روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان - ج1

- الشهيد الثاني المزيد...
463 /
257

مستقيماً فنزع ثلاثة أيّام فغسّله أهله ثمّ حمل إلى مصه فمات فيه.

(1)

(و التغميض) لعينيه بعد موته معجّلًا؛ لقوله (صلّى اللّه عليه و آله)

إذا حضرتم موتاكم فأغمِضوا البصر، فإنّ البصر يتبع الروح.

(2)

و لأنّ فتح عينيه يقبح منظره، و يجوزمعه دخول الهوامّ إليهما، و بعد الإغماض يشبه النائم.

(و إطباق فيه) بعده كذلك؛ للاتّفاق عليه، و لئلا يقبح منظره بدونه و تدخل الهوامّ إلى بطنه.

و كذا يستحبّ شدّ لحييه بعصابة؛ لأمر الصادق (عليه السلام) به في ابنٍ له، (3) و فَعَله في ابنه إسماعيل. (4)

و لئلا تسترخي لحياه فينفتح فوه و يلزم ما تقدّم.

(و مدّ يديه) إلى جنبيه و ساقيه إن كانتا منقبضتين، ذكره الأصحاب.

قال المحقّق في المعتبر: و لم أعلم في ذلك نقلا عن أهل البيت (عليهم السلام)، و لعلّ ذلك ليكون أطوع للغاسل و أسهل للدرج. (5)

(و تغطيته بثوب) لأنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) سُجّي بحِبَرَة. (6) و غطّى الصادق (عليه السلام) ابنه إسماعيل بملحفة (7)

و لأنّ فيه ستراً للميّت و صيانةً.

(و التعجيل) لتجهيزه؛ للإجماع.

و لقول النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)

عجّلوا بهم إلى مضاجعهم.

(8)

و قوله (عليه السلام)

إذا مات الميّت لأوّل النهار، فلا يقيل

(9)

إلا في قبره.

(10)

____________

(1) الكافي 3: 125/ 1.

(2) سنن ابن ماجة 1: 468/ 1455؛ مسند أحمد 5: 107/ 16686؛ المعجم الكبير للطبراني 7: 291/ 7168.

(3) التهذيب 1: 289/ 841.

(4) التهذيب 1: 289/ 842.

(5) المعتبر 1: 261.

(6) صحيح مسلم 2: 651/ 924؛ سنن البيهقي 3: 541/ 6612.

(7) التهذيب 1: 289/ 842.

(8) الكافي 3: 137/ 1؛ الفقيه 1: 85/ 389؛ التهذيب 1: 427 428/ 1359.

(9) القائلة: الظهيرة. القيلولة: نومة نصف النهار. لسان العرب 11: 577، «ق ى ل».

(10) الكافي 3: 138/ 2؛ التهذيب 1: 428/ 1360.

258

و قوله (صلّى اللّه عليه و آله)

كرامة الميّت تعجيله.

(1)

و قد ورد استحباب إيذان إخوان الميّت بموته، لقول النبي (صلّى اللّه عليه و آله)

لا يموت منكم أحد إلا آذنتموني.

(2)

و قول الصادق (عليه السلام)

ينبغي لأولياء الميّت منكم أن يؤذنوا إخوان الميّت يشهدون جنازته و يصلّون عليه و يستغفرون له فيكتب لهم الأجر و للميّت الاستغفار، و يكتسب هو الأجر فيهم و فيما اكتسب له من الاستغفار.

(3)

و لو كان حوله قرى، اوذنوا، كما فعل الصحابة من إيذان قرى المدينة لمّا مات رافع بن خديج. (4)

و ينبغي مراعاة الجمع بين السّنّتين، فيؤذن من المؤمنين و القرى مَن لا ينافي التعجيل عرفاً.

و لو نافى إعلام بعضهم تعجيله على وجهٍ لا يلزم منه فساد الميّت و لا تشويه خلقته، ففي تقديم أيّهما نظر. و لعلّ مراعاة التعجيل أولى؛ جمعاً بينه و بين أصل سنّة الإيذان، بخلاف ما لو انتظر الجميع، فإنّ سنّة التعجيل تفوت، أمّا لو استلزم الانتظار وقوع أحد الوصفين بالميّت، فلا ريب في تضيّق وجوب التعجيل.

(إلا مع الاشتباه) فلا يجوز التعجيل فضلًا عن رجحانه، بل يرجع إلى الأمارات، أو يصبر عليه ثلاثة أيّام إلا أن يتغيّر قبلها لئلا يعان على قتل امرئ مسلم؛ لقول الصادق (عليه السلام)

خمسة ينتظر بهم إلا أن يتغيّروا: الغريق، و المصعوق، و المبطون، و المهدوم، و المدخّن.

(5)

و عنه (عليه السلام) و قد سئل كيف يستبرأ الغريق؟

يترك ثلاثة أيّام قبل أن يدفن إلا أن يتغيّر فيغسّل و يدفن.

(6)

و روى عن الكاظم (عليه السلام)

أنّ أُناساً دُفنوا أحياءً ما ماتوا إلا في قبورهم.

(7)

قال المصنّف في النهاية: شاهدت واحداً في لسانه وقفة فسألته عن سببها، فقال:

____________

(1) الفقيه 1: 85/ 388.

(2) المستدرك للحاكم 3: 591.

(3) الكافي 3: 166/ 1؛ التهذيب 1: 452/ 1470.

(4) انظر: سنن البيهقي 4: 124/ 7180.

(5) الكافي 3: 210/ 5؛ التهذيب 1: 337- 338/ 988.

(6) التهذيب 1: 338/ 990.

(7) الكافي 3: 210/ 6؛ التهذيب 1: 338/ 991.

259

مرضت مرضاً شديداً و اشتبه الموت، فغُسّلتُ و دُفنتُ في أزج، (1) و لنا عادة إذا مات شخص فتح عنه باب الأزج بعد ليلة أو ليلتين إمّا زوجته أو امّه أو أُخته أو ابنته، فتنوح عنده ساعة ثمّ تطبق عليه هكذا يومين أو ثلاثة، ففتح عليّ فعطست، فجاءت أُمّي بأصحابي فأخذوني من الأزج، و ذلك منذ سبع عشرة سنة. (2)

و المراد بالأمارات نحو: انخساف صُدغيه، و ميل أنفه، و امتداد جلدة وجهه، و انخلاع كفّه من ذراعه، و استرخاء قدميه، و تقلّص أُنثييه إلى فوق مع تدلّي الجلدة.

قيل: و منه زوال النور من بياض العين و سوادها، و ذهاب النفس و زوال النبض. (3)

و نقل في الذكرى عن جالينوس: أنّ أسباب الاشتباه: الإغماء، و وجع القلب، و إفراط الرعب أو الغمّ أو الفرح أو الأدوية المخدّرة، فيستبرأ بنبض عروق بين الأُنثيين، أو عِرق يلي الحالب (4) و الذكر بعد الغمز الشديد، أو عِرق في باطن الألية أو تحت اللسان أو في بطن المنخر، و منع الدفن قبل يوم و ليلة إلى ثلاثة. (5)

و اعلم أنّ الاستحباب في هذه المواضع كفائيّ، فلا يختصّ بالوليّ و إن كان الأمر فيه آكد، و في بعض الأخبار و عبارات الأصحاب ما يدلّ على اختصاصه بذلك.

[و يكره]

(و يكره طرح الحديد على بطنه) ذكر ذلك الشيخان (6) و جماعة (7) من الأصحاب.

قال الشيخ في التهذيب: سمعناه مذاكرةً من الشيوخ رحمهم اللّه. (8)

و احتجّ في الخلاف على الكراهية بإجماعنا. (9)

و كما يكره طرح الحديد عليه يكره غيره أيضاً، ذكره المصنّف (10) و جماعة.

____________

(1) الأَزَجُ: بيت يُبنى طولًا. لسان العرب 2: 208، «أزج».

(2) نهاية الإحكام 2: 218.

(3) القائل هو ابن الجنيد كما في الذكرى 1: 299.

(4) الحالبان: عِرْقان يبتدّان الكُلْيتين من ظاهر البَطْن. و هُما أيضاً عِرْقان أخضران يكتنفان السّرّة إلى البطن. لسان العرب 1: 333، «ح ل ب».

(5) الذكرى 1: 299- 300.

(6) المقنعة: 74، المبسوط 1: 74؛ الخلاف 1: 691، المسألة 467.

(7) منهم: أبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 236؛ و سلار في المراسم: 47؛ و القاضي ابن البرّاج في المهذّب 1: 54؛ و ابن حمزة في الوسيلة: 62؛ و المحقّق في شرائع الإسلام 1: 28؛ و العِمة الحلّي في نهاية الإحكام 2: 216.

(8) التهذيب 1: 290.

(9) الخلاف 1: 691، المسألة 467.

(10) نهاية الإحكام 2: 216؛ تذكرة الفقهاء 1: 342، المسألة 113.

260

و قال ابن الجنيد: يضع على بطنه شيئاً يمنع من رَبوها. (1)- (2) و الإجماع على خلافه.

(و حضور الجنب و الحائض عنده) لثبوت النهي (3) عنه في الأخبار، و في بعضها

أنّ الملائكة تتأذّى بذلك.

(4)

و الظاهر اختصاص الكراهة بزمان الاحتضار إلى أن يتحقّق الموت؛ لأنّه وقت حضور الملائكة.

و لقول الصادق (عليه السلام)

لا تحضر الحائض الميّت و لا الجنب عند التلقين، و لا بأس أن يليا غسله.

(5)

و قال عليّ بن أبي حمزة للكاظم (عليه السلام): المرأة تقعد عند رأس المريض و هي حائض في حدّ الموت، فقال

لا بأس أن تُمرّضه، فإذا خافوا عليه و قرب ذلك فلتتنحّ عنه و عن قربه، فإنّ الملائكة تتأذّى بذلك.

(6)

و يحتمل استمرار كراهة الحضور. و الكراهة في الحائض مستمرّة حتى تطهر و تغتسل.

و هل تزول في الجنب بالتيمّم عند تعذّر الغسل، و فيها بعد الانقطاع مع تعذّره؟ نظر: من إباحته ما هو أقوى من ذلك كالصلاة. و من أنّ التيمّم لا يرفع الحدث عنهما، و أنّه لا يشترط في صدق المشتقّ بقاء المعنى المشتقّ منه عندنا، فيطلق عليهما «حائض» و «جنب» معه (7) بل بعد الغسل، لكن خرج ما بعده بالإجماع، فيبقى الباقي.

[القول في غسل الميت]

(و أولى الناس بغسله) بل بجميع أحكامه (أولاهم بميراثه) لعموم وَ أُولُوا الْأَرْحٰامِ بَعْضُهُمْ أَوْلىٰ بِبَعْضٍ. (8)*

و لقول عليّ (عليه السلام)

يغسّل الميّت أولى الناس به.

(9)

____________

(1) الرّبْوُ: الارتفاع. الصحاح 6: 2349، «ر ب ا».

(2) حكاه عنه المحقّق في المعتبر 1: 264.

(3) انظر: الهامش (5).

(4) انظر: الهامش (6).

(5) التهذيب 1: 428/ 1362.

(6) الكافي 3: 138 (باب الحائض تمرّض المريض) الحديث 1؛ التهذيب 1: 428/ 1361.

(7) أي: مع التيمّم.

(8) الأنفال (8): 75.

(9) التهذيب 1: 431/ 1376.

261

و المراد بتقديم الأولى بالميراث: أنّ كلّ مرتبة من مراتب الإرث أولى ممّا بعدها إن كان، و أمّا تفضيل تلك المرتبة في نفسها فلا تعرّض إليه في هذه العبارة، و سيأتي التنبيه على بعضه هنا و الباقي في الصلاة عليه.

و قد ذكر المصنّف و غيره هنا و في الصلاة: أنّ الرجال أولى من النساء مطلقاً، فلو كان الميّت امرأةً لا يمكن الوليّ الذكر مباشرة تغسيلها، أذن للمماثل، فلا يصحّ فعله بدون إذنه.

و ربما قيل: إنّ ذلك مخصوص بالرجل، أمّا النساء فالنساء أولى بغسلهنّ. و لم يثبت.

و امتناع المباشرة لا يستلزم انتفاء الولاية، و مهما امتنع الوليّ من الإذن أو فُقد، سقط اعتبار إذنه، فيأذن الإمام ثمّ الحاكم، قيل: ثمّ المسلمون. (1)

(و الزوج أولى) بزوجته من جميع أقاربها (في كلّ أحكام الميّت) لقول الصادق (عليه السلام) في خبر إسحاق بن عمّار

الزوج أحقّ بامرأته حتى يضعها في قبرها.

(2)

و لا فرق بين الدائم و المنقطع؛ للإطلاق.

(و) تشترط المماثلة بين الغاسل و المغسول في الذكورة و الأُنوثة مع الاختيار، فيجب أن (يغسّل كلّ من المرأة و الرجل مثله) اتّفاقاً.

(و) استثني من ذلك مواضع:

أحدها: الزوجيّة، فلا منع فيها، بل (يجوز لكلّ من الزوجين تغسيل الآخر اختياراً) على أشهر القولين؛ لأنّ فاطمة (عليها السلام) أوصت أن تُغسّلها أسماء بنت عميس و علي (عليه السلام)، (3) و غسّلت أسماء زوجها بوصيّته. (4)

و لقول النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لبعض نسائه

لو متّ قبلي لغسّلتكِ.

(5)

و روى محمّد بن مسلم قال: سألته عن الرجل يغسّل امرأته؟ قال

نعم، إنّما يمنعها أهلها تعصّباً.

(6)

____________

(1) القائل هو الشهيد في الذكرى 1: 303.

(2) الكافي 3: 194/ 6؛ التهذيب 1: 325/ 949.

(3) دعائم الإسلام 1: 228؛ سنن الدارقطني 2: 79/ 12؛ سنن البيهقي 3: 556/ 6660؛ كشف الغمّة 1: 500 و 503.

(4) الموطّأ 1: 223/ 3؛ المصنّف لابن أبي شيبة 3: 136/ 1 و 2؛ سنن البيهقي 3: 557/ 6663؛ تاريخ الطبري 3: 421؛ الكامل في التاريخ 2: 419.

(5) سنن ابن ماجة 1: 470/ 1465؛ سنن البيهقي 3: 555/ 6659؛ مسند أحمد 7: 325/ 25380.

(6) الكافي 3: 158- 159/ 11؛ التهذيب 1: 439/ 1419؛ الاستبصار 1: 199/ 700.

262

و شرط الشيخ في كتابي الأخبار في جواز تغسيل كلّ منهما صاحبَه الضرورةَ، (1) و تبعه جماعة. (2)

و ما تقدّم من الأخبار و غيرها حجّة عليهم.

و المشهور في الأخبار (3) و الفتوى: أنّه من وراء الثياب، و يجب حمل ما أُطلق من الأخبار عليه؛ لوجوب حمل المطلق على المقيّد.

و المراد بالثياب: المعهودةُ، و في بعضها

يغسّلها من فوق الدرع

(4)

و ذلك يقتضي استثناء الوجه و الكفّين و القدمين، فيجوز أن تكون مكشوفةً.

و هل يطهر الثوب بصبّ الماء عليه من غير عصر؟ مقتضى المذهب عدمه، و به صرّح المحقّق في المعتبر في تغسيل الميّت في قميصه من مماثله. (5)

و منع في الذكرى من عدم طهارته بالصبّ؛ لإطلاق الرواية، قال: و جاز أن يجري مجرى ما لا يمكن عصره. (6)

و اختار المصنّف (رحمه اللّه) جواز التجريد فيهما كما لو غسّله مماثله. (7)

و يختصّ اللمس بما جاز نظره من الأعضاء سواء جوّزنا التجريد أم لا.

و لا فرق في الزوجة بين الحرّة و الأمة، و المدخول بها و غيرها.

و المطلّقة رجعيّةً زوجة، بخلاف البائن.

و لا يقدح انقضاء العدّة في جواز التغسيل عندنا، بل لو تزوّجت، جاز لها تغسيله و إن بَعُدَ الفرض.

و اعلم أنّه لا استدراك في قوله

و يجوز لكلّ من الزوجين

إلى آخره، بعد قوله

و الزوج أولى

لما تقدّم من أنّ الولاية لا تستلزم جواز المباشرة؛ و لأنّ الزوجة

____________

(1) التهذيب 1: 440؛ الاستبصار 1: 199، ذيل الحديث 701.

(2) منهم السيّد ابن زهرة في الغنية: 102.

(3) منها: صحيح منصور كما في الكافي 3: 158/ 8؛ و التهذيب 1: 439/ 1418؛ و الاستبصار 1: 199/ 699. و منها: صحيح محمد بن مسلم كما في الكافي 3: 157/ 3؛ و التهذيب 1: 438/ 1411؛ و الاستبصار 1: 196- 197/ 690.

(4) التهذيب 1: 438/ 1414؛ الاستبصار 1: 197/ 693.

(5) المعتبر 1: 271.

(6) الذكرى 1: 342.

(7) نهاية الإحكام 2: 230.

263

لم يسبق لها ذكر.

و ثانيها: المملوكيّة على وجه، فيجوز للسيّد تغسيل أمته غير المزوّجة، و مدبّرته و أُمّ ولده؛ لأنّهنّ في معنى الزوجة، دون المكاتبة؛ لتحريمها عليه بعقد الكتابة سواء المطلقة و المشروطة.

