روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان - ج1

- الشهيد الثاني المزيد...
463 /
157

الارتماس فيه. و كذا مَنْ كان قائماً في الماء على شيء لا بدّ في غسل الملاصق من رِجْليه من زمانٍ بعد غمس بدنه إلا بتقدير مشقّة شديدة لا يدلّ عليها ما يدلّ على إجزاء الارتماس، و إرادة الوحدة العرفيّة تدفع ذلك كلّه، مع أنّ الحقائق العرفيّة مقدّمة على اللغويّة على ما تقرّر في الأُصول.

و منه يعلم عدم وجوب مقارنة النيّة في الارتماس لجميع البدن بل لجزء منه مع إتباع الباقي بغير مهلة.

و يندفع أيضاً بما قرّرناه في توجيه الخبر ما ذكره موجب الترتيب قصداً حيث قال كما حكاه عنه المصنّف في المختلف (1) إنّه (عليه السلام) علّق الإجزاء على مساواة غسله عند تقاطر المطر لغسله عند غيره، و إنّما يتساويان لو اعتقد الترتيب، كما أنّه في الأصل مرتّب.

و أنت قد علمت أنّه أعمّ من ذلك، فلا وجه لهذا التخصيص، كما لا دلالة على اعتبار الترتيب الحكمي، و أصالة البراءة و إطلاق الأمر في الآية (2) بالتطهير و الإجزاء في الخبر يدفعه.

و نقل الشيخ في المبسوط أنّ الارتماس يترتّب حكماً. (3) و أطلق.

قال في الذكرى: و هو يحتمل أمرين:

أحدهما و هو الذي عقله الفاضل: أنّه يعتقد الترتيب حال الارتماس، و يظهر ذلك من المعتبر حيث قال: و قال بعض الأصحاب: يرتّب حكماً. (4) فذكره بصيغة الفعل المتعدّي، و فيه ضمير يعود إلى المغتسل.

و الأمر الثاني: أنّ الغسل بالارتماس في حكم الغسل المرتّب بغير الارتماس.

و تظهر الفائدة: لو وجد لمعةً مغفلة، فإنّه يأتي بها و بما بعدها.

و لو قيل بسقوط الترتيب بالمرّة، أعاد الغسل من رأس؛ لعدم الوحدة المذكورة في الحديث. و فيما لو نذر الاغتسال مرتّباً؛ فإنّه يبرأ بالارتماس، لأعلى معنى الاعتقاد المذكور؛ لأنّه ذكره بصورة اللازم المسند إلى الغسل، أي يترتّب الغسل في نفسه حكماً و إن

____________

(1) مختلف الشيعة 1: 175، المسألة 122.

(2) المائدة (5): 6.

(3) المبسوط 1: 29.

(4) المعتبر 1: 184.

158

لم يكن فعلًا، و قد صرّح في الاستبصار بذلك. (1) (2) انتهى.

و أورد عليه المحقّق الشيخ علي الإشكال من وجهين:

أحدهما: منع الفرق بين عبارة الفاضل و ما نقله في المعتبر؛ حيث فاوت الشهيد بينهما، فجعل ذلك ظاهر المعتبر و صريح الفاضل باعتبار النقل كما يفهم من قوله: و هو الذي عقله الفاضل. و عنى هذا المحقّق بعبارة الفاضل قوله في المختلف حكايةً عن الشيخ: قال: و في أصحابنا مَنْ قال: رتّب حكماً؛ لأنّه ذكره في حاشيته على هذا القول.

ثمّ قال: و الذي في عبارة الفاضل لا يزيد على ما في عبارة المعتبر؛ لأنّ العبارتين واقعتان بصيغة الفعل المتعدّي المشتمل على الضمير العائد على المغتسل، المنتصب بعده حكماً على التمييز، و لا يمتنع أن يراد به الأمر الثاني بمعنى أنّ المرتمس في حكم المرتب.

الثاني: قوله: إنّ قول الشيخ يحتمل أمرين، فيه نظر؛ لأنّ نقل الشيخ أنّه يترتّب لإيراد به إلا الأمر الثاني؛ لأنّ الترتيب حكماً لا ينطبق على اعتقاد الترتيب؛ فإنّه أعمّ منه، فلا يحتمل الأوّل.

على أنّه قد ذكر في توجيه الأمر الثاني أنّه ذكره بصورة اللازم، إلى آخره، و هو ينافي الاحتمال الأوّل. (3)

أقول: هذان الإيرادان ساقطان.

أمّا أوّلًا: فلأنّ الشهيد (رحمه اللّه) نقل عن الفاضل (رحمه اللّه) التصريح بتفسير الترتيب الحكمي باعتقاده من غير إشارة إلى موضع النقل، فمن أين علم المعترض أنّ ذلك هو قوله في المختلف: و في أصحابنا مَنْ قال: إنّه يرتّب حكماً، (4) حتى يدّعي مساواة نقله لنقل المعتبر؟

نعم، صرّح بنقل المعتبر و بلفظه، فكيف يتخيّل فهم اختلاف هاتين العبارتين من مثل المحقّق الشهيد (رحمه اللّه) مع تساويهما!؟ فأوّل ما كان ينبغي عند عدم الوقوف على تصريح الفاضل أن يشار إلى ذلك لا إلى حصر الحال فيما قيل.

____________

(1) الاستبصار 1: 125 ذيل الحديث 425.

(2) الذكرى 2: 224223.

(3) لم نعثر عليه في مظانّه.

(4) مختلف الشيعة 1: 174، المسألة 122.

159

و أمّا ثانياً: فلأنّ الفاضل قد صرّح بذلك في المختلف بعد ما نقله عنه المعترض بأسطرٍ في الاحتجاج لذلك القول بحديث علي بن جعفر، المتقدّم (1) إلى قوله: وجه الاستدلال: أنّه (عليه السلام) علّق الإجزاء على مساواة غسله عند تقاطر المطر لغسله عند غيره، و إنّما يتساويان لو اعتقد الترتيب، كما أنّه في الأصل مرتّب. (2) انتهى، فهذا هو الدالّ على أنّ الفاضل عقل من معنى الترتيب الحكمي اعتقاده، فإنّ هذا التوجيه لم يذكره الشيخ صريحاً و إنّما قرّره الفاضل له على هذا الوجه حسب ما فهمه من معناه، فظهر الفرق بين عبارة الفاضل و المحقّق في المعتبر.

و إنّما جعل الشهيد (رحمه اللّه) ذلك ظاهر عبارة المعتبر؛ لأنّه غيّر ما عبّر به الشيخ في المبسوط حيث نقل عنه الشهيد الإتيان بلفظ «يترتّب» بالتاء المثنّاة من فوق قبل الراء و بعد الياء، بخلاف لفظ المعتبر حيث نقله بلفظ المتعدّي و حذف التاء المثنّاة من فوق. و كذا نقله الفاضل في المختلف في الكلام الذي نقله عنه المعترض، و اتّفاق الفاضلين في العبارة عن القول عادلين عن اللفظ اللازم الذي نقله الشهيد عن المبسوط ثمّ تصريح الفاضل بإرادة الاعتقاد في آخر البحث كما ذكرناه عنه يشعر ظاهراً بتساوي فهم الفاضلين في ذلك. فهذا هو السرّ في إطلاق الشهيد التصريح عن الفاضل و جَعله ظاهر المعتبر.

و أمّا ثالثاً: فلأنّ الاعتراض بأنّ كلام الشيخ لا يحتمل إلا الأمر الثاني و لا يحتمل الأوّل مبنيّ على ما فهمه من عدم العلم بتصريح الفاضل، و أنّ ما حكاه عنه و عن المعتبر يحتمل المعنى الثاني على أنّ المرتمس يكون في حكم المرتب.

و أمّا على ما بيّنّاه فلا بدّ من ذكر الأمرين، أمّا الأوّل: فلتصريح الفاضل به. و أما الثاني: فلأنّه هو الموافق لتعبير المبسوط بصيغة اللازم و للإستبصار، كما حكاه عنه. و للأدلّة المبيّنة أيضاً، بل هو الذي استنبطه الشهيد (رحمه اللّه) من كلام الشيخ و حقّقه، و إنّما بدأ بالأوّل؛ لفهم الفاضل له.

و أمّا رابعاً: فلأنّ قوله في الاستدلال على نفي الأوّل: إنّ الترتيب حكماً أعمّ من اعتقاد الترتيب فلا يحتمل الأوّل، غريب؛ فإنّ كونه أعمّ لا يدلّ على نفيه، بل غايته عدم

____________

(1) في ص 156.

(2) مختلف الشيعة 1: 175، المسألة 122.

160

الدلالة عليه على الخصوص، فكما لا يدلّ عليه لا ينفيه، فيتخصّص به بدليلٍ خارجيّ.

و أيضاً فإنّه معارَض بمثله في الثاني؛ فإنّ اعترافه بأنّه أعمّ من الأوّل يستلزم أنّه أعمّ من الثاني تحقيقاً لمفهوم العموم، فلا يدلّ عليه أيضاً خصوصاً و قد بيّنّا أنّ ذِكرَ الشهيد له لا لترجيحه، بل لاختيار الفاضل إيّاه.

و أمّا خامساً: فلأنّ قوله: على أنّه قد ذكر في توجيه الأمر الثاني أنّه ذكره بصورة اللازم إلى آخره، و هو ينافي الاحتمال الأوّل، إنّما يدلّ على أنّ الشهيد (رحمه اللّه) مرجّح للاحتمال الثاني و مقرّر لما حكاه عن لفظ كتابَي الشيخ أنّه هو المراد، و هذا لا ريب فيه، لكن لا ينفي جَعل ما فهمه الفاضل و صرّح به احتمالًا خصوصاً و قد غيّر عبارة الشيخ إلى صيغة المتعدّي تبعاً للمعتبر، فإنّ الأصحاب و غيرهم يذكرون الاحتمال و إن ضعف و لم يقل به أحد فكيف بما فهمه الفاضل العلامة (رحمه اللّه)، فقوله: إنّ ذكره بصورة اللازم ينافي الاحتمال الأوّل لا يدلّ على نفي الاحتمال الأوّل في نفسه و إن كان المختار الثاني.

و إنّما أطنبنا القول في هذه المسألة؛ لوجهٍ ما.

[و يستحبّ فيه أمور]

(و يستحبّ الاستبراء) للرجل المجنب بالإنزال، فلا استبراء على المرأة عند المصنّف، (1) كما لا حكم للخارج منها بعده مشتبهاً، فتكون كرجلٍ استبرأ، مع احتمال الإعادة كمن لم يستبرئ.

و استحبّ جماعة استبراءها بالبول أو الاجتهاد.

و هو ضعيف؛ للأصل، و عدم النصّ، و اختلاف مخرجي البول و المنيّ، فلا يفيد.

و كذا الاستبراء على المجنب بالجماع مع الإكسال؛ لعدم فائدته، سواء تيقّن عدم الإنزال أم جوّز الإنزال مع عدم تيقّنه.

و ليس الاستبراء واجباً، خلافاً للشيخ (2) في أحد قوليه.

و المراد بالاستبراء في عبارة الكتاب الاجتهاد في إزالة بقايا المنيّ المتخلّفة في المحلّ بالبول، أو الاجتهاد بالاستبراء المعهود مع عدم إمكانه، لا الاستبراء المعهود مطلقاً بدليل قوله (فإن وجد) المغتسِلُ المستبرئ، المدلول عليه التزاماً بالمصدر، المُنزل المدلول عليه

____________

(1) مختلف الشيعة 1: 173، المسألة 120.

(2) المبسوط 1: 29.

161

بالمقام؛ لأنّ (1) الاستبراء مختصّ به (بللًا مشتبهاً بعده) أي: بعد الاستبراء و الحال أنّه بعد الغسل أيضاً كما يدلّ عليه قوله (لم يلتفت) أي: لم يعد الغسل، (2) لكن يجب عليه على تقدير الاستبراء بالبول خاصّة الوضوءُ؛ لزوال أثر المنيّ بالبول، و عدم الاستبراء بعده اقتضى كونه بولًا، كما قرّروه في باب الوضوء.

و إنّما أطلق عدم الالتفات؛ لأنّ البحث عن الغسل.

و المراد بالمشتبه أن لا يعلم كونه منيّاً أو بولًا أو غيرهما، فلو علم، لزمه حكمه و إن اجتهد.

(و بدونه) أي: بدون الاستبراء المذكور (يعيد الغسل) و يتحقّق ذلك بعدم البول مع إمكانه و إن استبرأ، و بعدمهما معاً، فيعيد الغسل في صورتين، و لا يجب شيء في صورتين، و يجب الوضوء خاصّةً في صورة، و إنّما ترك تفصيلها؛ لعدم تعلّقها بباب الغسل و إن اقتضاها التقسيم.

و الضابط: أنّ البول مزيل لأجزاء المنيّ، المتخلّفة، و كذا الاستبراء المعهود مع عدم إمكان البول، و الاستبراء بعد البول مزيل لأجزاء البول، و عليه تترتّب الأقسام الخمسة.

و مستند هذه الأقسام (3) أخبار كثيرة:

كرواية سليمان بن خالد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل أجنب فاغتسل قبل أن يبول فخرج منه شيء، قال: «يعيد الغسل» قلت: المرأة يخرج منها بعد الغسل، قال: «لا تعيد» قلت: فما الفرق؟ قال

لأنّ ما يخرج من المرأة إنّما هو من ماء الرجل.

(4)

و عنه (عليه السلام) في رواية حريز في الرجل يخرج من إحليله بعد ما اغتسل شيء، قال

يغتسل و يعيد الصلاة إلا أن يكون قد بال قبل أن يغتسل فإنّه لا يعيد الغسل.

(5)

و دلّ على إعادته الوضوء خاصّةً قوله (عليه السلام) في رواية معاوية بن ميسرة في رجل رأى بعد الغسل شيئاً

إن كان بال بعد جماعه قبل الغُسل فليتوضّأ، و إن لم يَبُل حتى اغتسل ثمّ وجد البلل فليعد الغسل.

(6)

____________

(1) في «ق، م»: «فإنّ».

(2) في «م» أي: لم يلتفت بعد الغسل.

(3) في «ق، م»: «الأحكام» بدل «الأقسام».

(4) الكافي 3: 49/ 1؛ التهذيب 1: 143/ 404، و 148/ 420؛ الاستبصار 1: 118/ 399.

(5) التهذيب 1: 144/ 407؛ الاستبصار 1: 119/ 402، و فيهما: عن حريز عن محمد.

(6) التهذيب 1: 144/ 408؛ الاستبصار 1: 119/ 403.

162

و دلّ على إجزاء الاجتهاد مع عدم التمكّن من البول قوله (عليه السلام) في رواية جميل بن درّاج في الرجل تصيبه الجنابة فينسى أن يبول حتى يغتسل ثمّ يرى بعد الغسل شيئاً أ يغتسل أيضاً؟ قال

لا، قد تعصّرت و نزل من الحبائل.

(1)

و يستفاد حكم القادر على البول من الأخبار الدالّة على أنّ مَنْ لم يَبُل يُعيد الغسل؛ فإنّها تحمل على القادر على البول؛ جمعاً بين الأخبار.

(و) كذا يستحبّ (إمرار اليد على الجسد) حال غسله؛ لما فيه من المبالغة في إيصال الماء إلى البشرة، و هو المعبّر عنه بالدلك.

(و تخليل ما) أي الشيء الذي (يصل إليه الماء) بدون التخليل، كمعاطف الأُذنين و الإبطين و ما تحت ثدي المرأة و الشعر الخفيف.

و المراد بوصول الماء إليه وصوله إلى ما تحته من البشرة، و قد تقدّم الكلام عليه.

(و المضمضة و الاستنشاق) ثلاثاً ثلاثاً بعد غَسل اليدين ثلاثاً من الزندين، و قد تقدّم بيان ذلك كلّه.

(و الغسل بصاع) هو تسعة أرطال بالعراقي، و ستّة بالمدني؛ للحديث المتقدّم في الوضوء، و غيره، و قد اشتمل على النهي عن الزيادة، و أنّ مستقلّة على خلاف سنّتهُ.

و هذا الصاع يتأدّى به واجبات الغسل و مندوباته المتقدّمة و المقارنة، فيكون في قوّة ثلاثة أغسال؛ لاستحباب تثليث الأعضاء.

(و تحرم التولية) في الغسل بصبّ الماء على الجسد و الدلك حيث يحتاج إليه، و نحوه.

(و تكره الاستعانة) فيه بنحو صبّ الماء في اليد ليغسل المكلّف، و نحوه على الوجه الذي تقدّم في الوضوء.

و لا فرق في الكراهة بين كونها قبل النيّة الشرعيّة أو بعدها، بل المعتبر كونها بعد العزم على الغسل أو الوضوء.

و التعبير بالاستعانة و هي طلب الإعانة هنا و في الوضوء يقتضي عدم الكراهة لو أعان مَنْ لم يطلب منه، و الأخبار الدالّة على الكراهة تدفعه، كحديث الوشّاء أنّه أراد الصبّ على الرضا (عليه السلام) فقال: «مه يا حسن» فقلت له: أ تكره أن أُؤجر؟ فقال

تؤجر أنت

____________

(1) التهذيب 1: 145/ 409؛ الاستبصار 1: 120/ 406.

163

و أُوزر أنا؟

و تلا قوله تعالى فَمَنْ كٰانَ يَرْجُوا لِقٰاءَ رَبِّهِ (1)- (2) الآية، فنهيه (عليه السلام) كان عن الإعانة مع عدم سبق الاستعانة. و كذا غيره من الأخبار، فلا فرق في الكراهة بين تقدّم طلب الإعانة و عدمه، لكنّ الاستعانة عبارة الأكثر.

