روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان - ج1

- الشهيد الثاني المزيد...
463 /
307

و اختار المصنّف الوجوب؛ للحكم بأنّ الميّت نجس. (1)

و أجاب في الذكرى: بأنّا إنّما نقطع بالموت بعد البرد. (2)

و فيه نظر؛ لمنع عدم القطع قبله، و إلا لما جاز دفنه قبل البرد، و لم يقل به أحد خصوصاً صاحب الطاعون، و قد أطلقوا القول باستحباب التعجيل مع ظهور علامات الموت، و هي لا تتوقّف على البرد؛ مع أنّ الموت لو توقّف القطع به على البرد، لما كان لقيد البرد فائدة بعد ذكر الموت.

و نمنع التلازم بين نجاسته و وجوب الغسل (3) لأنّ النجاسة علّقها الشارع على الموت و الغسل على البرد، و كلّ حديث دلّ على التفصيل بالبرد و عدمه دلّ على صدق الموت قبل البرد، كخبر معاوية بن عمّار عن الصادق (عليه السلام)

إذا مسّه و هو سخن فلا غسل عليه، فإذا برد فعليه الغسل

(4)

فإنّ ضمير «مسّه» يعود على الميّت.

و عن عبد اللّه بن سنان عنه (عليه السلام)

يغتسل الذي غسّل الميّت، و إن غسّل؛ الميّت إنسان بعد موته و هو حارّ فليس عليه غسل، و لكن إذا مسّه و قبّله و قد برد فعليه الغسل، و لا بأس أن يمسّه بعد

(5)

الغسل و يقبّله.

(6)

و هذا الحديث كما يدلّ على صدق الموت قبل البرد، كذلك يدلّ على جواز تغسيله قبله أيضاً، و كذلك يدلّ على وجوب غسل المسّ، و هو مع ما قبله حجّة على المرتضى القائل بعدم وجوب غسل المسّ، (7) و كذا غيرهما من الأحاديث الصحيحة.

و ممّا يدلّ على وجوب الغسل بمسّه قبل البرد: ما رواه الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يصيب ثوبه جسد الميّت، قال

يغسل ما أصاب الثوب.

(8)

و ما رواه إبراهيم بن ميمون قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يقع ثوبه على جسد

____________

(1) تذكرة الفقهاء 2: 135 ذيل الفرع «ب».

(2) الذكرى 2: 100.

(3) التهذيب 1: 429/ 1367.

(4) كذا، و في المصادر: «قبّل» بدل «غسّل».

(5) في «ق، م» و الطبعة الحجريّة: «قبل» بدل «بعد» و ما أثبتناه من المصادر.

(6) الكافي 3: 160- 161/ 3؛ التهذيب 1: 108/ 284؛ الاستبصار 1: 99/ 322.

(7) حكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف 1: 222، المسألة 193؛ و المحقّق في المعتبر 1: 351 و 352.

(8) الكافي 3: 161/ 4؛ التهذيب 1: 276/ 812؛ الاستبصار 1: 192/ 671.

308

الميّت. قال

إن كان غُسّل فلا تغسل ما أصاب ثوبك منه، و إن كان لم يغسّل الميّت فاغسل ما أصاب ثوبك.

(1)

و هذان الخبران دلله على نجاسة الميّت مطلقاً من غير تقييد بالبرد، فمدّعي التقييد يحتاج إلى دليل عليه. و دلا أيضاً على أنّ نجاسة الميّت تتعدّى مع رطوبته و يبوسته؛ للحكم بها من غير استفصال، و قد تقرّر في الأُصول أنّ ترك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال يدلّ على العموم في المقال، و إلا لزم الإغراء بالجهل.

و يندرج في قبليّة التطهير بالغسل المُيمّمُ و لو عن بعض الغسلات، و مَنْ فُقد في غسله الخليطان أو أحدهما؛ فإنّ الأصحّ وجوب الغسل بمسّ كلّ واحد منهم و مُغَسّل الكافر و مَنْ تعذّر تغسيله، لكن يندرج في العبارة الشهيدُ، فإنّه لم يطهر بالغسل، بل هو طاهر في نفسه، و لا يجب بمسّه غسل، فكان عليه أن ينبّه على حكمه.

و ظاهر العبارة أنّ وجوب الغسل بالمسّ مغيّا بكمال الغسل؛ لعدم صدق اسمه عليه قبل إكماله، فيجب الغسل بمسّ عضو كمل غسله قبل كمال غسل الجميع، و لصدق اسم الميّت الذي لم يغسّل عليه قبل كماله.

و رجّح المصنّف (2) في غير هذا الكتاب و الشهيد (3) و جماعة (4) عدم وجوب الغسل بمسّ عضو كمل غسله؛ لأنّ الظاهر أنّ وجوب الغسل تابع لمسّه نجساً؛ للدوران، و قد حكم بطهارة العضو المفروض، و نجاسة الميّت و إن لم تكن عينيّةً محضة إلا أنّها عينيّة ببعض الوجوه، فإنّها تتعدّى مع الرطوبة. و أيضاً فقد صدق كمال الغسل بالإضافة إلى ذلك العضو. و لأصالة البراءة من وجوب الغسل.

و فيه نظر؛ لأنّ الحكم لا يتمّ إلا مع جَعل نجاسته عينيّةً محضة، أمّا الحكميّة فلا دليل على تبعّضها، بل الأصل كون هذا الغسل كغسل الأحداث، فيكون مجموع الغسل هو السبب التامّ في رفع النجاسة الحكميّة، و لهذا وجبت النيّة في غسله.

نعم، لو جعلناها عينيّةً محضة كما هب إليه المحقّق (5) فلا إشكال في عدم الوجوب.

____________

(1) الكافي 3: 61/ 5؛ التهذيب 1: 276/ 811.

(2) قواعد الأحكام 1: 22.

(3) البيان: 82؛ الذكرى 2: 100.

(4) انظر جامع المقاصد 1: 463.

(5) المعتبر 1: 349.

309

و نمنع كون الغسل تابعاً لمسّه نجساً، بل لمسّه بعد البرد، بل ذلك عين المتنازع.

و علّيّة الدوران ممنوعة، و ينتقض على مذهب الشهيد بمسّ العظم المجرّد، فإنّه يوجب به الغسل، (1) مع أنّه قد يكون طاهراً، بل قد تطهّر قبل مسّه، فإنّه قابل للطهارة من الخبث، و لا يتعلّق به الحدث منفصلًا؛ لأنّه جزء لا تحلّه الحياة، و قد أجمع الأصحاب على طهارة ما لا تحلّه الحياة من غير نجس العين، و منه العظم، فإيجابه الغسل بمسّه ينقض دوران وجوب الغسل مع نجاسة الممسوس.

و أمّا قوله

و قد حكم بطهارة الجزء المفروض

إلى آخره، فجوابه: أنّ الغسل المجعول غاية لنجاسة الميّت هو غسل الميّت لا عضو من أعضائه قطعاً. و أصالة البراءة قد انتفت بالأدلّة.

نعم، يبقى هنا إشكال، و هو: أنّ مقتضى القواعد الفقهيّة أنّ طهارة المحلّ من الخبث تحصل بانفصال الغسالة عن المغسول، و لا تتوقّف بعدها على تطهير جزء آخر، فعلى هذا إذا كمل غسل عضو، وجب الحكم بطهارته من الخبث بحيث لا يجب غسل اللامس له بعد ذلك الغسل الخبثي؛ إذ لو توقّف طهارة ذلك العضو من الخبث على طهارة المجموع، لزم مخالفة القاعدة السالفة، و حينئذٍ يبعد الحكم بوجوب الغسل بمسّه دون غسل العضو اللامس؛ إذ لم يعهد انفكاك الغُسل عن الغَسل إلا على مذهب الشهيد من وجوب الغُسل بمسّ العظم المجرّد، (2) مع أنّه قد يكون طاهراً من الخبث؛ لأنّه ممّا لا تحلّه الحياة.

و يندفع: بأنّ الاستبعاد مع قيام الدليل غير مسموع، كيف! و قد وقع مثله على مذهب الشهيد (رحمه اللّه)، و لزم من ذلك أنّ بين نجاسة المحلّ اللامس و وجوب الغسل بالمسّ عموماً و خصوصاً من وجه، يجتمعان في مسّ الميّت بعد البرد و قبل التطهير، و تنفرد نجاسة العضو اللامس [عن الغسل] بالمسّ قبل البرد على ما مرّ، و ينفرد الغسل عن نجاسة اللامس بمسّ العظم المجرّد مع عدم الرطوبة أو مع إزالة الخبث عنه، و في العضو الممسوس بعد كمال غسله و قبل كمال غسل الميّت.

و بالجملة، فالمسألة من المشكلات، و للتوقّف في حكمها وجه، و ما ذكره الجماعة متّجه، غير أنّ الأدلّة النقليّة الخاصّة لا تساعد عليه. و اللّه أعلم.

____________

(1) الدروس 1: 117؛ الذكرى 2: 100.

(2) الدروس 1: 117؛ الذكرى 2: 100.

310

و أمّا مسّ القطعة ذات العظم: فقد تقدّم الكلام فيها، و أنّ الشيخ ادّعى الإجماع على وجوب الغسل بمسّها إذا أُبينت من ميّت، (1) و به مع ذلك رواية مرسلة رواها أيّوب بن نوح عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال

إذا قطع من الرجل قطعة فهي ميتة، فإذا مسّه إنسان فكلّ ما كان فيه عظم فقد وجب على مَنْ مسّه الغُسلُ، و إن لم يكن فيه عظم فلا غسل عليه.

(2)

و هذه الرواية قد تدلّ بإطلاقها على حكم المبانة من الحيّ و الميّت و إن كان الأصحاب قد ذكروها في الميّت خاصّة. و ردّها المحقّق (3) بالإرسال.

و يمكن أن يقال: إنّ هذه القطعة من شأنها الحياة، فإذا قُطعت، صدق اسم الميّت عليها؛ لأنّ الموت عدم الحياة عمّا من شأنه أن يكون حيّاً، فكلّ ما دلّ على حكم الميّت دلّ عليها، فإن تمّ ذلك، ثبت الحكم في القطعتين من غير فرق، و لا ريب أنّ وجوب الغسل بمسّهما أولى و أحرى، خصوصاً مع حكم أجِلة الأصحاب بالتسوية بينهما في الوجوب، كالمصنّف (4) في سائر كتبه، و الشهيد (5) و غيرهما، (6) و دعوى الشيخ (7) الإجماع، مع أنّ المنقول بخبر الواحد حجّة عند المحقّقين، فلا عبرة بقدح المحقّق (8) فيه، و ضعف الخبر قد ينجبر بالشهرة و قبول الأصحاب.

و هل العظم المجرّد من اللّحم بحكم ذات العظم سواء اتّصل أم انفصل؟ قيل (9) نعم؛ لدوران الغسل معه وجوداً و عدماً، و هو اختيار الشهيد (10) (رحمه اللّه).

و يضعّف: بمنع علّيّة الدوران، و بجواز كون العلّة هي المجموع المركّب منه و من اللحم، و لأنّ العظم طاهر في نفسه؛ إذ لا تحلّه الحياة، فلا يفيد غيره نجاسةً، و لو فرضت نجاسته،

____________

(1) الخلاف 1: 701، المسألة 490.

(2) التهذيب 1: 429- 430/ 1369؛ الاستبصار 1: 100/ 325.

(3) المعتبر 1: 325.

(4) تحرير الأحكام 1: 21؛ مختلف الشيعة 1: 151، المسألة 101؛ منتهى المطلب 2: 458؛ نهاية الإحكام 1: 173.

(5) البيان: 82؛ الذكرى 2: 96.

(6) كالمحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 459.

(7) الخلاف 1: 701، المسألة 490.

(8) المعتبر 1: 352.

(9) انظر: جامع المقاصد 1: 464.

(10) الذكرى 2: 100؛ الدروس 1: 117.

311

فهي عرضيّة خبثيّة تزول بتطهيره، كباقي المنجّسات بالخبث.

نعم، هو على تقدير اتّصاله تابع للميّت، كما يتبعه شعره و ظفره، أمّا حال الانفصال فلا، فإلحاقه حينئذٍ بباقي الأجزاء التي لا تحلّها الحياة أوجَه و إن كان القول بوجوب الغسل بمسّه أحوط.

و هذا في غير السنّ و الضرس، أمّا فيهما فالقول بالوجوب (أشدّ ضعفاً (1)؛) لأنّهما في حكم الشعر و الظفر.

هذا مع الانفصال، أمّا مع الاتّصال فيمكن المساواة و الوجوب؛ لأنّه جزء من جملة يجب الغسل بمسّها. (2)

كلّ ذلك مع عدم طهارته بالغسل، أمّا معه و لو بالقرينة كالموجود في مقبرة المسلمين فلا غسل بمسّه، بخلاف الموجود في مقبرة الكفّار. و لو تناوب عليها الفريقان، تعارض أصالة عدم الغسل و الشكّ في الحدث.

و رجّح الشهيد سقوط الغسل، (3) و فيه نظر.

و لو جهلت، تبعت الدار.

و اعلم أنّ كلّ ما حكم في مسّه بوجوب الغسل مشروط بمسّ ما تحلّه الحياة من اللامس لما تحلّه الحياة من الملموس، فلو انتفى أحد الأمرين، لم يجب الغسل، فإن كان تخلّف الحكم لانتفاء الأوّل خاصّة، وجب غسل اللامس خاصّة، و إن كان لانتفاء الثاني خاصّة، فلا غسل، و لا غسل مع اليبوسة، و كذا إن كان لانتفاء الأمرين معاً.

هذا كلّه في غير العظم المجرّد كالشعر و الظفر و نحوهما، أمّا العظم فقد تقدّم الإشكال فيه، و هو في السنّ أقوى.

و يمكن جريان الإشكال في الظفر أيضاً؛ لمساواته العظمَ في ذلك.

و لا فرق في الإشكال بين كون العظم و الظفر من اللامس أو الملموس.

(و لو خلت) القطعة المبانة من حيّ أو ميّت (من عظم، أو كان الميّت) الممسوس (من غير

____________

(1) بدل ما بين القوسين في «ق، م»: «أضعف».

(2) في الطبعة الحجريّة: «يجب بمسّها الغسل».

(3) الدروس 1: 117.

312

الناس) ممّا له نفس سائلة (غسل) اللامس (يده) بل العضو اللامس (خاصّة).

أمّا عدم الغُسل: ففي الأخبار السابقة ما يدلّ عليه.

و أمّا وجوب غَسل اليد في القطعة الخالية من العظم: فظاهر مع الرطوبة؛ لنجاسة ميّت الآدميّ، و تنجّس الملاقي لها برطوبة.

و أمّا مع عدمها: فلأنّ نجاسة الميّت عند المصنّف (1) حكميّة بالنسبة إلى تنجيس الملاقي لها مطلقاً.

و يدلّ عليه أيضاً ما تقدّم (2) من خبر الحلبي و إبراهيم بن ميمون عن الصادق؛ (عليه السلام) حيث دلله على نجاسة الثوب الملاقي لبدن الميّت من غير تقييد بالرطوبة و عدمها.

و أمّا حكم الميّت من غير الناس ممّا له نفس فإنّ نجاسته تتعدّى مع الرطوبة قطعاً؛ لما مرّ. أمّا مع عدمها: فكذلك عند المصنّف، (3) و من ثَمَّ أطلق الحكم هنا؛ لإطلاق قول الصادق (عليه السلام)

و لكن يغسل يده.

(4)

و يحتمل العدم كباقي النجاسات، و هو اختيار الشهيد (5) (رحمه اللّه).

و في حكم هذين الأمرين مسّ الميّت قبل البرد، فإنّه يوجب غَسل ما مسّه به خاصّة عند المصنّف (6) مطلقاً، و قد تقدّم تحقيقه.

و اعلم أنّ الذي استفيد من الأخبار و اختاره جماعة (7) من الأصحاب: أنّ نجاسة الميّت عينيّة من وجه و حكميّة من آخر.

أمّا الأوّل: فلحكمهم بتعدّيها إلى غيرها، كما دلّ عليه إطلاق الأخبار، كخبر الحلبي و إبراهيم بن ميمون، (8) و الحكميّة الحدثيّة ليست كذلك.

و أمّا كونها حكميّةً من وجه: فلزوالها بالغسل، و افتقاره إلى النيّة كالجنابة و غيرها.

____________

(1) قواعد الأحكام 1: 22؛ نهاية الإحكام 2: 223؛ تذكرة الفقهاء 1: 350، المسألة 122.

