روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان - ج1

- الشهيد الثاني المزيد...
463 /
357

[النظر الخامس فيما به تحصل الطهارة]

(النظر الخامس: فيما به تحصل الطهارة) بقسميها.

(أمّا) الطهارة (الترابيّة: فقد بيّنّاها) و إنّما قدّم الكلام في المطهّر فيها مع أنّه متأخّر عن الكلام على الماء؛ لأنّه مطهّر اختياريّ لا اضطراريّ؛ لقلّة مباحثه، فأدرجه مع الكلام عليها.

(و أمّا) الطهارة (المائيّة فبالماء المطلق لا غير) لتعليق التيمّم في الآية (1) على عدم وجدان الماء المطلق، فسقطت الواسطة.

و لقول الصادق (عليه السلام) و قد سُئل عن الوضوء باللبن؟ فقال

إنّما هو الماء و الصعيد

(2) و «إنّما» للحصر.

و اختصاصه بذلك من بين المائعات إمّا تعبّداً، أو لاختصاصه بمزيد رقّة و سرعة اتّصال بالمحلّ و انفصال عنه.

و قول الصدوق بجواز الوضوء و غسل الجنابة بماء الورد (3) استناداً إلى رواية (4) ضعيفة السند شديدة الشذوذ مردود بسبق الإجماع له و تأخّره عنه. و مثله حَملُ ابن أبي عقيل لها على الضرورة، مطّرداً للحكم في المضاف (5).

____________

(1) النساء (4): 43؛ المائدة (5): 6.

(2) التهذيب 1: 188/ 540؛ الاستبصار 1: 14/ 26.

(3) الفقيه 1: 6؛ الهداية: 65.

(4) الكافي 3: 73/ 12؛ التهذيب 1: 218/ 627؛ الاستبصار 1: 14/ 27.

(5) حكاه عنه العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 57، المسألة 30.

358

(و كذا إزالة النجاسة) تكون بالماء المطلق دون المضاف، فالانحصار المستفاد من مساواة المعطوف للمعطوف عليه بالنسبة إلى مطلق الماء، لا بالنسبة إلى مطلق المزيل لها؛ لعدم انحصارها (1) في الماء المطلق؛ فإنّ باقي المطهّرات العشر يشاركه في ذلك.

و أشار بذلك إلى خلاف المرتضى حيث جوّز رفع الخبث بالمضاف (2)، استناداً إلى إطلاق قوله تعالى وَ ثِيٰابَكَ فَطَهِّرْ (3) و قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في الخبر المستفيض

لا يغمس يده في الإناء حتّى يغسلها

(4) و نحوه. و المضاف يصدق عليه التطهير و الغسل.

و يدفعه الإجماعُ المتقدّم و المتأخّر، كما تقدّم، و المعارضةُ بتخصيص الغسل بالماء في قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله)

حتّيه ثمّ اغسليه بالماء

(5) و قول الصادق (عليه السلام)

إذا وجد الماء غسله

(6) و المطلق يُحمل على المقيّد.

و لمّا انحصر رفع الحدث و إزالة الخبث في الماء المطلق فلا بدّ من تعريفه ليتميّز من غيره من أقسام المياه، و تمام معرفته يحصل بمعرفة قسيمه أعني المضاف أيضاً، فلذلك عرّفه بقوله:

(و) الماء (المطلق: ما يصدق عليه إطلاق الاسم) أي يصدق عليه اسم الماء عند إطلاقه (من غير قيد).

و هذا التعريف رسم ناقص؛ لتعريفه بالخاصّة من دون ذكر الأعمّ، و هذه الخاصّة من علامات الحقيقة.

و لا يرد عليه ماء البئر و البحر و نحوهما ممّا يغلب عليه التقييد؛ لأنّ ذلك غير مستحقّ له، و لهذا لو أُطلق عليه اسم الماء بدون القيد، صحّ.

و يمكن كون التعريف لفظيّاً، و هو إبدال لفظٍ بلفظٍ أشهر منه في الاستعمال أو أوضح، مثل

«الحنطة بُرّ.

____________

(1) في «ق، م» زيادة: حينئذٍ.

(2) مسائل الناصريّات: 105 106، المسألة 22؛ و حكاه عنه المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 82 نقلًا عن شرح الرسالة له.

(3) المدّثّر (74): 4.

(4) صحيح مسلم 1: 233/ 278؛ سنن أبي داوُد 1: 25/ 103؛ سنن البيهقي 1: 75/ 202 و ما بعدها.

(5) سنن أبي داوُد 1: 99- 100/ 362؛ سنن الترمذي 1: 254- 255/ 138؛ سنن النسائي 1: 155؛ سنن البيهقي 1: 20/ 36، و 218/ 659 بتفاوت يسير.

(6) الفقيه 1: 40/ 155؛ التهذيب 1: 271/ 799؛ الاستبصار 1: 187/ 655.

359

و يؤيّده الإتيان فيه ب«ما» و هي من الأدوات العامّة التي لا تدخل التعريفات الصناعيّة؛ إذ المقصود منها كشف الحقيقة من غير نظر إلى الأفراد.

(و المضاف بخلافه) لا يصدق عليه إطلاق الاسم إلا بقيدٍ زائد على اسم الماء، كماء الورد و نحوه، و يلزم من ذلك أنّه لا يصدق عليه الماء حقيقةً بل مجازاً؛ إذ من علامة المجاز عدم تناول الاسم عند الإطلاق.

(و هما) أي المطلق و المضاف (في الأصل) أي في أصل خلقتهما قبل عروض نجاسة طارئة لهما (طاهران) لأنّ الأصل في الأشياء كلّها الطهارة إلا ما نصّ الشرع (1) على نجاسته؛ لأنّها مخلوقة لمنافع العباد، و لا يحصل الانتفاع أو لا يكمل إلا بطهارتها.

[الأقسام الأربعة للماء الملاقي بالنجاسة]

(فإذا) خرجا عن الأصل (2) بأن (لاقتهما نجاسة، فأقسامهما أربعة) و نسبة الأقسام إليهما مع أنّ المنقسم إنّما هو أحدهما جائز باعتبار كون غير المنقسم أحد الأقسام، أو لكون المنقسم هو المجموع من حيث هو مجموع، و ذلك لا ينافي عدم انقسام بعض الأفراد.

و انقسامهما إلى الأربعة باعتبار اختلاف الأحكام باختلافها، و الأمر فيها ظاهر في غير البئر، أمّا فيه فلا يتمّ على مذهب المصنّف من عدم نجاسته بالملاقاة (3)، فيلحق بالجاري، فتتداخل الأقسام.