و يمكن أن يقال في شمولها لمطلق الإعانة: إنّ باب «استفعل» قد يأتي لغير طلب الفعل، بل للفعل نفسه ك«استقرّ» و «استعلى» و «استبان» بمعنى «قرّ» و «علا» و «بان» و ك«استيقن» و «استبان» بمعنى «أيقن» و «أبان» فيحمل كلامهم على ذلك.

و ذكر ابن مالك في التسهيل (3) أنّها تأتي للاتّخاذ، ك«استأجر» و يمكن الحمل عليه أيضاً.

و ذكر جماعة (4) من المفسّرين أنّ معنى قوله تعالى اسْتَوْقَدَ نٰاراً (5) معنى «أوقد» فهو حينئذٍ من هذا الباب.

إن قيل: حمله على ذلك يوجب اختصاص الكراهة بالمُعين؛ لأنّه موجد الإعانة، و التكليف إنّما يتوجّه إلى الفاعل.

قلنا: لمّا دلّ النصّ على تعلّق النهي بالمتوضّئ تعيّن صرف الحكم إليه بمعنى أنّه يكره له طلبها ابتداءً و قبولها إن عُرضت عليه؛ لأنّ المصدر لا يتحقّق في الخارج هنا اختياراً إلا مع قبول المتوضّئ و أما المُعين فيمكن دخوله في العبارة أيضاً؛ لأنّه موجد الإعانة حقيقةً، فيتعلّق به الكراهة أيضاً. و لأنّه مُعين على المكروه و قد قال تعالى تَعٰاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوىٰ (6) و مثله البيع بعد النداء يوم الجمعة إذا كان أحدهما غير مخاطب بها.

(و لو أحدث) المغتسل (في أثنائه) أي: أثناء غسل الجنابة، و «ما» في قوله (بما) نكرة موصوفة، أي بحدثٍ (يوجب الوضوء، أعاده) أي: الغسل من رأس على أصحّ الأقوال الثلاثة؛ لأنّ غسل الجنابة يرفع أثر الحدث الأكبر و الأصغر على تقدير وجوده قبل الغسل، فهو مؤثّر تامّ لرفعهما معاً، فكلّ جزء منه مؤثّر ناقص في رفعهما بمعنى أنّ له صلاحيّة التأثير، و لهذا لو أخلّ بلمعة يسيرة من بدنه، لم يرتفع الحدث أصلًا؛ لأنّ كمال التأثير

____________

(1) الكهف (18): 110.

(2) الكافي 3: 69/ 1؛ التهذيب 1: 365/ 1107.

(3) لا يوجد لدينا كتاب التسهيل.

(4) منهم: الشيخ الطوسي في التبيان 1: 86؛ و الطبرسي في مجمع البيان 21: 54؛ و البغوي في معالم التنزيل 1: 52.

(5) البقرة (2): 17.

(6) المائدة (5): 2.

164

موقوف على كلّ جزء من الغسل، فإذا فرض عروض حدث أصغر في أثنائه، فلا بدّ لرفعه من مؤثّر تامّ، و هو إمّا الغسل بجميع أجزائه، كما قرّرناه، أو الوضوء، و الثاني منتفٍ في غسل الجنابة؛ للإجماع على عدم مجامعة الوضوء الواجب له، و ما بقي من أجزاء الغسل ليس مؤثّراً تامّاً لرفعه، فلا بدّ من إعادته من رأس.

و هذا الدليل كما دلّ على وجوب إعادته دلّ على انتفاء القولين الآخرين، و هُما: الاكتفاء بإتمامه خاصّةً، كما اختاره ابن البرّاج و ابن إدريس و الشيخ علي (1)؛ رحمهم اللّه، أو إكماله و الوضوء بعده، كما هب إليه السيّد المرتضى (2)؛ و المحقّق (3)

إن قيل: لانسلّم أنّ الغسل يرفع الحدث الأكبر و الأصغر معاً، بل إنّما يرفع الأكبر المنويّ رفعه، و لهذا لو خلا عن مقارنة الحدث الأصغر، كان رفعه منحصراً في الأكبر، و الأصغر لا أثر له معه.

سلّمنا أنّ له أثراً لكن أثره يرتفع على جهة الاستتباع لأعلى جهة الاستقلال، و إلا لوجب نيّة رفعه؛ لحديث

إنّما لكلّ امرئ ما نوى.

(4)

سلّمنا لكن عدم تأثير ذلك البعض المتقدّم على الحدث الأصغر في رفعه يقتضي وجوب الوضوء للحدث لا إعادة الغسل، و إلا لزم كون الحدث الأصغر من موجبات الغسل؛ لاشتراك الناقض و الموجب في المعنى.

قلنا: لمّا دلّت الأدلّة بل الإجماع على أنّ الأحداث المعدودة سبب في وجوب الطهارة ثبت لها الحكم، سواء تعدّدت أم اتّحدت، و تداخلها مع اتّفاقها أو دخول الأصغر تحت الأكبر كما في الجنابة مع فرض الاجتماع لا يوجب سقوط ما ثبت لها من السببيّة و دلّ عليه الدليل و انعقد عليه الإجماع، فالأصل فيها أن يكون كلّ واحد منها سبباً تامّاً في مسبّبها، و لا معارض لذلك في غسل الجنابة إلا تخيّل الاكتفاء بالغسل لو اجتمع الأكبر و الأصغر أو وجد الأكبر خاصّة، فيقتضي عدم الفرق بين وجود الأصغر و عدمه. و لا حقيقة لهذا الخيال؛ لأنّ التداخل لمّا ثبت للمتساويين قوّةً و ضعفاً كما في اجتماع أحداث كثيرة توجب

____________

(1) جواهر الفقه: 12، المسألة 22؛ السرائر 1: 119؛ جامع المقاصد 1: 276.

(2) حكاه عنه المحقّق في المعتبر 1: 196.

(3) المعتبر 1: 196.

(4) صحيح البخاري 1: 3/ 1.

165

الوضوء و اكتفي بوضوء واحد باعتبار ورود النصّ فيه لم يبعد حينئذٍ دخول الأضعف تحت الأقوى حيث يرد به الشرع أيضاً، كما في غسل الجنابة على تقدير مجامعته للحدث الأصغر.

و من هذا يعلم ضعف استلزام تأثير الأصغر نيّة رفعه في الغسل؛ إذ لا تجب نيّة جميع الأحداث المجتمعة حيث يحكم بتداخلها.

و حديث

إنّما لكلّ امرئ ما نوى؛

(1) لا يقولون به فيما لو اجتمعت أحداث تكفي عنها طهارة واحدة أمّا لتخصيصه بحديث

إذا اجتمعت لله عليك حقوق أجزأك حقّ واحد منها

(2)

إلى آخره، و إمّا لأنّ رفع أحدها يقتضي رفع القدر المشترك بينها؛ لتوقّف الخصوصيّة على رفع الجميع؛ إذ ليس المراد ارتفاع حقيقة الخارج أو الحاصل، بل رفع حكمه، و هو شيء واحد تعدّدت أسبابه، و إذا كان كذلك في المتّفق فلِمَ لا جاز في المختلف مع نيّة رفع الأكبر و الأقوى أو نيّة الاستباحة المطلقة؟ و إنّما لم يكتف بنيّة رفع الحدث الأصغر خاصّة على تقدير حصوله مع الأكبر؛ لعدم دخول الأقوى تحت الأضعف، و لهذا حَكَم جمع بعدم دخول غسل الجنابة و نحوها تحت غسل المستحاضة لغير الانقطاع و المتحيّرة؛ لضعفه باستمرار الحدث مع اشتراكهما في الأكبريّة، بل قيل: إنّ غسل الجنابة يجزئ عن غيره و لا يجزئ غيره عنه؛ لضعفه بافتقار رفع الحدث مطلقاً إلى مجامعة الوضوء، فكان هنا كذلك مع ما بين الحدثين من الاختلاف حكماً و قوّةً؟

و أمّا القول بأنّ اللازم من رفع تأثير ما مضى من الغسل وجوب الوضوء خاصّة لا إعادة الغسل: فقد أشرنا في أول الكلام إلى جوابه بالإجماع على عدم مجامعة الوضوء الواجب لغسل الجنابة، و إلا لم يكن لنا عنه عدول، و لهذا يكتفى بإعادة الوضوء لو عرض الحدث الأصغر في أثناء غسل يجامعه الوضوء على تقدير تقدّمه عليه، أو يكتفى بإكمال الغسل مع الوضوء إن لم يكن تقدّم.

و قد يتخيّل الإعادة هنا و طرد الخلاف بناءً على أنّ كلّ واحد من الغسل و الوضوء مؤثّر ناقص في رفع الحدث مطلقاً بتقريب الدليل المتقدّم.

____________

(1) صحيح البخاري 1: 3/ 1.

(2) الكافي 3: 41 (باب ما يجزئ الغسل منه إذا اجتمع) الحديث 1؛ التهذيب 1: 107/ 279 بتفاوت يسير.

166

و يندفع بمنع ذلك؛ للإجماع على جواز الصوم بالغسل خاصّة مع توقّفه على رفع الحدث الأكبر غير المسّ، و كذا على جواز دخول المساجد و قراءة العزائم و غيرهما ممّا لا يتوقّف جوازه على رفع الحدث الأصغر، و ما يتوقّف على الوضوء كالصلاة و مسّ كتابة القرآن و نحوها يتوقّف على الغسل أيضاً.

و هذا يدلّ على أن الوضوء ليس له صلاحيّة التأثير فيما يتوقّف على الغسل خاصّة هنا، و لا جزءاً من المؤثّر فيه، فعلم منه أنّ حدث الغسل المكمل بالوضوء موجب للوضوء و الغسل معاً، فكان قائماً مقام الأكبر و الأصغر معاً، و كلّ واحد من الغسل و الوضوء الرافعين له منصرف إلى موجبه، لا أنّ لكلّ واحد منهما مدخلًا في رفع كلّ منهما.

و ربما بالغ بعضهم (1) في تعدية حال الإعادة هنا و طرد الخلاف إلى ما لو وقع الحدث الأصغر بعد الغسل قبل الوضوء بناءً على ما قرّرناه من اشتراك الطهارتين في التأثير في الحدثين. و هو باطل قطعاً؛ لما قلناه.

و قوله: إنّ نقض الغسل بهذا الحدث يستلزم كونه موجباً للغسل، ضعيف جدّاً.

أمّا أوّلًا: فلأنّه لم يحصل مسمّى الغسل بعدُ حتى يقال: إنّه نقض الغسل، و إنّما يتمّ ذلك لو كمل، و هو غير المتنازع، و لو فرض لم ينقضه إجماعاً، و إنّما حكم بنقض بعض الغسل، فلا يتمّ المدّعى.

و احتجّ المصنّف على مذهبه من وجوب الإعادة: بأنّ الحدث الأصغر لو تعقّب كمال الغسل أبطل حكم الاستباحة ففي أبعاضه أولى، فلا بدّ من تجديد طهارة لها، و هو الآن جنب؛ إذ لا يرتفع إلا بكمال الغسل، فيسقط اعتبار الوضوء. و هو دليل واضح، و عبارته التي حكيناها هنا منقّحة، و هي عبارته في النهاية. (2)

و قد عبّر في المختلف (3) عن هذا الدليل بلفظٍ لا يخلو ظاهره من مناقشة، و حاصله: أنّ الحدث المذكور لو وقع بعد الغسل بكماله أبطله فأبعاضه أولى بالبطلان، فيعيده.

و أورد عليه بعض المحقّقين منع الصغرى بأنّ الحدث الأصغر لو أبطل الغسل لأوجبه؛

____________

(1) لم نتحقّقه.

(2) نهاية الإحكام 1: 114.

(3) مختلف الشيعة 1: 176، المسألة 123.

167

لاشتراك الناقض و الموجب في الحكم، و منع مساواة ما بعد الإكمال لما قبله؛ لأنّه بعد الإكمال ارتفع الحدث، فأمكن طروء حدثٍ آخر، بخلاف الأثناء، و بأنّ أثر الأصغر إنّما هو الوضوء، فلو سلّم تأثيره، كان اللازم الوضوء خاصّة. (1)

و جواب الأوّل: أنّه عنى بالإبطال إبطال الاستباحة التي هي غايته، و هو استعمال شائع، و قد صرّح به في العبارة التي حكيناها عنه من النهاية.

و قد تقدّم جواب الثاني؛ فإنّ الأصل في الحدث التأثير حيثما وقع، و الاجتزاء بالغسل عنه مع الجنابة؛ للنصّ لا يرفع ما ثبت له من الحكم، و الأصل في الحدث الأصغر إيجاب الوضوء، لكن امتنع هنا؛ للإجماع على عدمه في غسل الجنابة، و قد تقدّم تحقيق ذلك.

و احتجّ في الذكرى بنحو ما ذكرناه، و حاصله: أنّ الحدث لا يخلو عن أثرٍ ما مع تأثيره بعد الكمال، و الوضوء ممتنع في غسل الجنابة. (2)

و زيّفه ذلك المحقّق بأنّ أثر الحدث الأصغر لا يظهر ما دام الأكبر موجوداً، و ما لم يتمّ الغسل فالحدث بحاله. و لو سُلّم فلِمَ لا يكون أثره هنا كأثره قبل الشروع في الغسل. (3)؟

و قد تقدّم جواب هذا التزييف منقّحاً.

قال في الذكرى: و قد قيل: إنّه مرويّ عن الصادق (عليه السلام) في كتاب عرض المجالس للصدوق. (4)

و اعترض (5) بأنّ مثل هذه الرواية لا اعتبار بها في الاستدلال.

و أنت خبير بأنّ الشهيد (رحمه اللّه) لم يخرجها للاستدلال، بل لما كان الظاهر أنّه ليس في المسألة نصّ عن أئمّة الهدى (عليهم السلام).

و ذكر بعض (6) الأفاضل أنّ في الإعادة روايةً في الكتاب المشار إليه ذكره على جهة الإرشاد لأعلى جهة الاستدلال لتحاشيه عن توهّم مثل ذلك، (رحمه اللّه) تعالى.

____________

(1) المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 275.

(2) الذكرى 2: 248.

(3) جامع المقاصد 1: 275.

(4) الذكرى 2: 248.

(5) المعترض هو المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 275.

(6) لم نتحقّقه.

168

[المقصد الثاني في الحيض]

(المقصد الثاني) من المقاصد الأربعة المعقودة لبيان أسباب الغسل (في) بيان ماهيّة (الحيض) و بيان أحكامه الخاصّة به.

[القول في أوصاف دم الحيض]

و هو لغةً: السيل، يقال: حاض الوادي: إذا سال. و بعضهم اعتبر في صدق اسمه القوّة، فأطلقه لغةً على السيل بقوّة. (1) و شرعاً: دم يقذفه الرحم إذا بلغت المرأة ثمّ يعتادها غالباً في أوقات معلومة.

هذا هو الاصطلاح المشهور من انقسام تعريفه إلى اللغوي و الشرعي. و للبحث في ذلك مجال؛ فإنّ الظاهر من كلام أهل اللغة أنّ الحيض قد يطلق لغةً على هذا الدم المخصوص، لا باعتبار سيلانه بقوّة أو بغير قوّة؛ بل يطلق ابتداءً على مصطلح أهل الشرع، فلا يكون بين التعريف اللغوي و الشرعي فرق من حيث الماهيّة.

قال الجوهري: يقال: حاضت المرأة تحيض حيضاً و محيضاً فهي حائض و حائضة، إلى أن قال: و حاضت السمرة حيضاً، و هي شجرة يسيل منها شيء كالدم. (2)

و قد أشار إلى ذلك (3) في المعتبر حيث جرى أوّلًا على ما هو المشهور من أنّه إنّما سُمّي حيضاً من قولهم: حاض السيل: إذا اندفع، فكأنّه لمكان قوّته و شدّة خروجه في غالب أحواله اختصّ بهذا الاسم.

قال: و يجوز أن يكون من رؤية الدم، كما يقال: حاضت الأرنب: إذا رأت الدم.

____________

(1) المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 281.

(2) الصحاح 3: 1073- 1074، «ح ى ض».

(3) في «ق، م»: «هذا» بدل «ذلك».

169

و حاضت السمرة: إذا خرج منها الصمغ الأحمر. (1) انتهى.

و متى ثبت ذلك عن أهل اللغة فهو خير من النقل، كما قرّر في الأُصول.

و يمكن الجواب بأنّ مطلق استعمال أهل اللغة لا يدلّ على الحقيقة؛ فإنّهم يذكرون الحقيقة و المجاز.

سلّمنا، لكن حمله على الحقيقة يوجب الاشتراك، و المجاز خير منه.

و اعلم أنّ الحكمة في الحيض إعداد المرأة للحمل ثمّ اغتذاؤه به جنيناً ثمّ رضيعاً باستحالته لبناً، و من ثَمَّ قلّ حيض الحامل و المرضع على خلافٍ في الأوّل.

أمّا المرضع فالإجماع واقع على إمكانه لها، و هو يؤيّد إمكانه للحامل؛ إذ يمكن فضل الغذاء في الموضعين، مضافاً إلى ما دلّ عليه من الروايات. فإذا خلت المرأة من حملٍ و رضاعٍ، بقي الدم لا مصرف له، فيستقرّ في مكانٍ ثمّ يخرج غالباً في كلّ شهر هلاليّ سبعة أَيّام أو ستّة أو أقلّ أو أكثر بحسب قُرب مزاجها من الحرارة و بُعده عنها، و قد يطول احتباسه و يقصر بحسب ما ركبه اللّه تعالى في طبعها.