(2) في ص 307 و 308.

(3) نهاية الإحكام 1: 173.

(4) الكافي 3: 6160/ 4؛ التهذيب 1: 262/ 763؛ و 277/ 816.

(5) البيان: 82؛ الذكرى 1: 133.

(6) قواعد الأحكام 1: 22.

(7) منهم المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 462.

(8) تقدّمت الإشارة إلى مصادرهما في ص 307، الهامش (8) و 308، الهامش (1).

313

و أمّا حكم المنتقلة منها إلى اللامس فإن كان مع الرطوبة، فهي عينيّة محضة، فلو لمس اللامس له برطوبة آخر برطوبة، نجس أيضاً، و هلمّ جرّاً.

و خلاف ابن إدريس (1) في ذلك ضعيف.

و إن كان مع اليبوسة فقيل: هي حكميّة محضة، أي محكوم بوجوب تطهير اللامس، و لا تتعدّى النجاسة إلى غيره، فلو مسّه بغير رطوبة ثمّ مسّ رطباً، لم ينجس الثاني. و هو اختيار المصنّف في القواعد. (2)

و فيه نظر؛ لإطلاق النصوص المتقدّمة بوجوب غَسل الملاقي لبدن الميّت، و ما ذاك إلا لنجاسته، و من حكم النجس تنجيسه لغيره مع ملاقاته له برطوبة، فالظاهر حينئذٍ كون نجاسة اللامس له مطلقاً عينيّةً محضة، فينجس الملاقي لها مع الرطوبة، و يعتبر في إزالتها ما يعتبر في إزالة العينيّة.

____________

(1) السرائر 1: 163.

(2) قواعد الأحكام 1: 22.

314

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

315

[النظر الرابع في أسباب التيمّم و كيفيّته]

[القول في موارد التيمم]

(النظر الرابع: في أسباب التيمّم) المسوّغة له (و كيفيّته) و هي بيان أفعاله على وجه التفصيل.

و قوله (يجب التيمّم لما تجب له الطهارتان) ليس من الأسباب و لا الكيفيّة، و إنّما ذكره استطراداً، و قد تقدّم الكلام عليه في أوّل الكتاب في بيان أقسام الطهارة.

و هذه العبارة أجود ممّا تقدّم هناك في قوله

و التيمّم يجب للصلاة و الطواف إلى آخره و المندوب ما عداه

لاستلزام ما تقدّم كون التيمّم للّبث في المساجد مع الاحتياج إليه و للصوم مع تعذّر الغسل و لمسّ خطّ المصحف كذلك مندوباً، بخلاف قوله هنا، بل هو كالمنافي لما تقدّم، لكن لا مشاحّة في اللفظ مع الاتّفاق على المعنى.

(و إنّما يجب) التيمّم (عند) العجز عن الماء، فمسوّغه في الأصل شيء واحد؛ للآية. (1)

لكن للعجز أسباب (فقد الماء) بأن لا يوجد مع طلبه على الوجه المعتبر، و سيأتي بيانه، أو الخوف على النفس أو المال من استعماله مع وجوده، المعبّر عنه بقوله (أو تعذّر استعماله للمرض) أي لحصول مرضٍ مانع من استعمال الماء بأن يخاف زيادته أو بُطء بُرئه أو عسر علاجه، أو لخوف حصول المرض بسبب الاستعمال و إن لم يكن موجوداً حالَ الاستعمال.

و لا فرق في ذلك بين المرض العامّ لجميع البدن و المختصّ بعضو.

و لو كان المرض يسيراً بحيث يتحمّل مثله عادةً، كالصداع و وجع الضرس، فظاهر العبارة عدم جواز التيمّم؛ لعدم التعذّر عادةً، و صرّح به في غير هذا الكتاب. (2)

____________

(1) النساء (4): 43؛ المائدة (5): 6.

(2) تذكرة الفقهاء 2: 160، الفرع «ج».

316

و في النهاية (1) علّق الجواز على مطلق المرض، و هو ظاهر اختيار الذكرى (2)؛ محتجّاً بالعسر و الحرج، و بنفي الضرر في الخبر، (3) مع أنّه لا وثوق في المرض بالوقوف على الحدّ اليسير، و لأنّ ضرر ما ذُكر أشدّ من ضرر الشّين و قد أطبقوا على جواز التيمّم لخوفه.

و في حكم المرض و خوفه العجزُ عن الحركة التي يحتاج إليها في تحصيل الماء لكِبَرٍ أو مرضٍ أو ضعف قوّة، فيباح له التيمّم إلا أن يجد معاوناً و لو بأُجرة مقدورة.

و كذا العجز بسبب ضيق الوقت بحيث لا يدرك منه بعد الطهارة قدر ركعة، فإنّه يتيمّم و إن قدر على الماء بعد الوقت، خلافاً للمحقّق (4) (رحمه اللّه).

و لو أمكن زوال الضرر بالإسخان و تمكّن منه و لو بعوض مقدور و إن كثر، لم يجز التيمّم.

و لا فرق في ذلك بين متعمّد الجنابة و غيره على الأشبه؛ لإطلاق النصوص، و نفي الضرر، خلافاً للمفيد (5) و جماعة (6) حيث ذهبوا إلى عدم جواز التيمّم حينئذٍ و إن خاف على نفسه، و للشيخ في النهاية حيث جوّزه عند خوف التلف و أوجب الإعادة (7)؛ استناداً إلى أخبار لو سُلّم دلالتها كانت معارضةً بأقوى منها و أظهر دلالةً.

(أو) تعذّر استعماله (للبرد) المؤلم في الحال ألماً شديداً لا يتحمّل مثله عادةً مع أمن العاقبة، فإنّه يسوغ له التيمّم حينئذٍ، كما صرّح به المصنّف في المنتهي و النهاية (8)؛ لعموم قوله (عليه السلام): «لا ضرر. (9)»

أمّا لو تألّم بالبرد ألماً يمكن تحمّله عادةً، لم يجز التيمّم قطعاً؛ لانتفاء الضرر، و عليه

____________

(1) نهاية الإحكام 1: 195.

(2) الذكرى 1: 186.

(3) الكافي 5: 280/ 4؛ الفقيه 3: 45/ 154؛ التهذيب 7: 147146/ 651؛ سنن ابن ماجة 2: 784/ 2341؛ سنن الدارقطني 4: 228/ 84 و 85؛ مسند أحمد 1: 515/ 2862.

(4) المعتبر 1: 366.

(5) المقنعة: 60.

(6) منهم: ابن الجنيد كما هو ظاهره. انظر: مختلف الشيعة 1: 277، المسألة 206.

(7) النهاية: 46.

(8) منتهى المطلب 3: 28؛ نهاية الإحكام 1: 195.

(9) الكافي 5: 280/ 4؛ الفقيه 3: 45/ 154؛ التهذيب 7: 146 147/ 651؛ سنن ابن ماجة 2: 784/ 2341؛ سنن الدارقطني 4: 228/ 84 و 85؛ مسند أحمد 1: 515/ 2862.

317

يُحمل الخبر باغتسال الصادق (عليه السلام) في ليلة باردة و هو شديد الوجع. (1)

و يمكن المنع من التيمّم مع البرد الذي لا تخشى عاقبته مطلقاً؛ لظاهر الخبر، و هو الظاهر من اختيار الشهيد (2) (رحمه اللّه).

و حكم الحَرّ في ذلك حكم البرد، و إنّما خصّه بالذكر؛ لأنّه الأغلب في المنع.

(و) كذا لو كان تعذّر استعماله لسبب (الشين) و هو ما يعلو البشرة من الخشونة المشوّهة للخلقة، و ربما بلغت تشقّق الجلد و خروج الدم.

و إنّما كان مانعاً؛ لأنّه نوع من الأمراض خصوصاً مع تشقّق الجلد.

و لا فرق في الشين بين شدّته و ضعفه؛ للإطلاق، و صرّح به المصنّف في النهاية، (3) و قيّده في المنتهي بكونه فاحشاً (4)؛ لقلّة ضرر ما سواه. و هو أولى.

و المرجع في ذلك كلّه إلى ما يجده من نفسه ظنّاً أو تجربةً، أو إلى إخبار عارف ثقة أو مَنْ يظنّ صدقه و إن كان فاسقاً أو صبيّاً أو امرأةً أو عبداً أو كافراً لا يتّهمه على دينه. و لا يشترط التعدّد. و لا فرق في ذلك بين الطهارتين.

و متى خشي شيئاً من ذلك، لم يجز استعمال الماء؛ لوجوب حفظ النفس، فلو خالف و استعمله، ففي الإجزاء نظر: من امتثال أمر الوضوء أو الغسل، و من عدم الإتيان بالمأمور به الآن، فيبقى في العهدة، و النهي عن استعماله في الطهارة، المقتضي للفساد في العبادة. و هو أقرب.

(أو خوف العطش) الحاصل أو المتوقّع في زمان لا يحصل فيه الماء عادةً أو بقرائن الأحوال له أو لغيره من النفوس المحترمة التي لا يهدر إتلافها إنسانيّة أم حيوانيّة، و لا اعتبار بغيرها كالمرتدّ عن فطرة و الحربيّ و الكلب العقور و الخنزير و كلّ ما يجوز قتله، سواء وجب كالزاني المحصن، أم لا كالحيّة و الهرّة الضارية.

و لا فرق في خوف العطش بين الخوف على النفس أو شيء من الأطراف، أو خوف مرض يحدث بسببه أو يزيد، أو خوف ضعف يعجز معه عن المشي حيث يحتاج إليه،

____________

(1) التهذيب 1: 198/ 575؛ الاستبصار 1: 162- 163/ 563.

(2) البيان: 85.

(3) نهاية الإحكام 1: 195.

(4) منتهى المطلب 3: 28.

318

أو مزاولة أُمور السفر التي لا يتمّ بدونها؛ لأنّ ذلك كلّه ضرر.

و لا فرق في تقديم دفع العطش على الطهارة بين أن يكون عنده ماء نجس يمكنه دفع العطش به و الطهارة بالطاهر أولا؛ لأنّ رخصة التيمّم أولى من رخصة استعمال النجس.

نعم، لو أمكن أن يتطهّر به و يجمع المتساقط من الأعضاء للشرب على وجه يكتفي به، وجب؛ جمعاً بين الحقّين.

و لو تطهّر به في موضع العطش، فالظاهر البطلان، كما لو تطهّر به مع خوف الضرر بالمرض؛ للنهي المقتضي للفساد.

و استقرب المصنّف في النهاية الإجزاء؛ لامتثال أمر الوضوء. (1)

و فيه نظر؛ لأنّ مطلقه مقيّد بالقدرة على استعمال الماء، و هو منتفٍ هنا.

(أو) خوف (اللصّ أو السبع) في طريق الماء على النفس المحترمة، أو شيء من الأطراف كذلك، أو المال المحترم له أو لغيره، فيسقط عنه السعي إليه و إن كان قريباً منه؛ لنفي الحرج، و النهي عن الإلقاء في التهلكة. و لقول الصادق (عليه السلام)

لا آمره أن يغرّر بنفسه فيعرض له لصّ أو سبع.

(2)

و الخوف من وقوع الفاحشة كذلك، سواء الذكر و الأُنثى، و كذا الخوف على العِرض و إن لم يَخَف على البُضع.

و في إلحاق الخوف على الدابّة بذلك نظر، و الظاهر الإلحاق؛ لدخوله في الفاحشة.

و الخوف مع عدم سببٍ موجب له بل بمجرّد الجبن كالخوف للسبب عند المصنّف (3) و جماعة (4)؛ لاشتراكهما في الضرر، بل ربّما أدّى الجبن إلى ذهاب العقل، الذي هو أقوى من كثير ممّا يسوغ التيمّم لأجله، أمّا الوهم الذي لا ينشأ عنه ضرر فلا.

(أو) الخوف من (ضياع المال) بسبب السعي و إن لم يكن من اللصّ أو السبع.

و يمكن أن يريد بخوف اللصّ أو السبع على النفس، و بقوله

أو ضياع المال

ذهابه بسببهما، و الأوّل أشمل.

____________

(1) نهاية الإحكام 1: 188- 189.

(2) الكافي 3: 65/ 8؛ التهذيب 1: 184/ 528.

(3) نهاية الإحكام 1: 188.

(4) منهم: الشهيد في الذكرى 1: 185.

319

و لا فرق بين المال القليل و الكثير؛ لإطلاق الأمر بإصلاحه.

(أو عدم الآلة) المحتاج إليها في تحصيل الماء، كالدلو و الرشاء حيث يحتاج إليهما.

و القادر على شدّ الثياب بعضها ببعض و التوصّل إلى الماء بها و لو بشقّ بعضها و إن نقصت أثمانها متمكّن مع عدم التضرّر بذلك.

و يتحقّق عدم الآلة و الماء بعدم وجودهما معه أو مع باذل و لو بعوض أو إعارة لها أو هبة له؛ لعدم المنّة الكثيرة في ذلك (أو) بوجودهما مع مَنْ لا يبذلهما إلا بثمن مع (عدم الثمن) في الحال أو في المآل حيث يمكن تأجيله إليه، و كذا لو وجدت الآلة بأُجرة مع عدمها كذلك.

و لا يتحقّق بوجودها هبة أو وجود ثمنها أو ثمن الماء كذلك؛ لأنّ ذلك كلّه ممّا يمتنّ به عادة، و يحصل به ضرر و غضاضة و امتهان على نفوس الأحرار.

و لا فرق في ذلك بين القليل و الكثير؛ لعدم انضباط أحوال الخلق في ذلك فاعلًا و قابلًا، فربما عدّ بعضهم القليل كثيراً و شقّ على بعضهم تحمّل القليل كالكثير، فالمرجع في ذلك إلى جنس ما يمتنّ به عادةً، كما لم يفرّق بين كثير الماء و قليله في وجوب قبوله اعتباراً بالجنس. هذا إذا كان البذل على وجه التبرّع، كالهبة و نحوها.

أمّا المنذور على وجه يدخل فيه المحتاج و يفتقر إلى القبول: فإنّ قبوله واجب، كما يجب التكسّب له؛ لوجوب تحصيل الشرط الواجب المطلق و انتفاء المنّة.

و لو كان النذر لا يحتاج إلى قبول، فوجوب أخذه أولى؛ لأنّ الملك فيه حينئذٍ قهريّ و المنّة منتفية.

و كما لا يجب قبول الهبة كذا لا يجوز مكابرة مالك الماء و الآلة عليهما؛ لانتفاء الضرورة، بخلاف الماء للعطش و الطعام في المجاعة.

(و لو وجده) أي الثمن (و خاف الضرر) على نفسه أو غيره من الأموال المحترمة كما تقدّم (بدفعه) عوضاً عن الماء أو الآلة، لم يجب دفعه في ذلك بل لم يجز؛ لأنّا سوّغنا ترك استعمال الماء لحاجته و هو غير المطهّر، فترك بدله مع الحاجة أولى، و (جاز) حينئذٍ (التيمّم) لصدق العجز عن تحصيل الماء.

فرع للمصنّف (رحمه اللّه): لو وجد ماءً موضوعاً في الفلاة في حبّ أو كوز و نحوه للسابلة، جاز له الوضوء، و لم يسغ له التيمّم؛ لأنّه واجد، إلا أن يعلم أو يظنّ وضعه

320

للشرب. و لو كان كثيراً، دلّت الكثرة على تسويغ الوضوء منه. ذكر ذلك كلّه في النهاية. (1) و للنظر في بعض قيوده مجال.

(و لو وجده) أي الماء (بثمن لا يضرّه في الحال) يمكن أن يريد به الزمان الحاضر، فلا عبرة بخوف ضرره في المآل؛ لإمكان تجدّد ما تندفع به الضرورة، و لعدم الضرر بذلك حينئذٍ.

و الأولى أن يراد به حاله، أي حال نفسه، فيجعل اللام عوضاً عن المضاف إليه؛ ليعمّ الضرر الحاضر و المتوقّع حيث يحتاج إلى المال المبذول في مستقبل الزمان الذي لا يتجدّد له فيه مال عادةً.

فمتى لم يضرّه بذل الثمن في الحال أو المآل على ذلك الوجه (وجب الشراء) لانتفاء الضرر الذي باعتباره ساغ التيمّم (و إن زاد) الثمن المقدور عليه المفروض عدم التضرّر به مطلقاً (عن ثمن المثل) أضعافاً مضاعفة على المشهور؛ لأنّه متمكّن، و الفرض انتفاء الضرر، و لوجوب تحصيل شرط الواجب المطلق بحسب الإمكان.

