: لأنّه أحوط؛ فإنّ البحث ليس فيه، بل في الواجب الذي يحصل الإثم بتركه.

و الاستدلال بآية المسارعة أجاب هو عنها في الكتب الأُصوليّة بأنّ المسارعة إلى المغفرة مجاز؛ إذ المراد ما يقتضيها. و لو سلّم كونها للوجوب و الفور، فلا تدلّ على فوريّة مطلق الأمر؛ لأنّ المسارعة إلى المغفرة بفعل سببها و هو التوبة، و هو واجب فوريّ. (5)

و أمّا الآية الثانية: فنمنع أنّ الأمر فيها للوجوب؛ إذ ليس استباق جميع الخيرات واجباً.

و أمّا قوله: إنّ اللّه سبحانه أوجب غَسل الوجه عقيب إرادة القيام إلى الصلاة بلا فصلٍ بناءً على دلالة الفاء على التعقيب بغير مهلة: فقد أُجيب عنه بأنّ الفاء الدالّة عليه كذلك هي العاطفة، كقولك: جاء زيد فعمرو، و أمّا الداخلة على الجزاء، كقولك: إذا جاء زيد فأكرمه، فقد نصّوا على عدم إفادتها التعقيب. و مع تسليمه يلزم عدم جواز تأخير الطهارة عن أوّل وقت لمن أراد القيام إلى الصلاة في آخر الوقت مثلًا؛ إذ يصدق عليه أنّه مريد القيام

____________

(1) الكافي 3: 35/ 7؛ علل الشرائع 1: 337/ 2، الباب 214؛ التهذيب 1: 87/ 230، و 98/ 225؛ الاستبصار 1:

72/ 220.

(2) الكافي 3: 34/ 4؛ التهذيب 1: 99/ 259؛ الاستبصار 1: 74/ 228.

(3) مختلف الشيعة 1: 134- 135، المسألة 82.

(4) نهاية الوصول، المقصد الرابع، الفصل الثالث، البحث الخامس.

(5) نهاية الوصول، المقصد الرابع، الفصل الثالث، البحث الخامس.

117

إلى الصلاة و لم يقل به أحد.

و أمّا الخبر: فهو بالدلالة على نقيض المدّعى أولى من الدلالة عليه، و قوله فيه

إنّ الوضوء لا يتبعّض

تعليل للإعادة، فإن كان المراد به مطلق التفريق، وجب إعادته، و هو لا يقول به، و إن كان المراد غير ذلك، لم يدلّ على مطلوبه.

و الظاهر أنّ المراد بالتبعيض فيه الجفاف، كأنّه يصير بعضه جافّاً- و هو المتقدّم- و بعضه رطباً. و المراد التبعيض على هذا الوجه، و هو مع فرض إهماله حتى يجفّ جميع ما تقدّم، لا مطلق التبعيض.

و أمّا حديث الأمر بالاتباع: فإنّ الظاهر أنّ المراد فيه الترتيب بمعنى إتباع كلّ عضو سابقه بحيث لا يقدّمه عليه؛ لأنّه كان في سياقه، مع أنّ فيه جمعاً بين الأخبار. و لأنّ المتابعة بهذا المعنى لو وجبت، لبطل الوضوء بالإخلال بها؛ لعدم الإتيان بالفعل على الوجه المأمور به. و توهّم كونه واجباً لا شرطاً يندفع بذلك، فيبقى في عهدة التكليف.

و أمّا متابعة الوضوء البياني فمسلّمة، لكن لو وجب مراعاته بهذا المعنى، لوجب علينا المطابقة بين زمان فعلنا و القدر الذي تابع فيه من الزمان، و لم يقل به أحد، فسقطت دلالته.

و لأنّا بيّنّا أنّه إنّما يحتجّ به مع عدم دليلٍ خارجيّ يقتضي تقييد مطلقه، و ليس هنا كذلك؛ للأخبار الدالّة على مراعاة الجفاف، فالأولى العمل بها و اتّباع الأكثر.

و اعلم أنّ المراد بجفاف المتقدّم جفاف جميع الأعضاء المتقدّمة؛ لإطباقهم على الأخذ من اللحية و نحوها للمسح و لا بلل هنا على اليدين.

و قيل: المراد به العضو الذي انتهى إليه الغَسل، فمتى جفّ وجب الإعادة و إن كان البلل باقياً على غيره. (1)

و المعتبر في البللِ الحسّيّ، فلا اعتبار بتقدير الهواء حال كونه مفرط الرطوبة بكونه معتدلًا. و لا بتقييد بعضهم الهواء بالمعتدل ليخرج طرف الإفراط في الحرارة؛ فإنّ زوال البلل حينئذٍ مغتفر، كما تقدّم.

و لا فرق على تقدير الجفاف في البطلان بين العامد و الناسي و الجاهل؛ لإطلاق الأخبار و إن سلم الناسي من الإثم.

____________

(1) ابن إدريس في السرائر 1: 101.

118

[حكم الجبيرة]

(و ذو الجبيرة) على عضو كسير من أعضاء الوضوء، و نحوها من الخِرَق المعصوبة على الجرح و القرح (ينزعها) إن أمكن و كانت على محلّ مسح مطلقاً؛ لوجوب إلصاق الماسح بالممسوح.

و إن كانت على عضو مغسول، تخيّر بين أن ينزعها (أو يكرّر الماء) عليها (حتّى يصل) إلى (البشرة) و يجري عليها على الوجه المعتبر في الغَسل مع طهارة العضو تحتها، و إلا اعتبر مع ذلك أن يجري قبله عليها على الوجه المعتبر في التطهير أيضاً.

هذا (إن تمكّن) من النزع أو إيصال الماء على ذلك الوجه (و إلا) هذه الكلمة في هذا التركيب و نظائره هي المركّبة من «إن» الشرطيّة و «لا» النافية، و جملة الشرط محذوفة، أي: و إن لم يتمكّن من ذلك (مسح عليها) أي: على الجبيرة إن كان ظاهرها طاهراً، أو نجساً بعد تطهيره إن أمكن، و إلا وضع عليها شيئاً طاهراً و مسح عليه مستوعباً لها إن كانت على عضو مغسول، و إلا أجزأ مسمّى المسح، كالأصل.

و لا فرق في إجزاء المسح عليها و وجوبه بين أن يمكن إجراء الماء عليها أولا؛ لعدم التعبّد بغَسلها مع تعذّر وصول الماء إلى أصلها، و لا بين أن تستوعب الجبيرة عضواً كاملًا أو الأعضاء كلّها أولا؛ للعموم.

و يمكن استفادة ذلك من إطلاق المصنّف هنا.

و لو لم يكن على الكسر أو الجرح خرقة، فإن أمكن غَسله أو مسحه إذا كان في موضع المسح، وجب كالجبيرة، و إلا غسل ما حوله. و الأحوط مسحه إن أمكن، أو وضع شيء عليه و المسح فوقه مستوعباً أو مبعّضاً، كما مرّ.

و لا يخفى ما في العبارة من الإجمال و القصور عن تحقيق المسألة، المؤدّي إلى الاختلال، و إذا راعيت ما ذكرناه، عرفت مواضع إجمالها و محالّ اختلالها.

[أما المسلوس و المبطون]

(و صاحب السلس) و هو الذي لا يستمسك بوله (يتوضّأ لكلّ صلاة) على أصحّ الأقوال؛ لأنّ الأصل في الحدث الطارئ بعد الطهارة إيجابها، فعُفي عنه في قدر الضرورة، و هو الصلاة الواحدة، فيبقى الباقي على الأصل.

و جَعَله في المبسوط (1) كالاستحاضة بالنسبة إلى الغسل، فكما أنّها تجمع بين الصلاتين

____________

(1) المبسوط 1: 68.

119

و الصلوات بغُسلٍ واحد في الوقت فكذا هنا يجمع بينهما بوضوءٍ واحد، إلا أنّه جوّز له هنا الجمع مطلقاً. و هو قياس لا يتمّ عنده فضلًا عن غيره.

و جوّز المصنّف في المنتهي له الجمع بين الظهر و العصر خاصّة بوضوءٍ واحد جامعاً بينهما، و كذا المغرب و العشاء كالمستحاضة (1)؛ استناداً إلى ما روي عن الصادق (عليه السلام)

في الرجل يقطر منه البول إذا كان حين الصلاة اتّخذ كيساً و جعل فيه قطناً ثمّ علّقه عليه و أدخل ذكره فيه ثمّ صلّى يجمع بين الصلاتين الظهر و العصر يؤخّر الظهر و يعجّل العصر، و يؤخّر المغرب و يعجّل العشاء، و يفعل ذلك في الصبح.

(2)

و وجه الدلالة: عدم فائدة الجمع مع تجديد الوضوء، و أنّ تخصيص الصلاتين بالذكر يدلّ على نفي ما عداهما.

و فيهما منع؛ إذ لا دلالة فيه على أنّ الجمع بوضوءٍ واحد. و عدم ظهور فائدة الجمع بين الصلاتين مع التجديد لا يدلّ على عدمها و لا على نفي جواز ما عداهما، و فائدة ذكرهما البناء على الغالب بالنسبة إلى الأداء.

و في مقطوع سماعة: سألته عن رجل أخذه تقطير من فرجه إمّا دم أو غيره، قال

فليضع خريطةً و ليتوضّأ و ليصلّ فإنّما ذلك بلاء ابتلي به، فلا يعيدنّ إلا من الحدث الذي يتوضّأ منه.

(3)

قال الشهيد (رحمه اللّه): و هو يشعر بفتوى المبسوط. (4)

و قال بعض (5) المحقّقين: هو دالّ على ذلك. و فيه نظر؛ فإنّ غايته العفو عمّا يتجدّد في أثناء الصلاة لا بعدها؛ لأنّ الخارج إن كان بولًا، كان من الحدث الذي توضّأ منه، فأقلّ ما يدلّ [عليه (6)] إعادة الوضوء للصلاة الأخرى. و إن كان دماً كما ذكر في الرواية فالأمر واضح، و أمره بالوضوء و الصلاة كما يحتمل شموله للمتعدّدة يحتمل الأمر بالوضوء لكلّ صلاة، كما تقدّم.

____________

(1) منتهى المطلب 2: 137.

(2) الفقيه 1: 38/ 146؛ التهذيب 1: 348/ 1021.

(3) التهذيب 1: 349/ 1027.

(4) الذكرى 2: 202.

(5) لم نتحقّقه.

(6) في «ق، م» و الطبعة الحجريّة: «على» بدل «عليه» و ما أثبتناه هو الصحيح.

120

قيل (1) و حسنة منصور بن حازم قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الرجل يعتريه البول و لا يقدر على حبسه، قال

إذا لم يقدر على حبسه فاللّه أولى بالعذر يجعل خريطة

(2)

تشعر بقول الشيخ في المبسوط أيضاً؛ لأنّ العذر يشعر بسقوط الحكم الخارج، و إلا لم يكن معذوراً.

و فيه أيضاً مع تسليمه نظر، بل إنّما يشعر بالعفو عن الخارج بعد الطهارة بالنسبة إلى الصلاة؛ لأنّه لمّا دلّ الدليل على إيجاب كلّ خارج من الحدث كان قبول العذر فيما نافاه في مواضع الضرورة، و محلّ قبول العذر هو الاكتفاء بالوضوء الواحد للصلاة الواحدة، كما في المستحاضة، فالقياس عليها يوجب تعدّد الوضوء لا عدمه، كما ذكره الشيخ.

إذا تقرّر ذلك، فالحكم إنّما يكون كذلك إذا لم يكن له في الوقت فترة معتادة تَسَع الطهارة و الصلاة، و إلا وجب انتظارها؛ لزوال الضرورة التي هي مناط التخفيف.

(و كذا المبطون) و هو مَنْ به البَطَن بالتحريك بحيث يعتريه الحدث من ريح أو غائط على وجه لا يمكنه دفعه، يتوضّأ لكلّ صلاة، ثمّ لا أثر للحدث الواقع بعد ذلك و إن كان في أثناء الصلاة على المختار عند المصنّف (3) إذا لم يمكنه التحفّظ بقدر الطهارة و الصلاة إمّا بالشدّ أو بانتظار فترة معتادة.

و أوجب الشيخ (4) و جماعة (5) منهم الشهيد في الذكرى (6) هنا في الحدث المفاجئ في أثناء الصلاة الطهارةَ و البناء على الصلاة، لما روي في الصحيح عن الباقر (عليه السلام)

صاحب البطن الغالب يتوضّأ و يبني على صلاته.

(7) و قوله (عليه السلام) في حديثٍ آخر

انصرف ثمّ توضّأ و ابنِ على ما مضى من صلاتك ما لم تنقض الصلاة بالكلام متعمّداً، فإن تكلّمت ناسياً فلا شيء عليك و هو بمنزلة مَنْ تكلّم في الصلاة ناسياً

قلت: و إن قلب وجهه عن القبلة؟ قال

و إن قلب وجهه عن القبلة.

(8)

____________

(1) في هامش «م»: القائل الشيخ علي عليه الرحمة. و لم نعثر على قوله فيما بين أيدينا من المصادر.

(2) الكافي 3: 20/ 5.

(3) مختلف الشيعة 1: 146، المسألة 98.

(4) النهاية: 129.

(5) منهم: المحقّق في المعتبر 1: 163.

(6) الذكرى 2: 202- 203.

(7) الفقيه 1: 237/ 1043.

(8) الفقيه 1: 240/ 1060؛ التهذيب 2: 232/ 1370؛ الاستبصار 1: 401/ 1533.

121

و ردّهما المصنّف (رحمه اللّه) مع اعترافه بصحّتهما. (1)

و احتمل بعض (2) المحقّقين في الرواية الاولى أن يراد بالبناء فيها الاستئناف؛ إذ لا امتناع في أن يراد بالبناء على الشيء فعله.

و فيه نظر، بل البناء على الشيء يستلزم سبق شيء منه حتى يبني عليه، كأنّ الماضي منه بمنزلة الأساس الذي يترتّب عليه.

و أورد على الروايتين معاً معارَضتهما بغيرهما من الأخبار الدالّة على أنّ الحدث يقطع الصلاة.