و قد عرّفه المصنّف بتعريفٍ حسّيّ بخواصّ يشترك في العلم بها الفقيه و العامّيّ بقوله (و هو في الأغلب) و التقييد بالأغلبيّة؛ للتنبيه على أنّه قد يجيء بخلاف ذلك على خلاف الغالب؛ لما سيأتي أنّ الصفرة و الكدرة في أيّام الحيض حيض، كما أنّ الأسود الحارّ في أيّام الطهر استحاضة (أسود) على حذف الموصوف و إبقاء الصفة، و هو شائع الاستعمال، أي: دم أسود.

و لا يشكل بأنّ الإضمار معيب في التعريفات؛ لأنّ ذلك حيث لا قرينة تدلّ عليه، و هي موجودة هنا، فالدم المحذوف في التعريف بمنزلة الجنس القريب شامل للدماء الثلاثة و غيرها.

و قوله: أسود (حارّ يخرج بحُرقة) بضمّ الحاء، و هي اللذع الحاصل من خروج الدم بدفعٍ و حرارةٍ خاصّة، مركّبة من القيود المذكورة، خرج بها باقي الدماء غير دم الحيض.

و قد استُفيدت هذه الخواصّ من الأخبار، كقول أبي عبد اللّه (عليه السلام)

دم الحيض حارّ تجد له حُرقة.

(2)

____________

(1) المعتبر 1: 197.

(2) الكافي 3: 9291/ 3؛ التهذيب 1: 152151/ 431.

170

و في حديثٍ آخر عنه (عليه السلام)

دم الحيض حارّ عبيط أسود له دفع و حرارة.

(1)

و العبيط بالعين و الطاء المهملتين: الخالص الطريّ.

و ذكر الحرارة في الحديث الثاني مرّتين إمّا للتأكيد، أو أراد بالثانية معنى الحُرقة المذكورة في الحديث الآخر.

و إنّما خصّصنا الثانية بذلك؛ لقرينة الدفع المجاور لها؛ فإنّ الحُرقة كما قدّمنا مسبّبة عنه و عن الحرارة.

و قوله (من) الجانب (الأيسر) جارٍ على المشهور بين الأصحاب، و سيأتي تحقيقه. و على هذا التقدير فهو من جملة الخاصّة المركّبة، فالتعريف حينئذٍ رسميّ؛ لعدم الفصل القريب.

و إنّما قلنا: إنّ القيود المذكورة خاصّة مركّبة لا فصول؛ لأنّ كلّ واحد منها مع كونه من الأعراض اللاحقة للذات أعمّ من المعرّف و فصوله؛ فإنّ الأسود مثلًا أعمّ من الدم المطلوب تعريفه بل من سائر الدماء؛ لتعلّقه بكلّ جسم أسود، و كذلك الحارّ و الخارج بحُرقةٍ و من الأيسر، لكن جميع هذه القيود من حيث الاجتماع مخرجة ما عدا المعرّف.

و كلّ هذا إنّما هو في أغلب أحواله، كما سبق.

(فإن اشتبه) دم الحيض (بالعُذرة) بضمّ العين المهملة و سكون الذال المعجمة، أي: بدم العُذرة على حذف المضاف؛ لأنّ العُذرة هي البكارة لا دمها، وضعت قطنةً بعد أن تستلقي على ظهرها و ترفع رِجْليها ثمّ تصبر هنيئةً ثمّ تُخرجها إخراجاً رفيقاً (فإن خرجت القطنة مطوّقةً) بالدم (فهو) دم (عُذرة، و إلا) أي: و إن لم تخرج القطنة مطوّقةً بل مستنقعةً بالدم (فحيض).

و مستند ذلك روايات عن أهل البيت (عليهم السلام)، لكن في بعضها الأمر باستدخال القطنة من غير تقييد بالاستلقاء، و في بعضها استدخال الإصبع مع الاستلقاء. و طريق الجمع حمل المطلق على المقيّد، و التخيير بين الإصبع و الكرسف إلا أنّ الكرسف أظهر في الدلالة.

و في حديث خلف بن حمّاد عن أبي الحسن الثاني (عليه السلام) في حديثٍ طويل

إنّ هذا الحكم سرّ من أسرار اللّه تعالى، فلا تذيعوه و لا تعلّموا هذا الخلق أُصول دين اللّه، بل ارضوا لهم ما رضي اللّه لهم من ضلال.

(2)

____________

(1) الكافي 3: 91/ 1؛ التهذيب 1: 151/ 429.

(2) الكافي 3: 92- 93/ 1.

171

و المحقّق في المعتبر قطع بالحكم للعُذرة بالتطوّق، و نفى الحكم للحيض بالاستنقاع محتجّا بأنّه محتمل. (1)

و جوابه: منع الاحتمال مع ورود النصّ و الحال أنّه جامع للصفات غير أنّه مشتبه بالعُذرة خاصّة، فلا احتمال حينئذٍ.

(و ما) أي: و الدم الخارج من المرأة و لو على الوجه المتقدّم (قبل) إكمال (التسع) سنين القمريّة لا الشمسيّة (و) الخارج (من) الجانب (الأيمن) على أشهر القولين (و) الخارج (بعد) بلوغ المرأة سنّ (اليأس) من الحيض أو الولد (و) الخارج (أقلّ من ثلاثة) أيّام بلياليها (متوالية) لا في جملة عشرة على أصحّ القولين (و الزائد عن أكثره) أي أكثر الحيض (و) الزائد عن (أكثر النفاس) و سيأتي بيانه (ليس بحيض) خبر «ما» الموصولة، أي: ليس جميع ما ذُكر حيضاً و إن كان بصفة دم الحيض.

أمّا الأوّل: فلما تقدّم من أنّ دم الحيض إنّما خلقه اللّه تعالى لحكمة إعداد الرحم للحمل و تربية الولد حملًا ثمّ رضيعاً، و ذلك كلّه مفقود في الصغيرة التي لم تكمل التسع، و لقول أبي عبد اللّه (عليه السلام) حين سُئل عن حدّها

إذا أتى لها أقلّ من تسع سنين

(2)

فإذا كمل لها تسع سنين أمكن حيضها.

و الإجماعِ نَقَله في المعتبر عن أهل العلم كافّة. (3)

و شرطنا إكمال التسع؛ لعدم صدقها حقيقةً بدونه. و لقوله (عليه السلام)

إذا كمل لها تسع

إلى آخره، فلا يكفي الطعن في التاسعة. و التقييد بالقمريّة؛ لأنّه المتعارف المستعمل شرعاً.

و الأقرب أنّه تحقيق لا تقريب، مع احتماله، فلو قلنا به، فإن كان بين رؤية الدم و استكمال التسع ما لا يسع الحيض و الطهر، كان الدم حيضاً. و لا فرق في ذلك بين البلاد الحارّة و الباردة.

بقي هنا بحث، و هو: أنّ المصنّف (4) و غيره ذكروا أنّ الحيض للمرأة دليل على بلوغها و إن لم يجامعه السنّ، و حكموا هنا بأنّ الدم الذي قبل التسع ليس بحيض، فما الدم المحكوم

____________

(1) المعتبر 1: 198.

(2) الكافي 6: 85/ 4.

(3) المعتبر 1: 199.

(4) قواعد الأحكام 1: 168.

172

بكونه حيضاً حتى يستدلّ به على البلوغ قبل التسع؟

و جَمَع بعض مَنْ عاصرناه بين الكلامين بحمل الدم المحكوم بكونه حيضاً دالا على البلوغ على الحاصل بعد التسع و قبل إكمال العشر.

و تحريره أنّ البلوغ بالسنّ لها قيل بالتسع، و قيل بالعشر، و على القولين لو رأت دماً بشرائط الحيض بعد التسع، حكم بالبلوغ.

و لا يخفى ما في هذا الجمع من البُعد، بل الأولى في الجمع بين الكلامين أنّه مع العلم بالسنّ لا اعتبار بالدم قبله و إن جَمَع صفات الحيض، و مع اشتباهه و وجود الدم في وقت إمكان البلوغ يحكم بالبلوغ، و لا إشكال حينئذٍ.

و أمّا الحكم الثاني و هو أنّ الدم الخارج من الجانب الأيمن ليس بحيض فقد اختلف فيه كلام الأصحاب بسبب اضطراب الرواية.

فذهب الأكثر (1) و منهم المصنّف في جميع كتبه (2) إلى ما ذُكر هنا، و أنّ الخارج من الأيسر حيض، و من الأيمن ليس بحيض.

و ذهب أبو علي ابن الجنيد إلى أنّ الحيض يعتبر من الجانب الأيمن. (3)

و اختلف كلام الشهيد (رحمه اللّه)، ففي بعض (4) كتبه عمل بالأوّل، و في بعضها (5) بالثاني.

و منشأ هذا الاختلاف متن. الرواية.

فروي في الكافي عن محمد بن يحيى رفعه عن أبان، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): فتاة منّا بها قرحة في جوفها و الدم سائل لا تدري من دم الحيض أو من دم القرحة، قال

مُرها فلتستلق على ظهرها و ترفع رِجْليها و تستدخل إصبعها الوسطى، فإن خرج الدم من الجانب الأيمن فهو من الحيض، و إن خرج من الجانب الأيسر فهو من القرحة.

(6)

____________

(1) منهم: الشيخ الصدوق في الفقيه 1: 54؛ و الشيخ الطوسي في النهاية: 24؛ و المبسوط 1: 43؛ و ابن إدريس في السرائر 1: 146.

(2) منها: تحرير الأحكام 1: 13؛ و تذكرة الفقهاء 1: 252؛ و مختلف الشيعة 1: 194، المسألة 140؛ و منتهى المطلب 2: 269؛ و نهاية الإحكام 1: 116.

(3) حكاه عنه المحقّق في المعتبر 1: 199.

(4) البيان: 57.

(5) الدروس 1: 97؛ الذكرى 1: 229.

(6) الكافي 3: 94- 95/ 3.

173

و على هذا المعنى عمل ابن الجنيد.

و أمّا التهذيب: فالذي نقله الشهيد في الذكرى عن كثير من نسخه أنّ الرواية فيه كما في الكافي بلفظها بعينه، (1) و الموجود في بعض نسخة في الرواية بعينها إلى أن قال

فإن خرج الدم من الجانب الأيسر فهو من الحيض، و إن خرج من الجانب الأيمن فهو من القرحة.

(2)

و على هذه النسخة عمل المصنّف، و نقلها في احتجاجه (3) عن التهذيب ساكتاً عليها. و بمضمونها أيضاً أفتى الشيخ في النهاية، (4) و هو يؤيّد صحّتها؛ لأنّ عمله في النهاية إنّما هو على ما صحّ عنده من الرواية.

و اعترضها السيّد جمال الدين ابن طاوُس صاحب البُشرى بعد اعترافه بوجودها في بعض نسخ التهذيب بأنّ ذلك تدليس. (5) و فيه: أنّ التدليس إنّما يكون في الإسناد دون المتن، كما يروي عمّن لقيه و لم يسمع منه مُوهماً أنّه سمع منه، أو يروى عمّن عاصره و لم يلقه مُوهماً أنّه لقيه و سمع منه، فالأسدّ حينئذٍ ما ذكره المحقّق في المعتبر، و الشهيد في الدروس: أنّ الرواية مضطربة، (6) فإنّ الاضطراب كما يكون في الإسناد يكون في المتن.

و اعترض (7) بأنّ الاضطراب إنّما يصدق إذا تساويا، أمّا إذا ترجّح أحدهما بمرجّح فلا، و المرجّح هنا موجود مع رواية الأيسر بأنّه حيض؛ لفتوى الشيخ بمضمونها في النهاية.

قيل: و لا تعارضها رواية محمّد بن يعقوب لها بخلاف ذلك؛ لأنّ الشيخ أعرف بوجوه الحديث و أضبط خصوصاً مع فتوى الأصحاب بمضمونها. (8)

و فيه: الشكّ في كون ذلك ترجيحاً مع ما قد عرفت من أنّ أكثر نُسخ التهذيب موافقة

____________

(1) الذكرى 1: 229.

(2) التهذيب 1: 385- 386/ 1185.

(3) انظر: مختلف الشيعة 1: 194، المسألة 140؛ و منتهى المطلب 2: 269.

(4) النهاية: 24.

(5) حكاه عنه الشهيد في الذكرى 1: 230.

(6) المعتبر 1: 199؛ الدروس 1: 97.

(7) المعترض هو المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 283.

(8) القائل هو المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 284.

174

للكافي، فيعارض مرجّح عمل الشيخ بمضمونها أمران: أحدهما: أكثريّة النسخ بخلافه، و الثاني: مخالفة الكافي، و إذا لم يحصل بهما الترجيح، فلا أقلّ من المساواة الموجبة للاضطراب.

هذا كلّه، مع أنّ الرواية مرسلة أرسلها محمّد بن يحيى عن أبان، فلذلك اطّرحها المحقّق في المعتبر، و قال: إنّ الرواية مقطوعة مضطربة، فلا أعمل بها. (1) فعنده هذه العلامة مطّرحة.

و أُجيب بأنّ عمل الأصحاب بمضمونها و اشتهارها بينهم جابر لوهن إرسالها، و قد اعترف بذلك المحقّقُ في غير موضعٍ من الكتاب.

بقي هنا شيء، و هو: أنّ الرواية مع تسليم العمل بها إنّما دلّت على الحكم للحيض عند اشتباهه بالقرحة لا مطلقاً، و كذلك عبارة أكثر الأصحاب حتى المصنّف في كثير من عباراته، و ظاهره في هذا الكتاب اعتبار الجانب، سواء حصل اشتباه بالقرحة أم لا.

و تظهر الفائدة فيما لو انتفت القرحة و خرج الدم من الجانب المخالف بأوصاف الحيض و شرائطه، فإنّ مقتضى الرواية و كلام الجماعة أنّه حيض؛ لإمكانه.

و يمكن حمل كلام مَنْ أطلق الحكم على ذلك نظراً إلى المستند، مع أنّ النظر لا يأبى الإطلاق؛ لأنّ الجانب إن كان له مدخل في حقيقة الحيض، وجب اطّراده، و إلا فلا.

لكنّ الوقوف على ظاهر النصّ و كلام الأكثر يقتضي تخصيص مدخليّته بمصاحبة القرحة.

و بالجملة، فللتوقّف في هذه المسألة وجه واضح، و إن كان و لا بدّ فالعمل بما (2) عليه الأكثر، و هو الحكم للحيض بخروجه من الجانب الأيسر.

و أمّا الحكم الثالث و هو أنّ الخارج بعد سنّ اليأس لا يكون حيضاً فممّا لا خلاف فيه بين أهل العلم، كما نقله المحقّق في المعتبر، (3) مضافاً إلى ذلك ما دلّ عليه من الأخبار و إن اختلف في تقديره، و سيأتي الكلام فيه.

و أمّا الرابع و هو اشتراط عدم قصوره عن ثلاثة أيّام متوالية فعليه إجماع أصحابنا

____________

(1) المعتبر 1: 199.

(2) في الطبعة الحجريّة: «فالعمل على ما».

(3) المعتبر 1: 199.

175

و بعض مَنْ خالفنا، كأبي حنيفة. (1)

و مستنده روايات من طرقنا و طرقهم.

و لفظ الأخبار «ثلاثة أيّام (2)» و الليالي معتبرة فيها إمّا لكونها داخلةً في مسمّاها بناءً على أنّ «اليوم» اسم للّيل و النهار، أو للتغليب، و قد صرّح بدخولها في بعض (3) الأخبار و في عبارة بعض الأصحاب (4) و ادّعى المصنّف في المنتهي عليه الإجماع. (5)

و أمّا قيد التوالي: فعليه الأكثر، (6) و خالف فيه الشيخ في النهاية، (7) و اكتفى بحصولها في جملة عشرة؛ استناداً إلى رواية (8) مَنَع من العمل بها شذوذُها و إرسالُها، فالعمل على ما عليه الأكثر، و دلّ عليه ظاهر النصّ من اعتبار الثلاثة من غير تقييد.

لكن ما المراد من التوالي؟ ظاهر النصّ الاكتفاء بوجوده في كلّ يوم من الثلاثة و إن لم يستوعبه؛ لصدق رؤيته ثلاثة أيّام؛ لأنّها ظرف له، و لا تجب المطابقة بين الظرف و المظروف، و هذا هو الظاهر من كلام المصنّف.

و ربما اعتبر مع ذلك في تحقّقه أن تتّفق ثلاثة دماء و ما بينها في ثلاثة أيّام من غير زيادة و لا نقصان، فيعتبر في ذلك أنّها إذا رأته في أوّل جزء من أوّل ليلة من الشهر، تراه في آخر جزء من اليوم الثالث بحيث يكون عند غروبه موجوداً، و في اليوم الوسط يكفي أيّ جزء كان منه.

و ربما بالغ بعضهم، فاعتبر فيه الاتّصال في الثلاثة بحيث متى وضعت الكرسف تلوّث به

____________

(1) الهداية للمرغيناني 1: 30؛ بدائع الصنائع 1: 40؛ المبسوط للسرخسي 3: 147؛ حلية العلماء 1: 281؛ المجموع 2: 380؛ العزيز شرح الوجيز 1: 291؛ المغني و الشرح الكبير 1: 354.