و لو كانت الأمة مزوّجةً أو معتدّةً، لم يجز له تغسيلها.

و في المُولى منها و المظاهَر منها و من الزوجات نظر.

و جزم المصنّف و الشهيد في الذكرى بعدم المنع. (1)

و أمّا تغسيل المملوكة لسيّدها: فإن كانت أُمّ ولد، جاز؛ لبقاء علقة الملك من وجوب الكفن و المئونة و العدّة. و لإيصاء زين العابدين (عليه السلام) أن تُغسّله أُمّ ولده. (2)

و أمّا غير أُمّ الولد من المملوكات: ففي جواز تغسيلها إيّاه نظر: من استصحاب حكم الملك، و لأنّها في معنى الزوجة في إباحة اللمس و النظر فيباح، و هو اختيار المصنّف. (3) و من انتقال ملكها إلى الوارث فيمتنع، و استقربه شيخه في المعتبر، (4) و هو قويّ.

و الخلاف في غير المزوّجة و المعتدّة و المكاتبة و المرتدّة و المعتق بعضها، فإنّها كالحُرّة.

(و) ثالثها: اشتباه الحال في الذكوريّة و الأُنوثيّة؛ لفقد موضع العلامات، فيغسّله محارمه من وراء الثياب، و كذا (يغسّل الخنثى المشكلَ) بالنصب (محارمُه) بالرفع (من وراء الثياب) لعدم إمكان الوقوف على المماثل في الموضعين.

هذا مع زيادة سنّه على ثلاث سنين، و إلا لم يتوقّف على المحرم، كما سيأتي.

و المراد بالمحرم هنا: هو المبحوث عنه في باب النكاح لجواز النظر إليه ما عدا العورة، و هو مَنْ حرم نكاحه مؤبّداً بنسبٍ أو رضاعٍ أو مصاهرةٍ، كالأُمّ و الأُخت و بنتها و زوجة الأب و الولد.

و احترز بالتأبيد عن أُخت الزوجة و بنت غير المدخول بها، فإنّهما ليستا من المحارم؛ لعدم التحريم المؤبّد، بل هما بحكم الأجانب. و توقّف حلّ نكاحهما على مفارقة الأُخت

____________

(1) نهاية الإحكام 2: 230؛ الذكرى 1: 306.

(2) التهذيب: 1: 444/ 1437؛ الاستبصار 1: 200/ 704.

(3) انظر: نهاية الإحكام 2: 230؛ و تذكرة الفقهاء 1: 363.

(4) المعتبر 1: 221.

264

و الأُمّ لا يقتضي حلّ النظر و دخولهما في اسم المحارم، و إلا لزم كون نساء العالم محارم للمتزوّج أربعاً؛ لتوقّف نكاح واحدة منهنّ على فراق واحدة.

و قد صرّح بهذا القيد جماعة (1) من الأصحاب، و مَنْ تركه منهم فإنّما هو لظهوره، بناءً على أنّ التحريم العارضي بغير تأبيد لا يفيد المحرميّة، كتحريم الأجانب.

و اعلم أنّ المصنّف في كثير من كتبه و المحقّق في المعتبر و غيرهما لم يذكروا المصاهرة هنا في تعريف المحرميّة. و وجهه غير واضح.

و لو لم يكن له محرم، ففي دفنه بغير غسل، أو شراء أمة من تركته تغسّله، فإن لم يكن له تركة، فمن بيت المال، أو استصحاب حاله في الصغر فيغسّله الرجل و المرأة أوجُه.

و يضعّف الثاني: بانتقال التركة عنه بموته، مع الشكّ في جواز تغسيل الأمة، كما مرّ، و الثالث: بانتفاء الصغر المزيل للشهوة.

و الإشكال آتٍ أيضاً في العضو الملقوط الذي لا يعلم ذكوريّته و لا أُنوثيّته حيث يجب تغسيله.

و لو كان الميّت منْ محارم الخنثى، جاز للخنثى تغسيله مع فقد المماثل من وراء الثياب، و هو أولى من باقي المحارم غير المماثلين؛ لإمكان مماثلته للميّت.

و رابعها: مَنْ لم يزد سنّه على ثلاث سنين من الذكور و الإناث (و) هذا أيضاً لا تجب فيه المماثلة، بل يجوز أن (يغسّل) الرجل (الأجنبيّ بنت ثلاث سنين) فما دون في حال كونها (مجرّدةً، و كذا المرأة) يجوز لها تغسيل ابن ثلاث سنين فما دون مجرّداً اختياراً.

و شرط في النهاية عدم المماثل. (2)

و منع في المعتبر من تغسيل الرجال الصبيّة، فارقاً بينها و بين الصبي: بأنّ الشرع أذن في اطّلاع النساء على الصبيّ؛ لافتقاره إليهنّ في التربية، و ليس كذلك الصبيّة، و الأصل حرمة النظر. (3)

و جوّز المفيد و سلار تغسيل ابن خمس سنين مجرّداً، (4) و الصدوق تغسيل بنت أقلّ من

____________

(1) منهم: المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 361.

(2) النهاية: 41.

(3) المعتبر 1: 324.

(4) المقنعة: 87؛ المراسم: 50.

265

خمس سنين مجرّدةً. (1) و الكلّ ضعيف.

و بالجملة، فجواز تغسيل النساء لابن ثلاث سنين إجماعيّ، بل ادّعى المصنّف في التذكرة و النهاية إجماعنا أيضاً على تغسيل الرجل الصبيّة. (2) و كأنّه لم يعتبر خلاف المحقّق، أو أنّه لم يتحقّقه؛ فإنّه لم يصرّح به و إنّما تدلّ عليه حجّته، و لهذا قال في الذكرى: و ظاهر المعتبر أنّه لا يجوز للرجال تغسيل الصبيّة. (3)

و النصوص دالّة على جواز القسمين، مضافاً إلى الإجماع.

و لو قدّم المصنّف تغسيل المرأة على الرجل ثمّ عطفه عليها، كان أجود؛ لأنّ حكمها أقوى منه فكان أولى بالتقديم، و كونه متبوعاً لا تابعاً.

و كما يجوز التجريد فيهما لا يجب ستر العورة؛ لانتفاء الشهوة في مثل ذلك؛ و لأنّ بدن البنت عورة في أصله، فلو لا جواز كشف العورة الخاصّة، لم يجز تجريدها و قد جاز بالإجماع.

و اعلم أنّ المفهوم من تحديد السنّ هنا و في الصلاة عليه أنّ منتهاه الموت، فلا اعتبار بما بعده و إن طال، فيمكن على هذا حصول الموت على نهاية الثلاث و وقوع الغسل بعد ذلك، فلا يشترط في صحّة الحكم وقوع الغسل قبل تمام الثالثة، فلا يتوجّه حينئذٍ ما قاله المحقّق الشيخ علي من أنّ الثلاث إذا كانت نهاية الجواز، فلا بدّ من كون الغسل واقعاً قبل تمامها، فإطلاق ابن ثلاث يحتاج إلى التنقيح، قال: إلا أن يصدق على مَنْ شرع في الثالثة أنّه ابن ثلاث. (4) انتهى.

و هذا كما عرفت إنّما يتوجّه لو جعلنا غاية التحديد الغسلَ لا الموت، و هو غير واضح.

و خامسها: المحرميّة مع تعذّر المماثل، فيغسّل كلّ من الرجل و المرأة الآخر إذا كان محرماً له؛ لتسويغ النظر و اللمس.

و شرط الأصحاب كونه من وراء الثياب؛ محافظةً على ستر العورة، و لا تلازم بين

____________

(1) المقنع: 62.

(2) تذكرة الفقهاء 1: 368، المسألة 135؛ نهاية الإحكام 2: 231.

(3) الذكرى 1: 308.

(4) جامع المقاصد 1: 364.

266

جواز لمس ما عدا العورة و نظره في حال الحياة و جوازه هنا. و قد تقدّم مثله في الزوج، مع أنّ شأنها بالنسبة إلى الزوج أعظم.

و لو فُقد المحرم، لم يجز لغير المماثل الأجنبي تغسيل الميّت على المشهور روايةً و فتوى (و) لكن (تأمر) المرأة (الأجنبيّة مع فقد المسلم و ذات الرحم) الرجلَ (الكافر بالغسل) لنفسه (ثمّ يُغسّل) الميّت (المسلم غُسلَه، و كذا) يأمر المسلم (الأجنبي) المرأةَ الكافرة بأن تغتسل ثمّ تُغسّل الميّتةَ المسلمة غُسلَ المسلمات مع فقد المسلمة و ذي الرحم على المشهور بين الأصحاب، و رواه عمّار عن الصادق، (1) (عليه السلام) و عمرو بن خالد بإسناده إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). (2)

و مَنَعه المحقّق في المعتبر؛ محتجّاً بتعذّر النيّة من الكافر، مع ضعف السند. (3)

و أُجيب: بمنع لزوم النيّة؛ إذ الاكتفاء بنيّة الكافر كالعتق منه، و عمل الأصحاب يجبر ضعف السند (4)

و الحاصل: أنّ المراد من هذا الغسل الصوريّ لا الشرعيّ؛ لنجاسة الكافر، فلا يفيد غيره تطهيراً، فلا إشكال حينئذٍ لكونه تعبّداً كالتعبّد بتقديم غسله مع أنّه لا يطهر، أو لكونه مزيلًا للنجاسة الطارئة، فلا يسقط الغسل بمسّه حينئذٍ؛ لعدم التطهير الحقيقيّ.

و يعاد الغسل لو وُجد مَنْ يجوز له تغسيله من المسلمين على أصحّ القولين؛ لأنّ المأمور به و هو الغسل الحقيقي لم يوجد، و تعذّره للضرورة لا يقتضي سقوطه مطلقاً، و ما وقع بدله للضرورة لم يقتض سقوطه، بناءً على أنّ فعل البدل عند التعذّر مخرج عن العهدة؛ لعدم انحصار التكليف فيما وقع بدلًا، فإنّ الكافر عندنا مخاطب بفروع الإسلام، و هو قادر على إيقاعها على وجهها بالإسلام، فما وقع منه بدلًا لم ينحصر فيه إلا تكليف المسلم، لا مطلق التكليف الذي لا يتمّ المطلوب بدونه.

و لا يرد أنّ انحصار تكليف المسلم به كافٍ مع عدم إسلام الكافر، فلا يتوجّه إعادة الغسل بدون إسلامه؛ لما بيّنّاه من أنّ الخروج عن العهدة، المسقط للتدارك مع القدرة إنّما يتحقّق بفعل الغسل، و لو كان جانب الكافر غير مراعى في ذلك، لزم عدم إعادته لو امتنع

____________

(1) الكافي 3: 159/ 12؛ الفقيه 1: 95 96/ 439 و 440؛ التهذيب 1: 340 341/ 997.

(2) التهذيب 1: 443 444/ 1433؛ الاستبصار 1: 204203/ 718.

(3) المعتبر 1: 326.

(4) المجيب هو الشهيد في الذكرى 1: 310.

267

الكافر من تغسيله و إن قدر المسلم عليه بعد ذلك؛ لانحصار الوجوب حينئذٍ في أمر المسلم خاصّة و قد حصل.

مع أنّ بدليّة غسل الضرورة من الغسل الحقيقيّ غير معلومة؛ إذ لا دليل يدلّ عليها، و كذا سقوط وجوب الأوّل؛ إذ لا يلزم من امتناع التكليف بفعل واجب في بعض الأزمنة لضرورةٍ سقوطُ وجوبه مطلقاً.

و حيث منعنا مباشرة الكافر أو تعذّر دُفِنَ الميّت بثيابه بغير غسل و لا تيمّم؛ لاستلزامه النظر و اللمس المحرّمين.

و ذهب الشيخان (1) و جماعة (2) إلى تغسيل الأجانب لها و الأجنبيّات له من فوق الثياب، و أوجب بعضُهم تغميضَ العينين، (3) استناداً إلى روايات (4) معارضة بما هو أصحّ إسناداً و أشهر روايةً.

و روى أنّهم يغسّلون المحاسن: الوجه و اليدين، (5) و اختاره الشيخ في النهاية. (6)

[يجب في تغسيل الميت أمور]

(و تجب إزالة النجاسة) العرضيّة عن بدنه (أوّلًا) لتوقّف تطهيره عليها، و أولويّة إزالتها على الحكميّة.

و لخبر يونس عنهم (عليهم السلام)

فإن خرج منه شيء فأنقه

(7)

كذا علّلوه.

و الأولى الاستناد إلى النصّ و جَعله تعبّداً إن حكمنا بنجاسة بدن الميّت، كما هو المشهور، و إلا لزم طهارة المحلّ الواحد من نجاسةٍ دون نجاسة.

و أمّا على قول السيّد المرتضى فلا إشكال؛ لأنّه ذهب إلى كون بدن الميّت ليس بخبث، بل الموت عنده من قبيل الأحداث، كالجنابة، (8) فحينئذٍ تجب إزالة النجاسة الملاقية لبدن الميّت، كما إذا لاقت بدن الجنب.

____________

(1) المقنعة: 87؛ التهذيب 1: 343 ذيل الحديث 1003.

(2) منهم: أبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 237236؛ و السيّد ابن زهرة في الغنية: 102.

(3) كأبي الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 237؛ و السيّد ابن زهرة في الغنية: 102.

(4) التهذيب 1: 442441/ 1426 و 1427؛ الاستبصار 1: 202201/ 711 و 712.

(5) الكافي 3: 159/ 13؛ الفقيه 1: 59/ 438؛ التهذيب 1: 440/ 1422؛ و 443442/ 1429، الاستبصار 1: 200/ 705، 203202/ 714.

(6) النهاية: 43.

(7) الكافي 3: 142141/ 5؛ التهذيب 1: 301/ 877.

(8) انظر: المعتبر 1: 348؛ و إيضاح الفوائد 1: 66؛ و جامع المقاصد 1: 461.

268

(ثمّ تغسيله بماءٍ) قد وضع فيه شيء من (السدر) أقلّه مسمّاه، و أكثره ما لا يخرج الماء بمزجه به عن الإطلاق؛ لدلالة قول الصادق (عليه السلام) في خبر سليمان بن خالد

يغسّل بماءٍ و سدرٍ، ثمّ بماءٍ و كافورٍ، ثمّ بماءٍ

(1)

عليه.

و لأنّ المقصود التطهير، و المضاف غير مطهّر.

و يستحبّ كونه بقدر سبع ورقات، و ينبغي كونه مطحوناً، أو ممروساً في الماء بحيث تظهر به الفائدة المطلوبة منه، و هي التنظيف. و في وجوب ذلك نظر.

و هذا الغسل في كيفيّته و ترتيبه (كالجنابة).

و يستفاد منه جواز الارتماس فيه في ماءٍ لا ينفعل بالملاقاة، و أنّ الواجب الترتيب بين الأعضاء بأن يبدأ برأس الميّت و رقبته ثمّ بميامنه ثمّ بمياسره لا فيها، فلو غسل العضو من أسفله، أجزأ، كما تقدّم في الجنابة.

و مستند ذلك كلّه بعد الإجماع عليه، كما نقله في المعتبر (2) و الذكرى (3) و غيرهما الأخبار، كخبر محمّد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام)

غسل الميّت مثل غسل الجنب

(4)

و هو كما يدلّ على وجوب الترتيب فيه و على سقوطه بالارتماس يدلّ على عدم وجوب الوضوء أيضاً.

(ثمّ بماء الكافور كذلك) أي مرتّباً كالجنابة.

و ما قلناه في السدر من الاكتفاء بالمسمّى قلّةً و عدم خروج الماء به عن الإطلاق كثرةً معتبر في الكافور أيضاً.

(ثمّ بالقَراح) بفتح القاف و هو الماء الخالي من السدر و الكافور، لأمن كلّ شيء، كما توهّمه بعضهم (5) بناءً على ما ذكره أهل اللغة من أنّ القراح: الذي لا يشوبه شيء، (6) حتى التجأ إلى أنّ الماء المشوب بالطين كماء السيل و نحوه لا يجوز تغسيل الميّت به؛ لعدم تسميته قراحاً لغةً و إن جاز التطهير به في غيره؛ لأنّهم اعتبروا في تطهير غير الميّت الماءَ

____________

(1) التهذيب 1: 446/ 1443.

(2) المعتبر 1: 266،.

(3) الذكرى 1: 345.

(4) الفقيه 1: 122/ 586؛ التهذيب 1: 447/ 1447؛ الاستبصار 1: 208 209/ 732.

(5) انظر: السرائر 1: 162؛ و الذكرى 1: 343.

(6) انظر: الصحاح 1: 396؛ و القاموس المحيط 1: 242، «ق ر ح».

269

المطلق لا القَراح.

و هو فاسد؛ لأنّ اسم القَراح إنّما أُخذ في هذا الماء باعتبار قسيميه حيث اعتبر فيهما المزج لا مطلقاً.

و قد نبّه على ذلك في خبر سليمان بن خالد، المتقدّم (1) في قوله: «ثمّ بماءٍ» فإنّه راعى فيه إطلاق الاسم، و لا ريب أنّ الممتزج بالطين المذكور ماء؛ لأنّه المفروض، فلهذا جاز التطهير به في غيره.

و غسله بالقراح (كذلك) أي كغسل الجنابة في الأحكام المذكورة.

