روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان - ج1

- الشهيد الثاني المزيد...
463 /
207

و حمل عليه رواية إسحاق بن عمّار (1) عن الصادق (عليه السلام) في المرأة ترى الصفرة

«إن كان قبل الحيض بيومين فهو من الحيض.

(2) (3)

و هو عجيب؛ فإنّ المضطربة ليس لها أيّام للحيض حتى يسبقها الدم المذكور بيومين، بل هو دالّ على ما قدّمناه من رؤية المعتادة الدم قبل عادتها إلا أنّه لا يدلّ على حكم ما زاد على اليومين.

و يمكن أن يقال: جواز ترك العبادة قبل العادة بيومين يستلزم جوازه مطلقاً؛ لانحصار الخلاف في المنع مطلقاً، فالتقييد باليومين إحداث قولٍ ثالث.

(و يجب) عليها (الغسل عند الانقطاع) وجوباً مشروطاً بوجوب ما لا يتمّ إلا به، كالصلاة و الطواف؛ للإجماع على وجوب هذا الغسل لغيره.

و إنّما علّق الوجوب على الانقطاع؛ لأنّه وقت تمام السبب، فأطلق الوجوب عند حصوله و إن كان وجوب المسبّب معلّقاً على الشرط، كما تقول: يجب على الحائض القضاء و إن كان لا يتحقّق إلا مع الطهر.

و كيفيّته (كغسل الجنابة) ترتيباً و ارتماساً، فتلحقه أحكامهما، لكن لا بدّ معه من الوضوء سابقاً على الغسل أو لاحقاً له، و الأوّل أفضل. و تتخيّر بين الرفع و الاستباحة فيهما في الحالين.

[و يحرم على الحائض أمور]

(و يحرم عليها) في زمان رؤية الدم فعل (كلّ مشروط بالطهارة، كالصلاة) الواجبة و المندوبة (و الطواف) الواجب دون المندوب، خلافاً للمصنّف في النهاية، (4) كما تقدّم.

(و) كذا يحرم عليها (مسّ كتابة القرآن) لقوله تعالى لٰا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (5) و هو خبر معناه النهي.

و في معناه اسم اللّه تعالى و أسماء الأنبياء و الأئمّة (عليهم السلام) و فاطمة (عليها السلام)، كما تقدّم.

(و لا يصحّ منها الصوم) في زمان رؤية الدم أيضاً؛ لقوله (عليه السلام) (صلّى اللّه عليه و آله)

«إذا حاضت المرأة

____________

(1) في المصدر: إسحاق بن عمّار عن أبي بصير.

(2) الكافي 3: 78/ 2، التهذيب 1: 396/ 1231.

(3) البيان: 64.

(4) نهاية الإحكام 1: 118 و 120.

(5) الواقعة (56): 79.

208

لم تصلّ و لم تصم.

(1)

و إنّما غيّر الأُسلوب في الصوم من التحريم إلى عدم الصحّة؛ لينبّه على اختلاف حكم الثلاثة المتقدّمة و حكم الصوم؛ فإنّ مشروطيّتها بالطهارة أقوى منه؛ للإجماع على عدم صحّتها بعد النقاء قبل الغسل، و الخلاف فيه. و كذا القول في تحريم طلاقها.

(و) كذا (لا يصحّ طلاقها) في زمان رؤية الدم (مع الدخول) بها (و حضور الزوج) عندها (أو حكمه) أي: حكم الحضور، و هو قربه منها بحيث يمكنه استعلام حالها أو غيبته عنها من دون أن يعلم انتقالها من الطهر الذي فارقها فيه إلى غيره بحسب عادتها الغالبة، فغير المدخول بها يصحّ طلاقها في حال الحيض، و كذا مَنْ غاب عنها زوجها مع العلم المذكور، أو كان في حكم الغائب، و هو القريب منها مع عدم إمكان استعلام حالها له، كالمحبوس.

و لا تقدير للغيبة المجوّزة للطلاق شرعاً، فيرجع فيها إلى العرف؛ لأنّه المرجع عند تعذّر الحقيقة الشرعيّة. و تقريبه: كلّ مَن ليس من شأنه الاطّلاع على أحوالها عادةً؛ لبُعد المنزل أو حكمه.

و ينبغي مراعاة الاحتياط في مواضع الاشتباه؛ حفظاً لحرمة الفروج و الأنساب.

و يشترط أيضاً في عدم صحّة طلاقها انتفاء حملها، فلو كانت حاملًا، صحّ طلاقها و إن كانت حائضاً بناءً على إمكان اجتماعهما، و سيأتي في باب الطلاق وجه ذلك كلّه.

(و يحرم) عليها (اللبث) بفتح اللام و سكون الباء (في المساجد) و هو المكث مُثلّث الميم.

و هذا في غير المسجدين الحرمين، و فيهما يحرم الدخول مطلقاً، رواه محمد بن مسلم عن الباقر. (2) (عليه السلام) و الذي دلّت عليه الأخبار كخبر محمد بن مسلم (3) و ظاهر الآية (4) الإذن في الاجتياز و عبور السبيل، و هُما يقتضيان المرور من أحد بابي المسجد إلى الآخر.

و يلحق باللبث التردّدُ في جوانب المسجد؛ لأنّ التردّد في غير جهة الخروج كاللبث،

____________

(1) أورده العمة الحلّي في نهاية الإحكام 1: 119.

(2) التهذيب 1: 371/ 1132.

(3) التهذيب 1: 371/ 1132.

(4) النساء (4): 43.

209

كما نبّه عليه المصنّف في النهاية. (1)

و لا فرق في الجواز بين أن يكون لها سبيل إلى المقصد غير المسجد أو لا يكون؛ للعموم، كما في الجنب؛ لاشتراكهما في الحدث و دليل المنع و الإباحة.

و يحرم عليها وضع شيء في المساجد أيضاً كالجنب، رواه زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: سألته كيف صارت الحائض تأخذ ما في المسجد و لا تضع فيه؟ قال

«لأنّ الحائض تستطيع أن تضع ما في يدها في غيره و لا تستطيع أن تأخذ ما فيه إلا منه.

(2)

و عدّ سلار اللبثَ في المساجد للجنب و الحائض و وضع شيء فيها ممّا يستحبّ تركه، (3) و لم يفرّق بين المسجدين و غيرهما.

و يدفعه النصّ و الإجماع.

(و) كذا يحرم عليها (قراءة العزائم) الأربع و أبعاضها؛ للنصّ و الإجماع.

و لو فرض منها تلاوة إحداها، وجب عليها السجود و إن أثمت، كما أشار إليه بقوله (و تسجد) و هو خبر معناه الأمر بالسجود (لو تلت) إحدى السجدات (أو استمعت) لمن يقرؤها. و لا تحريم فيه. و المراد بالاستماع الإصغاء. و كذا تسجد لو سمعت السجدة من غير قصدٍ؛ لاشتراك الجميع في المقتضي، و عدم صلاحيّة الحيض للمانعيّة.

أمّا الأوّل: فلما روي في الصحيح عن الباقر (عليه السلام) حيث سُئل عن الطامث تسمع السجدة، قال

«إن كانت من العزائم فلتسجد إذا سمعتها.

(4)

و لما رواه أبو بصير عن الصادق (عليه السلام) قال

«إذا قرئ شيء من العزائم الأربع و سمعتها فاسجد و إن كنت على غير وضوء و إن كنت جنباً و إن كانت المرأة لا تصلّي.

(5)

و أمّا الثاني: فلأنّ احتمال المنع إنّما نشأ من كون السجود جزءاً من الصلاة المشترطة بالطهارة، كما هو حجّة الشيخ على عدم السجود (6).؛ و هو ممنوع؛ لأنّ المساواة في الهيئة

____________

(1) نهاية الإحكام 1: 103.

(2) الكافي 3: 107106/ 1؛ التهذيب 1: 397/ 1233.

(3) المراسم: 42.

(4) الكافي 3: 106/ 3؛ التهذيب 1: 129/ 353؛ الإستبصار 1: 115/ 385.

(5) الكافي 3: 318/ 2؛ التهذيب 2: 291/ 1171.

(6) النهاية: 25.

210

لا تقتضي المشاركة في الشرائط. و لأنّ اشتراط المجموع بشيء لا يقتضي اشتراط الأجزاء بذلك.

و ما ورد من قوله (عليه السلام) في خبر عبد الرحمن في الحائض

تقرأ و لا تسجد

(1)

محمول على السجدات المستحبّة؛ بدليل قوله (عليه السلام): «تقرأ» فلا يصلح حجّةً للشيخ.

و إنّما ترك مسألة السماع؛ لأنّ بحثه عن الوجوب؛ لدلالة ظاهر الأمر عليه، و السماع لا يوجب السجود عنده. و لأنّ القصد التنبيه على خلاف الشيخ (رحمه اللّه).

و قال الشهيد (رحمه اللّه) في بعض تحقيقاته: إنّ المصنّف إنّما ترك السماع؛ لأنّه مدلول عليه بالالتزام.

و في تحقيق اللزوم نظر.

و اعلم أنّ هذه الأُمور المحرّمة عليها ليست غاية زوال التحريم فيها واحدةً، بل منه ما غايته الطهارة، كالصلاة و الطواف و مسّ كتابة القرآن و دخول المساجد و قراءة العزائم، و منه ما غايته انقطاع الدم، كالطلاق؛ فإنّ تحريمه مرتفع (2) بالنقاء و إن لم تغتسل، و منه ما اختلف في إلحاقه بأحد القسمين، و هو الصوم، فالمشهور إلحاقه بالصلاة، فلا يصحّ الصوم بدون الغسل و إن لم يتوقّف على الوضوء.

و اختار المصنّف في النهاية تبعاً لابن أبي عقيل (3) انتهاء غاية التحريم فيه إلى النقاء و إن لم تغتسل، (4) و لم يذكر في النهاية عليه دليلًا، لكنّه مذهب العامّة، و هو باصولهم أشبه؛ لعدم اشتراط الطهارة في الصوم عندهم؛ لصحّته من الجنب، و الترجيح مع المشهور بأُمور:

أحدها: أنّ الحيض مانع من الصوم في الجملة، فيستصحب حكم المنع إلى أن يحصل المنافي له شرعاً باليقين، و هو غير حاصل قبل الغسل؛ لعدم الدليل الصالح على ذلك.

و لا يعارض بأنّ عموم الأوامر بالصوم يدخل المتنازع، و لا يخصّ إلا بدليل، و ليس المتنازع كذلك؛ لأنّ الحائض قد خرجت من عموم الأوامر بحصول الدم المحكوم بكونه حيضاً، فلا تعود حتى يتحقّق ارتفاع المانع، و هو إنّما يتمّ بالغسل.

____________

(1) التهذيب 2: 292/ 1172؛ الاستبصار 1: 320/ 1193، و فيه: «لا تقرأ ..».

(2) في «م»: «يرتفع».

(3) انظر: مختلف الشيعة 3: 278 279، المسألة 29.

(4) نهاية الإحكام 1: 119.

211

و ثانيها: أنّ الصوم من الحائض غير صحيح قطعاً و الوصف ثابت بعد النقاء بل و بعد الغسل؛ لما تقرّر في الأُصول من أنّه لا يشترط لصدق الاشتقاق بقاء المعنى المشتقّ منه، لكن خرج من ذلك ما أخرجه الدليل، و هو ما بعد الغسل، فيبقى الباقي على أصله.

و ثالثها: أنّ المستحاضة الكثيرة الدم لا يصحّ صومها بدون الغسل إجماعاً مع أنّها أخفّ حدثاً من الحائض قطعاً، فعدم صحّة صوم الحائض قبله أولى.

و ليس هذا من باب القياس الممنوع، بل من باب مفهوم الموافقة.

و كذا القول في النفساء بعد النقاء بتقريب الدليل.

(و يحرم على زوجها وطؤها) قُبُلًا في زمان الدم بإجماع المسلمين حتى أنّ مستحلّه كافر مرتدّ؛ لإنكاره ما عُلم من الدين ضرورةً، فتجري عليه أحكامه ما لم يدّع شبهةً ممكنة في حقّه، كقُرب عهده من الإسلام، و نشوئه في بادية بعيدة عن العلم بمعالم الدين.

و لو كان غير مستحل، فإن كان عالماً بالحيض و التحريم، فَعَل محرّماً (فيعزّر) كما في كلّ فاعلِ محرّمٍ عالم به بما يراه الحاكم.

و نقل عن أبي علي ابن الشيخ أبي جعفر تقديره بثُمن حدّ الزاني. (1) و لا نعلم المأخذ، فالمرجع فيه إلى رأي الحاكم كما في غيره من التعزيرات غير المنصوصة.

و لو جهل الحيض أو التحريم أو نسيهما، فلا شيء عليه؛ لرفع حكم الخطأ و النسيان.

و يجب القبول من المرأة لو أخبرت بالحيض إن لم تتّهم بتضييع حقّه؛ لقوله تعالى وَ لٰا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ (2) الآية، و لو لا وجوب القبول لما ظهر لتحريم الكتمان فائدة.

و لو اشتبه الحال، فإن كان لتحيّرها، فقد تقدّم حكمه. و إن كان لغلبة ظنّه بكذبها، فقد أوجب المصنّف في النهاية و المنتهى، و الشهيد في الذكرى الامتناع. (3) و فيه نظر.

و لو اتّفق الحيض في أثناء الوطي، وجب التخلّص منه في الحال، فإن استدام فكالمبتدي.

و لا فرق في ذلك بين الرجل و المرأة، فيجب عليها الامتناع بحسب الإمكان، فتعزّر أيضاً مع المطاوعة لكن لا كفّارة عليها إجماعاً. و لأصالة البراءة، و عصمة المال.

____________

(1) كما في جامع المقاصد 1: 320.

(2) البقرة (2): 228.

(3) نهاية الإحكام 1: 122؛ منتهى المطلب 2: 393، الفرع الثاني عشر؛ الذكرى 1: 278.

212

(و) هل يجب عليه مع ذلك كفّارة؟ قيل: لا، بل (تُستحبّ الكفّارة) كما اختاره المصنّف و الشيخ في النهاية، (1) و جماعة (2) من المتأخّرين.

و المشهور خصوصاً بين المتقدّمين كالمفيد و المرتضى و ابن بابويه (3) و غيرهم (4) الوجوب حتى ادّعى الشيخ فيه الإجماع. (5)

و منشأ القولين من اختلاف الروايات.

فالأوّل استند مع أصالة البراءة إلى ما رواه الشيخ في الصحيح عن عيص بن القاسم، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل واقع امرأته و هي طامث، قال

لا يلتمس فعل ذلك، قد نهى اللّه أن يقربها

قلت: فإن فعل عليه كفّارة؟ قال

لا أعلم فيه شيئاً يستغفر اللّه تعالى

(6)

و هذا الخبر دالّ على عدم الكفّارة بأبلغ وجه؛ لأنّ ما لا يعلم الإمام وجوبه لا يكون واجباً، و إلا لعلمه؛ لامتناع أن يخفى عليه شيء من الأحكام و الحال أنّه حافظ للشرع، و إلى غيره من الأخبار الدالّة على عدم الكفّارة صريحاً مع صحّة سندها.

و استند الثاني إلى روايات ضعيفة الإسناد، مختلفة التقدير، موجبة على تقدير دلالتها على الوجوب لتأخّر البيان عن وقت الحاجة، فحملها على الاستحباب أوجَه، فإنّ اختلاف التقادير في المستحبّ واقع، ك«تصدّقوا بتمرة» و «بشقّ تمرة» و «بصاع» و «بنصف صاع» و لا ريب أنّ الاحتياط طريق اليقين ببراءة الذمّة.

و على تقديري الوجوب و الاستحباب فالكفّارة في الوطي (في أوّله) و هو ثلثه الأوّل على المختار، كالأوّل لذات الثلاثة (بدينار) أي: مثقال ذهباً خالصاً مضروباً كانت قيمته في زمانهُ عشرة دراهم، فلا تجزئ القيمة و لا التبر؛ لعدم تناول النصّ لهما، كباقي الكفّارات.

و لو طرأ نقصان قيمته أو زيادتها على ما كان في عهده (صلّى اللّه عليه و آله) كهذا الزمان، احتمل بقاء حكم القيمة و اعتبار الدينار بالغاً ما بلغ.

____________

(1) النهاية: 26.

(2) منهم: المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 229 و 231؛ و المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 321.

(3) المقنعة: 55؛ الانتصار: 126، المسألة 26؛ الفقيه 1: 53.

(4) كالقاضي ابن البرّاج في المهذّب 1: 35؛ و ابن إدريس في السرائر 1: 144؛ و ابن حمزة في الوسيلة: 58.

(5) الخلاف 1: 226، المسألة 194.