(2) الكافي 3: 75 (باب أدنى الحيض ..) الحديث 2، و 76/ 5؛ علل الشرائع 1: 338/ 1، الباب 217؛ الخصال 2: 606؛ التهذيب 1: 158157/ 452.

(3) سنن ابن ماجة 1: 204/ 623؛ سنن أبي داوُد 1: 71/ 274؛ سنن النسائي 1: 120 و 182؛ سنن البيهقي 1: 493/ 1576 و 1577.

(4) كما في جامع المقاصد 1: 287؛ و انظر: المعتبر 1: 202 حيث حكى عن ابن الجنيد قوله في مختصره: أقلّه ثلاثة أيّام بلياليها.

(5) منتهى المطلب 2: 279.

(6) منهم: ابنا بابويه كما في الفقيه 1: 50؛ و الشيخ الطوسي في المبسوط 1: 42؛ و أبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 128؛ و ابن حمزة في الوسيلة: 56 و 57؛ و ابن إدريس في السرائر 1: 145.

(7) النهاية: 26.

(8) الكافي 3: 76/ 5؛ التهذيب 1: 157- 158/ 452.

176

في جميع أجزائها، و قد صرّح بهذا الاعتبار الشيخ جمال الدين بن فهد في المحرّر، (1) و المحقّق الشيخ علي في الشرح، و زاد فيه أنّ الاكتفاء بحصوله فيها في الجملة رجوع إلى ما ليس له مرجع. (2)

و أمّا الحكم الخامس و السادس و هو أنّ الزائد عن أكثره و أكثر النفاس ليس بحيض فالوجه في الأوّل ظاهر، و في الثاني ما هو مقرّر من أنّ النفاس حيض محتبس، و من ثَمَّ شاركه في معظم الأحكام، و لا بدّ من تخلّل عشرة هي أقلّ الطهر بين النفاس و الحيض ليكون ما قبله و ما بعده حيضاً أو كالحيض، و إنّما جمع بين الأمرين مع اشتراكهما في العلّة و رجوع الثاني إلى الأوّل؛ لافتراقهما اسماً و حكماً من حيث الجملة، فلا يلزم حينئذٍ من نفي كون الزائد عن أقصى مدّة الحيض حيضاً نفي كون الزائد عن أقصى مدّة النفاس حيضاً.

و لمّا حكم بأنّ الخارج بعد سنّ اليأس لا يكون حيضاً أراد أن يبيّن السنّ الذي تصير به المرأة يائسةً، فقال (و تيأس) المرأة (غير القرشيّة) و هي المنسوبة إلى قريش بأبيها خاصّة على المشهور. و احتمال الاكتفاء بالأُمّ هنا أرجح من غيره في نظائره؛ لأنّ للأُمّ مدخلًا شرعيّاً في لحوق حكم الحيض في الجملة بسبب تقارب الأمزجة، و من ثَمَّ اعتبرت الحالات و بناتهنّ في المبتدأة، كما سيأتي. و المراد ب«قريش» القبيلة المتولّدة من النضر بن كنانة بن خزيمة، و جلّ هذه القبيلة الهاشميّون (و النبطيّة) و هي المنسوبة إلى النبط، و هُم على ما ذكره في الصحاح: قوم ينزلون بالبطائح بين العراقين. قال: و في كلام أيّوب بن القِرّيّة أهل عمان عرب استنبطوا، و أهل البحرين نبيط استعربوا ( (3) ببلوغ) أي: بإكمال (خمسين) سنة هلاليّة، فلا يكفي الطعن في السنة الأخيرة؛ فإنّ الاعتبار هنا تحقيق لا تقريب (و إحداهما) أي: القرشيّة و النبطيّة (ب) بلوغ (ستّين) سنة، و هذا التفصيل هو المشهور.

و مستنده في غير النبطيّة صحيحة ابن أبي عمير عن الصادق (عليه السلام)

إذا بلغت المرأة خمسين سنة لم تر حمرة إلا أن تكون امرأةً من قريش.

(4)

____________

(1) المحرّر (ضمن الرسائل العشر): 140.

(2) جامع المقاصد 1: 287- 288.

(3) الصحاح 3: 1162، «ن ب ط».

(4) الكافي 3: 107/ 3؛ التهذيب 1: 397/ 1236.

177

و ما ورد في بعض الأخبار من إطلاق الحكم بالستّين و الخمسين (1) مقيّد بهذا التفصيل؛ جمعاً بين الأخبار.

و حكم المصنّف في المنتهي (2) بالإطلاق الأوّل و الشيخ في النهاية (3) بالثاني، و التفصيل طريق الجمع، مع أنّ في طريق خبر الستّين ضعفاً.

و ما يوجد في بعض القيود من الحكم باليأس بالخمسين بالنسبة إلى العبادة مطلقاً و بالستّين بالنسبة إلى العدّة مطلقاً ليس له مرجع يجوز الاعتماد عليه و لا فقيه يعوّل على مثله يستند إليه. و اشتماله على نوع من الاحتياط غير كافٍ في الذهاب إليه، و ربما استلزم نقيض الاحتياط في بعض موارده.

و أمّا النبطيّة: فذكرها المفيد روايةً، (4) و تبعه جماعة (5) بحيث صار إلحاقها بالقرشيّة هو المشهور، لكن لم يوجد بها خبر مسند، و من ثَمَّ تركها المحقّق في المعتبر، و خصّ الحكم بالقرشيّة. (6)

و استوجه المحقّق الشيخ علي إلحاقها بها مستنداً مع الشهرة إلى أنّ الأصل عدم اليأس، فيقتصر فيه على موضع الوفاق، و الاحتياط في بقاء الحكم بالعدّة و توابع الزوجيّة؛ استصحاباً لما كان؛ لعدم القطع بالمنافي. (7)

و أنت خبير بأنّ هذا الأصل قد انتفى بما ورد من النصوص الدالّة على الحكم إمّا بالتفصيل القاطع للشركة أو بالإطلاق المتقدّم. و الاحتياط المذكور يُعارَض بمثله؛ فإنّ الحكم بصحّة الرجعة و لحوق أحكام الزوجيّة مع وجود الدليل الدالّ على نفيهما يوجب التهجّم على الفروج و الأموال بما لا يصلح سنداً. و الاستصحاب المدّعى قد انقطع بالدليل.

بقي هنا شيء، و هو: أنّك قد علمت أنّ المراد بالقرشيّة من انتسبت إلى النضر بن كنانة، فهي حينئذ أعمّ من الهاشميّة، فكلّ امرأة علمت انتسابها إليه أو انتفاءها عنه

____________

(1) الكافي 3: 107/ 2 و 4؛ التهذيب 1: 397/ 1235 و 1237.

(2) منتهى المطلب 2: 272.

(3) النهاية: 516.

(4) المقنعة: 532.

(5) منهم: ابن حمزة في الوسيلة: 56؛ و الشهيد في الدروس 1: 97.

(6) المعتبر 1: 199.

(7) جامع المقاصد 1: 285- 286.

178

فحكمها واضح. و مَن اشتبه نسبها كما هو الأغلب في هذا الزمان من عدم العلم بنسب غير الهاشميّين غالباً فالأصل يقتضي عدم كونها قرشيّةً.

و الاحتياط الذي ذكره الشيخ المحقّق يوجب إلحاقها بها.

و قد عرفت أنّ الاحتياط لا يسلم في جهة واحدة، فالأخذ بالأصل متعيّن.

و إن حصل الاتّفاق من الزوجين على الاحتياط بأن تتعبّد فيما بين الخمسين و الستّين في أيّام الدم المحتمل كونه حيضاً، و تعتدّ بالأشهر إن طابقت الأطهار المحتملة، و إلا فأكثر الأمرين، و لا يراجعها الزوج في هذه العدّة، إلى غير ذلك من الأحكام كان حسناً، و حينئذٍ يتمشّى ذلك في النبطيّة، و في تمشّيه حينئذٍ في التفصيل المتقدّم المزيّف بالنسبة إلى القرشيّة نظر.

(و أقلّه) أي: الحيض (ثلاثة أيّام) و الأخبار من طرقنا على ذلك متظافرة، مضافاً إلى إجماعنا، و رواه العامّة عن واثلة بن الأسقع و أبي أمامة الباهلي أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال

أقلّ الحيض ثلاثة أيّام و أكثره عشرة أيّام.

(1)

(متواليات) فلا يكفي كونها في جملة عشرة، خلافاً للشيخ في أحد قوليه و ابن البرّاج. (2)

و قد عرفت أنّ مستندهما رواية مرسلة، فلا تكون حجّةً مزيلة لحكم الأصل، و هو عدم الحيض. و لأنّ العبادة ثابتة في الذمّة بيقين، فلا يسقط التكليف إلا مع تيقّن السبب.

و على هذا القول لو رأت الأوّل و الخامس و العاشر، فالثلاثة حيض لا غير. فإذا رأت الدم يوماً و انقطع، فإن كان يغمس القطنة، وجب الغسل؛ لأنّه إن كان حيضاً، فقد وجب الغسل؛ للحكم بأن أيّام النقاء طهر، و إن لم يكن حيضاً، فهو استحاضة. و الغامس منها يوجب الغسل، و إن لم يغمسها، وجب الوضوء خاصّة؛ لاحتمال كونه استحاضةً، فإن رأته مرّة ثانية يوماً مثلًا و انقطع، فكذلك، فإذا رأته ثالثة في العشرة، تبيّن (3) أنّ الأوّلين حيض، و تبيّن بطلان ما فَعَلَت بالوضوء؛ إذ قد تبيّن أنّ الدم حيض يوجب انقطاعه الغسل، فلا يجزئ عنه الوضوء. و لو اغتسلت للأوّلين احتياطاً، ففي إجزائه نظر.

____________

(1) سنن الدارقطني 1: 219218/ 6159؛ المعجم الكبير للطبراني 8: 129/ 7586.

(2) النهاية: 26؛ المهذّب 1: 34.

(3) في «ق» و الطبعة الحجريّة: «ثبت» بدل «تبيّن».

179

(و أكثره عشرة) أيّام باتّفاقنا، فما زاد عن ذلك ليس بحيض قطعاً.

و ما ورد في بعض (1) الأخبار من كون أكثره ثمانية إمّا مطّرح؛ لشذوذه، أو محمول على مَنْ تكون عادتها ذلك و تعبر رؤيتها العشرة.

و (هي) أي: العشرة (أقلّ الطهر) باتّفاقنا، و للنصّ. (2) و لا حدّ لأكثره، خلافاً لأبي الصلاح حيث حدّه بثلاثة أشهر. (3)

و ادّعى المصنّف على الأوّل الإجماع، و حَمَلَ قول أبي الصلاح على الغالب. (4)

و الحقّ: أنّ دعوى الإجماع هنا لا تتوقّف على حمل كلام أبي الصلاح؛ لأنّ المنقول منه بخبر الواحد حجّة، و مخالفة معلوم النسب لا تقدح فيه.

و معنى حمله على الغالب عدم زيادته على الثلاثة غالباً، لا أنّ الغالب كونه ثلاثةً، فإنّ الأغلب كون الستّة و السبعة في الشهر الهلالي حيضاً و باقيه طهراً.

(و ما) أي: و العدد الذي (بينهما) أي: بين الثلاثة و العشرة يجوز أن يكون حيضاً، فيحكم به (بحسب العادة) المستقرّة بما أشار إليه بقوله (و تستقرّ) أي: العادة (بشهرين متّفقين) في حصول الحيض فيهما (عدداً) أي: في عدد أيّام الحيض (و وقتاً) أي: في وقت حصوله، فإذا وقع في الشهر الأوّل في السبعة الأُولى و وقع في السبعة الاولى من الشهر الثاني، فقد استقرّت العادة عدداً و وقتاً، فإذا رأت في أوّل الثالث، تحيّضت برؤيته، و لو تجاوز العشرة، رجعت إلى ما استقرّ لها من العدد.

و لو رأت الدم الثالث في آخر الشهر الثاني، تحيّضت بالعدد أيضاً مع عبوره العشرة، لكن هذه تستظهر بثلاثة في أوّله وجوباً أو استحباباً؛ لتقدّمه على وقت العادة، كما سيأتي إن شاء اللّه.

و قد علم من ذلك أنّه لا يشترط في استقرار العادة استقرار عادة الطهر، خلافاً للشهيد (رحمه اللّه)؛ فإنّه اشترط في الذكرى (5) استقرار عادة الطهر في تحقّق العادة عدداً و وقتاً،

____________

(1) التهذيب 1: 157/ 450؛ الإستبصار 1: 131/ 451.

(2) الكافي 3: 76/ 4 و 5؛ التهذيب 1: 158157/ 451 و 452؛ الاستبصار 1: 131/ 452.

(3) الكافي في الفقه: 128.

(4) تذكرة الفقهاء 1: 257 و 259، الفرع الثالث و الرابع؛ مختلف الشيعة 1: 193، المسألة 139.

(5) الذكرى 1: 232.

180

فبدونه يستقرّ العدد لا غير، فحينئذٍ تستظهر برؤية الدم الثالث إلى ثلاثة و إن كان في وقت المتقدّم بناءً على استظهار المبتدأة و المضطربة. و لو عبر العشرة، رجعت إلى العدد قطعاً.

و إنّما اشترط في تحقّقها الشهران و لم يكتف بالرؤية مرّة واحدة؛ لأنّ العادة مأخوذة من المعاودة و لا تحصل بالمرّة الواحدة، و لا تطلق إلا مع التكرار.

و لقوله (عليه السلام): (صلّى اللّه عليه و آله)

دعي الصلاة أيّام أقرائك

(1)

أو

تحيّضي أيّام أقرائك

(2)

و أقلّ ما يراد بهذه اللفظة اثنان أو ثلاثة لكنّ الثلاثة منفيّة بالاتّفاق.

و لقول الصادق (عليه السلام)

فإن انقطع لوقته من الشهر الأوّل حتى توالت عليه حيضتان أو ثلاث فقد علم أنّ ذلك صار لها وقتاً و خلقاً معروفاً.

(3)

و روى سماعة قال: سألته عن الجارية البكر أوّل ما تحيض يختلف عليها، قال

تجلس و تدع الصلاة ما دامت ترى الدم ما لم تجز العشرة، فإذا اتّفق شهران عدّة أيّام سواء فتلك عادتها.

(4)

(5) و ما ذكره المصنّف (رحمه اللّه) من استقرار العادة باتّفاق الوقت و العدد ليس على جهة الانحصار، بل هو أحد أقسام العادة و أنفعها.

و لو فرض اختلاف الوقت مع اتّفاق العدد كما لو رأت في أوّل شهرٍ خمسةً و في وسط الثاني خمسةً استقرّت عادتها عدداً، فإذا رأت في شهر ثالث دماً و عَبَر العشرة، تحيّضت بالخمسة المستقرّة، لكن هذه تستظهر في أوّله؛ لعدم استقرار الوقت، بناءً على استظهار المضطربة.

و لو انعكس الفرض بأن استقرّ لها الوقت دون العدد كما لو رأت سبعةً أوّل شهر و ثمانيةً في أوّل الثاني تحقّقت العادة بالنسبة إلى الوقت، فتترك العبادة برؤية الدم في الثالث في الوقت، لكن هل تكون مضطربةً بالنسبة إلى العدد فتتحيّض بثلاثة، أو يثبت لها أقلّ العددين؛ لتكرّره؟ وجهان، اختار ثانيهما المصنّف في النهاية، (6) و الشهيد في

____________

(1) الكافي 3: 83 88/ 1؛ التهذيب 1: 384381/ 1183.

(2) أورده المحقّق في المعتبر 1: 212.

(3) المصدر في الهامش (1).

(4) في المصدر: «أيّامها».

(5) الكافي 3: 79/ 1؛ التهذيب 1: 380/ 1178.

(6) نهاية الإحكام 1: 144.

181

الذكرى، (1) و أوّلهما الشيخ علي (2) (رحمه اللّه)؛ لعدم صدق الاستواء و الاستقامة. و هو أجود.

إذا تقرّر ذلك، فما المراد بالشهر المعتبر في تحقّق العادة؟ هل هو الهلالي كما هو الشائع في الاستعمال، المتبادر إلى الأفهام، الغالب وقوع الحيض فيه مرّة واحدة للنساء؟ أم ما يمكن أن يفرض فيه حيض و طهر صحيحين، المعبّر عنه بشهر الحيض؟ الذي صرّح به المصنّف في النهاية هو الثاني، قال فيها بعد قوله: و تثبت العادة بتوالي شهرين ترى فيها الدم أيّاماً سواء: و المراد بشهرها المدّة التي لها فيها الحيض و طهر، و أقلّه عندنا ثلاثة عشر يوماً. (3)

و هكذا نقّحه ولده فخر المحقّقين (4) على هذه العبارة و نظائرها، و كتبه الشهيد (5) (رحمه اللّه) على قواعده ناقلًا له عنه.

و عبارات الأصحاب محتملة لهما و إن كان فهم الشهر الهلالي من الإطلاق أغلب.

و يرجّح اعتبار الهلالي أيضاً أنّ اتّفاق الوقت بدمين فيما دونه لا يتّفق إلا مع تكرّر الطهر، و هو خروج عن المسألة، لكن قبل تكرّر الطهر تثبت العادة بالعدد خاصّة، فترجع في الثالث إليه مع عبوره العشرة بعد احتياطها بالصبر ثلاثة في أوّله.