و يستفاد من تشبيه كلّ غسل من الأغسال الثلاثة بغسل الجنابة وجوب النيّة لكلّ غسل، و هو أصحّ القولين؛ لتعدّد الأغسال اسماً و صورةً و معنًى.

و اكتفى في الذكرى بنيّة واحدة؛ محتجّاً بأنّ الغسل واحد، و إنّما تعدّد باعتبار كيفيّته. (2)

و ربما قيل (3) بالتخيير بين النيّة الواحدة و الثلاث؛ لأنّه في المعنى عبادة واحدة و غسل واحد مركّب من غسلات ثلاث و في الصورة ثلاثة، فيجوز مراعاة الوجهين.

و تردّد في المعتبر في وجوب النيّة في هذا الغسل مطلقاً؛ لأنّه تطهير للميّت من نجاسة الموت، فهو إزالة نجاسة كغسل الثوب، ثمّ احتاط بوجوبها. (4)

و اعلم أنّ الغاسل إن اتّحد، وجب عليه النيّة، فلو نوى غيره، لم يجزئ.

و لو اشترك جماعة في غسله، فإن اجتمعوا في الصبّ، اعتبرت النيّة من الجميع؛ لاستناده إلى الجميع، فلا أولويّة.

و لو كان بعضهم يصبّ و الآخر يقلّب، وجبت على الصابّ؛ لأنّه الغاسل حقيقةً، و استحبّت من المقلّب.

و استقرب في الذكرى إجزاءها منه أيضاً؛ محتجّاً بأنّ الصابّ كالآلة. (5)

____________

(1) في ص 268.

(2) انظر: الذكرى 1: 344.

(3) القائل هو المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 369.

(4) المعتبر 1: 265.

(5) الذكرى 1: 343.

270

و فيه نظر؛ لأنّ حقيقة الغسل هو جريان الماء على المحلّ، و الغاسل حقيقةً مَنْ صدر عنه ذلك، و هو الصابّ، فغيره ليس بغاسل.

و لو ترتّبوا بأن غسّل كلّ واحد منهم بعضاً، اعتبرت النيّة من كلّ واحد عند ابتداء فعله؛ لامتناع ابتناء فعل مكلّف على نيّة مكلّفٍ آخر.

و يحتمل الاكتفاء بنيّة الأوّل؛ لأنّ النيّة إنّما تعتبر عند الشروع.

و يستفاد من عطف بعض الأغسال الثلاثة على بعض ب«ثمّ» وجوب الترتيب بينها على الوجه المذكور، فلو غيّر الترتيب، لم يجزئ؛ لعدم الامتثال.

هذا إن وجد الخليط، أعني: السدر و الكافور (و إن فقد السدر و الكافور، غسّل ثلاثاً بالقراح) على أصحّ القولين؛ لأنّ الواجب تغسيله بماءٍ و سدر، و بماءٍ و كافورٍ، كما تقدّم في الخبر، فالمأمور به شيئان، فإذا تعذّر أحدهما، لم يسقط الآخر؛ لأنّ الميسور لا يسقط بالمعسور، كما ورد في الخبر (1) أيضاً.

و لقوله (عليه السلام)

إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم.

(2)

و قيل: تجزئ غسلة واحدة (3) و هو أحد قولي الشهيد (4) للأصل، و الشكّ في وجوب الزائد فلا يجب. و لأنّ المراد بالسدر الاستعانةُ على النظافة، و بالكافور تطييبُ الميّت و حفظه من تسارع التغيّر و تعرّض الهوامّ، فكأنّهما شرط في الماء، فيسقط الماء عند تعذّرهما؛ لانتفاء الفائدة. و لأنّه كغسل الجنابة.

قلنا: الأصل قد عُدل عنه؛ للدليل، و زال (5) الشكّ، فكما أنّ للسدر و الكافور مدخلًا في النظافة و فيما ذُكر، كذلك لمائهما مدخل في زيادة النظافة، و لهذا كان القراح أخيراً. و فائدة التطهير في غسل الميّت أوضح ممّا ذُكر. و لو سلّم كونه مراداً، لم يلزم سقوط الماء؛ لأنّه مراد أيضاً.

و يمنع كونهما شرطاً في الماء مطلقاً، بل مع وجودهما. و كونه كغسل الجنابة إن أراد به

____________

(1) عوالي اللآلي 4: 58/ 205.

(2) صحيح مسلم 2: 975/ 412، و فيه: «بشيء» بدل «بأمر».

(3) قال بالإجزاء الشيخ الطوسي في النهاية: 43؛ و المبسوط 1: 181؛ و المحقّق في المعتبر 1: 266.

(4) الذكرى 1: 344.

(5) في «م»: «زوال».

271

أنّ كلّ واحد من الثلاثة كذلك، لم يتمّ مطلوبه، و إلا منعنا صحّته. و كما لا تسقط الغسلتان بفوات ما يطرح فيهما كذا لا تسقط إحداهما بفقد خليطها، فيغسل بالقراح خاصّة في الفائت، و لا تتغيّر غسلة الخليط عن محلّها.

و لو انعكس الفرض بأن كان المفقود ماء غسلتين مع وجود الخليط، قدّم السدر؛ لوجوب البدأة به.

و اختار في الذكرى القراح؛ لأنّه أقوى في التطهير. و لعدم احتياجه إلى شيء آخر. (1)

و هو ضعيف؛ لوجوب امتثال الأمر بحسب الممكن، و الخليط مأمور به مع إمكان الجمع بينه و بين الماء. و لوجوب مراعاة الترتيب، فيستصحب.

و لو وجد الماء لغسلتين، قدّم الكافور على القراح على ما بيّنّاه، و على ما اختاره (رحمه اللّه) يقدّم السدر؛ لوجوب البدأة به، قال: و يمكن الكافور؛ لكثرة نفعه. (2)

و يغسّل الثانية بالقَراح.

و المائز بين الغسلات على تقدير عدم الخليط النيّةُ، فتجب مراعاتها بأن يقصد تغسيله بالقَراح في موضع ماء السدر، و كذا في ماء الكافور.

و مع فقد أحد الأغسال يجب أن يُيَمّم عنه؛ لاستقلاله بالاسم و الحكم. و لأنّ وجوب التعدّد في المبدل منه و عدم أجزاء أحد أقسامه أو القسمين عنه يوجب عدم إجزائهما أو أحدهما عن بدله. و هو اختيار الشهيد في البيان. (3) و في الذكرى (4) أسقط وجوب التيمّم.

و هو مبنيّ على عدم وجوب التعدّد في التيمّم عند تعذّر الأغسال، كما اختاره فيها. (5) و يلزم منه عدم التيمّم مع مسمّى الغسل؛ لأنّه بدل منه، فلا يجمع بين البدل و المبدل. و هو ضعيف، و ستأتي بقيّة الكلام فيه.

و اعلم أنّ هذه الأغسال الناقصة بوجه لا يحكم معها بتطهير الميّت على وجه يسقط الغسل بمسّه؛ لعدم وقوع الغسل على الوجه المعتبر. و لأنّه غسل ضرورة، و لهذا تجب إعادته أو إكماله إذا أمكن قبل الدفن، و كذا القول في كلّ غسل شُرّع للضرورة، و أولى منه التيمّم.

____________

(1) الذكرى 1: 345.

(2) الذكرى 1: 345.

(3) البيان: 71.

(4) الذكرى 1: 345.

(5) الذكرى 1: 327 و 328.

272

(و لو خِيف) من تغسيله (تناثُر جلده) كالمحترق، و المجدور، و هو مَنْ به الجدري بضمّ الجيم و فتحها و الملسوع (يُمّم) لكونه بدلًا من الغسل حيث يتعذّر. و به أخبار (1) تؤيّدها الشهرة حتى نقل الشيخ في تيمّم المحترق إجماعنا و إجماع المسلمين عليه. (2)

و يعتبر فيه الضرب على الأرض مرّتين: إحداهما لوجهه، و الأُخرى لظاهر كفّيه؛ لأنّه بدل من الغسل. و الأولى تطهير يد اللامس بعد كلّ لمس حيث يمكن.

و الضرب و المسح بيد المباشر.

و لو يُمّم الحيّ العاجز، فالضرب و المسح بيدي العاجز بإعانة القادر، و لو تعذّر المسح بيدي العاجز، فكالميّت.

فعُلم من هذا أنّ قولهم في الميّت: يُمّم كالحيّ العاجز، يحتاج إلى التقييد.

و هل التيمّم ثلاثاً؛ لأنّه بدل عن ثلاثة أغسال، أو مرّة؛ لأنّه غسل واحد تعدّد باعتبار كيفيّةٍ؟ الأجود: الأوّل و هو اختيار المصنّف في النهاية (3) لإطلاق الاسم على كلّ واحد. و كونُ الثلاثة بحيث يطلق عليها اسم واحد لا يُخرجها عن التعدّد في أنفسها، و إذا وجب التعدّد في المبدل منه مع قوّته ففي البدل الضعيف أولى و أجدر. و يتفرّع على ذلك تعدّد نيّة الغسل و التيمّم، و قد تقدّم.

[و يستحبّ أمور]

(و يستحبّ وضعه على ساجة) و هي لوح من خشب مخصوص، و المراد وضعه عليها أو على سرير؛ حفظاً لجسده من التلطّخ. و ليكن ذلك على مرتفع؛ لئلا يعود إليه ماء الغسل. و ليكن مكان الرِّجْلين منحدراً؛ لئلا يجتمع الماء تحته.

و ليكن في حال الغسل (مستقبل القبلة) استحباباً، وفاقاً للمرتضى في الناصريّة (4) و المحقّق (5)؛ لخبر يعقوب بن يقطين: سألت الرضا (عليه السلام) عن الميّت كيف يوضع على المغتسل: موجّهاً وجهه نحو القبلة، أو يوضع على يمينه و وجهه نحو القبلة؟ قال

يوضع كيف تيسّر

(6)

و للأصل.

____________

(1) منها ما في التهذيب 1: 333/ 977.

(2) الخلاف 1: 717، المسألة 529.

(3) نهاية الإحكام 2: 227.

(4) كذا، و وجدناه في جوابات الموصليّات الثالثة ضمن رسائل الشريف المرتضى 1: 218.

(5) المعتبر 1: 269.

(6) التهذيب 1: 298/ 871.

273

و اختار جماعة (1) وجوب الاستقبال هنا كالاحتضار؛ لقول الصادق (عليه السلام) حين سئل عن غسل الميّت

استقبل بباطن قدميه القبلة حتى يكون وجهه مستقبل القبلة.

(2)

قيل: و لا منافاة بينه و بين الخبر السابق؛ لأنّ ما لا يتيسّر لا يجب قطعاً. (3)

و يضعّف: بأنّ ذلك يتمّ مع تيسّر جهة واحدة، أمّا مع إمكان القبلة و غيرها ففي الخبر دلالة على التخيير، و هو ينافي الوجوب، فيمكن حينئذٍ الجمع بينهما بحمل الأمر على الاستحباب.

و ليكن (تحت الظلال) للخبر (4) و للإجماع.

قال في المعتبر و في التذكرة: و لعلّ الحكمة فيه كراهة مقابلة السماء بعورته. (5)

(و وقوف الغاسل على يمينه) لقول الصادق (عليه السلام)

و لا يجعله بين رِجْليه، بل يقف من جانبه،

(6)

كذا استدلّ في النهاية، (7) و هو أعمّ من المدّعى.

(و غمز بطنه) و هو مسحها (في) الغسلتين (الأُوليين) بضمّ الهمزة و الياءين المثنّاتين من تحت، تثنية «اولى» و ليكن قبلهما، و الغرض بذلك التحفّظ من خروج شيء بعد الغسل؛ لعدم القوّة الماسكة.

و نقل الشيخ فيه الإجماع. (8)

و أنكره ابن إدريس؛ لمساواة الميّت للحيّ في الحرمة. (9)

و لا يستحبّ المسح في الثالثة إجماعاً، بل يكره.

و على كلّ حالٍ فلو خرج منه نجاسة بعد الغسل أو في أثنائه، غُسلت، و لا يعاد الغسل؛ للامتثال، و للأخبار. (10)

____________

(1) منهم: الشيخ الطوسي في المبسوط 1: 77.

(2) الكافي 3: 140/ 4؛ التهذيب 1: 298/ 873.

(3) القائل هو المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 374.

(4) الكافي 3: 142/ 6؛ الفقيه 1: 86/ 400؛ التهذيب 1: 431/ 1379، و 432/ 1380.

(5) المعتبر 1: 275؛ تذكرة الفقهاء 1: 346، المسألة 118.

(6) أورده المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 277.

(7) نهاية الإحكام 2: 227.

(8) الخلاف 1: 696695، المسألة 479.

(9) كما في الذكرى 1: 347؛ و جامع المقاصد 1: 376؛ و في السرائر 1: 166 لم يرد التعليل.

(10) انظر: الكافي 3: 156/ 1؛ و التهذيب 1: 450449/ 1455- 1457.

274

و هذا الحكم ثابت في كلّ ميّت (إلا) في (الحامل) التي مات ولدها في بطنها؛ حذراً من الإجهاض، و لو اتّفق الإجهاض بسببه، لزم الفاعل عُشْر دية أُمّه، نبّه عليه في البيان. (1)

(و الذكر) للّه تعالى حال الغسل، و يتأكّد الدعاء بالمأثور، و قد تقدّم.

(و صبّ الماء إلى حفيرة) و لتكن تجاه القبلة، كما تضمّنه خبر سليمان بن خالد. (2)

و يكره إرساله في الكنيف، و هو الموضع المُعدّ لقضاء الحاجة، و لا بأس بالبالوعة، و هي ما يُعدّ في المنزل لصبّ الماء و نحوه، و أمّا بالوعة البول فملحقة بالكنيف.

(و تليين أصابعه برفق) على المشهور.

و منع منه ابن أبي عقيل (3)؛ لقول الصادق (عليه السلام)

و لا تغمز له مفصلًا.

(4)

و نزّله الشيخ على ما بعد الغسل. (5)

(و غَسل فرجه) أراد به الجنس؛ إذ يستحبّ غسل فرجيه بماءٍ قد مُزج (بالحرض) بضمّ الحاء و الراء أو سكونها، و هو الأُشنان بضمّ الهمزة، سُمّي به؛ لأنّه يهلك الوسخ، قال تعالى حَتّٰى تَكُونَ حَرَضاً (6) أي مقارباً للهلاك (و السدر) بأن يمزجهما معاً بالماء (و) يغسل فرجيه، و يغسل (رأسه برغوة) السدر خاصّة، كلّ ذلك (أوّلًا) قبل الغسل بالسدر.

و كما يستحبّ غَسل الفرجين بماء الحرض و السدر قبل الاولى يستحبّ غَسلهما بماء الكافور و الحرض قبل الثانية ثمّ غَسلهما بماء القَراح وحده قبل غُسله، كلّ ذلك ثلاثاً ثلاثاً (و تكرار) غسل (كلّ عضو) من أعضائه (ثلاثاً).

(و أن يوضّأ) قبل الغسل بعد إزالة النجاسة العرضيّة و مقدّمات الغسل، و لا مضمضة قبله و لا استنشاق.

و أوجبه جماعة (7)؛ لقول الصادق (عليه السلام)

في كلّ غسل وضوء إلا الجنابة.

(8)

____________

(1) كما في جامع المقاصد 1: 376؛ و انظر: البيان: 71.

(2) الكافي 3: 127/ 3، التهذيب 1: 286/ 835.

(3) حكاه عنه العلامة الحليّ في مختلف الشيعة 1: 220، المسألة 160.

(4) التهذيب 1: 447/ 1445.

(5) كما في الذكرى 1: 346؛ و انظر: الخلاف 1: 696، المسألة 480.

(6) يوسف (12): 85.

(7) منهم: أبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 134.

(8) التهذيب 1: 143/ 403، و 303/ 881؛ الاستبصار 1: 209/ 733.

275

و هو معارض بعدّة أخبار (1) دلّت على عدم الوضوء فضلًا عن وجوبه. (2) و لا يلزم من كون الوضوء في الغسل أن يكون واجباً، بل يجوز كون غسل الجنابة لا يجوز فعل الوضوء فيه، و غيره يجوز، و لا يلزم منه الوجوب، بل يستفاد من خارج.

(و تنشيفه) بعد الفراغ من غسله (بثوبٍ) للخبر، (3) و لئلا يسرع الفساد إلى الكفن مع البلل.

[و يكره أمور]

(و يكره إقعاده) للخبر، (4) و لأنّ فيه أذى من غير حاجة (و قصّ أظفاره) بفتح الهمزة جمع «ظُفر» بضم أوّله (و ترجيل شَعره) و هو تسريحه. و لو فعل ذلك، دُفن ما ينفصل من الأظفار و الشعر معه وجوباً. و نقل الشيخ الإجماع على تحريمهما، و كذا قال في تنظيف أظفاره من الوسخ بالخلال. (5)

و المشهور: الكراهة في الأوّلين، أمّا الوسخ تحت أظفاره فلا بدّ من إظهاره.