و مجرّد وقوع الخلاف فيه إن كفى في جَعله قسماً آخر برأسه، لزم زيادة الأقسام على الأربعة؛ لوقوع الخلاف في مياه الحياض و الأواني في انفعالها بالملاقاة و إن كثرت، فينبغي جَعلها قسماً آخر.

و يمكن ترجيح جَعل البئر قسماً و إن ساواه غيره، جرياً على ما ألفوه من أفراده بناءً على ما اختاره الأكثر (4) حتى كاد يكون إجماعاً من انفعاله بمجرّد الملاقاة. و لكثرة أحكامه و تشعّب مسائله، فناسب ذلك إفراده بالذكر.

____________

(1) في الطبعة الحجريّة: «الشارع».

(2) في الطبعة الحجريّة: «عن ذلك» بدل «عن الأصل».

(3) إرشاد الأذهان 1: 236؛ تذكرة الفقهاء 1: 25، المسألة 6؛ تحرير الأحكام 1: 4؛ مختلف الشيعة 1: 25، المسألة 7؛ منتهى المطلب 1: 56 و 68؛ نهاية الإحكام 1: 235.

(4) منهم: السيّد المرتضى في الانتصار: 89 90؛ و الشيخ المفيد في المقنعة: 64؛ و الشيخ الطوسي في النهاية: 6؛ و المبسوط 1: 11؛ و سلار في المراسم: 34؛ و القاضي ابن البرّاج في المهذّب 1: 21؛ و ابن إدريس في السرائر 1: 69؛ و المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 54.

360

[الأوّل المضاف]

القسم (الأوّل: المضاف) و هو ما لا يصدق إطلاق اسم الماء عليه إلا بقيدٍ و إن كان في أصله مطلقاً، كالمتغيّر منه بطول مكثه بحيث لا يصدق إطلاق اسم الماء عليه، و (كالمعتصر من الأجسام، كماء الورد و) الماء المطلق في أصله (الممتزج بها) أي بالأجسام (مزجاً يسلبه الإطلاق، كالمرق) التي ماؤها مطلق خرج عنه بمزجه بالأجسام.

و مثله المطلق الممتزج بما عصر من الأجسام بل بأيّ صنف كان من أصناف المضاف بحيث خرج المطلق عن الإطلاق.

أمّا لو بقي المطلق الممتزج بالأجسام بعد المزج على إطلاقه، أو صار الجميع مطلقاً في الممتزج بالمضاف، لم يؤثّر المزج، بل يجوز استعمال الجميع فيما يتوقّف على المطلق، خلافاً لبعض العامّة (1) حيث أوجب إبقاء قدر المضاف.

و ضعفه ظاهر؛ لأنّ الحكم تابع للإطلاق، و هو موجود في الجميع.

و على هذا لو توقّفت الطهارة على المزج، وجب عيناً من باب مقدّمة الواجب المطلق الذي لا يتمّ إلا بالمزج، خلافاً للشيخ (2) (رحمه اللّه) حيث لم يوجبه و إن جوّزه. و هو مع ضعفه متناقض (3).

(و هو) أي المضاف (ينجس) بفتح العين و ضمّها، ك«يعلم» و «يكرم» فعين ماضيه مضمومة و مكسورة (بكلّ ما يقع فيه من النجاسة، قليلًا كان) المضاف (أو كثيراً) و سواء غيّرت النجاسة أحدَ أوصافه أم لا؛ لقصوره عن دفع النجاسة عن غيره فكذا عن نفسه، كالقليل.

و لقوله (صلّى اللّه عليه و آله) حين سُئل عن فأرة وقعت في سمن

إن كان مائعاً فلا تقربوه

(4) و ترك الاستفصال دليل العموم.

و للإجماع.

[الثاني الجاري من المطلق]

القسم (الثاني: الجاري من) الماء (المطلق) و المراد به النابع غير البئر، سواء جرى أم

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 1: 26؛ المجموع 1: 99- 100.

(2) المبسوط 1: 109.

(3) في «م»: «مناقض».

(4) سنن أبي داود 3: 364/ 3842؛ سنن البيهقي 9: 593/ 19621؛ المصنّف لعبد الرزّاق 1: 84/ 278؛ مسند أحمد 2: 521/ 7547.

361

لا، و إطلاق اسم الجاري عليه إمّا حقيقة عرفيّة، أو تغليب لبعض أفراده على الجميع.

و أمّا الجاري غير النابع فهو من أقسام الواقف، و سيأتي.

(و لا ينجس) الجاري (إلا بتغيّر) أحد أوصافه الثلاثة (لونه أو طعمه أو ريحه) لا مطلق الصفات، كالحرارة و نحوها (بالنجاسة) متعلّق بالمصدر، و هو «تغيّر».

و يستفاد من الاستثناء من المنفي، المقتضي لحصر الحكم في المثبت: أنّه لو تغيّر في أحد أوصافه بالمتنجّس لا بالنجاسة، لم ينجس، كما لو وضع فيه دبس نجس فغيّر طعمه بحيث لو انفردت النجاسة المنجّسة للدبس عنه و وضعت في الجاري، لم تُغيّره.

و المراد برائحة الماء: سلامته من رائحة مكتسبة، سواء كان له رائحة في أصله أم لا. و كذا القول في قسيميها.

و المعتبر في التغيّر بالنجاسة ما كان بواسطة ملاقاتها، فلا ينجس بالتغيّر الحاصل من المجاورة و مرور الرائحة على الماء، كالجيفة الملقاة على جانب الشط فيتغيّر (1) بها.

و هل المعتبر في التغيّر الحسّيّ أو التقديريّ؟ ظاهر المذهب: الأوّل، و هو اختيار الشهيد (2) (رحمه اللّه). و اختار المصنّف (3) الثاني. فلو وقعت نجاسة مسلوبة الصفات في الجاري و الكثير، فهو باقٍ على طهارته على الأوّل؛ لدوران النجاسة مع تغيّر أحد الأوصاف الثلاثة، و التغيّر حقيقةً هو الحسّيّ و لم يحصل. و المصنّف يُقدّرها على أوصاف مخالفة كالحكومة في الحُرّ، فإن كان الماء يتغيّر بها على ذلك التقدير، حكم بنجاسته، و إلا فهو باقٍ على طهارته.

و احتجّ على ذلك: بأنّ التغيّر الذي هو مناط النجاسة دائر مع الأوصاف، فإذا فقدت، وجب تقديرها، و هو عين المتنازع. و احتجّ له: بأنّ عدم وجوب التقدير يفضي إلى جواز الاستعمال و إن زادت النجاسة على الماء أضعافاً، و هو كالمعلوم البطلان.

و ضعفه ظاهر؛ فإنّه مجرّد استبعاد.