و فرّع المحقّق الشيخ علي (رحمه اللّه) على اختياره إرادةَ الشهر الهلالي أنّ العادة الوقتيّة لا تحصل إلا بالشهرين الهلاليّين محتجّاً بأنّ الشهر في كلام النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و الأئمّة (عليهم السلام) إنّما يحمل على الهلالي نظراً إلى أنّه الأغلب في عادات النساء و في الاستعمال.

قال: فلو رأت ثلاثة ثمّ انقطع عشرة ثمّ رأت ثلاثة ثمّ انقطع عشرة ثمّ رأته و عبر العشرة، فلا وقت لها؛ لعدم تماثل الوقت باعتبار الشهر. (6)

و فيما ذكره نظر؛ لأنّ تكرّر الطهر يحصّل الوقت كما قلناه، و قد صرّح بذلك في المعتبر و الذكرى، و حكاه فيه عن المبسوط و الخلاف ناقلًا عبارتهما في ذلك. (7)

و احتجاجه بأنّ الشهر في كلامهم (عليهم السلام) يحمل على الهلالي إنّما يتمّ لو كان في النصوص

____________

(1) الذكرى 1: 232.

(2) جامع المقاصد 1: 304 305.

(3) نهاية الإحكام 1: 142 و 143.

(4) نسبه إليهما المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 293؛ و انظر: الحاشية النجاريّة، الورقة 15.

(5) نسبه إليهما المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 293؛ و انظر: الحاشية النجاريّة، الورقة 15.

(6) جامع المقاصد 1: 294.

(7) المعتبر 1: 217؛ الذكرى 1: 232؛ و انظر: المبسوط 1: 47؛ و الخلاف 1: 239، المسألة 206.

182

المقيّدة الدالّة على العادة ذِكرُ الشهر، و قد بيّنّا في أوّل المسألة حكايتها خاليةً من ذكر الشهر فيما عدا الحديثين الأخيرين، و في الاحتجاج بهما إشكال؛ لضعف أوّلهما بالإرسال، و ثانيهما بجرح سماعة و انقطاع خبره.

[القول في أحكام الحائض]

(و الصفرة و الكدرة) بحذف المضاف و إقامة اسم المصدر مقامه، أي: و الدم ذو الصفرة، و هي لون الأصفر، و ذو الكدرة، و هي ضدّ الصفاء على ما ذكره الجوهري، (1) الواقعتين (في أيّام الحيض) يحكم بأنّهما (حيض).

و المراد بأيّام الحيض ما يحكم على الدم الواقع فيها بأنّه حيض، سواء كانت أيّام العادة أم غيرها، فتدخل المبتدأة و مَنْ تعقّب عادتها بعد أقلّ الطهر.

و ضابطه ما أمكن كونه حيضاً.

و ربما فُسّرت بأيّام العادة. و النصوص دالّة بعمومها على الأوّل.

(كما أنّ) الدم (الأسود الحارّ) الواقع (في أيّام الطهر) يحكم بأنّه (فساد) أي: استحاضة.

و إنّما سمّاها فساداً؛ لأنّها مرض مخصوص، بخلاف الحيض؛ فإنّه دالّ على اعتدال المزاج، و من ثَمَّ كان عدم الحيض في الجارية ستّة أشهر ممّن شأنها ذلك عيب تُردّ به. و لم تحدّ المستحاضة إذا وجب عليها الحدّ حتى تبرأ.

و إنّما حكم بذلك مع مخالفتهما لأوصاف الدم، الملحقين به؛ لأنّ تلك الأوصاف مبنيّة على الغالب، كما تقدّم.

و عبّر بالمصدر في الشقّ الأوّل دون الثاني؛ للفرق بين ما ورد في لفظ الرواية و ما أكمله المصنّف من لفظه.

قال الصادق (عليه السلام)

السنّة في الحيض أن تكون الصفرة و الكدرة فما فوقها في أيّام الحيض إذا عرفت حيضاً كلّه.

(2)

و اعلم أنّ الدم المحكوم بكونه حيضاً متى انقطع على العشرة فما دون حكم بكونه حيضاً كلّه، سواء في ذلك من ابتدأ بها الحيضُ و المعتادة بأقسامها و المضطربة العادة.

(و لو تجاوز الدم عشرة) أيّام، فقد امتزج الحيض بالطهر؛ لما علمت من أنّ الحيض

____________

(1) الصحاح 6: 2401؛ «ص ف ا».

(2) الكافي 3: 83 86/ 1؛ التهذيب 1: 381- 382/ 1183.

183

لا يزيد عن عشرة، فلا يخلو حينئذٍ إمّا أن تكون مبتدأةً أو ذات عادة مستقيمة محفوظة أو مضطربة ناسية لعادتها وقتاً و عدداً أو وقتاً خاصّة أو عدداً خاصّة أو لم تستقر لها عادة أصلًا، و ربما خصّت هذه خاصّة باسم المضطربة، و سيأتي أنّها داخلة في قسم المبتدأة.

و على التقادير الستّة فإمّا أن يكون لها تمييز أو لا، فالأقسام اثنا عشر تُعلم مفصّلةً إن شاء اللّه.

فإن كانت ذات عادة محفوظة (رجعت ذات العادة المستقرّة إليها).

و معنى رجوعها إليها أن تجعل مقدار العادة حيضاً و ما زاد استحاضة، فتقضي ما تركته فيه من صوم و صلاة؛ لثبوت كونها طاهرةً فيه، و ما احتملته من كونه حيضاً قد تبيّن فساده.

و يستفاد من إطلاق الحكم برجوع ذات العادة إليها مع تقديمها و جَعلها قسيمةً لرجوع ذات التمييز إليه أنّه لو عارض العادة تمييز، قدّمت العادة عليه. و هذا هو أصحّ القولين و أشهرهما و مختار المصنّف. (1)

و مستنده الأخبار الدالّة على اعتبار العادة مطلقاً من غير تقييد بانتفاء التمييز.

كقوله (عليه السلام)

دعي الصلاة أيّام أقرائك.

(2)

و قول الصادق (عليه السلام) في صحيحة إسحاق بن جرير (3) حيث سأله (4) عن امرأة يستمرّ بها الدم الشهر و الشهرين و الثلاثة كيف تصنع؟ قال

تجلس أيّام حيضها ثمّ تغتسل لكلّ صلاتين

(5)

و ترك الاستفصال مع قيام الاحتمال يدلّ على العموم في المقال.

و رجّح الشيخ في النهاية التمييز (6)؛ لقول الصادق (عليه السلام) في صحيح معاوية بن عمّار

دم الحيض حارّ.

(7)

و قوله (عليه السلام) في حسنة حفص

دم الحيض حارّ عبيط أسود له دفع و حرارة

(8)

و هو دالّ

____________

(1) مختلف الشيعة 1: 206، المسألة 147؛ نهاية الإحكام 1: 142.

(2) الكافي 3: 83- 88/ 1، التهذيب 1: 381- 384/ 1183.

(3) في التهذيب: إسحاق بن جرير عن حريز.

(4) السائل في المصدر هي امرأة.

(5) الكافي 3: 9291/ 3؛ التهذيب 1: 152151/ 431.

(6) حكاه عنه المحقّق في المعتبر 1: 212؛ و انظر: النهاية: 24.

(7) الكافي 3: 91/ 2؛ التهذيب 1: 151/ 430.

(8) الكافي 3: 91/ 1؛ التهذيب 1: 151/ 429.

184

على اعتبار التمييز من غير تقييد.

و حَملُ هذه الأخبار على غير المعتادة طريق الجمع بينها و بين ما دلّ على اعتبار العادة مطلقاً. و لقوّة العادة المتكرّرة.

و لا يقال: إنّ صفة الدم علامة فتصير إليها عند الاشتباه، كالصفة في المنيّ عنده؛ لأنّ صفة الدم يسقط اعتبارها في العادة؛ لأنّها أقوى من الوصف.

و لرواية محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في المرأة ترى الصفرة في أيّامها، قال

لا تصلّي حتى تنقضي أيّامها، فإن رأت الصفرة في غير أيّامها توضّأت و صلّت.

(1)

و ربّما فرّق بعضهم بين العادة المستفادة من الأخذ و الانقطاع، و المستفادة من التمييز، فقدّم الاولى عليه دون الثانية؛ لأنّها فرعه فلا تزيد على أصله. (2)

هذا كلّه مع عدم إمكان الجمع، أمّا لو أمكن كما لو تخلّل بينهما من الدم الضعيف أقلّ الطهر حكم به في العادة و التمييز؛ لإمكانه، نصّ عليه المصنّف في النهاية، (3) و نبّه عليه في الذكرى. (4)

(و) لو لم تكن ذات عادة مستقرّة محفوظة، بل كانت أحد الأقسام الأُخر، فلا يخلو إمّا أن يكون لها تمييز أولا، فإن كان لها تمييز، رجعت (ذات التمييز إليه).

و التمييز مصدر قولك: ميّزت الشيء أُميّزه تمييزاً: إذا فرزته و عزلته.

و المراد بها هنا التي ترى الدم على نوعين أو أنواع أحدها أقوى فتجعله حيضاً و الباقي استحاضةً.

و له (5) شروط: اختلاف صفته، كما قلناه، فلو كان بصفة واحدة، فلا تمييز. و كون ما هو بصفة الحيض أو الأقرب إليه لا ينقص عن ثلاثة أيّام و لا يزيد عن عشرة أيّام؛ لأنّ إلحاقه به يوجب ذلك. و كون الضعيف لا ينقص عن أقلّ الطهر، و يضاف إليه أيّام النقاء إن اتّفق؛ لأنّ جَعلَ القويّ حيضاً يوجب جَعل الضعيف طهراً؛ لأنّه مقابله.

____________

(1) الكافي 3: 78/ 1؛ التهذيب 1: 396/ 1230.

(2) المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 301.

(3) نهاية الإحكام 1: 141- 142.

(4) الذكرى 1: 240239.

(5) أي: و للتمييز.

185

و ربما احتمل هنا عدم الاشتراط؛ لعموم قول النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) (صلّى اللّه عليه و آله)

دم الحيض أسود يعرف.

(1)

و بالاشتراط جزم المصنّف في النهاية. (2)

و لا يشترط في التمييز التكرار؛ لأنّه علامة، فيكفي حصولها" بخلاف العادة.

و هل يشترط في الدم المحكوم بكونه حيضاً أن يتوالى الوصف المجعول علامةً ثلاثة بحيث لا يتخلّلها وصف ضعيف، أو يكفي وجود القويّ في كلّ يوم من الثلاثة و لو لحظة؟ يبنى على ما سلف من تفسير التوالي.

و تعتبر القوّة و الضعف بثلاثة: اللون، فالأسود قويّ الأحمر، و هو قويّ الأشقر، و هو قويّ الأصفر، و هو قويّ الأكدر. و الرائحة، فذو الرائحة الكريهة أقوى ممّا لا رائحة له، هكذا عبّر المصنّف عنه في النهاية، (3) و مثله في الموجز. (4)

و لو كان أحدهما أنتن رائحةً من الآخر، فالظاهر قوّته عليه، لكنّه لا يدخل فيما حكيناه من العبارة. (5) و القوام، فالثخين قويّ الرقيق.

و لا يشترط في القوّة اجتماع صفاته، فذو الثلاث أقوى من ذي الاثنتين، و هو أقوى من ذي الواحدة، و هو أقوى من العادم.

و لو استوى العدد و إن كان مختلفاً، فلا تمييز.

و قد يتّفق لذات التمييز ترك العبادة شهراً متوالياً فما زاد بأن ترى الأحمر عشرةً، فإنّها تجلس فيها؛ لإمكان كونه حيضاً، أو بعد الثلاثة على تقدير الاستظهار، ثمّ ترى بعده أقوى منه عشرةً، فتجلس الأقوى، و تبيّن أنّ الأوّل استحاضة، ثمّ ترى بعده أقوى منهما، و هكذا.

قال في المعتبر: و لو قيل هنا: تحتاط إذا تجاوزته من أوّل الدم عشرة بالصلاة و الصوم، فإن انقطع الأسود على عشرة فما دون، فهو حيض، و قضت الصوم، كان حسناً. (6)

و يستفاد من إطلاق رجوع ذات التمييز إليه و جَعله قسيماً للمعتادة أنّ المضطربة إذا

____________

(1) الكافي 3: 8683/ 1؛ التهذيب 1: 383381/ 1183؛ سنن أبي داوُد 1: 75/ 286؛ سنن النسائي 1: 185؛ سنن الدارقطني 1: 207206/ 3؛ سنن البيهقي 1: 483 484/ 1551.

(2) نهاية الإحكام 1: 135.

(3) نهاية الإحكام 1: 135.

(4) الموجز (ضمن الرسائل العشر): 44.

(5) في «ق» و الطبعة الحجريّة: «القوم» بدل «العبارة».

(6) المعتبر 1: 206.

186

ذكرت العدد خاصّةً أو الوقت خاصّةً و وجدت تمييزاً في بعض أيّام الشهر، تحيّضت به.

و لا بُعد فيه في الاولى من جهة إطلاقهم تخييرها في تخصيص العدد بأيّ وقت شاءت، فإنّه يقيّد بعدم التمييز (1) جمعاً بين الإطلاقين.

لكنّ المحقّق الشيخ عليّ استشكل الأمر فيها، و قال ما هذا لفظه: الحكم برجوع المضطربة إلى التمييز لا يستمرّ؛ لأنّ ذاكرة العدد، الناسية للوقت لو عارض تمييزها عدد أيّام العادة، لم ترجع إلى التمييز بناءً على ترجيح العادة على التمييز. و كذا القول في ذاكرة الوقت ناسية العدد.

قال: و يمكن الاعتذار بأنّ المراد برجوعها إلى التمييز ما إذا طابق تمييزها العادة بدليل ما ذكره من ترجيح العادة على التمييز.؛ انتهى كلامه.

و أقول: إنّ الإشكال في ذاكرة العدد خاصّة غير واضح، و تحقّق المعارضة فيها بين التمييز و أيّام العادة غير متحقّق؛ فإنّها بسبب نسيان الوقت لا تتخصّص عادتها بأيّام معيّنة حتى يعارضه التمييز، بل يجوز كون أيّام التمييز هي العادة، فترجيح التمييز فيها باقٍ على حاله، و إنّما ترجّح العادة على التمييز مع العلم بوقتها.

نعم، قد يتوهّم التعارض على تقدير اختيارها عدداً من الشهر ثمّ يظهر التمييز في غيرها، و هنا ينبغي عدم الإشكال في تقديم التمييز؛ لما علمت من عدم انتظام هذه في سلك المعتادة، بل هي مضطربة يتأخّر اختيارها العدد على التمييز، و إنّما يقع الإشكال هنا فيما لو زادت أيّام التمييز على العدد المحفوظ. و كأنّه (رحمه اللّه) أراد بالتعارض هذا المعنى، و لم أتحقّق إلى الآن تصريحاً لأحدٍ من الأصحاب بشيء، غير أنّ إطلاق كلامهم تقديم العمل بالتمييز يقتضي جَعل أيّام التمييز كلّها حيضاً.

و كذا الإشكال لو انعكس الفرض بأن نقصت أيّام التمييز عن العدد، لكنّ العمل هنا على العدد أقوى؛ ترجيحاً لعدد العادة على التمييز بناءً على ترجيحها.

و لا يرد مثله في الأوّل؛ لأنّ العادة إنّما تُقدّم على التمييز مع التعارض، و مع زيادة أيّام التمييز على العدد و انقطاعه على العاشر فما دون إذ هو الفرض؛ لأنّه من شروط التمييز لا تعارض، بل يمكن الجمع بينهما بجَعل الجميع حيضاً؛ فإنّ مثل هذا آتٍ في ذاكرة الوقت

____________

(1) جامع المقاصد 1: 298.

187

و العدد مع عبور الدم العشرة، فإنّهم ذكروا هناك أنّه مع إمكان الجمع بينهما يجمع و يجعل ما زاد من أيّام التمييز عن عادتها حيضاً. و قد أشرنا إليه فيما سلف.

لكنّ المصنّف في النهاية استقرب في ذاكرتهما مع زيادة التمييز على العادة و مجاوزة العشرة اختصاص الحيض بالعادة. (1) و على هذا يمكن اختصاص العدد.

و في المبنى عليه منع.

و أمّا ذاكرة الوقت خاصّة: فكلامه (رحمه اللّه) فيها وجيه؛ لإمكان فرض تحقّق المنافاة باعتبار علمها بالوقت، فهي من هذه الجهة معتادة في المعنى، و مع عدم منافاة التمييز لوقتها يمكن أن يفيدها التمييز زيادة على العدد المأمور به أو نقصاناً عنه سواء أوجبنا عليها الرجوع إلى الروايات أم جوّزنا لها الاقتصار على ثلاثة، فيصلح ذلك لحمل كلام المصنّف في تقديم التمييز على ما علمته من الوقت، لا بمعنى عدم الالتفات إلى الوقت، بل بمعنى عدم الالتفات إلى ما فرض لها من العدد عند البحث عنه من الرجوع إلى الروايات أو إلى غيرها.

و لا بأس بإمعان النظر في هذه المسألة و استقراء كلام الأصحاب ليتّضح الحال فيها، فإنها لا تستفاد إلا من عامّ أو مطلق.

(فإن فقدا) أي: العادة المستقرّة و التمييز، (رجعت المبتدئة) بكسر الدال اسم فاعل بمعنى التي ابتدأت الحيضَ. و يجوز فتحه؛ ليصير اسم مفعول بمعنى التي ابتدأ بها الحيضُ.

و يتحقّق حكم الابتداء برؤية الدم مرّة و مرّتين، أو بشهرين عند الاحتياج إلى استقرار الطهر.