و لنورد هنا حديثين يأتيان على جميع ما تقدّم مع زيادةٍ يحتاج إليها، و يوضّح بهما كيفيّة التغسيل، ذكرهما في الكافي و التهذيب:

أحدهما: خبر عبد اللّه الكاهلي، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن غسل الميّت، فقال

استقبل بباطن قدميه القبلة حتى يكون وجهه مستقبل القبلة، ثمّ تليّن مفاصله، فإن امتنعت عليك فدعها، ثمّ ابدأ بفرجه بماء السدر و الحرض فاغسله ثلاث غسلات، و أكثر من الماء، و امسح بطنه مسحاً رفيقاً، ثمّ تحوّل إلى رأسه فابدأ بشقّه الأيمن من لحيته و رأسه، ثمّ تثنّي بشقّه الأيسر من رأسه و لحيته و وجهه فاغسله برفق، و إيّاك و العنف، و اغسله غسلًا ناعماً، ثمّ أضجعه على شقّه الأيسر ليبدو لك الأيمن، ثمّ اغسله من قرنه إلى قدمه، و امسح يدك على ظهره و بطنه ثلاث غسلات، ثمّ ردّه على جنبه الأيمن حتى يبدو لك الأيسر، فاغسله بماءٍ من قرنه إلى قدمه، و امسح يدك على ظهره و بطنه ثلاث غسلات، ثمّ ردّه على قفاه، فابدأ بفرجه بماء الكافور، فاصنع كما صنعت أوّل مرّة، اغسله ثلاث

____________

(1) منها ما في التهذيب 1: 446/ 1444؛ و الاستبصار 1: 208/ 731.

(2) في «ق، م» زيادة: «و استحبابه».

(3) الكافي 3: 142141/ 5؛ التهذيب 1: 301/ 877.

(4) الكافي 3: 141140/ 4؛ التهذيب 1: 299298/ 873.

(5) الخلاف 1: 694 و 695، المسألتان 475 و 478.

276

غسلات بماء الكافور و الحرض، و امسح يدك على بطنه مسحاً رفيقاً، ثمّ تحوّل إلى رأسه فاصنع كما صنعت أوّلًا بلحيته من جانبيه كليهما

(1)

و رأسه و وجهه بماء الكافور ثلاث غسلات، ثمّ ردّه إلى الجانب الأيسر حتى يبدو لك الأيمن، فاغسله من قرنه إلى قدمه ثلاث غسلات، و أدخل يدك تحت منكبيه و ذراعيه، و يكون الذراع و الكف مع جنبه ظاهرة، كلّما غسلت شيئاً منه أدخلت يدك تحت منكبه و في باطن ذراعيه، ثمّ ردّه على ظهره، ثمّ اغسله بماء القراح كما صنعت أوّلًا، تبدأ بالفرج ثمّ تحوّل إلى الرأس و اللحية و الوجه حتى تصنع كما صنعت أوّلًا، بماء قراح، ثمّ أذفره بالخرقة، و يكون تحتها القطن تذفره به إذفاراً قطناً كثيراً، ثمّ شدّ فخذيه على القطن بالخرقة شدّاً شديداً حتى لا يخاف أنه يظهر شيء، و إيّاك أن تقعده أو تغمز بطنه، و إيّاك أن تحشو في مسامعه شيئاً، فإن خفت أن يظهر من المنخر شيء فلا عليك أن تصيّر ثَمَّ قطناً، و إن لم تخف فلا تجعل فيه شيئاً، و لا تخلّل أظفاره، و كذلك غسل المرأة.

(2)

و الثاني: رواه يونس بن عبد الرحمن (رحمه اللّه) عنهم (عليهم السلام)، قال

إذا أردت غسل الميّت فضَعه على المغتسل مستقبل القبلة، فإن كان عليه قميص فأخرج يده من القميص و اجمع قميصه على عورته و ارفعه

(3)

من رِجْليه إلى فوق الركبة، و إن لم يكن عليه قميص فألق على عورته خرقةً، و اعمد إلى السدر فصيّره في طست و صبّ عليه الماء و اضربه بيدك حتى ترتفع رغوته، و اعزل الرغوة في شيء، و صبّ الآخر في الإجّانة التي فيها الماء، ثمّ اغسل يده ثلاث مرّات كما يغتسل الإنسان من الجنابة إلى نصف الذراع، و اغسل فرجه و أنقه، ثمّ اغسل رأسه بالرغوة، و بالغ في ذلك و اجتهد أن لا يدخل الماء منخريه و مسامعه، ثمّ أضجعه على جانبه الأيسر، و صبّ الماء من نصف رأسه إلى قدمه ثلاث مرّات، و أدلك بدنه دلكاً رفيقاً. و كذلك ظهره و بطنه، ثمّ أضجعه على جانبه الأيمن فافعل به مثل ذلك، ثمّ صبّ ذلك الماء من الإجّانة و اغسل الإجّانة بماء قَراح، و اغسل يديك إلى المرفقين، ثمّ صبّ الماء في الآنية و ألق فيه حبّات كافور، و افعل به كما فعلت في المرّة الأُولى، ابدأ بيديه

____________

(1) في «ق، م» و الكافي: «كلاهما».

(2) الكافي 3: 141140/ 4؛ التهذيب 1: 299298/ 873.

(3) في «ق، م» و التهذيب: «و ارفعهما».

277

ثمّ بفرجه، و امسح بطنه مسحاً رفيقاً، فإن خرج شيء فأنقه، ثمّ اغسل رأسه، ثمّ أضجعه على جنبه الأيسر كما فعلتَ أوّل مرّة، ثمّ اغسل يديك إلى المرفقين، و الآنية، ثمّ صبّ فيه ماء القراح، و اغسله بماء القراح كما غسلت في المرّتين الأوّلتين، ثمّ نشّفه بثوب طاهر، و اعمد إلى قطن فذرّ عليه شيئاً من حنوط وضَعه على فرجه قُبُل و دُبُر، و احش القطن في دُبُره؛ لئلا يخرج منه شيء، و خُذ خرقةً طويلة عرضها شبر فشدّها من حقويه، و ضمّ فخذيه ضمّاً شديداً و لفّها في فخذيه، ثمّ أخرج رأسها من تحت رِجْليه إلى الجانب الأيمن و أغمزها في الموضع الذي لففت فيه الخرقة، و تكون الخرقة طويلةً تلفّ فخذيه من حقوه إلى ركبته لفّاً شديداً.

(1)

[القول في تكفين الميت]

[يجب في التكفين أمور]

(فإذا فرغت من غسله، وجب تكفينه في ثلاثة أثواب) مع الاختيار؛ لقول الباقر (عليه السلام) في خبر زرارة

إنّما الكفن المفروض ثلاثة أثواب و ثوب تامّ لا أقلّ منه يواري به جسده كلّه، فما زاد فهو سنّة حتى يبلغ خمسة.

(2)

و استدلّ بأنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كُفّن في ثلاثة أثوابٍ بيضٍ سحوليّة، (3) بالسين المفتوحة ثمّ الحاء المهملة، قيل: منسوب إلى سحول قرية باليمن. (4)

و في دلالته على الوجوب نظر.

و يجزئ عند الضرورة ثوبان، بل لو لم يوجد إلا ثوب واحد، كفى؛ لأنّ الضرورة تبيح دفنه بغير كفن فببعضه أولى.

و اكتفى سلّار (5) بالواحدة اختياراً؛ للأصل.

و لقول الباقر (عليه السلام) في خبر زرارة، المتقدّم (6)

إنّما الكفن المفروض ثلاثة أثواب و ثوب تامّ لا أقلّ منه يواري به جسده كلّه.

و جوابه: أنّ الأصل عُدل عنه؛ لدليلٍ، و يمكن أن يكون هو الإجماع. و لفظ «ثوب»

____________

(1) الكافي 3: 142141/ 5؛ التهذيب 1: 301/ 877.

(2) الكافي 3: 144/ 5؛ التهذيب 1: 292/ 854، و فيه: «أو ثوب».

(3) صحيح مسلم 1: 649/ 941، سنن البيهقي 3: 559/ 6671.

(4) انظر: معجم البلدان 3: 195؛ و المصباح المنير 21: 268، «س ح ل».

(5) المراسم: 47.

(6) آنفاً.

278

في الرواية محذوف من كثير من النسخ، و لو تمّ فظاهره وجوب الأربعة، و لم يقل به أحد، فالأولى تنزيله على كونه بياناً لأحد الثلاثة، و هو الإزار؛ لأنّه يجب ستره لجميع البدن، فيكون كعطف الخاصّ على العامّ.

أحد الثلاثة (مئزر) بكسر الميم ثمّ الهمزة الساكنة و ربما عبّر عنه بالإزار، و هو ثابت لغةً، و المفهوم في تقديره عرفاً أن يستر ما بين السرّة و الركبة. و يجوز كونه إلى القَدَم بإذن الوارث، أو وصيّة الميّت، النافذة.

و يحتمل الاكتفاء فيه بما يستر العورة؛ لأنّه موضوع ابتداءً لسترها. و يستحبّ أن يكون بحيث يستر ما بين صدره و قدمه.

(و) الثاني (قميص) و هو ثوب يصل إلى نصف الساق؛ لأنّه المتعارف، و يجوز إلى القَدَم مع مراعاة ما تقدّم، و يمكن جوازه مطلقاً.

و هل يتعيّن القميص، أو يقوم مقامه ثوب شامل لجميع البدن؟ الأكثر على الأوّل؛ لما روي أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كُفّن في قميص. (1)

و لخبر معاوية بن وهب عن الصادق (عليه السلام)

يكفّن الميّت في خمسة أثواب: قميص لا يزرّ عليه.

(2)

و اختار المحقّق في المعتبر (3) تبعاً لابن الجنيد (4) الثاني، لخلوّ أكثر الروايات من تعيينه، فيثبت التخيير. و قد تقدّم منها حديث زرارة. (5)

و عن محمّد بن سهل، عن أبيه، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الثياب التي يصلّي الرجل فيها يكفّن بها؟ قال

أُحبّ ذلك الكفن

يعني قميصاً، قلت: يدرج في ثلاثة أثواب؟ قال

لا بأس، و القميص أحبّ إليّ.

(6)

(و) الثالث (إزار) بكسر الهمزة و هو ثوب شامل لجميع البدن، و لا بدّ من زيادته

____________

(1) سنن ابن ماجة 1: 472/ 1471؛ سنن أبي داوُد 3: 199/ 3153؛ كنز العمّال 7: 258/ 18806- 18808، مجمع الزوائد 3: 24 نقلًا عن الطبراني في المعجم الكبير.

(2) الكافي 3: 145/ 11؛ التهذيب 1: 293/ 858، و 310/ 900.

(3) المعتبر 1: 279.

(4) حكاه عنه المحقّق في المعتبر 1: 279.

(5) تقدّم في ص 277.

(6) التهذيب 1: 292/ 855.

279

على ذلك بحيث يمكن شدّها (1) من قِبَل رأسه و رِجْليه. و الواجب فيه عرضاً أن يشمل البدن كذلك و لو بالخياطة، و ينبغي زيادته بحيث يمكن جَعل أحد جانبيه على الآخر، كما تشهد به الأخبار، و أمّا كونها (2) لفّافةً فلا يدلّ على ذلك خصوصاً، بل على الأعمّ منه و ممّا تقدّم؛ لأنّ المعتبر فيها لفّ البدن، و هو يحصل بهما.

قال المحقّق الشيخ علي (رحمه اللّه): و يراعى في جنس هذه الأثواب التوسّط باعتبار اللائق بحال الميّت عرفاً، فلا يجب الاقتصار على أدون المراتب و إن ماكس الورثة أو كانوا صغاراً؛ حملًا لإطلاق اللفظ على المتعارف. (3)

و هو حسن؛ لأنّ العرف هو المحكّم في أمثال ذلك ممّا لم يرد له تقدير شرعيّ.

و المفهوم من خبر زرارة المتقدّم (4) الاكتفاء بمواراة البدن بالثلاثة، فلو كان بعضها رقيقاً بحيث لا يستر العورة و يحكي البدن، لم يضرّ مع حصول الستر بالمجموع.

و الأجود اعتبار الستر في كلّ ثوب؛ لأنّه المتبادر، و ليس في كلامهم ما يدلّ عليه نفياً و لا إثباتاً.

و يعتبر في الأثواب كونها (بغير الحرير) المحض، سواء في ذلك الرجلُ و المرأة باتّفاقنا، كما حكاه في الذكرى. (5)

و احترز بالمحض عن الممتزج به بحيث لا يستهلكه الحرير، فإنّه يجوز التكفين فيه كما تجوز الصلاة.

و يعتبر فيها أيضاً كونها ممّا تصحّ فيها الصلاة، فلا يجوز التكفين بالمتّخذ من شعر و وبر ما لا يؤكل لحمه و إن كانت العبارة تشمله.

أمّا شعر و وبر و صوف ما يؤكل لحمه فلا بأس. و لا عبرة بمنع ابن الجنيد (6) منه؛ إذ لا يعلم سنده.

و أمّا الجلد فلا يصحّ التكفين فيه مطلقاً؛ لعدم إطلاق اسم الثوب عليه، و لوجوب نزعه

____________

(1) تأنيث الضمير باعتبار اللفّافة.

(2) تأنيث الضمير باعتبار اللفّافة.

(3) جامع المقاصد 1: 382.

(4) في ص 277.

(5) الذكرى 1: 355.

(6) حكاه عنه المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 280؛ و كذا العلامة الحلّي في تذكرة الفقهاء 2: 7 ذيل المسألة 156.

280

عن الشهيد فهنا أولى.

و كذا لا يصحّ في المغصوب و النجس؛ لعدم جواز الصلاة فيهما.

هذا مع الاختيار، أمّا مع الضرورة فلا يجوز في المغصوب قطعاً، و في غيره ثلاثة أوجُهٍ: المنع؛ لإطلاق النهي. و الجواز؛ لئلا يدفن عارياً مع وجوب ستره و لو بالحجر. و وجوب ستر العورة لا غير حالة الصلاة ثمّ ينزع بَعدُ.

قال في الذكرى تفريعاً على الاحتمالين الأخيرين: فالجلد مقدّم؛ لعدم صريح النهي فيه، ثمّ النجس؛ لعروض المانع، ثمّ الحرير؛ لجواز صلاة النساء فيه، ثمّ وبر غير المأكول.

قال: و في هذا الترتيب للنظر مجال؛ إذ يمكن أولويّة الحرير على النجس؛ لجواز صلاتهنّ فيه اختياراً (1). انتهى.

و نُوقش في باقي المراتب أيضاً:

أمّا في الجلد: فلأنّ الأمر بنزعه عن الشهيد يدلّ على المنع في غيره بمفهوم الموافقة، و هي أقوى من الصريح، و لم يدلّ دليل على الجواز فيه، و التكفين بالممنوع منه بمنزلة العدم شرعاً، و القبر كافٍ في الستر، و الأمر التعبّدي متعذّر على كلّ تقدير.

و مثله القول في الحرير. و جواز صلاة النساء [فيه (2)] لا يقتضي جواز التكفين به؛ لعدم الملازمة. على أنّه لو تمّ لزم اختصاص الحكم بالنساء، و ظاهر كلامه الإطلاق. و وبر غير المأكول أبعد من الجميع.

أمّا النجس فيدلّ على جوازه مع الضرورة عدم وجوب نزعه عن الميّت لو استوعبته النجاسة و تعذّر غسلها و قرضه، و أنّه آئل إلى النجاسة عن قريب، فأمره أخفّ، فظهر المنع مطلقاً في غير النجس. (3)

و في البيان قَطَع بالتكفين فيما لا تمتنع الصلاة فيه من الجلود عند الضرورة، و توقّف في الباقي. (4)

____________

(1) الذكرى 1: 355.

(2) ما بين المعقوفين من المصدر.

(3) المناقش هو المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 380.

(4) البيان: 72.

281

و يجب تحنيطه (و) هو (أن يمسح مساجده) السبعة (بالكافور).

و وجهه مع النصّ و الإجماع أنّ فيه تطييباً لموضع العبادة، و تخصيصاً لها بمزيد العناية.

و يُجتزأ في المسح (بأقلّه) و هو ما يحصل به مسمّاه؛ لصدق الامتثال.

و قيل: أقلّه مثقال. (1) و قيل: مثقال و ثلث. (2) و به روايات (3) محمولة على الفضيلة.

و اختصاص التحنيط بالسبعة هو المشهور.

و زاد المفيد (4) و ابن أبي عقيل (5) الأنفَ، و الصدوقُ الصدرَ و السمع و البصر و الفم، و المغابن، (6) و هي الآباط و أُصول الأفخاذ.

و الأخبار مختلفة، و العمل على المشهور.

و لا يجب استيعاب المساجد بالمسح، بل يكفي منها مسمّاها أيضاً، و سيأتي إضافة الصدر إليها استحباباً.

و هذا الحكم ثابت لكلّ ميّت (إلا المُحْرم) فلا يجوز تحنيطه بالكافور (و) لا وضعه في ماء غسله، بل (يدفن بغير كافور) و لا غيره من أنواع الطيب؛ لقوله (صلّى اللّه عليه و آله)

لا تقربوه طيباً فإنّه يحشر يوم القيامة مُلبّياً.

(7)

و لا يمنع من المخيط، و لا يكشف رأسه و ظاهر قدميه و إن اعتبر ذلك في المُحرم؛ لقول أحدهما و قد سأله محمّد بن مسلم عن المُحْرم كيف يصنع به إذا مات؟ قال

يغطّى وجهه، و يصنع به كما يصنع بالحلال غير أنّه لا يقرب طيباً.

(8)

و منع المرتضى من تغطية رأسه. (9)

____________

(1) الفقيه 1: 91؛ المقنع: 59؛ المقنعة: 75؛ الخلاف 1: 704، المسألة 498.