(6) التهذيب 1: 164/ 472؛ الإستبصار 1: 134/ 460.

213

و في الذكرى نسب تقديره بعشرة دراهم إلى الشيخين، (1) و هو يشعر بتوقّفه فيه و أن يراد به المثقال.

(و) مع الوطي (في أوسطه) و هو الثلث الأوسط، كالثاني لذات الثلاثة (بنصفه) أي: بنصف الدينار، كما تقدّم.

(و) مع الوطي (في آخره) و هو الثلث الأخير (بربعه).

و مستند التفصيل رواية داوُد بن فرقد المرسلة عن أبي عبد اللّه، (عليه السلام) (2) و لا رادّ لها و لا معارض.

و حيث كان الاعتبار في الأوّل و الأوسط و الأخير بالعادة، فتختلف باختلافها، فالأوّل لذات الثلاثة اليومُ الأوّل، و لذات الأربعة هو مع ثلث الثاني، و لذات الخمسة هو مع ثلثيه، و لذات الستّة اليومان الأوّلان، و على هذا القياس. و مثله الأوسط و الأخير.

و قال سلار: الوسط ما بين الخمسة إلى السبعة. (3)

و اعتبر الراوندي العشرة دون العادة. (4)

و عليهما قد يخلو بعض العادات عن الوسط و الآخر، و رجوع الضمير في قوله (عليه السلام)

يتصدّق إذا كان في أوّله بدينار

(5)

إلى الحيض من غير تفصيل يدفعهما، مع ندورهما.

و النفساء في ذلك كالحائض غير أنّه قد يمكن اجتماع زمانين أو ثلاثة في وطئ واحد بالنسبة إلى النفساء، و حينئذٍ فيحتمل تعدّد الكفّارة؛ لصدق الأزمنة لغةً، و اختاره الشهيد في الذكرى، (6) و احتمله في البيان. (7) و عدمُه؛ لعدم صدقها عرفاً، و هو مقدّم على اللغة مع أصالة البراءة.

و في شهادة العرف بذلك نظر، و لو تمّ لم يكن بُدّ من القول به؛ لتقدّمه عليها.

و مصرف هذه الكفّارة الفقراء و المساكين من أهل الإيمان، و لا يجب التعدّد، فيكفي

____________

(1) الذكرى 1: 279؛ و انظر: المقنعة: 55؛ و النهاية: 26.

(2) التهذيب 1: 164/ 471؛ الاستبصار 1: 134/ 459.

(3) المراسم: 44.

(4) فقه القرآن 1: 54.

(5) التهذيب 1: 164/ 471؛ الاستبصار 1: 134/ 459.

(6) الذكرى 1: 279.

(7) البيان: 67.

214

الواحد.

و لا فرق في الزوجة بين الدائمة و المنقطعة، الحرّة و الأمة؛ للعموم.

و هل تلحقها الأجنبيّة المشتبهة أو المزنيّ بها؟ وجهان منشؤهما استلزام ثبوت الحكم في الأدنى ثبوتَه في الأعلى، و عدم النصّ، مع احتمال كون الكفّارة مسقطةً للذنب، فلا تتعدّى إلى الأقوى.

و اختار الأوّل المصنّف و الشهيد (1) (رحمه اللّه).

و يشهد له أيضاً رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)

مَنْ أتى حائضاً

(2)

حيث علّق الحكم على المطلق من غير تقييدٍ، فكان كالعامّ.

و لو كانت الحائض الموطوءة أمتَه، تصدّق بثلاثة أمداد من طعام على ما اختاره المصنّف (3) تبعاً للشيخ في النهاية و الصدوق (4) وجوباً أو استحباباً. و المستند رواية (5) لا تنهض بحجّيّة المدّعى.

و لا فرق حينئذٍ بين أوّل الحيض و أوسطه و آخره؛ لإطلاق الرواية و الفتوى، و لا بين الأمة القِنّة و المدبّرة و أُمّ الولد و المزوّجة و إن حرم الوطء.

و في المكاتبة المشروطة و المطلقة وجهان مبنيّان على الأجنبيّة، و أولى بالوجوب.

أمّا المعتق بعضها فكالأجنبيّة، مع احتمال التقسيط و إعطاء كلّ من الجهتين حكمها.

فرع: لو كرّر الوطء، ففي تكرّر الكفّارة مطلقاً أو عدمه مطلقاً أو تكرّرها مع اختلاف الزمان أو سبق التكفير لا بدونهما أقوال اختار أوّلها الشهيد في مختصريه. (6)

و يشهد له كون كلّ وطئ سبباً في الوجوب، و تداخل الأسباب على خلاف الأصل، و إنّما الأصل أنّ اختلاف الأسباب يوجب اختلاف المسبّبات، و على هذا فيصدق تكرّر الوطي بالإدخال بعد النزع في وقتٍ واحد. و يتحقّق الإدخال بغيبوبة الحشفة؛ لأنّه مناط

____________

(1) نهاية الإحكام 1: 122؛ الذكرى 1: 279.

(2) التهذيب 1: 163/ 468؛ الإستبصار 1: 133/ 456.

(3) نهاية الإحكام 1: 122.

(4) النهاية: 572571؛ المقنع: 52؛ الفقيه 1: 53 ذيل الحديث 200.

(5) انظر: التهذيب 1: 164/ 470؛ و الاستبصار 1: 133/ 458.

(6) البيان: 63؛ الدروس 1: 101.

215

الوطي شرعاً.

و استند ابن إدريس في عدم التكرّر مطلقاً إلى أصالة براءة الذمّة، فشغلها بواجبٍ أو ندبٍ يحتاج إلى دلالة شرعيّة، و استشهد عليه بعدم تكرّر الكفّارة على مَنْ كرّر الأكل في شهر رمضان اتّفاقاً. (1)

و قد عرفت جواب الاستدلال بالبراءة؛ فإنّ تعليق الحكم في النصوص على الوطي و جَعله سبباً أوجب شغل الذمّة، فمدّعي التداخل يحتاج إلى الدليل.

و القياس على تكرّر الأكل في الصوم إن كان مع تكرّر الأيّام، فالاتّفاق على عدم التكرّر فيه ممنوع، بل المختار فيه التكرّر.

و إن عنى به مع اتّحاد اليوم، فهو أخصّ من الدعوى، مع أنّه عين المتنازع. و إن لم يكن عليه إجماع، فالمختار فيه كما هنا.

و الثالث اختيار المصنّف (2) و الشهيد في الذكرى (3)؛ استناداً مع تغاير الوقت إلى أنّهما فعلان مختلفان في الحكم، فلا يتداخلان، كغيرهما من العقوبات المختلفة على الأفعال المختلفة. و مع تخلّل التكفير إلى أنّ الكفّارة إنّما تجب أو تستحبّ بعد موجب العقوبة، فلا تؤثّر المتقدّمة في إسقاط ما يتعلّق بالفعل المتأخّر. و في عدم التكرّر مع عدم الأمرين إلى أنّ الكفّارة متعلّقة على الوطي من حيث هو هو، و كما يصدق في الواحد يصدق في المتعدّد، فيكون الجزاء واحداً.

و جوابه: أمّا عن الأوّل: فيمنع أنّ عدم التداخل ثَمَّ معلّل باختلافها في الحكم. و الاستشهاد بالعقوبات قياس لا نقول به، بل الوجه في ذلك إنّما هو كون تداخل الأسباب على خلاف الأصل، و هو ثابت مع اتّفاق الحكم. و مثله القول في تعليل الثاني.

و عن الثالث: بأنّه لو تمّ، للزم مثله مع تغاير الوقت، فإنّ وجوب الكفّارة إن كان معلّقاً على الوطي من حيث هو هو بحيث لا مدخل للأفراد، لم يؤثّر في ذلك تغاير الوقت على وجه يقتضي التعدّد.

____________

(1) السرائر 1: 144 و 145.

(2) نهاية الإحكام 1: 122.

(3) الذكرى 1: 278.

216

ثمّ يمكن القول بموجب دليله و سوقه على وجه يستلزم التعدّد مطلقاً بأن يقال: الكفّارة مسبّبة عن الوطي، و صدقه في المتعدّد كصدقه في كلّ واحد من آحاده، فيتكرّر السبب، و الأصل فيه عدم التداخل، فقد ظهر أنّ القول الأوّل أوجَه. و مثله القول في تكرّر الإفطار في شهر رمضان مطلقاً.

[و يكره على الحائض أمور]

(و يكره) وطء الحائض (بعد انقطاعه) سواء كان في زمان العادة أم لا (قبل الغسل) من غير تحريم على أشهر القولين؛ لدلالة القرآن و الأخبار عليه.

أمّا الأوّل: فقوله تعالى فَاعْتَزِلُوا النِّسٰاءَ فِي الْمَحِيضِ وَ لٰا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّٰى يَطْهُرْنَ. (1)

و الاستدلال به على وجهين:

أحدهما: دلالة صدر الآية على اختصاص النهي بزمان المحيض أو بمكانه؛ فإنّ المحيض إمّا بمعنى الزمان أو المكان، كالمجيء و المبيت، أو أنّه مصدر يقدّر معه الزمان أو المكان، و إنّما يكون كذلك مع وجود الدم، و التقدير عدمه، فينتفي التحريم.

و الثاني: جَعله سبحانه غاية التحريم خروجهنّ من الحيض بقوله حَتّٰى يَطْهُرْنَ بالتخفيف، كما قرأ به السبعة، (2) أي: يخرجن من الحيض، يقال: طهرت المرأة: إذا انقطع حيضها، فيثبت الحلّ بعده بمقتضى الغاية.

و لا يعارض بقراءة التضعيف؛ حيث إنّ ظاهرها اعتبار التطهير، أعني الاغتسال؛ لإمكان حملها على الطهر؛ توفيقاً بين القراءتين، فقد جاء في كلامهم «تفعّل» بمعنى «فعل» مثل: تطعّمت الطعام و طعمته، و قطعت الحبل فتقطّع، و كسرت الكوز فتكسّر، فإنّ الثقيل في هذه الأمثلة بمعنى الخفيف. و مثله المتكبّر في أسماء اللّه تعالى، فإنّه بمعنى الكبير، أو تُحمل قراءة التضعيف على الاستحباب؛ صوناً للقراءتين عن التنافي، كما ذكره في المعتبر. (3)

____________

(1) البقرة (2): 222.

(2) كما في جامع المقاصد 1: 333. و القُرّاء السبعة هُمْ: حمزة بن حبيب الزيّات، و عاصم بن أبي النجود، و عليّ بن حمزة الكسائي، من الكوفة، و أبو عمرو بن العلاء، من البصرة، و ابن عامر، من الشام، و نافع بن عبد الرحمن، من المدينة، و عبد الله بن كثير، من مكة. السبعة في القراءات: 182؛ حجّة القراءات: 135134؛ الحجّة للقرّاء السبعة لأبي علي الفارسي 2: 321؛ التذكرة في القراءات 2: 333.

(3) المعتبر 1: 235.

217

و لا يعارض أيضاً بمفهوم الشرط في قوله تعالى فَإِذٰا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ (1) لأنّ غايته تعارض مفهوم الغاية و الشرط فيتساقطان و يرجع إلى حكم الأصل و هو الحلّ حتى يقوم الدليل على التحريم، أو أنّه مستأنف منقطع عمّا قبله، و لا يكون غايةً لزمان الحظر و لا شرطاً لإباحة قربهنّ. سلّمنا، لكنّ (2) المراد به غَسل الفرج.

و أمّا الأخبار: فمنها: ما رواه الشيخ عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: المرأة ينقطع عنها دم الحيض في آخر أيّامها، قال

إن أصابه شبق فليأمرها أن تغسل فرجها ثمّ يمسّها إن شاء.

(3)

و منها: ما رواه علي بن يقطين عن أبي الحسن (عليه السلام)، قال: سألته عن الحائض ترى الطهر أ يقع عليها زوجها قبل أن تغتسل؟ فقال

لا بأس، و بعد الغسل أحبّ إليّ

(4)

و هذا الحديث دالّ على الكراهة.

و ذهب الصدوق أبو جعفر محمّد بن بابويه إلى التحريم (5)؛ محتجّاً بالآية مفسّراً معنى «يطهرن» مخفّفاً و مثقّلًا بمعنى يغتسلن، و بمفهوم الشرط.

و بما رواه أبو بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: سألته عن امرأة كانت طامثاً فرأت الطهر أ يقع عليها زوجها قبل أن تغتسل؟ قال

لا، حتى تغتسل.

(6)

و بما رواه سعيد بن يسار عنه (عليه السلام)، إلى قوله: أ فلزوجها أن يأتيها قبل أن تغتسل؟ قال

لا، حتى تغتسل.

(7)

و أُجيب بالحمل على الكراهة؛ توفيقاً بين الأخبار، كما وُفّق بين القراءتين.

هذا أقصى ما وجّهوا به القولين حجّةً و جواباً.

و أقول: في حجّة الحلّ نظر من وجوه:

الأوّل: حمل الطهر مطلقاً على انقطاع الدم مع أنّه حقيقة شرعيّة في أحد الثلاثة أعني

____________

(1) البقرة (2): 222.

(2) في «م» و الطبعة الحجريّة: «أو أنّ» بدل «سلّمنا، لكنّ».

(3) الكافي 5: 539/ 1؛ التهذيب 1: 167/ 481؛ الإستبصار 1: 136/ 468.

(4) الكافي 5: 539 540/ 2؛ التهذيب 1: 167/ 481؛ الاستبصار 1: 136/ 468.

(5) الفقيه 1: 53.

(6) التهذيب 1: 166/ 478؛ الاستبصار 1: 136/ 465.

(7) التهذيب 1: 167/ 479؛ الاستبصار 1: 136/ 466.

218

الوضوء و الغسل و التيمّم كما لا يخفى. و غاية ما ذكروه أن يكون ثابتاً في اللغة، و الحقائق الشرعيّة مقدّمة على اللغويّة و العرفيّة، فقراءة التخفيف و إن صلحت لهما لغةً لكنّها محمولة شرعاً على الحالة الحاصلة لهنّ بعد فعل الطهارة الشرعيّة، و قراءة التشديد كالصريحة فيها.

الثاني: حمل قراءة التشديد على التخفيف استناداً إلى الشواهد المذكورة مع ما هو معلوم من القواعد العربيّة من أنّ كثرة المباني تدلّ على كثرة المعاني، و هذا هو الكثير الشائع.

و ما وقع من اتّفاقهما نادراً لا يوجب المصير إليه و ترك الأكثري، مع أنّ أكثر الشواهد ليست مطابقةً؛ فإنّ باب «تفعّل» الجاري عليه

كسرت الكوز فتكسّر

و نحوه

قطعت الحبل فتقطّع

ليس ممّا نحن فيه.

الثالث: أنّ صدر الآية و هو قوله تعالى وَ لٰا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّٰى يَطْهُرْنَ (1) إنّما دلّ على تحريم الوطي في وقت الحيض، و لا يلزم منه اختصاص التحريم بوقته؛ إذ لا يلزم من تحريم شيء في وقت أو مكان مخصوص اختصاص التحريم به؛ لأنّه أعمّ منه، و لا دلالة لعامّ على أفراده المعيّنة.

نعم، ربما دلّ بمفهوم الوصف على الاختصاص، و هو ليس بحجّة عند المصنّف (2) و الجماعة فكيف يحتجّون به!؟

الرابع: قولهم في جواب الغاية و الشرط: إنّه قد تعارض مفهومان، إلى آخره، لا يتمّ بعد ما قرّرناه، فإنّه لو حمل على الطهارة الشرعيّة أعني الغسل لم يقع تنافٍ أصلًا، و استغني عن التكلّف.

و يؤيّده قوله في آخر الآية إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ التَّوّٰابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (3) فإنّ الموصوف بالمحبّة مَنْ فَعَل الطهارة بالاختيار حتى يستحقّ المدح و الثناء، و أمّا مَنْ حصل له الطهارة بغير اختياره كانقطاع الدم، لا يستحقّ لذلك (4)؛ الوصفَ بالمحبوبيّة خصوصاً و قد قرنها بالتوبة

____________

(1) صدر الآية قوله تعالى: فَاعْتَزِلُوا النِّسٰاءَ فِي الْمَحِيضِ.

(2) مبادئ الوصول: 100؛ نهاية الوصول، المقصد الرابع: في الأمر و النهي، الفصل الثالث، البحث التاسع.

(3) البقرة (2): 222.

(4) في «ق، م»: بذلك.

219

الصادرة عن الاختيار. و لو سُلّم، فمفهوم الشرط أقوى.

الخامس: اعتمادهم في دفع التنافي على كون قوله تعالى فَإِذٰا تَطَهَّرْنَ كلاماً مستأنفاً كما قرّره المصنّف في المختلف (1) لا يدفع التنافي بوجه؛ لأنّ الحجّة ليست في كونه معطوفاً على ما قبله حتى يدفعه الحمل على الاستئناف، بل في تصديره بأداة الشرط، الدالّة على اشتراط الإتيان بالتطهّر.