و هو ضعيف؛ لأنّ عامّ تلك الأخبار أو مطلقها مخصّص أو مقيّد إجماعاً بالمستحاضة و السلس، فلا وجه [لعدم إخراج (3)] هذا الفرد مع النصّ عليه بالتعيين.

و استدلّ المصنّف على مذهبه هنا بأنّ الحدث المتكرّر لو نقض الطهارة، لأبطل الصلاة؛ لأنّ شرط صحّة الصلاة استمرار الطهارة. (4)

و هو مصادرة على المطلوب، كما ذكره الشهيد (5) (رحمه اللّه).

و ردّها بعض (6) المحقّقين بأنّ الطهارة شرط الصلاة إجماعاً، و المشروط عدم عند عدم شرطه، و الحدث مانع اتّفاقاً؛ لإخلاله بالشرط، و ليس في هذا مصادرة بوجه.

و هو ضعيف جدّاً؛ فإنّ المصادرة نشأت من ادّعاء الملازمة بين نقض الطهارة و بطلان الصلاة مع ورود النصّ الصحيح على فساد هذه الملازمة، فلا معنى حينئذٍ لدفعها بدعوى الإجماع على أنّ الطهارة شرط الصلاة مع تخلّفها في مواضع كثيرة.

و أُجيب بأنّ الاحتجاج ليس هو بانتقاض الطهارة هنا الذي هو محلّ النزاع حتى يكون مصادرةً، بل بالأدلّة الدالّة بعمومها على إعادة الصلاة بالحدث، و قد عرفت أنّ الأدلّة التي تدّعيها مخصوصة أو مقيّدة إجماعاً؛ فاندفع الجواب أيضاً، و قوي وجوب الطهارة و البناء.

____________

(1) مختلف الشيعة 1: 145، المسألة 98.

(2) لم نتحقّقه.

(3) في «ق، م» و متن الطبعة الحجرية: «لإخراج» بدل «لعدم إخراج». و الظاهر أنّ الصحيح ما أثبتناه، كما استظهر في هامش الطبعة الحجريّة.

(4) مختلف الشيعة 1: 146، المسألة 98.

(5) الذكرى 2: 203.

(6) في هامش «ق، م»: الشيخ علي (رحمه اللّه). و لم نعثر على قوله فيما بين أيدينا من المصادر.

122

[و يستحبّ في الوضوء أمور]

و لمّا فرغ من فروض الوضوء و بعض أحكامه أخذ يذكر شيئاً من مستحبّاته، فقال:

(و يستحبّ) للمتوضّئ (وضع الإناء على اليمين) إن كان ممّا يغترف منه باليد؛ لما روي أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) كان يحبّ التيامن في طهوره و شأنه كلّه. (1)

و لو كان الإناء لا يمكن الاغتراف منه، وضع على اليسار ليصبّ منه في اليمين للغسل بها، أو للإدارة إلى اليسار.

(و الاغتراف بها) مطلقاً، و عند إرادة غسلها يدار منها إلى اليسار؛ لفعل الباقر (عليه السلام) ذلك في وصف وضوء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). (2)

و في حديثٍ عن الباقر (عليه السلام) أنّه أخذ باليسرى فغسل اليمنى. (3) و هو لبيان الجواز.

(و التسمية) و هي: بسم اللّه و باللّه، اللّهم اجعلني من التوّابين و اجعلني من المتطهّرين. و لو اقتصر على بسم اللّه، أجزأ.

و لو نسيها في الابتداء، تدارك في الأثناء، كما في الأكل. و كذا لو تعمّد تركها، مع احتمال عدمه هنا.

(و تثنية الغسلات) في الأعضاء الثلاثة بعد إتمام الغسلة الأُولى على أصحّ الأقوال. و نقل ابن إدريس فيه الإجماع (4) بناءً على عدم قدح معلوم النسب فيه.

و قد روي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)

الوضوء مثنى مثنى.

(5)

و ليس المراد به الواجب؛ للإجماع على الاجتزاء بالمرّة، فتُحمل الثانية على الندب.

و يظهر من الصدوق (رحمه اللّه) عدم شرعيّة الثانية؛ حيث قال: لا يؤجر عليها. (6) و هو يقتضي أنّها ليست من الوضوء؛ لأنّ أفعاله إمّا واجبة أو مندوبة، و كلاهما محصّل للأجر، محتجّاً بما روي عن الصادق (عليه السلام)

و اللّه ما كان وضوء رسول اللّهُ (صلّى اللّه عليه و آله) إلّا مرّة مرّة

(7)

و نحوه.

____________

(1) صحيح مسلم 1: 226/ 67؛ سنن النسائي 1: 78 و 205؛ مسند أحمد 7: 136/ 24106.

(2) الكافي 3: 25/ 4؛ الفقيه 1: 24/ 74؛ التهذيب 1: 55/ 157؛ الإستبصار 1: 58/ 171.

(3) الكافي 3: 24/ 1؛ التهذيب 1: 55- 56/ 157؛ الإستبصار 1: 58/ 171.

(4) السرائر 1: 100.

(5) التهذيب 1: 80- 81/ 208 و 210؛ الاستبصار 1: 70/ 213 و 215.

(6) الفقيه 1: 29 ذيل الحديث 92.

(7) الفقيه 1: 25/ 76.

123

و هو محمول على الوضوء البياني الذي لا تقبل الصلاة إلا به؛ جمعاً بين الأخبار.

و يؤيّده: ما روي أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) توضّأ مرّة مرّة، و قال

هذا وضوء لا يقبل اللّه الصلاة إلا به

ثمّ توضّأ مرّتين و قال

هذا وضوء مَنْ ضاعف اللّه له الأجر.

(1)

و لو سلّم أنّه لغير البيان، لم يدلّ على تحريم الثانية؛ لأنّ الاقتصار على الواحدة لا يدلّ على تحريم ما سواها، مضافاً إلى عدّة روايات صحيحة دلّت على شرعيّة الثانية.

(و الدعاء عند كلّ فعل) من أفعال الوضوء الواجبة و المستحبّة بما روي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)

قال: بينا أمير المؤمنين (عليه السلام) قاعد و معه ابنه محمّد إذ قال: يا محمّد ائتني بإناء من ماء، فأتاه به، فصبّه بيده اليسرى على يده اليمنى، و قال: الحمد للّه الذي جعل الماء طهوراً و لم يجعله نجساً، ثمّ استنشق فقال: اللّهمّ لا تحرّم عليّ ريح الجنّة و اجعلني ممّن يشمّ ريحها و طيبها و ريحانها، ثمّ تمضمض و قال: اللّهمّ أنطق لساني بذكرك و اجعلني ممّن ترضى عنه، ثمّ غسل وجهه فقال: اللّهمّ بيّض وجهي يوم تسودّ فيه الوجوه، و لا تسوّد وجهي يوم تبيضّ فيه الوجوه، ثمّ غسل يمينه فقال: اللّهمّ أعطني كتابي بيميني و الخلد في الجنان بيساري و حاسبني حساباً يسيراً، ثمّ غسل شماله فقال: اللّهمّ لا تعطني كتابي بشمالي و لا تجعلها مغلولةً إلى عنقي، و أعوذ بك من مقطّعات النيران، ثمّ مسح رأسه فقال: اللّهمّ غشّني رحمتك و بركاتك و عفوك، ثمّ مسح على رِجْليه فقال: اللّهمّ ثبّت قدمي على الصراط يوم تزلّ فيه الأقدام و اجعل سعيي فيما يرضيك عنّي، ثمّ التفت إلى محمد فقال: يا محمّد مَنْ توضّأ مثل ما توضّأت و قال مثل ما قلت خلق اللّه له من كلّ قطرة ملكاً يقدّسه و يسبّحه و يكبّره و يهلّله فيكتب له ثواب ذلك إلى يوم القيامة.

(2)

و زاد المفيد في دعاء الرِّجْلين

يا ذا الجلال و الإكرام.

(3)

و إذا فرغ من الوضوء قال: الحمد لله ربّ العالمين، اللّهمّ اجعلني من التوّابين و اجعلني من المتطهرين.

(و غَسل اليدين) من الزندين (قبل إدخالهما الإناء).

و الأولى أن يراد به مطلق الإناء سواء كان ماؤه قليلًا أم كثيراً؛ لعدم تحقّق التعليل

____________

(1) سنن البيهقي 1: 130/ 379.

(2) الكافي 3: 70- 71/ 6؛ الفقيه 1: 26- 27/ 84؛ التهذيب 1: 53- 54/ 153.

(3) المقنعة: 44.

124

بالنجاسة الوهميّة، بل هو تعبّد محض، فيثبت الاستحباب مع تحقّق طهارتهما، لكن مع الكثرة و سعة رأس الإناء يكفي غسلهما فيه، و على هذا لا فرق أيضاً بين إمكان وضع اليد في الإناء أولا، ككونه ضيّق الرأس، فيستحب غَسلهما حينئذٍ قبل الاشتغال بباقي الأفعال و إن كان الأولى اختصاص الحكم في إيقاع النيّة عنده بالإناء الواسع المشتمل على الماء القليل، كما تقدّم.

و هذا الغَسل يكون (مرّة من) حدث (النوم) سواء في ذلك نوم الليل و النهار، و سواء كانت اليد مطلقةً أم مشدودةً، و سواء كان النائم مُسَرْوَلًا أم لا؛ للعموم.

(و) كذا يستحبّ غَسلهما مرّةً من حدث (البول، و مرّتين من الغائط، و ثلاثاً من الجنابة) و ذكرها هنا استطراداً. (1) و لا يستحبّ غَسلهما من باقي الأحداث، كالريح.

و لو اجتمعت الأحداث، تداخلت مع التساوي، و مع الاختلاف يدخل الأقلّ تحت الأكثر.

و لو أدخل يده قبل الغَسل، فَعَل مكروهاً.

ثمّ إن كان كثيراً و قلنا فيه بالاستحباب، حُسب بمرّة، فيبني عليها. و كذا إن كان قليلًا و جعلناه تعبّداً. و إن كان لدفع نجاسة موهومة، لم يستحب بعد ذلك بالنسبة إلى هذا الإناء، بل يستحبّ العدول إلى إناء آخر، أو إلى هذا بعد إزالة ما تعدّى إليه من النجاسة الموهومة بوضعه في الكثير.

و حكم الغمس قبل كمال العدد حكمه قبل الشروع.

و هذا الغسل من سنن الوضوء، فتستحبّ فيه النيّة، كباقي العبادات.

و لم يعتبرها المصنّف في النهاية، (2) معلّلًا بأنّه لدفع وَهم النجاسة. و لو تحقّقها، لم يشترط النيّة فمع وهمها أولى، مع أنّه اختار في آخر البحث أنّ الغسل تعبّد، فلو تحقّق طهارة يده، استحبّ. (3)

(و المضمضة و الاستنشاق) على المشهور.

و قول ابن أبي عقيل: إنّهما ليسا بفرض و لا سنّة، (4) ضعيف، أو مؤوّل بالسنّة المحتّمة

____________

(1) في «ق، م»: «استطراد».

(2) نهاية الإحكام 1: 54.

(3) نهاية الإحكام 1: 54.

(4) حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 111، المسألة 68.

125

، فيرادف الفرض، و الجمع بينهما؛ للتأكيد، و كثيراً ما يذكر في كتابه السنّة و يريد بها الفرض.

و كيفيّتهما أن يبدأ بالمضمضة ثلاثاً بثلاث أكفّ من ماء على الأفضل. و لو فَعَلها بكفّ واحدة، أجزأ. أو يدير الماء في فيه إلى أقصى الحنك و وجهي الأسنان و اللّثّات مُمرّاً مسبّحته و إبهامه عليها لإزالة ما هناك من الأذى ثمّ يستنشق ثلاثاً كذلك، و يجذب الماء إلى خياشيمه إن لم يكن صائماً، و الأفضل مجّ الماء. و لو ابتلعه جاز. و ليكونا باليمين. و لو فَعَلهما على غير هذا الوجه، تأدّت السّنّة و إن كان أدون فضلًا.

و يشترط تقديم المضمضة عليه، فلو عكس، صحّت المضمضة خاصّةً، فيعيده بعدها.

و جوّز المصنّف في النهاية الجمع بينهما بأن يتمضمض مرّة ثمّ يستنشق مرّة و هكذا ثلاثاً، سواء كان الجميع بغرفة أم بغرفتين أم بأزيد و إن كان الأوّل أفضل. (1)

(و بدأة الرجل بظاهر ذراعيه في) الغسلة (الأُولى، و بباطنهما في الثانية، عكس المرأة) لقول الرضا (عليه السلام)

فرض اللّه على النساء أن يبدأن بباطن أذرعهنّ، و في الرجال بظاهر الذراع

(2)

هكذا احتجّ عليه المصنّف، (3) و ليس في الرواية تفصيل الغسلتين كما ذكر، بل هي شاملة للغسلتين.

و جماعة من الأصحاب لم يفرّقوا بين الغسلتين؛ لإطلاق الخبر، غير أنّ الشيخ في المبسوط (4) ذكر الفرق، و تبعه عليه جماعة، منهم: المصنّف و المحقّق. (5) و لم يثبت الوجه فيه.

و الخنثى تتخيّر في الوظيفتين، سواء قلنا بالتفصيل أم الإطلاق، فلو بدأت بظاهرهما فيهما أو بباطنهما، لم تحصل السّنّة على القول بالتفصيل.

(و الوضوء بمُدّ) لقوله (عليه السلام)

الوضوء بمُدّ و الغسل بصاع، و سيأتي أقوام بعدي يستقلّون ذلك فأُولئك على خلاف سنتّي، و الثابت على سنّتي معي في حظيرة القدس.

(6)

و المُدّ يؤدّى به سنن الوضوء و فروضه، و الأغلب زيادته عليهما.

____________

(1) نهاية الإحكام 1: 56.

(2) الكافي 3: 28- 29/ 6؛ الفقيه 1: 30- 31/ 100؛ التهذيب 1: 76- 77/ 193.

(3) نهاية الإحكام 1: 57.