و لقول الكاظم (عليه السلام) و قد سُئل عمّن وجد قدر ما يتوضّأ به بمائة درهم أو بألف درهم و هو واجد لها

يشتري، قد أصابني مثل هذا فاشتريت و توضّأت.

(2)

(على إشكال) في ذلك ناشٍ ممّا ذكرناه و من أنّ خوف فوات المال اليسير بالسعي إلى الماء مجوّز للتيمّم، فكيف يجب بذل الكثير على هذا الوجه فيه!؟ و لتساوي الحكم في تضييع المال القليل و الكثير، و كفر مستحلّه، و فسق غاصبه، و جواز الدفع عنه. و هو اختيار ابن الجنيد. (3)

و جوابه: الفرق بين جميع ما ذُكر و موضع النزاع بالنصّ، و بالمنع من مساواة ما يبذله المكلّف باختياره و بين ما ينهب منه قهراً؛ لما في الثاني من لزوم الغضاضة و الإهانة الموجبة للضرر، خلاف الأوّل؛ لأنّ الفرض انتفاء الضرر فيه.

و فرّق المصنّف (4) بينهما: بأنّ اللازم في الفرع إنّما هو الثواب؛ لأنّه عبادة اختياريّة مطلوبة للشارع، و هو أضعاف ما دفع، و ألزم في الأصل إنّما هو العوض، و هو مساوٍ لما أُخذ منه، فلم يتمّ القياس.

____________

(1) نهاية الإحكام 1: 195.

(2) الكافي 3: 74/ 17؛ الفقيه 1: 23/ 71؛ التهذيب 1: 406/ 1276.

(3) حكاه عنه المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 369.

(4) نهاية الإحكام 1: 194.

321

و استضعفه الشهيد (رحمه اللّه) استناداً إلى أنّه إذا ترك المال لابتغاء الماء، دخل في حيّز الثواب. (1) و هو حسن، بل يجمع له حينئذٍ بين العوض و الثواب، و هو أعظم من الثواب وحده، فالأولى الاستناد في الفرق إلى النصّ و الغضاضة المذكورة.

و الاعتبار في ثمن المثل بالنسبة إلى الماء بحسب الزمان و المكان؛ لأنّه متقوّم في نفسه.

و ربما احتمل اعتبار اجرة تحصيل الماء خاصّة بناءً على أنّ الماء لا قيمة له. و قد عرفت ضعفه.

و إطلاق العبارة يقتضي عدم الفرق بين المجحف و غيره، و ما تقدّم من الأدلّة يشمله.

و قيّد المصنّف في التذكرة (2) و الشهيد في الذكرى (3) وجوب الزائد عن ثمن المثل بعدم الإجحاف بالمال و إن كان مقدوراً؛ للحرج.

و لو بُذل بثمن إلى أجل يقدر عليه عند الحلول، فقد صرّح المصنّف (4) و جماعة (5) بالوجوب؛ لأنّ له سبيلًا إلى تحصيل الماء.

و ربما استشكل (6) بأنّ شغل الذمّة بالدّيْن الموجب للذلّة مع عدم الوثوق بالوفاء وقت الحلول و تعريض نفسه لضرر المطالبة و إمكان عروض الموت له مشغولَ الذمّة ضرر عظيم.

و في حكمه الاقتراض للشراء.

و تُقدّم النفقة على شراء ماء الطهارة، أمّا الدّيْن مع عدم المطالبة فيبنى على ما ذُكر.

(و كذا) القول في (الآلة) يجب شراؤها و إن زاد ثمنها، كما تقدّم.

و لو تعذّر الشراء و أمكن الاستئجار، تعيّن. و لو أمكنا تخيّر، كلّ ذلك من باب المقدّمة.

(و لو فقده) أي الماء (وجب) عليه الطلب من أصحابه و مجاوريه في رَكبٍ أو رحله، فإن لم يجده، وجب عليه (الطلب غَلوة سهم) بفتح الغين، و هي مقدار الرمية من الرامي المعتدل بالآلة المعتدلة (في) الأرض (الحزنة) بسكون الزاي المعجمة، خلاف السهلة، و هي المشتملة على نحو الأشجار و العلوّ و الهبوط. و تجب مراعاة هذا القدر (من كلّ جانب)

____________

(1) الذكرى 1: 184.

(2) تذكرة الفقهاء 2: 163، الفرع «أ».

(3) الذكرى 1: 184.

(4) تذكرة الفقهاء 2: 164، الفرع «ج».

(5) كما في جامع المقاصد 1: 475؛ و منهم: المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 370؛ و الشهيد في الذكرى 1: 184.

(6) المستشكل هو المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 475.

322

بحيث يستوعبها (و) قدر غلوة (سهمين) من كلّ جانب (في) الأرض (السهلة) بسكون الهاء و كسرها، و هي خلاف الحزنة.

و لو اختلفت الأرض في السهولة و الحزونة، توزّع الحكم بحسبها.

و لو علم عدم الماء في بعض الجهات، سقط الطلب فيه، أو مطلقاً، فلا طلب؛ لانتفاء الفائدة، و تحقّق شرط جواز التيمّم، كما أنّه لو علم الماء قَبلُ أو ظنّه في أزيد من النصاب كقرية و نحوها، وجب قصده مطلقاً ما لم يخرج الوقت.

و تجوز الاستنابة في الطلب بل قد تجب و لو بأُجرة؛ لوجوب تحصيل شرط الواجب المطلق.

و تشترط عدالة النائب إن كانت الاستنابة اختياريّةً، و إلا اشترطت مع إمكانها، و يحتسب لهما على التقديرين.

و يجب طلب التراب لو فقده حيث يجب التيمّم؛ لأنّه شرط الواجب المطلق كالماء.

و لو فات بالطلب غرض المطلوب كما في الحطّاب و الصائد، ففي وجوبه؛ لقدرته على الماء، أو سقوطه؛ دفعاً للضرر وجهان.

و لو حضر الفرض الثاني، جدّد الطلب له إن لم يعلم عدم الماء بالطلب الأوّل، أو بالانتقال إلى محلّ يعلم عدمه فيه.

و ليكن الطلب بعد دخول الوقت، و لو سبق و أفاد العدم يقيناً، كفى، و إلا فلا.

(و لو وجد ماءً) بالتنوين، و يجوز كونه نكرةً موصوفة، أي وجد من الماء شيئاً (لا يكفيه للطهارة، تيمّم) و لا تتبعّض الطهارة بأن يغسل بما يجده ثمّ يتيمّم عن العضو الباقي، عندنا؛ لانحصار الطهارة في أقسامها الثلاثة، و الملفّقة ليست أحدها.

و ربما حكي عن الشيخ في بعض أقواله التبعيض، (1) و هو مذهب العامّة. (2)

و هذا بخلاف ما لو كان عليه طهارتان كما في الأغسال المجامعة للوضوء فوجد من الماء ما يكفي أحدهما فإنّه يستعمله و يتيمّم عن الأُخرى، فإن وسع لكلّ منهما على البدل، قدّم الغسل.

____________

(1) الحاكي عنه هو الشهيد في الذكرى 1: 185؛ و انظر: المبسوط 1: 35؛ و الخلاف 1: 154، المسألة 105.

(2) المجموع 2: 268؛ حلية العلماء 2: 202 و 203؛ المغني 1: 270 و 271؛ الشرح الكبير 1: 280 و 281.

323

(و لو) كان على بدن المحدث أو ثوبه أو ما تتوقّف صحّة الصلاة على طهارته نجاسة و (وجد ما يكفيه لإزالة النجاسة خاصّة، أزالها و تيمّم).

و المراد أنّه وجد من الماء ما لا يكفيه لإزالة الحدث و الخبث معاً، بل ما يكفي أحدهما، فإنّه يزيل النجاسة و يتيمّم. و لا يخفى قصور العبارة عن تأدية هذا المعنى.

و إنّما قدّمت إزالة النجاسة؛ لأنّ للطهارة المائيّة بدلًا و إزالة النجاسة لا بدل لها، فيجمع بين الحقّين.

و يستفاد من ذلك أنّ الحكم مشروط بوجود ما يتيمّم به، فلو فقده، قدّم الطهارة المائيّة؛ لانتفاء البدل حينئذٍ، و اشتراط الصلاة بالطهارة مطلقاً، بخلاف إزالة النجاسة. و قد صرّح بذلك جماعة. (1)

و لا بدّ في تقييد الحكم بتقديم إزالة النجاسة بكونها غير معفوّ عنها و كون الثوب مع ذلك ممّا يحتاج إلى لُبسه في الصلاة إن كانت فيه إمّا لعدم الساتر أو للاضطرار إلى لُبسه لبردٍ و نحوه. و هذا على سبيل الاستحقاق لا الأفضليّة، و لا تجوز المخالفة.

و لو خالف و تطهّر، أساء.

و في صحّتها نظر: من الطهارة بماءٍ مملوك مباح فيصحّ، و من النهي عن الطهارة، اللازم (من الأمر (2)) باستعمال الماء في إزالة النجاسة؛ إذ الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضدّه، و النهي في العبادة يدلّ على الفساد.

و في توجيه النظر من الجانبين نظر.

أمّا الأوّل: فلمنع كلّيّة الكبرى المطويّة؛ لأنّها محلّ النزاع، و لانتقاضها بمن تطهّر بما ذُكر مع يقين الضرر لمرضٍ و نحوه.

و أمّا الثاني: فلما تحقّق في الأُصول من أنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه العامّ، و هو مطلق الترك، لا الأضداد الخاصّة، فلا يتمّ الدليل.

و على كلّ حال فالوجه: عدم الإجزاء؛ لعدم الإتيان بالمأمور به على وجهه، فلم يتحقّق الإجزاء، كما تحقّق في الأُصول.

____________

(1) منهم: المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 478.

(2) بدل ما بين القوسين في «ق، م»: «للأمر».

324

و استقرب المصنّف في التذكرة الإجزاء إن جوّز وجود المزيل في الوقت، و إلا فلا. (1)

[القول في ما يصح التيمم عليه]

(و لا يصحّ) التيمّم (إلا بالأرض) لقوله تعالى فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً. (2)*

و قول الصادق (عليه السلام)

إنّما هو الماء و الصعيد

(3)

و «إنّما» للحصر. و الصعيد عندنا هو وجه الأرض، و هو أحد التفسيرين و نُقل عن جماعة من أهل اللغة، ذكر ذلك الخليل و ثعلب عن ابن الأعرابي. (4)

و يدلّ عليه قوله تعالى فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً (5) أي: أرضاً ملساء مزلقة. فيتناول جميع أصنافها (كالتراب) و إن كان نديّاً، و الحجر بأنواعه، و المدر (و أرض النورة و) أرض (الجصّ) قبل إحراقهما؛ لوقوع اسم الأرض عليهما حينئذٍ و إن كانا قد يؤولان إلى المعدن؛ لعدم تناول المعدن لهما قبله.

و مَنعَ ابن إدريس منهما؛ لكونهما معدناً. (6) و شرط في النهاية في جواز التيمّم بهما فقد التراب. (7) و هُما ضعيفان.

أمّا بعد الإحراق فلا يجوز؛ للاستحالة، خلافاً للمرتضى. (8)

(و تراب القبر) الملاصق للميّت و إن تكرّر النبش؛ لأنّه أرض، و الأصل عدم مخالطتها شيئاً من النجاسات.

نعم، لو علم ذلك كما لو كان الميّت نجس العين لم يجز.

و لا يضرّ اختلاطه باللحم و العظم الطاهرين بالغسل مع استهلاكه لهما.

و أمّا تراب القبر الذي لا يلاصق الميّت فإنّه و إن جاز التيمّم عليه لكن لا وجه لتخصيصه بالذكر في سياق أنواع الأرض.

(و المستعمل) لبقاء الاسم، و عدم رفع التيمّم الحدث.

____________

(1) تذكرة الفقهاء 2: 171، الفرع «ي».

(2) النساء (4): 43، المائدة (5): 6.

(3) التهذيب 1: 188/ 540، الاستبصار 1: 14/ 26.

(4) كما في المعتبر 1: 373، و انظر: العين 1: 290، «ص ع د».

(5) الكهف (18): 40.

(6) كما في جامع المقاصد 1: 482؛ و انظر: السرائر 1: 137.

(7) النهاية: 49.

(8) حكاه عنه المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 375.

325

و المراد به الممسوح به أو المتساقط عن محلّ الضرب بنفسه أو بالنفض، لا المضروب عليه إجماعاً، بل هو كالماء المغترف منه.

(و لا يصحّ) التيمّم (بالمعادن) كالكحل و الزرنيخ و تراب الحديد و نحوها؛ لعدم وقوع اسم الأرض عليها.

(و الرماد) سواء كان رماد الخشب أم التراب؛ لعدم تسميته أرضاً.

و استقرب المصنّف في النهاية جوازه برماد الأرض. (1)

(و الأُشنان) بضمّ الهمزة (و الدقيق) لعدم التسمية كذلك.

(و المغصوب) للنهي عن استعماله، المقتضي للفساد في العبادة.

و المراد به ما ليس بمباح و لا مملوك و لا مأذون فيه صريحاً أو ضمناً، كالمأذون في التصرّف فيه، أو فحوًى، كالمأذون في دخوله و جلوسه و نحوهما عموماً أو خصوصاً، أو شاهد الحال، كالصحاري المملوكة حيث لا ضرر على المالك. و مثله جدار الغير من خارج حيث لا يتوجّه عليه ضرر كذلك.

نعم، لو ظنّ الكراهة أو صرّح بها المالك، امتنع.

و يتحقّق النهي عن المغصوب مع الاختيار قطعاً، أمّا لو حُبس المكلّف في مكان مغصوب و لم يجد ماءً مباحاً أو وجد و لزم من استعماله إضرار بالمكان، فهل يجوز التيمّم بترابه الطاهر مع عدم وجود غيره كما تجوز الصلاة فيه؛ لخروجه بالإكراه عن النهي، فصارت الأكوان مباحةً؛ لامتناع التكليف بما لا يطاق، أم لا يجوز؛ لافتقاره إلى تصرّفٍ في المغصوب زائد على أصل الكون؟ وجهان. و هذا بخلاف الطهارة بالماء المغصوب؛ لأنّه يتضمّن إتلافاً غير مأذون فيه، و لا تدعو إليه ضرورة.

نعم، لو رُبط في ماء مغصوب و تعذّر عليه الخروج و لم يلزم من الاغتسال به زيادة إتلاف، أمكن تمشّي الوجهين.

(و النجس) لقوله تعالى فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً (2)* قال المفسّرون (3) معناه الطاهر.

____________

(1) نهاية الإحكام 1: 199.

(2) النساء (4): 43؛ المائدة (5): 6.

(3) منهم: الطبرسي في مجمع البيان 43: 52.

326

و لقوله (عليه السلام)

و ترابها طهوراً

(1)

و النجس لا يعقل كونه مطهّراً لغيره.

(و يجوز) التيمّم (بالوحل مع عدم التراب) و المراد عدم (2) إمكان تجفيفه و جمعه في مكان ثمّ الضرب عليه؛ إذ لو قدر على ذلك، لم يفرض عدم التراب؛ لأنّه تراب حقيقةً، لكن على تقدير عدم إمكان تجفيفه إنّما يجوز التيمّم به مع فقد الغبار على الثوب و نظائره، فكان ينبغي تأخيره عنها، كما ورد في الأخبار عن الصادقين (عليهما السلام) (3).

و يشترط في الوحل كون أصله ممّا يصحّ التيمّم عليه، و إلا لم يجز التيمّم به مطلقاً، صرّح به المصنّف في النهاية. (4)

(و) كذا يجوز التيمّم (بالحجر معه) أي مع وجود التراب؛ لما تقدّم من أنّ الصعيد وجه الأرض، و الحجر أرض إجماعاً، كما نقله في المعتبر، (5) و لأنّه تراب اكتسب رطوبةً لزجة و عملت فيه الحرارة، فأفادتاه استمساكاً.

و يتناول الحجر جميع أنواعه من رخام و برام و غيرهما.

و ردّ بذلك على الشيخ (6) و جماعة (7) حيث شرطوا في جواز استعماله فقد التراب؛ استناداً إلى أنّ المراد بالصعيد في الآية (8) التراب، كما هو أحد التفسيرين عند أهل اللغة، و الحجر ليس بتراب.