و لا ريب أنّ مختار المصنّف أحوط إن لم يتوقّف عليه عبادة مشروطة بالطهارة أو بإزالة النجاسة، و إلا لم يتمّ الاحتياط، و عليه يمكن تقدير المخالفة على وجه أشدّ، كحدّة الخَلّ،

____________

(1) في «ق، م»: «فتغيّر».

(2) البيان: 98.

(3) قواعد الأحكام 1: 4؛ منتهى المطلب 1: 42؛ نهاية الإحكام 1: 229.

362

و ذكاء المسك، و سواد الحِبْر؛ لمناسبة النجاسة تغليظ الحكم، و هو الظاهر من كلامه في النهاية (1). و اعتبار الوسط بناءً على الأغلب.

و هل تعتبر أوصاف الماء وسطاً؛ لاختلافها في قبول التغيّر و عدمه، كالعذوبة و الملوحة، و الرقّة و الغلظة، و الصفاء و الكدورة؟ فيه احتمال.

و ما اختاره الشهيد (2) (رحمه اللّه) أوضح فتوًى و أسلم من تقدير ما ليس بموجود و ترتّب الحكم عليه.

و اعلم أنّه يستفاد من الحصر المذكور عدم اشتراط الكُرّيّة في الجاري، كما هو المشهور بين الأصحاب، بل قال في الذكرى: لم أقف فيه على مخالف ممّن سلف (3).

و حجّتهم الأخبار عن أهل البيت (عليهم السلام) برفع البأس عن ملاقاته للنجاسة من غير تقييد بالكُرّيّة، كقول الصادق (عليه السلام)

لا بأس أن يبول الرجل في الماء الجاري

(4). و لأنّه قاهر للنجاسة غالب عليها؛ لعدم استقرارها. و لأنّ تعليق الحكم على الوصف يُشعر بالعلّيّة. و لأنّ الأصل الطهارة، فنستصحب حتى تظهر دلالة تنافيه.

و ذهب المصنّف (رحمه اللّه) في سائر كتبه (5) إلى اشتراطها فيه، فلو كان دون الكُرّ، نجس كالواقف بمجرّد ملاقاة النجاسة له مع تساوي سطوحه، و مع اختلافها ما تحت النجاسة أيضاً دون ما فوقها، محتجّاً بعموم الأدلّة الدالّة على اعتبار الكُرّيّة، و لا معارض له، فيجب التمسّك به.

و أُجيب (6): بتعارض العمومين، و الترجيح في جانب الشهرة؛ لما ذُكر، فيخصّ اعتبار الكُرّيّة بغير النابع.

أقول: في حجّة المشهور نظر؛ إذ لا دلالة في نفي البأس عن البول في الجاري على عدم انفعال القليل منه بالنجاسة بإحدى الدلالات. و الاستدلال بعمومه لو سُلّم فإنّما يدلّ على جواز تنجيسه مع قلّته، و هو غير المتنازع. و لمعارضته بقول عليّ (عليه السلام)

نهي أن يبول الرجل

____________

(1) انظر: نهاية الإحكام 1: 229.

(2) الذكرى 1: 74.

(3) الذكرى 1: 79.

(4) التهذيب 1: 31/ 81، و 43/ 121؛ الاستبصار 1: 13/ 23.

(5) تذكرة الفقهاء 1: 17، الفرع الثاني؛ قواعد الأحكام 1: 4؛ نهاية الإحكام 1: 228 و 229.

(6) المجيب هو المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 111.

363

في الماء الجاري إلا من ضرورة

(1) فقد تساوى الماءان في النهي، و من ثَمَّ حكموا بكراهة البول فيهما.

و لا يرد: أنّ النجاسة بأس فنفيه يقتضي نفيها؛ لأنّ المراد بالبأس في هذا و نظائره الحرامُ؛ فإنّ البأس لغة هو: العذاب، و هو مسبّب عن التحريم، فأُطلق اسمه على السبب؛ إذ لا يصلح هنا غير ذلك من معانيه لغةً.

و قهره للنجاسة و غلبته عليها لا يصلح دليلًا شرعيّاً، مع معارضته بماء البئر عندهم. و خروجه بنصٍ خاصّ عين المدّعى هنا؛ إذ لا معارض لدليل اشتراط الكُرّيّة في عدم الانفعال بالملاقاة.

و تعليق الحكم بالوصف الذي هو الجريان ليس هو الحكم المتنازع؛ لعدم دلالة الحديث عليه، و ما دلّ عليه لا تنازع فيه. هذا مع تسليم العمل بالعلّيّة المدّعاة.

و الأصل المذكور قد عُدل عنه؛ للدليل الدالّ على انفعال ما دون الكُرّ بالخبث.

و قد بالغ الشيخ عليّ (2) (رحمه اللّه)، فادّعى الإجماع على عدم اشتراط الكُرّيّة بناءً على أنّ المخالف معلوم النسب، و لم يذكر ذلك غيره، و إنّما قال الشهيد (رحمه اللّه): لا أعلم مخالفاً (3). و عدم العلم لا يدلّ على العدم، مع أنّ عدم علمه به غريب، و قد أسلفنا في باب الحيض ما يدلّ على عدم صحّة هذه الدعوى.

مع أنّه يمكن معارضة هذا الإجماع؛ لأنّ المخالف المعلوم النسب و إن كان مائةً لا حجّة في قوله. و نحن لو حاولنا معرفة مَنْ قال بعدم الاشتراط، لم نقدر على عشرة، مع أنّ جماعة من المتأخّرين عن (4) المصنّف (رحمه اللّه) وافقوه على مقالته، و لا شكّ أنّ للشهرة ترجيحاً، إلا أنّ الدليل على مدّعاها غير قائم، و لعلّه أرجح منها.

و على القولين لا فرق في الجاري بين دائم النبع صيفاً و شتاءً و بين المنقطع أحياناً؛ لاشتراكهما في اسم النابع و الجاري حقيقةً، فكلّ ما دلّ على أحدهما دلّ عليهما؛ إذ الدليل محصور فيما ذُكر.

____________

(1) التهذيب 1: 34/ 90؛ الاستبصار 1: 13/ 25.

(2) جامع المقاصد 1: 111.

(3) الذكرى 1: 79.

(4) في الطبعة الحجريّة: «غير» بدل «عن».

364

و فرّق الشهيد في الدروس بين دائم النبع و غيره، فلم يشترط الكُرّيّة في الأوّل و شرطها في الثاني (1)، فعنده الشرط في الجاري أحد الأمرين: إمّا الكُرّيّة، أو دوام النبع، و تبعه الشيخ جمال الدين ابن فهد في الموجز (2). و نحن نطالبهما بدليلٍ شرعيّ على ذلك.