(4) المبسوط 1: 20- 21.

(5) شرائع الإسلام 1: 16.

(6) الفقيه 1: 23/ 70.

126

الظاهر أنّ ماء الاستنجاء منه؛ لما تقدّم (1) من حديث دعاء الأعضاء عن أمير المؤمنين (عليه السلام) حيث قال فيه

أتوضّأ للصلاة

ثمّ ذكر الاستنجاء.

و يمكن العدم؛ لعدم صدق الاسم عليه، و حُذف

أتوضّأ للصلاة

في بعض نسخ (2) الحديث.

و يضعّف بأنّ المثبت مقدّم.

[و يكره أمور]

(و تكره الاستعانة) في الوضوء؛ للخبر في ذلك عن الرضا (عليه السلام)، و تعليله بقوله تعالى فَمَنْ كٰانَ يَرْجُوا لِقٰاءَ رَبِّهِ إلى قوله وَ لٰا يُشْرِكْ بِعِبٰادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (3) ثمّ قال

و ها أنا ذا أتوضّأ للصلاة و هي العبادة فأكره أن يشركني فيها أحد.

(4)

و المراد بالاستعانة نحو صبّ الماء في اليد ليغسل المتوضّئ به، لا صبّه على العضو؛ فإنّه تولية.

و هل تصدق بطلب إحضار الماء ليتوضّأ به؟ يحتمل قويّاً ذلك؛ لأنّه بعض العبادة بل هو عبادة في نفسه، فيشمله التعليل بالآية. و كذا القول في طلب إسخانه حيث يحتاج إليه، و نحوه، كلّ ذلك بعد العزم على الوضوء، أمّا لو استعان لا لَه ثمّ عرض له إرادة الوضوء، لم يكره قطعاً.

(و) كذا يكره (التمندل) على المشهور، و هو: مسح أعضاء الوضوء بالمنديل و نحوه؛ لقول الصادق (عليه السلام)

مَنْ توضّأ فتمندل كان له حسنة، و إن توضّأ و لم يتمندل حتى يجفّ وضوؤه كانت له ثلاثون حسنة.

(5)

و علّل المصنّف الكراهة مع الحديث بأنّ فيه إزالة أثر العبادة، (6) و هو يقتضي تعميم الكراهة بكلّ ما يحصل به إزالة الأثر من منديلٍ و كُمّ و نار و نحوها، و هو الظاهر.

و خصّه المحقّق الشيخ علي بالمنديل و الذيل لا بالكُمّ؛ لعدم صدق التمندل عليه. (7)

____________

(1) تقدّم في ص 123.

(2) كما أنّه لم يرد في الكافي.

(3) الكهف (18): 110.

(4) الكافي 3: 69/ 1؛ التهذيب 1: 365/ 1107.

(5) الكافي 3: 70/ 4؛ الفقيه 1: 31/ 105.

(6) نهاية الإحكام 1: 58.

(7) جامع المقاصد 1: 232.

127

و هو ضعيف؛ لأنّ التمندل إن لُوحظ فيه مأخذ الاشتقاق، فلا وجه لتعدية الحكم عن المنديل؛ إذ لا يصدق على الذيل أنّه منديل قطعاً. و إن كانت العلّة إزالةَ البلل، فلا وجه للحصر فيما ذُكر.

و المحقّق في الشرائع عبّر عن التمندل بمسح الأعضاء. (1) و هو حسن و إن كان التعبير بإزالة البلل أحسن.

(و تحرم التولية اختياراً) فيبطل الوضوء بها، و هو إجماع إلا من ابن الجنيد؛ فإنّه استحبّ تركها. (2)

لنا مع الإجماع قوله تعالى فَاغْسِلُوا .. وَ امْسَحُوا (3) و إسناد الفعل إلى فاعله هو الحقيقة.

و تجوز مع الضرورة بل تجب؛ لأنّ المجاز يصار إليه عند تعذّر الحقيقة.

و يتولّى المكلّف النيّة؛ إذ لا عجز عنها مع التكليف. و لو نويا معاً، كان حسناً. و تُشترط مطابقة نيّة المتولّي لفعله فينوي: اوضّئ، لا: أتوضّأ. و كذا المريض.

و يجب تحصيل المعين مع العجز و لو بأُجرة مقدورة.

و لو أمكن تقديم ما يغمس المعذور فيه الأعضاء، لم تجز التولية.

و لا يشترط العجز عن الكلّ، فيجوز أن يتبعّض.

[القول في شرائط الوضوء]

(و يجب) أي: يشترط (الوضوء و جميع الطهارات) الشرعيّة كالأغسال (بماء مطلق) و سيأتي تعريفه، سواء كان مستعملًا في الأكبر أم لا؛ للإجماع على بقائه على الإطلاق، و إنّما الخلاف في جواز استعماله ثانياً في رفع الحدث، ففي العبارة إشارة إلى جوازه.

(طاهر مملوك أو مباح) و يدخل في المباح المأذون فيه مع كونه ملكاً للغير.

و إنّما فسّرنا الوجوب بالاشتراط؛ لأنّه لو تطهّر بالمضاف مثلًا، لم يكن مأثوماً، بل طهارته فاسدة لا غير.

اللّهمّ إلا أن يعتقد شرعيّة ذلك، أو يستمرّ عليه و يصلّي به مثلًا، فيأثم حينئذٍ، و مع ذلك لا يتوجّه حمل الوجوب على معناه الأصلي؛ لأنّ النهي عن الشيء أمر بضدّه العامّ لا المعيّن.

____________

(1) شرائع الإسلام 1: 16.

(2) حكاه عنه العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 135، المسألة 83.

(3) المائدة (5): 6.

128

[القول في أحكام الوضوء]

(و لو تيقّن) المكلّف (الحدث و شكّ في الطهارة) كأن تيقّن أنّه أحدث في الوقت الفلاني و شكّ الآن أنّه هل تطهّر بعد ذلك أم لا (أو تيقّنهما) أي: الحدث و الطهارة في وقتٍ معيّن (و شكّ) بعده (في المتأخّر) منهما، سواء علم أنّه كان قبلهما متطهّراً أم محدثاً، أم شكّ في ذلك (أو شكّ في شيء منه) أي: من الوضوء، كما لو شكّ في الإتيان ببعض أفعاله (و هو على حاله) أي حال الوضوء لم يفرغ منه بعدُ (أعاد) الوضوء في الصورتين الأوّلتين و الشيء المشكوك فيه في الثالثة و ما بعده؛ قضيّةً للترتيب.

و لا يخفى ما في العبارة من الإجمال و التجوّز في إطلاق العود على الاولى؛ لعدم العلم بسبقِ طهارةٍ حتى تصدق الإعادةُ.

أمّا وجوب الوضوء في الأُولى فظاهر؛ لأنّ يقين الحدث لا يرفع إلا بيقينِ مثله، فيعمل الاستصحاب عمله.

أمّا الثانية: فليحصّل يقين الطهارة؛ لاحتمال كون المتأخّر هو الحدث، و لا إشكال في ذلك مع عدم علم المكلّف بحاله قبلهما؛ فإنّ تأخّر كُلّ منهما محتمل على حدّ سواء، فيتكافأ الاحتمالان و يتساقطان فتجب الطهارة.

أمّا لو علم حاله قبلهما بالطهارة أو بالحدث، فالأمر فيه كذلك عند المصنّف هنا و في أكثر كتبه (1) و الشيخين (2) و جماعة (3)؛ للاحتمال أيضاً، فلا يدخل في الصلاة إلا بيقين الطهارة.

و اختار المصنّف (رحمه اللّه) في المختلف استصحاب حاله قبلهما، فإن كان متطهّراً، فهو الآن متطهّر؛ لأنّه تيقّن أنّه نقض تلك الطهارة ثمّ توضّأ، و لا يمكن أن يتوضّأ عن حدثٍ مع بقاء تلك الطهارة، و نقض الطهارة الثانية مشكوك فيه، فلا يزول عن اليقين بالشكّ. و إن كان مُحدثاً، فهو الآن مُحدث؛ لتيقّنه انتقاله عن الحدث السابق عليهما إلى طهارة ثمّ نقضها، و الطهارة بعد نقضها مشكوك فيها. (4)

و هذا القول لا يتمّ إلا مع تيقّن عدم التجديد و عدم تعقيب حدث لحدث و تساويهما،

____________

(1) منها: تحرير الأحكام 1: 11؛ و منتهى المطلب 2: 141؛ و نهاية الإحكام 1: 59.

(2) المقنعة: 50؛ المبسوط 1: 24.

(3) منهم: ابن إدريس في السرائر 1: 104.

(4) مختلف الشيعة 1: 142، المسألة 94.

129

كما في المثال، و مع هذه القيود لا تبقى المسألة بعد التروّي من باب الشكّ في شيء؛ لأنّ علم الترتيب المذكور يحصّل اليقين بأحدهما، فهو كالشاكّ في مبدأ السعي و هو يعلم الزوجيّة أو الفرديّة، فبأدنى توجيه الذهن يعلم المبدأ، لكن لمّا كان الشكّ حاصلًا في أوّل الأمر قبل التروّي جاز عدّ المسألة من مسائل الشكّ، كمن شكّ في صلاته ثمّ تيقّن أحد الطرفين أو ظنّه، فإنّها تذكر في مسائل الشكّ باعتبار أوّل أمرها.

و لمّا استشعر المصنّف في القواعد عدم تماميّة استصحاب الحالة السابقة مطلقاً قيّدهما بكونهما متّحدين متعاقبين، ثمّ حكم باستصحاب حاله. (1) و أراد به لازم الاستصحاب مجازاً؛ فإنّه إذا حكم بكونه متطهّراً مع تخلّل الحدث المزيل لحكم استصحاب الطهارة الأُولى ثبت لازمه، و كذا الحدث.

و المحقّق في المعتبر مال إلى عكس ما ذكره المصنّف؛ فإنّه قال فيه بعد ما ذكر توجيه كلام الشيخين: و يمكن أن يقال: يُنظر إلى حاله قبل تصادم الاحتمالين، فإن كان حدثاً، بنى على الطهارة؛ لأنّه تيقّن انتقاله عن تلك الحال إلى الطهارة و لم يعلم تجدّد الانتقاض فصار متيقّناً للطهارة شاكاً في الحدث فيبني على الطهارة، و إن كان قبل تصادم الاحتمالين متطهّراً، بنى على الحدث؛ لعين ما ذكرناه من التنزيل. (2) انتهى.

و الذي يحصل لنا في المسألة بعد تحرير كلام الجماعة أنّه إن علم التعاقب، فلا ريب في الاستصحاب، و إلا فإن كان لا يعتاد التجديد بل إنّما يتطهّر حيث يتطهّر طهارة رافعة للحدث، فكلام المحقّق (رحمه اللّه) مع فرض سبق الحدث أوجه؛ لضعف الحكم بوجوب الطهارة مع العلم بوقوعها على الوجه المعتبر، و عدم العلم بتعقّب الحدث لها، المقتضي للإبطال إذا علم أنّه كان قبلهما مُحدثاً.

و لا يرد حينئذٍ أنّ يقين الحدث مكافئ ليقين الطهارة؛ لأنّ الطهارة قد علم تأثيرها في رفع الحدث، أمّا الحدث فغير معلوم نقضه للطهارة؛ لاحتمال أن يقع بعد الحدث الأوّل قبل الطهارة؛ إذ الفرض عدم اشتراط التعاقب، فلا يزول المعلوم بالاحتمال، بل يرجع إلى يقين الطهارة مع الشكّ في الحدث.

____________

(1) قواعد الأحكام 1: 12.

(2) المعتبر 1: 171.

130

و كلام المختلف في فرض سبق الطهارة أوجه؛ لأنّ نفي احتمال التجديد يقتضي توسّط الحدث بين الطهارتين، إلا أنّ هذا القسم راجع إلى التعاقب، فلا يحتاج إلى استدراكه هنا.

و إن لم يتّفق له تحقيق هذه القيود، بل إنّما تحقّق الطهارة و الحدث و شكّ في المتأخّر منهما من غير تحقيقٍ لحاله كما ذكرناه، وجب عليه الطهارة، سواء علم حاله قبلهما أم لا؛ لقيام الاحتمال و اشتباه الحال.

و اعلم أنّ هذه المسألة تتشعّب إلى اثني عشر قسماً؛ لأنّ الطهارة و الحدث إمّا أن يتيقّنهما متّحدين، أي: متساويين عدداً، متعاقبين، أي: لا يتكرّر منهما مِثلان، بل إنّما يعقب الطهارة الحدث أو بالعكس، أو لا و لا، أو أحدهما خاصّةً، فالصّور أربع، ثمّ إمّا أن يعلم حاله قبل زمانهما متطهّراً أو مُحدثاً، أو لا يعلم شيئاً، و مضروب الثلاثة في الأربعة اثنا عشر يعلم حكمها بالتأمّل بعد مراجعة ما تلوناه.

و أمّا الثالثة و هي الشكّ في شيء من أفعال الوضوء و هو على حاله فوجه الإعادة فيه ما رواه زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)

إذا كنت قاعداً على وضوئك فلم تدر أ غسلت ذراعك أم لا فأعد عليها و على جميع ما شككت فيه، فإذا قمت من الوضوء و فرغت منه و صرت إلى حالة أُخرى في الصلاة أو غيرها و شككت في شيء ممّا سمّى اللّه عليك وضوءه فلا شيء عليك.

(1)

و هذه الرواية (2) كما يحتمل أن يريد ب «حاله» حال الوضوء كما قلناه أوّلًا يحتمل أن يريد به حال المتوضّئ، فيعود الضمير على الفاعل المضمر في قوله: «و لو شكّ» فعلى هذا يرجع ما دام على حاله التي توضّأ عليها و إن فرغ من أفعال الوضوء.

لكن يرجّح الأوّل ما رواه عبد اللّه بن أبي يعفور عنه (عليه السلام)

إذا شككت في شيء من الوضوء و قد دخلت في غيره فليس شكّك بشيء، إنّما الشكّ إذا كنت في شيء لم تجزه

(3)

و المراد: إنّما الشكّ الذي يلتفت إليه و غيره من الأخبار.