(2) القائل هو الجعفي كما في الذكرى 1: 356.

(3) انظر: الكافي 3: 151/ 5؛ و التهذيب 1: 291/ 846 849.

(4) المقنعة: 78.

(5) حكاه عنه العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 228، المسألة 169؛ و الشهيد في الذكرى 1: 357.

(6) الفقيه 1: 91، المقنع: 59.

(7) صحيح البخاري 1: 427425/ 12091206؛ سنن النسائي 5: 195 و 196؛ سنن البيهقي 3: 551/ 6647؛ مسند أحمد 1: 547/ 3066 بتفاوت يسير.

(8) التهذيب 1: 330/ 965.

(9) حكاه عنه المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 326؛ و العِمة الحلّي في نهاية الإحكام 2: 551/ 6647؛ و الشهيد في الذكرى 1: 318؛ و المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 398.

282

و لا فرق بين الإحرامين؛ للعموم.

و لو أفسد حجّه بالجماع، فكالمُحْرم الصحيح؛ لوجوب الإتمام، و مساواته له في الأحكام.

و لا فرق بين موته قبل الحلق أو التقصير أو بعده قبل طواف الزيارة؛ لأنّ تحريم الطيب إنّما يزول به.

أمّا لو مات بعد الطواف، ففي تحريمه حينئذٍ نظر: من إطلاق اسم المُحْرم عليه، و إباحة الطيب له حيّاً فهنا أولى.

و اختار المصنّف في النهاية الثاني. (1)

و لا تلحق به المعتدّة و المعتكف و إن حرم عليهما الطيب حيّين؛ لعدم النصّ، و بطلان القياس، و لأنّ الحداد للتفجّع على الزوج و قد زال بالموت.

[و يستحبّ في تغسيل الميت أمور]

(و يستحبّ أن يكون) قدر كافور الحنوط (ثلاثة عشر درهماً و ثلثاً).

و مستنده: أنّ جبرئيل (عليه السلام) نزل على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بأربعين درهماً من كافور الجنّة، فقسّمه النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بينه و بين عليّ و فاطمة (عليهم السلام) أثلاثاً. (2)

و ظاهر العبارة أنّ هذا القدر مختصّ بالحنوط و أنّ كافور الغسل غيره، و هو قول الأكثر، (3) و هو مصرّح في مرفوعة عليّ بن إبراهيم، قال

في الحنوط ثلاثة عشر درهماً و ثلث.

(4)

و لا فرق في ذلك بين الرجل و المرأة.

و اعلم أنّ ظاهر العبارة أنّ التكفين مقدّم على التحنيط؛ لتقديمه عليه في الذكر و إن كانت الواو لا تدلّ على الترتيب.

و في النهاية قدّم نقله إلى أكفانه المبسوطة المعدّة له، قال: ثمّ يحنّطه واجباً. (5) و هو صريح في الترتيب.

____________

(1) نهاية الإحكام 2: 239.

(2) الكافي 3: 151/ 4؛ الفقيه 1: 91؛ علل الشرائع 1: 351/ 1، الباب 242؛ التهذيب 1: 290/ 845.

(3) كما في الذكرى 1: 356.

(4) الكافي 3: 151/ 4؛ التهذيب 1: 290/ 845.

(5) نهاية الإحكام 2: 241.

283

و في خبر يونس عنهم (عليهم السلام)، قال في تحنيط الميّت و تكفينه

ابسط الحبرة بسطاً، ثمّ ابسط عليها الإزار، ثمّ ابسط القميص عليه، ثمّ اعمد إلى كافور مسحوق فضَعه على جبهته إلى أن قال ثمّ يحمل فيوضع على قميصه و يردّ مقدّم القميص عليه

(1)

الحديث. و هو دالّ صريحاً على تقديم الحنوط على التكفين و إن تأخّر عن البسط. و بمثله عبّر في الذكرى و البيان. (2)

و الظاهر عدم الترتيب بينه و بين التكفين.

و النيّة معتبرة فيهما؛ لأنّهما فعلان واجبان، لكن لو أخلّ بها، لم يبطل الفعل.

و هل يأثم بتركها؟ يحتمله، لوجوب العمل، و لا يتمّ إلا بالنيّة (3) لقوله (عليه السلام)

لأعمل إلا بنيّة.؛

و عدمه أقوى؛ لأنّ القصد بروزهما للوجود، كالجهاد و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و قضاء الدّيْن و شكر النعمة و ردّ الوديعة؛ فإنّ هذه الأفعال كلّها يكفي مجرّد فعلها عن الخلاص من تبعة الذمّ و العقاب، و لكن لا يستتبع الثواب إلا إذا أُريد بها التقرّب إلى اللّه تعالى، كما نبّه عليه الشهيد (رحمه اللّه) في القواعد. (4)

و من هذا الباب توجيهه إلى القبلة، و حمله إلى القبر و دفنه فيه، و ردّ السلام، و إجابة المسمّت، و القضاء و الشهادة و أداؤها.

أمّا غسل الميّت فلا ريب في اشتراط النيّة فيه إذا لم نجعله إزالةَ نجاسةٍ، فلا يقع معتبراً في نظر الشرع إلا بها، كنظائره من الأغسال.

(و اغتسال الغاسل قبل التكفين) إن أراد هو التكفين، و المراد به غسل المسّ (أو الوضوء) الذي يجامع غسل المسّ للصلاة.

و علّل ذلك في التذكرة بأنّ الغسل من المسّ واجب، فاستحبّ الفوريّة. (5)

فإن لم يتّفق ذلك أو خِيف على الميّت، غسل الغاسل يديه من المنكبين ثلاثاً ثمّ

____________

(1) الكافي 3: 143/ 1؛ التهذيب 1: 306- 307/ 888.

(2) الذكرى 1: 374؛ البيان: 72.

(3) التهذيب 4: 186/ 520 عن الإمام الرضا.

(4) القواعد و الفوائد 1: 89 (الفائدة التاسعة).

(5) تذكرة الفقهاء 2: 18، المسألة 168.

284

يكفّنه؛ للخبر. (1)

و حيث كان هذا الوضوء هو الوضوء المجامع للغسل فلا بدّ فيه من نيّة الاستباحة أو الرفع على القول به، و الوجوب إن كان في وقت واجبٍ مشروط به، و إلا الندب.

و قد تقدّم أنّ ما يتوقّف كمال فعله على الوضوء كقراءة القرآن لو نوى ذلك في الوضوء، رفع الحدث أيضاً على الخلاف، فليكن هنا كذلك.

(و زيادة حِبرَة) بكسر الحاء المهملة و فتح الباء الموحّدة ثوب يمنيّ (غير مطرّزة بالذهب) لامتناع الصلاة فيه حينئذٍ للرجال.

و زاد في الذكرى المنع من المطرزة بالحرير أيضاً؛ لأنّه إتلاف غير مأذون فيه. (2)

و زاد المصنّف (3) في غير هذا الكتاب و غيرُه (4) في وصف الحِبَرة أن تكون عبريّةً، و هي بكسر العين منسوبة إلى بلدٍ باليمن، أو جانب وادٍ. و قد ورد في حديث زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)

كُفّن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في ثوب يمنة عبريّ.

(5)

و في بعض الأخبار أفضليّة الحمراء، قال الباقر (عليه السلام)

كُفّن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في ثلاثة أثواب: برد حبرة أحمر، و ثوبين أبيضين صحاريّين

(6)

و قال

إنّ الحسن بن علي (عليه السلام) كفّن أُسامة بن زيد في برد أحمر حبرة، و إنّ عليّاً (عليه السلام) كفّن سهل بن حنيف ببرد أحمر حبرة.

(7)

و لو تعذّرت الأوصاف أو بعضها، كفت الحبرة المجرّدة. و عبارة المصنّف تقتضي الاكتفاء بها مطلقاً، فإن لم توجد، فلفّافة أُخرى.

و زيادة الحِبَرة (للرجل) لظاهر الأخبار المتقدّمة. و المشهور استحبابها للمرأة أيضاً؛ لعدم ما يدلّ على التخصيص، و الأخبار المذكورة لا تنفيها.

(و) يزاد الرجل أيضاً، بل تزاد المرأة أيضاً؛ لإطلاق الميّت في خبر معاوية بن وهب عن الصادق (عليه السلام) (8)؛ (خرقة لفخذيه) تسمّى الخامسة، طولها ثلاثة أذرع و نصف في عرض شبر

____________

(1) التهذيب 1: 446/ 1444؛ الاستبصار 1: 208/ 731.

(2) الذكرى 1: 361.

(3) قواعد الأحكام 1: 18؛ تحرير الأحكام 1: 18.

(4) كالشهيد في الذكرى 1: 360.

(5) التهذيب 1: 292/ 853.

(6) التهذيب 1: 296/ 869.

(7) الكافي 3: 149/ 9؛ التهذيب 1: 296/ 868 و 869.

(8) الكافي 3: 145/ 11؛ التهذيب 1: 293/ 858، و 310/ 900.

285

إلى شبر و نصف، يلفّ بها فخذاه لفّاً شديداً.

و إنّما اعتبرنا في العرض التقريب؛ لتحديده بشبر في خبر يونس، (1) و بشبر و نصف في خبر عمّار عن الصادق، (عليه السلام) (2) و اختلاف الخبرين في القدر يدلّ على إرادة التقريب، و أنّ الأقلّ مجزئ و الأكثر أكمل.

و اعلم أنّا لم نظفر بخبرٍ شافٍ و لا فتوى يعتمد عليها في كيفيّة شدّها على التفصيل.

أمّا الأخبار: فقد تقدّم (3) في حديث عبد اللّه الكاهلي أنّه

يذفر بها إذفاراً

قال في الذكرى: هكذا وجد في الرواية، و المعروف: يثفر به إثفاراً من أثفرت الدابّة إثفاراً (4) ثمّ تشدّ فخذيه بالخرقة شدّاً شديداً.

و في خبر يونس

خُذ خرقةً طويلة عرضها شبر فشدّها من حقويه، و ضمّ فخذيه ضمّاً شديداً و لفّها في فخذيه، ثمّ أخرج رأسها من تحت رِجْليه إلى الجانب الأيمن، و اغمزها في الموضع الذي لففت فيه الخرقة.

(5)

و عبارات الأصحاب أكثرها مشتملة على أنّه يلفّ بها فخذاه من غير تفصيل.

و الذي يمكن استفادته من الرواية الاولى إن كان المراد من الإذفار هو الإثفار كما ذكره الشهيد أن يربط أحد طرفي الخرقة على وسطه إمّا بشقّ رأسها، أو بأن يجعل فيها خيط و نحوه يشدّها، ثمّ يدخل الخرقة بين فخذيه و يضمّ بها عورته ضمّاً شديداً، و يخرجها من الجانب الآخر و يدخلها تحت الشداد الذي على وسطه، و هذا هو المراد من الإثفار، كما تقدّم بيانه في المستحاضة، ثمّ تلفّ حقويه و فخذيه بما بقي منها لفّاً شديداً، فإذا انتهت أدخل طرفها تحت الجزء الذي انتهى عنده منها.

و هذا هو الذي ينبغي العمل عليه و إن كان ظاهر خبر يونس ينافي بعضه، و هو قوله بعد لفّ فخذيه

ثمّ أخرج رأسها من تحت رِجْليه إلى الجانب الأيمن

(6)

إلى آخره.

و يمكن الجمع بينهما بنوع تكلّف.

____________

(1) الكافي 3: 141- 142/ 5؛ التهذيب 1: 301/ 877.

(2) التهذيب 1: 305 306/ 887.

(3) في ص 275- 276.

(4) الذكرى 1: 334- 335.

(5) الكافي 3: 141- 142/ 5؛ التهذيب 1: 301/ 877.

(6) الكافي 3: 141- 142/ 5؛ التهذيب 1: 301/ 877.

286

و لو شدّ بها فخذيه على غير هذا الوجه بأيّ وجه اتّفق، أمكن الإجزاء، كما في خبر معاوية بن وهب

يعصّب بها وسطه

(1)

و لظاهر الفتوى.

(و يعمّم) الرجل (بعمامة محنّكاً) بها، و يجعل لها طرفان يخرجان من الجانبين و يلقيان على صدره مع مراعاة كون الخارج من الأيمن على الأيسر و بالعكس، كما في خبر يونس

يؤخذ وسط العمامة فيثني على رأسه بالتدوير، ثمّ يلقى فضل الشقّ الأيمن على الأيسر و الأيسر على الأيمن، ثمّ يمدّ على صدره.

(2)

و لا تقدير لطول العمامة شرعاً، فيعتبر فيه ما يؤدّي هذه الهيئة، و في العرض ما يطلق معه عليها اسم العمامة.

(و تزاد المرأة لفّافة أُخرى لثدييها) لتضمّهما إلى صدرها، و تشدّ على الظهر، كما ورد في خبر سهل. (3)

و لا تقدير لهذه اللفّافة طولًا و لا عرضاً، بل ما يتأدّى به الغرض المطلوب منها.

(و) تزاد المرأة أيضاً (نمطاً) و هو لغةً: ضرب من البُسُط، و الجمع أنماط، قاله الجوهري، (4) و زاد ابن الأثير: له خمل رقيق. (5)

و هو ثوب من صوف فيه خُطَط مأخوذ من الأنماط، و هي الطرائق، و هو غير الحِبَرة و الإزار، خلافاً لابن إدريس؛ حيث جَعَله الحِبَرة، (6) تبعاً للشيخ في الاقتصاد. (7)

و محلّه فوق الجميع، و مع عدمه يجعل بدله لفّافة أُخرى، كما يجعل بدل الحِبَرة عند جماعة، (8) فيكون للمرأة ثلاث لفائف.

و في كلام جماعة (9)؛ من الأصحاب استحباب النمط للرجل أيضاً.

(و قناعاً عوض العمامة) لقول الصادق (عليه السلام)

تكفّن المرأة في خمسة أثواب، أحدها:

____________

(1) الكافي 3: 145/ 11؛ التهذيب 1: 293/ 858، و 310/ 900.

(2) الكافي 3: 143/ 1؛ التهذيب 1: 307306/ 888.

(3) الكافي 3: 147 (باب تكفين المرأة) الحديث 2؛ التهذيب 1: 324/ 944.

(4) الصحاح 3: 1165، «ن م ط».

(5) النهاية لابن الأثير 5: 119، «ن م ط».

(6) السرائر 1: 160.

(7) الاقتصاد: 248.

(8) منهم: القاضي ابن البرّاج في المهذّب 1: 60.

(9) منهم: أبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 237.

287

الخمار

(1)

و هو القناع؛ لأنّه يخمر به الرأس، أي: يستر.

(و) تستحبّ (الذريرة) للميّت بأن يطيّب بها كفنه.

و كيفيّته على ما ورد في الأخبار (2) و ذكره المصنّف في النهاية (3) أن يبسط أحسن اللفائف و أوسعها أوّلًا ليكون الظاهر للناس أحسنها كالحيّ يظهر أفخر ثيابه، و يجعل عليها الذريرة و الكافور، ثمّ يبسط الثانية التي تليها في الحسن و السعة، و يجعل فوقها ذريرة و كافور أيضاً، ثمّ يبسط القميص كذلك.

و روى سماعة عن الصادق (عليه السلام) قال

إذا كفّنت الميّت فذرّ على كلّ ثوب شيئاً من ذريرة و كافور.

(4)

و كذا يستحبّ جعلها على القطن الذي يوضع على الفرجين.

و في المنتهي: لا يستحبّ نثرها على اللفّافة الظاهرة. (5) و ما نقلناه ينافيه.

و قد اختلفت عبارة الأصحاب في الذريرة اختلافاً كثيراً أضبطه ما ذكره المصنّف في التذكرة تبعاً للمحقّق في المعتبر (6) أنّها الطيب المسحوق. (7)

و قال الشيخ في التبيان: هي فتات قصب الطيب، و هو قصب يجاء به من الهند كأنّه قصب النشاب. (8)

و في المبسوط و النهاية: يعرف بالقمحة (9) بضمّ القاف و تشديد الميم المفتوحة و الحاء المهملة، أو بفتح القاف و تخفيف الميم، واحدة القمح.

و ابن إدريس: هي نبات طيب غير الطيب المعهود يُسمّى القمحان (10) بالضمّ و التشديد.

قال في المعتبر: هذا التفسير خلاف المعروف بين العلماء. (11)

____________

(1) الكافي 3: 146/ 1؛ التهذيب 1: 324/ 946.

(2) منها ما في الكافي 3: 143/ 1؛ و التهذيب 1: 305/ 887، و 306/ 888.

(3) نهاية الإحكام 2: 245.

(4) الكافي 3: 143/ 3؛ التهذيب 1: 307/ 889.

(5) منتهى المطلب 1: 440.

(6) المعتبر 1: 284.

(7) تذكرة الفقهاء 2: 19، المسألة 169.

(8) التبيان 1: 448.

(9) المبسوط 1: 177؛ النهاية: 32.

(10) السرائر 1: 161.

(11) المعتبر 1: 284.