السادس: حَملُ الطهارة على غَسل الفرج كما حمله المصنّف (2) فيه أيضاً لا يوافق مذهبه، فإنّه لا يشترط في الإباحة غسل الفرج، (3) فلا وجه لجَعله شرطاً، مع مخالفته لمدلول الطهارة شرعاً و عرفاً.

و إن حمل غَسل الفرج على كونه شرطاً في الاستحباب كما ورد في بعض (4) الأخبار عُورض بأنّ حمله على الغسل أولى، فإنّ استحبابه ثابت عنده، فيكون أوفق بظاهر اللفظ إن لم يتعيّن المصير إليه.

السابع: حَملُ قراءة التضعيف على الاستحباب بمعنى توقّف الوطي على الغسل استحباباً عدول عن الحقيقة و الظاهر؛ فإنّ صدر الآية النهي عن القرب المغيّا بالطهارة، و النهي دالّ على التحريم فكيف يعلّق على المستحبّ!؟

الثامن: حَملُ الأخبار الدالّة على النهي الذي هو حقيقة في التحريم على الكراهة؛ جمعاً بين الأخبار غير مطابق للواقع؛ لوجهين:

أحدهما: أنّ هذه الروايات دلّت على الحظر، و ما ذكروه من الروايات دلّ على الإباحة، و إذا تعارض خبر الحظر و الإباحة، قدّم الخبر الدالّ على الحظر، كما قرّر في الأُصول.

الثاني: أنّ ذلك إنّما يكون مع تكافؤ الأخبار و الحال أنّ أخبار الحظر أقوى و أكثر، يعلم ذلك مَنْ راجع فيه كُتُبَ الحديث.

و الذي استفيد من ذلك كلّه قوّة ما ذهب إليه الصدوق (رحمه اللّه)؛ لدلالة الآية ظاهراً عليه، و ورود الأخبار الصحيحة به و إن عارضها ما لا يساويها.

____________

(1) مختلف الشيعة 1: 190، المسألة 134.

(2) مختلف الشيعة 1: 190، المسألة 134.

(3) نهاية الإحكام 1: 120.

(4) الكافي 5: 539/ 1؛ التهذيب 1: 166/ 475، و 7: 486/ 1952؛ الاستبصار 1: 135/ 463.

220

اللّهمّ إلا أن يدّعى الإجماع على خلافه بناءً على عدم العلم بموافقٍ له، و كونه معلوم النسب، فلا يقدح فيه، كما قرّر في الأُصول، أو يدّعى انعقاد الإجماع بعده، فإنّ الأئمّة الذين تصدّوا لنقل الخلاف لم يذكروا له موافقاً على ذلك فيجاب بمنع الإجماع؛ إذ لم يدّعه أحد، و بأنّا كما لا نعلم له موافقاً لا نعلم انتفاء الموافق، و هو كافٍ في عدم انعقاد الإجماع على خلافه، و مثل هذا القدر كافٍ في الحجّة.

و قد أشار إليه المحقّق في المعتبر في مسألة وجوب الكفّارة بوطي الحائض حيث نقل عن الشيخ و المرتضى دعوى الإجماع على وجوبها.

ثمّ قال ما هذا لفظه: أمّا احتجاج الشيخ و علم الهدى بالإجماع: فلا نعلمه، و كيف يتحقّق الإجماع فيما يتحقّق فيه الخلاف!؟ و لو قال: المخالف معلوم، قلنا: لكن لا نعلم أنّه لا مخالف غيره، و مع الاحتمال لا يبقى وثوق في خلافه. (1) انتهى.

فانظر كيف لم يعتمد المحقّق على الإجماع المنقول بخبر هذين الكبيرين، و جَعَل احتمال الموافقة للمعلوم كافياً في القدح فيه، فكيف في مسألةٍ لم يدّع أحد فيها الإجماع!؟

و هذه فائدة تتمشّى في كثيرٍ من المسائل التي يظنّ مَنْ لا تحصيل له صحّة دعوى الإجماع عليها مع علمه بمخالفة الواحد و الأكثر متوهّماً ما سلف، مع أنّه يمكن المعارضة بمثله بأن يقال: المخالف في الجانب الآخر جماعة كلّهم معلومو الأصل و النسب، فلا عبرة بخلافهم، فيمكن دعوى الإجماع في الجانب الآخر.

و قد قال المحقّق في المعتبر أيضاً: الإجماع عندنا حجّة بانضمام المعصوم، فلو خلا المائة من فقهائنا عن قوله، لما كان حجّةً، و لو حصل في اثنين، لكان قولهما حجّةً، فلا تغترّ إذن بمن يتحكّم فيدّعي الإجماع باتّفاق الخمسة و العشرة من الأصحاب مع جهالة قول الباقين إلا مع العلم القطعي بدخول الإمام. (2) انتهى.

و هذا يدلّك على تعذّر دعوى الإجماع الآن إلا ما نقله الأصحاب منه أو واحد منهم، فإنّ المنقول منه بخبر الواحد حجّة، كما حقّق في محلّه، فتأمّل.

و قد أفردنا لتحقيق الإجماع في حال الغيبة رسالة تنفع في هذا المقام مَنْ أرادها

____________

(1) المعتبر 1: 229- 230.

(2) المعتبر 1: 31.

221

وقف عليها.

و إنّما أطنبنا القول في هذه المسألة؛ لفوائد (1) فيها، و شدّة الحاجة إليها، و الله الموفّق.

و بعد ذلك كلّه فالقول بالكراهة أقوى؛ لأنّ هذه الأدلّة و إن دلّت على التحريم لكن يلزم من القول به اطّراح الأخبار الدالّة على الإباحة أصلًا و منها ما هو صحيح و هو غير جائز مع إمكان الجمع، و هو هنا ممكن بحمل أخبار النهي على الكراهة، كما تقدّم، بخلاف العكس؛ فإنّه لا يتوجّه معه حمل أخبار الإباحة على وجه يحصل معه الجمع، و ما تقدّم من وجوه الترجيح إنّما يتمّ مع تحقّق التعارض بحيث لا يمكن الجمع، و حينئذٍ يتعيّن الجمع بين القراءتين بما ذُكر و إن بعُدَ حذراً من معارضة الكتاب للسنّة، و كما يجب الجمع بين أجزاء الكتاب كذا يجب الجمع بينه و بينها، و فيه مع ذلك موافقة لأكثر الأصحاب و كُبرائهم.

و اعلم أنّ الأكثر (2) نقلوا عن الصدوق القول بالمنع من الوطي قبل الغسل من غير تفصيل.

و نقل المصنّف في المختلف عنه القول بأنّه مع عدم الغسل إذا غلبته الشهوة أَمَرَها بغَسل فرجها. (3) و في بعض (4) الأخبار التي استدلّ بها المجوّزون دلالة على هذا التفصيل.

لكن يبقى على هذا النقل القول بالمنع مطلقاً لا يعلم به قائل، فيشكل المصير إليه و إن قويت الدلالة عليه.

ثمّ على القول بالتحريم بوجه من الوجوه هل يتوقّف حلّ الوطي على التيمّم بدلًا من الغسل؟ الظاهر نعم، و به صرّح في الذكرى و الدروس، (5) و في بعض الأخبار عن الصادق (عليه السلام) (6) دلالة عليه، لكن في طريقه ضعف.

و كذا تزول الكراهة بالتيمّم عند تعذّر الغسل عند المجوّزين.

و استقرب المصنّف في النهاية عدم وجوب التيمّم و إن قلنا بوجوب الغسل، (7)

____________

(1) في «ق، م»: «لكثرة الفوائد».

(2) منهم: المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 333.

(3) مختلف الشيعة 1: 189، المسألة 134.

(4) الكافي 5: 539/ 1؛ التهذيب 1: 166/ 475، و 7: 486/ 1952؛ الاستبصار 1: 135/ 463.

(5) الذكرى 1: 272؛ الدروس 1: 101.

(6) الكافي 3: 82/ 3؛ التهذيب 1: 400/ 1250، و 405/ 1268.

(7) نهاية الإحكام 1: 121.

222

و لم يذكر له سنداً.

و لو قلنا بوجوب التيمّم و تعذّر الصعيد، فهل يباح الوطء من غير شبق، أو معه عند مَنْ أطلق القول بالمنع؟ استقرب المصنّف في النهاية عدمه؛ لفقد الشرط. (1)

و استحبّ المصنّف (2) و أكثر (3) المجوّزين غَسل الفرج عند عدم الغسل.

قال في المعتبر: و من الأصحاب مَنْ أورد ذلك بلفظ الوجوب. (4) فإن أراد به الصدوق، و إلا فهو قول آخر بوجوب غَسل الفرج عند غلبة الشهوة دون الغُسل. و يمكن دلالة خبر محمد بن مسلم (5) عليه.

و لا فرق في جواز الوطي بعد الانقطاع عند المجوّزين بين انقطاعه لأكثر الحيض أو لأقلّه، و لا بين انقطاعه على العادة أو بعدها، بل الدليل و الفتوى شاملان للانقطاع قبلها أيضاً.

و ربما استشكل الحكم هنا، إلا أنّ هذا الإشكال لا يزول بالاغتسال قبل العادة؛ لاحتمال معاودة الدم فيها. و لا يقال: لو أثّر هذا الاحتمال لتمشّي فيما بعد العادة قبل الوصول إلى الأكثر؛ لاحتمال معاودته أيضاً و الانقطاع على العشرة؛ لأنّ قيام الاحتمال في زمان العادة الملحقة بالأُمور الجبلّيّة أقوى. و لا ريب أنّ الاحتياط طريق البراءة و إن كان لظاهر الحكم أمر آخر.

(و) يكره أيضاً لها (الخضاب) بحنّاء و غيره؛ جمعاً بين الأخبار الدالّة على النهي عنه، و المصرّحة بنفي البأس.

و علّل في بعضها بأنّه

يخاف عليها من الشيطان

(6)

عند ذلك.

و ليست العلّة منعه من وصول الماء إلى البشرة التي عليها الخضاب كما ذكره المفيد (7)؛ لأنّ ذلك لو تمّ، لاقتضى التحريم لا الكراهة.

و يمنع كون اللون يحجب ما تحته من البشرة عن وصول الماء إليه؛ لأنّه عَرَض.

____________

(1) نهاية الإحكام: 1: 121.

(2) مختلف الشيعة 1: 189، المسألة 134.

(3) منهم: المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 236؛ و الشهيد في الذكرى 1: 272؛ و المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 335.

(4) المعتبر 1: 236.

(5) الكافي 5: 539/ 1؛ التهذيب 7: 486/ 1952.

(6) علل الشرائع 1: 339/ 1، الباب 218.

(7) المقنعة: 58.

223

(و حمل المصحف) بغير علاقة، أمّا بها فقد نفى المصنّف الكراهة فيه عن الجنب، (1) و لا فرق، لكن ظاهر النصّ و الفتوى يتناولهما.

و ادّعى المحقّق في المعتبر إجماع الأصحاب على كراهة حمل المصحف بعلاقته لها. (2)

(و لمس هامشه) من غير أن تمسّ الخط، كلّ ذلك للتعظيم.

و حرّمه المرتضى لها كما حرّمه للجنب. (3) و قد روي عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال

المصحف لا تمسّه على غير طهر و لا جنباً و لا تمسّ خيطه

(4)

و لا تعلّقه، إنّ اللّه يقول

لٰا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ

.

(5)

(6) قال في المعتبر

و نُزّل

(7)

على الكراهة؛ نظراً إلى عمل الأصحاب.

(8) و لا بأس بتقليبه بعود و نحوه؛ لعدم صدق المسّ.

(و الجواز) و هو المرور من غير لَبثٍ (في المساجد) غير المسجدين؛ للتعظيم، هذا مع أمن التلويث، و بدونه يحرم.

و مثلها السلس و المبطون و المجروح و الصبي المنجّس و الدابّة التي لا تؤكل.

و ألحق جماعة (9) من الأصحاب المشاهدَ بالمساجد. و هو حسن، بل الأمر في المشاهد أغلظ؛ لتأديتها فائدة المسجد و تزيد شرف المدفون بها.

(و قراءة) القرآن (غير العزائم) الأربع من غير تحريم بلا خلاف بين أصحابنا في ذلك.

و حرّمها الجمهور. (10)

لنا: قوله تعالى فَاقْرَؤُا مٰا تَيَسَّرَ مِنْهُ (11) و الأمر مطلق، فلا يتقيّد بالطهارة.

____________

(1) نهاية الإحكام 1: 104.

(2) المعتبر 1: 234.

(3) حكاه عنه المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 234.

(4) في «م» و الاستبصار: «خطّه».

(5) الواقعة (56): 79.

(6) التهذيب 1: 127/ 343؛ الإستبصار 1: 114113/ 378.

(7) في «ق، م»: «نُزّلت».

(8) المعتبر 1: 234.

(9) منهم: الشيخ المفيد في العزّيّة، و ابن الجنيد، كما في الذكرى 1: 278.

(10) المجموع 2: 158 و 162؛ المغني 1: 166165؛ الشرح الكبير 1: 241240.

(11) المزّمّل (73): 20.

224

و ما روي عن أبي جعفر (عليه السلام)، قلت: الجنب و الحائض يقرءان شيئاً؟ قال

نعم ما شاءا إلا السجدة، و يذكران اللّه على كلّ حال.

(1)

(و الاستمتاع) منها (بما بين السرّة و الركبة) لأنّه حريم الفرج، و

مَنْ رتع حول الحمى يوشك أن يخالطه

كما ورد في الحديث، (2) و يستثنى من ذلك موضع الدم.

و القول بالكراهة هو المشهور، و قد ورد التصريح به في عدّة أخبار، (3) و يدلّ عليه أيضاً نفي اللوم عن استمتاع الأزواج في الآية (4) كيف كان، خرج منه موضع الدم بالإجماع، فيبقى الباقي، و نحوه فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّٰى شِئْتُمْ. (5)

و حرّم المرتضى الاستمتاع منها بما تحت المئزر، (6) و عنى به ما بين السرّة و الركبة؛ لقوله تعالى وَ لٰا تَقْرَبُوهُنَّ (7) خرج منه ما أُجمع على جوازه، فيبقى الباقي؛ لصدق القرب عليه.

و لقول الصادق (عليه السلام)

تتّزر إلى الركبتين، و تخرج سرّتها ثمّ له ما فوق الإزار.

(8)

و جوابه: أنّ حقيقة القرب ليست مرادةً من الآية إجماعاً، فيحمل على المجاز المتعارف، و هو الجماع، أو يراد به قُرب مخصوص، و هو القُرب الذي يكون معه إرادة الجماع؛ لأنّه وسيلة المحرّم فيكون محرّماً. لكن يشكل هنا تحريم القرب نفسه؛ لأنّ المحرّم إنّما هو الجماع.

و لقول النبي (صلّى اللّه عليه و آله)

افعلوا كلّ شيء إلا الجماع.

(9)

و لعلّ القرب كناية عنه عدولًا عن التصريح بما يستهجن التصريح به، كالعدول عن اسم الحدث إلى مكانه، و مثل ذلك كثير.

____________

(1) علل الشرائع 1: 335/ 1، الباب 210؛ التهذيب 1: 2726/ 67 و 129/ 352؛ الاستبصار 1: 115/ 384.

(2) صحيح البخاري 3: 724723/ 1946؛ سنن أبي داوُد 3: 243/ 3329؛ سنن الترمذي 3: 511/ 1205.

(3) الكافي 5: 539538/ 1 4؛ التهذيب 1: 154/ 438436 و 155/ 442 و 443؛ الاستبصار 1: 129128/ 441437.

(4) المؤمنون (23): 5 و 6.

(5) البقرة (2): 223.

(6) حكاه عنه المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 234؛ و العِمة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 185، المسألة 130.

(7) البقرة (2): 222.

(8) الفقيه 1: 54/ 204؛ التهذيب 1: 154/ 439؛ الاستبصار 1: 129/ 442.

(9) صحيح مسلم 1: 246/ 302؛ سنن ابن ماجة 1: 211/ 644؛ سنن أبي داوُد 1: 67/ 258؛ سنن البيهقي 1: 467، ذيل ح 1501؛ مسند أحمد 3: 590/ 11945.