و جوابه: أنّا قد بيّنّا أنّ المراد بالصعيد الأرض، و هو من جملة أصنافها، و لأنّه لو لم تكن الحقيقة باقيةً فيه، لم يكن التيمّم به مجزئاً عند فقد التراب كالمعدن، و التالي باطل إجماعاً.

و لا يعارَض بالتيمّم بالوحل و نحوه؛ لدخوله بنصٍ خاصّ، بخلاف الحجر.

و في حكمه الخزف؛ لعدم خروجه بالطبخ عن اسم الأرض كالحجر و إن خرج عن اسم

____________

(1) الخصال 2: 426425/ 1؛ علل الشرائع 1: 156/ 3، الباب 106.

(2) في «ق، م»: «مع عدم».

(3) الكافي 3: 67 (باب التيمّم بالطين) الحديث 1؛ التهذيب 1: 189/ 543؛ الإستبصار 1: 156/ 537.

(4) نهاية الإحكام 1: 200.

(5) المعتبر 1: 376.

(6) النهاية: 49.

(7) منهم: الشيخ المفيد في المقنعة: 60؛ و سلار في المراسم: 53؛ و ابن حمزة في الوسيلة: 71؛ و ابن إدريس في السرائر 1: 137.

(8) النساء (4): 43؛ المائدة (5): 6.

327

التراب، خلافاً لابن الجنيد (1) و المحقّق في المعتبر، (2) مع تجويزهما التيمّم بالحجر، (3) و هو أقوى خروجاً عن اسم التراب.

و هذا الخلاف غير جارٍ في السجود عليه؛ لأنّ باب السجود أوسع من باب التيمّم، و لإجماعهم على أنّ محلّه الأرض لا التراب، و قد تقرّر أنّ الحجر من أصنافها، و قد أجمعوا على جواز السجود عليه، و هو أقوى بُعداً عن التراب من الخزف. و صرّح المحقّق في المعتبر بجواز السجود عليه مع منعه من التيمّم به، (4) بناءً على خروجه بالطبخ عن اسم الأرض.

قال المصنّف في التذكرة: و هو ممنوع، و لهذا جاز السجود عليه. (5) و هو ممنوع.

(و يكره) التيمّم (بالسبخة) بالتحريك و التسكين، و هي الأرض المالحة النشّاشة على أشهر القولين؛ لأنّها أرض.

و منع ابن الجنيد (6) من التيمّم بها؛ لأنّها استحالت، فأشبهت المعادن. و هو ممنوع.

نعم، لو علاها الملح، لم يجز حتى يزيله.

و عرّفها المصنّف في النهاية بأنّها التي لا تنبت. (7) و هو بعيد.

(و الرمل) لشبهه بأرض المعدن. و وجه الجواز: إطلاق اسم الأرض عليه.

(و لو فقده) أي جميع ما تقدّم، و لا يجوز عود الضمير إلى التراب؛ لأنّه أخصّ ممّا يجوز عليه التيمّم، و الأرض مؤّنثة سماعيّة لا يحسن عود الضمير إليها (تيمّم بغبار ثوبه و لبد سرجه و عرف دابّته) مخيّراً في ذلك، إلا أن يختصّ أحدها بكثرة الغبار، فيتعيّن.

و ذكر الثلاثة؛ لكونها مظنّةً للغبار، لا للحصر، فلو كان معه بساط و ما شاكله ممّا يجمع الغبار، تيمّم به؛ لقول الصادق (عليه السلام)

فإن كان في ثلج فلينظر لبد سرجه فليتيمّم من غباره أو شيء مغبر.

(8)

____________

(1) حكاه عنه المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 375.

(2) المعتبر 1: 375.

(3) المعتبر 1: 372، و فيه حكاية قول ابن الجنيد.

(4) المعتبر 1: 375.

(5) تذكرة الفقهاء 2: 177، الفرع «ج».

(6) حكاه عنه المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 374.

(7) نهاية الإحكام 1: 199.

(8) التهذيب 1: 189 190/ 546؛ الاستبصار 1: 156/ 539.

328

و يجب نفض محلّ الغبار حتى يعلو ظاهره و يضرب عليه، إلا أن يتلاشى به، فيقتصر على الضرب عليه. و لو فرض عدم الغبار فيها أصلًا، لم يجز الضرب عليها؛ لأنّ الاعتبار بالغبار لا بها. و من هنا ضعف قول الشيخ بتقديم غبار عرف الدابّة و السرج على الثوب. (1) و ابن إدريس بالعكس. (2)

و يشترط كون الغبار من جنس ما يصحّ التيمّم به، كغبار التراب، لا غبار الدقيق و شبهه.

و لو فقد الغبار، تيمّم بالوحل، كما تقدّم، فلو قدّمه على الغبار لم يصحّ؛ لعدم الإتيان بالمأمور به على وجهه، فيبقى في العهدة.

و اعلم أنّ التيمّم لا يجوز قبل وقت المؤقّتة إجماعاً؛ و لأنّه طهارة ضروريّة و لا ضرورة قبل دخول الوقت؛ لعدم التكليف حينئذٍ، و يجوز بل يجب فعله مع الضيق إجماعاً، و لأنّه لولاه، لزم الإخلال بالصلاة.

و المراد بالضيق أن لا يبقى من الوقت سوى مقدار فعل الصلاة و ما لا بدّ منه فيها.

و هل يجوز فعله في حال السعة؟ أقوال ثلاثة، أحدها و هو المشهور خصوصاً بين القدماء حتى ادّعى الشيخ و السيّد المرتضى عليه الإجماع: المنع منه مطلقاً. (3)

و مستنده مع الإجماع المقبول ما نقل منه بخبر الواحد فضلًا عن نقل هذين الإمامين صحيحة محمد بن مسلم قال: سمعته يقول

إذا لم تجد الماء و أردت التيمّم فأخّر التيمّم إلى آخر الوقت، فإن فاتك الماء لم تفتك الأرض

(4)

و الأمر للوجوب.

و حسنة زرارة عن أحدهما (عليهما السلام)

إذا لم يجد المسافر ماءً فليطلب ما دام في الوقت، فإذا خاف أن يفوته الوقت فليتيمّم، و ليصلّ في آخر الوقت؛

(5) و الأمر للوجوب أيضاً.

____________

(1) النهاية: 49.

(2) السرائر 1: 138.

(3) مسائل الناصريّات: 156 157، المسألة 51؛ الانتصار: 122- 123، و لم نعثر في كتب الشيخ الطوسي على ادّعائه للإجماع في المقام، و إنّما نسبه إليه العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 255، المسألة 191؛ و انظر بشأن ذلك إلى مقالة الشهيد في الذكرى 2: 253؛ و العاملي في مفتاح الكرامة 1: 550.

(4) الكافي 3: 63/ 1؛ التهذيب 1: 203/ 588؛ الإستبصار 1: 165/ 573.

(5) الكافي 3: 63/ 2؛ التهذيب 1: 192/ 555، و 203/ 589؛ الاستبصار 1: 159/ 548، و 165- 166/ 574.

329

و ثانيها: جوازه مع السعة مطلقاً، و هو اختيار الصدوق (1)؛ لعموم فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً. (2)*

و قوله (صلّى اللّه عليه و آله)

أينما أدركتني الصلاة تيمّمت و صلّيت.

(3)

و دلالة أخبارٍ صحيحة على عدم إعادة واجد الماء في الوقت، و هو مستلزم للتيمّم مع السعة.

كصحيح زرارة عن الباقر (عليه السلام) قلت: إن أصاب الماء و قد صلّى بتيمّم و هو في وقت؟ قال

تمّت صلاته و لا إعادة عليه.

(4)

و مثله عن معاوية بن ميسرة، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل في السفر لا يجد الماء ثمّ صلّى ثمّ اتي بالماء و عليه شيء من الوقت أ يمضي على صلاته أم يتوضّأ و يعيد الصلاة؟ قال

يمضي على صلاته فإنّ ربّ الماء ربّ التراب.

(5)

و ثالثها: التفصيل بالعلم باستمرار العجز و عدمه، فيجوز مع السعة في الأوّل دون الثاني، و هو اختيار المصنّف (6) و المحقّق (7) و ابن الجنيد، إلا أنّ ابن الجنيد اكتفى بظنّ الاستمرار، (8) و المصنّف صرّح بالعلم، و لعلّه أراد به (9) ما يعمّ غلبة الظنّ، كما هو بعض إطلاقاته. و صرّح به في المختلف (10)؛ جمعاً بين الأدلّة.

و قول المصنّف (و الأولى تأخيره إلى آخر وقت الصلاة) يشعر باختيار السعة مطلقاً؛ لأنّ الأكثر استعمال «الأولى» في موضع الاستحباب، لكنّه غير معهود من مذهبه. و إن حمل على الوجوب، كان اختياراً لمراعاة الضيق مطلقاً، و هو غير

____________

(1) الهداية: 87. و اعلم أنّ المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 382 قال: و هو أي جواز التيمّم بعد دخول الوقت اختيار أبي جعفر ابن بابويه في المقنع. انتهى، و فيه عكس ذلك حيث قال: اعلم أنّه لا تيمّم للرجل حتى يكون في آخر الوقت: انظر: المقنع: 25.

(2) النساء (4): 43؛ المائدة (5): 6.

(3) سنن البيهقي: 1: 340/ 1060؛ مسند أحمد 2: 444/ 7028، و فيهما: «تمسّحت» بدل «تيمّمت»؛ و نصّه في المعتبر 1: 382.

(4) التهذيب 1: 194/ 562؛ الاستبصار 1: 160/ 552.

(5) الفقيه 1: 59/ 220؛ التهذيب 1: 195/ 564؛ الاستبصار 1: 160/ 554.

(6) مختلف الشيعة 1: 253، المسألة 191.

(7) المعتبر 1: 383 384.

(8) حكاه عنه المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 383.

(9) في الطبعة الحجريّة بدل «به»: «بالعلم».

(10) انظر: مختلف الشيعة 1: 356، المسألة 191.

330

المعهود من مذهبه أيضاً.

و يمكن حمله على التفصيل باستعمال الأولويّة في القدر المشترك بين الراجح المانع من النقيض و غير المانع، (1) و أقلّ أحوال استعمال المشترك في معنييه أنّه مجاز. أو كون التأخير أولى بالنظر إلى جميع أفراده، و ذلك لا ينافي وجوب بعضها، كما في استحباب الإقامة بمنى أيّام التشريق مع (2) وجوب إقامة بعضها.

و على كلّ حال فالقول باعتبار التضيّق مطلقاً أقوى؛ للنصّ (3) و الإجماع و الشهرة و الاحتياط.

و ما ورد من الأخبار (4) التي استدلّ بها مُجوّز التقديم لم يدلّ نصّاً على جواز التقديم، بل على إمكان وقوعه، و نحن نقول به، فإنّ المعتبر في الضيق الظنّ، فلو انكشف خلافه، أجزأ؛ للامتثال، و لمفهوم الأخبار المذكورة. و حملها على ما إذا علم أو ظنّ عدم الماء إنّما يتمّ لو دلّت على جواز التقديم نصّاً، و التقدير عدمه، بخلاف أخبار التضيّق، و قد تقرّر في الأُصول أنّ ما دلّ نصّاً مرجّح على غيره مع التعارض، و على ما حقّقناه لا تعارض.

و منه يظهر ضعف حمل أخبار التضيّق على الاستحباب ترجيحاً لجانب التوسعة.

و القول بالتفصيل بالعلم و عدمه متوجّه؛ لعدم الفائدة في التأخير على تقديره، لكن قوّة الدليل النقلي لا تساعد عليه.

فإن قيل: ما ذكرتم من النصوص إنّما دلّت على وجوب التأخير لفاقد الماء، و لا دلالة لها على وجوب تأخير غيره من ذوي الأعذار، فيرجع إلى الأدلّة الأُخرى خصوصاً مع عدم رجاء زوال العذر، فلِمَ قلتم بوجوب التأخير مطلقاً؟

قلنا: الإجماع منعقد على عدم التفصيل بالتأخير للفاقد دون المريض خائف الضرر، بل إمّا الجواز مطلقاً، أو وجوب التأخير مطلقاً مع الرجاء أو بدونه، فالقول بالتفصيل على هذا الوجه إحداث قولٍ مبطلٍ لما حصل عليه الإجماع. و تحقيق المسألة في الأُصول.

و هل التضيّق شرط في دوام الإباحة كما هو في ابتدائها؟ إشكال. فلو دخل الوقت على

____________

(1) في «ق، م» زيادة: «أو فيهما».

(2) في «م» بدل «مع»: «و».

(3) انظر: الهامش (4 و 5) من ص 328.

(4) انظر: الهامش (4 و 5) من ص 329.

331

المكلّف و هو متيمّم لسابقه، هل يجوز أن يصلّي الحاضرة في أوّل الوقت، و لا يعتبر الضيق هنا بناءً على أنّه متطهّر و الوقت سبب، فلا معنى للتأخير، كما اختاره الشيخ في المبسوط (1)؛ مع اختياره مراعاة التضيّق في فعله، (2) أم تتمشّى الأقوال فيه أيضاً كما هو ظاهر المصنّف و المحقّق، (3) لقيام علّة التأخير؟ فيه نظر.

و مختار المبسوط لا يخلو من قوّة؛ لأنّ النصوص المتقدّمة إنّما دلّت على غير المتطهّر، مضافاً إلى ما ذُكر، (4) فالوسيلة إلى التيمّم حينئذٍ في حال سعة وقت الحاضرة أن يتيمّم لمضيّق، ثمّ يبقى عليه إلى أن يدخل وقت الموسّع.

و لو أراد إحداث التيمّم في حال سعة وقت الحاضرة، فلينذر صلاة ركعتين في تلك الحال و يتيمّم لها، ثمّ يصلّي الحاضرة مع السعة.

و لو دخل مسجداً، فالظاهر جواز التيمّم لصلاة التحيّة؛ لأنّ وقتها بعد الدخول مضيّق.

و كذا لو ضاق وقت نافلة الحاضرة مع سعة وقت الحاضرة فتيمّم للنافلة و صلاها، جاز أن يصلّي الفريضة بعدها. و لو لم يكن في عزمه فعل النافلة، لم يصحّ التيمّم، أمّا لو تيمّم مع العزم على فعلها، ثمّ طرأ له العزم على تركها، توجّه جواز فعل الفريضة حينئذٍ.

[القول في كيفية التيمم]

(و تجب فيه النيّة للفعل) إجماعاً منّا و من علماء الإسلام إلا مَنْ شذّ؛ لدلالة «تيمّموا» على القصد إن لم يكن عينه.

و يعتبر فيها قصد الفعل (لوجوبه) إن كان واجباً، كما لو توقّفت عليه عبادة واجبة (أو ندبه) إن كان مندوباً.

و الكلام في اعتبار نيّة الوجوب أو الندب فيه قريب من الكلام في نيّة الوضوء، و كذا غيرهما من المميّزات، فليلحظ هناك.

(متقرّباً) حال من الفاعل القاصد المدلول عليه بالقصد التزاماً، و لا ريب في اعتبار القربة في هذه النيّة كغيرها، و قد سلف معناها و وجه وجوبها.

و يجب مع ذلك نيّة البدليّة عن الأكبر أو الأصغر؛ لاختلافهما حقيقةً، فلا بدّ من تمييز

____________

(1) المبسوط 1: 3433.

(2) النهاية: 47 48، المبسوط 1: 31.

(3) انظر: نهاية الإحكام 1: 216- 217؛ و مختلف الشيعة 1: 288، المسألة 215؛ و المعتبر 1: 383.

(4) في «ق، م»: «ذكرناه».

332

أحدهما عن الآخر بالنيّة.

و هذا يتمّ مع اجتماعهما عليه، كمن عليه غسل و وضوء و تعذّر عليه فعلهما، أمّا مَنْ عليه أحدهما خاصّة فيشكل وجوب التمييز؛ لعدم إمكان وقوع الآخر منه ليميّزه عنه. و قد مرّ التنبيه عليه في مميّزات الوضوء.

(و لا يجوز) للمتيمّم نيّة (رفع الحدث) لامتناعه منه؛ إذ التيمّم إنّما يزيل المنع من الصلاة، الذي هو أثر المحدث، لا المانع الذي هو المؤثّر، و لهذا ينتقض بالتمكّن من استعمال الماء مع أنّه ليس من قبيل الأحداث، و إنّما يظهر به تأثير الحدث السابق الذي كان قد تخلّف عنه أثره بواسطة التيمّم، و قد ادّعى جماعة منهم المحقّق في المعتبر (1) إجماع العلماء كافّة على عدم رفعه الحدث، و متى لم يرفعه امتنعت نيّته؛ لعدم اعتبار نيّة الممتنع شرعاً.