(فإن تغيّر) بعض الجاري (نجس المتغيّر خاصّةً) دون ما فوقه و ما تحته و ما حاذاه، إلا أن ينقص ما تحته عن الكُرّ و يستوعب التغيّر عمود الماء، و هو خط ممّا بين حافّتيه عرضاً و عمقاً، فينجس ما تحت المتغيّر أيضاً؛ لتحقّق الانفصال.

و على القول باشتراط الكُرّيّة أو كان الجاري لاعن مادّة و لاقته نجاسة، لم ينجس ما فوقها مطلقاً و لا ما تحتها إن كان جميعه كُرّاً إلا مع تغيّر بعض الكُرّ، فينجس الأسفل، أو استيعاب التغيّر ما بين الحافّتين، فيشترط في طهارة الأسفل كُرّيّته، كذا فصّله جماعة (3) من المتأخّرين.

و اعلم أنّ في هذا المقام بحثاً و في كلام القوم في هذا التفصيل اضطراباً. و تحرير المقام: أنّ النصوص الدالّة على اعتبار الكثرة مثل: قوله (عليه السلام)

إذا بلغ الماء قدر كُرّ لم ينجّسه شيء

(4) و كلام أكثر الأصحاب ليس فيه تقييد الكُرّ المجتمع بكون سطوحه مستويةً، بل هو أعمّ منه و من المختلف كيف اتّفق.

و قد ذكره المصنّف في كُتبه و غيرُه في عدّة مسائل، كهذه المسألة، و مسألة الغديرين الموصول بينهما بساقية، و مسألة القليل الواقف إذا اتّصل بالجاري، فإنّه حكم باتّحاد حكم الغديرين مع الساقية (5)، فمتى كان المجموع كُرّاً، لم ينفعل بالملاقاة، و مثله في القليل المتّصل بالجاري.

و مقتضى هذا الإطلاق الموجود في النصّ و الفتوى: أنّ كِ من العالي و السافل يتقوّى بالآخر.

و تفصيلهم هذا الذي حكيناه في أوّل المسألة صريح فيه؛ فإنّهم حكموا فيه بأنّه متى

____________

(1) الدروس 1: 119.

(2) الموجز (ضمن الرسائل العشر): 36.

(3) منهم: الشهيد في الدروس 1: 119؛ و البيان: 98؛ و المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 111- 112.

(4) الكافي 3: 2/ 1 و 2؛ التهذيب 1: 4039/ 107 109؛ الإستبصار 1: 6/ 31.

(5) نهاية الإحكام 1: 232.

365

كان المجموع كُرّاً و لم يتغيّر بعضه، لم ينجس، و كذا لو قطعت النجاسة عمود الماء مع كون الأسفل كُرّاً، فلو لا تقوّي الأعلى بالأسفل، لزم نجاسة الأعلى من الأسفل متى نقص عن كُرّ مطلقاً.

و قد قيّد هذا الإطلاقَ جماعة من المتأخّرين كالشهيد (1) و الشيخ علي (2) رحمهم اللّه، فذكروا في مسألة الغديرين و القليل المتّصل بالجاري أنّ الاتّحاد لا يحصل بينهما إلا مع تساوي السطوح أو عُلوّ الغدير الكثير و الجاري على القليل، فلو انعكس الفرض بأن كان الغدير القليل أعلى نجس بالملاقاة، و كذا الواقف المتّصل بالجاري بناءً منهم على أنّ الأعلى لا يتقوّى بالأسفل، مع أنّهم وافقوا في مسألة الكتاب على التفصيل المتقدّم، المستلزم لتقوية كلّ منهما للآخر، و إطلاق النصّ يدلّ عليه.

و يلزمهم من عدم تقوية الأسفل أن ينجس كلّ ما كان تحت النجاسة من الماء المنحدر و إن كثر جدّاً، و هو غير موافق للحكمة، و لا يدلّ عليه دليل، بل يلزم على هذا نجاسة الجاري على القول باشتراط كُرّيّته مع عدم تساوي سطوحه في كلّ ما سفل منه عن النجاسة و إن كان نهراً عظيماً ما لم يكن فوقه منه كُرّ، و هذا كلّه مستبعد جدّاً بل باطل.

و بالجملة، فكلام المتأخّرين في المسألة متناقض إلى أن يبدو لنا الفرق بين المقامين، و أنّى لهم به مع اتّحاد موضوع المسألتين؟

و الذي يظهر في المسألة و دلّ عليه إطلاق النصّ: أنّ الماء متى كان قدر كُرّ متّصلًا ثمّ عرضت له النجاسة، لم تؤثّر فيه إلا مع التغيّر، سواء كان متساوي السطوح أم مختلفها، و إن كان أقلّ من كُرّ، نجس بالملاقاة مع تساوي سطوحه، و إلا الأسفل خاصّة.

ثمّ إن اتّصل بالكثير بعد الحكم بنجاسته، اعتبر في الحكم بطهره مساواة سطوحه لسطوح الكثير أو عُلوّ الكثير عليه، فلو كان النجس أعلى، لم يطهر.

و الفرق بين الموضعين: أنّ المتنجّس يشترط ورود المطهّر عليه، و لا يكفي وروده على المطهّر، خلافاً للمرتضى (3)، كما سيأتي، فإذا كان سطحه أعلى من سطح الكثير، لم يكن الكثير وارداً عليه.

____________

(1) البيان: 99؛ الدروس 1: 119؛ الذكرى 1: 85.

(2) جامع المقاصد 1: 112 و 115.

(3) مسائل الناصريّات: 7372، المسألة 3.

366

و لكن يشكل على هذا الحكم مع تساوي السطوح؛ إذ لا يتحقّق ورود الطاهر حينئذٍ، مع اتّفاق كلامهم على طهر المتنجّس حينئذٍ.

و يمكن حلّه بأنّ جماعة من الأصحاب منهم المصنّف في التذكرة (1)، و الشهيد في الذكرى (2) شرطوا في طُهر النجس في هذه الحالة امتزاج الطاهر به، و لم يكتفوا بمجرّد المماسّة. و هذا الشرط في الحقيقة يرجع إلى عُلوّ الجاري؛ إذ لا يتحقّق الامتزاج بدونه، و حينئذٍ يتحقّق الشرط، و هو ورود الطاهر على النجس، و يزول الإشكال.

و هذا الشرط حسن في موضعه، مع احتمال عدم اشتراط شيء من ذلك، بل الاكتفاء بمجرّد اجتماع الكُرّ؛ لصدق الوحدة الموجبة للكثرة الدافعة للنجاسة، خصوصاً لو ثبت قوله (صلّى اللّه عليه و آله)

إذا بلغ الماء كُرّاً لم يحمل خبثاً

(3) و إطلاق جماعة من الأصحاب يدلّ عليه.