225

و الأخبار معارضة بأقوى منها، فتُحمل على الكراهة؛ جمعاً بين الأخبار، مع أنّ في دلالتها على مطلوبه نظراً؛ فإنّ كون ما فوق الإزار له لا يدلّ على نفي ما عداه إلا بمفهوم اللقب، و نحوه غيره من الأحاديث التي استدلّ بها، فالعمل على المشهور، و هو الكراهة؛ لاتّفاق المجوّزين عليه كما نقله عنهم في المعتبر. (1)

بقي هنا شيء، و هو أنّ الحدّ الفاصل بين المكروه و غيره و هو السرّة و الركبة هل هو داخل في المكروه أم في غيره؟ الذي يقتضيه قولهم: ما بين السرّة و الركبة: خروجهما منه.

و في كلام الصادق (عليه السلام) المتقدّم (2) إشارة إليه؛ لأنّه أذن في إخراج سرّتها، و هي أقوى الحدّين.

و في المعتبر: لا بأس بالاستمتاع منها بما فوق السرّة و ما تحت الركبة. (3) و هو دالّ بمفهومه على دخولهما، لكنّ الحكم مدلول عباراتهم للخبر، و لموافقة صاحب المعتبر لهم في التعبير بالبينيّة فيه و في غيره.

[و يستحبّ للحائض أمور]

(و يستحبّ) لها (أن تتوضّأ عند) أي في وقت (كلّ صلاة) و لا تنوي بهذا الوضوء رفع الحدث و لا استباحة الصلاة؛ لعدم حصولهما لها؛ لاستمرار حدثها، بل تنوي به القربة، أو تضيف إليها غاية الكون (4) و الذكر.

(و تجلس في مصها) إن كان لها موضع معدّ لها تبعاً للشيخ (5) و الجماعة.

و قال المفيد: تجلس ناحيةً من مصلّاها. (6)

و الأخبار و كلام جماعة من الأصحاب خالية من تعيين المكان. قال في المعتبر: و هو المعتمد. (7)

و في خبر زرارة

جلست في موضع طاهر

(8)

و في خبر زيد الشحّام

ثمّ تستقبل

____________

(1) المعتبر 1: 235.

(2) في ص 224.

(3) المعتبر 1: 234.

(4) أي: الكون في مصها.

(5) النهاية: 25؛ المبسوط 1: 45.

(6) المقنعة: 55.

(7) المعتبر 1: 233.

(8) الكافي 3: 101/ 4؛ التهذيب 1: 159/ 456.

226

القبلة.

(1)

(ذاكرةً) في حال جلوسها لله تعالى بتسبيح أو تحميد أو تهليل و غيرها، رواه زرارة عن الباقر. (2) (عليه السلام) و ليكن مقدارَ الصلاة؛ للخبر، (3) و للتمرين على العبادة بقدر الإمكان لئلا يشقّ تكليفها عند الوجوب بسبب اعتياد البدن الترك، فإنّ الخير عادة، و هذا من تفرّدات الإماميّة أيّدهم اللّه تعالى.

(و يجب عليها قضاء الصوم) الذي فات في أيّام حيضها من شهر رمضان إجماعاً.

و في قضاء المنذور أو شبهه الذي وافق الحيض وجهان أقربهما عند المصنّف: عدم الوجوب. (4)

و اختار الشهيد (رحمه اللّه) الوجوب. (5)

(دون) قضاء (الصلاة) اليوميّة بإجماع علماء الإسلام.

و في عدّة من الأخبار (6) تصريح بعدم تعليل ذلك و أنّه محض تعبّد، و في بعضها (7) أنّه دليل على بطلان القياس لأنّ الصلاة أفضل من الصوم.

و روى الحسين (8) بن راشد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) حيث سأله عن الوجه في ذلك، فقال

إنّ أوّل مَنْ قاس إبليس.

(9)

و قد تمحّل للفرق بعضهم بأشياء مدفوعة بما أوردناه.

و هل يلحق باليوميّة غيرها من الصلوات الواجبة عند عروض أسبابها في وقت الحيض كالكسوف؟ وجهان، أقربهما: ذلك، و يستثنى من ذلك الزلزلة؛ فإنّ وقتها العمر.

و أمّا ركعتا الطواف فلاحقتان بالطواف.

____________

(1) الكافي 3: 101/ 3؛ التهذيب 1: 159/ 455.

(2) الكافي 3: 101/ 4؛ التهذيب 1: 159/ 456.

(3) الكافي 3: 101/ 4؛ التهذيب 1: 159/ 456.

(4) لم نعثر عليه فيما بين أيدينا من المصادر.

(5) الدروس 1: 101.

(6) منها ما في علل الشرائع 1: 111 113/ 5، الباب 81.

(7) علل الشرائع 1: 108/ 2، الباب 81.

(8) في المصادر: الحسن.

(9) الكافي 3: 104/ 1؛ التهذيب 1: 160/ 458 و 4: 267/ 807؛ الاستبصار 2: 93/ 301.

227

و لو عرض الحدث (1) بعد دخول الوقت الموسّع بمقدار ما يسع الصلاة و شرائطها، وجب قضاؤها؛ لتفريطها في أوّل الوقت.

و لو انقطع و قد بقي من الوقت قدر ركعة بعد تحصيل الشرائط المفقودة، وجب الأداء، و مع الإخلال القضاء. و هنا أقوال أُخر هذا أجودها.

____________

(1) في «ق، م»: «الحيض» بدل «الحدث».

228

[المقصد الثالث في الاستحاضة و النفاس]

(المقصد الثالث: في الاستحاضة و النفاس)

[القول في الاستحاضة]

[القول في أوصاف دم الاستحاضة]

إمّا الاستحاضة: فهي في الأصل استفعال من الحيض، يقال: استحيضت المرأة، بالبناء للمجهول، فهي تستحاض لا تستحيض: إذا استمرّ بها الدم بعد أيّامها فهي مستحاضة، ذكره الجوهري. (1)

و كأنّ بناءه للمعلوم غير مسموع، و اشتقاقها من الحيض مبنيّ على الغالب، فلا يشترط فيها إمكان الحيض، فالصغيرة و اليائسة يمكن فيهما الاستحاضة دون الحيض.

و الأكثر إطلاق الاستحاضة على كلّ دم يخرج من الرحم و ليس بحيض و لا نفاس و لا قرح و لا جرح، سواء اتّصل بالحيض، كالمتجاوز لأكثره، أم لا، كالذي تراه الصغيرة، فإنّه و إن لم يوجب الأحكام في الحال لكن عند البلوغ يجب عليها الغسل أو الوضوء؛ لأنّ الأحداث من قبيل الأسباب التي هي من باب خطاب الوضع و لا يشترط فيها التكليف، و قد يتخلّف المسبّب عن السبب لفقد شرطٍ، و قد يتعلّق به في الحال أحكام الاستحاضة، كنزح الجميع (2) به و غسل الثوب من قليله و كثيره.

و ربما خصّ اسم الاستحاضة بالدم المتّصل بدم الحيض، و يسمّى ما عدا ذلك دم فساد، لكنّ الأحكام فيهما لا تختلف.

و المصنّف جرى هنا على المشهور، فقال (دم الاستحاضة في الأغلب أصفر بارد رقيق يخرج) من الرحم (بفتورٍ) و ضعفٍ لا بدفعٍ، فهو يقابل الحيض في أوصافه غالباً.

____________

(1) الصحاح 3: 1073؛ «ح ى ض».

(2) أي: نزح جميع ماء البئر.

229

و قيّد بالأغلب؛ لأنّه قد يكون بهذه الصفة حيضاً، و قد يكون بصفة الحيض استحاضةً، كما تقدّم.

(و) الخارج (الناقص عن ثلاثة) أيّام متوالية (ممّا ليس بقرح و لا جرح، و الزائد عن) أيّام (العادة مع تجاوز العشرة، و) الزائد (عن أيّام النفاس) و سيأتي بيانها (و) الخارج (مع) سنّ (اليأس استحاضة) خبر الجميع.

و قيّد في العادة بتجاوز العشرة؛ لأنّ الدم لو انقطع على العاشر، كان الجميع حيضاً، و قد تقدّم وجه ذلك كلّه في الحيض.

ثمّ دم الاستحاضة ينقسم بحسب كثرته و توسّطه و قلّته إلى ثلاثة أقسام؛ لأنّه إمّا أن يكون بحيث إذا وضعت الكرسف يظهر عليه من داخل الفرج و لا يثقبه إلى خارجه، أو يثقبه و لا يسيل عنه، أو يسيل، فهذه ثلاثة أقسام تختلف الأحكام فيها، فيجب على المستحاضة وضع القطنة و اعتبار حالها.

[القول في أحكام الاستحاضة]

[الاستحاضة القليلة]

(فإن كان الدم لا يغمس القطنة) أي: لا يثقبها إلى خارج و إن دخل في باطنها كثيراً (وجب) عليها ثلاثة أشياء (الوضوء لكلّ صلاة) لأنّه في هذه الحالة حدث أصغر.

(و تغيير القطنة) لما سيأتي من عدم العفو عن هذا الدم في الصلاة قليله و كثيره، و للإجماع، كما نقله المصنّف في المنتهي، (1) و هذا بخلاف السلس و المبطون و المجروح؛ لعدم وجوب ذلك عليهم و إن كان أحوط؛ تقليلًا للنجاسة.

و الفرق: ورود النصّ على المستحاضة دونهم، كما ذكره المصنّف. (2)

و يمكن الفرق بالإجماع المذكور عليها دونهم.

و غَسل ما ظهر من الفرج، و هو ما يبدو منه عند الجلوس على القدمين إن أصابه الدم.

و هذا هو المشهور في هذا القسم، و مستنده أخبار كثيرة دلّت على الوضوء دون الغسل.

و فيه قولان آخران:

أحدهما: قول ابن أبي عقيل، (3) و هو أنّها لا يجب عليها وضوء في هذه الحالة

____________

(1) منتهى المطلب 2: 409.

(2) منتهى المطلب 2: 422.

(3) حكاه عنه المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 244.

230

و لا غسل؛ استناداً إلى ظاهر رواية عبد اللّه بن سنان عن الصادق (عليه السلام) (1) حيث لم يذكر فيها الوضوء. لكن ذِكره في غير هذه (2) من الأخبار كافٍ في الدلالة، و يجب حمل المطلق على المقيّد.

و الثاني: قول ابن الجنيد، (3) و هو وجوب غسل واحد هنا لليوم و الليلة؛ استناداً إلى رواية سماعة. (4) و هي لا تدلّ على مطلوبه صريحاً، بل هي أعمّ منه، فتُحمل على ثقب الدم الكرسف، و هي الحالة الوسطى؛ جمعاً بينها و بين غيرها.

[الاستحاضة المتوسطة]

(و إن غمسها) ظاهراً و باطناً (وجب) عليها (مع ذلك) المذكور في القسم الأوّل شيئان آخران:

أحدهما (تغيير الخرقة) أو غَسلها إن كانت و أصابها الدم، و إلا فلا.

(و) الثاني (الغسل لصلاة الغداة) فيجب عليها خمسة أشياء على المشهور.

و ابن أبي عقيل على أصله المتقدّم (5) من عدم إيجاب الوضوء و إن وجب الغسل.

و أوجب هو و ابن الجنيد هنا الأغسال الثلاثة، (6) و اختاره المحقّق في المعتبر، (7) و المصنّف في المنتهي. (8) و أكثر الأخبار الصحيحة تدلّ على ذلك.

كصحيحة معاوية بن عمّار عن الصادق (عليه السلام)

إذا ثقب الكرسف اغتسلت للظهرين تؤخّر هذه و تعجّل هذه، و للعشاءين كذلك، و تغتسل للصبح.

(9)

و صحيحة زرارة عن الباقر (عليه السلام)

تصلّي كلّ صلاة بوضوء ما لم ينفذ الدم، فإذا نفذ اغتسلت و صلّت.

(10)

و حملها على النفوذ المشتمل على السيلان إنّما يتمّ لو دلّ على الغسل الواحد للحالة

____________

(1) الكافي 3: 90/ 5؛ التهذيب 1: 171/ 487.

(2) في «ق» و الطبعة الحجريّة: «غيره» بدل «غير هذه».

(3) حكاه عنه المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 244.

(4) الكافي 3: 89 90/ 4؛ التهذيب 1 170/ 485.

(5) آنفاً.

(6) حكاه عنهما المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 244.

(7) المعتبر 1: 245.

(8) منتهى المطلب 2: 412.

(9) الكافي 3: 88 89/ 2؛ التهذيب 1: 106/ 277؛ و 170/ 484.

(10) التهذيب 1: 169/ 483.

231

المتوسّطة خبر صحيح، و لم يوجد من الأخبار المفيدة لذلك إلا موقوف سماعة، قال

المستحاضة إذا ثقب الكرسف اغتسلت الثلاثة، و إن لم يجز الدم الكرسف فالغسل لكلّ يوم مرّة

(1)

و قريب منه موقوف زرارة، الآتي.

و في دلالتهما مع تسليمهما على ذلك نظر.

و بالجملة، فالأخبار الموجودة في هذا الباب مختلفة على وجه لا يكاد يمكن الجمع بينها.

ففي خبر الصحّاف عن الصادق (عليه السلام) (2) تعليق وجوب الأغسال الثلاثة على السيلان، و عدم وجوب الغسل بل الوضوء لكلّ صلاة على عدمه. و خبر معاوية بن عمّار و زرارة، المتقدّمان (3) علّق فيهما الحكم بالثلاثة على النفوذ.

و روى حمّاد بن عيسى عن حريز عن زرارة قال في النفساء

تقعد بقدر حيضها و تستظهر بيومين، فإن انقطع الدم و إلا اغتسلت و احتشت و استثفرت و صلّت، فإن جاز الدم الكرسف تعصّبت و اغتسلت ثمّ صلّت الغداة بغسل، و الظهر و العصر بغسل، و المغرب و العشاء بغسل، و إن لم يجز الدم الكرسف صلّت بغسل واحد

(4)

و قريب منه خبر (5) سماعة.

و حمل أكثر الأصحاب هذين الخبرين على الغمس و إن كان عدم جوا ز الكرسف أعمّ منه، فدلله على الحالة الوسطى؛ لعدم التصريح بها في خبرٍ على الخصوص، لكنّهما موقوفان، كما عرفت.

و قد استبعد أصحاب التفصيل رواية زرارة مع فضله و ثقته عن غير إمامٍ. و صحيحة عبد اللّه بن سنان (6) دلّت على الاغتسال ثلاثاً من غير تفصيل.

و أصحاب القول المشهور جمعوا هذه الأحاديث بما ذكروه من الحالات الثلاث. و فيه نظر.

[الاستحاضة الكثيرة]

(و إن سال) الدم عن الكرسف (وجب) عليها (مع ذلك) المذكور في الحالتين و هو خمسة أشياء شيئان آخران:

(غسل للظهر و العصر تجمع بينهما) بأن تؤخّر الاولى إلى آخر وقت فضيلتها و تُقدّم

____________

(1) الكافي 3: 89 90/ 4؛ التهذيب 1: 170/ 485.

(2) الكافي 3: 95 96/ 1؛ التهذيب 1: 168 169/ 482؛ الإستبصار 1: 140 141/ 482.

(3) في ص 230.

(4) الكافي 3: 99/ 4؛ التهذيب 1: 173 174/ 496.

(5) تقدّمت الإشارة إلى مصدره في الهامش (1).

(6) الكافي 3: 90/ 5؛ التهذيب 1: 171/ 487.

232

الثانية في أوّل وقتها كذلك على الأفضل.

(و غسل للمغرب و العشاء تجمع بينهما) في آخر وقت الاولى و أوّل وقت الثانية كذلك.

و هذه الحالة لا خلاف في وجوب الأغسال الثلاثة فيها، و إنّما الخلاف في الوضوء.

فذهب ابن أبي عقيل إلى عدم وجوب الوضوء هنا، (1) كما سلف، (2) و كذلك السيّد المرتضى بناءً على أصله من عدم إيجاب الوضوء مع غسلٍ من الأغسال. (3)

و ذهب المفيد إلى الاكتفاء بوضوء واحد للظهرين كالغسل، و مثله للعشاءين. (4)

و الأخبار الصحيحة دلّت على المشهور.

و اعلم أنّ وجوب الأغسال الثلاثة في هذه الحالة إنّما هو مع استمرار الدم سائلًا إلى وقت العشاءين، فلو طرأت القلّة بعد الصبح، فغسل واحد، أو بعد الظهرين، فغسلان خاصّة، و هو ظاهر، و أنّ اعتبار الجمع بين الصلاتين إنّما هو للاكتفاء بغسلٍ واحد لهما، فلو فرّقتهما و اغتسلت لكلّ واحدة غسلًا، صحّ أيضاً، بل ربما كان أفضل.

و كما تراعي معاقبة الصلاة للغسل، كذلك تراعي معاقبتها للوضوء على أحوط القولين؛ لأنّ العفو عن حدثها المستمرّ الواقع في الصلاة أو بينها و بين الطهارة إنّما وقع للضرورة، فتقتصر على ما تقتضيه و ما لا يمكن الانفكاك عنه، و اعتبار الجمع بين الفرضين بغسلٍ يدلّ عليه.