و احتمال عود الضمير في «حاله» إلى الشيء المشكوك فيه المذكور قبله صريحاً لا دليل

____________

(1) الكافي 3: 33/ 2؛ التهذيب 1: 100/ 261.

(2) كذا في «ق، م» و الطبعة الحجريّة. و الظاهر زيادة جملة «هذه الرواية» بقرينة ما بعدها، و يحتمل سقط عبارة هنا، فلاحظ.

(3) التهذيب 1: 101/ 262.

131

عليه من النقل و إن أمكن بحسب اللفظ.

(و لو تيقّن الطهارة و شكّ في الحدث أو شكّ في شيء منه) أي: من الوضوء (بعد الانصراف) عنه حقيقةً أو حكماً. و المراد به الفراغ من أفعاله و إن لم ينصرف عن مكانه (لم يلتفت) فيهما؛ لما تقدّم.

و لما رواه بكير بن أعين، قال: قلت له: الرجل يشكّ بعد ما يتوضّأ، قال

هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشكّ.

(1)

(و لو جدّد) المكلّف وضوءه (ندباً) احترازاً عمّا لو جدّده وجوباً بالنذر و شبهه فإنّه يرفع الحدث عند المصنّف في هذا الكتاب بناءً على اشتراط الوجه و عدم اشتراط أحد الأمرين (ثمّ ذكر بعد الصلاة) الواقعة بعدهما (إخلال عضو) من إحدى الطهارتين (جهل تعيينه) في إحداهما (أعاد الطهارة و الصلاة) لإمكان كون الخلل من الطهارة الأُولى، و المجدّد ندباً غير رافع للحدث عند المصنّف (2)؛ لاشتراط نيّة الوجه في الوضوء.

فعلى هذا لو اشترك الوضوءان في الرفع أو الإباحة إمّا مع وجوبهما، كما لو توضّأ واجباً بعد دخول الوقت ثمّ نذر التجديد و جدّد ثمّ صلّى و ذكر الإخلال، صحّت الصلاة الواقعة بعدهما؛ للقطع بسلامة طهارة مبيحة. و لو فرض تخلّل صلاة واجبة بينهما، وجب إعادتها مطلقاً. و يمكن تصوّر وجوب الثاني بغير النذر بأن ذهل عن الأوّل فتوضّأ واجباً و صلّى، فإنّ الوضوء الثاني رافع أيضاً؛ للجزم فيه بنيّة الوجوب، و مطابقة الجزم للواقع، أو مع ندبهما، كما لو توضّأ قبل حصول السبب ثمّ جدّد الوضوء ندباً ثمّ دخل الوقت فصلّى به ثمّ ذكر الإخلال المجهول، فإنّ الصلاة صحيحة أيضاً؛ لأنّ الجزم حاصل بسلامة طهارة منهما.

و إلى هذه الصورة أشار المصنّف بقوله (إلا مع ندبيّة الطهارتين) كذا فسّره شيخنا الشهيد (رحمه اللّه) في الشرح، (3) و هو الظاهر من كلام المصنّف في النهاية. (4) و لا يخلو من إشكال.

____________

(1) التهذيب 1: 101/ 265.

(2) نهاية الإحكام 1: 34.

(3) غاية المراد 1: 38.

(4) انظر: نهاية الإحكام 1: 61.

132

و يمكن تفسير الندبين على وجه يرفع الإشكال بأن يتوضّأ ندباً قبل السبب ثمّ يذهل عنه و يتوضّأ ندباً أيضاً ثمّ يصلّي به. و كذا مع ندب الأوّل و وجوب الثاني على تقدير الذهول عن الأوّل الواقع قبل الوقت، فتوضّأ واجباً بعده، أو نذر تجديد الوضوء الواقع قبل الوقت، سواء كان قبله أم بعده مع عدم الذهول عنه.

هذا كلّه على تقدير اشتراط نيّة الوجه و عدم وجوب نيّة أحد الأمرين: الرفع أو الاستباحة، أمّا على هذا التقدير كما هو مختار المصنّف في أكثر كتبه (1) لا يتصوّر في الواجبين بتقدير نذر التجديد؛ لعدم نيّة أحدهما في المجدّد و إن نذر، كما سيأتي تحقيقه، و لا في الواجب بعد المندوب كذلك.

نعم، يتصوّر على تقدير الذهول في الواجبين و المندوبين و الواجب بعد المندوب كما سلف، دون العكس، إلا بتقدير توسّط صلاة بينهما، كما لو توضّأ للصبح مثلًا و صلاها ثمّ توضّأ ندباً قبل الزوال و صلّى الظهر ثمّ ذكر الإخلال، فإنّ الظهر واقعة بعد طهارة رافعة ظاهراً و إن وجب إعادة الصبح قطعاً. لكن في هذا الفرض إشكال يأتي تحقيقه.

و الشهيد (رحمه اللّه) حكى في الشرح عن شيخه عميد الدين فَرضَ الذهول على هذا التقدير في صورة الندبين. (2) و لا فرق بينها و بين الأُخريين.

و قال في توجيه إباحة الثاني على تقدير الذهول: و لا يرد كونه غير مكلّفٍ حالة الغفلة؛ لأنّه غير مكلّف بالمذهول عنه و كلامنا في المذكور، و لا كونه على حالة لو ذكر لما جزم؛ لأنّا نعتبر جزمه حالة النيّة، كما لو شهد العدلان ظاهراً بالهلال فصام، فإنّه على حالةٍ لو علم فسقهما لما جزم، و قد حكموا بصحّة صومه على تقدير ثبوت الهلال بغيرهما بعد ذلك.

و يمكن فرض الواجبين كذلك فيمن تيقّن الحدث و شكّ في الطهارة أو تيقّنهما و لا يعلم حاله قبل زمان الطهارتين ثمّ ذكر بعد الطهارة الثانية تقدّم الحدث على الاولى، فإنّه يسوغ له الطهارة بجزم معتبر شرعاً. (3)

و اعلم أنّه على القول بالاجتزاء بنيّة القربة تصحّ الصلاة على جميع التقادير؛ لسلامة

____________

(1) منها: تذكرة الفقهاء 1: 141؛ و قواعد الأحكام 1: 109؛ و مختلف الشيعة 1: 107، المسألة 65؛ و نهاية الأحكام 1: 29.

(2) غاية المراد 1: 38- 39.

(3) غاية المراد 1: 39.

133

طهارةٍ قطعاً، و هو واضح. و كذا على القول بأنّ المجدّد يرفع الحدث كما اختاره الشيخ في المبسوط، و المحقّق في المعتبر، و الشهيد في الدروس (1) بناءً على أنّه طهارة شرعيّة قصد بها تحصيل فضيلة لا تحصل إلا بها، فإنّ شرعيّة المجدّد لاستدراك ما عساه فات في الأُولى، فينبغي أن يحصل له ذلك، و الاستباحة إنّما تكون معتبرةً مع الذكر، أمّا إذا ظنّ المكلّف حصولها فلا، كيف! و هُم يعلّلون مشروعيّة المجدّد بما قلناه. و مثله استحباب الغسل أوّل ليلة من شهر رمضان تلافياً لما عساه فات من الأغسال الواجبة، و الاتّفاق واقع على إجزاء يوم الشكّ بنيّة الندب عن الواجب، و الصدقة بدرهمٍ تمراً كفّارةً لما لعلّه لزمه في الإحرام، و فتح هذا الباب يؤدّي إلى سدّ باب الاحتياط.

و أقول: لا بدّ قبل الحكم برفع الوضوء المجدّد من تحقيق حال نيّته، فإنّ الذي يظهر من كلام المصنّف في التذكرة و النهاية (2) أنّه مقتصر فيه على نيّة القربة، و أنّ المقصود به زيادة التنظيف خاصّةً، و على هذا فعدم حكمه بأنّه رافع متوجّه عند مَنْ لا يكتفي بها.

لكنّ الظاهر من كلام المحقّق في المعتبر بعد حكمه برفعه أنّه لا بدّ فيه من نيّة استباحة الصلاة، فلو نوى وضوءاً مطلقاً، لم يرفع، (3) مع أنّه حكم فيه بعدم نيّة الوجوب في الوضوء الواجب. (4)

فعلى هذا نيّة الوضوء المجدّد على تقدير الحكم بالرفع كنيّة الأوّل، و حينئذٍ يتّجه ما تقدّم من التعليل برفعه.

و هذا هو الظاهر من كلام الشهيد (رحمه اللّه) في الذكرى؛ فإنّه قال بعد نقله كلام المصنّف بعدم رفعه معلّلًا بعدم نيّة الوجوب فيه: و يشكل بأنّا نتكلّم على تقديرها. (5)

و قال في موضعٍ آخر: إنّ ظاهر الأصحاب و الأخبار أنّ شرعيّة التجديد للتدارك، فهو منويّ به تلك الغاية، و على تقدير عدم نيّتها لا يكون مشروعاً. (6)

و في هذا ردّ على المحقّق حيث اقتضى كلامه جواز نيّة الاستباحة في المجدّد و عدمها،

____________

(1) المبسوط 1: 25؛ المعتبر 1: 140؛ الدروس 1: 94.

(2) انظر: تذكرة الفقهاء 1: 213؛ و نهاية الإحكام 1: 32.

(3) المعتبر 1: 140 و 173.

(4) المعتبر 1: 139.

(5) الذكرى 2: 112- 113.

(6) الذكرى 2: 210.

134

و أنّه يرفع في الأوّل دون الثاني، و على المصنّف مطلقاً.

(و لو تعدّدت الصلاة) الواقعة بعد الطهارة المعقّبة بالتجديد مع ذكر الخلل المذكور (أيضاً) معناه في هذا التركيب: عوداً إليه، أي: عُد إلى كذا عَوْداً، فالحكم فيه كذلك، فانتصابه على المصدريّة المعبّر عنها بالمفعول المطلق. قال ابن السكّيت: هو مصدر قولك: آض يئيض، أي: عاد، يقال: آض فلان إلى أهله، أي: رجع ( (1) أعاد الطهارة و الصلاتين) لما تقدّم؛ إذ لا فرق مع تطرّق الاحتمال إلى الطهارة بين الصلاة المتّحدة الواقعة بعدها و المتعدّدة.

و كذا يعيد الصلاة الواقعة بين الطهارتين أيضاً بطريق أولى، بل الحكم بإعادتها جارٍ على جميع الأقوال، بخلاف الواقعة بعد الطهارتين.

(و لو تطهّر و صلّى و أحدث) و المراد مرتّباً كما ذكر و إن كانت الواو لا تفيد الترتيب عند المصنّف، (2) بل الجمع المطلق (ثمّ تطهّر و صلّى) كذلك (ثمّ ذكر إخلال عضو) من إحدى الطهارتين (مجهول) بالنسبة إليهما و إن علم عينه في نفسه، كالوجه مثلًا (أعاد الصلاتين بعد الطهارة إن اختلفتا) أي الصلاتان (عدداً) كالمغرب و العشاء؛ لفساد إحداهما يقيناً، و لا يمكن الترديد؛ للاختلاف.

(و إلا) أي: و إن لم تكونا مختلفتين، كالظهر و العصر (فالعدد) أي: وجب إعادة فريضة بعدد إحداهما مطلقة بينهما، فيصلّي في المثال المذكور رباعيّةً يطلق فيها بين الظهر و العصر؛ لأنّ الفاسد إحداهما خاصّةً؛ لأنّ الطهارتين رافعتان. و الإطلاق محصّل لذلك على أصحّ القولين.

و أوجب الشيخ في المبسوط (3) قضاء الصلاتين؛ تحصيلًا لليقين حتى أوجب قضاء الخمس لو صلاها بخمس طهارات ثمّ ذكر الإخلال المذكور في إحدى الطهارات مع تخلّل الحدث بين كلّ طهارة و صلاة منها.

و على ما ذكره المصنّف (رحمه اللّه) هنا يجزئه في هذا الفرض ثلاث فرائض رباعيّة كما ذكر، و يزيد فيها الإطلاق على العشاء، و صبح و مغرب؛ لأنّ الغاية فريضة واحدة

____________

(1) حكاه عنه الجوهري في الصحاح 3: 1065، «أ ى ض».

(2) مبادئ الوصول إلى علم الأُصول: 77، نهاية الوصول إلى علم الأُصول، المقصد الثاني في اللغات، الفصل الثامن في تفسير حروفٍ، البحث الأوّل في الواو.

(3) المبسوط 1: 25.

135

مجهولة من الخمس، و يتخيّر في تقديم أيّها شاء و توسيطه و تأخيره.

و يتخيّر في الرباعيّة بين الجهر و الإخفات؛ لاحتمال كونها إحدى الظهرين أو العشاء و لا يمكن الجمع بين النقيضين.

و لو كان الذكر في وقت العشاء، نوى بالمغرب الأداء، و ردّد في الرباعيّة بين الأداء و القضاء.

مع أنّ الشيخ (رحمه اللّه) وافق الجماعة في الاجتزاء بثلاث فرائض ممّن فاته فريضة مجهولة من الخمس (1)؛ معوّلًا على رواية (2) مثّل فيها بمن نسي فريضة، فلم يقس عليها؛ لمخالفتها للأصل، و هو وجوب الجزم في النيّة، و في الإطلاق ترديد.

و أُجيب: بأنّ الترديد مشترك الإلزام؛ لأنّ مَنْ أعاد الصلاتين يعلم قطعاً بأن إحداهما ليست في ذمّته؛ للجزم بأنّ الفساد في إحدى الطهارتين خاصّة، فعند نيّة كلّ منهما إنّما يقصد الوجوب على تقدير الفساد، و لا أثر لصورة جزمه؛ لأنّ ذلك هو المراد.

و الجواب عنهما واحد، و هو: أنّ الجزم إنّما يعتبر إذا كان ممكناً و للمكلّف إليه طريق، و هو منفيّ في المسألتين، و الخبر ينبّه عليه، مع أنّ المتنازع لا يكاد يخرج عن النسيان.