لكنّ العمل على ما ذكرناه أقوى؛ لعدم ثبوت الخبر، و إنّما الخبر الذي ورد صحيحاً ما أسلفناه (4) من قوله (عليه السلام)

إذا بلغ الماء قدر كُرّ لم ينجّسه شيء

كما سيأتي تحقيقه إن شاء اللّه، و حينئذٍ لا يدلّ اجتماع الماء قدر كُرّ إلا على عدم قبوله للنجاسة الطارئة لأعلى رفعه للسابقة.

نعم، يلزم ذلك لمثل الشيخ علي (5) (رحمه اللّه) حيث عمل بمضمون الخبر، و حكم بطهر النجس إذا بلغ كُرّاً و إن كان في هذه المسألة قد أنكر الطهارة و تقوية الأسفل للأعلى.

و أقوى ما يحتجّ به على ذلك: أنّ الأسفل و الأعلى لو اتّحدا في الحكم، لزم تنجّسهما بالملاقاة مع القلّة، فيلزم تنجّس كلّ ماءٍ أعلى متّصل بماء أسفل مع القلّة، و هو معلوم البطلان، و حيث لم ينجس بنجاسته لم يطهر بطهره، و هو الجزء الممتزج من أسفله بالكثير مثلًا.

و هذه حجّة متينة، لكن يجاب عنها من حيث المعارضة و الحلّ.

____________

(1) تذكرة الفقهاء 1: 23، الفرع الثاني.

(2) الذكرى 1: 85.

(3) أورده السيّد المرتضى في الانتصار: 85، المسألة 1؛ و الشيخ الطوسي في الخلاف 1: 174، المسألة 127؛ و العلامة الحلّي في تذكرة الفقهاء 1: 23- 24 الفرع السادس؛ و الشهيد في الذكرى 1: 80.

(4) في ص 364.

(5) انظر جامع المقاصد 1: 133- 134.

367

أمّا الأوّل: فلموافقتهم في مسألة الجاري لاعن مادّة على عدم نجاسة المجموع إذا كان كُرّاً و أصابته نجاسة غير مغيّرة، أو كانت مغيّرةً و لم تقطع عمود الماء و كان الباقي من الأعلى و الأسفل كُرّاً، أو قطع عمود الماء مع كون الأسفل كُرّاً، و في كلّ هذه الصور يتقوّى الأعلى بالأسفل، و إلا لزم الحكم بنجاسته.

و بيان ذلك: أنّ الجزء من الماء المتّصل بالنجاسة أو المساوي لها في السطح ينجس بها؛ لمماسّته لها مع عدم الكثرة المتّصلة به من أعلى، كما هو المفروض، ثمّ ذلك الجزء يماسّ جزءاً آخر و هلمّ جرّاً إلى آخر الأسفل، فلو لم يتقوّ الأعلى بالأسفل، لزم نجاسة جميع ما جاوز النجاسة إلى المنتهي السفلي و إن كان كثيراً، مع حكمهم بعدم نجاسته.

و أما الثاني: فلأنّا نمنع من استلزام ذلك نجاسة الأعلى؛ فإنّا لم نحكم عليه بالطهارة لمجرّد التقوية أو الاتّصال، بل لدخوله في عموم الخبر أو إطلاقه، فإنّه يصدق عليه أنّه كُرّ فلا ينجّسه شيء، بخلاف ما نقص عنه. و أمّا عدم نجاسة الأعلى على تقدير القلّة فالإجماع منعقد على أنّ النجاسة لا تسري إلى الأعلى مطلقاً، و لا خصوصية لذلك بالماء و لا بغيره، بل يأتي في المائعات التي لا يقوّي بعضها بعضاً مطلقاً؛ لعدم تعقّل سريان النجاسة إلى الأعلى مع كون حركته إلى جهة النجاسة، و لو كان كذلك، لما أمكن الحكم بطُهر شيء بالقليل؛ لأنّه عند صبّ الماء و اتّصاله بالنجس ينجس الماء في الآنية المصبوب منها و تنجس الآنية، و ذلك كلّه خلاف الإجماع.

و جملة الجواب ترجع إلى أنّ تقوّي الأعلى بالأسفل على تقدير الكثرة إنّما هو بالنصّ لا بالاستنباط، و لا يرد النقض باستلزامه نجاسة الأعلى حينئذٍ.

و يتفرّع على ما ذكرناه من التفصيل مسائل:

منها: الجاري غير النابع عند الجماعة.

و منها: الجاري و إن كان نابعاً عند المصنّف و مَنْ تبعه على اشتراط كُرّيّته. و قد علم حكمهما.

و منها: الغديران إذا لم يكن كلّ منهما كُرّاً و وصل بينهما قبل ملاقاة النجاسة لهما، فإنّهما لا يقبلان النجاسة حينئذٍ إلا بالتغيير، و لو لاقتهما أو أحدهما النجاسة قبل الاتّصال، لم ينفعهما.

368

و منها: مادّة الحمّام. و سيأتي الكلام فيها إن شاء اللّه.

و منها: القليل الواقف المتّصل بالجاري عندهم، أو بالكثير عند المصنّف، فإنّه لا ينجس. و لو نجس قبل الاتّصال، لم يطهر به ما لم يَعْلُ عليه الكثير.

و من هذا الباب ماء المطر الجاري في الطرق ثمّ يتّصل بالكثير أو يصير كثيراً قبل ملاقاة النجاسة له. فلو أصابته النجاسة بعد انقطاع المطر، فإن كان بعد كثرته أو وصوله إلى الكثير، لم ينجس بدون التغيّر. و إن كان قبله، نجس و إن اتّصل بعد ذلك. و على ما اختاره المتأخّرون ينجس على التقديرين.

و منه ما لو صبّ الماء من آنية إلى الكثير، فإنّه إن كان نجساً، لا يطهر منه ما فوق الكثير و لا الآنية. و إن كان طاهراً و أصابته نجاسة غير مغيّرة بعد وصول أوّله إلى الكثير و اتّصاله، لم ينجس. و عندهم ينجس على الحالين.

و على ما يظهر من إطلاق النصّ و فتوى المصنّف و غيره يلزم طهارة الماء النجس عند صبّ بعضه في الكثير بحيث يطهر الإناء المماسّ للماء النجس و ما فيه من الماء عند وصول أوّله إلى الكثير. و هو بعيد، بل هو على طرف النقيض لتفصيل المتأخّرين.

و المسألة من المشكلات، و لم نقف فيها على ما يزيل عنها الالتباس السابق. و اللّه أعلم بحقائق أحكامه.