و هل يتحقّق فيما زاد حتى يدخل فيها كلّ مَنْ لم تستقرّ لها عادة و لو باضطراب دورها؟ الظاهر من كلام المصنّف و الشهيد (رحمه اللّه) و جماعة في تقاسيمهم: ذلك؛ حيث يخصّون المضطربة بذات العادة المنسيّة بأحد وجوهها.

و قال في المعتبر: المبتدئة و هي التي رأت الدم أوّل مرّة إذا تجاوز دمها العشرة و لم يتميّز رجعت إلى عادة نسائها، إلى آخره.

ثمّ قال: المبتدئة إذا لم يكن لها نساء أو كنّ مختلفات، و المضطربة، و هي التي لم تستقرّ

____________

(1) انظر: نهاية الإحكام 1: 142.

188

لها عادة عدداً و لا وقتاً (1)، إلى آخره، و مقتضاه: اختصاص المبتدئة بأوّل مرّة، و أنّ التي لم تستقرّ لها عادة بَعدُ مضطربة.

و تظهر الفائدة في رجوع هذا النوع من المضطربة إلى عادة نسائها أم لا، فعلى الأوّل ترجع، و على قول المعتبر إنّما ترجع بعد التمييز إلى الروايات، كناسية العادة.

و كلام المعتبر أدخل في اسم المضطربة، و الترجيح مع الأوّل بندور المخالف، و استلزام قوله جَعل المبتدئة في الدور الثاني الذي به تتحقّق العادة مضطربةً. و بأنّ الحكمة في رجوع المبتدئة إلى النساء موجودة فيمن لم تستقرّ لها عادة، دون المضطربة الناسية، و هي أنّ الأُولى لم يسبق لها عادة ترجع إليها، بخلاف الناسية التي قد سبق لها عادة.

و هذه الوجوه لا تفيد القطع، و العمل على المشهور.

و خبر السنن يدلّ حصره بظاهره عليه؛ فإنّ أبا عبد اللّه (عليه السلام) قال فيه

إنّ جميع حالات المستحاضة تدور على السنن الثلاث لا تكاد أبداً تخلو من واحدة منهنّ، إن كانت لها أيّام معلومة فهي على أيّامها

ثمّ قال

و إن لم تكن لها أيّام قبل ذلك و استحاضت أوّل ما رأت، فوقتها سبع و طهرها ثلاث و عشرون، فإن استمرّ بها الدم أشهراً، فَعَلَت في كلّ شهر كما قال لها، و إن انقطع الدم في أقلّ من سبع أو أكثر من سبع، فإنّها تغتسل ساعة ترى الطهر و تصلّي، فلا زال كذلك حتى تنظر ما يكون في الشهر الثاني، فإن انقطع الدم لوقته في الشهر الأوّل سواء حتى توالى عليها حيضتان أو ثلاث، فقد علم الآن أنّ ذلك قد صار لها وقتاً و خلقاً معروفاً، تعمل عليه، و تدع ما سواه

ثمّ قال

و إن اختلط عليها أيّامها و زادت و نقصت حتى لا تقف منها على حدّ و لا من الدم على لون، عملت بإقبال الدم و إدباره

(2)

الحديث.

و مراده باختلاط الأيّام نسيان العادة؛ لأنّه موضّح للسنن المتقدّمة في أوّل الحديث، التي من جملتها

و أمّا سنّة التي قد كانت لها أيّام متقدّمة ثمّ اختلط عليها من طول الدم زادت و نقصت حتى أغفلت عددها و موضعها من الشهر

(3)

إلى آخره.

____________

(1) المعتبر 1: 207 و 209.

(2) الكافي 3: 8883/ 1؛ التهذيب 1: 385381/ 1183.

(3) الكافي 3: 85/ 1؛ التهذيب 1: 382/ 1183.

189

و وجه دلالته على ما نحن فيه أنّه حصر أقسامها في الناسية و الذاكرة و المبتدئة، و لا يخفى أنّ مَنْ لم تستقرّ لها عادة بَعدُ لا تدخل في الناسية و لا في الذاكرة لعادتها، فلو لم تدخل في المبتدئة، بطل الحصر الذي ذكره (عليه السلام).

و لا يقال: إنّ قوله (عليه السلام) في تعريفها

و إن لم تكن لها أيّام قبل ذلك و استحاضت أوّل ما رأت

يدلّ على خلاف مطلوبكم؛ لأنّه فسّر المبتدئة بأنّها مَنْ تستحاض في أوّل الدور.

لأنّا نقول: إنّ أوّل التعريف صادق على المدّعى، و إن اجري آخره و هو أنّها التي استحاضت أوّل ما رأت على ظاهره، بطل الحصر، فلا بدّ من حمله على وجه يصحّ معه الحصر، و هو أن يريد بالأوّليّة ما لا تستقرّ فيها العادة بَعدُ، و هو أوّل إضافيّ يصحّ الحمل عليه، و قد دلّ عليه مواضع من الحديث:

منها: ما هو داخل فيما حكيناه من لفظه.

و منها: ما أضربنا عن حكايته؛ لطوله.

و هو حديث شريف يدلّ على أُمور مهمّة في هذا الباب، و سيأتي الكلام على سنده إن شاء اللّه تعالى.

و يمكن أن يكون بياناً لبعض أفرادها أو للأغلب (1) منها؛ فإنّ العادة مع استواء الدم تستقرّ في أيّام يسيرة، و الغالب أنّ المرأة إذا استقام لها حيضة في الابتداء في شهر يتمّ لها ذلك في الشهر الثاني. و أمّا إن عرض لها ما يمنع استقرار العادة في هذه المدّة اليسرة، فالأغلب وقوع العارض من أوّل الأمر.

و بالجملة، فلا بدّ من تصحيح الحصر بوجه.

و بأيّ معنى فسّرنا المبتدئة فإنّها متى فقدت التمييز رجعت (إلى عادة أهلها) و هُنّ أقاربها من الطرفين أو من أحدهما، كالأُخت و العمّة و الخالة و بناتهنّ؛ لتقارب الأقارب في الأمزجة غالباً. و لا اختصاص للعصبة هنا؛ لأنّ الطبيعة جاذبة من الطرفين.

و هذا هو المشهور بين الأصحاب، و عليه عملهم، و الموجود على وفقه روايتان:

إحداهما: رواية زرارة و محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال

المستحاضة تنظر

____________

(1) في «م»: «الأغلب».

190

بعض نسائها فتقتدي بأقرائها ثمّ تستظهر على ذلك بيوم.

(1)

و في طريقها عليّ بن الحسن بن فضّال، و هو فطحيّ، لكنّ المصنّف اختار في الخلاصة الاعتماد على روايته، و ذكره في القسم الأوّل. (2)

و الثانية: مقطوعة سماعة أنّه سأله عن المبتدئة، فقال

أقراؤها مثل أقراء نسائها، فإن اختلفن فأكثر جلوسها عشرة أيّام و أقلّه ثلاثة.

(3)

و هذه الرواية و إن اعتراها نقص بالقطع لكنّ الشيخ (رحمه اللّه) في الخلاف استدلّ على صحّة مضمونها بإجماع الفرقة، (4) فإن تمّ ذلك، و إلا فالاعتماد على اتّفاق الأعيان على الفتوى بمضمونها، كما نبّه عليه في المعتبر. (5)

و لا فرق بين الحيّة من الأهل و الميّتة المعلومة عادتها، و لا بين المساوية في السنّ للمبتدئة و المخالفة، و لا بين البلديّة لها و غيرها؛ للعموم.

و رجّح الشهيد (رحمه اللّه) في الذكرى اعتبار اتّحاد البلد في الأهل و الأقران محتجّاً بأنّ للبلدان أثراً ظاهراً في تخالف الأمزجة. (6) و في معارضته لعموم النصّ نظر.

و اعتبر شيخنا السيّد حسن (رحمه اللّه) اعتبار البلد، فإن فقد، فأقرب البلدان إلى بلدها فالأقرب.

و كلّ هذه الأُمور تُثمر الظنّ بتقارب الأمزجة إلا أنّها لا تصلح لتخصيص عموم النصّ.

و تتخيّر في وضع الأيّام حيث شاءت من الشهر؛ لعدم الأولويّة و إن كان وضعها في أوّل الشهر أولى.

هذا كلّه مع اتّفاق عادتهنّ و وجودهنّ (فإن اختلفن أو فقدن) إمّا بعدمهنّ أصلًا أو بموتهنّ و عدم علمها بعادتهنّ، أو لم يمكنها استعلام حالهنّ؛ لبُعْدٍ و نحوه (رجعت إلى أقرانها).

____________

(1) التهذيب 1: 401/ 1252؛ الاستبصار 1: 138/ 472.

(2) خلاصة الأقوال: 93/ 15.

(3) الكافي 3: 79/ 3؛ التهذيب 1: 381380/ 1181؛ الاستبصار 1: 138/ 471.

(4) الخلاف 1: 234، المسألة 200.

(5) المعتبر 1: 208.

(6) الذكرى 1: 247.

191

أمّا مع فقدهنّ: فظاهر.

و أمّا مع اختلافهنّ: فذكر الحكم بذلك جماعة من غير تقييدٍ بتساوي المختلفات.

و صرّح المصنّف في النهاية بالحكم مطلقاً، قال فيها: حتى لو كُنّ عشراً فاتّفق منهنّ تسع، رجعت إلى الأقران. (1)

و اختار الشهيد (رحمه اللّه) و مَنْ تبعه اتّباع الأغلب مع الاختلاف. (2)

و التحقيق أنّا إن اعتمدنا في الحكم على مقطوعة سماعة، فما قاله الجماعة أوجَه؛ لتصريحه فيها بأنّ الاختلاف موجب للانتقال عنهنّ. و إن اعتمدنا على الحديث الأوّل، فلا وجه للتخصيص بالأغلب؛ لأنّه دلّ بظاهره على الاكتفاء بواحدة من نسائها.

و حمله شيخنا الشهيد (رحمه اللّه) على غير المتمكّنة من معرفة عادات جميع نسائها، فتكتفي بالبعض الممكن. (3)

و الوجه: اتّباع الأغلب؛ لدلالته عليه، و خروج ما دونه بالإجماع، فيكون كالعامّ المخصوص في كونه حجّةً في الباقي.

و على هذا فلا فرق في اتّباع الأغلب مع اختلاف أسنانهنّ و بلدانهنّ بين كون الأغلب مخالفاً في السنّ و البلد أو موافقاً؛ للعموم، مع احتمال تقديم الأقرب إليها سنّاً و بلداً فالأقرب؛ لقوّة الظنّ بتقارب الطباع مع تقاربهما أو اتّحادهما.

و استقرب المصنّف في النهاية مع اختلافهنّ في السنّ ردّها إلى مَنْ هي أقرب إليها، مع حكمه بانتقالها إلى الأقران عند اختلافهنّ و إن اتّفق الأكثر. (4)

و بين الحكمين في بعض الموارد بَون كثير. و أمّا رجوعها إلى الأقران فاشتهر الحكم به بين الأصحاب.

و حكى المصنّف في المنتهي عن المرتضى و ابن بابويه عدم ذكر الأقران، و مال إليه (5)

و أنكره المحقّق في المعتبر مطالباً بدليله، و فارقاً بينهنّ و بين الأهل بأنّ بينهما و بين الأهل مشاكلة في الطباع و الجنسيّة، و الأصل تقوّي الظنّ مع اتّفاقهنّ بمساواتها لهنّ، و لا كذا

____________

(1) نهاية الإحكام 1: 139.

(2) الذكرى 1: 247.

(3) الذكرى 1: 247.

(4) نهاية الإحكام 1: 139.

(5) منتهى المطلب 2: 300.

192

الأقران؛ إذ لا مناسبة تقتضي ذلك؛ لأنّ النسب يعطي شبهاً دون المقارنة. (1)

و أجاب في الذكرى بأنّ لفظ «نسائها» في الخبر صادق عليهنّ، فإنّ الإضافة" تصدق بأدنى ملابسة ك«كوكب الخرقاء».

و لمّا لابسنها في السنّ و البلد صدق عليهنّ النساء. و أمّا المشاكلة فمع السنّ و اتّحاد البلد تحصل غالباً.

قال: و ليس في كلام الأصحاب منع منه و إن لم يكن فيه تصريح به. نعم، الظاهر اعتبار اتّحاد البلد في الجميع؛ لأنّ للبلدان أثراً ظاهراً في تخالف الأمزجة. (2) انتهى.

و فيه نظر؛ لأنّ هذه الملابسة لو اكتفي بها، لم يتمّ اشتراط اتّحاد البلد و السنّ، بل كان يكتفى بأحدهما؛ لصدق الملابسة معه، و تماميّة المشاكلة و مقاربة المزاج بهما، و لا تصلح مؤسّسة لحكمٍ شرعيّ مخصّصة لعامّ النساء إن تمّ الاكتفاء بإضافته بأدنى ملابسة، بل لا ينحصر الصدق أيضاً في البلد وحده و السنّ وحده؛ لأنّ وجوه أدنى الملابسة متكثّرة ضرورة، و فتح هذا الباب يخرج إلى تناول اللفظ ما هو منفيّ بالإجماع.

و يمكن الجواب بنحو ما قلناه في الاختلاف، و هو: الإجماع على نفي الحكم عمّا عدا المتنازع مخصّص، فتبقى صورة النزاع داخلة في العموم، لكن يبقى اشتراط اتّحاد البلد، فإنّ الأكثر لم يعتبروه، و تقويته للمشاكلة المفيدة للظنّ بتقارب الأمزجة لا تصلح للتخصيص شرعاً، كما لا يخفى على العالم بمدارك الأحكام.

إذا تقرّر ذلك، فما القدر الذي يتحقّق به الأقران من السنّ؟ ليس في كلام الأصحاب تعيين له.

و في الصحاح: القَرن: مثلك في السنّ. (3)

و الظاهر الرجوع في ذلك إلى العرف. و هو دالّ على أنّ مَنْ وُلد في السنة الواحدة أقران، و فيما زاد عنها إشكال من دخوله في صدق لفظ «النساء» و خروجه عن صدق الأقران.

(فإن اختلفن) أي: الأقران و لو بواحدة منهنّ كما تقدّم (أو فُقدن) بأحد المعاني المتقدّمة (تحيّضت) المبتدئة (في كلّ شهر) هلالي (بسبعة أيام) أو ستّة؛ لورودها مع السبعة في

____________

(1) المعتبر 1: 208- 209.

(2) الذكرى 1: 247.

(3) الصحاح 6: 2180، «ق ر ن».

193

حديث السنن ( (1) أو بثلاثة) أيّام (من شهرٍ و عشرة) أيّام (من) شهر (آخر) و تتخيّر في الابتداء بأيّهما شاءت.

و هذه الأُمور الثلاثة هي بعض الأعداد المعبّر عنها بالروايات؛ لورودها فيها. و المشهور بين الأصحاب اختصاص الحكم بهذه الثلاثة.

و مستند الستّة و السبعة حديث (2) السنن، و الثلاثة و العشرة رواية عبد اللّه بن بكير عنه. (عليه السلام) (3) و ضعّف المحقّق في المعتبر حديث السنن بأنّ راويه محمّد بن عيسى عن يونس و قد استثنى الصدوق من مرويّات يونس ما انفرد به محمّد بن عيسى (4) و بإرسال يونس له. و الثانيَ بأنّ عبد الله بن بكير فطحيّ. ثمّ اختار أخذها ثلاثة؛ لأنّها المتيقّن، و تتعبّد بقيّة الشهر. (5)

و أجاب في الذكرى بأنّ الشهرة في النقل و الإفتاء بمضمونه حتى عُدّ إجماعاً يدفعهما.

قال: و يؤيّده أنّ حكمة البارئ أجلّ من أن يدع أمراً مبهماً تعمّ به البلوى في كلّ زمان و مكان و لم يبيّنه على لسان صاحب الشرع، مع لزوم العسر و الحرج فيما قالوه، و هُما منفيّان بالآي و الأخبار و غير مناسبين للشريعة السمحة. (6)

(و المضطربة) الناسية لعادتها وقتاً و عدداً و هي المعبّر عنها بالمتحيّرة؛ لتحيّرها في نفسها، و المحيّرة للفقيه في أمرها لا ترجع عند فقد التمييز إلى أهلٍ و لا أقران، بل تتحيّض (بالسبعة، أو الثلاثة و العشرة) أو الستّة.

و إنّما خصّصنا بها اللفظ؛ لأنّ ناسية أحدهما خاصّة لا ترجع إلى الروايات عند المصنّف، (7) و سيأتي الكلام فيها.

و هل أخذها بأحد الأعداد الثلاثة على جهة التخيير أو الاجتهاد بمعنى أنّ مزاجها إن كان الغالب عليه الحرارة، أخذت السبعة، أو البرودة فالستّة، و إن كان معتدلًا، فالثلاثة

____________

(1) الكافي 3: 83- 87/ 1؛ التهذيب 1: 381- 383/ 1183.

(2) الكافي 3: 83- 87/ 1؛ التهذيب 1: 381- 383/ 1183.

(3) التهذيب 1: 381/ 1182؛ الاستبصار 1: 137/ 469.

(4) كما في الذكرى 1: 72؛ و حكاه النجاشي في رجاله: 333 ذيل الرقم 896.

(5) المعتبر 1: 210.

(6) الذكرى 1: 256.

(7) انظر: قواعد الأحكام 1: 14؛ و مختلف الشيعة 1: 207، المسألة 148؛ و نهاية الإحكام 1: 155.