و اعلم أنّ الوضوءين هنا يمكن فرضهما واجبين، و هو واضح، و مندوبين، كما إذا توضّأ بريء الذمّة من مشروطٍ به ثمّ صلّى فريضةً في وقتها ثمّ تأهّب لأُخرى قبل وقتها و صلّى ثمّ ذكر الإخلال، و متفرّقين، فمع تقدّم الواجب كما لو توضّأ لصلاة في وقتها و صلاها ثمّ تأهّب لأُخرى قبل وقتها، و بالعكس على العكس.

و استشكل شيخنا الشهيد (رحمه اللّه) صورة الندبين و الندب بعد الواجب؛ لعدم الجزم ببراءة الذمّة لمّا توضّأ ندباً ثانياً؛ لجواز أن يكون الخلل من الاولى فتفسد صلاته و تصير في الذمّة، فيقع الندب في غير موضعه. (3)

و للبحث في تأثير ذلك مجال؛ لاستحالة تكليف الغافل، و الفرض أنّ تجدّد العلم بعد الصلاتين، و لأنّه كان مأموراً بإيقاعه على ذلك الوجه، فيقتضي الإجزاء.

____________

(1) النهاية: 127؛ المبسوط 1: 127؛ الخلاف 1: 309 310، المسألة 58.

(2) التهذيب 2: 197/ 774.

(3) لم نعثر عليه في مظانّه.

136

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

137

[النظر الثالث في أسباب الغسل]

(النظر الثالث) من الأنظار الستّة في أسباب الغسل) و قد تقدّم تحقيق السبب، و أنّه الوصف الظاهر المنضبط الذي دلّ الدليل على كونه معرّفاً لحكمٍ شرعيّ بحيث يلزم من وجوده الوجودُ و من عدمه العدمُ لذاته.

(إنّما يجب) الغسل (بالجنابة) بفتح الجيم (و الحيض و الاستحاضة) على تفصيل يأتي (و النفاس) بكسر النون (و مسّ الأموات من الناس بعد بردهم بالموت و قبل الغسل) الواجب اختياراً.

و يدخل في «الغسل» مَنْ قدّم غسله ليُقتل، فلا يجب بمسّه غسل. و كذا لا يجب بمسّ الشهيد؛ لعدم وجوب الغسل عليه.

و خرج به المتيمّم و لو عن بعض الأغسال، فيجب الغسل بمسّه؛ لفقد التطهير الحقيقي.

و خرج بالاختيار مُغسّل الكافر مع عدم المماثل؛ لعدم التطهير حقيقةً أيضاً.

و إطلاق الغسل هنا إمّا بناءً على الغالب، أو لعدم إيجاب الغسل بمسّ المذكور؛ لأنّ فيه خلافاً.

و هذه الأسباب الخمسة لا خلاف فيها عندنا إلا في غسل المسّ، فمنع السيّد المرتضى من وجوبه، (1) و سيأتي ما يدلّ على الوجوب.

و قوله (و غسل الأموات) لا يجوز عطفه على شيء من هذه الأسباب؛ لفساد المعنى

____________

(1) حكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف 1: 222، المسألة 193؛ و المحقّق في المعتبر 1: 351 نقلًا عن شرح الرسالة و المصباح.

138

حينئذٍ؛ لأنّه يصير التقدير إنّما يجب الغسل بالجنابة إلى آخره، و بغسل الأموات، فيصير غسل الأموات من جملة الأسباب، و هو فاسد، بل الأولى عطفه على الضمير المستتر في «يجب» ليصير التقدير إنّما يجب الغسل بهذه الأسباب، (1) و إنّما يجب غسل الأموات، مضافاً إلى الأغسال المسبّبة عن هذه الخمسة، و على كلّ تقدير فلا تخلو العبارة عن ثقلٍ.

و يمكن أن يكون قوله: «و غسل الأموات» مبتدأ محذوف الخبر، أي: واجب، و إنّما غيّر الأُسلوب في العبارة؛ لأنّ غسل الأموات ليس على نهج الأغسال السالفة. و لو قال بدل «غسل الأموات»: «و الموت» كما صنع شيخنا الشهيد (2) ليكون معطوفاً على الأسباب المتقدّمة؛ لأنّه بعضها، كان أوضح.

(و كلّ الأغسال لا بدّ معها من الوضوء) قبلها أو بعدها على المشهور، خلافاً للسيّد المرتضى؛ فإنّه اكتفى بالغسل مطلقاً (3)؛ استناداً إلى صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال

الغسل يجزئ عن الوضوء، و أيّ وضوء أطهر من الغسل

(4)

؟ بناءً على أنّ هذا اللام للجنس، و أنّ لام الجنس إذا دخل على اسمه أفاد العموم.

و المقدّمتان ممنوعتان؛ لإمكان حمل اللام على العهد، و يراد به غسل الجنابة؛ جمعاً بينها و بين ما سيأتي من الأخبار الدالّة على اختصاص الحكم بغسل الجنابة نصّاً.

(إلا) غسل (الجنابة) فإنّه لا وضوء معه عندنا وجوباً إجماعاً، و لا استحباباً على المشهور؛ لقوله تعالى حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا (5) غيّا المنعَ بالغسل، فلا يتوقّف على غيره؛ لوجوب مخالفة ما بعد الغاية لما قبلها. و لئلا يلزم جَعْل ما ليس بغاية غايةً.

و لقول الصادق (عليه السلام)

في كلّ غسل وضوء إلا الجنابة.

(6)

و لصحيح ابن أبي عمير المرسل عن الصادق (عليه السلام)

كلّ غسل قبله وضوء إلا غسل الجنابة

(7)

و قد عمل الأصحاب بمراسيله.

____________

(1) في الطبعة الحجريّة: «الأشياء» بدل «الأسباب».

(2) اللمعة الدمشقيّة: 4؛ الذكرى 1: 218.

(3) حكاه عنه المحقّق في المعتبر 1: 196.

(4) التهذيب 1: 139/ 390؛ الاستبصار 1: 126/ 427.

(5) النساء (4): 43.

(6) التهذيب 1: 143/ 403، و 303/ 881.

(7) الكافي 3: 45/ 13؛ التهذيب 1: 139/ 391؛ الاستبصار 1: 126/ 428.

139

و قيل للباقر (عليه السلام): كان علي (عليه السلام) يأمر بالوضوء قبل غسل الجنابة، فقال: كذبوا على عليّ (عليه السلام)، قال اللّه تعالى

وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا (1)

(2) و في حكايته (عليه السلام) للآية إشارة إلى أنّ المراد من الطهارة المأمور بها الغسل.

و قد نقل المحقّق في المعتبر إجماع المفسّرين على ذلك. (3)

و قد يقرّر مع ذلك بأنّ اللّه سبحانه أمر مريد الصلاة بالوضوء المعبّر عنه بغَسل الأعضاء المخصوصة و مسحها، ثمّ قال وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا (4) و لا يجوز أن يراد بالطهارة الوضوء؛ لأنّ التفصيل قاطع للشركة، و لا الوضوء و الغُسل معاً؛ لعدم جواز استعمال المشترك في معنييه عند المحقّقين. و لو سلّم فلا دليل على إرادتهما معاً من الآية؛ لأنّ الجواز لا يتحتّم المصير إليه، بل غيره و هو المتّفق عليه أولى، فتعيّن أن يراد به الغسل.

و حيث كانت الأسباب الموجبة للغسل ستّة كما عرفت (فهنا مقاصد) أربعة تشتمل على بيان الأسباب الستّة. و جمع بين الاستحاضة و النفاس في مقصدٍ؛ لقلّة مباحثهما بالنسبة إلى غيرهما، و كذا جمع المسّ مع أحكام الميّت؛ لقلّة أحكامه.

____________

(1) المائدة (5): 6.

(2) التهذيب 1: 139/ 389؛ الاستبصار 1: 125- 126/ 426.

(3) المعتبر 1: 195.

(4) المائدة (5): 6.

140

[المقصد الأوّل في ماهيّة الجنابة و أحكامها]

(المقصد الأوّل) (في) ماهيّة (الجنابة) و أحكامها و هي مصدر قولك: أجنب الرجل و جنب و اجتنب جنابة.

و مَنَع بعض أهل العربيّة من الثاني، قال: لأنّ معناه: أصابته ريح الجنوب. (1)

و هي في اللغة: البُعْد و شرعاً: ما يكون سبباً للبُعْد عن أحكام الطاهرين من غيبوبة الحشفة أو قدرها قُبُلٍ أو دُبُرٍ أو نزول المنيّ على ما يأتي تفصيله.

[تحصل الجنابة]

(و هي) أي: الجنابة (تحصل للرجل و المرأة) و الخنثى بل لجميع الناس على الأصحّ، فلو فرض من الصغير جماع، وجب عليه الغسل عند البلوغ بسبب الجنابة الاولى. و تخلّف الحكم عنه؛ لفقد شرطٍ لا يُخرجه عن السببيّة.

و أمّا إنزال المنيّ فقد يفرض مع عدم تحقّق الرجوليّة، و يكون حينئذٍ سبباً فيها؛ لأنّ المنيّ ليس دليلًا على سبق البلوغ بل موجداً له، كما سيأتي، فالتعبير بالرجوليّة غير جيّدٍ. و مثله القول في المرأة؛ فإنّها تأنيث المرء، و هو لغةً: الرجل، كما نصّ عليه أهل اللغة.

و حصولها بأحد أمرين (بإنزال المنيّ مطلقاً) يقظةً و نوماً، بشهوة و بغير شهوة؛ لقوله (عليه السلام) (صلّى اللّه عليه و آله)

إنّما الماء من الماء.

(2)

و لا فرق بين نزوله من الموضع المعتاد الخلقي أو من غيره مطلقاً مع تحقّق أنّه منيّ، عند المصنّف؛ للعموم.

____________

(1) حكاه السيوري في التنقيح الرائع 1: 92 عن الحريري.

(2) صحيح مسلم 1: 269/ 343؛ المعجم الكبير للطبراني 4: 267/ 4373؛ مسند أحمد 4: 443/ 11042.

141

و اختار الشهيد إلحاقه بالحدث الأصغر الخارج من غير المعتاد، (1) فيعتبر فيه الاعتياد أو انسداد الخلقي.

و إن اعتبرنا هناك المعدة، احتمل اعتبار الصلب هنا؛ لأنّه يخرج منه.

و قرّبه المصنّف في النهاية. (2)

و يعتبر في الخنثى خروجه من فرجَيْه لأمن أحدهما إلا مع الاعتياد. و يأتي على إطلاق المصنّف، المتقدّم عدم اعتبار الاعتياد هنا مع تحقّق المنيّ.

(و بالجماع في قُبُل المرأة حتى تغيب الحشفة) فيه مع سلامتها، أو الباقي منها إن لم يذهب المعظم، أو قدرها من مقطوعها؛ لأنّه في معناها؛ لقوله (عليه السلام)

إذا التقى الختانان وجب الغسل.

(3)

و المراد بالتقائهما تحاذيهما؛ لعدم إمكان الالتقاء حقيقةً؛ فإنّ موضع الختان في المرأة أعلى الفرج، و مدخل الذكر في أسفله، و بينهما ثُقبة البول. و ذكر الختانين لا ينفي الحكم عمّا عداهما، فلو فرض انتفاؤهما أو أحدهما، يثبت للحي على الوجه المتقدّم؛ لقوله (عليه السلام)

إذا أدخله فقد وجب الغسل.؛

(و) الجماع (في دُبُر الآدمي) سواء كان ذكراً أم أُنثى أم خنثى (كذلك) أي: كالجماع في قُبُل المرأة (و إن لم ينزل) الماء على الأصحّ.

أمّا دُبُر المرأة فادّعى السيّد المرتضى عليه الإجماع.؛ و لقول الصادق (عليه السلام)

هو أحد المأتيّين فيه الغسل.

(4)

(و) الجماع (في دُبُر الآدمي) سواء كان ذكرا أم أنثى أم خنثى (كذلك) أي: كالجماع في قبل المرأة (و إن لم ينزل) الماء على الأصحّ.

أمّا دبر المرأة فادّعى السيّد المرتضى عليه الإجماع (5). و لقول الصادق (عليه السلام)

هو أحد المأتيّين فيه الغسل

(6). و ما ورد من الأخبار ممّا يدلّ بظاهره على عدم الوجوب فمؤوّل بما يحصل به الجمع بينهما.

و ذهب الشيخ في الاستبصار و النهاية إلى عدم الوجوب بالإيلاج في دُبُرها. (7)

و أمّا الذكر فاستدلّ السيّد عليه أيضاً بالإجماع المركّب، بمعنى أنّ كلّ مَنْ قال بوجوب

____________

(1) البيان: 54.

(2) نهاية الإحكام 1: 99.

(3) مسند أحمد 7: 341/ 25494.

(4) الكافي 3: 46/ 1؛ التهذيب 1: 118/ 310؛ الاستبصار 1: 108/ 358، و الحديث عن أحدهما».

(5) كما في الذكرى 1: 220؛ و جامع المقاصد 1: 257.

(6) التهذيب 7: 461/ 1847؛ الإستبصار 1: 112/ 373.

(7) الإستبصار 1: 112 (باب الرجل يجامع المرأة فيما دون الفرج ..)؛ النهاية: 19.

142

الغسل في دُبُر المرأة قال به في دُبُر الذكر (1)، مع أنّه نقل في الأوّل الإجماع (2). و يلزم منه أن لا قائل بعدم الوجوب في الثاني.

و ردّه المحقّق في المعتبر، و قال: لم أتحقّق إلى الآن ما ادّعاه، فالأولى التمسّك فيه بالأصل. (3) و عنى به عدم وجوب الغسل بسببه.

و يندفع بأنّ الإجماع المنقول بخبر الواحد حجّة فكيف بمثل السيّد (رحمه اللّه)! و الخنثى لا يخرج عنهما، فدليلهما يشمله.

و إطلاق المصنّف الآدمي و المرأة (4) شامل للحيّ و الميّت، و الحكم فيه كذلك؛ للعموم.

و تقييده بالآدمي يقتضي بظاهره عدم وجوب الغسل بالإيلاج في فرج البهيمة، و لا نصّ فيه على الخصوص، و أصالة البراءة تقتضي عدمه.