288

و قال الصنعاني اللغوي: هي فعيلة بمعنى مفعولة: ما يذرّ على الشيء، و قصب الذريرة دواء يجلب من الهند و اليمن، يجعلون أخلاطاً من الطيب يسمّونها الذريرة. (1)

و وجدت بخطّ شيخنا الشهيد (رحمه اللّه) نقلًا عن بعض الفضلاء: أنّ قصب الذريرة هي القمحة التي يؤتى بها من ناحية نهاوند، و أصلها قصب نابت في أجمة في بعض الرساتيق يحيط بها حيّات، و الطريق إليها على عدّة عقبات، فإذا طال ذلك القصب ترك حتى يجفّ، ثمّ يقطع عقداً و كعاباً، ثمّ يعبَأ في الجوالقات، فإذا أُخذ على عقبة من تلك العقبات المعروفة عفن و صار ذريرةً، و تسمّى قمحة، و إن سلك به على غير تلك العقبات، بقي قصباً لا يصلح إلا للوقود.

قال المحقّق الشيخ علي في توجيه القول الأوّل: اللفظ إنّما يحمل على المتعارف الشائع الكثير؛ إذ يبعد استحباب ما لا يُعرف و لا يعرفه إلا الأفراد من الناس. (2)

و في كلام المعتبر في الردّ على ابن إدريس إيماء إلى ذلك.

(و) كذا تستحبّ (الجريدتان من النخل) للميّت المؤمن، واحدها جريدة، و هي العود الذي يجرد عنه الخوص، و لا يسمّى جريداً ما دام عليه الخوص، و إنّما يسمّى سعفاً.

و على استحباب الجريدتين إجماع الإماميّة، و قد ورد بهما الأخبار من طُرُق العامّة: أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال

خضّروا موتاكم فما أقلّ المخضّرين.

(3)

و أسند سفيان الثوري من العامّة إلى الباقر (عليه السلام) حين سأله عن التخضير، فقال

جريدة خضراء توضع من أصل الثدي

(4)

إلى أصل الترقوة.

(5)

و الأصل في شرعيّتهما مع ذلك أنّ آدم (عليه السلام) لمّا هبط من الجنّة خلق اللّه تعالى من فضل طينته النخلة، فكان يأنس بها في حياته فأوصى بنية أن يشقّوا منها جريداً بنصفين و يضعوه معه في أكفافه، و فَعَله الأنبياء (عليهم السلام) بعده إلى أن درس في الجاهليّة، فأحياه نبيّنا (صلّى اللّه عليه و آله). (6)

و في صحاح العامّة عن ابن عباس أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) مرّ بقبرين فقال

إنّهما ليعذّبان

____________

(1) حكاه عنه الشهيد في الذكرى 1: 359.

(2) جامع المقاصد 1: 394 و فيه: ما لا يُعرف أولا تعرفه الأفراد من الناس.

(3) لم نعثر عليه في مصادر الحديث لأبناء العامّة، المتوفّرة لدينا، و نحوه في الكافي 3: 152/ 2؛ و الفقيه 1: 88/ 408.

(4) في الكافي و الفقيه: «اليدين» بدل «الثدي» و في الوسائل: «الثديين».

(5) الكافي 3: 152/ 2؛ الفقيه 1: 88- 89/ 408؛ الوسائل 3: 26، الباب 10 من أبواب التكفين، الحديث 1.

(6) المقنعة: 82- 83؛ التهذيب 1: 326/ 952 و 953.

289

و ما يعذّبان بكبير، أمّا أحدهما فكان لا يستنزه من البول، و أمّا الآخر فكان يمشي بالنميمة

و أخذ جريدةً رطبة فشقّها بنصفين و غرز في كلّ قبرٍ واحدة، و قال

لعلّه يخفّف عنهما ما لم تيبسا.

(1)

و في أخبارنا أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) مرّ على قبر يعذّب صاحبه، فشقّ جريدةً بنصفين، فجعل واحدة عند رأسه و الأُخرى عند رِجْليه و قال

يخفّف عنه العذاب ما كانتا خضراوين.

(2)

و عن الباقر (عليه السلام)

إنّما الحساب و العذاب كلّه في يومٍ واحد في ساعة واحدة، قدر ما يدخل القبر و يرجع القوم، و إنّما جعلت السعفتان لذلك، فلا يصيبه عذاب و لا حساب بعد جفافهما، إن شاء اللّه تعالى.

(3)

قال المرتضى رضي اللّه عنه في الردّ على منكرهما من العامّة: التعجّب من ذلك كتعجّب الملاحدة من الطواف و الرمي و تقبيل الحجر بل من غسل الميّت و تكفينه مع سقوط التكليف عنه، و كثير من الشرائع مجهولة العلل. (4)

إذا تقرّر ذلك، فقد علم ممّا سلف من الأخبار كونهما من النخل (و إلا) أي: و إن لم يوجد النخل (فمن السدر، و إلا فمن الخلاف) بكسر الخاء و تخفيف اللام، و هذا الترتيب ورد في خبر سهل بن زياد عن عدّة ( (5) و إلا فمن شجر رطب) ذكره الأصحاب.

و روى عليّ بن إبراهيم أنّها إذا فُقدت من النخل تُبدّل بغيرها (6) من غير ترتيب. و في رواية أُخرى عنه: تُبدّل بالرمّان. (7)

و الجمع بينهما و بين خبر سهل بتأخير الرمّان عن الخلاف، كما صنع الشهيد (رحمه اللّه) في الدروس. (8)

فإن فُقد الرمّان، فعود أخضر، و عليه يحمل إطلاق البدل في الرواية السالفة؛ لما روي

____________

(1) صحيح البخاري 1: 464/ 1312؛ صحيح مسلم 1: 240 241/ 292؛ سنن أبي داوُد 1: 6/ 20؛ سنن النسائي 4: 106.

(2) الفقيه 1: 88/ 405.

(3) الكافي 3: 152/ 4؛ الفقيه 1: 89/ 410.

(4) الانتصار: 132.

(5) الكافي 3: 153/ 10؛ التهذيب 1: 294/ 859.

(6) الكافي 3: 154153/ 11؛ التهذيب 1: 294/ 860.

(7) الكافي 3: 154/ 12؛ التهذيب 1: 294/ 861.

(8) الدروس 1: 109.

290

عن الكاظم (عليه السلام)

لا يجوز اليابس

(1)

و التعليل المتقدّم يدلّ عليه.

و أمّا قدرهما طولًا: فالمشهور كونه قدر عظم الذراع. و روى

قدر ذراع

(2)

و في آخر

قدر شبر

(3)

و قيل: أربع أصابع فما فوقها. (4)

قال في الذكرى: و الكلّ جائز؛ لثبوت الشرعيّة مع عدم القاطع على قدر معيّن. قال: و هل تشقّ أو تكون صحيحةً؟ الخبر دلّ على الأوّل، و العلّة تدلّ على الثاني، و الظاهر جواز الكلّ. (5)

و في دلالة العلّة على الثاني نظر؛ لما تقدّم من أنّ العذاب و الحساب كلّه في يومٍ واحد أو أقلّ، و الخضرة لا تزول في هذه المدّة و إن شقّتا قطعاً، و لكن استحبّ الأصحاب جَعلهما في قطنٍ محافظةً على الرطوبة، و هو يدلّ على استمرار النفع بهما زيادةً على ما ذكر، و هو موافق لطول وحشة البرزخ و أهواله.

و أمّا محلّهما: فالمشهور أنّ إحداهما من جانبه الأيمن لاصقةً بجلده من ترقوته، و الأُخرى من ترقوة جانبه الأيسر بين القميص و الإزار.

و قيل: إنّ اليسرى عند وركه ما بين القميص و الإزار. (6)

و في خبر يونس

يجعل له واحدة بين ركبتيه، نصف فيما يلي الساق و نصف فيما يلي الفخذ، و يجعل الأُخرى تحت إبطه الأيمن

(7)

و اختاره بعض الأصحاب. (8)

و روى عن الصادق (عليه السلام) حين سأله بعض أصحابه عن الجريدة توضع في القبر، قال: «لا بأس. (9)»

قال المحقّق في المعتبر: مع اختلاف الروايات و الأقوال يجب الجزم بالقدر المشترك بينها،

____________

(1) التهذيب 1: 432/ 1381.

(2) الكافي 3: 143/ 1؛ التهذيب 1: 307306/ 888، و 308 309/ 896.

(3) الكافي 3: 153152/ 5؛ التهذيب 1: 309/ 897.

(4) القائل هو ابن أبي عقيل كما حكاه عنه العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 232، المسألة 173.

(5) الذكرى 1: 370.

(6) القائل هو عليّ بن بابويه كما حكاه عنه المحقّق الحلّي في المعتبر: 288؛ و العِمة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 233، المسألة 174 و ولده الصدوق في الفقيه 1: 91 92.

(7) الكافي 3: 143/ 1؛ التهذيب 1: 307306/ 888.

(8) و هو الجعفي كما حكاه عنه الشهيد في الذكرى 1: 371.

(9) الكافي 3: 153/ 9؛ الفقيه 1: 88/ 406؛ التهذيب 1: 328/ 958.

291

و هو استحباب وضعها مع الميّت في كفنه أو في قبره بأيّ هذه الصور شئت. (1) انتهى.

هذا مع إمكان ذلك، و مع تعذّره للتقيّة توضع حيث يمكن؛ لخبر سهل. (2)

و إطلاق العبارة بل كلام الأصحاب و الأخبار يقتضي عدم الفرق في ذلك بين الصغير و الكبير و العاقل و المجنون؛ إقامةً للشعار و إن كان التعليل قد يوهم خلاف ذلك. و ممّن صرّح بوضعها مع الصغير و المجنون الشهيدُ في البيان. (3)

(و كتبة اسمه و أنّه يشهد الشهادتين و الإقرار بالنبيّ و الأئمّة (عليهم السلام) على اللّفافة) و الأولى أن يراد بها الجنس، فيشمل الحِبَرة و الإزار (و) على (القميص و الإزار) و هو المئزر؛ لإطلاقه عليه لغةً.

هذا إن جعلنا اللفّافة للأعمّ من الإزار بحيث تشمله، و يمكن أن يريد بها الحِبَرة و يريد بالإزار المعروف منه، و هو اللفّافة الواجبة.

و في الدروس جمع في الكتابة بين الحبرة و اللفافة و الإزار، (4) و هو دالّ على ما قلناه من إرادة المئزر.

و على كلّ حال فاستحباب الكتابة ثابت عند الأصحاب على هذه المذكورات (و) على (الجريدتين).

و أمّا النمط فيمكن دخوله في اللفّافة، كما فسّرناها به.

و أضاف جماعة منهم الشهيد و الشيخ في المبسوط و ابن البرّاج (5) العمامة؛ معلّلًا بعدم تخصيص الخبر، و هو يقتضي استحباب الكتابة على جميع الكفن. و لا بأس به؛ لثبوت أصل الشرعيّة، و ليس في زيادتها إلا زيادة الخير.

و الأصل في الاستحباب ما رُوي أنّ الصادق (عليه السلام) كتب على حاشية كفن ولده إسماعيل: إسماعيل يشهد أن لا إله إلا اللّه. (6) و زاد الأصحاب: و أنّ محمّداً رسول اللّه، و أسماء

____________

(1) المعتبر 1: 288.

(2) الكافي 3: 153/ 8؛ التهذيب 1: 327- 328/ 956.

(3) البيان: 75.

(4) الدروس 1: 110.

(5) البيان: 72؛ الدروس 1: 110؛ الذكرى 1: 372، المبسوط 1: 177؛ المهذّب 1: 61.

(6) التهذيب 1: 289/ 842، و 309/ 898.

292

الأئمّة (عليهم السلام). و ظاهر الشيخ في الخلاف (1) دعوى الإجماع عليه، و لم يذكر الأصحاب استحباب كتبه شيء غير ما ذُكر.

قال في الذكرى: فيمكن أن يقال بجوازه؛ قضيّةً للأصل. و بالمنع؛ لأنّه تصرّف لم يعلم إباحة الشرع له. (2)

قلت: ذلك لو تمّ لم تجز الزيادة على كتبه الشهادة بالوحدانيّة؛ لاعترافهم بعدم النصّ على الزيادة، و عدم تكريرها على قِطَع الكفن، فتفصيل الأصحاب بمحالّ الكتابة و تعديتها إلى ما ذكروه إنّما هو لاستئناسهم بسهولة الخطب في ذلك، و أنّه خير محض.

و لتكن الكتابة (بالتربة) الحسينيّة؛ لبركتها و شرفها، و مع عدمها بطين أبيض و ماءٍ.

و لم يعيّن ابن بابويه ما يكتب به؛ لعدم النصّ على الخصوص.

و ينبغي بلّ التربة؛ لتؤثّر الكتابة، حملًا على المعهود منها.

و لو عدم ما يكتب به فبالإصبع، ذكره الأصحاب.

(و سحق الكافور باليد) خوفاً من الضياع، ذكره جماعة (3) من الأصحاب.

قال في المعتبر بعد أن أسنده إلى الشيخين: و لم أتحقّق مستنده. (4)

(و جعل فاضله على صدره) كما ورد في خبر الحلبي عن الصادق. (5) (عليه السلام) و علّل أيضاً: بأنّه مسجد في سجدة الشكر.

(و خياطة الكفن بخيوطه) قاله الشيخ (6) و جماعة (7) من الأصحاب، و لم يوجد به الآن خبر.

(و التكفين بالقطن) لقول الصادق (عليه السلام)

الكتّان كان لبني إسرائيل يكفّنون به، و القطن

____________

(1) الخلاف 1: 706، المسألة 504.

(2) الذكرى 1: 372.

(3) منهم: الشيخ المفيد في المقنعة: 78؛ و الشيخ الطوسي في النهاية: 36؛ و المبسوط 1: 179؛ و ابن حمزة في الوسيلة: 66؛ و العِمة الحلّي في منتهى المطلب 1: 439؛ و يحيى بن سعيد في الجامع للشرائع: 53؛ و الشهيد في البيان: 73؛ و الذكرى 1: 358.

(4) المعتبر 1: 286.

(5) الكافي 3: 143 144/ 4؛ التهذيب 1: 307/ 890؛ الاستبصار 1: 212/ 746.

(6) المبسوط 1: 177.

(7) منهم: ابن حمزة في الوسيلة: 66؛ و المحقّق الحلّي في شرائع الإسلام 1: 32؛ و يحيى بن سعيد في الجامع للشرائع: 54؛ و الشهيد في البيان: 72.

293

لُامّة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله).

(1)

و أفضله الأبيض في غير الحِبَرة؛ لقول النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)

ليس من لباسكم أحسن من البياض فالبسوه و كفّنوا به موتاكم.

(2)

و عنه (صلّى اللّه عليه و آله)

ألبسوا البياض، فإنّه أطهر و أطيب، و كفّنوا فيه موتاكم.

(3)

[و يكره أمور]

(و يكره الكتّان) بفتح الكاف؛ لما تقدّم.

و لقول الصادق (عليه السلام) في رواية يعقوب بن يزيد

لا يكفّن الميّت في كتّان.

(4)

(و الأكمام المبتدأة) للقميص، قاله الجماعة، و به خبر (5) مرسل.

و احترز بالمبتدئة عمّا لو كفّن في قميصه؛ فإنّه لا يقطع كمّه، بل يقطع منه الأزرار خاصّة، و هو في الرواية (6) المرسلة أيضاً.

(و الكتابة بالسواد) قاله الأصحاب. و كما يكره به فكذا بغيره من الأصباغ غير الأبيض.

(و جعل الكافور في سمعه و بصره) خلافاً للصدوق (7) حيث استحبّه؛ استناداً إلى رواية (8) معارضة بأصحّ منها و أشهر.

(و تجمير الأكفان) بالمجمرة، و هو ما تدخّن به الثياب. و على كراهته إجماع علمائنا نقله في المعتبر. (9)

و يؤيّده أنّه فعل لم يأمر به الشرع، فيكون تضييعاً، و لقول عليّ (عليه السلام)

لا تجمّروا الأكفان و لا تمسّوا موتاكم بالطيب إلا بالكافور، فإنّ الميّت بمنزلة المُحْرم.

(10)

[مسائل]

(و كفن المرأة الواجب على زوجها) و الأصل فيه بعد الإجماع ما رواه السكوني عن الصادق (عليه السلام) عن أبيه أن عليّاً (عليه السلام)

____________

(1) الكافي 3: 149/ 7؛ الفقيه 1: 89/ 414؛ التهذيب 1: 434/ 1392؛ الإستبصار 1: 210/ 741.

(2) الكافي 3: 148/ 3؛ التهذيب 1: 434/ 1390.

(3) الكافي 6: 445/ 1 و 2.

(4) التهذيب 1: 451/ 1465؛ الاستبصار 1: 211/ 745.

(5) التهذيب 1: 305/ 886.

(6) التهذيب 1: 305/ 886.

(7) الفقيه 1: 91.

(8) التهذيب 1: 307/ 891؛ الاستبصار 1: 212/ 749.

(9) المعتبر 1: 290.

(10) الكافي 3: 147/ 3؛ التهذيب 1: 295/ 863؛ الاستبصار 1: 209/ 735.

294

قال

على الزوج كفن امرأته إذا ماتت.

(1)

و علّله المصنّف في التذكرة: بثبوت الزوجيّة إلى حين الوفاة، و بأنّ مَنْ وجبت نفقته و كسوته حال الحياة وجب تكفينه كالمملوك فكذا الزوجة. (2)

و يضعّف الأوّل: بعدم دلالة ما قبل الوفاة على ما بعدها.

أمّا المطابقة و التضمّن: فظاهر.

و أمّا الالتزام: فلعدم الملازمة فيما ذُكر؛ لاستلزام الموت عدم كثير من أحكام الزوجيّة، و لهذا جاز له تزويج أُختها و الخامسة.