و لا يقدح في ذلك الاشتغالُ بعده بالستر و تحصيل القبلة و الأذان و الإقامة؛ لأنّها مقدّمات الصلاة، و لا انتظار الجماعة على ما اختاره المصنّف في النهاية، (5) و الشهيد في الدروس. (6)

و ربما منع ذلك؛ لعدم الضرورة.

و منع المصنّف في المختلف من اعتبار معاقبة الصلاة للوضوء، محتجّاً بعموم الأدلّة على تجويز فعل الطهارة في أوّل الوقت، و على توسعة الوقت، و عدم دلالة الأخبار على ذلك؛

____________

(1) حكاه عنه المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 244.

(2) في ص 229.

(3) حكاه عنه المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 247.

(4) المقنعة: 56 57.

(5) نهاية الإحكام 1: 127.

(6) الدروس 1: 99.

233

إذ في بعضها

تتوضّأ عند وقت كلّ صلاة

(1)

و في بعضها

الوضوء لكلّ صلاة

(2)

و في بعضها

صلّت كلّ صلاة بوضوء.

(3) (4)

و أُجيب بما تقدّم، و بأنّ الصلاة بالحدث مخالف للأصل، فيجب تقليله ما أمكن.

و فيه منع؛ لخروج المستحاضة من البين بالنصّ الخاصّ الذي لا يدلّ على ذلك. و لا ريب أنّ الاحتياط طريق البراءة يقيناً.

بقي هنا أُمور لا بدّ من التنبيه عليها ليتمّ بها أحكام المستحاضة.

أحدها: أنّ الاعتبار في كمّيّة الدم بالنسبة إلى أحواله الثلاثة هل هو في جميع الأوقات بمعنى أنّ الكثرة مثلًا متى حصلت كفت في وجوب الغسل و إن كانت منقطعةً في وقت الصلاة، فلو حصلت بعد صلاة الفجر مثلًا و انقطعت قبل الظهر، وجب الغسل لها، و كذا يكفي طروؤها بعد الظهرين إلى وقت صلاة العشاءين، كما يشعر به خبر الصحّاف في قوله (عليه السلام)

فلتغتسل و تصلّي الظهرين ثمّ لتنظر فإن كان الدم لا يسيل فيما بينها و بين المغرب فلتتوضّأ و لا غسل عليها، و إن كان إذا أمسكت يسيل من خلفه صبيباً فعليها الغسل ثلاثاً

(5)

إلى آخره، و لأنّه حدث فيمنع، سواء كان حصوله في وقت الصلاة أم في غيره. أو اعتباره إنّما هو عند وجوده في أوقات الصلوات؛ لأنّها أوقات الخطاب بالطهارة، فلا أثر لما قبلها؟ ظاهر المصنّف و الشهيد في البيان: الأوّل. (6) و لا تخفى قوّته.

و ظاهر الدروس: الثاني، و في الذكرى حكاه بلفظ «قيل» بعد أن ادّعى فيهما أنّ ظاهر خبر الصحّاف يشعر به. (7)

و قد عرفت أنّه إنّما يشعر بخلافه.

و يتفرّع عليهما ما لو كثر قبل الوقت ثمّ طرأت القلّة، فعلى الأوّل يجب الغسل؛ للكثرة المتقدّمة و إن كانت قد اغتسلت في أثنائها؛ لأنّ المتأخّر منها عن الغسل كافٍ في السببيّة،

____________

(1) الكافي 3: 95 96/ 1؛ التهذيب 1: 168 169/ 482؛ الإستبصار 1: 140- 141/ 482.

(2) الكافي 3: 89 90/ 4؛ التهذيب 1: 170/ 485.

(3) الكافي 3: 88 89/ 2؛ التهذيب 1: 106- 107/ 277، و 170/ 484.

(4) مختلف الشيعة 1: 213، المسألة 154.

(5) الكافي 3: 95 96/ 1؛ التهذيب 1: 168 169/ 482؛ الإستبصار 1: 140- 141/ 482.

(6) نهاية الإحكام 1: 129؛ البيان: 67.

(7) الدروس 1: 99- 100؛ الذكرى 1: 242 و 243 و 253.

234

و على الثاني لا غسل عليها ما لم توجد في الوقت متّصلةً أو طارئة.

و لو طرأت الكثرة بعد صلاة الظهرين، فلا غسل لهما، بل للعشاءين على الأوّل دون الثاني، إلا مع استمرارها إلى وقتهما.

و هل يتوقّف صوم اليوم الحاضر على هذا الغسل، الطارئ سببه بعد الظهرين؟ الظاهر: لا، على القولين.

أمّا على الثاني: فظاهر؛ لأنّه لم يوجب الغسل إلا بعد وجوده في وقت العشاءين و قد انقضى الصوم.

و أمّا على الأوّل: فلأنّه و إن حكم بكونه حدثاً في الجملة لكنّهم حكموا بصحّة الصوم مع إتيانها بالأغسال، و الغسل لهذا الحدث إنّما هو في الليلة المستقبلة، و لا يتوقّف عليه صوم اليوم الحاضر.

و اختار في الذكرى وجوبه هنا للصوم في سياق التفريع على أنّ الاعتبار في كمّيّته بأوقات الصلوات. (1)

و توقّف المصنّف في التذكرة. (2)

الثاني: لو أرادت ذات الدم المتوسّط أو الكثير التهجّدَ بالنوافل ليلًا، قدّمت الغسل على الفجر و اكتفت به. و ينبغي الاقتصار على التقديم على ما يحصل به الغرض ليلًا، فلو زادت على ذلك هل تجب إعادته؟ يحتمل، لما مرّ في الجمع بين الصلاتين به. و عدمه؛ للإذن في التقديم من غير تقييدٍ. و كذا تُقدّمه الصائمةُ، كما سيأتي.

الثالث: لو نسيت ذات الأغسال أو الغسل غسلًا حتى خرج وقت الصلاة أو نامت كذلك، فهل يتوقّف الصوم الحاضر على الغسل بعد الوقت، أو يكفي الغسل للصلاة الأُخرى إن وجب؟ يبنى على ما سبق فيما لو طرأت الكثرة بعد الظهرين، و أولى بالوجوب هنا إن أوجبناه ثَمَّ. و عدم الوجوب فيهما أقوى اعتباراً بالأغسال المعهودة للصلاة، و هي منتفية في الحالتين، و لا بُعد في الحكم بكونه حدثاً مانعاً من العبادة على بعض الوجوه دون بعضٍ؛ لظاهر النصّ و الفتوى.

____________

(1) الذكرى 1: 253.

(2) تذكرة الفقهاء 1: 292، الفرع «ب».

235

(و هي مع) فعل (ذلك) المتقدّم من الغسل و الوضوء و تغيير القطنة و غَسل المحلّ بحسب حال الدم (بحكم الطاهر) فيصحّ منها جميع ما يصحّ من الطاهر من الأُمور المشروطة بالطهارة، كالصلاة و الطواف و الصوم و مسّ كتابة القرآن و دخول المساجد و قراءة العزائم و الوطي، كذا قاله المصنّف في النهاية. (1)

و الظاهر عدم توقّف دخول المساجد لها على ذلك مع أمن التلويث.

و أمّا الوطء: فاشترطه الشيخ (2) و جماعة (3) بالغسل؛ لما رواه عبد الملك (4) بن أعين عن الصادق (عليه السلام) قال: سألته عن المستحاضة كيف يغشاها زوجها؟ قال

ينظر الأيّام التي كانت تحيض فيها فلا يقربها، و يغشاها فيما سوى ذلك، و لا يغشاها حتى يأمرها بالغسل.

(5)

و لوجود الأذى فيه، كالحيض.

و يظهر من بعضهم (6) اشتراط الوضوء أيضاً؛ لقولهم: يحلّ وطؤها إذا فَعَلَت ما تفعله المستحاضة.

و لما رواه زرارة، قال

المستحاضة تكفّ عن الصلاة أيّام أقرائها، و تستظهر بيوم أو يومين، و إذا حلّت لها الصلاة حلّ لزوجها وطؤها

(7)

و في «إذا» معنى الشرط، فينتفي حلّ الوطي عند انتفاء حلّ الصلاة، و هي مشروطة بالوضوء معه.

و بالغ المفيد (رحمه اللّه)، فحرّم الوطء قبل نزع الخرق و غسل الفرج بالماء (8) أيضاً؛ لأنّهما من محلّلات الصلاة.

و استقرب في المعتبر كون المنع على الكراهة المغلّظة؛ لأنّه دم مرض و أذى، فالامتناع فيه عن الزوجة أولى و ليس بمحرَّم. (9) و اختاره الشهيد؛ لعموم فَإِذٰا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ (10)

____________

(1) نهاية الإحكام 1: 127.

(2) النهاية: 29؛ المبسوط 1: 67.

(3) منهم: الشيخ المفيد في المقنعة: 57؛ و ابن الجنيد و السيّد المرتضى كما في المعتبر 1: 248 في ظاهر كلامهم.

(4) في المصدر: «مالك» بدل «عبد الملك». و في الذكرى 1: 250 كما في المتن.

(5) التهذيب 1: 402/ 1257، عن الإمام الباقرُ؛ و في الذكرى 1: 250 عن الإمام الصادقُ كما في المتن.

(6) كالشيخ المفيد في المقنعة: 57؛ و الشيخ الطوسي في المبسوط 1: 67.

(7) التهذيب 1: 401/ 1253.

(8) المقنعة: 57.

(9) المعتبر 1: 248.

(10) البقرة (2): 222.

236

يريد اغتسلن من الحيض و نِسٰاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّٰى شِئْتُمْ (1) و إِلّٰا عَلىٰ أَزْوٰاجِهِمْ أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ.* (2)

و لما رواه عبد اللّه بن سنان عن الصادق (عليه السلام)، قال: سمعته يقول

المستحاضة لا بأس أن يأتيها بعلها إلا أيّام قرئها.

(3)

و لما روي أنّ حمنة بنت جحش كانت مستحاضةً و كان زوجها يجامعها. (4) و كذا امّ حبيبة. (5)

و لأنّ الوطء لا يشترط فيه خلوّ الموطوءة من الحدث كالمرأة الجنب إلا ما خرج بنصّ خاصّ، كالحائض و المنقطعة على الخلاف. و لأصالة الحلّ، السالم عن المعارض الشرعي. (6)

فإن قيل: ما ذكرتموه من الأحاديث دالّ على جواز وطي المستحاضة و نحن نقول به لكن مع فعل ما يجب عليها، فما المانع من كون ما تضمّنه من الحلّ مشروطاً بذلك؟

قلنا: الألفاظ مطلقة، و الأصل عدم الاشتراط.

و الجواب عن الرواية الأُولى: بحمل الغسل فيها على غسل الحيض، بل هو الظاهر؛ لعدم دلالته على غسل الاستحاضة.

و عن الثانية: بأنّ المراد بحلّ الصلاة الخروج من الحيض أو الغسل منه؛ لأنّ الحيض لمّا كان مانعاً من الصلاة كان حلّ الصلاة بالخروج منه، كما يقال: لا تحلّ الصلاة في الدار المغصوبة فإذا خرج حلّت، فإنّ معناه زوال المانع الغصبي و إن كان بعد الخروج يفتقر إلى الطهارة و غيرها من الشروط، و هذا و إن لم يكن معلوماً لكنّه محتمل، و مع الاحتمال لا يكون دليلًا، أو يُحمل عليه و إن كان دليلًا؛ جمعاً بينه و بين غيره من الأدلّة.

و عن كونه أذى: بأنّه قياس لا يأتي عندنا.

و أمّا توقّفه على الوضوء و باقي الأفعال ففي غاية البُعد؛ إذ لا تعلّق لها بالوطي.

____________

(1) البقرة (2): 223.

(2) المؤمنون (23): 6.

(3) الكافي 3: 90/ 5؛ التهذيب 1: 171/ 487.

(4) سنن أبي داوُد 1: 83/ 310؛ سنن البيهقي 1: 487 488/ 1562.

(5) سنن أبي داوُد 1: 83/ 309؛ سنن البيهقي 1: 487/ 1561.

(6) الذكرى 1: 250.

237

قال في الذكرى: و ما أقرب الخلاف هنا من الخلاف في وطئ الحائض قبل الغسل. (1)

و قربه غير واضح و إن ناسبه بوجه ما.

و اعلم أنّه يستفاد من قوله: إنّها مع فعل ما يجب عليها بحكم الطاهر فتستبيح الصلاة و غيرها: عدم تأثير الحدث الواقع بعد الطهارة في الاستباحة، سواء وقع قبل الصلاة أم فيها مع مراعاة ما تقدّم من عدم التشاغل بما ليس من أسبابها، و يجب تقييده بأمرين:

أحدهما: كون الحدث الطارئ من جنس المبحوث عنه، فلو تعقّب الطهارة ريح و نحوه، لزمها الوضوء، و حينئذٍ فالأجود وجوب تجديد القطنة و الخرقة. و لو انتقض ببولٍ، وجب تجديدهما أيضاً؛ لأنّ نجاسته غير ما ابتُليت به.

و الثاني: أن لا يطرأ بعد ذلك انقطاعه للبرء قبل الصلاة؛ فإنّه يجب حينئذٍ تجديد الطهارة، و هي ما أوجبه الدم منها قبل الانقطاع، لا الوضوء خاصّة خلافاً للمصنّف (2) تبعاً للشيخ (3) (رحمه اللّه) لأنّ انقطاع الدم يظهر معه حكم الحدث، و إنّما أُبيحت الصلاة مع الدم للضرورة و قد زالت. و كذا لو انقطع له (4) في أثناء الصلاة.

و إنّما وجب من الطهارة ما كان قبله؛ لأنّ دم الاستحاضة في نفسه حدث يوجب الوضوء تارة و الغسل أُخرى، فإذا انقطع، وجب ما كان يوجبه، و الطهارة السابقة أباحت بالنسبة إلى ما سلف قبلها من الدم.

قال في الذكرى: و هذه المسألة لم نظفر فيها بنصّ من قِبَل أهل البيت (عليهم السلام) و لكن ما أفتى به الشيخ هو قول العامّة بناءً منهم على أنّ حدث الاستحاضة يوجب الوضوء لا غير، فإذا انقطع بقي على ما كان عليه، و لمّا كان الأصحاب يوجبون به الغسل فليكن مستمرّاً. (5) انتهى، و هو في غاية الوضوح.

و نظيره ما سبق من حكم المصنّف بعدم اشتراط الغسل في صوم منقطعة الحيض، فإنّه لا يتمّ إلا على مذهب العامّة لأعلى أُصولنا.

____________

(1) الذكرى 1: 251.

(2) نهاية الإحكام 1: 128.

(3) المبسوط 1: 68.

(4) أي: للبرء.

(5) الذكرى 1: 252.

238

و لو كان انقطاعه بعد الطهارة و قبل الصلاة لغير البرء بل انقطاع فترة إمّا لاعتيادها ذلك أو بإخبار عارف، لم يؤثّر في الطهارة مطلقاً عند الشهيد؛ لأنّه بعوده بعد ذلك كالموجود دائماً. (1)

و اعتبر المصنّف في ذلك قصور الفترة عن الطهارة و الصلاة، فلو طالت بقدرهما، وجبت الإعادة؛ لتمكّنها من طهارة كاملة، فلو لم تُعدها و صلّت فاتّفق عوده قبل الفراغ على خلاف العادة، وجب عليها إعادة الصلاة؛ لدخولها فيها مع الشكّ في الطهارة. (2)

و مثله ما لو شكّت في الانقطاع هل هو للبرء أى لا؟+ أو هل يطول زمانه بمقدار الطهارة و الصلاة أم لا؟ فتجب إعادة الطهارة؛ لأصالة عدم العود، لكن لو عاد قبل إمكان فعل الطهارة و الصلاة، فالوضوء بحاله؛ لعدم وجود الانقطاع المانع من الصلاة مع الحدث.

و إنّما قال المصنّف: إنّها مع فعل ما يجب بحكم الطاهر، و لم يقل: إنّها طاهر؛ لاستمرار حدثها، فلا تكون طاهراً حقيقةً، لكنّها بحكم الطاهر في استباحة ما تستبيحه.

و ربما علّل ذلك بهذيانات لا يخفى فسادها على مَنْ له أدنى تمييز.

(و لو أخلّت) المستحاضة (بالأغسال) الواجبة عليها في حال التوسّط و الكثرة، (لم يصحّ) منها (الصوم؛) للنصّ. (3)

و يظهر من المبسوط التوقّف فيه حيث أسنده إلى رواية الأصحاب. (4)

لكن مع إخلالها بالغسل إنّما يجب عليها القضاء دون الكفّارة، و هو اختيار المصنّف في التذكرة، (5) و الشهيد (6) و جماعة (7)؛ لأصالة عدم وجوبها، و عدم الدليل.