و اختار المصنّف في النهاية وجوبه (5)؛ لفحوى إنكار عليّ (عليه السلام) على الأنصار حيث لم يوجبوا الغسل في وطئ القُبُل من غير إنزال بقوله

أ توجبون عليه الرجم و الحدّ و لا توجبون عليه صاعاً من ماء.

(6)

»؟

و يمكن الاحتجاج له أيضاً بقوله (عليه السلام)

ما أوجب الحدّ أوجب الغسل

(7)

» و لفظة «ما» و إن كانت من صِيَغ العموم إلا أنّها مخصوصة بما عدا الأسباب الموجبة للحدّ، التي قد أُجمعَ على عدم إيجابها الغسل كالقذف، فيدخل المختلف فيه في العموم.

و توقّف المصنّف في النهاية في وطئ البهيمة مع جزمه بوجوب الغسل لو غاب فرج الميّت أو الدابّة في فرجه. (8)

و في الفرق نظر.

و شمل إطلاقه الآدمي و المرأة الحيّ و الميّت.

____________

(1) حكاه عنه المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 181؛ و شرائع الإسلام 1: 18.

(2) تقدّم تخريجه في ص 141، الهامش (5).

(3) المعتبر 1: 181.

(4) كلمة «و المرأة» لم ترد في «ق، م».

(5) نهاية الإحكام 1: 96.

(6) التهذيب 1: 119/ 314.

(7) كنز العمّال 9: 543/ 27337.

(8) نهاية الإحكام 1: 96.

143

و الفاعل في جميع ذلك كالمفعول.

و الخنثى باعتبار الدُّبُر كغيره، و هو داخل في إطلاق الآدمي، كما عرفت، فيجب عليه الغسل بإيلاج الواضح في دُبُره، دون الخنثى؛ لاحتمال الزيادة في الفاعل، و باعتبار القُبُل لا يجب عليه الغسل إلا باستعمال الفرجين منه معاً مع واضح، فلو أولج أحدهما في واضح و أولج في الآخر من واضحٍ، وجب عليه الغسل و لا يجب على الواضح على الأصحّ.

و أوجبه المصنّف في التذكرة محتجّاً بصدق التقاء الختانين و وجوب الحدّ به. (1) و فيهما منع.

نعم، يصير الواضحان كواجدي المنيّ في المشترك، فيقطع فيهما بجنب، كما يأتي.

و لو توالج الخنثيان، فلا شيء؛ للشكّ في الحدث باحتمال الزيادة.

و المعتبر في الجماع ما كان محقّقاً، فلو رأى في منامه أنّه جامع و انتبه فلم يجد منيّاً، فلا غسل و إن وجد رطوبةً لا تشتمل على بعض أوصافه؛ لأصالة الطهارة.

(و لو اشتبه المنيّ) أي: اشتبه الخارج هل هو منيّ أم لا (اعتبر بالشهوة) المقارنة له بحيث يتلذّذ بخروجه (و الدفق) و هو خروجه في دفعات؛ لقوله تعالى مِنْ مٰاءٍ دٰافِقٍ (2) (و فتور الجسد) بعده بمعنى انكسار الشهوة.

و يعتبر أيضاً بالرائحة، فإنّه يشبه رائحة الطلع و العجين ما دام رطباً، و رائحة بياض البيض جافّاً.

و هذه الخواصّ الأربع متلازمة غالباً، و لو فرض انفكاكها، لم يشترط في الحكم به اجتماعها، بل تكفي واحدة منها.

و قوله (و في المريض لا يعتبر الدفق) إشارة إلى أنّه لا يشترط اجتماعها، و هو مبنيّ على الغالب من عدم انفكاكها، و أنّ الانفكاك يتّفق في المريض، و إلا فلو فرض الانفكاك، اكتفى بواحدة منها و إن لم يكن مريضاً كما قلناه، و قد صرّح به المصنّف في النهاية. (3)

لكن يفهم من عدم اعتبار الدفق فيه اشتراط اجتماع الشهوة عنده و انكسارها بعده بالمفهوم المخالف، و ليس مراداً بل على تقدير العمل به يبنى على الغالب حتى لو فرض عدم الشهوة

____________

(1) تذكرة الفقهاء 1: 228227، الفرع «ز».

(2) الطارق (86): 6.

(3) نهاية الإحكام 1: 99.

144

في المريض أصلًا مضافاً إلى عدم الدفق؛ لضعف قوّته، اعتبر الخارج بالرائحة خاصّةً.

و على هذا لو خرج المنيّ بلون الدم؛ لاستكثار الجماع، وجب الغسل؛ تغليباً للخواصّ، مع احتمال العدم؛ لأنّه في الأصل دم، فإذا خرج على لونه، أشبه سائر الدماء.

(و لو وجد) المكلّف (على) شيء من (جسده أو ثوبه) أو فراشه (المختصّ) بلُبْسه أو النوم عليه حين الوجدان و إن كان يلبسه أو ينام عليه هو و غيره تناوباً (منيّاً، وجب) على الواجد (الغسل) حينئذٍ.

و لو كان صبيّاً، حُكم ببلوغه إن كان ذلك في سنٍّ يمكن حصوله فيه، و هو اثنتا عشرة سنة فصاعداً، كما ذكره المصنّف في المنتهي، (1) و يحكم بنجاسة الثوب أو البدن في أقرب أوقات احتمال تجدّده، و يعيد الصلاة و نحوها الواقعة بعد ذلك الوقت خاصّة على الأصحّ؛ لأصالة عدم التكليف بالزائد، و استصحاباً ليقين الطهارة، فلا يرفعه احتمال الحدث، و يُعبّر عن هذا القول بإعادة كلّ صلاة يعلم عدم سبقها أو لا يحتمل سبقها، و هو آخر نومةٍ أو جنابة ظاهرة.

و احتاط الشيخ (2) (رحمه اللّه) بإعادة كلّ صلاة لا يعلم سبقها، و هو من أوّل نومةٍ أو جنابة ظاهرة وقعت في الثوب؛ لتوقّف اليقين بالبراءة عليه.

هذا كلّه بالنسبة إلى الحدث، و أمّا الخبث فيبنى على إعادة الجاهل بالنجاسة أوّلًا فيما حكم بحصوله فيه، لكن حكم الخبث هنا يدخل في حكم الحدث؛ لعدم الانفكاك و لو فرض تمشّي الحكم و الخلاف.

(و لا يجب) الغسل لو وجده (في المشترك) ثوباً و فراشاً. نعم، يستحبّ لهما الغسل و ينويان الوجوب، كما في كلّ احتياط. و لو علم المجنب منهما بعد ذلك، ففي الإعادة نظر تقدّم مثله في الوضوء.

و يتحقّق الاشتراك بالنوم فيه أو عليه دفعة لا بالتناوب، كما سبق، بل يجب على صاحب النوبة خاصّة و إن احتمل سبقه. و لم علم السبق، سقط عنه، و لم يجب على مَنْ قبله ما لم يتحقّق أنّه منه.

____________

(1) منتهى المطلب 2: 178.

(2) المبسوط 1: 28؛ و كما في الذكرى 1: 221.

145

قيل (1) و لا يقطع بجنبٍ، كما في المشترك؛ لأصالة بقاء الطهارة، و عدم الدليل عليه. و فيه نظر.

و لو نسي صاحب النوبة بعينه، الحق بالمشترك، و مع تحقّق الاشتراك يقطع بجنبٍ، فلا يكمل بالمشتركين (2) عدد الجمعة؛ مبطلا" صلاة واحدٍ في نفس الأمر قطعاً.

و لو ائتمّ أحدهما بالآخر، بطلت صلاة المأموم خاصّة؛ للقطع بحدثه أو حدث إمامه، فتبطل صلاته على التقديرين.

و استوجه المصنّف الصحّةَ؛ لسقوط حكم هذه الجنابة في نظر الشرع. (3)

و لا ريب في جواز دخول المساجد دفعةً، و قراءة العزائم و نحوهما.

[و يحرم على الجنب أمور]

(و يحرم عليه) أي على الجنب المدلول عليه التزاماً (قراءة) كلّ واحدة من سُور السجدات (العزائم) و هي أربع سور: سجدة لقمان، و حم السجدة، و النجم، و إقرأ.

(و) كذا يحرم عليه قراءة (أبعاضها) حتى البسملة إذا قصدها منها، بل لفظة «بسم» و هو إجماع.

(و) كذا يحرم عليه (مسّ كتابة القرآن) إجماعاً. و لقوله تعالى لٰا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (4) و هو خبر معناه النهي؛ لعدم الفائدة فيها لو أُريد بها الخبر، و لعدم مطابقة الواقع، و النهي للتحريم. و للأخبار.

و لا فرق في المسّ بين باطن الكفّ و غيره من أجزاء البدن؛ لشمول المسّ له لغةً.

و هل يحرم المسّ بما لا تحلّه الحياة من أجزاء البدن، كالشعر و الظفر؟ الظاهر لا؛ لعدم كونهما محلّ الحياة، و حكم الحدث من توابعها، و من ثَمَّ يسقط بالموت.

و كذا لا يجب الغسل بمسّ الميّت به و إن نجس، كما لا يجب بمسّه من الميّت.

و لا يخفى أنّ التحريم من باب خطاب الشرع المختصّ بالمكلّف، فلا يمنع الصبي منه؛ لعدم التكليف. نعم، يستحب للوليّ منعه تمريناً.

و لا فرق بين المنسوخ حكمه منه و غيره دون المنسوخ تلاوته.

____________

(1) لم نعثر على القائل في مظانّه من المصادر المتوفّرة لدينا.

(2) في الطبعة الحجريّة: «المشترك».

(3) نهاية الإحكام 1: 101.

(4) الواقعة (56): 79.

146

و لا يلحق بالقرآن الكتبُ الدينيّة، كالحديث.

(أو شيء مكتوب عليه اسم اللّه تعالى) و لو كان على درهمٍ أو دينار أو غيرهما؛ لقول الصادق (عليه السلام)

لا يمسّ الجنب ديناراً و لا درهماً عليه اسم اللّه تعالى.

(1)

»

و هذه الرواية ذكرها الأصحاب في الدلالة، و هي ضعيفة السند، لكنّها مناسبة لما ينبغي من تعظيم اسم اللّه تعالى.

(و أسماء أنبيائه و الأئمّة (عليهم السلام)) المقصودة بالكتابة؛ لمناسبة التعظيم أيضاً.

و جوّزه هنا المحقّق في المعتبر (2) على كراهيةٍ؛ لعدم الدليل على التحريم، مع أنّه قد روي عن الصادق (عليه السلام) في الجنب يمسّ الدراهم و فيها اسم اللّه أو اسم رسوله، قال

لا بأس ربما فعلت ذلك.

(3)» و هذه الرواية إنّما تدلّ على جواز مسّ الدراهم المكتوب عليها ذلك خاصّة، فلا يتعدّى إلى غيرها. و جاز اختصاصها بالحكم؛ لعموم البلوى و دفع الحرج، و ليست مستندَ المحقّق و لا مطابقةً لقوله؛ لتخصيصه الحكم باسم النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و الإمام، و تعميمه الرخصة في الدراهم و غيرها.

(و) كذا يحرم عليه (اللبث) بفتح اللام و سكون الباء على غير قياس (في المساجد) للخبر. (4) و لقوله تعالى وَ لٰا جُنُباً إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ. (5)

و المراد من الصلاة في صدر الآية (6) مواضع الصلاة؛ لدلالة العجز عليه، أو يريد الصلاة و مكانها على طريق الاستخدام، كما ذكره بعض أهل البيان، إلا أنّه غير الاستخدام المشهور.

(و وضع شيء فيها) أي في المساجد على الأصحّ، خلافاً لسلار؛ فإنّه كرهه خاصّة، (7) بل كره اللبث في المساجد أيضاً، (8) و لم يفرق بين المسجدين و غيرهما.

و مستند التحريم ما رواه عبد اللّه بن سنان، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الجنب

____________

(1) التهذيب 1: 31/ 82؛ الاستبصار 1: 113/ 374.

(2) المعتبر 1: 188.

(3) المعتبر 1: 188.

(4) التهذيب 1: 125/ 338، و 371/ 1132.

(5) النساء (4): 43.

(6) النساء (4): 43.

(7) المراسم: 42.

(8) المراسم: 42.

147

و الحائض يتناولان من المسجد المتاع يكون فيه، قال

نعم، و لكن لا يضعان في المسجد شيئاً.

(1)» و خصّ بعض المتأخّرين تحريمَ الوضع باستلزام اللبث. (2)

و هو ضعيف؛ لعموم النصّ، و استلزامه عدم فائدة ذكر الوضع؛ لأنّ اللبث سبب تامّ في التحريم، سواء حصل معه وضع أم لا.

(و الاجتياز) أي السلوك (في المسجدين): مسجد الحرام و مسجد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) دون غيرهما من المساجد؛ فإنّه يباح الاجتياز فيها على كراهة؛ لما روي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) حيث سُئل عن الجنب يجلس في المساجد، قال

لا، و لكن يمرّ فيها إلا المسجد الحرام و مسجد الرسول (صلّى اللّه عليه و آله).

(3)

»

و لا يشترط في جواز الاجتياز في باقي المساجد أن يكون للمسجد (4) بابان يدخل من أحدهما و يخرج من الآخر، بل صدق السلوك و عدم اللبث، مع احتماله.

نعم، ليس له التردّد في جوانب المسجد بحيث يخرج عن اسم المجتاز قطعاً؛ لأنّه كالمكث.

و هذا كلّه مع الاختيار، فلو اضطرّ، جاز المكث في جميع المساجد متيمّماً، فإن أمكن التيمّم خارجاً، وجب، و إلا جاز بتراب المسجد، و يعيده كلّما أحدث و لو أصغر.

[و يكره على الجنب أمور]

(و يكره) له (الأكل و الشرب إلا بعد المضمضة و الاستنشاق) أو الوضوء، للخبر، (5) فإن أكل أو شرب قبل ذلك، خِيف عليه البرص. و روى أنّه يورث الفقر. (6) و يتعدّد بتعدّد الأكل و الشرب مع التراخي لا مع الاتّصال.