و الثاني: بانتقاضه بواجب النفقة من الأقارب، فإنّه لا يجب تكفينهم على القريب و إن وجبت عليه نفقتهم.

و علّل في الذكرى: بأنّها زوجة؛ لآية الإرث، (3) فتجب مئونتها؛ لأنّها من أحكام الزوجيّة. (4) و قريب منه تعليل المعتبر. (5)

و فيه: أنّه لو تمّ، لاقتضى اختصاص الحكم بالزوجة الدائمة الممكّنة، و لا يجب للمستمتع بها و لا الناشزة، مع أنّه في الذكرى توقّف في حكمهما و قال: التعليل بالإنفاق ينفي وجوب الكفن للناشز، و إطلاق الخبر يشمله، و كذا المستمتع بها. (6)

و الخبر ضعيف بالسكوني، لكن ربما انجبر بالشهرة.

و الأولى الاستناد إلى الإجماع، فقد نقله الشيخ، (7) و ناهيك به، و هو مطلق في الزوجة، و كذا الخبر، فيدخل فيهما الناشز و المستمتع بها. و التعليلات ليست معلومة الاطّراد و إن وُجدت في أكثر الأفراد. و حلّ الأُخت و الخامسة لا يقتضي خروج الزوجيّة، بل ضعفها، و هو غير كافٍ في الحكم، بل الواقع بقاء أصل الحقيقة، و لهذا جاز تغسيلها.

و لا فرق فيها بين الحُرّة و الأمة، و المطلّقة رجعيّةً زوجة، بخلاف البائن.

____________

(1) التهذيب 1: 445/ 1439.

(2) تذكرة الفقهاء 2: 1514، المسألة 164.

(3) النساء (4): 12.

(4) الذكرى 1: 381.

(5) المعتبر 1: 308.

(6) الذكرى 1: 382.

(7) الخلاف 1: 709 ذيل المسألة 510.

295

و كما يجب الكفن تجب أيضاً مئونة التجهيز، كالحنوط و غيره من الواجبات، صرّح بذلك جماعة (1) من الأصحاب.

و لا فرق أيضاً بين أن يكون لها مال أو لا، فيجب عليه (و إن كانت موسرةً) مع يساره.

أمّا لو أُعسر عن الكفن بأن لا يفضل! له شيء غير قوت يوم و ليلة له و لعياله و ما يستثنى في الدين، سقط عنه، و كُفّنت من تركتها إن كان. و لو أُعسر عن البعض، أكمل من تركتها، كلّ ذلك مع عدم وصيّتها به.

أمّا لو أوصت بالكفن الواجب، كانت الوصيّة من ثلث مالها، و سقط عنه إن نفذت.

و لو ماتا معاً، لم يجب عليه كفنها؛ لخروجه عن التكليف حينئذٍ، كما اختاره في الذكرى، (2) بخلاف ما لو مات بعدها.

و لو لم يكن إلا كفن واحد، اختصّ به؛ لعدم تعلّقه بالعين قبل وفاته، و الوجوب المطلق سقط بطروء عجزه بموته، المقتضي لتقدّم تكفينه على جميع الديون، و كفنها ليس أقوى منها.

نعم، لو كان موته بعد وضعه عليها و قبل الدفن، أمكن اختصاصها به، أمّا لو كان بعد الدفن، فلا إشكال في الاختصاص.

و قد تقدّم أنّ واجب النفقة لا يلحق بالزوجة. و يستثنى منه المملوك؛ للإجماع عليه و إن كان مدبّراً أو مكاتباً مشروطاً أو مطلقاً لم يتحرّر منه شيء أو أُمّ ولد. و لو تحرّر منه شيء فبالنسبة.

و لو لم يتحصّل من جزء الرقّيّة ما يستر العورة و لم يحصل بجزء الحرّيّة شيء يتمّ به ذلك، أمكن سقوطه عن المولى؛ لعدم الفائدة.

و لو كان مال الزوج أو المولى مرهوناً، سقط؛ لامتناع تصرّفه في الرهن، إلا أن تبقى بعد الدّيْن بقيّة يمكن التوصّل إلى صرفها في الكفن، فيجب ذلك بحسب المكنة من باب المقدّمة، كما في النفقة.

____________

(1) منهم: الشيخ الطوسي في المبسوط 1: 188؛ و ابن إدريس في السرائر 1: 171؛ و الشهيد في الدروس 1: 110، و الذكرى 1: 381؛ و المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 399.

(2) الذكرى 1: 382.

296

فرع: لو وُجد الكفن و يئس منها، ففي كونه ميراثاً لورثتها أو عوده إلى الزوج وجهان: من ثبوت استحقاقها له، و عدم القطع بخروجه عن ملكه.

و لو كان من مالها، رجع ميراثاً. و لو كان من الزكاة أو بيت المال أو من متبرّعٍ، عاد إلى ما كان؛ لأنّه مشروط ببقائه كفناً و قد زال الشرط.

(و يقدّم الكفن) على الديون و الوصايا و الإرث (من الأصل) للإجماع.

و لقول النبيّ في الذي وقصت به راحلته

كفّنوه في ثوبيه

(1)

و لم يسأل عن ثلثه.

و لقول الصادق (عليه السلام)

ثمن الكفن من جميع المال.

(2)

و المراد بالكفن الواجبُ دون ما زاد، فإنّ الدّيْن يقدّم عليه و إن كانت ثياب التجمّل مقدّمةً على الدّيْن؛ لحاجة الحيّ إلى التجمّل، و الميّت إلى براءة ذمّته أحوج.

و لو أوصى بالمندوب، فهو من الثلث، و بدونها (3) موقوف على تبرّع الوارث حتى لو أوصى بإسقاطه، فالأمر إلى الوارث.

و قيل: تنفذ وصيّته. (4) و ليس بشيء.

و العبارة تقتضي بعمومها تقديمه على حقّ المرتهن و المجنيّ عليه و غرماء المفلّس. و إطلاق الأخبار (5) و كلام الأصحاب يؤيّده، و لعدم خروج المال عن الملك بذلك، و هو خيرة البيان. (6)

و يحتمل تقديم حقّ المرتهن و المجنيّ عليه؛ لاقتضائهما الاختصاص، و المنع من المئونة في حال الحياة، و هي متقدّمة على الدّيْن، و تقديم المجنيّ عليه دون المرتهن؛ لأخذه العين، و استقلاله بالأخذ، بخلاف المرتهن.

هذا كلّه مع عدم تأخّر الجناية و الرهن عن الموت، أمّا لو تأخّرا، قدّم الكفن قطعاً؛ لسبق

____________

(1) صحيح البخاري 1: 426/ 1207 1209؛ صحيح مسلم 2: 865/ 1206؛ سنن ابن ماجة 2: 103/ 3084؛ سنن أبي داوُد 3: 219/ 3238؛ سنن النسائي 5: 195.

(2) الكافي 7: 23 (باب أنّه يبدأ بالكفن ..) الحديث 1؛ الفقيه 4: 143/ 490؛ التهذيب 1: 437/ 1407، و 9: 171/ 696.

(3) أي بدون الوصيّة.

(4) كما في جامع المقاصد 1: 401؛ و انظر: تذكرة الفقهاء 2: 14.

(5) راجع المصادر في الهامش (2).

(6) البيان: 73.

297

سببه. و أمّا غرماء المفلّس فالكفن مقدّم عليهم قطعاً.

(ثمّ) يقدّم بعد الكفن و مئونة التجهيز (الدّيْن) و منه الحقوق الماليّة، كالزكاة و الخُمس و الكفّارة، و المشوبة به و بالبدن، كالحجّ الواجب، سواء أوصى بها أم لم يوص.

و لو أوصى بالخصلة العُليا من الكفّارة المخيّرة، ففي نفوذ الزائد منها عن قيمة الدنيا من الأصل أو الثلث وجهان ذكرهما المصنّف في التذكرة (1) و لم يرجّح شيئاً.

(ثمّ) بعد الدّيْن (الوصيّة) المتبرّع بها تخرج (من الثلث) و في حكمها العبادة البدنيّة المحضة، كالصلاة و الصوم، فإنّها مع الوصيّة بها تخرج من الثلث و إن كانت واجبةً؛ لعدم تعلّقها بالمال لولا الوصيّة، بل الأصل فيها وجوبها على الوليّ، و هو أكبر أولاده على ما يأتي، فتكون الوصيّة بالأُجرة تبرّعاً عن الوارث، فأُخرجت من الثلث.

أمّا لو أوصى بصلاة مندوبة أو باليوميّة احتياطاً مع فعله لها، فخروج أُجرتها من الثلث واضح، و على هذا فحكمها حكم غيرها من الوصايا في مزاحمة الثلث، و القرعة عند الجمع و التعارض و التوزيع و تقديم الأوّل فالأوّل مع ترتّبها بالفاء أو «ثمّ» و الواو على الأصحّ، و سيأتي تحقيق ذلك كلّه في الوصايا إن شاء اللّه تعالى.

(و الباقي) من التركة عن جميع ذلك كلّه (ميراث) يقسّم على الورثة حسب ما قرّر لهم.

(و يستحبّ للمسلمين بذل الكفن) للميّت (لو فُقد) الكفن إمّا لعدم ترك الميّت مالًا أو لمانعٍ من تكفينه به كالمرهون إن قدّمنا حقّ المرتهن.

و لو فُقد البعض، استحبّ لهم بذله، و فيه فضل جزيل.

روى سعد بن طريف عن أبي جعفر (عليه السلام)

مَنْ كفّن مؤمناً كان كمن ضمن كسوته إلى يوم القيامة.

(2)

و كذا القول في باقي مُؤن تجهيزه من السدر و الكافور و الماء.

و لا يجب ذلك عليهم؛ لأصالة البراءة، بل مع فقده يُدفن عارياً بعد أن تُستر عورته، و يُصلّى عليه قبل الدفن. فإن تعذّر الستر قبله، وُضع في القبر و سُترت بترابٍ و نحوه و صُلّي عليه.

____________

(1) تذكرة الفقهاء 2: 495 (الطبعة الحجريّة).

(2) الكافي 3: 164 (باب ثواب من كفّن مؤمناً) الحديث 1؛ التهذيب 1: 450/ 1461.

298

و لو كان للمسلمين بيت مال موجود، أُخذ الكفن وجوباً، و كذا باقي المُؤن؛ لأنّه مُعدّ للمصالح. و يجوز أخذه من سهم الفقراء و المساكين من الزكاة (1) لأنّ الميّت أشدّ فقراً من غيره، و كذا من سهم سبيل اللّه إن لم نخصّه بالجهاد.

و هل يجب ذلك؟ الظاهر نعم؛ للأمر به في خبر الفضل بن يونس عن الكاظم (عليه السلام) حين سأله عن رجل مات من أصحابنا و لم يترك ما يكفّن به أشتري له كفنه من الزكاة؟ فقال

أعط عياله من الزكاة قدر ما يجهّزونه، فيكونون هم الذين يجهّزونه

قلت: فإن لم يكن له ولد و لا أحد يقوم بأمره فأُجهّزه أنا من الزكاة؟ قال

كان أبي يقول: إنّ حرمة بدن المؤمن ميّتاً كحرمته حيّاً، فوار بدنه و عورته و جهّزه و كفّنه و حنّطه و احتسب ذلك من الزكاة.؛

و هذا الحديث كما دلّ على الأمر بذلك دلّ أيضاً على تقديم الدفع إلى الوارث إن أمكن. و الظاهر أنّه على سبيل الأفضليّة لا الوجوب؛ لعدم القائل به.

(و لو خرج منه نجاسة بعد التكفين) و أصابت الكفن قبل وضعه في القبر (غُسلت من جسده و كفنه) لوجوب إزالة النجاسة، و لا يجوز قرضها حينئذٍ استبقاءً للكفن مع إمكان غَسله، و للنهي عن إتلاف المال حيث يمكن حفظه. و لو لم تُصب الكفنَ، اقتصر على تطهير محلّها.

(و لو أصابت الكفنَ بعد وضعه في القبر، قُرضت) للمشقّة في غَسلها حينئذٍ، فيسقط؛ للحرج.

و إذا قُرضت فإن أمكن جمع جوانبه بالخياطة، وجب، و إلا مدّ أحد الثوبين على الآخر ليستر المقطوع إن كان هناك غيره.

و أطلق الشيخ (2) قرضها؛ لصحيح الكاهلي عن الصادق. (عليه السلام) (3) و المشهور ما فصّله المصنّف، لكنّ التعليل المتقدّم للمنع من القرض قبل وضعه في القبر يقتضي اشتراط تعذّر غسلها في جواز القرض بعده. و الجماعة أطلقوا الجواز.

هذا كلّه مع عدم تفاحش النجاسة بحيث يؤدّي القرض إلى إفساد الكفن و هتك الميّت،

____________

(1) التهذيب 1: 445/ 1440.

(2) النهاية: 43؛ المبسوط 1: 181.

(3) الكافي 3: 156/ 1؛ التهذيب 1: 436/ 1405، و 450449/ 1457.

299

و معه قال في الذكرى: فالظاهر وجوب الغَسل مطلقاً؛ استبقاءً للكفن؛ لامتناع إتلافه على هذا الوجه، و مع التعذّر يسقط؛ للحرج. (1)

(و يجب أن يطرح معه في الكفن) كلّ (ما يسقط من شعره و جسمه) للإجماع عليه، كما نقله المصنّف في التذكرة (2)؛ و ليكن ذلك بعد غسله. و يقبل التطهير كأصله.

(و الشهيد) و هو المسلم و مَنْ بحكمه الذي يموت في معركة قتالٍ أمر به النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أو الإمام أو نائبهما الخاصّ و هو من حزبهما، بسببه.

فخرج بقيد المسلم الكافرُ المساعد لأهل الحقّ إذا قُتل كذلك، فإنّه ليس بشهيد. و بقيد الموت في المعركة مَنْ جُرح فيها ثمّ نُقل منها و به رمق ثمّ مات، فإنّه لا تثبت له هذه الأحكام. و ظاهر الروايات أنّ إدراك المسلمين له و به رمق كافٍ في عدم لحوق الأحكام.

و التقييد بالقتال الذي أمر به النبيّ أو نائبه يُخرج مَنْ قُتل في غير ذلك و إن كان الجهاد سائغاً، كما لو دهم على المسلمين مَنْ يُخاف منه على بيضة الإسلام فاضطرّوا إلى جهادهم بدون الإمام أو نائبه، فإنّه لا يعدّ شهيداً بالنسبة إلى الأحكام و إن شارك الشهداء في الفضيلة على ما اختاره المصنّف (3) و جماعة. (4)

و لكن إطلاق الأخبار و عموم بعضها مثل: قول الصادق (عليه السلام)

الذي يُقتل في سبيل اللّه يُدفن بثيابه و لا يُغسّل

(5)

يقتضي كونه شهيداً و ثبوت الأحكام له، و اختاره الشهيد (6) و المحقّق في المعتبر، (7) و هو حسن.

قال في المعتبر: ما ذكره الشيخان من اعتبار القتل بين يدي النبيّ أو الإمام زيادة لم تُعلم من النصّ. (8)

و أمّا المقتول دون ماله و أهله في حرب قُطّاع الطريق فليس بشهيد بالنسبة إلى الأحكام

____________

(1) الذكرى 1: 377.

(2) تذكرة الفقهاء 2: 22، المسألة 175.

(3) انظر: نهاية الإحكام 2: 237236.

(4) منهم: المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 365.

(5) الكافي 3: 212/ 5؛ التهذيب 1: 332/ 973.

(6) الذكرى 1: 321.

(7) المعتبر 1: 311.

(8) المعتبر 1: 311؛ و انظر: المقنعة: 84؛ و النهاية: 40؛ و المبسوط 1: 181.

300

إجماعاً و إن ساوى في الفضيلة؛ إذ لا يُعدّ ذلك جهاداً و محاماةً عن الدين. و إطلاق الشهادة في الأخبار (1) عليه و على المطعون و المبطون و الغريق و المهدوم عليه و النفساء لا للمشاركة للشهيد في الأحكام، بل للمساواة أو المقاربة له في الفضيلة.

و قوله في التعريف

و هو من حزبهما

يخرج به المسلم الباغي المقتول في المعركة كذلك، فلو لا القيد، لدخل في التعريف.

و قوله: «بسببه» أي بسبب القتال، يخرج به ما لو مات حتف أنفه.

و شمل التعريفُ الصغيرَ و الكبير و الرجل و المرأة و الحُرّ و العبد، و المقتول بالحديد و الخشب و الصدم و اللطم، و المقتول بسلاح نفسه و غيره حتى الموجود في المعركة ميّتاً و عليه أثر القتل.

أمّا لو خلا عنه، فحَكَم المصنّف (2) و جماعة (3) بكونه شهيداً أيضاً، عملًا بالظاهر، و لأنّ القتل لا يستلزم ظهور الأثر.

و قيل (4) ليس بشهيد؛ للشكّ في الشرط، و أصالة وجوب الغسل.

و حُكمُ الشهيد المذكور أن (يصلّى عليه من غير غسل و لا كفن، بل يُدفن بثيابه) للإجماع نَقَله المصنّف في النهاية (5)

و لفعل النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) ذلك بشهداء أُحد و قال

زمّلوهم بدمائهم فإنّهم يُحشرون يوم القيامة و أوداجهم تشخب دماً، اللون لون الدم و الريح ريح المسك.