و كذلك ادّعى في المعتبر (2) الإجماع على أنّ وجود الماء ليس حدثاً، و لأنّه لو كان حدثاً، لوجب استواء المتيمّمين في موجبه، ضرورة استوائهم فيه.

لكن هذا باطل؛ لأنّ المحدث لا يغتسل و المجنب لا يتوضّأ.

و لأنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال لعمرو و قد تيمّم عن الجنابة من شدّة البرد

صلّيت بأصحابك و أنت جنب

(3)

فلو ارتفع بالتيمّم، لما سمّاه جنباً، كما لا يسمّى بذلك بعد الغسل.

و لو لوحظ هنا عدم اشتراط بقاء المعنى المشتقّ منه في صدق المشتقّ، لساوى ما بعد التيمّم ما بعد الغسل، و قد تقرّر انتفاؤه بعد الغسل، فيدلّ على عدم اعتبار ذلك المعنى شرعاً، كما امتنع تسمية المسلم عن كفرٍ كافراً.

و رجّح الشهيد في قواعده جواز نيّة رفع الحدث، بناءً على أنّ التمكّن من استعمال الماء جاز أن يكون غايةً للرفع، كما يكون طريان الحدث غايةً له في التيمّم و غيره. (4)

و في الذكرى: جواز نيّة رفع المانع من الصلاة؛ لأنّه في معنى الاستباحة. (5)

و في الدروس أنّه إن نوى رفع الماضي، صحّ، كما يصحّ ذلك من دائم الحدث. (6)

____________

(1) المعتبر 1: 394.

(2) المعتبر 1: 394.

(3) سنن أبي داوُد 1: 92/ 334؛ سنن الدارقطني 1: 178/ 12؛ سنن البيهقي 1: 345/ 1070؛ مسند أحمد 5: 231/ 17356؛ المستدرك للحاكم 1: 177.

(4) القواعد و الفوائد 2: 8886، القاعدة 176.

(5) الذكرى 2: 256.

(6) الدروس 1: 90 و 132.

333

و في الجميع منع.

أمّا الأوّل: فلأنّ رفع الحدث في الطهارة المائيّة ليس مغيّاً بغاية أصلًا، و إنّما المانع أعني الحدث الموجب للطهارة مرتفع بها و زائل بالكلّيّة حتى كأنّه لم يكن، ثمّ لا يعود ذلك المانع بعينه إلى الوجود مرّة أُخرى، بل الحاصل بالحدث الطارئ مانع آخر غير الأوّل، غايته أنّه مبطل لفائدة الطهارة؛ لأنّه من نواقضها، و لا كذلك التيمّم، فإنّ إزالته المانعَ ليست إزالةً كلّيّة، بل إنّما رفع أثره إلى أمدٍ معيّن مضروب، و هو إمّا طروء حدثٍ أو التمكّن من استعمال الماء، فإذا وجد أحدهما، عاد الأوّل بعينه حتّى كأنّه لم يزل، و لهذا يجب الغسل على المتيمّم بدلًا منه عند التمكّن. و لو كان رافعاً، لما وجب إلا بحدثٍ آخر موجب للغسل.

نعم، ربما تمشّى ذلك على مذهب المرتضى القائل بأنّ مَنْ تيمّم بدلًا من غسل الجنابة ثمّ أحدث أصغر و وجد من الماء ما يكفيه للوضوء توضّأ به (1)؛ لأنّ حدثه الأوّل قد ارتفع و جاء ما يوجب الصغرى، فإنّ ذلك يشعر بكون التيمّم رافعاً. و سيأتي بيان ضعف هذا القول.

و أمّا الثاني: فلأنّ رفع المانع هو بعينه رفع الحدث؛ إذ ليس المراد به نفس الخارج الناقض و إن كان قد يطلق عليه اسم الحدث؛ لأنّ الحدث بهذا المعنى يستحيل رفعه؛ لأنّه قد صار واقعاً، و يمتنع رفع الواقع، و إنّما المراد بالحدث أثر الخارج، و هو المانع الحاصل بسببه.

و الفرق بينه و بين الاستباحة أنّ المراد بالرفع إزالة أثر الواقع بالكلّيّة حتى كأنّه لم يكن، و الاستباحة رفع المنع منه، أعني استعادة (2) جواز فعل المشروط بالطهارة، سواء زال المانع بالكلّيّة و لم يقارنه مانع آخر، كطهارة المختار، فإنّ الرفع و الاستباحة بالنسبة إليه متلازمان، أم لم يزل بالكلّيّة، بل إلى أمد مضروب، كما في التيمّم، فإنّه لا يزيل أثر الواقع أصلًا، و لهذا ينتقض بوجود الماء و التمكّن من استعماله، مع الإجماع على كونه ليس بحدثٍ، أم زال بعضه بالكلّيّة دون البعض، كما في طهارة دائم الحدث، فإنّ المانع الحاصل في الحال يزول بعضه، و هو أثر الحدث السابق.

و أمّا الثالث: فهو مبنيّ على اتّحاد حكم المتيمّم و دائم الحدث، و قد عرفت ما بينهما من الفرق، فإنّ لدائم الحدث حدثاً سابقاً و مقارناً، و طهارته مائيّة صالحة لرفع الحدث حيث

____________

(1) حكاه عنه المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 395 نقلًا عن شرح الرسالة له.

(2) كذا، و الظاهر من نسختي «ق، م»: «استفادة».

334

يمكن، و إمكانه في السابق خاصّة؛ لأنّ المقارن و المتأخّر يمتنع تأثير النيّة فيه، بخلاف التيمّم، فإنّه لا يصلح للرفع مطلقاً، كما حقّقناه.

(و تجوز) له نيّة (الاستباحة) لمشروطٍ بالطهارة، كالصلاة؛ لإمكانها، و قد عرفت الوجه ممّا سلف.

و المتبادر من الجواز عدم وجوب نيّة الاستباحة عنده، و قد تقدّم في الوضوء ما يدلّ عليه، مع أنّه توقّف في وجوب أحد الأمرين فيه. (1)

و يمكن حمل الجواز هنا على المعنى الأعمّ، و هو القدر المشترك بين ما عدا الحرام، كما هو أحد معنييه، فلا ينافي الحكم بالوجوب ليوافق مختاره في كثير من كتبه. (2)

و يجب إحضار النيّة فعلًا حتى يقارن بها الضرب على الأرض، و بعده يجب كونها (مستدامة الحكم) إلى آخر التيمّم بمعنى أن لا ينوي في أثنائه نيّةً تُنافي النيّة الأُولى أو بعض مميّزاتها. و قد تقدّم تحقيق الاستدامة الحكميّة محرّراً.

و أوجب المصنّف في النهاية (3) استدامتها فعلًا إلى مسح الجبهة، فلو عزبت قبله، بطل. و هو ضعيف.

(ثمّ يضرب بيديه) معاً بعد إحضار النيّة بقلبه (على التراب).

و في التعبير ب«ثمّ» الموجبة للتعقيب المتراخي تساهل؛ فإنّ الواجب مقارنة النيّة للضرب على الأرض؛ لأنّه أوّل أفعاله، فلو تقدّمت عليه، لم تجزئ قطعاً؛ لأنّه حينئذٍ عزم لا نيّة.

و كذا لا يجوز تأخيرها إلى مسح الجبهة على أصحّ القولين؛ لخلوّ بعض الأفعال و هو الضرب عن النيّة.

و جزم المصنّف في النهاية بالإجزاء (4)؛ تنزيلًا للضرب منزلة أخذ الماء للطهارة المائيّة، فكما تجزي النيّة ثَمَّ تجزئ هنا.

و الفرق بين الموضعين واضح؛ فإنّ أخذ الماء غير معتبر لنفسه، و لهذا لو غمس الأعضاء فيه، أجزأ، بخلاف الضرب، و من ثَمَّ لو تعرّض لمهبّ الريح أو وضع جبهته على الأرض

____________

(1) انظر: إرشاد الأذهان 1: 222.

(2) منها: تذكرة الفقهاء 2: 187، المسألة 304؛ و نهاية الإحكام 1: 203.

(3) انظر: نهاية الإحكام 1: 204.

(4) نهاية الإحكام 1: 204.

335

ناوياً، لم يجزئ اتّفاقاً.

و فرّق في الذكرى بينهما أيضاً في تعليل الردّ على المصنّف: بأنّه لو أحدث بعد أخذ الماء، لم يضرّ، بخلاف الحدث بعد الضرب. (1)

و هو غير وارد عليه؛ لأنّه جزم بتساويهما في ذلك أيضاً.

قال في النهاية: و لو أحدث بعد أخذ التراب، لم يبطل ما فَعَله، كما لو أحدث بعد أخذ الماء في كفّه. (2)

و على كلّ حال فمختار المصنّف ليس بجيّد بعد موافقته للجماعة على وجوب الضرب على الأرض، المعبّر عنه في كتبه (3) بنقل التراب، و أنّه لو تعرّض لمهبّ الريح أو معك وجهه في التراب، لم يجزئ. و لو كان كما ذكر، لم تجزئ مقارنة النيّة للضرب، بل كان الواجب مقارنتها لمسح الجبهة؛ لأنّه حينئذٍ أوّل الأفعال، و ليس ذلك كغَسل اليدين، و المضمضة و الاستنشاق في الطهارة المائيّة؛ لأنّ تلك سنن خاصّة دخلت بوجه خاصّ، و من ثَمَّ تجزي النيّة عند غيرها من السنن، كالتسمية و السواك، بل الضرب عند المصنّف كنقل الماء في الطهارة المائيّة، فكما لا تجزئ النيّة عنده فكذا يلزم عدم الإجزاء عند الضرب.

و هنا مباحث:

الأوّل: معظم الأصحاب و الأخبار عبّروا بلفظ «الضرب» و هو يقتضي وجوب اعتمادٍ يحصل به مسمّاه عرفاً، و ما فيه لفظ «الوضع» مبهماً كعبارة الشيخ في النهاية، (4) و حديث عمّار حيث أصابته جنابة فتمعّك، فقال له رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله)

تمعّكت كما تتمعّك الدابّة، أ فلا صنعت كذا

ثمّ أهوى بيديه على الأرض فوضعهما على الصعيد (5) لا ينافي الضرب؛ لأنّه أعمّ منه، و العامّ يُحمل على الخاصّ؛ لأنّه طريق الجمع.

و في الذكرى: الظاهر أنّ الضرب باعتمادٍ غير شرط؛ لأنّ الغرض قصد الصعيد، و هو

____________

(1) الذكرى 2: 258.

(2) نهاية الإحكام 1: 203.

(3) منها: نهاية الإحكام 1: 202 و 203.

(4) النهاية: 49.

(5) الفقيه 1: 57/ 212؛ التهذيب 1: 207/ 598؛ الاستبصار 1: 170/ 591 بتفاوت يسير في بعض الألفاظ.

336

حاصل بالوضع. (1)

و المحقّق الشيخ علي جزم في الشرح بالاكتفاء بالوضع، مستدلةً بأنّ اختلاف الأخبار و عبارات الأصحاب في التعبير بالضرب و الوضع يدلّ على أنّ المراد بهما واحد. (2)

و في التعليلين نظر.

أمّا الأوّل: فلمنع انحصار الغرض في قصد الصعيد؛ فإنّه عين المتنازع، كيف! و قد اعترف بأنّ أكثر الأخبار و الأصحاب على التعبير بالضرب، (3) و قد بيّنّا إمكان الجمع بين الكلّ بالحمل على الضرب؛ لأنّه وَضع و زيادة.

و أمّا الثاني: فيُعلم ممّا قلناه؛ فإنّ مجرّد الاختلاف لا يدلّ على كونهما واحداً، و إنّما يدلّ على الوحدة وجوب تقرير النصّين ما أمكن، و حمل العامّ على الخاصّ. و لا شكّ أنّ حمل الضرب على الوضع ليس بتامّ؛ لما بيّنّاه من المغايرة، و إنّما يصحّ بضربٍ من التجوّز، بل حمل الوضع على الضرب صحيح؛ لاستلزام الضرب الوضعَ و زيادةً.

و بالجملة، فالدليل النقلي لا يساعد على الاكتفاء بالوضع، بل على اشتراط الضرب.

الثاني: قد بيّنّا اشتراط مقارنة النيّة للضرب أو الوضع؛ لأنّه أوّل أفعاله، فتأخير النيّة عنه تأخير لها عن أوّل العبادة، كما في تقديمها. لكن لو وضع اليدين ثمّ نوى في حال استدامة الوضع، هل يكفي؟ يحتمله؛ لأنّ الاستدامة أقوى من الابتداء، و لأنّ ما مضى من زمان الوضع غير منصرف إلى الأفعال؛ لخلوّه عن النيّة، بل ما بعدها، كما لو نوى الوضوء أو الغسل و هو تحت الماء.

و يحتمل عدم الإجزاء، و اختاره المحقّق الشيخ علي؛ لعدم المقارنة للوضع حينئذٍ. (4)

و مثله يأتي في نيّة السجود للسهو أو قضاء السجدة المنسيّة.

و الحقّ أنّا إن أوجبنا الضرب، تعيّن الاحتمال الثاني؛ لعدم تحقّق مسمّاه بالاستدامة له، فإنّه ينقضي بعد وصول اليد إلى الأرض. و إن اكتفينا بالوضع، جاء الاحتمالان. و ربما قوى الأوّل؛ لصدق الوضع بعد وصول اليد.

____________

(1) الذكرى 2: 259 260.

(2) جامع المقاصد 1: 489.

(3) الذكرى 2: 259.

(4) جامع المقاصد 1: 490.

337

و لو ضرب بإحدى يديه و أتبعها الأُخرى مقارناً للنيّة بالثانية، ففيه الوجهان؛ لأنّ المفهوم من الأخبار كقوله في حديث عمّار: ثمّ أهوى بيديه. (1) و رواية زرارة: فضرب بيديه الأرض. (2) و غيرهما كونهما دفعةً، فيأتي فيه اعتبار ابتداء الوضع أو الاكتفاء باستدامته.

الثالث: اعتبار الضرب باليدين معاً مقيّد بعدم المانع منه، فلو قُطعت إحداهما بحيث لم يبق من محلّ الفرض شيء، سقط الضرب بها، و اقتصر على الضرب بالأُخرى، و مسح الوجه بها و يسقط مسح اليدين معاً؛ لتعذّره.

و لو قُطعت من مفصل الزند، فهل يجب الضرب بما بقي من المفصل و مسحه أم لا؟ يبنى على ما لو قُطعت اليد من المرفق في الوضوء، و قد تقدّم ما يدلّ على الوجوب.

و لو قُطعتا معاً، مسح وجهه بالتراب؛ إذ لا يسقط الميسور بالمعسور، مقارناً بالنيّة مسح جبهته بمحلّ الضرب. و هو اختيار المصنّف (3) في غير هذا الكتاب.

و نقل في المختلف عن المبسوط سقوط فرض التيمّم عنه، محتجّاً: بأنّ الدخول في الصلاة إنّما يسوغ مع الطهارة المائيّة، فإن تعذّرت، فمع مسح الوجه و الكفّين، و لا يزول المنع إلا بالمجموع.

و ردّه: بأنّ التكليف بالصلاة غير ساقط، و إلا سقطت الطهارة المائيّة لو انقطع أحد العضوين، و ليس كذلك إجماعاً. و إذا كان التكليف ثابتاً، وجب فعل الطهارة، و ليس بعض أعضائها شرطاً في الآخر، فيجب الإتيان بالممكن منها. (4)

و حَمَل كلام الشيخ على أنّ المراد سقوط فرض التيمّم عن اليدين أو سقوط جملة التيمّم من حيث هو. (5)

و ما حكاه عنه من الدليل ينافي التأويل.

و في حكم القطع ما لو كان بيديه جراحة تمنع من الضرب بهما و نحوها.

____________

(1) الفقيه 1: 57/ 212.

(2) التهذيب 1: 207 208/ 601؛ الاستبصار 1: 171/ 593.

(3) انظر: قواعد الأحكام 1: 23؛ و نهاية الإحكام 1: 207.

(4) مختلف الشيعة 1: 286- 287، المسألة 213؛ و انظر: المبسوط 1: 33.

(5) انظر: مختلف الشيعة 1: 287، ذيل المسألة 213.