(و) كذا يكره له (مسّ المصحف) و حمله بغير علاقة، أمّا بها فلا بأس، قاله المصنّف، (7) و فيه نظر.

____________

(1) الكافي 3: 51/ 8؛ التهذيب 1: 125/ 339.

(2) ابن فهد الحلّي في المقتصر: 49.

(3) الكافي 3: 50/ 4؛ التهذيب 1: 125/ 338.

(4) في الطبعة الحجرية: «للمساجد».

(5) الكافي 3: 50/ 1 و 51/ 12؛ التهذيب 1: 129/ 354، و 130/ 357.

(6) الفقيه 1: 47/ 178.

(7) نهاية الإحكام 1: 104.

148

(و النوم إلا بعد الوضوء) للخبر. (1) و لاستحباب النوم على طهارة و إن كانت ناقصةً، كالتيمّم مع وجود الماء، فكذا يكفي فيه الوضوء عن الغسل و الغسل أفضل.

(و الخضاب) له بحنّاء و غيره. و كذا يكره أن يجنب و هو مختضب، كلّ ذلك للرواية. (2)

(و قراءة ما زاد على سبع آيات) في جميع أوقات جنابته، فلا يشترط التوالي. قيل (3) و يصدق السبع و لو بواحدة مكرّرة سبعاً.

و حرّم ابن البرّاج قراءة ما زاد على السبع، (4) و نُقل عن سلار في أحد قوليه تحريم القراءة مطلقاً (5)؛ لما روي عنه (6)

لا يقرأ الجنب و لا الحائض شيئاً من القرآن

(7)

»

و عن علي (عليه السلام)

لم يكن يحجب النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) عن قراءة القرآن شيء سوى الجنابة.

(8)

»

قلنا: يحمل على الكراهة إن صحّ السند؛ جمعاً بينهما و بين غيرهما من الأخبار كصحيح الفضيل بن يسارعن الباقر (عليه السلام)

لا بأس أن تتلو الحائض و الجنب القرآن

(9)

»

و صحيح الحلبي عن الصادق (عليه السلام) في الحائض و الجنب و المتغوّط

«يقرءون ما شاؤا.

(10)

»

و احتجّ أيضاً باشتهار النهي عن قراءة القرآن للجنب و الحائض في عهد النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بين الرجال و النساء، و من ثَمَّ تخلّص عبد اللّه بن رواحة و كان أحد النقباء من تهمة امرأته بأمته بشعرٍ مُوهماً القراءة، فقالت: صدق اللّه و كذب بصري، فأخبر النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فضحك حتى بدت نواجذه. (11)

(و تشتدّ الكراهة) بل الظاهر من كلام الشيخ في كتابي الأخبار (12) التحريم (فيما زاد على سبعين) أية.

____________

(1) الفقيه 1: 47/ 179.

(2) التهذيب 1: 181/ 517 519؛ الاستبصار 1: 116/ 386 و 387، و 117/ 392.

(3) لم نعثر على القائل فيما بين أيدينا من المصادر.

(4) المهذّب 1: 34.

(5) نقله عنه الشهيد في الذكرى 1: 269 عن «الأبواب».

(6) في «م»: «عن النبيّ».

(7) سنن الترمذي 1: 236/ 131؛ سنن الدارقطني 1: 117/ 1؛ سنن البيهقي 1: 461/ 1479.

(8) سنن ابن ماجة 1: 195/ 594؛ سنن أبي داوُد: 59/ 229؛ سنن النسائي 1: 144؛ مسند أحمد 1: 135/ 640.

(9) التهذيب 1: 128/ 347؛ الاستبصار 1: 114/ 380.

(10) التهذيب 1: 128/ 348؛ الاستبصار 1: 114/ 381.

(11) الاستيعاب 3: 901900؛ مختصر تاريخ دمشق 12: 158؛ سنن الدارقطني 1: 120/ 13.

(12) انظر: التهذيب 1: 128؛ و الاستبصار 1: 114- 115.

149

و الاحتجاج على تحريم ما زاد بالإذن في قراءة السبع أو السبعين ضعيف؛ فإنّ قراءة ما زاد على العدد أعمّ من التحريم، بل يجوز أن يكون مكروهاً أو مباحاً.

(و يجب عليه) أي على المجنب (الغسل) بسبب الجنابة و إن لم يكن مخاطباً بمشروطٍ بالطهارة عند المصنّف، فوجوبه عنده لنفسه (1) بمعنى أنّه سبب تامّ في وجوب الغسل شرعاً و إن كانت الذمّة بريئةً من عبادةٍ مشروطة بالغسل، محتجّاً بالأدلّة الدالّة بإطلاقها أو عمومها على ذلك، كقوله (عليه السلام)

إذا التقى الختانان وجب الغسل

(2)

»

و

إنّما الماء من الماء

(3)

»

وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا (4) و قول عليّ (عليه السلام)

أ توجبون عليه الرجم و الحدّ و لا توجبون عليه صاعاً من ماء

(5)

»

؟! و قوله (عليه السلام)

إذا أدخله فقد وجب الغسل.

(6)

»

و لأنّه لو لم يجب إلا لما يشترط فيه الطهارة، لما وجب أوّل النهار للصوم، و التالي باطل إجماعاً فالمقدّم مثله، و الملازمة ظاهرة. (7)

و الأكثر (8) على أنّ وجوبه مشروط بوجوب شيء من الغايات المتقدّمة، كباقي أغسال الأحياء؛ إذ لا خلاف بينهم في وجوبها لغيرها.

و ممّا يدلّ على اشتراك هذه الأغسال غير غسل الميّت في تعلّق وجوبها بوجوب الغايات تضيّقها بتضيّق وقتها و اتّساعها بسعته، فلا وجه لإخراج غسل الجنابة من البين.

و يدلّ على الجميع أيضاً ما رواه زرارة في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه قال

إذا دخل الوقت وجب الطهور و الصلاة، و لا صلاة إلا بطهور

(9)

»

و في «إذا» معنى الشرط، فينتفي المشروط بانتفائه؛ لأنّ مفهوم الشرط حجّة عند كثير من الأُصوليّين و منهم المصنّف. (10)

____________

(1) مختلف الشيعة 1: 159، المسألة 107؛ منتهى المطلب 2: 256.

(2) مسند أحمد 7: 341/ 25494، عن النبي، الكافي 3: 46/ 2؛ التهذيب 1: 118/ 311؛ الاستبصار 1: 109108/ 359 عن الإمام الرضا.

(3) صحيح مسلم 1: 269/ 343، مسند أحمد 3: 443/ 11042، المعجم الكبير للطبراني 4: 267/ 4374.

(4) المائدة (5): 6.

(5) التهذيب 1: 119/ 314.

(6) الكافي 3: 46/ 1؛ التهذيب 1: 118/ 310؛ الاستبصار 1: 108/ 358.

(7) مختلف الشيعة 1: 161159، المسألة 107.

(8) منهم ابن إدريس في السرائر 1: 128.

(9) التهذيب 2: 140/ 546.

(10) انظر: مبادئ الوصول إلى علم الأُصول: 98، و نهاية الوصول إلى علم الأُصول، المقصد الرابع: في الأمر و النهي، الفصل الثالث: في مقتضيات الصيغة، البحث السادس: في أنّ المعلّق بشرطٍ عدم عند عدمه.

150

قال الشهيد (رحمه اللّه): و هذا الخبر لم يذكره المتعرّضون لبحث هذه المسألة، و هو من أقوى الأخبار دلالةً و سنداً، أورده في التهذيب في باب تفصيل واجب الصلاة. (1)

و يدلّ على وجوب محلّ النزاع لغيره على الخصوص عطفه على الوضوء المشروط بالصلاة إجماعاً في قوله تعالى وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا (2) و عطف التيمّم عليه المشروط بها أيضاً اتّفاقاً، فلو لا كون حكمه كذلك، لزم تهافت كلامه تعالى بتوسيطه معطوفاً بين عبادتين مشروطتين كذلك مصرّحاً بالاشتراط في أُولاهنّ بقوله إِذٰا قُمْتُمْ (3) و الحكم إذا صدر بأداة الشرط، لزم من انتفائه انتفاؤه؛ قضيّةً للاشتراط، فلا يرد أنّ الإيجاب لأجل الصلاة لا ينفي الوجوب بدونها.

و المصنّف (رحمه اللّه) أجاب عن ذلك بالمنع من مساواة المعطوف للمعطوف عليه في الحكم، (4) مع أنّه قد ادّعى في غير موضعٍ التساوي بين المعطوف و المعطوف عليه، (5) فمنعه هنا خاصّة غريب، مع أنّك قد عرفت أنّا لو سلّمنا عدم لزوم المساواة، فالاحتجاج بها باقٍ باعتبار توسّط الغسل بين طهارتين مشروطتين.

و يدلّ عليه أيضاً صحيح الكاهلي عن الصادق (عليه السلام) في المرأة يجامعها الرجل فتحيض و هي في المغتسل هل تغتسل؟ قال

قد جاءها ما يفسد الصلاة فلا تغتسل

(6)

»

علّل (عليه السلام) عدم الغسل بمجيء ما يفسد الصلاة عاطفاً بفاء التفريع، فدلّ بالإيماء على أنّ وجوب الغسل إنّما كان ناشئاً عن وجوب الصلاة، و إلا لزم عدم مطابقة الجواب للسؤال؛ إذ لا يلزم من إبطال الصلاة إبطال الطهارة، و المسؤول عنه إنّما هو فعل الغسل حال الحيض، فالجواب عنه بمجيء مفسد الصلاة لو لم يرد ما قلناه غير مطابق سيّما و الإمام (عليه السلام) قد علم من قول السائل بمجيء المفسد لها، فهو مثل قوله (عليه السلام)

أ ينقص إذا جفّ

(7)

»؟

في الإيماء إلى التعليل، فدلالة الخبر حينئذٍ ليست من باب المفهوم، كما أورده المصنّف في المنتهي. (8)

____________

(1) الذكرى 1: 194.

(2) المائدة (5): 6.

(3) المائدة (5): 6.

(4) مختلف الشيعة 1: 161، المسألة 107.

(5) منتهى المطلب 2: 257.

(6) الكافي 3: 183/ 1؛ التهذيب 1: 370/ 1128، و 395/ 1224.

(7) المستدرك للحاكم 2: 38.

(8) منتهى المطلب 2: 258.

151

و ما ذكر من الأخبار الدالّة على أنّ وجوبه معلّق على الالتقاء أو الماء و نحوهما غير مقيّد باشتراط وجوب عبادةٍ مشروطة بالغسل معارض بالأوامر الدالّة على وجوب الوضوء و باقي الأغسال غير مقيّدة بالصلاة كقول النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)

مَنْ نام فليتوضّأ

(1)

»

و قول علي (عليه السلام) مَنْ وجد طعم النوم وجب عليه الوضوء

(2)

»

و قول الرضا (عليه السلام)

إذا خفي الصوت وجب الوضوء

(3)

»

و قول الصادق (عليه السلام)

غسل الحائض واجب، و غسل الاستحاضة واجب، و غسل مَنْ مسّ ميّتاً واجب

(4)

»

إلى غير ذلك، و كالحكم بوجوب غسل الثوب و البدن و الإناء من النجاسة مع الاتّفاق على أنّ المراد بذلك الواجبُ المشروط، و مهما أجاب عن ذلك فهو الجواب عمّا احتجّ به لغسل الجنابة.

قال في الذكرى: و الأصل في ذلك أنّه لمّا كثر علم الاشتراط أُطلق الوجوب و غلب في الاستعمال. (5) انتهى.

و لا يرد أنّ تقييد إطلاق تلك الأخبار ليس بأولى من تقييد مفهوم خبر زرارة، المتقدّم (6) و نحوه بما عدا غسل الجنابة؛ فإنّ المرجّح فيه أصالة براءة ذمّة المكلّف من الطهارة عند الخلوّ من مشروطٍ بها، مضافاً إلى ما ذكر من المعارضة.

و حديث الملازمة بين وجوبه لغيره و عدم وجوبه للصوم ممنوع، بل قيل (7) إنّه من قبيل المغالطة؛ للإجماع من غير الصدوق على اشتراط الصوم بالغسل على بعض الوجوه، و قد تقدّم القول فيه.

و أمّا غسل الأموات: فلا خلاف في وجوبه لنفسه، و الفرق بينه و بين غيره أنّ تلك شروط لعباداتٍ مخصوصة تتضيّق بتضيّق وقتها، و تتّسع بسعته، كما تقدّم، و لا كذا غسل الأموات، بل وجوبه بأصل الشرع ثابت باعتبار ذاته، و ترتّب الصلاة عليه على الغسل و اشتراط صحّتها به من قبيل الوجوب المرتّب، كترتّب التكفين على الغسل

____________

(1) سنن ابن ماجة 1: 161/ 477؛ سنن أبي داوُد 1: 52/ 303؛ سنن الدارقطني 1: 161/ 5؛ سنن البيهقي 1: 190/ 578.

(2) الكافي 3: 37/ 15؛ التهذيب 1: 8/ 10؛ الإستبصار 1: 8180/ 252.

(3) الكافي 3: 37/ 14؛ التهذيب 1: 9/ 14.

(4) الكافي 3: 40/ 2؛ الفقيه 1: 45/ 176؛ التهذيب 1: 104/ 270، الاستبصار 1: 9897/ 315، و ما في المتن موافق لما في الاستبصار نصّاً.

(5) الذكرى 1: 196.

(6) في ص 149.

(7) لم نعثر على القائل في مظانّه.

152

، و الدفن على الصلاة.