(و يطهر) المتغيّر من الجاري (بتدافع الماء الطاهر عليه حتى يزول التغيّر) و إن كان التدافع بقصد ذلك، بل لو زال تغيّره من نفسه بغير تدافع، طهر؛ لأنّ زوال التغيّر كافٍ في طهارته؛ لقوّته بالنبع بناءً على عدم اشتراط كُرّيّته.

(و ماء الحمّام) و هو ما في حياضه الصغار ممّا لا يبلغ الكُرّ (إذا كانت له مادّة) حاصلة (من كُرّ فصاعداً) مع عدم تساوي سطوح الماء، أمّا معه فيكفي بلوغ المجموع كُرّاً (و ماء الغيث حال تقاطره كالجاري) خبر المسألتين (1)؛.

أمّا الأوّل: فمستنده النصّ عن الصادق (عليه السلام)

أنّه بمنزلة النهر

(2)؛ و عن الباقر (عليه السلام)

لا بأس به إذا كان له مادّة

(3)؛.

____________

(1) أي قوله: «كالجاري» خبر المسألتين.

(2) الكافي 3: 14/ 1.

(3) الكافي 3: 14/ 2؛ التهذيب 1: 378/ 1168.

369

و اشتراط كونها كُرّاً فصاعداً هو أشهر القولين و أحوطهما، حملًا للمطلق على المقيّد. و لانفعال ما دون الكُرّ بالملاقاة، و لا يدفع النجاسة عن غيره.

و قال المحقّق في المعتبر (1): لا يشترط؛ لإطلاق الرواية بالمادّة، و الإتيان بها منكرةً، مع عموم البلوى بالحمّام.

و أُجيب: بأنّها مقيّدة بالكُرّ، جمعاً بين النصّين، و ترجيحاً للشهرة (2).

هذا مع عدم كون ماء الحمّام صادراً عن الجاري، و إلا فله حكمه.

تنبيهات:

الأوّل: إنّما تتحقّق كُرّيّة المادّة قبل اتّصالها بالحوض؛ لأنّ ذلك هو المتعارف، و حينئذٍ فالمعتبر كُرّيّتها بعد ملاقاة النجاسة للحوض مثلًا، و ذلك يقتضي زيادتها عن كُرّ قبل ذلك ليتحقّق عدم انفعال الماء حال ملاقاة النجاسة؛ إذ المعتبر كُرّيّة المادّة بعد الملاقاة.

و يشكل الفرق حينئذٍ بين هذه المسألة و بين مسألة الغديرين المتّصلين فإنّ المصنّف و غيره قد حكموا باتّحادهما على الوجه المتقدّم (3)، فلو اعتبر هنا كُرّيّة المادّة من دون الحوض، لزم كون حكم الحمّام أغلظ من غيره و الحال يقتضي العكس، كما اختاره المحقّق.

و أُجيب عن ذلك: بحمل اتّصال الغديرين بالساقية على كونها في أرض منحدرة لا نازلة من ميزاب و نحوه كمادّة الحمّام، و إلا لم يحكم باتّحادهما لئلا يلزم مثله في الحمّام بطريق أولى.

و هذا الجمع لا يخلو من وجه، إلا أنّ فيه تقييداً لمطلق النصّ من غير دليلٍ بيّن.

و لو قيل بالاكتفاء في الموضعين بمطلق الاتّصال، أمكن خصوصاً الحمّام. و حينئذٍ فيعتبر كون المجموع من المادّة و الحوض كُرّاً، فلا ينفعل بالنجاسة بعد ذلك إلا بالتغيّر.

الثاني: حيث اشترطنا كُرّيّة المادّة فقال المصنّف (4) و جماعة (5): لا فرق بين الحمّام

____________

(1) المعتبر 1: 42؛ و انظر جامع المقاصد 1: 113.

(2) المجيب هو المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 113.

(3) في ص 364.

(4) نهاية الإحكام 1: 230.

(5) منهم: الشهيد في الذكرى 1: 80؛ و السيوري في التنقيح الرائع 1: 38.

370

و غيره لحصول الكُرّيّة الدافعة للنجاسة.

و توقّف المصنّف في المنتهي (1). و جزم ولده فخر الدين بالفرق (2).

و الحقّ أنّا إن اعتبرنا كُرّيّة المادّة منفصلةً عن الحوض كما يقتضيه إطلاقهم، أو اكتفينا بمطلق الاتّصال و إن كان من ميزاب، أو كانت المادّة متّصلةً بالحوض بالجريان على أرض منحدرة كما مرّ، فلا فرق بينه و بين غيره، و إلا فالفرق واضح، و اختصاصه بالرخصة بيّن.

و لكنّ جَزْمَ الجماعة بعدم الفرق و منهم المصنّف و الشهيد رحمهما اللّه يقتضي عدم اعتبار تلك الشروط في الاتّصال لأنّ الغالب على ماء الحمّام النزول من ميزابٍ و نحوه.

الثالث: هذا البحث كلّه إنّما هو في عدم انفعال ماء الحوض بمجرّد الملاقاة، أمّا لو فرضت نجاسته، فهل يطهر بمجرّد وصول المادّة إليه، أو لا بدّ من استيلائها عليه؟ صرّح المصنّف في النهاية بالثاني (3)، و هو اختيار الشهيد (رحمه اللّه) في مطلق تطهير الماء النجس بالكثير أو بالكُرّ (4).

و الظاهر من كلام المصنّف في مواضع الأوّل فإنّه يكتفي بمجرّد الاتّصال في مسألة الوصل بين الغديرين (5) و نحوهما.

و هو أجود للأصل، و عدم تحقّق الامتزاج لأنّه إن أُريد به امتزاج مجموع الأجزاء (6)، لم يتحقّق الحكم بالطهارة لعدم العلم بذلك، بل ربما عُلم عدمه. و إن أُريد به البعض، لم يكن المطهّر للبعض الآخر الامتزاجُ، بل مجرّد الاتّصال، فيلزم إمّا القول بعدم طهارته، أو القول بالاكتفاء بمجرّد الاتّصال.

و لأنّ الأجزاء الملاقية للطاهر تطهر بمجرّد الاتّصال قطعاً، فتطهر الأجزاء التي تليها لاتّصالها بالكثير الطاهر. و كذا القول في بقيّة الأجزاء.

و لأنّ اتّصال القليل بالبالغ قبل النجاسة كافٍ في دفع النجاسة و عدم قبولها و إن لم يمتزج به فكذا بعدها لأنّ عدم قبول النجاسة إنّما هو بصيرورة الماءين ماءً واحداً

____________

(1) منتهى المطلب 1: 32، الفرع الثالث.