338

و ألحق به في الذكرى ربط اليدين. (1)

و ليست نجاسة اليدين و إن تعذّرت إزالتها عذراً في الضرب بالجبهة، بل و لا في الضرب و المسح بظهر الكفّين بل يتعيّن الضرب و المسح بهما ما لم تكن النجاسة متعدّيةً؛ لئلا يتنجّس التراب، فلا يفيد غيره طهارةً، فيضرب بالظهر حينئذٍ إن خلا منها كذلك، و إلا فبالجبهة.

و في حكم المتعدّية الحائلةُ على ما اختاره في الذكرى. (2)

و رُدّ بجواز المسح على الجبيرة، و خصوصيّة النجاسة لا أثر لها في المنع إلا إذا تعدّت. نعم، لو أمكن إزالة الجرم و لو بنجاسة اخرى كالبول، تعيّن. (3)

و لو كانت نجاسة محلّ الضرب يابسةً لا تتعدّى إلى التراب و نجاسة محلّ المسح متعدّية، ففي صحّة التيمّم تردّد: من عدم نجاسة التراب و عدم تأثير غيره في المنع، و من عدم النصّ على مثله.

الرابع: هل تشترط مقارنة النيّة لوضع جميع اليدين على الأرض، أم يكفي وضعهما عليها و إن لم تقارن النيّة وضع مجموع أجزائهما؟ كلّ محتمل، و إطلاق الأدلّة يرجّح الثاني.

و تظهر الفائدة فيما لو كان في التراب يسير من أجزاء ما لا يجوز التيمّم عليه، كالتبن، أو كان في الحجر شقوق و تضاريس (4) تمنع من إمساس الكفّ له دفعةً، فعلى الثاني يصحّ التيمّم عليه مع مقارنة النيّة لوضع اليدين معاً، دون الأوّل.

الخامس: تعبير المصنّف بالضرب على التراب على وجه المثال لا الانحصار؛ إذ ليس مذهباً له، كما سلف. و لو عبّر بالأرض، لكان أولى، لكنّه (رحمه اللّه) لا يتحاشى من ذلك في عباراته، كما عبّر في المسألة ب«ثمّ» في الضرب باليدين.

(ثمّ يمسح بهما) أي باليدين جميعاً، فلا يجزئ المسح بواحدة، خلافاً لابن الجنيد حيث اكتفى بالمسح باليمنى. (5)

____________

(1) لم نعثر عليه في مظانّه، و حكاه عنه المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 498.

(2) الذكرى 2: 267.

(3) الرادّ هو المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 498.

(4) التضريس: تحزيز و نَبر يكون في ياقوتة أو لؤلؤة أو خشبة يكون كالضرس. لسان العرب 6: 118، «ض ر س».

(5) حكاه عنه العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 270، المسألة 200.

339

(جبهته) و حدّها (من القصاص) و هو منتهى منبت الشعر من مقدّم الرأس (إلى طرف الأنف الأعلى) و هو الذي يلي آخر الجبهة، و هذا القدر متّفق عليه.

و زاد الصدوق مسح الحاجبين (1) أيضاً. و في الذكرى: لا بأس به. (2)

و زاد بعضهم (3) مسح الجبينين و هما المحيطان بالجبهة يتّصلان بالصدغين لوجوده في بعض الأخبار، (4) و الزيادة غير المنافية مقبولة، فلا بأس به.

و لا يجب استيعاب الوجه على المشهور، لدلالة أكثر (5) الأخبار على مسح الجبهة. و نَقَل المرتضى في الناصريّة (6) إجماع الأصحاب عليه.

و يدلّ عليه «الباء» في قوله تعالى وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ (7) لما تقرر من أنّها إذا دخلت على المتعدّي تبعيضيّة، كما اختاره جماعة من الأُصوليّين و أهل العربيّة.

و قد نصّ على ذلك الإمام أبو جعفر محمد بن عليّ الباقر (عليهما السلام) في حديث زرارة، المتقدّم (8) في الوضوء، و قد سبق تحقيق المسألة.

و قال عليّ بن بابويه: يجب مسح الوجه جميعه (9)؛ استناداً إلى روايات (10) بعضها ضعيف السند. و يمكن حملها على الاستحباب.

و اختار المحقّق في المعتبر التخيير بين مسح جميع الوجه و بعضه، لكن لا يقتصر على أقلّ من الجبهة؛ عملًا بالأخبار من الجانبين، و نَقَله عن ابن أبي عقيل. (11)

و لا بدّ من إدخال جزء من غير محلّ الفرض من باب المقدّمة من جميع الجهات في جميع الأعضاء.

____________

(1) الفقيه 1: 57.

(2) الذكرى 2: 263.

(3) هو المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 491490.

(4) التهذيب 1: 211- 212/ 613 و 614؛ الاستبصار 1: 171/ 593 و 594.

(5) منها ما في التهذيب 1: 208207/ 601؛ و الاستبصار 1: 170/ 590.

(6) مسائل الناصريّات: 151، المسألة 47.

(7) المائدة (5): 6.

(8) في ص 103.

(9) حكاه عنه المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 384.

(10) منها ما في التهذيب 1: 210209/ 608؛ و الاستبصار 1: 171/ 596.

(11) المعتبر 1: 386.

340

و تجب البدأة في مسح الجبهة بالأعلى، فلو نكس بطل إمّا لمساواة الوضوء، أو تبعاً للتيمّم البياني.

(ثمّ يمسح ظهر كفّه اليمنى) و حدّه (من الزند) بفتح الزاي و هو مَوصِلُ طرف الذراع في الكفّ (إلى أطراف الأصابع) عند الأكثر؛ للآية (1) و الأخبار. (2)

و لأنّ اليد حقيقة في ذلك و إن كانت تُقال على غيره، فيقتصر على المتيقّن؛ لأصالة عدم وجوب الزائد، خلافاً لابن بابويه. (3) و الاستدلال و الجواب كما سبق.

و الأولى حمل الأخبار الدالّة على استيعاب الوجه و اليدين إلى المرفقين على التقيّة لأنّه مذهب العامّة.

و ليكن المسح (ببطن اليسرى) مع الإمكان. و لو تعذّر المسح بالبطن لعارضٍ من نجاسةٍ أو غيرها، اجتزأ بالظهر لصدق المسح.

(ثمّ) يمسح (ظهر) اليد (اليسرى ببطن اليمنى) كذلك.

و تجب البدأة بالزند إلى رؤوس الأصابع فيهما. و لو كان له يد زائدة، فكما سلف في الوضوء.

و ما ذكر في العبارة من الاكتفاء بضربة واحدة و هي المقارنة للنيّة إنّما يكفي إذا كان التيمّم بدلًا من الوضوء (و إن كان التيمّم بدلًا من الغسل، ضرب للوجه ضربة) و هي المقارنة للنيّة (و لليدين اخرى) على المشهور.

و اجتزأ جماعة منهم المفيد (4) و المرتضى (5) بضربة واحدة لهما فيهما، استناداً إلى أحاديث (6) صحيحة.

و أوجب المفيد ضربتين فيهما (7) استناداً إلى روايات (8) أُخرى.

____________

(1) المائدة (5): 6.

(2) منها ما في التهذيب 1: 207 208/ 601598؛ و الاستبصار 1: 170/ 591588.

(3) حكاه عنه المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 386.

(4) حكاه عنه الشهيد في الذكرى 2: 260 نقلًا عن العزّيّة.

(5) جُمل العلم و العمل: 5554؛ و حكاه عنه المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 388.

(6) منها ما في التهذيب 1: 207 208/ 601، و 212/ 614 و 615؛ و الاستبصار 1: 171/ 593- 595.

(7) حكاه عنه الشهيد في الذكرى 2: 261 نقلًا عن كتاب الأركان.

(8) منها ما في التهذيب 1: 209 210/ 610608؛ و الاستبصار 1:/ 171 172/ 596 598.

341

و جمع الأكثر بين الأخبار بالتفصيل لأنّ اختلاف الأحاديث يقتضي اختلاف الحكم، صوناً لها عن التناقض، و الوضوء مخفّف الحكم، و الغسل مثقّلة، فتكون الضربة للوضوء لأنّه أخفّ.

قال في الذكرى: و ليس التخيير بذلك البعيد إن لم يكن إحداث قول، أو تحمل المرّتان على الندب، كما قاله المرتضى، و استحسنه في المعتبر. (1)

و اعلم أنّه على القول المشهور لا تجزئ ضربة في بدل الغسل قطعاً، و هل تجزئ في بدل الوضوء ضربتان؟ ظاهر كلامهم: عدم مشروعيّة الثانية، فيأثم بها، لكن لا يبطل التيمّم، إلا أن يخرج بها عن الموالاة.

(و يجب الترتيب) فيه بين الأعضاء كما وقع في الذكر: يبدأ بالضرب ثمّ يمسح الجبهة ثمّ اليد اليمنى ثمّ اليسرى للإجماع نَقَله المصنّف في التذكرة، (2) و غيرُه، (3) و للأخبار، (4) فلو أخلّ به، استدرك ما يحصل معه الترتيب إن لم يطل الزمان كثيراً بحيث يفوّت الموالاة، و إلا وجب الاستئناف من رأس.

و لم يذكر المصنّف وجوب الموالاة، و لا بدّ منه، و قد صرّح به في التذكرة، (5) و أسنده في الذكرى إلى الأصحاب. (6)

و يدلّ عليه العطف ب«الفاء» في قوله تعالى فَتَيَمَّمُوا* .. فَامْسَحُوا (7)* لدلالتها على التعقيب بغير مهلة في مسح الوجه بعد تيمّم الصعيد الذي هو قصده و الضرب عليه، فيلزم فيما عدا ذلك من الأعضاء لعدم القائل بالفصل. و للمتابعة في التيمّم البياني عن النبيّ و أهل بيته (عليهم السلام)، فيجب التأسّي. و الأولى الاستناد إلى الإجماع.

و المراد بالموالاة هنا هي المتابعة عرفاً، و لا يضرّ التراخي اليسير الذي لا يخلّ بصدق التوالي عرفاً لعسر الانفكاك منه.

____________

(1) الذكرى 2: 262، و انظر: المعتبر 1: 388 389، و فيهما حكاية قول السيّد المرتضى عن شرح الرسالة له.

(2) تذكرة الفقهاء 2: 196، المسألة 308.

(3) كالمحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 492.

(4) منها ما في الكافي 3: 62/ 4؛ و التهذيب 1: 207/ 598؛ و الاستبصار 1: 170/ 591.

(5) تذكرة الفقهاء 2: 197، المسألة 309.

(6) الذكرى 2: 267.

(7) المائدة (5): 6.

342

و لو أخلّ بها، فالظاهر البطلان وفاءً لحقّ الواجب.

و يحتمل الصحّة و إن أثم لصدق التيمّم مع عدمها. و هو ضعيف.

(و) كذا يجب (الاستيعاب) للأعضاء الممسوحة بالمسح، و قد عُلم ذلك من التحديد المتقدّم، و لا خلاف في وجوب استيعاب ما ذُكر، إنّما الخلاف في الزائد عليه.

و أمّا الأعضاء الماسحة فلا يجب استيعابها بحيث يمسح بجميع بطن الكفّ للأصل.

و لقول الباقر (عليه السلام) في قصّة عمّار

ثمّ مسح جبينه بأصابعه.

(1)

(و لا يشترط فيه) أي في التيمّم (و لا في الوضوء طهارة) بدن المتطهّر (غير) أعضاء الطهارة، التي هي (محلّ الفرض من) النجاسة (العينيّة) الخبثيّة.

أمّا الوضوء: فظاهر لجوازه مع السعة، فيمكن إزالة النجاسة بعد الوضوء في الوقت.

و كذا القول في التيمّم مع القول بجوازه مع السعة مطلقاً أو بالتفصيل كما هو مذهب المصنّف في أكثر كتبه (2) إذا كان التيمّم لعذرٍ غير مرجوّ الزوال في الوقت.

و أمّا على القول بمراعاة التضيّق أو كان العذر مرجوّ الزوال فيحتمل وجوب تقديم إزالة النجاسة على التيمّم ليتحقّق الضيق إذ لا بدّ على تقدير تقديم التيمّم من زيادة الوقت على وقت التيمّم و الصلاة لاستلزام إزالة النجاسة وقتاً، فيلزم وقوع التيمّم في السعة. و اختاره الشيخ في النهاية (3) و المحقّق في المعتبر. (4)

و يحتمل جواز تقديم التيمّم بناءً على أنّ المراد بالضيق غلبة ظنّ المكلّف بمساواة ما بقي من الوقت للصلاة و شروطها، و إزالة النجاسة عن الثوب و البدن من جملة الشروط، فيجب أن يستثني وقته مع وقت الصلاة، و لا ينافي (5) التضيّق على القول به، كستر العورة و استقبال القبلة، و هذا هو الظاهر من إطلاق عبارة الكتاب.

و يظهر من الذكرى أنّه لا خلاف في عدم وجوب تحصيل القبلة و الساتر قبل التيمّم. (6)

____________

(1) الفقيه 1: 57/ 212.

(2) منها: قواعد الأحكام 1: 4؛ و نهاية الإحكام 1: 217.

(3) النهاية: 50.

(4) المعتبر 1: 394.

(5) في «ق، ك»: «فلا ينافي».

(6) الذكرى 2: 268.

343

فإن تمّ ذلك، لم يكن بدّ من جواز تقديم التيمّم على إزالة النجاسة؛ لعدم الفرق بين مقدّمات الصلاة.

و اعلم أنّ إطلاق الطهارة في العبارة على إزالة النجاسة مجاز مشهور لأنّها حقيقة في أحد الثلاثة، كما تقدّم.

[القول في أحكام التيمم]

(و لو أخلّ بالطلب) حتى ضاق الوقت و تيمّم و صلّى (ثمّ وجد الماء مع أصحابه) الباذلين (أو في رحله، أعاد) الصلاة.

و لو استمرّ الحال مشتبهاً، لم يُعد لسقوط السعي بالضيق.

و إطلاق الإعادة على القضاء مع ظهور خلل في الأداء غير مشهور خصوصاً عند المصنّف فإنّه يخصّ الإعادة في كتبه الأُصوليّة (1) بفعل الشيء ثانياً في وقته. نعم، هو مصطلح لبعض الأُصوليّين.

و لو كانت الصلاة مع ظنّ الضيق ثمّ تبيّن السعة و وجد الماء، فكذلك.

و إطلاق الإعادة تامّ عند الجميع، و إنّما يقع التكلّف في استعمال لفظ «الإعادة» في القضاء على ما قيّدنا به العبارة، و لو لا التقييد، كانت مستعملةً في بابها.

و مستند الحكم خبر مرويّ عن الصادق. (2) (عليه السلام) و ضعفه منجبر بالشهرة، كما نبّه عليه في الذكرى. (3)

و في حكم الرحل و الأصحاب ما لو وجد في الغلوات لأنّ مناط الإعادة وجدانه في محلّ الطلب.

و إنّما قيّدنا المسألة بالضيق تبعاً للرواية و فتوى الأصحاب. و لأنّه لو تيمّم كذلك مع السعة، بطل تيمّمه و صلاته و إن لم يجد الماء بعد ذلك لمخالفة الأمر و إن جوّزنا التيمّم مع سعة الوقت بعد الطلب.

و إنّما أطلق المصنّف الحكم و لم يقيّد بالضيق كما قيّده في غير هذا الكتاب (4)؛ لما أسلفه

____________

(1) منها: مبادئ الوصول إلى علم الأُصول: 86، و نهاية الوصول إلى علم الأُصول، المقصد الأوّل: في المقدّمات، الفصل السابع: في تقسيم الحكم، البحث الخامس: في القضاء و الأداء و الإعادة.

(2) الكافي 3: 65/ 10؛ التهذيب 1: 212/ 616، و فيهما مضمراً؛ و في جامع المقاصد 1: 467 عن الإمام الصادقُ.

(3) الذكرى 1: 183.

(4) قواعد الأحكام 1: 22؛ نهاية الإحكام 1: 186.

344

فيه من اعتبار التضيّق (1) في فعل التيمّم مطلقاً.

و لو جعلنا الأولويّة للاستحباب، فلا بدّ من تقييد العبارة هنا بالضيق لئلا تتناول الصحّة مع السعة حيث لا يتحقّق وجود الماء على ذلك الوجه.