(6)

و لا فرق في سقوط تغسيله بين الجنب و ذات الدم و غيرهما على الأقوى؛ للعموم، خلافاً للمرتضى حيث أوجب تغسيل الجنب (7)؛ لإخبار النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بغسل الملائكة حنظلة بن الراهب (8)؛ لمكان خروجه جنباً.

____________

(1) دعائم الإسلام 1: 225- 226.

(2) تحرير الأحكام 1: 17؛ تذكرة الفقهاء 1: 375- 376.

(3) منهم: الشيخ الطوسي في المبسوط 1: 182؛ و المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 312.

(4) القائل هو ابن الجنيد كما في المعتبر 1: 312.

(5) نهاية الإحكام 2: 235.

(6) كما في نهاية الإحكام 2: 235؛ و في سنن النسائي 4: 78؛ و سنن البيهقي 4: 17 و 18/ 6800 و 6802؛ و مسند أحمد 6: 601600/ 23145- 23147 بتفاوت.

(7) حكاه عنه المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 310.

(8) الفقيه 1: 97/ 448؛ سنن البيهقي 4: 22- 23/ 6814 و 6815؛ المستدرك للحاكم 3: 204.

301

و أُجيب (1) بعدم استلزامه تكليفنا بذلك، فلعلّه تكليف الملائكة.

و يعارَض بخبر زرارة عن الباقر (عليه السلام) في الميّت جنباً

يغسّل غسلًا واحداً يجزي للجنابة و لغسل الميّت.

(2)

و عدم تكفينه مشروط ببقاء ثيابه أو شيء منها، فلو جُرّد منها، كُفّن، كما فَعَل النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بحمزة لمّا جُرّد، فإنّه كفّنه و صلّى عليه بسبعين تكبيرة. (3)

و لا فرق في دفنه بثيابه بين إصابة الدم لها و عدمها حتى السراويل؛ لأنّها من الثياب.

و ينزع عنه الفرو و الجلود كالخفّين؛ لعدم صدق اسم الثياب عليها، فلا تدخل في النصّ المتقدّم، فيكون دفنها معه تضييعاً، و قد روي أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أمر في قَتلى أُحد أن تنزع عنهم الجلود و الحديد. (4)

و دعوى إطلاق اسم الثوب على الجلد مندفعة: بأنّ المعهود عرفاً هو المنسوج، فينصرف الإطلاق إليه.

و لا فرق في نزعها عنه بين إصابة الدم لها و عدمها إلا على رواية (5) ضعيفة برجال الزيديّة تضمّنت دفنها معه إن أصابها الدم.

و دفن الثياب معه واجب، فلا تخيير بينها و بين تكفينه بغيرها عندنا.

[القول في الدفن]

(و صدر الميّت كالميّت في جميع أحكامه) فيجب تغسيله و تغسيل الجزء الذي فيه الصدر و تكفينه و الصلاة عليه.

و في وجوب تحنيطه نظر: من الحكم بكونه كالميّت، و من فَقْد مواضع الحنوط، الواجبة. و إطلاق المصنّف هنا جريان الأحكام يقتضي الجزم بالحنوط، فإن قلنا به، أجزأ وضع مسمّى الكافور عليه.

و يمكن جريان الإشكال في تكفينه بالقِطَع الثلاثة؛ لعدم وجوب ستر المئزر للصدر.

لكن يزول بجوازه أو استحبابه، و بأنّ بعض الأصحاب يرى جواز كون الثلاثة لفائف

____________

(1) المجيب هو الشهيد في الذكرى 1: 322.

(2) التهذيب 1: 432/ 1384؛ الإستبصار 1: 194/ 680؛ و في الكافي 3: 154/ 1 مضمراً.

(3) الكافي 3: 210 211/ 1 و 2؛ التهذيب 1: 331/ 969 و 970.

(4) سنن ابن ماجة 1: 485/ 1515؛ سنن أبي داوُد 3: 195/ 3134؛ سنن البيهقي 4: 22/ 6812؛ مسند أحمد 1: 409/ 2218.

(5) الكافي 3: 211- 212/ 4؛ التهذيب 1: 332/ 972.

302

تستر جميع البدن.

و لا يقال: لو كان جواز ستر الصدر بالمئزر كافٍ في وجوب تكفين الصدر بالثلاثة، لزم مثله في الحنوط؛ لاستحباب تحنيط الصدر فضلًا عن جوازه خاصّة.

لأنّا نجيب بالفرق بين الفردين؛ فإنّه في المئزر محكوم عليه بالوجوب، سواء زاد أم نقص، غايته أنّه فرد كامل للواجب، بخلاف تحنيط الصدر؛ فإنّ وجوبه منتفٍ قطعاً.

و يمكن أن يقال في عدم وجوب التحنيط: إنّ الحكم بكون الصدر أو ما فيه الصدر بحكم الميّت من كلام الأصحاب، و الموجود في النصوص إنّما هو وجوب الصلاة و الأغسال و التكفين، بل في مرفوعة البزنطي في الميّت إذا قطع أعضاءً

يصلّى على العضو الذي فيه القلب

(1)

و أُلحق بها الغسل لزوماً، فيبقى وجوب التحنيط يحتاج إلى دليل، مع خلوّ الجزء الموجود من موضعه.

و من ثَمَّ قال الشهيد (رحمه اللّه) في بعض تحقيقاته على استشكال المصنّف في التحنيط: إن كانت محالّ الحنوط موجودةً، فلا إشكال في الوجوب، و إن لم تكن موجودةً، فلا إشكال في العدم. (2) و هو متّجه.

و القلب كالصدر؛ لظاهر الرواية المتقدّمة. (3)

و مثلها رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) في الرجل يأكله السبع فتبقى عظامه بغير لحم، قال

يغسّل و يكفّن و يصلّى عليه و يدفن، فإذا كان الميّت نصفين صلّي على النصف الذي فيه القلب.

(4)

و لأنّ الصلاة بُنيت لحرمة النفس، و القلب محلّ العلم و موضع الاعتقاد الموصل إلى النجاة، فله مزيّة على غيره من الأعضاء.

و في حكمهما عظام الميّت جميعها؛ لرواية علي بن جعفر، المتقدّمة. (5)

و أمّا أبعاضهما فألحقها في الذكرى بهما أخذاً بأنّها من جملةٍ يجب غسلها منفردة. (6)

____________

(1) المعتبر 1: 317 نقلًا عن البزنطي في جامعه.

(2) كما في جامع المقاصد 1: 358؛ و حكاه العاملي أيضاً في مفتاح الكرامة 1: 413 عن حواشي الشهيد.

(3) و هي مرفوعة البزنطي.

(4) الكافي 3: 212/ 1؛ التهذيب 1: 336/ 983.

(5) آنفاً.

(6) الذكرى 1: 319.

303

و في الحكم و السند منع ظاهر.

و لا يلحق بهما الرأس؛ لعدم النصّ.

(و) القطعة من الإنسان (ذات العظم) غير ما ذُكر (و السقط لأربعة أشهر كذلك) يجب تغسيلهما بالغسل المعهود، و تكفينهما بالقِطَع الثلاث على الظاهر.

و يمكن اعتبار القطعة حال الاتّصال، فإن كانت القِطَع الثلاث تنالها حينئذٍ، وجبت، و لو نالها منها اثنتان، كفتا، و لو لم ينلها إلا واحدة، كفت.

و الأوّل أولى؛ للإطلاق، و لإمكان إجزاء الثلاثة ساترة للميّت حال الاتّصال.

و ينسحب في تحنيطها الإشكال المتقدّم.

(إلا في الصلاة) فإنّها لا تشرع إلا على المولود حيّاً، كما سيأتي.

أمّا القطعة ذات العظم من الميّت فذكرها الشيخان، (1) و احتجّ عليها في الخلاف بإجماعنا. (2)

و لم نقف لها على نصّ بالخصوص، و لكن نَقل الإجماع من الشيخ كافٍ في ثبوت الحكم، بل ربما كان أقوى من النصّ.

قال في الذكرى: و يلوح ذلك من حديث علي بن جعفر، المتقدّم؛ لصدق العظام على التامّة و الناقصة. (3)

و يشكل ذلك بأنّ الخبر تضمّن وجوب الصلاة عليها، و لا صلاة عندنا على الأبعاض غير ما ذكر؛ و بأنّ المذكور في الرواية في الرجل يأكله السبع و تبقى عظامه بغير لحم، و قد تقرّر في الأُصول أنّ الجمع المضاف يفيد العموم، فلذلك قلنا: إنّ حكم عظام الميّت جميعها حكمه؛ للرواية.

و إطلاق المصنّف

القطعة ذات العظم

يشمل المبانة من الحيّ و الميّت، و قد صرّح باتّحاد حكمهما فيما بعدُ، و استقربه في الذكرى. (4)

و قطع في المعتبر بدفن المبانة من الحيّ بغير غسل و إن كان فيها عظم؛ محتجّاً بأنّها من

____________

(1) المقنعة: 85، النهاية: 40؛ المبسوط 1: 182.

(2) الخلاف 1: 716715، المسألة 527.

(3) الذكرى 1: 317.

(4) الذكرى 1: 317.

304

جملةٍ لا يغسّل و لا يصلّى عليها. (1)

و أجاب في الذكرى: بأنّ الجملة لم يحصل فيها الموت، بخلاف المبانة من الميّت. (2)

و مختار المعتبر أوجَه؛ لعدم النصّ المقتضي للإلحاق، فيبقى التمسّك بأصالة البراءة. و خروج المبانة من الميّت إنّما ثبت بالإجماع المذكور، و إلا لكان الأصل عدم ثبوت أحكام الجملة للإجزاء.

نعم، به رواية (3) مرسلة سيأتي ذكرها لو تمّ الاحتجاج بها، لم يثبت الحكم للمبانة من الحيّ كالميّت.

و أمّا السقط إذا استكمل أربعة أشهر: فمستنده ما رواه الأصحاب عن أحمد بن محمّد عمّن ذكره، قال

إذا تمّ للسقط أربعة أشهر غسّل.

(4)

و ما رواه زرعة عن سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن السقط إذا استوت خلقته يجب عليه الغسل و اللحد و الكفن؟ قال

نعم، كلّ ذلك يجب عليه إذا استوى.

(5)

و قَطعُ الاولى و ضعف سماعة في سند الثانية مغتفر بقبول الأصحاب مع عدم المعارض.

و يجب بمسّه الغسل. و أمّا الصلاة فمنتفية بالإجماع نَقَله في المعتبر. (6)

(و) القطعة (الخالية) من عظم (تُلفّ في خرقة و تدفن) من غير غسل (و كذا السقط لأقلّ من أربعة) أشهر لا يجب تغسيله بل يُلفّ في خرقة و يدفن وجوباً؛ لأنّ المعنى الموجب للغسل هو الموت، و هو مفقود هنا.

و لرواية محمّد بن الفضيل، (7) قال: كتبت إلى أبي جعفر (عليه السلام) أسأله عن السقط كيف يصنع به؟ قال

السقط يدفن بدمه في موضعه.

(8)

و ليس في الخبر ذكر الخرقة، بل ظاهره أنه يدفن مجرّداً، لكن ما اختاره المتأخّرون

____________

(1) المعتبر 1: 319.

(2) الذكرى 1: 317.

(3) و هي رواية أيّوب بن نوح، التي تأتي في ص 310.

(4) التهذيب 1: 328/ 960.

(5) التهذيب 1: 329/ 962.

(6) المعتبر 1: 319.

(7) في «ق، م» و الطبعة الحجريّة: «الفضل». و ما أثبتناه من المصدر.

(8) الكافي 3: 208/ 6؛ التهذيب 1: 329/ 961.

305

أولى، بل يظهر من المصنّف (1) دعوى الإجماع عليه.

(و يؤمر مَنْ وجب قتله بالاغتسال أوّلًا) غسل الأموات بالخليطين، و كذا بالتحنيط و التكفين (ثمّ لا يغسّل) بعد موته بذلك السبب الذي اغتسل له.

و وجوب القتل في العبارة أعمّ من أن يكون في حدّ أو قصاص، و النصّ عن الصادق (عليه السلام) في خبر مسمع ورد في المرجوم و المرجومة أنّهما

يغتسلان و يتحنّطان و يلبسان الكفن قبل ذلك، و المقتصّ منه بمنزلة ذلك

(2)

فألحقه الأصحاب به.

و الآمر له هو الإمام أو نائبه.

قال في الذكرى: و لا نعلم في ذلك مخالفاً من الأصحاب. (3)

فلا يضرّ حينئذٍ ضعف طريق الرواية إلى مسمع.

و إنّما وجب عليه تكرار الاغتسال مع أنّه حيّ؛ لأنّ المأمور به غسل الأموات، غايته أنّه مقدّم بدليل التحنيط و التكفين بعده، مع احتمال الاكتفاء بغسلٍ واحد؛ لما ذكر، و لأنّ الأمر لا يقتضي التكرار. و إنّما لم يغسّل بعد ذلك؛ للامتثال.

و لا يقدح في الاجتزاء به الحدث، تخلّل أو تأخّر؛ للامتثال.

و احتمل في الذكرى (4) إلحاقه بغسل الجنابة في الحدث المتخلّل.

و لا يدخل تحته شيء من الأغسال الواجبة، بل يتعيّن فعل ما وجب منها.

أمّا عدم دخولها تحته: فلعدم نيّة الرفع أو الاستباحة فيه.

و أمّا عدم دخوله تحتها: فللمغايرة كيفيّةً و حكماً.

و تردّد في الذكرى (5)؛ لظاهر الأخبار الدالّة على الاجتزاء بغسلٍ واحد، كخبر زرارة عن الباقر (عليه السلام) في الميّت جنباً

يغسّل غسلًا واحداً يجزي للجنابة و لغسل الميّت، لأنّهما

(6)

حرمتان اجتمعتا في حرمة واحدة.

(7)

____________

(1) نهاية الإحكام 2: 234.

(2) الكافي 3: 214/ 1؛ التهذيب 1: 334/ 978.

(3) الذكرى 1: 329.

(4) الذكرى 1: 329.

(5) الذكرى 1: 329.

(6) ورد في «ق، م» و الطبعة الحجريّة: «و لأنّهما». و ما أثبتناه من المصدر، فإذن يلاحظ ما في جواب المؤلّف (قدّس سرّه) عن الشهيد (قدّس سرّه).

(7) الكافي 3: 154/ 1 و فيه مضمراً؛ التهذيب 1: 432/ 1384؛ الاستبصار 1: 194/ 680.

306

و الخبر ليس ممّا نحن فيه في شيء، و يمنع اجتماع الحرمتين؛ لأصالة عدم تداخل المسبّبات مع اختلاف الأسباب، و تداخلها في بعض الموارد لنصّ خاصّ.

و في تحتّمه عليه أو التخيير بينه و بين غسله بعد الموت؛ لقيامه مقامه نظر.

هذا بالنسبة إلى الآمر، أمّا المأمور فيجب عليه امتثال الأمر إن وجد.

و لو سبق موته قتله أو قُتل بسبب آخر، لم يسقط الغسل، سواء بقي الأوّل كالقصاص مع ثبوت الرجم، أم لا كما لو عفي عن القود؛ لوجوب تجديده حينئذٍ، و أصالة عدم إجزاء الغسل للسبب الآخر. و لا يجب الغسل بعد موته؛ لقيام الغسل المتقدّم مقام الغسل المتأخّر عن الموت؛ لاعتبار ما يعتبر فيه.

و لا يرد لزوم سبق التطهير على النجاسة؛ لأنّ المعتبر أمر الشرع بالغسل و حكمه بالطهر (1) بعده و قد وجد الأمران، و ليست نجاسة الميّت بسبب الموت عينيّةً محضة، و إلا لم يطهر، فعُلم من ذلك أنّ تقديم الغسل يمنع من الحكم بنجاسته بعد الموت؛ لسقوط غسله بعده، و ما ذلك إلا لعدم النجاسة.

[الخامس في غسل مس الميت]

و لمّا فرغ من أحكام الأسباب الخمسة للغسل شرع في حكم السبب السادس، و هو المسّ، و أدرجه في غسل الأموات؛ لقلّة أحكامه، و لأنّ غسل المسّ من لوازم تغسيل الميّت غالباً، فبيان أحكامه كالمتمّم لأحكام غسل الأموات، فقال:

(و مَنْ مسّ ميّتاً من الناس بعد برده بالموت و قبل تطهيره بالغسل، أو مسّ قطعة ذات عظم أُبينت منه) أي من الميّت (أو) أُبينت (من) إنسان (حيّ وجب عليه) أي على اللامس لواحدٍ ممّا ذُكر (الغسل) على أشهر القولين.

و احترز بالبرد عمّا لو مسّه في حال حرارته الباقية عقيب خروج روحه، فإنّه لا غسل إجماعاً.

و هل يجب عليه غَسل ما مسّه به؟ قيل (2) لا؛ لعدم القطع بنجاسته حينئذٍ، و أصالة البراءة، و لأنّ نجاسته و وجوب الغسل متلازمان؛ إذ الغسل لمسّ النجس. و هو اختيار الشهيد (3) (رحمه اللّه).

____________

(1) في «م»: «بالتطهير».

(2) القائل هو ابن أبي عقيل كما في الذكرى 2: 99.

(3) الدروس 1: 117؛ الذكرى 2: 99.