(2) لم نعثر عليه في مظانّه.

(3) نهاية الإحكام 1: 230.

(4) الذكرى 1: 85، البيان: 99.

(5) منتهى المطلب 1: 53- 54، الفرع الثالث؛ نهاية الإحكام 1: 232.

(6) في «ق، م» زيادة: «بمجموع الأجزاء».

371

بالاتّصال، و هو بعينه قائم في المتنازع لأنّ الوحدة و التقوّي لو توقّفا على الامتزاج، لتوقّفا في الأوّل، لكن لا بدّ هنا من كون المادّة كُرّاً بدون ما في الحوض.

و كذا القول في نظائر هذه المسألة. و منه ما لو غمس الكوز بمائه النجس في الكثير الطاهر، فإنّه يطهر بمجرّد المماسّة. و لا فرق بين واسع الرأس و ضيّقه.

الرابع: اعتبار كُرّيّة المادّة المذكورة تحقيقيّ لا تقريبيّ، كما في نظائرها من المياه الكثيرة، فلو شكّ في بلوغها الكُرّ، بنى على الأصل، و هو عدم البلوغ. و يقوم مقام الاعتبار شهادة عدلين بذلك.

و هل يكفي الواحد؟ يحتمله، فيجعل من باب الإخبار لا الشهادة، و به قطع المحقّق الشيخ عليّ (1)، و يقرب لو كان له يد على الحمّام، كالمالك و المستأجر و الوكيل. و عدمه لعدم إفادة قوله العلم و لا الظنّ الشرعي.

و يمكن قبول قول ذي اليد على الحمّام مطلقاً، كما هو المنقول عن ولد (2) المصنّف، لكن ذلك يتطرّق إلى قبول قول ذي اليد على الماء مطلقاً في كثرته، كما يقبل قوله في طهارته و نجاسته.

اللّهمّ إلا أن يفرّق بين الحمّام و غيره بعموم البلوى به، كما ذكره المحقّق في المادّة (3)، لكن ذلك لا يتمّ إلا مع النصّ لا الاستنباط، فإنّ عموم البلوى ليس دليلًا شرعيّاً برأسه، بل يصلح معلّلًا للنصّ الخارج عن الأصل.

و أمّا الثاني و هو إلحاق ماء المطر حال تقاطره بالجاري: فمستنده ما رواه هشام بن الحكم في الصحيح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)

في ميزابين سالا، أحدهما بول و الآخر ماء المطر فاخلتطا فأصاب ثوب الرجل لم يضرّه ذلك

(4). و في حديثٍ آخر عنه (عليه السلام)

لو أنّ ميزابين سالا، أحدهما ميزاب بول و الآخر ميزاب ماءٍ فاختلطا ثمّ أصابك ما كان به بأس

(5). و في صحيحة عليّ بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) في البيت يبال على ظهره و يغتسل من

____________

(1) لم نعثر على قوليهما في مظانهما.

(2) لم نعثر على قوليهما في مظانهما.

(3) انظر: المعتبر 1: 42؛ و جامع المقاصد 1: 113.

(4) الكافي 3: 12/ 1؛ التهذيب 1: 411/ 1295.

(5) الكافي 3: 1312/ 2؛ التهذيب 1: 411/ 1296.

372

الجنابة ثمّ يصيبه المطر، أ يؤخذ من مائه و يتوضّأ للصلاة؟ فقال

إذا جرى فلا بأس

(1). و في حديثٍ مرسل عنه (عليه السلام)

كلّ شيء يراه ماء المطر فقد طهر

(2). فالنصّ المعتبر على ما رأيت ورد في النازل منه من ميزابٍ، فلذلك خصّه به الشيخ (3)، و عمّم باقي الأصحاب (4)، و استند بعضهم (5) فيه إلى الحديث (6) المرسل. و هو ليس بحجّة.

و حمل المصنّف في المنتهي الجريان في حديث عليّ بن جعفر على النزول من السماء (7).

و هو بعيد فإنّ أصابه المطر في السؤال صريح في النزول، فيعرى الاشتراط عن الفائدة.

و على كلّ حال فلا بدّ في الحكم بإلحاقه بالجاري من كونه متقاطراً، أمّا لو استقرّ على وجه الأرض و انقطع التقاطر ثمّ لاقته نجاسة، لحق بالواقف في اعتبار الكُرّيّة.

و يمكن حمل الجريان في الخبر على ذلك، فيتمّ حمل المصنّف على معنى أنّ إصابة المطر للبول الكائن على ظهر البيت إن كانت في حال جريانه من السماء، طهّرته. و إن كانت بعد وصوله إلى مكانٍ آخر ثمّ انتقاله إليه بعد انقطاع التقاطر، لم يطهّر البول.

و اعلم أنّا متى لم نعتبر الميزاب كما هو مذهب أكثر (8) الأصحاب فلا بدّ من فضل قوّة للمطر بحيث يصدق عليه اسمه، فلا يعتدّ بنحو القطرات اليسيرة.

و كان بعض (9) مَنْ عاصرناه من السادة الفضلاء يكتفي في تطهير الماء النجس بوقوع قطرة واحدة عليه. و ليس ببعيد و إن كان العمل على خلافه.

____________

(1) الفقيه 1: 7/ 6؛ التهذيب 1: 412411/ 1297.

(2) الكافي 3: 13/ 3.

(3) المبسوط 1: 6؛ التهذيب 1: 411 ذيل الحديث 1296.

(4) منهم: المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 4342؛ و العلامة الحلّي في منتهى المطلب 1: 29، الفرع الخامس؛ و نهاية الإحكام 1: 229؛ و المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 112.

(5) كالعلامة الحلّي في منتهى المطلب 1: 30، الفرع الخامس.

(6) الكافي 3: 13/ 3.

(7) منتهى المطلب 1: 29، الفرع الخامس.

(8) انظر: المصادر في الهامش (4).

(9) هو السيّد حسن بن السيد جعفر، المعاصر لشيخنا الشهيد الثاني.

373

و أمّا الأرض المتنجّسة (1) و شبهها فلا بدّ من استيعاب المطر لما نجس منها، كما يطهّرها الجاري.

و اعلم أيضاً أنّ المصنّف (رحمه اللّه) حكم هنا بأنّ ماء المطر كالجاري، مع أنّ ظاهره عدم اعتبار كُرّيّة الجاري، فلا يتوجّه على ظاهر كلامه مؤاخذة، لكنّه عبّر بذلك في باقي كتبه (2) التي اختار فيها اشتراط كُرّيّة الجاري، فألزمه شيخنا الشهيد (رحمه اللّه) بالقول باشتراط كُرّيّة ماء المطر (3) لجَعله كالجاري مع اشتراطها فيه.