و اعلم أنّ الأصل يقتضي عدم وجوب إعادة الصلاة مع مراعاة التضيّق و إن أساء بترك الطلب لإيجابه الانتقال إلى طهارة الضرورة. لكن لا سبيل إلى ردّ الحديث (2) المشهور و مخالفة الأصحاب، فإنّهم بين موجب للإعادة مطلقاً، كالشيخ (3) (رحمه اللّه) حيث حكم بأنّه مَنْ أخلّ بالطلب و تيمّم و صلّى فتيمّمه و صلاته باطلان للمخالفة، و لم يقيّد بالسعة، و بين موجب للإعادة على تقدير ظهور الماء على الوجه المذكور، و هُم المصنّف و الجماعة العاملين بمقتضى الخبر.

و يتفرّع على ذلك ما لو كان الماء موجوداً عنده فأخلّ باستعماله حتى ضاق الوقت عن الطهارة به و الصلاة، فهل يتيمّم و يؤدّي، أم يتطهّر به و يقضي؟ ظاهر إطلاق الشيخ (4) بطلان التيمّم و الصلاة قبل الطلب للفاقد يقتضي الثاني بطريق أولى. و به صرّح المحقّق بل بما هو أبلغ منه حيث قال: مَنْ كان الماء قريباً منه و تحصيله ممكن لكن مع فوات الوقت، لم يجز التيمّم، و يسعى إليه لأنّه واجده. (5)

و اختار المصنّف في المنتهي (6) و التذكرة الأوّل، قال فيها بعد حكاية هذا الفرع: الوجه عندي وجوب التيمّم لتعذّر استعماله. نعم، لو تمكّن من استعماله و [أداء (7)] و ركعة، لم يجز التيمّم. (8)

و فرّق المحقّق الشيخ علي بين ما لو كان الماء موجوداً عنده بحيث يخرج الوقت لو استعمله و بين مَنْ كان الماء بعيداً عنه بحيث لو سعى إليه لخرج الوقت، فأوجب الطهارة

____________

(1) في «م»: «الضيق».

(2) الكافي 3: 65/ 10؛ التهذيب 1: 212/ 616.

(3) النهاية: 48.

(4) النهاية: 48.

(5) المعتبر 1: 366.

(6) منتهى المطلب 3: 38.

(7) ما بين المعقوفين من المصدر.

(8) تذكرة الفقهاء 2: 161- 162، المسألة 291.

345

المائيّة على الأوّل دون الثاني، مستنداً إلى انتفاء شرط التيمّم و هو عدم الوجدان في الأوّل، و عدم صدق الوجدان في الثاني. (1)

و أنت خبير بأنّ المراد بوجدان الماء في باب التيمّم و في الآية (2) فعلًا أو قوّةً، و لهذا يجب على الفاقد الطلبُ و الشراء لصدق الوجدان. و لو كان المراد بالوجدان بالفعل، لم يجب عليه ذلك لأنّه تعالى شرط في جواز التيمّم عدم الوجدان، فلا يتمّ حينئذٍ ما ذكره من الفرق لصدق الوجدان في الصورتين بالمعنى المعتبر شرعاً، فلا بدّ من الحكم باتّفاقهما إمّا بالتيمّم كما ذكره المصنّف، أو بالطهارة المائيّة كما ذكره المحقّق.

و قريب من ذلك ما لو ضاق الوقت عن إزالة النجاسة و ستر العورة.

(و لو عدم الماء و التراب) الطاهرين و ما في حكم التراب من غبار و وحل (سقطت) الصلاة (أداءً و قضاءً).

أمّا سقوطها أداءً: فهو ظاهر الأصحاب بحيث لا نعلم فيه مخالفاً لأنّ الطهارة شرط للصلاة مطلقاً لقوله (صلّى اللّه عليه و آله)

لا صلاة إلا بطهور

(3)

و قد تعذّر فيسقط التكليف به لامتناع التكليف بما ليس بمقدور، و يلزم من سقوط التكليف بالشرط سقوط التكليف بالمشروط، و إلا فإن بقي الاشتراط، لزم تكليف ما لا يطاق، و إن انتفى، خرج المشروط المطلق عن كونه مشروطاً مطلقاً، و هو باطل.

و أمّا القضاء: ففيه قولان:

أحدهما و هو الذي اختاره المصنّف: سقوطه لانتفاء المقتضي لوجوبه، فإنّ القضاء إنّما يجب بأمرٍ جديد على أصحّ القولين للأُصوليّين، و لم يثبت الأمر في المتنازع. و لأنّ الأداء لم يتحقّق وجوبه فلا يجب القضاء.

و في الدليلين ضعف.

أمّا الأوّل: فلثبوت الأمر الجديد في قوله (صلّى اللّه عليه و آله)

مَنْ فاته فريضة

(4)

و سيأتي تحقيقه.

و أمّا الثاني: فلعدم الملازمة بين وجوب الأداء و القضاء وجوداً و عدماً.

____________

(1) جامع المقاصد 1: 467.

(2) النساء (4): 43؛ المائدة (5): 6.

(3) التمهيد لابن عبد البر 8: 215.

(4) أورده المحقّق الحلّي في المعتبر 2: 406.

346

و الثاني و اختاره الشهيد (1) (رحمه اللّه): وجوب القضاء لقوله (صلّى اللّه عليه و آله)

مَنْ فاتته صلاة فريضة فليقضها كما فاتته

(2)

و هو شامل لصورة النزاع لأن «مَنْ» من أدوات العموم.

و أُجيب: بأنّ المراد: مَنْ فاتته فريضة يجب عليه أداؤها فليقضها إذ مَنْ لا يجب عليه الأداء لا يجب عليه القضاء، كالصبي و المجنون. (3)

و يؤيّده أنّ الفريضة فعيلة بمعنى مفعولة، أي مفروضة، و هي الواجبة.

و يبعد أن يراد وجوبها على غيره بأن يكون التقدير: مَنْ فاتته صلاة مفروضة على غيره لأنّ ذلك خلاف الظاهر من حيث إنّ المتبادر غيره، و أنّه يحتاج إلى زيادة التقدير.

و فيه نظر لأنّ القضاء قد يجب على مَنْ لا يجب عليه الأداء، كما في النائم و شارب المُرقد، فإنّ القضاء يتبع سبب الوجوب كالوقت مثلًا، لا الوجوب، كما حقّق في الأُصول.

و أمّا استفادته من الفريضة فبعيد لأنّ هذا اللفظ قد صار علماً على الصلوات المخصوصة التي من شأنها أن تكون مفروضةً مع قطع النظر عمّن فُرضت عليه. أ لا ترى كيف يطلقون عليها هذا الاسم من غير نظر إلى الفاعل، فيقولون

الصلوات المفروضة حكمها كذا، و عددها كذا

و

صلاة فريضة خير من كذا

و يتبادر المعنى إلى ذهن السامع من غير ملاحظة مَنْ فُرضت عليه، و هما آية الحقيقة. و لفظ «الفريضة» و إن كان وصفاً في الأصل فقد صار علماً بالغلبة.

و ليس الاستدلال بإمكان إرادة هذا المعنى حتى يرد أنّ ذلك غير كافٍ في وجوب القضاء لإمكان العدم، و أصالة براءة الذمّة، بل تتحتّم إرادته لأنّه المتبادر إلى الأفهام، الشائع في الاستعمال، و من هنا قال المصنّف في المختلف بعد جوابه بأنّ المراد: مَن فاتته صلاة يجب أداؤها: و لقائلٍ أن يقول: وجوب القضاء معلّق على الوجوب مطلقاً، و التخصيص بوجوب الأداء لم يدلّ اللفظ عليه، و إخراج الصبيّ و المجنون بدليلٍ خاصّ-

____________

(1) الذكرى 1: 190.

(2) أورده المحقّق الحلّي في المعتبر 2: 406.

(3) المجيب هو العلامة في مختلف الشيعة 1: 284 ذيل المسألة 210.

347

و هو قوله (صلّى اللّه عليه و آله)

رفع القلم عن ثلاثة

(1)

لا يوجب إخراج غيرهما. (2) و هو موافق لما ذكرناه مع زيادة تحقيق للمقام فيما قرّرناه، و سيأتي في قضاء الصلوات إن شاء اللّه زيادة تحقيق لهذا المحلّ، و شواهد من الأخبار على وجوب القضاء غير هذه الرواية.

(و ينقضه) أي التيمّم (كلّ نواقض الطهارة) الكبرى و الصغرى (و يزيد) نواقض التيمّم على نواقضها (وجود الماء مع تمكّنه من استعماله) في الطهارة التي تيمّم عنها بحيث لا يكون له مانع حسّي، كما لو وجد الماء و له مانع من استعماله، كمتغلّب نزل على نهر فمنع من وروده، أو كان في بئر و لا وصلة له إليه، أو كان الماء بيد مَنْ لا يبذله أصلًا أو بعوضٍ غير مقدور، أو شرعيّ، كما لو كان به مرض يخشى عليه من الماء، أو يخشى حدوث مرض.

و خرج بقيد استعماله في الطهارة التي تيمّم عنها ما لو تمكّن من استعماله في الوضوء و هو متيمّم عن الجنابة، فإنّ تيمّمه لا ينتقض كما لا ينتقض في الصور المتقدّمة، لعدم التمكّن، و عدم صدق الوجدان.

و لو كان متيمّماً عن الطهارتين فتمكّن من إحداهما خاصّة، انتقض تيمّمها دون الأُخرى.

و هل يشترط في انتقاضه مضيّ مقدار زمان الطهارة متمكّناً من فعلها، أم ينتقض بمجرّد وجود الماء مع التمكّن من استعماله و إن لم يمض الزمان المذكور؟ ظاهر عبارة الكتاب و غيره و إطلاق الأخبار مثل: قول الباقر (عليه السلام)

ما لم يحدث أو يصب ماءً

(3)

الثاني. و لأنّ توجّه الخطاب إلى الطهارة المائيّة ينافي بقاء التيمّم. و لعدم الجزم بالنيّة على هذا التقدير.

و يشهد للأوّل استحالة التكليف بعبادة في وقت لا يسعها، و يدلّ عليه حقيقة التمكّن من فعلها للقطع بأنّه لو علم من أوّل الأمر أنّه لا يتمكّن من الإكمال، لم ينتقض تيمّمه، و توجّه الخطاب إنّما هو بحسب الظاهر، فإذا تبيّن فوات شرطه، انتفى ظاهراً و باطناً،

____________

(1) سنن ابن ماجة 1: 658/ 2041؛ سنن أبي داوُد 4: 140/ 4401؛ و 141/ 4403؛ سنن النسائي 6: 156؛ مسند أحمد 1: 190/ 959، و 7: 163- 164/ 24173.

(2) مختلف الشيعة 1: 284، ذيل المسألة 210.

(3) الكافي 3: 63/ 4؛ التهذيب 1: 200/ 580؛ الاستبصار 1: 163/ 565، و 164/ 570.

348

فيراعى الخطاب بفعل الطهارة المائيّة بمضيّ زمان يسعها. فإذا مضى، تبيّن استقرار الوجوب ظاهراً و باطناً، و إلا تبيّن العدم.

و مثله ما لو شرع المكلّف في الصلاة أوّل الوقت فإنّه لا يعلم بقاءه مكلّفاً إلى آخر الصلاة. و كذا الشارع في الحجّ عام الاستطاعة، فإنّه يجوّز تلف المال و عروض الحصر و الصدّ قبل الإكمال، مع أنّ نيّة الوجوب مبنيّة على أصالة البقاء، فإذا استمرّت الشرائط، كشف عن مطابقة الفعل للواقع، و إلا تبيّن عدم الوجوب.

و تظهر الفائدة فيما لو تلف الماء قبل إتمام الطهارة، فالتيمّم بحاله على الأوّل دون الثاني.

و حيث كان وجود الماء مع التمكّن من استعماله ناقضاً للتيمّم (فإن وجده قبل دخوله) في الصلاة، انتقض تيمّمه إجماعاً، و (تطهّر) فلو أهمل، ثمّ فقده بعد ذلك بحيث لو ابتدأ الطهارة لأكملها، أعاد التيمّم كما أسلفناه.

(و إن وجده و قد تلبّس) بالصلاة و لو (بالتكبيرة، أتمّ) صلاته، سواء ركع أم لأعلى المشهور لعموم قوله تعالى وَ لٰا تُبْطِلُوا أَعْمٰالَكُمْ. (1)

و لما رواه محمد بن حمران عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في المتيمّم يؤتى بالماء حين يدخل في الصلاة، قال

يمضي في الصلاة.

(2)

و قال الشيخ في النهاية: يرجع ما لم يركع (3) لقول أبي عبد اللّه (عليه السلام)

إن كان لم يركع انصرف و ليتوضّأ، و إن كان قد ركع فليمض في صلاته.

(4)

و قيل: ما لم يركع للثانية. (5)

و قيل: ما لم يقرأ. (6)

و شهرة الأوّل ترجّح العمل به. و رجّح في المعتبر روايته مع الشهرة: بأنّ ابن حمران أشهر في العلم و العدالة. (7)

____________

(1) سورة محمد (47): 33.

(2) التهذيب 1: 203/ 509؛ الإستبصار 1: 166/ 575.

(3) النهاية: 48.

(4) الكافي 3: 64/ 5؛ التهذيب 1: 204/ 591؛ الإستبصار 1: 166- 167/ 576.

(5) القائل هو ابن الجنيد كما حكاه عنه العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 275، المسألة 205.

(6) القائل هو سلار في المراسم: 54.

(7) المعتبر 1: 400.

349

و حيث قلنا: لا يرجع، فهو للتحريم: للنهي عن إبطال العمل.

و تفرّد المصنّف بجواز العدول إلى النفل (1) جمعاً بين صيانة الفريضة عن الإبطال و أدائها بأكمل الطهارتين.

و رُدّ: بأنّه في معنى الإبطال لأنّ النافلة يجوز قطعها و جواز النقل (2) في موضعٍ لدليلٍ كناسي الأذان و الجمعة (3) لا يقتضي الجواز مطلقاً، و القياس باطل. (4)

و لو ضاق الوقت، حرم قطعاً.

فرع: على القول بإكمال الصلاة بالتيمّم إمّا مطلقاً أو لتجاوزه محلّ القطع فهل يعيد التيمّم لو فقد الماء بعد الصلاة؟ قيل (5) نعم لأنّه متمكّن عقلًا من الماء. و مَنعُ الشرع من الإبطال لا يُخرجه عن التمكّن، فإنّه صفة حقيقيّة لا تتغيّر بالأمر الشرعي أو النهي. و عدم فساده بالنسبة إلى الصلاة التي كان فيها للإذن في إتمامها حذراً من إبطال العمل، أمّا غيرها فلا مانع من بطلانه بالنسبة إليه.

و هو ضعيف لأنّ الإذن في إتمامها يقتضي بقاء الإباحة، فلا تجتمع الصحّة و الفساد في طهارةٍ (6) واحدة. و المنع الشرعي كافٍ في عدم النقض كالمرض، فهو بمنزلة المنع الحسّي بل أقوى. و لأنّ التيمّم لم ينتقض بوجود الماء فبعد فقده أولى. و لأنّ صحّة أداء الصلاة تقتضي عدم ثبوت المنع من فعلها، و هو أمر مشترك بين جميع الصلوات، فعدم النقض أصحّ.

و لا فرق في الصلاة بين الفرض و النفل.

(و يستباح به كلّ ما يستباح ب) الطهارة (المائيّة) من صلاةٍ و طوافٍ واجبين أو ندبين، و دخول مسجدٍ و لو كان الكعبة، و قراءة عزيمة، و غير ذلك من واجب و مستحب؛ لقوله تعالى وَ لٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ (7) و قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «و طهوراً» (8) و

يكفيك

____________

(1) تذكرة الفقهاء 2: 211، الفرع «أ»؛ قواعد الأحكام 1: 23.

(2) كذا، و في جامع المقاصد: «القطع» بدل «النقل».

(3) أي: سورة الجمعة.

(4) الرادّ هو المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 509.

(5) القائل هو الشيخ الطوسي في المبسوط 1: 33.

(6) في «م»: «عبادة» بدل «طهارة».

(7) المائدة (5): 6.

(8) الفقيه 1: 155/ 724؛ الخصال 1: 201/ 14، و 292/ 56؛ سنن ابن ماجة 1: 188/ 567؛ سنن النسائي 1: 210، و 2: 56؛ مسند أحمد 2: 475/ 7225؛ المعجم الكبير للطبراني 11: 61/ 11085.

350

الصعيد عشر سنين.