194

و العشرة؟ وجهان، اختار ثانيهما المصنّف في النهاية محتجّاً بلزوم المحذور في التخيير بين فعل الواجب و تركه. (1)

و ينتقض بيومي الاستظهار بعد العادة، و بالتخيير بين القصر و التمام (2) في الأماكن الأربعة، و التسبيح بدل الحمد.

و اختار الشهيد (3) (رحمه اللّه) و المحقّقُ في المعتبر، (4) و جماعة (5) التخييرَ، و هو الظاهر؛ لدلالة «أو» على التخيير في سياق الطلب أو فيما يمتنع فيه الجمع.

و متى اختارت عدداً جاز لها وضعه حيث شاءت من الشهر؛ لعدم الترجيح في حقّها، و لا يتعيّن أوّله و إن كان أولى. و لا اعتراض للزوج.

هذا في الشهر الأوّل، و ما بعده يجب موافقته للأوّل في الوقت؛ لبُعد اختلاف مرّات الحيض، و لأنّ ذلك قائم مقام العادة في المعتادة، مع احتمال بقاء التخيير؛ للعموم، و لأنّ العادة تتقدّم و تتأخّر.

و كذا القول في التخيير في الأعداد بالنسبة إلى الدور الثاني إذا لم يوجد ما هو أولى منه من تمييزٍ أو عادة نساء تعذّر علمها في الدور الأوّل، هذا هو المشهور، و عليه العمل.

و نقل المصنّف عن الشيخ أنّ له قولًا بأنّها مأمورة بالاحتياط، فتفعل من أوّل الشهر إلى آخره ما تفعله المستحاضة، و تغتسل بعد الثلاثة لكلّ صلاة؛ لاحتمال انقطاع الدم عندها؛ إذ ما من زمان بعد الثلاثة إلا و يحتمل الحيض و الطهر و الانقطاع. (6)

و جَعَله المصنّف في القواعد أحوط. (7)

و يتفرّع على هذا القول فروع جليلة و مسائل مشكلة، لكن قال في الذكرى: و القول بالاحتياط عسر منفيّ بالآية و الخبر. (8) و في البيان: الاحتياط هنا بالردّ إلى أسوإ الاحتمالات

____________

(1) نهاية الإحكام 1: 138؛ و حكاه عنه المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 299.

(2) في الطبعة الحجرية: «الإتمام».

(3) الذكرى 1: 246.

(4) المعتبر 1: 211.

(5) منهم: المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 299.

(6) نهاية الإحكام 1: 146؛ و انظر: المبسوط 1: 51 و 58.

(7) قواعد الأحكام 1: 15.

(8) الذكرى 1: 256.

195

ليس مذهباً لنا و إن جاز فعله. (1) أشار بذلك إلى أنّه مذهب العامّة.

(و لو ذكرت) المضطربة الوقت دون العدد، فلا يخلو إمّا أن تذكر أوّله أو آخره أو وسطه أو شيئاً منه في الجملة.

فإن ذكرت (أوّل الحيض، أكملته) أقلّه، و هو (ثلاثة؛) لتيقّنه حينئذٍ، و تبقى سبعة بعدها مشكوك فيها بين الحيض و الطهر، فيحتمل أن تجعل طهراً بناءً على أنّ تلك الثلاثة هي وظيفة الشهر و الحيض و المتيقّن، و هو اختيار الشهيد في البيان. (2)

و يقوى رجوعها إلى الروايات السابقة، فلها جَعله عشرة أو سبعة أو ستّة؛ لصدق النسيان الموجب للحكم في حديث السنن، و اختاره الشهيد (3) أيضاً.

و يحتمل أمرها بالاحتياط إلى تمام العشرة بالجمع بين التكاليف، و هو اختيار المصنّف. (4)

(و لو ذكرت آخره، فهو نهايتها) أي: الثلاثة، فتجعلها حيضاً، و الكلام في السبعة السابقة، كما تقدّم.

(و تعمل في باقي الزمان) الزائد على الثلاثة في الصورتين (ما) أي: العمل الذي (تعمله المستحاضة) بناءً على الاحتياط (و تغتسل لانقطاع الحيض في كلّ وقت محتمل) انقطاعه فيه.

و هو في الصورة الأُولى بعد انتهاء الثلاثة، و عند كلّ صلاة و فعلٍ مشروط بالطهارة؛ لأنّه محلّ وجوب الطهارة و إن كانت العبارة أشمل؛ لأنّ كلّ وقت يحتمل الانقطاع و إن لم تحضر غاية مشروطة بالطهارة؛ للإجماع على عدم وجوب غسل الحيض لنفسه، فيجب عليها خمسة أغسال للصلوات الخمس.

قيل: و لا تداخل هنا بين هذه الأغسال و ما يجب للاستحاضة، فيجتمع عليها ثمانية أغسال مع كثرة الدم؛ لأنّ استمرار الحدث يمنع التداخل. (5)

و فيه نظر، فإن قلنا به، تخيّرت بين تقديم أيّهما شاءت، و كذا الوضوء.

____________

(1) البيان: 59.

(2) البيان: 60.

(3) الذكرى 1: 255.

(4) تذكرة الفقهاء 1: 319؛ قواعد الأحكام 1: 1514؛ نهاية الإحكام 1: 155.

(5) القائل هو المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 304.

196

و الأصحّ تداخل الأغسال مطلقاً.

و على الأوّل تجب عليها المسارعة بين الصلاتين إلى الغسل الثاني، كما تجب عليها المسارعة إلى الوضوء لو كانت مستحاضةً، فإن أخلّت بها، اغتسلت للاستحاضة أيضاً. و يجب عليها مع ذلك أن تترك تروك الحائض بناءً على القول بالاحتياط، فتجتمع عليها تكاليف الحائض و المستحاضة المنقطعة.

و في الصورة الثانية و هي ما لو علمت آخره إنّما تغتسل لانقطاع الحيض في آخره، لكن تجمع في السبعة السابقة بين تكليفي الحائض و المستحاضة دون المنقطعة؛ لعدم الاحتمال.

و في دخول هذه الصورة في قول المصنّف

و تغتسل في كلّ وقت محتمل

نوع من اللطف.

و على القول برجوعها إلى الروايات تضمّ إلى الثلاثة الأخيرة تمام ما اختارته منها متّصلًا بها.

و لو ذكرت وسطه خاصّة بالمعنى المعروف لغةً، و هو ما بين الطرفين، أي: عرفت أثناء الحيض، فإن ذكرت يوماً واحداً، حفّته بيومين حيضاً بيقين، و ضمّت إلى الثلاثة تمام ما تأخذه من الروايات قبل المتيقّن أو بعده أو متفرّقاً.

و إن ذكرت يومين، حفّتهما بيومين آخرين، فيتحقّق لها أربعة حيضاً، و تضمّ إليها تمام الرواية. و على الاحتياط تكمل ما تحقّقته عشرة قبله أو بعده أو بالتفريق.

و لو ذكرت ثلاثة، كذلك تحقّقت خمسة، و أكملتها إحدى الروايات التي فوقها، أو عشرة على الاحتياط.

و لو ذكرت أربعة، تحقّق لها ستّة، و اقتصرت عليها لو أكملتها، و هكذا.

و لو ذكرت الوسط بمعنى المحفوف بمتساويين، فإن كان يوماً، فالحكم فيه ما تقدّم في اليوم غير أنّها لا تختار من الروايات زوجاً ليتحقّق تساوي الحافّ، بل تأخذ إمّا السبعة أو الثلاثة.

و على ما اختاره المصنّف من الاحتياط تضمّ إلى الثلاثة المتيقّنة ثلاثة أُخرى قبلها و ثلاثة بعدها، و تكتفي بالتسعة؛ للعلم بانتفاء العاشر حينئذٍ.

197

و إن كان الذي ذكرته وسطاً يومين، جعلت قبلهما يوماً و بعدهما يوماً، و ليس لها أن تختار من الروايات السبعةَ؛ لعدم إمكان كون اليومين وسطاً لها بالمعنى المذكور، بل إمّا الستّة، فتجعل يوماً قبل الأربعة المتيقّنة و يوماً بعدها، أو العشرة، فتجعل قبلها ثلاثة و بعدها ثلاثة، لكن في الشهر الثاني ليس لها الاقتصار على الثلاثة و إن كانت قسيمة العشرة؛ لتيقّنها الزيادة عليها، فتقتصر على الأربعة. و على الاحتياط تعمل كما تقدّم في اختيار العشرة.

و لو علمته ثلاثة، تحقّق لها خمسة، و تختار من الروايات السبعةَ خاصّة. و على الاحتياط تُكملها تسعة تجعل يومين قبلها و يومين بعدها.

و لو علمته أربعة، تحقّق لها ستّة و حفّتها بأربعة إن اختارت رواية العشرة، فيستوي في الشهر الأوّل القول بالرواية و الاحتياط، و في الشهر الثاني كذلك على الاحتياط، و تقتصر على الستّة على الروايات.

و على القول بالاقتصار على الثلاثة في الصورة الأُولى تقتصر في جميع هذه الصور على ما تيقّنته. و لو اختارت هذه رواية الستّة، اقتصرت على ما تيقّنته في الشهرين، و هكذا.

و هذه ثمان صور مكملة لما ذكره المصنّف من الصورتين يتمّ بها مع ما بعدها أقسام المسألة إن شاء اللّه تعالى، و لم أقف فيما قرّرته على كلامٍ للأصحاب غير أنّ الأُصول تقتضيه.

و لو ذكرت وقتاً في الجملة، فهو الحيض المتيقّن، فعلى الروايات تُكمله إحداها إن قصر عنها قبله أو بعده أو بالتفريق، و إن ساوى إحداها أو زاد، اقتصرت عليه حسب ما يتصوّر. و على الاحتياط تُكمله عشرة أو تجعله نهاية عشرة.

و هذا القسم إذا أُخذت فيه الأيّام كاملةً، احتمل تسع صور. و إن لحظ فيه الكسر، لم يتناه، و حكمه أجمع داخل فيما ذكرناه من العبارة.

و اعلم أنّ كلّ عدد متأخّر عمّا تيقّنته في جميع الأقسام تجمع فيه بين أفعال المستحاضة و المنقطعة مع تروك الحائض، و كلّ عدد متقدّم عليه لا يحتاج فيه إلى أفعال المنقطعة، و هو واضح كلّ ذلك على القول بالاحتياط. و أنّ كلّ موضع أُمرت فيه بالعشرة أو برواية

198

مشروط بعدم علمها بقصور عدد حيضها عنها، فلو علمت شيئاً، عملت به، فلو تيقّنت قصوره عن العشرة، اقتصرت على التسعة، و هكذا.

(و تقضي) ذاكرة الوقت خاصّة على القول بالاحتياط (صوم أحد عشر) يوماً من شهر رمضان، لاحتمال الكسر، و هو طروّ الحيض في أثناء اليوم، فيكمل في أثناء الحادي عشر و يفسد اليومان، إلا أن تعلم عدم الكسر فتقتصر على قضاء عشرة، و عليه يحمل إطلاق الشيخ (1) بقضاء عشرة.

(و لو ذكرت) المضطربة (العدد خاصّة) فإن لم تعرف قدر الدور و ابتداءه، لم تخرج عن التخيير المطلق إلا في نقصان العدد و زيادته عن الروايات، كما لو قالت: كان حيضي سبعة لكن لا أعلم في كَم أضللتها، أو قالت مع ذلك: و دوري ثلاثون لكن لا أعلم ابتداءه، أو قالت: دوري يبتدئ يوم كذا و لا أعرف قدره، ففي هذه الصور ترجع إلى الروايات؛ لاحتمال الحيض و الطهر و الانقطاع في كلّ وقت.

و إن حفظت قدر الدور و ابتداءه مع العدد، كما لو قالت: حيضي سبعة في كلّ شهر هلالي، فقدر العدد من أوّله لا يحتمل الانقطاع لكن يحتمل الحيض و الطهر، و بعده يحتمل الثلاثة إلى آخر الدور إن كان الإضلال فيه أجمع. و إن تيقّنت سلامة بعضه، كالعشرة الأخيرة من الشهر مثلًا، حكمت بكونها طهراً، و جاء في العشرين ما مرّ.

و المختار حينئذٍ عند المصنّف في غير هذا الكتاب (2) و جماعة (3) اختصاص الحيض بالعدد، و لها تخصيصه كما تقدّم في ناسيتهما، و تجعل باقي الدور استحاضةً.

و إن أمرناها بالاحتياط كما اختاره الشيخ (4) (؛ عملت في كلّ وقت) من أوقات الضلال (ما تعمله المستحاضة) و تركت تروك الحائض، و لزمها مع ذلك تكليف المنقطعة (و) هو أن (تغتسل للحيض في كلّ وقت يحتمل الانقطاع) و هو ما زاد من العدد من أوّل الدور؛ لعدم إمكان الانقطاع قبل انقضائه؛ لأنّ غايته الابتداء في أوّل الدور، فينتهي على العدد.

و المراد بالاغتسال في كلّ وقت بعد ذلك الاغتسالُ لكلّ صلاة و عبادة مشروطة به،

____________

(1) انظر: المبسوط 1: 59.

(2) قواعد الأحكام 1: 14؛ مختلف الشيعة 1: 207، المسألة 148.

(3) منهم: الشهيد في الدروس 1: 100؛ و المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 304.

(4) المبسوط 1: 51.

199

كما تقدّم.

(و تقضي) هذه (صوم عادتها) خاصّة، و هي العدد الذي حفظته إن علمت عدم الكسر، و إلا لزمها قضاء يوم آخر.

(هذا) و هو لزوم الاحتياط في جميع الوقت و عدم تحقّق الحيض إنّما يتمّ (إن نقص العدد) الذي ذكرته (عن نصف الزمان) الذي أضلّته فيه، كما لو أضلّت سبعة في شهر (أو ساواه) كما لو أضلّت خمسة في العشرة الاولى من الشهر (و لو زاد) العدد عن نصف الزمان (فالزائد و ضعفه حيض) من وسط الزمان (كالخامس و السادس لو كان العدد) الذي أضلّته (ستّة في العشرة) الاولى من الشهر مثلًا؛ لاندراجهما حتماً تحت تقدير تقدّم الحيض و تأخّره و توسّطه، و يبقى لها من العدد أربعة. فعلى القول بالتخيير تضمّها إلى الخامس و السادس متّصلة بهما متقدّمة أو متأخّرة أو بالتفريق. و على الاحتياط تجمع في الأربعة الأُولى بين تكليف المستحاضة و تروك الحائض، و تزيد في الأربعة الأخيرة الاغتسال لكلّ صلاة و عبادة مشروطة بالطهارة.

و لو أضلّت خمسة في التسعة الأُولى، فالخامس خاصّة حيض؛ لأنّ العدد يزيد عن نصف الزمان بنصف يوم، فهو مع ضعفه يوم كامل حيض.

و لو أضلّت سبعة في العشرة، فالمتحقّق حيضاً أربعة، و هو الرابع و السابع و ما بينهما، و هكذا.

و هذه قاعدة كلّيّة ترجع إليها المسائل المعروفة بفروع الامتزاج، فلنذكر منها أمثلةً للتدرّب بها في تحصيل نظائرها؛ إذ لا حصر لها.

فلو ذكرت ذات العشرة مزج أحد نصفي الشهر بالآخر بيوم، فقد أضلّتها في ثمانية عشر، فالزائد من العشرة عن نصفها و هو يوم و ضعفه حيض في وسط وقت الضلال، و هو ما بين السادس و الخامس و العشرين، فالخامس عشر و السادس عشر حيض متيقّن، كما أنّ الستّة الاولى من الشهر و الأخيرة طهر متيقّن، و يتعلّق احتمال الانقطاع بالسادس عشر و الرابع و العشرين. فعلى الاحتياط تغتسل عليهما للحيض، و تجمع في الثمانية السابقة على اليومين و اللاحقة لهما بين أفعال المستحاضة و تروك الحائض. و على الاختيار تضمّ أيّ الثمانيتين شاءت إلى اليومين.

200

و لو علمت امتزاجهما بيومين، فالرابع عشر و السابع عشر و ما بينهما حيض متيقّن، لإضلال العشرة في ستّة عشر، و هي ما بين السابع و الرابع و العشرين، و السبعة الاولى و الأخيرة طهر متيقّن، و الباقي مشكوك و احتمال الانقطاع يتعلّق بالسابع عشر و الثالث و العشرين، و قِس عليهما مزج ما زاد.

و لو علمت أنّ الثاني عشر حيض، فلا يقين بغيره؛ لإضلالها العشرة في تسعة عشر، و هي ما بين الثاني و الثاني و العشرين، فالزائد عن نصفها و هو نصف يوم و ضعفه حيض، فهو الثاني عشر، و احتمال الانقطاع يتعلّق بآخره إلى آخر وقت الضلال، و الأوّلان و التسعة الأخيرة طهر متيقّن، و الباقي محلّ الاحتياط.

و لو علمت مزج إحدى العشرات بيوم، فلا يقين لها بالحيض؛ لزيادة نصف الزمان على العدد، لكن يتحقّق طهر الأوّل و الأخير، و يتعلّق احتمال الانقطاع بالحادي عشر و التاسع عشر و الحادي و العشرين و التاسع و العشرين.

و لو كان المزج بيومين، فمثلهما طهر من أوّله و آخره، و الباقي مشكوك فيه، و احتمال الانقطاع تألى الحادي عشر و الحادي و العشرين و متلوّ الآخرين. و قِس عليهما مزج ما زاد.