و كذا القول في الحائض و النفساء بطريق أولى؛ لما تقدّم من الخلاف في اشتراط صومهما بالغسل دونها. و أوجب المصنّف في المختلف عليها الكفّارة. (8)

____________

(1) الذكرى 1: 251.

(2) نهاية الإحكام 1: 128.

(3) الكافي 4: 136/ 6؛ الفقيه 2: 94/ 419؛ التهذيب 4: 310/ 937.

(4) المبسوط 1: 68.

(5) تذكرة الفقهاء 1: 291.

(6) الذكرى 1: 249.

(7) منهم: الصيمري في كشف الالتباس 1: 244؛ و المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 344.

(8) لم نعثر عليه في مظانّه.

239

و المراد بالأغسال المشترطة في صحّة الصوم الأغسالُ النهاريّة، و لا يشترط في صحّة صوم يومٍ غسلُ الليلة المستقبلة؛ لسبق تمامه، و قد تقدّم.

و هل يشترط في اليوم الحاضر غسل ليلته الماضية؟ وجهان.

و الحقّ أنّها إن قدّمت غسل الفجر ليلًا، أجزأ عن غسل العشاءين إلى الصوم، و إن أخّرته إلى الفجر، بطل الصوم هنا و إن لم نُبطله لو لم يكن غيره.

و اعلم أنّ إطلاقهم الحكم بتوقّف الصوم على الأغسال المعهودة يشعر بعدم وجوب تقديم غسل الفجر عليه للصوم؛ لأنّ المعتبر منه للصلاة ما كان بعد الفجر فليكن للصوم كذلك؛ لجَعلهم الإخلال به مبطلًا للصوم.

و لا يبعد ذلك و إن كان دم الاستحاضة حدثاً في الجملة؛ لمغايرته لغيره من الأحداث على بعض الوجوه.

و يحتمل وجوب تقديمه على الفجر هنا؛ لأنّه حدث مانع من الصوم، فيجب تقديم غسله عليه، كالجنابة و الحيض المنقطع. و لأنّ جَعلَ الصوم غايةً لوجوب غسل الاستحاضة مع الغمس يدلّ عليه؛ لأنّ ما كان غايته منه الفعل يقدّم عليه.

و لأنّ اغتفاره في بعض الأحيان بالنسبة إلى العبادات للمشقّة لا يوجب القياس عليه.

و قطع الشهيد (رحمه اللّه) بوجوب تقديمه. (1) و توقّف المصنّف في النهاية. (2)

و على القول بوجوب التقديم هل يراعى في فعله تضيّق الليل لفعله بحيث يجب الاقتصار من التقديم على ما يحصل به الغرض، أم يجوز فعله فيه مطلقاً؟ لا ريب أنّ مراعاة التضيّق أحوط؛ تقليلًا للحدث بينه و بين الصلاة بحسب الإمكان.

و لأنّ اغتفار الحدث الطارئ بينه و بينها رخصة، فيقتصر فيها على مواضع الضرورة.

و حكمهم بتقديمه من غير تقييد يشعر بعدم اعتباره.

و جَعَله في الذكرى مع الصوم كغسل منقطعة الحيض. (3) و هو يشعر أيضاً بعدم اعتبار التضيّق.

و يستفاد من توقّف الصوم على الأغسال دون الوضوءات كون الوضوء المصاحب

____________

(1) الدروس 1: 99.

(2) نهاية الإحكام 1: 129.

(3) الذكرى 1: 249.

240

للغسل المكمل به ليس جزءاً من المؤثّر في رفع الحدث الأكبر، و إلا لتوقّف الصوم عليه أيضاً؛ لتوقّفه على ارتفاع حكم الحدث الأكبر بتمامه.

و ربما قيل بتوقّف رفع الأكبر عليهما، فيحكم بفساد الصوم بالإخلال بالوضوء. (1) و هو ضعيف.

و يتفرّع على ذلك عدم وجوب إعادة الغسل المتخلّل بالحدث الأصغر؛ إذ لا دَخْل للوضوء في رفع الحدث الأكبر، و لا يوجب الأصغر سوى الوضوء، فتكفي إعادة الوضوء بعد الغسل إن كانت قدّمته عليه، و إنّما لم يثبت هذا الحكم في غسل الجنابة؛ لعدم مجامعته للوضوء، و امتناع خلوّ الحدث عن أثرٍ، و عدم صلاحية ما بقي من أفعال الغسل لكمال التأثير، و قد تقدّم تحقيق ذلك كلّه.

(و لو أخلّت بالوضوء) المصاحب للغسل أو المنفرد عنه (أو) أخلّت (بالغسل) أو بباقي ما يجب عليها من الأفعال، كتغيير القطنة و الخرقة و غَسل ما ظهر من المحلّ، (لم تصحّ صلاتها؛) لتوقّف الصلاة على رفع الحدث و الخبث معاً على هذا الوجه، فمع إخلالها ببعض ما ذكر إمّا محدثة أو ذات نجاسة لم يُعف عنها.

و بما ذكرنا يظهر قصور العبارة، و أنّ ترك ذكره للإخلال بالأفعال لا وجه له.

و الطواف حكمه حكم الصلاة، فيُبطله الإخلال بشيء من الأفعال.

و الظاهر أنّ حكم اللبث في المساجد غير المسجدين مع أمن التلويث و قراءة العزائم حكم الصوم، فيعتبر فيهما الغسل خاصّة إن لم نجوّز لها دخول المساجد مطلقاً و إن كان ما تقدّم من العبارة يوهم توقّفهما على جميع الأفعال.

(و غسلها كالحائض) في جميع الأحكام حتى في الاحتياج معه إلى الوضوء على أصحّ القولين قبله على الأفضل أو بعده، و في جواز نيّة الرفع فيهما و الاستباحة إذا وقعا بعد الانقطاع، أمّا قبله فتتعيّن الاستباحة على المشهور. و فيه بحث لا يدخل هذا المقام.

و يستثنى من ذلك وجوب الموالاة، فإنّها معتبرة في هذا الغسل خاصّة إذا لم يكن للبرء؛ تقليلًا للحدث.

(و لا تجمع بين الصلاتين بوضوء) ردّ بذلك على المفيد حيث اكتفى بوضوءٍ واحد

____________

(1) الشيخ الطوسي في المبسوط 1: 288.

241

للظهرين، و وضوء للعشاءين كالغسل. (1)

و هذا كالتكرار لقوله قبل

و الوضوء لكلّ صلاة

و إن كان قد يعتذر عنه بأنّ وجوب الوضوء لكلّ صلاة أعمّ من جواز الصلاة بدون الوضوء، فإنّ مطلق الوجوب لا يقتضي الشرطيّة، فذكره هنا تنبيهاً على الاشتراط مع الوجوب.

و ما يقال من أنّ وجوب الطهارات بمعنى الشرط للصلاة أمر مشتهر غني عن الإيضاح لا يدفع أصل الاحتمال و توهّم كونه أعمّ من الشرط، فلا يدلّ عليه بالخصوص.

و على كلّ حال فليس للمستحاضة أن تجمع بين صلاتين بوضوءٍ واحد، سواء في ذلك الفرضُ و النفلُ، بل لا بدّ لكلّ صلاة من وضوء، أمّا غسلها فللوقت تصلّي به ما شاءت من الفرض و النفل أداءً و قضاءً مع الوضوء لكلّ صلاة و تغيير القطنة و الخرقة و غَسل المحلّ إن أصابه الدم.

و لو أرادت الصلاة في غير الوقت، اغتسلت لأوّل الورد، و عملت باقي الأفعال لكلّ صلاة.

و كذا القول لو أرادت صلاة الليل، لكن يكفيها الغسل عن إعادته للصبح على ما مرّ من التفصيل.

تنبيه: يجب على المستحاضة الاستظهار في منع الدم من التعدّي بحسب الإمكان، و قد ورد ذلك في خبر معاوية بن عمّار، قال

تحتشي و تستثفر.

(2)

و الاستثفار مأخوذ من ثفر الدابّة، يقال: استثفر الرجل بثوبه: إذا ردّ طرفه بين رِجْليه إلى معقد إزاره.

و المراد به هنا التلجّم بأن تشدّ على وسطها خرقة، كالتكّة، و تأخذ خرقة أُخرى و تعقد أحد طرفيها بالأُولى من قُدّام، و تُدخلها بين فخذيها و تعقد الطرف الآخر من خلفها بالأُولى، كلّ ذلك بعد غَسل الفرج و حشوه قطناً قبل الوضوء.

و لو احتبس الدم بالحشو خاصّة، اقتصرت عليه، كلّ ذلك مع عدم الضرر باحتباس الدم، و إلا سقط الوجوب للحرج.

____________

(1) المقنعة: 57.

(2) الكافي 3: 88 89/ 2؛ التهذيب 1: 106 107/ 277، و 170/ 484.

242

و كذا يجب الاستظهار على السلس و المبطون؛ لرواية حريز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)

إذا كان الرجل يقطر منه البول و الدم إذا كان في الصلاة اتّخذ كيساً و جعل فيه قطناً ثمّ علّقه عليه ثمّ صلّى يجمع بين صلاتي الظهر و العصر بأذانٍ و إقامتين، و يؤخّر المغرب و يعجّل العشاء بأذانٍ و إقامتين، و يفعل مثل ذلك في الصبح.

(1)

و لاشتراك الجميع في النجاسة، فيجب الاحتراز منها بقدر الإمكان، فلو خرج الدم أو البول بعد الاستظهار و الطهارة، أُعيدت بعد الاستظهار إن كان لتقصيرٍ فيه، و إلا فلا؛ للحرج. و يمتدّ الاستظهار إلى فراغ الصلاة.

و لو كانت صائمةً، فالظاهر وجوبه جميع النهار؛ لأنّ تأثير الخارج في الغسل و توقّف الصوم عليه يشعر بوجوب التحفّظ كذلك، و به قطع المصنّف. (2)

أمّا الجرح الذي لا يرقأ و ما ماثله فلا يجب شدّه، بل تجوز الصلاة و إن كان سائلًا.

و يفارق السلس و المبطون و المجروح المستحاضةَ في عدم وجوب تغيير الشداد عند كلّ صلاة عليهم دونها؛ لاختصاصها بالنصّ، و التعدّي قياس لا يتمّ عندنا.

و جَعَل في الذكرى وجوب تغييره للسلل و المبطون أحوط. (3)

[القول في النِّفاس]

(و أمّا النِّفاس) بكسر النون (فدم الولادة) مأخوذ من تنفّس الرحم بالدم، أو من النفس التي هي الولد؛ لخروج الدم عقيبه، يقال: نفست المرأة و نفست بضمّ النون و فتحها مع كسر الفاء فيهما، و في الحيض بفتح النون لا غير، و الولد منفوس. و منه الحديث

لا يرث المنفوس حتى يستهلّ صائحاً

(4)

و المرأة نفساء بضم النون و فتح الفاء، و الجمع نِفاس بكسر النون، مثل عشراء و عشار، و لا ثالث لهما.

و لا خلاف عندنا في كونه دم الولادة، فلو ولدت و لم تر دماً، فلا نفاس بل و لا حدث؛ لأصالة البراءة من ثبوت الأحكام المترتّبة عليه، و عدم الدليل.

و المراد بدم الولادة، الخارج (معها) و تصدق المعيّة بمقارنته خروج جزء ممّا يُعدّ آدمياً أو مبدأ نشوء آدميّ و إن كان مضغةً مع اليقين، إمّا العلقة و هي القطعة من الدم الغليظ فلا؛

____________

(1) الفقيه 1: 38/ 146؛ التهذيب 1: 348/ 1021.

(2) نهاية الإحكام 1: 126.

(3) الذكرى 1: 257.

(4) الكافي 7: 156/ 6 نحوه.

243

لعدم اليقين.

و ألحقها المصنّف في النهاية بالمضغة مع شهادة القوابل. (1)

و قال في الذكرى: و لو فرض العلم بأنّه مبدأ نشوء إنسان بقول أربع من القوابل، كان نفاساً. (2)

و توقّف فيه بعض المحقّقين؛ لانتفاء التسمية. (3)

و لا وجه له بعد فرض العلم. و لأنّا إن اعتبرنا مبدأ النشوء، فلا فرق بينها و بين المضغة مع العلم.

نعم، قد يناقش في إمكان العلم بذلك، و هو خارج عن الفرض.

و تصدق المعيّة بخروج الجزء و إن كان منفصلًا، و لو لحقه الباقي، كان كولادة التوأمين، فابتداء النفاس من الأوّل، و غايته من الأخير، و سيأتي تحقيقه.

و هذا الحكم و هو كون الخارج مع الولادة نفاساً هو المشهور؛ لتناول إطلاق النصوص له، و حصول المعنى المشتقّ منه فيه.

و خالف فيه السيّد المرتضى، و خصّه بالخارج بعدها. (4)

و لا فرق عند غيره بين الخارج معها (أو بعدها) لكنّه هنا إجماع.

و تتحقّق البعديّة بخروج الدم بعد تمام الولد أو ما هو مبدأ نشوية، كما تقدّم.

و (لا) يتحقّق النفاس بخروج الدم (قبلها) و إن كان في زمن الطلق، بل هو استحاضة تلحقه أحكامها إلا مع إمكان كونه حيضاً بناء على إمكان حيض الحامل، كما هو الأصحّ.

لكن هل يشترط فيه كونه بحيث يتخلّل بينه و بين النفاس أقلّ الطهر إمّا بنقاء أو بما يحكم بكونه استحاضةً، كالخارج بعد العادة متجاوزاً لأكثره؟ يحتمله؛ لحكمهم بأنّ النفاس كالحيض، و لأنّه حيض محتبس. و عدمه؛ لعدم كون النفاس حيضاً حقيقيّا، و عدم استلزام المشابهة اتّحاد الحقيقة و عموم الأحكام بل فيما حصلت به المشابهة، فالمتّصل بالولادة ممّا دون العشرة استحاضة و إن كان بصفة الحيض على الأوّل، و حيض مع بلوغه أقلَّه

____________

(1) نهاية الإحكام 1: 130.

(2) الذكرى 1: 259.

(3) المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 346.

(4) جُمل العلم و العمل: 57؛ مسائل الناصريّات: 173، المسألة 64.

244

فصاعداً على الثاني.

و استقرب المصنّف في النهاية الأوّل. (1)

و الوجهان آتيان في الدم المتعقّب للنفاس متّصلًا به مع اتّصافه بصفة الحيض أو وقوعه في العادة أو منفصلًا من دون انقضاء أقلّ الطهر.

لكن في الأخبار الصحيحة دلالة على اشتراط تخلّل الطهر بين النفاس و الحيض المتعقّب له، فيحكم به. و يلزم مثله في الأوّل؛ إذ لا قائل بالفرق. و في حديث عمّار الساباطي (2) في الطلق ما يدلّ على الأوّل أيضاً.

(و لا حدّ لأقلّه) فجاز أن يكون لحظةً باتّفاقنا، بل يجوز عدمه أصلًا، كالمرأة التي ولدت في عهد رسول اللّهُ، فسُمّيت [ذات (3)] الجفوف. (4)

و تقدير القلّة باللحظة لا يفيد التقدير؛ لعدم انضباط زمانها، و إنّما يذكر مبالغةً في القلّة، كقوله (عليه السلام)

تصدّقوا و لو بتمرة و لو بشقّ تمرة

(5)

فإنّ ذلك ليس لتقدير الصدقة المندوبة؛ إذ لا تقدير لها شرعاً، و إنّما يذكر ذلك مبالغةً في قبول القليل.

و اختلف في أكثره.

و الذي دلّت عليه الأخبار الصحيحة ما اختاره المصنّف هنا (و) هو: أنّ (أكثره عشرة أيّام للمبتدئة) في الحيض (و المضطربة) العادة فيه إمّا بنسيانها وقتاً و عدداً، أو عدداً و إن ذكرت الوقت، (أمّا ذات العادة المستقرّة في الحيض فأيّامها) تجعلها نفاساً، و الباقي إن اتّفق استحاضة، كلّ ذلك مع تجاوز دمها العشرة، و إلا فالجميع نفاس مطلقاً.

و قد نبّه المصنّف (6) على ذلك في غير هذا الكتاب، و في قوله بَعدُ

و لو رأت العاشر فهو النفاس

من غير تفصيل إيماء إليه أيضاً، و سيأتي توضيحه.

و يجوز لذات العادة دون العشرة الاستظهار بيوم أو يومين، كما تقدّم في الحائض، و قد

____________

(1) نهاية الإحكام 1: 131.