(1)

و مَنَع فخر المحقّقين ولد المصنّف من استباحة المساجد به للجنب لقوله تعالى وَ لٰا جُنُباً إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا (2) حيث جعل غاية التحريم الغسل، فلا يزول بالتيمّم. و كذا مسّ كتابة القرآن به معلّلًا بعدم فرق الأُمّة بينهما هنا. (3) و يلزمه تحريم الطواف للجنب أيضاً بالتيمّم لاستلزامه دخول المسجد و إن لم يصرّح به.

و هو ضعيف لمعارضته بقوله (صلّى اللّه عليه و آله) لأبي ذر

يكفيك الصعيد عشر سنين

(4)

فإنّ إطلاقه يقتضي الاكتفاء به في العبادات إذ لو أراد الاكتفاء في الصلاة في البيت، لوجب البيان، حذراً من الإجمال في وقت الخطاب، الموجب للإغراء.

و بقول الصادق (عليه السلام)

إنّ اللّه جعل التراب طهوراً كما جعل الماء طهوراً

(5)

و قوله (عليه السلام)

التراب أحد الطهورين.

(6)

و لأنّ إباحة الصلاة المشترطة (7) بالطهارة الصغرى و الكبرى أعظم من دخول المساجد، فإباحتها تستلزم إباحته بطريق أولى. و ذكر الغسل في الآية (8) لكونه أصلًا اختياريّاً، و هو لا ينفي الاضطراري إذا دخل بدليلٍ آخر.

و اعلم أنّ هذه العبارة أيضاً أوفى ممّا في صدر الكتاب من قوله

و التيمّم يجب للصلاة و الطواف

إلى آخره، و قد بيّنّاه هناك.

(و لا يعيد) المتيمّم تيمّماً مشروعاً (ما صلّى به) لأنّ امتثال المأمور به على وجهه يقتضي الإجزاء.

و لا فرق في ذلك بين متعمّد الجنابة حال عجزه عن الغسل و غيره، و لا بين مَنْ منعه زحام الجمعة عن الخروج للطهارة المائيّة فتيمّم، و غيره لتحقّق الامتثال في الجميع،

____________

(1) الفقيه 1: 59/ 221؛ التهذيب 1: 194/ 561، و 200199/ 578.

(2) النساء (4): 43.

(3) إيضاح الفوائد 1: 6766.

(4) راجع المصادر في الهامش (1).

(5) الفقيه 1: 60/ 223.

(6) الكافي 3: 6463/ 4؛ التهذيب 1: 200/ 580، و فيهما: «التيمّم أحد الطهورين». و الحديث عن الإمام الباقرُ.

(7) في «م»: «المشروطة».

(8) النساء (4): 43.

351

و ما ورد خلاف ذلك ضعيف أو معارض بما هو أشهر منه.

و يدخل في إطلاقه مَنْ صبّ الماء في الوقت ثمّ تيمّم و صلّى. و في حكمه نقله عن ملكه حيث يتمّ الملك، و مروره على نهر و نحوه، و تمكّنه من الشراء و قبول الهبة فلم يفعل، و جنابته فيه عمداً إذا كان عنده ما يكفيه للوضوء خاصّة، أو كان متطهّراً و حدثه كذلك، فلا يجب القضاء في جميع ذلك.

و قد صرّح بعدم القضاء في الأصل و هو إراقة الماء في الوقت في التذكرة، (1) و اختاره الشهيد (2) (رحمه اللّه) لكونه مأموراً بالتيمّم في آخر الوقت، لعدم وجدانه الماء، فيقتضي الإجزاء و إن أساء قبل ذلك.

و اختار في القواعد (3) وجوب القضاء لمخاطبته بعد الوقت بفعل الصلاة بالطهارة المائيّة لأنّه متمكّن منها، فإذا تيمّم و صلّى بعد الإراقة، لم يخرج من العهدة إذ لم يأت بالمأمور به على وجهه، فتجب الإعادة.

و هذا إنّما يتمّ إذا لم يكن مأموراً بالتيمّم و الصلاة آخر الوقت، أمّا مع الأمر به فيتعيّن الإجزاء كما قلناه، و حيث كان المأمور به الثاني بدلًا من المأمور به الأوّل سقط اعتبار الأوّل و إن أساء لاستحالة الأمر بالبدل و المبدل معاً مع ثبوت البدليّة.

و متى قلنا بالإعادة فإنّما يعيد ما أراق الماء في وقتها. و لو كان في وقت مشترك، أعاد صلاتية معاً.

و الظاهر أنّ الصوم كالصلاة في ذلك، و لكن لم يصرّحوا به، و اشتراطه بالطهارة يلحقه بها.

(و) لو اجتمع جنب و محدث حدثاً أصغر و ميّت و عندهم من الماء ما يكفي أحدهم خاصّة، فإن كان الماء ملكاً لأحدهم، اختصّ به، و لا يجوز له بذله لغيره مع تضيّق وقت مشروط بها عليه، أو اتّساعه و عدم رجاء غير هذا الماء لأنّ الطهارة قد تعيّنت عليه و هو متمكّن من الماء فلا يعدل إلى التيمّم. و المخاطب بذلك في الميّت وليّه.

____________

(1) تذكرة الفقهاء 2: 166، المسألة 294.

(2) الذكرى 1: 183.

(3) قواعد الأحكام 1: 22.

352

و لو كان الماء مباحاً استوى الحيّان و وليّ الميّت في إثبات اليد عليه و لم يكف إلا لواحد منهم، أو مع مالك يسمح ببذله لأحدهم، أو منذوراً أو موصى به للأحوج، فالمشهور أنّه (يخصّ الجنب بالماء المباح و المبذول) للأحوج (و يتيمّم المحدث و يُيمّم الميّت) لصحيحة الحسن (1) الأرمني عن الرضا (عليه السلام) في القوم يكونون في السفر فيموت منهم ميّت، و معهم جنب و معهم ماء قليل قدر ما يكفي أحدهم أيّهم يبدأ به؟ قال

يغتسل الجنب و يترك الميّت.

(2)

و يؤيّدها أنّه متعبّد بالغسل، و الميّت قد خرج عن التكليف بالموت، و قوّة حدثه بالنسبة إلى المحدث.

قال في الذكرى: و فيه إشارة إلى عدم طهوريّة المستعمل، و إلا لأمر بجمعه. (3)

و فيه نظر لأنّ جمعه لا يلزم منه أن يجتمع منه ما يكفي واحداً، فإنّه أعمّ من ذلك، و لا دلالة للعامّ على الخاصّ، و جاز أن يعلم (عليه السلام) منه عدم اجتماع ما يرفع حدثاً آخر. اللّهمّ إلا أن يستدلّ بترك الاستفصال.

و في رواية محمد بن علي عن بعض أصحابنا عن الصادق (عليه السلام) أنّ الميّت أولى منه. (4) و عمل بمضمونها بعض (5) الأصحاب.

و يؤيّدها أنّ غسل الميّت خاتمة طهارته، فينبغي إكمالها، و الجنب قد يستدرك مع وجود الماء. و أيضاً فالقصد في غسل الميّت التنظيف و لا يحصل بالتيمّم، و في الحيّ الدخول في الصلاة و هو يحصل به.

و الرواية الأُولى أرجح لعمل الأكثر، و اتّصالها، و إرسال الثانية.

و هذا الاختصاص المذكور في العبارة بالنسبة إلى المباح بالمعنى المذكور و المبذول على سبيل الاستحباب لاشتراك الواردين في تملّكه باستوائهم في حيازته، و الفرض أنّ حصّة كلّ واحد لا تفي بحاجته، فيستحبّ له بذلها للأحوج و هو الجنب مع عدم رجاء ما به يحصل الإكمال، و لو خصّ غيره، جاز. و كذا القول في المالك الباذل.

____________

(1) في التهذيب: الحسين.

(2) التهذيب 1: 110/ 287؛ الاستبصار 1: 102/ 331.

(3) الذكرى 1: 188.

(4) التهذيب 1: 110/ 288؛ الاستبصار 1: 102/ 332.

(5) كالشيخ الطوسي في الخلاف 1: 166- 167، المسألة 118؛ و الاستبصار 1: 102 ذيل الحديث 332.

353

و لو تغلّب أحدهم على حيازته بعد استوائهم في الوصول إليه، أثم و ملك و به جزم المصنّف في التذكرة، (1) و المحقّق في المعتبر (2) لأنّ الوصول لا يفيد الملك لافتقار تملّك المباحات إلى الحيازة مع النيّة و لم يحصل الشرطان إلا للمتغلّب.

و استشكله في الذكرى بإزالة أولويّة غيره، و هي في معنى الملك، قال: و هذا مطّرد في كلّ أولويّة، كالتحجير و التعشيش و دخول الماء. (3) و قد عرفت ما فيه.

و لو سبق أحدهم، اختصّ، و لا يجوز له بذله لغيره، كالمالك له ابتداءً.

و أمّا المنذور و الموصى به للأحوج فإنّ الجنب يختصّ به على المشهور على وجه الاستحقاق لا الاستحباب.

و لو دفع لغيره، لم يجز إن كان للحيّ قطعاً، و إن كان للميّت، بني على أنّ غسله هل هو طهارة حقيقيّة و إن اشتملت على تنظيف، أو هو تنظيف كما اختاره في المعتبر (4) أو إزالة نجاسة؟ فعلى الأوّل يبطل الغسل، و يتيمّم الحيّان و يُيمّم الميّت، و على الآخَرَين يأثم المتولّي مع علمه و يجزئ.

و لو أمكن الجمع بأن يتوضّأ المحدث و يجمع ماء الوضوء، ثمّ يغسل الجنب الخالي بدنه عن نجاسة ثمّ يُجمع ماؤه و يُغسّل به الميّت، جاز لأنّ المستعمل باقٍ على حاله عندنا، و قد يجب الجمع.

و لو لم يكف الماء إلا للمحدث بالأصغر خاصّة، فهو أولى لعدم المشاحّة، و عدم تبعّض الطهارة خصوصاً مع إمكان تمام الإباحة بالنسبة إلى بعضهم. و لو لم يكن جنب، فالميّت أولى لشدّة حاجته، و لحديثه (5) المرسل.

و لو جامعهم ماسّ ميّتٍ، لم يتغيّر الحكم لأنّ حدثه ضعيف بالنسبة إلى حدث الجنب.

و لو جامعهم حائض أو نفساء، فلا نصّ فيه، لكن قيل: يقدّم الجنب لضعف حدثهما حيث إنّ انقطاع دمهما يبيح ما لا يستبيحه الجنب بدون الغسل، و للاكتفاء بغسله في

____________

(1) تذكرة الفقهاء 2: 223، الفرع «و».

(2) المعتبر 1: 407.

(3) الذكرى 1: 189.

(4) المعتبر 1: 407.

(5) التهذيب 1: 110/ 288؛ الإستبصار 1: 102/ 332.

354

استباحة الصلاة. (1) و به قطع الشهيد في الذكرى، قال: و لو قلنا بتوقّف وطئ الزوج على الغسل، أمكن أولويّتهما على الجنب لقضائهما حقّ اللّه تعالى و حقّ الزوج. (2)

و هذا التعليل إنّما يتمّ في ذات الزوج الحاضر أو في حكمه، فلو كانت خاليةً أو كان غائباً عنها بحيث لا يحضر حتى تتمكّن من الغسل غالباً، قدّم.

و كما يرجّح الجنب عليهما يرجّح على المستحاضة بطريق أولى لضعف حدثها بالنسبة إليهما.

و في ترجيحهما على المستحاضة وجه يظهر من المصنّف في النهاية (3) اختياره.

و في ترجيح الميّت عليهنّ أو بالعكس وجهان، و كذا في ترجيحهنّ على الماسّ و المحدث بالأصغر، و إن كان الترجيح أوجَه لقوّة حدثهنّ بالنسبة إليهما. و الظاهر تقديم الماسّ على المحدث.

و مزيل الخبث عن الحيّ مقدّم على الجميع لما تقدّم من أنّ للماء في رفع الحدث بدلًا، دون الخبث. و يجب تقييده بإمكان التراب و حكمه، و إلا قدّم رفع الحدث لقوّة شرطيّته في العبادة.

و مزيل الخبث عن الميّت أولى، قاله المصنّف في النهاية. (4)

قيل (5) و مزيل الطيب عن المُحرم أولى منهما.

و العطشان أولى من الجميع قطعاً. و المعصوم أولى مطلقاً.

(و لو أحدث المجنب المتيمّم، أعاد بدلًا من الغسل و إن كان) الحدث (أصغر) لأنّ التيمّم لا يرفع الحدث إجماعاً، و إنّما يفيد الإباحة، فإذا بطل بالحدث، أعاده بدلًا من الغسل لبطلان التيمّم بالحدث الطارئ، و حدث الجنابة باقٍ، فلا حكم للحدث الأصغر.

و قال المرتضى: لو وجد هذا المحدث ما يكفيه للوضوء، توضّأ به لأنّ حدثه الأوّل قد

____________

(1) قال به المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 513.

(2) الذكرى 1: 189.

(3) انظر: نهاية الإحكام: 192.

(4) نهاية الإحكام 1: 192.

(5) لم نعثر على القائل فيما بين أيدينا من المصادر.

355

ارتفع بالتيمّم، و إلا لما جاز الدخول في الصلاة به، و جاء ما يوجب الصغرى و قد وجد من الماء ما يكفيه لها، فيجب عليه استعماله، و لا يجزئه تيمّمه، فعلى هذا لو لم يجد ماءً للوضوء، تيمّم بدلًا منه. (1)

و هو ضعيف للإجماع على عدم ارتفاع حدثه الأوّل.

قال في الذكرى: و يمكن أن يريد بارتفاع حدثه استباحة الصلاة، و أنّ الجنابة لم تبق مانعةً، فلا ينسب إلى مخالفة الإجماع. (2)

و هذه الإرادة لا تدفع الضعف لأنّ الاستباحة إذا لم تستلزم الرفع، فبطلانها بالحدث يوجب تعلّق حكم الحدث الأوّل، و قد روى محمد بن مسلم في الصحيح عن أحدهما (عليهما السلام) في رجل أجنب في سفر و معه قدر ما يتوضّأ به، قال

يتيمّم و لا يتوضّأ.

(3)

(و يجوز التيمّم مع وجود الماء للجنازة) لصحّتها من دون الطهارة، و للرواية، (4) و ضعفها منجبر بالشهرة، و ادّعى الشيخ عليه إجماع الفرقة، (5) و شهادة الواحد به مقبولة فلا، يقدح حينئذٍ استشكال المحقّق في المعتبر بعدم علمه بالإجماع و ضعف الرواية. (6)

قال في المعتبر: و لو قيل: إذا فاجأته الجنازة و خشي فوتها مع الطهارة، تيمّم لها، كان حسناً لأنّ الطهارة لمّا لم تكن شرطاً و كان التيمّم أحد الطهورين، فمع خوف الفوت لا بأس بالتيمّم لأنّ حال المتيمّم أقرب إلى شبه المتطهّرين من المتخلّي منه. (7)

و فيه نظر لأنّ مثل ذلك لا يسمّى تعذّراً لاستعمال الماء، فإن كان حمل الرواية على ذلك كما هو ظاهر سياقه فالقول بها يوجب العمل بإطلاقها، و إلا فمجرّد المشابهة غير كافية في هذه الأحكام.

و هذا التيمّم مغاير لغيره بوجهين: أحدهما: جوازه مع وجود الماء. و الثاني: عدم اشتراط نيّة البدليّة على القول باشتراطها في غيره لجوازه مع القدرة على البدل، مع

____________

(1) حكاه عنه المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 395؛ و الشهيد في الذكرى 2: 283 نقلًا عن شرح الرسالة له.

(2) الذكرى 2: 283.

(3) التهذيب 1: 405/ 1272.

(4) الكافي 3: 178 179/ 5؛ التهذيب 3: 203/ 477.

(5) الخلاف 1: 161160، المسألة 112.

(6) المعتبر 1: 405.

(7) المعتبر 1: 405.

356

احتمال اشتراطها لجواز كونه بدلًا اختياريّاً.

قيل: و مثله تيمّم المحدث للنوم. (1)

(و لا يدخل) المتيمّم (به في غيرها) من الصلوات و ما يشترط فيه الطهارة لأنّ شرعيّة التيمّم مع وجود الماء مقصورة على مواضع مخصوصة على خلاف الأصل، فيقتصر به على موارده.

____________

(1) القائل هو يحيى بن سعيد الحلّي في الجامع للشرائع: 46.