و لو مزجت ذات الخمسة إحدى العشرات بيوم، فالستّة الأُولى و الأخيرة و الخامس عشر و السادس عشر طهر متيقّن، و لا يقين بالحيض أيضاً، و يتعلّق احتمال الانقطاع بالحادي عشر و الرابع عشر و الحادي و العشرين و الرابع و العشرين، و الباقي مشكوك فيه بين الطهر و الحيض.

و من فروع القاعدة: ما لو علمت ذات الثمانية أنّ لها في كلّ شهر حيضتين، و ملاحظة أقلّ الطهر بينهما توجب انحصار الثمانية الاولى في الاثني عشر الاولى، و الأخيرة في الأخيرة، و هي تزيد على نصفها بيومين، فالأربعة الوسطى من كلّ واحدة حيض بيقين، و الطرفان مشكوك فيهما، و ما بينهما من الشهر و هو الستّة التي أوّلها الثالث عشر و آخرها الثامن عشر طهر بيقين؛ لأنّه لا يمكن تأخّر الحيض الأوّل عن أوّل الخامس، و لا تأخّر الثاني عن الثالث و العشرين، و المتيقّن من الاولى من أوّل الخامس إلى آخر الثامن، و في الثانية من الثالث و العشرين إلى السادس و العشرين، فالمتيقّن ثمانية، و الضالّ ثمانية تضعها حيث شاءت ممّا لا يدخل في الطهر المتيقّن، و هو الأربعة الأُولى و الأخيرة و من التاسع إلى

201

آخر الثاني عشر و من التاسع عشر إلى آخر الثاني و العشرين.

و رتّب على هذه الفروع ما يرد عليك من نظائرها.

(و كلّ دم يمكن أن يكون حيضاً فهو حيض) سواء كان بصفة دم الحيض أم لا، كما صرّح به المصنّفُ في غير هذا الكتاب، (1) و غيرُه. (2)

و قد تقدّم أنّ الصفرة و الكدرة في أيّام إمكان الحيض حيض، فلو رأت ثلاثة إلى العشرة ثمّ انقطع عشرة ثمّ رأت ثلاثة، فهُما حيضان.

و الإمكان إمّا باعتبار المرأة، كالبلوغ و عدم اليأس، أو المدّة، كعدم نقصه عن ثلاثة و عدم زيادته على عشرة، أو المحلّ، كخروجه من الجانب الأيسر مع اعتباره مطلقاً أو عند الاشتباه بالقرحة، أو دوام الوقت، كتوالي الثلاثة، أو الحال، كعدم الحمل إن لم نقل بحيض الحامل، أو تأخّر الولادة عنه عشرة فصاعداً إن قلنا به؛ لاستحالة قصور الطهر عن أقلّه.

و النفاس كالحيض هنا، و كذا ما يتعقّب النفاس من الدم يعتبر في الحكم بكونه حيضاً مضيّ أقلّ الطهر، و قد نبّه عليهما المصنّف في النهاية، (3) أو أوصاف الدم كالحمرة مع السواد حيث يتحقّق التمييز.

و إنّما يعتبر الإمكان بعد استقرار الحال فيما يتوقّف عليه، فلا يرد النقض بيومي الاستظهار مع عبور الدم العشرة، فإنّهما و إن أمكن كونهما حيضاً قبل التجاوز لكنّ الحكم فيهما موقوف على اعتبار التجاوز و عدمه. و كذا القول في أوّل رؤية الدم مع انقطاعه دون الثلاثة و نحوه.

و لا يخفى افتقار العبارة في تأدية ذلك إلى فضل تكلّف.

(و لو رأت) المرأة الدم (ثلاثة) أيّام (و انقطع ثمّ رأت) اليوم (العاشر خاصّة) بأن انقطع عليه و إن تجدّد بعد ذلك (فالعشرة حيض) سواء في ذلك المعتادةُ و غيرها.

و كذا الحكم لو انقطع على ما دون العشرة بطريق أولى.

____________

(1) تحرير الأحكام 1: 13؛ تذكرة الفقهاء 1: 257، الفرع الثاني؛ قواعد الأحكام 1: 14؛ منتهى المطلب 2: 287، نهاية الإحكام 1: 118.

(2) كالمحقّق الحلّي في المعتبر 1: 203.

(3) نهاية الإحكام 1: 117.

202

و الضابط: أنّ كلّ دمين فصاعداً في العشرة تخلّلهما نقاء أو أكثر و حكم على الأوّل بكونه حيضاً فإنّ الجميع حيض.

و إن عبر الثاني العشرةَ، فالحيضُ الأوّلُ خاصّة إن لم تكن ذات عادة أو كانت و لم يصادف الدم الثاني جزءاً منها، و لو صادف، فجميع العادة حيض.

أمّا زمان الدمين: فظاهر.

و أمّا النقاء: فلكونه محفوفاً بدمي الحيض.

و لو تعدّد النقاء مع تجاوز أحد الدماء، فما في العشرة (1) من الدماء المنقطعة و النقاء حيض.

[يجب على الحائض أمور]

(و يجب عليها الاستبراء) و هو طلب براءة الرحم من الدم (عند الانقطاع لدون العشرة) بأن تضع قطنةً و تصبر عليها ثمّ تنظر (فإن خرجت القطنة نقيّةً، فطاهر) تجري عليها الأحكام.

و في رواية شرحبيل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: قلت: كيف تعرف الطامث طهرها؟ قال

تعمد برِجْلها اليسرى على الحائط و تستدخل الكرسف بيدها اليمنى فإن كان مثل رأس الذباب خرج على الكرسف.

(2)

و كلام المصنّف خالٍ عن الكيفيّة.

و يدلّ على إطلاقه رواية محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام)، قال

إذا أرادت الحائض أن تغتسل فلتستدخل قطنةً فإن خرج عليها شيء من الدم فلا تغتسل، و إن لم تر شيئاً فلتغتسل.

(3)

و لا استظهار حينئذٍ، خلافاً لظاهر المختلف. (4)

(و إلا) أي: و إن لم تخرج القطنة نقيّةً من الدم بأيّ لون اتّفق (صبرت المعتادة) عدداً و وقتاً أو عدداً خاصّة بعد عادتها (يومين) و هُما المعبّر عنهما بيومَي الاستظهار، و هو طلب ظهور الحال في كون الدم حيضاً أو طهراً.

____________

(1) في «م»: «العادة» بدل «العشرة».

(2) الكافي 3: 80/ 3؛ التهذيب 1: 161/ 461.

(3) الكافي 3: 80/ 2؛ التهذيب 1: 161/ 460.

(4) مختلف الشيعة 1: 199، المسألة 144.

203

و لها الاقتصار على يوم؛ لوجوده مع اليومين في خبر (1) محمد بن مسلم و غيره، (2) و في بعضها

«أو ثلاثة.

(3)

و في خبر يونس بن يعقوب عن الصادق (عليه السلام)

تنتظر عادتها

(4)

ثمّ تستظهر بعشرة أيّام

(5)

و المراد إلى تمام العشرة، و اختاره المرتضى (6) و ابن الجنيد، (7) و قوّاه في الذكرى (8) مطلقاً.

و في البيان مقيّداً بظنّها بقاء الحيض، (9) و كأنّه يريد به ظنّ الانقطاع على العشرة، و إلا فمع التجاوز ترجع ذات العادة إليها و إن ظنّت غيرها. و دلالة الأخبار على التخيير بين الجميع ظاهرة.

و الاستظهار المذكور على سبيل الاستحباب عند الأكثر؛ لقوله (عليه السلام)

تحيّضي أيّام أقرائك

(10)

و مفهومه الصلاة بعدها و أوضح منه دلالةً: خبر ابن أبي يعفور عن الصادق (عليه السلام)

المستحاضة إذا مضى أيّام أقرائها اغتسلت

(11)

و غيرهما من الأخبار الدالّة على الإذن في العبادة بعد العادة.

و لا فرق في الاستظهار و الرجوع إلى العادة بين تقدّمها و تأخّرها أو أن ترى قبلها و بعدها و فيها.

و التقييد بالمعتادة يقتضي عدم استظهار المبتدئة و المضطربة إذا لم ينقطع دمهما على العدد الذي تحيّضتا به.

و صرّح الشهيد في الدروس باستظهارهما، (12) و في الذكرى باستظهار المبتدئة بيوم (13)؛

____________

(1) أورده المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 215 نقلًا عن كتاب المشيخة للحسن بن محبوب.

(2) التهذيب 1: 171/ 488؛ الاستبصار 1: 149/ 512.

(3) التهذيب 1: 172171/ 489 و 490؛ الاستبصار 1: 149/ 513 و 514.

(4) في المصدر: «عدّتها».

(5) التهذيب 1: 402/ 1259؛ الاستبصار 1: 149/ 516.

(6) حكاه عنه المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 214.

(7) حكاه عنه العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 202، المسألة 145.

(8) الذكرى 1: 238.

(9) البيان: 58.

(10) أورده المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 212.

(11) التهذيب 1: 402/ 1258.

(12) الدروس 1: 98.

(13) الذكرى 1: 239.

204

لرواية محمد بن مسلم عن الباقر. (1) (عليه السلام) (ثمّ) بعد الاستظهار المذكور (تغتسل و تصوم) و تتعبّد (فإن انقطع) الدم (على العاشر) تبيّن أنّ الجميع حيض، و أنّ ما عملته في أيّام الاستظهار موافق للواقع، و ما فَعَلَته بعد الاستظهار باطل؛ لوقوعه في الحيض، لكن لا حرج عليها فيما فَعَلَته من صلاةٍ و صومٍ و وقاعٍ؛ للإذن فيه ظاهراً.

و (قضت ما صامت) من العشرة بعد الاستظهار (و إلا) أي: و إن لم ينقطع على العاشر (فلا) قضاء لما صامت؛ لتبيّن وقوعه في الطهر. و لا ريب في قضاء صوم أيّام الاستظهار؛ لوجوبه على تقديري الحيض و الطهر، و كذا صلاته على المشهور؛ لظهور طهر ما زاد على العادة، و جواز تركها ارتفاقاً من الشارع بحالها لاحتمال الحيض لا يمنع من وجوب القضاء إذا تبيّن فساد الاحتمال بعبور العشرة، و لعموم

مَنْ فاته صلاة.

(2)

و نقل عن المصنّف أنّه أفتى في المنتهي (3) بعدم الوجوب و جَعَله احتمالًا في النهاية (4) لأنّها مأمورة بالترك إمّا وجوباً أو استحباباً، فلا يتعقّب القضاء.

و قد عرفت جوابه، و لأنّ وجوب القضاء لا يتبع وجوب الأداء، و إنّما يجب بأمرٍ جديد و هو موجود هنا.

هذا حكم المعتادة (و) أمّا (المبتدئة): فإنّها (تصبر حتى تنقى أو تمضي العشرة) فإذا مضت و لم ينقطع، رجعت حينئذٍ إلى التمييز ثمّ إلى ما بعده، فتقضي العبادة على وفق ما قُرّر لها.

هذا في الشهر الأوّل، و في الثاني إن وجدت تمييزاً، عملت به و إن كانت في الأوّل قد أخذت بما بعده؛ لعدمه.

فلو رأت في الأوّل أحمر و عبر العشرة فرجعت إلى نسائها و أخذت السبعة مثلًا و في الشهر الثاني رأت خمسةً سواداً ثمّ أحمر و عبر العشرة، أخذت الخمسة؛ عملًا بالتمييز. و إن فقدته، اغتسلت و تعبّدت بعد تمام العدد المأخوذ المستفاد من عادة نساءٍ أو رواية. ثمّ إن

____________

(1) التهذيب 1: 401/ 1252؛ الإستبصار 1: 138/ 472.

(2) أورده المحقّق الحلّي في المعتبر 2: 406.

(3) لم نعثر على الحاكي عنه؛ و في منتهى المطلب 2: 321 استوجه القضاء.

(4) نهاية الإحكام 1: 123، و استشكل فيها في وجوب القضاء.

205

عبر العشرة، ظهر صحّة عملها و قعودها، و إن انقطع عليها، تبيّن أنّ الجميع حيض، فتقضي ما صامت كالمعتادة، و ظهر بطلان الغسل، و لا إثم في الصلاة و الصوم و الوقاع بعد الغسل كما مرّ، و كذا القول فيما بعده من الأدوار.

و أمّا المضطربة: فتغتسل بعد ما تأخذه من الروايات مع عدم التمييز، و يجيء عند انقطاعه على العشرة ما ذُكر. و قد تقدّم (1) اختيار الشهيد (رحمه اللّه) استظهارهما كالمعتادة بعد العدد المأخوذ.

(و لو (2) رأت) ذات العادة الدم في (العادة و) في (الطرفين) قبلها و بعدها (أو) رأته في العادة و في (أحدهما و لم يتجاوز) الجميع عشرة أيّام (فالجميع) و هو العادة و ما قبلها و مابعدها (حيض) لإمكانه، و لأنّ كلّ دم ينقطع على العشرة فما دون لا يفرق فيه بين المعتادة و غيرها في الحكم بكونه حيضاً (و إلا) أي: و إن تجاوز العشرة (فالعادة) حيض دون الطرفين؛ لما تقدّم من أنّ الدم متى تجاوز العشرة رجعت ذات العادة إليها.

و لا فرق في اختصاص العادة بالحيض بين إمكان ضميمة الطرف الأوّل إليها و عدمه؛ لما تقدّم، و لاستواء نسبة الطرفين إلى العادة، فضمّ الأوّل إليها خاصّةً ترجيح من غير مرجّح.

و لا يقال: إنّ المرجّح هو قولهم: كلّ دم يمكن أن يكون حيضاً فهو حيض، و ضميمة الأوّل إذا لم يستلزم عبور العشرة منه؛ لأنّ ذلك مقيّد بعدم عبوره العشرة، و إلا لوجب الحكم بالعشرة مع العبور مطلقاً؛ للإمكان بهذا المعنى.

و اعلم أنّه مع رؤية المعتادة الدم قبل العادة كما هو المفروض هنا هل تترك العبادة بمجرّد رؤيته، أم يجب الصبر إلى مضيّ ثلاثة أو وصول العادة؟ يبنى على إيجاب الاحتياط بالثلاثة على المبتدئة و المضطربة، و عدمه، فإن لم نوجبه عليهما كما هو اختيار المصنّف في المختلف (3) لم يجب عليها بطريق أولى، و إن أوجبناه كما اختاره المرتضى (4) و ابن الجنيد (5)

____________

(1) في ص 203.

(2) في إرشاد الأذهان: «و قد تتقدّم العادة و تتأخّر، فلو».

(3) مختلف الشيعة 1: 198197، المسألة 143.

(4) حكاه عنه المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 213.

(5) كما في الذكرى 1: 236.

206

و المحقّق في المعتبر (1) احتمل إلحاقها بهما؛ لأنّ تقدّمه على العادة الملحقة بالأُمور الجبليّة يوجب الشكّ في كونه حيضاً، فتكون فيما سبق على أيّام العادة كمعتادة العدد مضطربةَ الوقت.

و لظاهر قول الصادق (عليه السلام)

«إذا رأت الدم أيّام حيضها تركت الصلاة

(2)

إذ الظاهر أنّ المراد بأيّام حيضها العادة.

و مثله قوله (عليه السلام)

«المرأة ترى الصفرة أيّام حيضها فلا تصلّي.

(3)

و يحتمل قويّاً عدمه؛ لصدق الاعتياد عليها، و لأنّ العادة تتقدّم و تتأخّر.

و لعموم رواية منصور بن حازم عنه (عليه السلام)

«أيّ ساعة رأت الصائمة الدم تفطر

(4)

و مثله خبر محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام)

«تفطر إنّما فطرها من الدم.

(5)

و هذان الحديثان كما يشملانها يشملان المبتدئة و المضطربة، و الخبران الأوّلان لا ينافيانهما؛ لما تقدّم من اختيار أنّ المراد بأيّام الحيض أيّام إمكانه.

و أجاب في المعتبر بأنّ الحكم بالإفطار عند الدم مطلقاً غير مراد، فيصرف إلى المعهود، و هو دم الحيض، و لا يحكم بكونه حيضاً إلا إذا كان في العادة، فيحمل على ذلك. (6)

و فيه منع؛ لأنّ اللام مع عدم سبق عهدٍ لها تُحمل على الجنسيّة أو الاستغراق، و كلاهما محصّل للمدّعى. و لو فرض خروج بعض الأفراد بنصٍ خاصّ، بقي الاستغراق حجّةً على الباقي. و لو سلّم حملها على العهد، لم يضرّنا؛ لأنّ المراد به ما يمكن كونه حيضاً، لا ما تحقّق كونه حيضاً؛ للقطع بأنّ تحقّق الحيض لا يتّفق في أوّل رؤية الدم كما هو المفروض في الرواية و إن كان في أيّام العادة؛ لإمكان انقطاعه قبل الثلاثة، و إمكان الحيض مشترك بين المعتادة و غيرها.

و اختار الشهيد في البيان عدم وجوب الاحتياط على المضطربة إذا ظنّت الدم حيضاً،

____________

(1) المعتبر 1: 213.

(2) الكافي 3: 76/ 5؛ التهذيب 1: 158157/ 452.

(3) الكافي 3: 78/ 1؛ التهذيب 1: 396/ 1230.

(4) التهذيب 1: 394/ 1218؛ الاستبصار 1: 146/ 499.

(5) التهذيب 1: 153/ 435.

(6) المعتبر 1: 214.