(2) الكافي 3: 100/ 3؛ الفقيه 1: 56/ 211؛ التهذيب 1: 403/ 1261.

(3) أضفناها من المصدر.

(4) المغني لابن قدامة 1: 393.

(5) الكافي 4: 4/ 11.

(6) انظر: نهاية الإحكام 1: 132.

245

ورد ذلك في عدّة أحاديث. (1)

و يجوز لها الاستظهار إلى تمام العشرة، كالحائض، و قد ورد ذلك في بعض الأحاديث عن الصادق. (عليه السلام) (2) و لا اعتبار بعادة النفاس اتّفاقاً، لقوله (عليه السلام)

تكفّ عن الصلاة أيّام أقرائها التي كانت تمكث فيها

(3)

و نحوه، و هو صريح في عادة الحيض.

و اعلم أنّ الأخبار الصحيحة لم يصرّح فيها برجوع المبتدئة و المضطربة إلى عشرة، بل إنّما صرّح فيها بأنّه لذات العادة في الحيض عادتها، و لكن فيها إشعار بذلك؛ لأنّه ورد في بعضها الاستظهار إلى العشرة، (4) كالحائض، فلو كان أكثره أقلّ منها، لم يستظهر إليها.

و قال الشيخ في التهذيب: جاءت أخبار معتمدة في أنّ أقصى مدّة النفاس عشرة، و عليها أعمل؛ لوضوحها عندي. (5) و ذَكَر الأخبار التي لم تصرّح إلا بالرجوع إلى العادة.

و جَعَل المصنّف في المختلف أكثره لذات العادة عادتها؛ للأخبار المؤمى إليها، و للمبتدئة ثمانية عشر (6)؛ لما روي أنّ أسماء بنت عميس أمرها رسول اللّهُ أن تغتسل لثمانية عشر، (7) و غيره (8) من الأخبار. و حُملت على التقيّة.

و في بعض الأخبار عن الصادق (عليه السلام)

أن سؤال أسماء كان عقيب الثمانية عشر فأمرها بالغسل، و لو سألته قبلها لأمرها.

(9)

قال الشيخ (رحمه اللّه) بعد اختياره العشرة بالأخبار المعتمدة: و ما فيه الزيادة عن العشرة فالكلام عليه من وجوه:

أحدها: أنّها أخبار آحاد مختلفة الألفاظ متضادّة المعاني لا يمكن العمل على جميعها؛

____________

(1) انظر: الكافي 3: 99/ 6؛ و التهذيب 1: 173/ 496، و 175/ 501؛ و الاستبصار 1: 151/ 521.

(2) التهذيب 1: 175 176/ 502؛ الإستبصار 1: 151/ 522.

(3) الكافي 3: 97 98/ 1؛ التهذيب 1: 173/ 495، و 175/ 499؛ الاستبصار 1: 150/ 519.

(4) انظر: الهامش (2).

(5) التهذيب 1: 174 ذيل الحديث 498؛ و لا يخفى أنّ قوله: «جاءت .. عندي» من كلام الشيخ المفيد في المقنعة: 57 أورده الشيخ الطوسي في التهذيب.

(6) مختلف الشيعة 1: 216، المسألة 157.

(7) التهذيب 1: 178/ 511، و 180/ 515؛ الاستبصار 1: 153/ 531.

(8) التهذيب 1: 177/ 508؛ الإستبصار 1: 152/ 525.

(9) الكافي 3: 98 99/ 3؛ التهذيب 1: 178 179/ 512؛ الاستبصار 1: 153 154/ 532.

246

لتضادّها، و لا على بعضها؛ لأنّه ليس بعضها بالعمل عليه أولى من بعض.

و الثاني: أنّه يحتمل أن يكون خرجت مخرج التقيّة؛ لأن كلّ مَنْ يخالفنا يذهب إلى أن أيّام النفاس أكثر ممّا نقوله، و لهذا اختلفت ألفاظ الأحاديث كاختلاف العامّة في مذاهبهم، فكأنّهم (عليهم السلام) أفتوا كلّ قوم منهم على حسب ما عرفوا من رأيهم و مذاهبهم.

و الثالث: أنه لا يمتنع أن يكون السائل سألهم عن امرأة أتت عليها هذه الأيّام فلم تغتسل، فأمروها بعد ذلك بالاغتسال و أن تعمل كما تعمل المستحاضة، و لم يدلّ على أنّ ما فعلت المرأة في هذه الأيّام كان حقّا.

قال: و الذي يكشف عمّا قلناه ما رواه محمّد بن يعقوب عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه رفعه، قال: سألت امرأة أبا عبد اللّه (عليه السلام)، فقالت: إنّي كنت أقعد في نفاسي عشرين يوماً حتى أفتوني بثمانية عشر يوماً، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام)

و لِمَ أفتوك بثمانية عشر يوماً؟

فقال الرجل: للحديث الذي روي عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال لأسماء بنت عميس حين نفست بمحمد بن أبي بكر، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام)

إنّ أسماء سألت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و قد أتى لها ثمانية عشر يوماً، و لو سألته قبل ذلك لأمرها أن تغتسل و تفعل كما تفعل المستحاضة

(1)

و (2) ثمّ ساق أحاديث كثيرة تدلّ على ذلك.

و أمّا حمل المصنّف لحديث أسماء على المبتدئة (3) فبعيد جدّاً؛ لأنّها تزوّجت بأبي بكر بعد موت جعفر بن أبي طالب، (4) و ولادتها من جعفر عدّة أولاد، و يبعد حينئذٍ عدم حيضها في جميع هذه المدّة مع ولادتها عدّة أولاد و إن كان ذلك داخلًا في حيّز الإمكان.

(و حكمها كالحائض في كلّ الأحكام) الواجبة و المندوبة و المحرّمة و المكروهة و الغسل و الوضوء؛ لأنّه في الحقيقة دم حيض احتبس (إلا) في أُمور:

الأوّل (الأقلّ) فإنّ الإجماع على أنّ أقلّ الحيض ثلاثة في الجملة، و لا حدّ لأقلّ النفاس.

الثاني: في الأكثر؛ للخلاف في أكثره، كما عرفت، و الاتّفاق على أكثر الحيض.

الثالث: أنّ الحيض دليل على سبق البلوغ، بخلاف النفاس؛ فإنّ الدلالة حصلت

____________

(1) الكافي 3: 98- 99/ 3.

(2) التهذيب 1: 178 179.

(3) مختلف الشيعة 1: 217، المسألة 157.

(4) أُسد الغابة 7: 1514/ 6706.

247

بالحمل؛ لأنّه أسبق من النفاس، فدلّ على سبق البلوغ على الوضع بستّة أشهر فما زاد. و هذا الوجه ذكره المصنّف في النهاية، (1) و تبعه عليه في الذكرى. (2)

و فيه نظر؛ لأنّ دلالة الحمل عليه لا تمنع من دلالة النفاس أيضاً؛ لإمكان اجتماع دلالات كثيرة، فإنّ هذه الأُمور معرّفات شرعيّة لا علل عقليّة، فلا يمتنع اجتماعها، كما أنّ الحيض غالباً لا يوجد إلا بعد سبق البلوغ بغيره.

الرابع: أنّ العدّة تنقضي بالحيض دون النفاس غالباً، و خرج من الغالب ما لو طُلّقت الحامل من زنا، فإنّ النفاس حينئذٍ يُعدّ قُرءاً، فإن رأت قُرءين في زمان الحمل، انقضت العدّة بظهور النفاس أو انقطاعه على الخلاف، و لو لم يتقدّمه قُرءان، عدّ في الأقراء.

الخامس: أنّ الحائض ترجع إلى عادتها في الحيض عند التجاوز، بخلاف النفساء؛ فإنّها إنّما ترجع إلى عادة الحيض لا النفاس.

السادس: أنّ الحائض ترجع إلى نسائها في الحيض على بعض الوجوه، و لا ترجع النفساء إليهنّ في النفاس إلا على رواية (3) شاذّة.

السابع: أنّ النفساء لا ترجع إليهنّ أيضاً في الحيض إذا كانت مبتدئةً، و لا هي و المضطربة إلى الروايات، و لا هُما و ذات العادة إلى التمييز.

الثامن: قيل: لا يشترط أن يكون بين الحيض و النفاس أقلّ الطهر سابقاً و لاحقاً، بخلاف الحيضتين، و قد تقدّم الكلام فيه.

التاسع: أنه لا يشترط في النفاسين أقلّ الطهر، كما في التوأمين، بخلاف الحيضتين أيضاً.

العاشر: في نيّة الغسل إذا أرادت تخصيص الحدث الموجب للغسل، فإنّ هذه تنوي النفاس و تلك الحيض. فهذه اثنا عشر فرقاً؛ لأنّ السابع يشتمل على ثلاثة.

تنبيه: ممّا يترتّب على اتّفاقهما في الأحكام غير ما ذُكر أنّ النفساء لو استُحيضت بأن تجاوز دمها العشرة، فإن كانت مبتدئةً أو مضطربةً، جعلتا ما بعد العشرة استحاضةً حتى يدخل الشهر المتعقّب للذي ولدتا فيه، فترجعان في الدم الموجود في الشهر الثاني إلى

____________

(1) نهاية الإحكام 1: 133.

(2) الذكرى 1: 364.

(3) التهذيب 1: 403/ 1262.

248

التمييز، ثمّ ترجع المبتدئة إلى نسائها، ثمّ ترجعان إلى الروايات. و إن كانت ذات عادة، جعلت بقدر عادتها في الحيض من الدم نفاساً، و الباقي استحاضةً إلى تمام طهرها المعتاد، ثمّ ما بعده حيضاً.

اللّهمّ إلا أن يتغيّر لون الدم بحيث تستفيد منه تمييزاً لا ينافي أيّام النفاس، فتجعل أيّام التمييز حيضاً، كما لو رأت بعد عشرة أيّام فصاعداً من انقضاء أيّام النفاس دماً أسود بعد أن كانت تراه أحمر أو دونه و استمرّ السواد ثلاثة فما زاد و لم يعبر عشرة، إلى آخر ما ذُكر في التمييز، فتجعل السواد حيضاً؛ لأنّ أيّام النفاس قائمة مقام العادة في الحيض.

و قد أسلفنا في الحيض أنّ العادة تُقدّم على التمييز مع تنافيهما لا مع إمكان الجمع بينهما. و على ما فرضناه يمكن الجمع.

هذا كلّه مع استمرار الدم، أمّا لو انقطع ثمّ عاد بعد مضيّ أقلّ الطهر من انقضاء النفاس، فالعائد حيض مع إمكانه و إن كان في شهر الولادة، فتأمّل ذلك" فقلّما يستفاد بأجمعه من كلام مجتمع مع عموم البلوى به.

(و لو تراخت ولادة أحد التوأمين) و هما الولدان في بطنٍ واحد، يقال: هذا توأم هذا، و هذه توأمة هذه (فعدد أيّامها من) التوأم (الثاني) لصدق الولادة عنده، فما بعده دم الولادة قطعاً.

(و ابتداؤه) أي ابتداء نفاسها (من) ولادة (الأوّل) لصدق الاسم فيه، غايته تعدّد العلّة.

و ظاهر العبارة كونهما نفاساً واحداً، و هو مبنيّ على الغالب من تعاقب ولادتهما، فيتّحد النفاس بحسب الصورة. و في التحقيق لكلّ واحد نفاس مستقلّ؛ لانفصال كلّ من الولادتين عن الأُخرى، فإن وضعت الثاني لدون عشرة، أمكن اتّصال النفاسين.

و لو تراخت ولادة الثاني بحيث يمكن فرض استحاضة بين النفاسين، حكم به، بل يمكن فرض حيض أيضاً و إن بَعُدَ.

و يتفرّع على كونهما نفاسين ما لو ولدت الثاني لدون عشرة من ولادة الأوّل و لم تر بعد ولادة الأوّل إلا يوماً واحداً مثلًا و انقطع في باقي الأيّام المتخلّلة بينهما، فإنّه يحكم بكونها طهراً و إن رأت بعد ولادة الثاني في العشرة و انقطع عليها، بخلاف ما لو حكم بكونهما نفاساً واحداً كما يقتضيه ظاهر العبارة، فإنّه يلزم كون الدمين و النقاء المتخلّل بينهما

249

نفاساً، كما سيأتي.

و تردّد المحقّق في المعتبر في كون الدم الحاصل قبل ولادة الثاني نفاساً من حيث إنّها حامل، و لا نفاس مع الحمل. ثمّ اختار كونه نفاساً أيضاً؛ لحصول مسمّى النفاس فيه، و هو تنفّس الرحم به بعد الولادة، فيكون لها نفاسان. (1) (و لو رأت) الدم (يوم العاشر) خاصّة (فهو النفاس) لما تقدّم من أنّه متى انقطع على العشرة فما دون فالجميع نفاس كالحيض، و لمّا كان النفاس هو الدم و لم يوجد إلا في العاشر، كان هو النفاس خاصّة. و لو فرض رؤية العاشر و تجاوزه، لم يتمّ ما ذُكر إلا عند مَنْ يرى أكثره عشرة مطلقاً.

أمّا على مذهب المصنّف فإنّما يحكم بكونه نفاساً مع التجاوز للمبتدئة و المضطربة و لمن عادتها عشرة، أمّا لو كان عادتها أقلّ، لم يكن لها نفاس إلا مع رؤيته في جزء من العادة، فيكون هو النفاس خاصّة، و هذا كلّه واضح و إن كانت العبارة لا تفي به.

(و لو رأته) أي العاشر (و الأوّل) خاصّة (فالعشرة نفاس) كما أنّ الحائض لو رأته ثلاثة و انقطع ثمّ رأت العاشر و انقطع، فالدمان و ما بينهما حيض.

هذا مع انقطاعه على العاشر، كما تقدّم.

و لو فرض تجاوزه العشرة، فكذلك إن كانت مبتدئةً أو مضطربةً أو عادتها عشرة، و إلا فنفاسها الأوّل خاصّة، إلا أن يصادف الثاني جزءاً من العادة، فجميع العادة نفاس، لكن يجب عليها الاستبراء بالقطنة، و الاغتسال مع النقاء بعد الانقطاع الأوّل، و العبادة؛ لجواز عدم عوده، و أصالة عدمه، فإذا عاد في العشرة كما ذكر، تبيّن بطلان ما فعلَت، فتقضي صومه. و حكمها في هذا النقاء في اغتفار الوطئ و العبادة كما تقدّم في الحائض.

و يتفرّع على الحكم بكون الأوّل خاصّة نفاساً إمكان الحكم بالحيض من الثاني عشر فصاعداً إن استفادت منه تمييزاً، أو لم تر في العاشر و رأت الثاني عشر و ما بعده ثلاثة، فإنّه يحكم بكونه حيضاً؛ لإمكانه.

و لو فرض رؤيتها لحظةً بعد الولادة و انقطع ثمّ عاد بعد لحظة من الحادي عشر و استمرّ ثلاثة فصاعداً و لم يتجاوز العشرة، حكم بكونها حيضاً أيضاً.

____________

(1) المعتبر 1: 257.

250

[المقصد الرابع: في غسل الأموات]

(المقصد الرابع: في غسل الأموات) و ما يتبعه من التكفين و التحنيط و الدفن، و ما يندرج فيه من غسل المسّ.

و إنّما عنون هذا المقصد بغسل الأموات، و ذكر في المقاصد السابقة ماهيّات الأسباب؛ لاشتراك الأغسال السابقة في الماهيّة، فاكتفى بذكرها في الجنابة، و بحث في الباقية عن الأسباب، بخلاف غسل الأموات؛ لمغايرته لها في الكيفيّة و الحكم، فعنون المقصود به.

(و هو) أي غسل الأموات (فرض) واجب على الأحياء المكلّفين إجماعاً، و فيه مع وجوبه أجر جزيل و فضل عظيم.

روى الشيخ أبو جعفر الكليني بإسناده إلى سعد الإسكاف عن الباقر قال

أيّما مؤمن غسّل مؤمناً فقال إذا قلّبه: اللّهمّ إنّ هذا بدن عبدك المؤمن قد أخرجتَ روحه منه و فرّقتَ بينهما، فعفوك عفوك، إلا غفر اللّه عزّ و جل له ذنوب سنة إلا الكبائر.

(1)

و عنه (عليه السلام)

مَنْ غسّل مؤمناً فأدّى فيه الأمانة غفر اللّه له، و هو أن لا يخبر بما يرى.

(2)

و عنه (عليه السلام)

فيما ناجى به موسى ربّه تبارك و تعالى: يا ربّ ما لمن غسّل الموتى؟ قال: أغسله من ذنوبه كما ولدته امّه.

(3)

و وجوبه (على الكفاية) لأعلى الأعيان؛ لأنّ الغرض إدخاله في الوجود، و هو يحصل بالوجوب الكفائي، و لا غرض (4) يتعلّق فيه بالمباشر المعيّن.