و من ثَمَّ ترى وجوب الغسل منفكّاً عن وجوب الصلاة في الطفل، و الصلاة منفكّةً عن وجوب الغسل في الشهيد، و ذلك يدلّ على عدم الاشتراط وجوداً و عدماً، و باقي الطهارات ليست كذلك؛ لاستحالة انفكاك المشروط عن الشرط، قضيّةً للاشتراط، و لا يلزم مثل ذلك في غسل الجنابة بالنسبة إلى ما يترتّب عليه من العبادة؛ لما تقدّم من الأدلة، و لاشتراط نيّة الرفع أو الاستباحة فيه عند مدّعي وجوبه لنفسه، و هو آية اشتراطها به، مع أنّ القول بإخراج غسل الجنابة من بينها غير معروف لأحدٍ من المتقدّمين، و إنّما هو قول حادث، و المصنّف اعترف بذلك في المختلف و المنتهى (1) حيث أطلق حكاية الخلاف عن المتأخّرين، و من ثَمَّ قال شيخه المحقّق في المسائل المصريّة: إخراج غسل الجنابة من بين سائر الأغسال تحكّم بارد. (2) و قال الشهيد (رحمه اللّه) في البيان: تحكّم ظاهر. (3)

و تظهر فائدة القولين في أمرين:

أحدهما: أنّ الجنابة على الأوّل سبب تامّ في إيجاب الغسل، فمتى حصلت للمكلّف وجب عليه الغسل و إن كانت ذمّته بريئةً من عبادةٍ مشروطة به، لكنّ الوجوب موسّع مع عدم تضيّق عبادةٍ مشروطة به، و على الثاني تكون الجنابة سبباً ناقصاً و إنّما يتمّ عند شغل الذمّة بمشروطٍ به، فينوي الوجوب حينئذٍ، و لو أراد الاغتسال بعدها و قبل اشتغال الذمّة بالمشروط به، نوى الندبَ و رَفعَ الحدث أو الاستباحة، و يدخل به في الصلاة و نحوها بعد تمام سبب الوجوب، كالوضوء المندوب كذلك.

و ثانيهما: لو ظنّ الوفاة قبل شغل ذمّته بالمشروط به، وجب عليه المبادرة إلى الغسل على الأوّل، كما في العبادات الموسّعة، فلو أخّر إلى وقتٍ يظنّ فيه الموت، عصى، و لا يجب على الثاني؛ لعدم تحقّق الوجوب.

[و يجب في الغسل أمور]

(و يجب فيه) أي: في الغسل (النيّة) المشتملة على التقرّب إجماعاً، و الوجه، و أحد الأمرين على ما فصّل في الوضوء، و أكثر ما هناك من البحث آتٍ هنا، و يزيد هنا اشتراط

____________

(1) مختلف الشيعة 1: 159، المسألة 107؛ منتهى المطلب 2: 256.

(2) كما في الذكرى 1: 196؛ و في الرسائل التسع: 100 المسألة الرابعة من المسائل العزّيّة.

(3) البيان: 36.

153

أحد الأمرين ضعيفاً على مذهب المصنّف من وجوبه لنفسه باعتبار عدم دلالة إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ (1) عليه.

و وقتها فعلًا (عند الشروع) في مستحبّات الغُسل، كغَسل اليدين و المضمضة و الاستنشاق، أو واجباته، كغَسل الرأس في الترتيب، و جزءٍ من البدن في الارتماس.

و قد تقدّم تفصيله في الوضوء إلا أنّ المصنّف (2) و غيره (3) ذكر أنّ غَسل اليدين هنا غير مشروط بما ذكر في الوضوء. و فيه تأمّل.

(مستدامة الحكم) بمعنى أن لا ينوي منافياً للنيّة أو لبعض مشخّصاتها، أو البقاء على حكمها و العزم على مقتضاها، كما مرّ (حتى يفرغ) من الغسل.

فلو نوى في الأثناء منافياً، بطلت النيّة، فلو عاد، استأنف النيّة للباقي أن لم يطل الفصل مطلقاً أو طال و لم يكن الغسل ممّا يشترط فيه الموالاة كغسل الاستحاضة، و إلا أعاد الغسل من رأس.

و لو أخلّ بالموالاة فيما لا تعتبر فيه ثمّ عاد إلى الباقي، لم يفتقر إلى نيّة مستأنفة و إن طال الزمان مع بقاء الاستمرار الحكمي.

و أوجب المصنّف في النهاية (4) تجديد النيّة متى أخّر بما يعتدّ به؛ ليتميّز عن غيره، و تبعه في الذكرى (5) مع طول الزمان.

و لا فرق في تأثير نيّة المنافي بين وقوعها حالة الذهول و الذكر؛ لضعف الاستدامة الحكميّة في جانب الابتداء الحقيقي.

(و) يجب (غَسل بشرة جميع الجسد بأقلّه) أي بأقلّ الغَسل، و هو ما اشتمل على الجريان، كما في الوضوء؛ تحقيقاً لمسمّى الغَسل، فلا يكفي الإمساس من دونه.

و المراد بالبشرة ظاهر الجلد. و احترز بها عن الشعر، و لا يجب غسله إلا أن يتوقّف غَسل البشرة عليه، فيجب مقدّمةً لا أصالةً، فلا يجب على المرأة نقض الضفائر إذا وصل الماء إلى ما تحته بدونه.

____________

(1) المائدة (5): 6.

(2) حكاه عنه المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 261؛ و انظر: نهاية الإحكام 1: 110109.

(3) انظر: الذكرى 2: 239238.

(4) نهاية الإحكام 1: 107.

(5) الذكرى 2: 115.

154

(و) كذا يجب (تخليل ما) أي الشيء الذي (لا يصل إليه) أي إلى الجسد المذكور سابقاً. و المراد ما تحته منه. أو يريد بوصوله إليه وصوله إلى ما تحته من البشرة مجازاً، و ليس المراد به ما يظهر من العبارة من أنّ إصابة الماء للشيء المخلّل يكفي عن وجوب تخليله؛ فإنّ منه ما لا يجب غَسله كالشعر و الخاتم، و لا يكفي وصول الماء إليه، إلا أن يريد بوصول الماء إليه وصوله إلى جميع أجزائه، المستلزم ذلك غالباً غَسل ما جاوره من البشرة، أو يحمل على ما يجب غَسله، كمعاطف الأُذنين و الإبطين و ما تحت ثدي المرأة، فإنّه يجب تخليله إذا لم يصل (الماء) إلى جميع أجزائه (إلا به) أي بالتخليل، و ذلك كالشعر، سواء خفّ أم كثف؛ لما روي

أنّ تحت كلّ شعرة جنابة فبلّوا الشعر و أنقوا البشرة.

(1)

و سقوط تخليل الكثيف الكائن في وجه المتوضّئ؛ لأنّ الأمر فيه مختصّ بالوجه، و أخذه من المواجهة، فينتقل الاسم إلى الشعر، بخلافه في الغسل؛ لخروجه عن اسم البدن و البشرة و على هذا فيجب في الوضوء تخليل شعر اليدين و إن كثف؛ لتوقّف غَسل اليد عليه، و عدم انتقال الاسم إليه.

و استقرب في الذكرى غَسله أيضاً؛ لأنّه من توابع اليد. (2)

(و) كذا يجب في الغسل (الترتيب) بين أعضائه الثلاثة (يبدأ) في الغسل (بالرأس) مع الرقبة (ثمّ) ب (الجانب الأيمن ثمّ الأيسر) و هو من تفرّدات علمائنا، و نقل الشيخ إجماعنا عليه، و احتجّ عليه مع الإجماع بما رواه زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) حيث سأله كيف يغتسل الجنب؟ فقال

إن لم يكن أصاب كفّه شيء

(3)

غمسها في الماء ثمّ بدأ بفرجه فأنقاه ثمّ صبّ على رأسه ثلاث أكفّ ثمّ صبّ على منكبه الأيمن مرّتين و على منكبه الأيسر مرّتين، فما جرى عليه الماء فقد أجزأه.

(4) (5)

و نحوه رواية محمد بن مسلم عن أحدهما. (6) (عليهما السلام).

____________

(1) أورده كما في المتن المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 278؛ و في سنن ابن ماجة 1: 196/ 597؛ و سنن أبي داوُد 1: 65/ 248: «.. فاغسلوا الشعر ..» بدل: «.. فبلّوا الشعر ..».

(2) الذكرى 2: 132.

(3) في التهذيب: «منّي».

(4) الكافي 3: 43/ 3؛ التهذيب 1: 133/ 368.

(5) الخلاف 1: 132، المسألة 75.

(6) الكافي 3: 43/ 1؛ التهذيب 1: 132/ 365؛ الاستبصار 1: 123/ 420.

155

و روى العامة عن عائشة في وصف وضوء (1) رسول اللّهُ مثله. (2)

و هذه الروايات دلّت صريحاً على تقديم الرأس على غيره؛ لعطف اليمين عليه ب«ثمّ» الدالّة على التعقيب.

و أمّا تقديم الأيمن على الأيسر: فاستفيد من خارجٍ إن لم نقل بإفادة الواو الترتيب، كما هب إليه الفرّاء، (3) بل على الجمع المطلق أعمّ من الترتيب و عدمه، كما هو رأي الجمهور؛ إذ لا قائل بوجوب الترتيب في الرأس دون البدن، فالفرق إحداث قولٍ ثالث.

و لأنّ الترتيب قد ثبت في الطهارة الصغرى على هذا الوجه، و كلّ مَنْ قال بالترتيب فيها قال بالترتيب في غسل الجنابة، فالفرق مخالف للإجماع المركّب فيهما.

و ما ورد من الأخبار أعمّ من ذلك يحمل مطلقها على المقيّد.

و الترتيب واجب في جميع أنواع الغسل (إلا في) غسل (الارتماس) تحت الماء دفعةً واحدة عرفيّة بحيث يشمل الماء البشرة في زمانٍ قليل، فإنّه يسقط الترتيب فعلًا و نيّةً و حكماً.

و كذا يسقط الترتيب في شبه الارتماس، كالوقوف تحت المجرى و المطر الغزيرين، كما اختاره المصنّف في غير (4) هذا الكتاب و إن كان ظاهره هنا وجوب الترتيب فيه، كما اختاره ابن إدريس، (5) و مال إليه المحقّق في المعتبر. (6)

و ألحق بعضهم بهما صبّ الإناء الشامل للبدن، (7) و هو الظاهر منْ كلام مَن أطلق القول بشبه الارتماس، كالمصنّف و غيره. و جَعَله في الذكرى لازماً للشيخ (8)؛ حيث صرّح بالمطر و المجرى خاصّة. (9)

و وجه اللزوم مع المساواة في المعنى: أنّ النصّ إنّما ورد في المطر، (10) فذِكرُ الشيخ معه

____________

(1) كذا، و الظاهر: «غسل» بدل «وضوء».

(2) صحيح مسلم 1: 253/ 316؛ مسند أحمد 7: 79/ 23736.

(3) مغني اللبيب 1: 464.

(4) نهاية الإحكام 1: 108؛ تذكرة الفقهاء 1: 232، الفرع الثالث.

(5) السرائر 1: 135.

(6) المعتبر 1: 185184.

(7) كما في الذكرى 2: 226.

(8) الذكرى 2: 226.

(9) المبسوط 1: 29.

(10) الفقيه 1: 14/ 27؛ التهذيب 1: 149/ 424؛ الاستبصار 1: 125/ 425.

156

القعود تحت المجرى (1) يدلّ على التعدية إلى ما يساوي المطر في المعنى، و هذا لازم أيضاً في الحقيقة لكلّ مَنْ ذكر مع المطر شيئاً من ميزابٍ أو شبهه أو غيرهما، فلا وجه للتوقّف فيه على الخصوص، بل ينبغي إمّا إدخاله، أو تخصيص الحكم بالمطر.

و مستند الأوّل مع الإجماع قول أبي عبد اللّه (عليه السلام)

و لو أنّ رجلًا ارتمس في الماء ارتماسة واحدة أجزأه ذلك و إن لم يدلك جسده

(2)

و نحوه. (3)

و الثاني مع مساواته الأوّل في وحدة شمول الماء عرفاً ما رواه علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) حين سأله عن الرجل يجنب هل يجزئه من غسل الجنابة أن يقوم في القطر حتى يغسل رأسه و جسده و هو يقدر على ما سوى ذلك؟ قال

إن كان يغسله اغتساله بالماء أجزأه ذلك.

(4)

و أجود ما يقرّر في وجه الاستدلال به أنّه (عليه السلام) حكم بصحّة الغسل به على تقدير مساواته للغسل بالماء في غيره، و معلوم أنّ الغسل بغيره ينقسم إلى ترتيب و ارتماس، فيلحق بما أشبهه؛ لأنّه (عليه السلام) ألحقه بالمشابه في قوله

إن كان يغسله اغتساله

لأنّ كاف التشبيه مقدّرة في «اغتساله» أو يقدّر مصدراً موصوفاً تقديره: إن كان يغسله غسلًا مساوياً اغتساله.

و إذا كان كذلك، فإن كان الماء غزيراً بحيث يغسله دفعة عرفيّة كالمرتمس ارتماسة واحدة، كان كالارتماس في الحكم، و إن تراخي و حصل معه الجريان على الأعضاء، كان كغسل الترتيب.

و هذا توجيه واضح، و به يندفع قول المحقّق في المعتبر: إنّ هذا الخبر مطلق فينبغي أن يقيّد بالترتيب في الغسل (5)؛ إذ لا مقابل له حتى يقيّد بالترتيب؛ للإجماع على صحّة الارتماس.

و ما يتخيّل من عدم المساواة؛ لعدم صدق الدفعة هنا بل لا بدّ في استيعاب جميع البشرة من زمان أطول من زمان الارتماس يندفع بما ذكرناه من أنّ المراد به الدفعة العرفيّة القليلة الزمان، لا اللغويّة، لتخلّفها في المرتمس ذي الشعر الكثيف، و في السمين ذي العُكَن ببطنه، فإنّ تخليل ذلك لا بدّ من احتياجه إلى زمان، مع الإجماع على جواز

____________

(1) المبسوط 1: 29.

(2) التهذيب 1: 148/ 422، و 371370/ 1131.

(3) الكافي 3: 43/ 5؛ التهذيب 1: 149148/ 423؛ الاستبصار 1: 125/ 424.

(4) المصادر في ص 155، الهامش (10).

(5) المعتبر 1: 185.