____________

(1) الكافي 3: 164/ 1

(2) الكافي 3: 164/ 2.

(3) الكافي 3: 164/ 4.

(4) في «ق، م»: «إذ لا غرض» بدل «و لا غرض».

251

(و كذا) القول في (باقي الأحكام) المتعلّقة بالميّت من توجيهه إلى القبلة و تكفينه و تحنيطه و حفر قبره و نقله إليه، لا بذل الكفن و الحنوط و ماء الغسل، فإنّه مستحبّ، كما سيأتي.

و المراد بالواجب الكفائي هنا: مخاطبة كلّ مَنْ علم بموته من المكلّفين ممّن يمكنه مباشرة ذلك الفعل به استقلالًا أو منضمّاً إلى غيره حتى يعلم تلبّس مَنْ فيه الكفاية به، فيسقط حينئذٍ عنه سقوطاً مراعىً باستمرار الفاعل عليه حتى يفرغ. و لو لا اعتبار المراعاة، لزم عدم وجوب الفعل عند عروض مانع للفاعل عن الإكمال، و هو باطل.

و اعتبر المصنّف (1) و جماعة (2) في [سقوط] التكليف به الظنّ الغالب؛ لأنّ العلم بأنّ الغير يفعل كذا في المستقبل ممتنع و لا تكليف به، و الممكن تحصيل الظنّ، و لاستبعاد وجوب حضور جميع أهل البلد الكبير عند الميّت حتى يدفن، و نحو ذلك.

و فرّعوا عليه: أنّه لو ظنّ قوم قيام غيرهم به، سقط عنهم، و لو ظنّوا عدمه، وجب عليهم حتى لو ظنّ كلّ فرقة قيام غيرهم، سقط عن الجميع، كما أنّهم لو ظنّوا عدم القيام، وجب عليهم عيناً.

و يشكل بأنّ الظنّ إنّما يقوم مقام العلم مع النصّ عليه بخصوصه أو دليل قاطع، و ما ذُكر لا تتمّ به الدلالة؛ لأنّ تحصيل العلم بفعل الغير في المستقبل ممكن بالمشاهدة و نحوها من الأُمور المثمرة له.

و الاستبعاد غير مسموع، و باستلزامه سقوط الواجب عند عدم العلم بقيام الغير به، و امتناع نيّة الفرض من الظانّ عند إرادته المباشرة، و بأنّ الوجوب معلوم و المسقط مظنون، و المعلوم لا يسقط بالمظنون.

و قال بعض (3) المحقّقين من تلامذة المصنّف: إن كان الظنّ ممّا نصبه الشارع حجّةً كشهادة العَدلَين، جاز الاستناد في إسقاط الوجوب إليه، و إن كان دون ذلك كشهادة الفاسق بل العدل الواحد فلا؛ لما مرّ.

و فيه: أنّ شهادة العَدلَين إن كانت بأنّ الفعل قد وقع، فمسلّم، و إن كانت أنّه يقع أو

____________

(1) مبادئ الوصول: 106؛ نهاية الوصول، المقصد الرابع: في الأمر و النهي، الفصل الرابع: في أقسام الأمر، البحث الثاني: في الواجب على الكفاية.

(2) منهم: المحقّق الحلّي في معارج الأُصول: 75.

(3) لم نتحقّقه.

252

تلبّس به، فجميع ما مرّ (1) آتٍ فيه. و تنقيح هذه المسألة في الأُصول.

و فرض الغسل متحقّق (لكلّ ميّت مسلم و مَنْ هو بحكمه) كالطفل و السقط لأربعة أشهر، و البالغ مجنوناً إذا كان أحد أبويه مسلماً، و لقيط دار الإسلام أو دار الكفر و فيها مسلم صالح للاستيلاد بحيث يمكن إلحاقه به.

و في كون الطفل المسبيّ إذا كان السابي مسلماً، و الطفل المتخلّق من ماء الزاني المسلم بحكم المسلم فيجب تغسيله، نظر من الشكّ في تبعيّة المسبيّ في جميع الأحكام و إنّما المعلوم تبعيّته في الطهارة، و عدم لحوق الثاني بالزاني شرعاً. و من إطلاق الحكم بالتبعيّة و كون الثاني ولداً لغةً فيتبعه في الإسلام كما يحرم نكاحه.

أمّا البالغ المُظهر للإسلام فإنّه يغسّل قطعاً؛ لصحّته منه.

و يدخل في الكلّيّة جميع فِرَق المسلمين، فيجب تغسيل الميّت منهم و إن كان مخالفا للحقّ (عدا الخوارج) و هُم أهل النهروان و مَنْ دان بمقالتهم، و تطلق هذه الفرقة على مَنْ كفّر عليّاً (عليه السلام)، و الموجود منهم مَنْ ذُكر (و الغلاة) جمع غالٍ، و هو من اعتقد إلهيّة أحدٍ من الناس، و المراد هنا: من اعتقد إلهيّة عليّ (عليه السلام)، و استثناؤهم من المسلمين باعتبار تستّرهم بظاهر الإسلام، و إلا فليسوا منه على شيء، و كان انقطاع الاستثناء بالنسبة إليهم أولى.

و كذا يجب استثناء كلّ مَنْ حُكم بكفره من المسلمين، كالنواصب و المجسّمة، بل كلّ مَنْ قال أو فَعَل ما يقتضي كفره منهم. و ترك ذلك خلل في العبارة.

و خرج بالمسلم أنواع الكفّار ممّن لا ينتحل الإسلام، و أولادهم يتبعونهم في ذلك، و لا فرق بين القريب منهم و البعيد و الزوجة و غيرها.

و لا ريب في عدم جواز تغسيل مَنْ ذُكر و إن كان الاستثناء في العبارة إنّما دلّ على نفي الوجوب.

و كما يحرم تغسيلهم يحرم باقي الأفعال من التكفين و الدفن و الصلاة؛ للآية (2)؛ و لقوله تعالى وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ. (3)

و لأنّ ذلك إكرام لا يصلح للكافر.

____________

(1) في «م»: «مضى» بدل «مرّ».

(2) التوبة (9): 84.

(3) المائدة (5): 51.

253

و لرواية عمّار عن الصادق (عليه السلام) عن النصراني يموت مع المسلمين

لا يغسّله و لا كرامة، و لا يدفنه، و لا يقوم على قبره و إن كان أباه.

(1)

و جوّز المرتضى مواراته إذا لم يكن له مَن يواريه؛ لئلا يضيع. (2)

(و يُغسّل المخالف غُسلَه) إن أراد المؤمن تغسيله إمّا لتعيّنه عليه أو لا، على كراهة في الثاني.

و المراد بغسله الثابتُ في مذهبه. و لو لم يعرف كيفيّة الغسل عندهم، جاز تغسيله غسل أهل الحقّ.

و منع المفيد من تغسيله إلا لضرورة، كتقيّة، فيغسّله غسل أهل الخلاف، و لا يترك معه جريدة. (3)

و علّله الشيخ في التهذيب: بأنّ المخالف للحقّ كافر، فيجب أن يكون حكمه حكمهم إلا ما خرج بالدليل، و الكافر لا يجوز تغسيله. (4) و نحوه قال ابن البرّاج (5).

و لا يخفى أنّ المراد بالمخالف غير الناصبي و ما ماثله.

و المشهور: الجواز على كراهية.

[القول في أحكام المحتضر]

[يجب عند الاحتضار]

(و يجب) على مَنْ حضر عند المريض، بل على مَنْ سمع به (عند الاحتضار) و هو السَّوق سُمّي به؛ لحضور المريض الموت، أو لحضور إخوانه و أهله عنده، أو لحضور الملائكة عنده لقبض روحه (توجيهه إلى القبلة).

و كيفيّته أن يوضع (على ظهره) و يجعل باطن قدميه إلى القبلة (بحيث لو جلس كان مستقبلًا) لها.

و الحكم بوجوب الاستقبال هو المشهور خبراً و فتوى.

و مستنده من الأخبار السليمة دلالةً و سنداً ما رواه محمّد بن يعقوب عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم عن سليمان بن خالد قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام)

____________

(1) الكافي 3: 159/ 12؛ الفقيه 1: 95/ 437؛ التهذيب 1: 336335/ 982.

(2) حكاه عنه المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 328.

(3) المقنعة: 85.

(4) التهذيب 1: 335.

(5) المهذّب 1: 56.

254

يقول

إذا مات لأحدكم ميّت فسجّوه تجاه القبلة، و كذلك إذا غسّل يحفر له موضع المغتسل تجاه القبلة فيكون مستقبلًا بباطن قدميه و وجهه إلى القبلة.

(1)

و أمّا غيره من الأخبار التي استدلّ بها على الوجوب فلا تخلو من شيء إمّا في السند أو في الدلالة إمّا لعدم التصريح بالأمر أو لوروده في واقعة معيّنة.

و علّل في بعضها: بأنه

إذا استقبل به أقبلت عليه الملائكة

روي ذلك عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قاله في هاشميّ كان في السَّوق. (2)

و اختار الشيخ في الخلاف الاستحباب، (3) و تبعه في المعتبر ناقلًا عن سائر الجمهور، خلا سعيد بن المسيّب، فإنّه أنكره مستضعفاً للروايات الدالّة على الوجوب. و لأنّ التعليل في الرواية عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) كالقرينة الدالّة على الفضيلة، مع أنّه أمر في واقعةٍ. (4)

و نحن قد ذكرنا ما هو المستند.

و قد تقدّم أنّ فرض الاستقبال به كفاية، كباقي أحكامه.

و يسقط الاستقبال به مع اشتباه القبلة؛ لعدم إمكان توجيهه في حالة واحدة إلى الجهات المختلفة. و احتمله في الذكرى. (5)

و الأولى عود ضمير «توجيهه» إلى المسلم و مَنْ في حكمه المذكور سابقاً ليفيد اختصاص الحكم به، كما هو الواقع، لا إلى الميّت؛ لاحتياجه حينئذٍ إلى التقييد.

و لا فرق بين الصغير و الكبير في هذا الحكم؛ للعموم.

و لقد كان ينبغي اختصاص الحكم بوجوب الاستقبال بمن يعتقد وجوبه، فلا يجب توجيه المخالف إلزاماً له بمذهبه، كما يغسّل غسله. و يقتصر في الصلاة عليه على أربع تكبيرات.

و هل يسقط الاستقبال بالموت، أو يجب دوام الاستقبال به حيث يمكن؟ كلّ محتمل.

و وجه الثاني: عموم الأمر، و عدم ذكر الغاية، و ينبّه عليه ذكره حال الغسل في الخبر السابق، (6) و وجوبه حال الصلاة و الدفن و إن اختلفت الهيئة.

____________

(1) الكافي 3: 127/ 3؛ التهذيب 1: 286/ 835.

(2) الفقيه 1: 79/ 352.

(3) الخلاف 1: 691، المسألة 466.

(4) المعتبر 1: 258 و 259.

(5) الذكرى 1: 296.

(6) أي خبر سليمان بن خالد، المتقدّم آنفاً.

255

و في الذكرى: أنّ ظاهر الأخبار سقوط الاستقبال بموته، و أنّ الواجب أن يموت إلى القبلة. قال: و في بعضها احتمال دوام الاستقبال. (1)

و في استفادة سقوط الاستقبال بموته منها نظر.

[و يستحبّ]

(و يستحبّ التلقين) للمحتضر (بالشهادتين و الإقرار بالأئمّة، و كلمات الفرج).

و المراد بالتلقين التفهيم، يقال: غلام لقن، أي: سريع الفهم.

فعن الصادق (عليه السلام)

ما من أحدٍ يحضره الموت إلا وكّل به إبليس من شياطينه مَن يأمره بالكفر، و يشكّكه في دينه حتى تخرج نفسه، فمن كان مؤمناً لم يقدر عليه؛ فإذا حضرتم موتاكم فلقّنوهم شهادة أن لا إله إلا اللّه، و أنّ محمّداً رسول اللّه حتى يموت.

(2)

و في رواية

يلقّنه كلمات الفرج و الشهادتين، و يسمّي له الإقرار بالأئمّة واحداً بعد واحد حتى ينقطع منه الكلام.

(3)

و عن أبي بكر الحضرمي: أنّه لقّن رجلًا الشهادتين، و الإقرار بالأئمّة رجلًا رجلًا، فرئي الرجل بعد وفاته، فقال: نجوت بكلمات لقّنيهنّ أبو بكر، و لو لا ذلك كدت أهلك، في حديثٍ (4) طويل.

و قال الصادق (عليه السلام)

[اعتقل لسان

(5)

] رجل من أهل المدينة على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في مرضه الذي مات فيه، فدخل عليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فقال له: قل: لا إله إلا اللّه، فلم يقدر عليه، فأعاد عليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فلم يقدر عليه و عند رأس الرجل امرأة، فقال لها: هل لهذا الرجل أُمّ؟ فقالت: نعم يا رسول اللّه أنا امّه، فقال لها: أ راضية أنتِ عنه أم لا؟ فقالت: بل ساخطة، فقال (صلّى اللّه عليه و آله): إنّي أُحبّ أن ترضي عنه، فقالت: قد رضيتُ عنه لرضاك يا رسول اللّه، فقال له: قل: لا إله إلا اللّه، فقال: لا إله إلا الله، فقال: قل: يا مَن يقبل اليسير و يعفو عن الكثير اقبل منّي اليسير و اعف عنّي الكثير إنّك أنت العفوّ الغفور، فقالها، فقال له: ماذا ترى؟ قال: أسودين قد دخلا عليّ، قال: فأعدها، فأعادها، فقال:

____________

(1) الذكرى 1: 295.

(2) الكافي 3: 123/ 6؛ الفقيه 1: 79/ 353 بتفاوت يسير في بعض الألفاظ.

(3) الكافي 3: 124 ذيل الحديث 6.

(4) الكافي 3: 122- 123/ 4.

(5) بدل ما بين المعقوفين في الطبعة الحجريّة و «ق، م»: «اعتلّ». و ما أثبتناه من المصدر.

256

ما ترى؟ قال: قد تباعدا عنّي و دخل الأبيضان و خرج الأسودان فما أراهما، و دنا الأبيضان منيّ فأخذا نفسي، فمات من ساعته.

(1)

و لا بدّ من متابعة المريض بلسانه و قلبه إن أمكن، و إلا عقد بها قلبه؛ لقوله (صلّى اللّه عليه و آله)

مَنْ كان آخر كلامه لا إله إلا اللّه دخل الجنّة.

(2)

و قوله (صلّى اللّه عليه و آله)

مَن كان آخر قوله عند الموت: أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، إلا هدمت ما قبلها من الخطايا و الذنوب، فلقّنوها موتاكم

فقيل: يا رسول اللّه كيف هي للأحياء؟ قال

هي أهدم و أهدم.

(3)

و روى أنه (صلّى اللّه عليه و آله) حين دخل على رجل من بني هاشم و هو في النزع فلقّنه كلمات الفرج إلى قوله وَ سَلٰامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَ الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ، فقالها، فقال

الحمد للّه الذي استنقذه من النار.

(4)

و ينبغي أن يكون ذلك من الملقّن بلطف و مداراة من غير تكرار يوجب الإضجار. و ليكن آخره لا إله إلا اللّه.

(و نقله إلى مصلاه) و هو الموضع الذي أعدّه في بيته للصلاة، أو الذي كان يكثر فيه الصلاة أو عليه إن تعسّر عليه الموت و اشتدّ به النزع لا مطلقاً و إن كانت العبارة تحتمله؛ لقول الصادق (عليه السلام)

إذا عسر على الميّت موته قرّب إلى مصه الذي كان يصلّي فيه.

(5)

و في حديث زرارة قال

إذا اشتدّ عليه النزع، فضعه في مصه الذي كان يصلّي فيه أو عليه.

(6)

و عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)

أنّ أبا سعيد الخدريّ قد رزقه اللّه هذا الرأي و أنّه اشتدّ نزعه، فقال: احملوني إلى مصي، فحملوه فلم يلبث أن هلك.

(7)

و في حديثٍ آخر عنه (عليه السلام)

أنّ أبا سعيد الخدريّ كان من أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و كان

____________

(1) الفقيه 1: 78/ 350.

(2) الفقيه 1: 78/ 348؛ أمالي الصدوق: 434/ 5.

(3) ورد نحوه في المحاسن: 1: 102 103/ 78؛ و ثواب الأعمال: 16/ 3.

(4) الكافي 3: 124/ 9؛ الفقيه 1: 77 78/ 346.

(5) الكافي 3: 125/ 2؛ التهذيب 1: 427/ 1356.

(6) الكافي 3: 126/ 3؛ التهذيب 1: 427/ 1357.

(7) الكافي 3: 126/ 4.