قال: إلا أن يحمل على الجاري حال كُرّيّته، فيرد عليه سؤال الفرق بين اشتراط الكُرّيّة في الجاري دون ماء المطر.

و يمكن الفرق بينهما بعدم وجود نصّ صالح على عدم انفعال القليل الجاري بمجرّد الملاقاة، إلا نفي البأس عن البول في مطلق الجاري (4)، و قد بيّنّا أنّه لا يدلّ على عدم الانفعال، بخلاف ماء المطر فإنّ حكمه (عليه السلام) بجواز الغسل به و تعليقه على الجريان يدلّ على طهارته بذلك للإجماع على عدم جواز الاغتسال بالماء النجس. و نحوه القول في الميزابين، فيكون ذلك مقيّداً لما أُطلق من عدم انفعال الماء المطلق إذا بلغ كُرّاً، فيتمّ الفرق.

[الثالث الواقف]

القسم (الثالث): الماء (الواقف) و هو ما ليس بنابع (كمياه الحياض و الأواني).

و في تصديرهما بالمثال مبالغة في الردّ على المفيد و سلار حيث لم يفرّقا فيهما بين القليل و الكثير، بل حكما بانفعالهما بالنجاسة مطلقاً (5) استناداً إلى إطلاق النهي عن استعمالهما مع ملاقاة النجاسة.

و حَمله على الغالب من عدم بلوغهما حدّ الكثرة طريق الجمع بينه و بين غيره ممّا دلّ على عدم انفعال الكثير بالملاقاة.

____________

(1) ظاهر الطبعة الحجريّة: «النجسة».

(2) منها: تحرير الأحكام 1: 4؛ و تذكرة الفقهاء 1: 17، الفرع الثالث؛ و منتهى المطلب 1: 28، الفرع الثالث؛ و نهاية الإحكام 1: 228 و 229.

(3) انظر: الحاشية النجّاريّة، الورقة 4، (مخطوطة).

(4) التهذيب 1: 31/ 81، و 43/ 121؛ الاستبصار 1: 13/ 23.

(5) المقنعة: 64، المراسم: 36.

374

(و) مياه (الغدران) جمع غدير، و هو القطعة من الماء يغادرها السيل، أي يتركها، و هو فعيل بمعنى مفاعَل (1) من غادره. أو بمعنى فاعل لأنّه يغدر بأهله، أي ينقطع عند شدّة الحاجة إليه.

و حكم هذه المياه بجميع أقسامها أنّه (إن كان قدرها كُرّاً) و له تقديران:

أحدهما: الوزن. و أشهر الأقوال فيه (هو) أنه (ألف و مائتا رطل) لمرسلة ابن أبي عمير عن الصادق (2).

و فسّرها المصنّف تبعاً للشيخين (3) (بالعراقي) إمّا لأنّ المُرسِل عراقي فأفتاه (عليه السلام) بلغته و عادة بلده لوجوب كون الخطاب من الحكيم متواضعاً (4) عليه، جارياً على الحقيقة إلى أن يدلّ دليل على إرادة المعنى المجازي منه حذراً من الإغراء بالجهل، و ذلك يقتضي وجوب رعاية ما يفهمه السائل و يتعارفه. أو لتأيّده بصحيحة محمّد بن مسلم عنه (عليه السلام)

الكُرّ ستمائة رطل

(5) بالحمل على رطل مكّة، و هو رطلان بالعراقي، أو لمناسبة الحمل عليها لرواية الأشبار (6) إذ من المستبعد تحديد مقدار الشيء الواحد بأمرين متفاوتين. أو لأصالة طهارة الماء خرج منه ما نقص من الأرطال العراقيّة بالإجماع، فيبقى الباقي على الأصل.

و فسّرها المرتضى تبعاً لابن بابويه (7) بالمدني (8) و هو مائة و خمسة و تسعون درهماً قدر رطل عراقي و نصف للاحتياط، أو لأنّ الغالب كونهم (عليهم السلام) ببلدهم فيجيبون (9) بأرطاله.

أقول: و إن كان القول الأوّل هو المشهور بين لأصحاب فإنّ لنا في استدلاله كلاماً من وجوه:

الأوّل: حمل الأرطال على بلد المُرسِل و هو ابن أبي عمير بناءً على أنّ الإمام لا يخاطبه إلا بما يفهمه و يتعارفه، ففيه: أنّه (رحمه اللّه) ليس هو الراوي عن الإمام، و إنّما روى عن

____________

(1) في الطبعة الحجريّة: «مفعول» بدل «مفاعَل».

(2) الكافي 3: 3/ 6؛ التهذيب 1: 41/ 113؛ الإستبصار 1: 10/ 15.

(3) المقنعة: 64؛ النهاية: 3؛ المبسوط 1: 6.

(4) كذا، و في هامش الطبعة الحجريّة بعنوان نسخة بدل: «ممّا يتعارف» بدل «متواضعاً».

(5) التهذيب 1: 415414/ 1308؛ الإستبصار 1: 11/ 17.

(6) الكافي 3: 3/ 5؛ التهذيب 1: 42/ 116؛ الاستبصار 1: 10/ 14.

(7) الفقيه 1: 6 ذيل الحديث 2.

(8) جُمل العلم و العمل: 51؛ الانتصار: 85، المسألة 1.

(9) في «م»: «فيفتون».

375

بعض أصحابنا، كما حكاه في الكافي و التهذيب (1)، و أصحابنا غير منحصرين في أهل العراق و إن أمكن أن يكون هذا القول من ابن أبي عمير، و لا دلالة فيه (2) أيضاً لأنّ الصاحب أعمّ من أن يكون من أهل البلد و غيره، بل الظاهر أنّ المراد به في هذا المقام: الموافق في المذهب مطلقاً، و لا دلالة للعامّ على بعض أفراده على الخصوص.

الثاني: الاستدلال برواية محمد بن مسلم على المراد بحملها على أرطال مكة.

و فيه: عدم القرينة الدالّة من جهة الراوي و لا المرويّ عنه. و حملها على المكّيّة ليوافق العراقيّة ليس أولى من حملها على المدني ليوافق رواية الأشبار الثلاثة (3) بناءً على أنّ الألف و المائتين العراقيّة توافق رواية الأشبار بإضافة النصف، كما ذكره جماعة منهم الشهيد (رحمه اللّه) في الذكرى (4)، مضافاً إلى ما تقدّم من أنّهم (عليهم السلام) يفتون بمتعارف بلدهم.

الثالث: دعوى مناسبتها لرواية الأشبار استبعاداً لتحديد الشيء الواحد بأمرين مختلفين.

و فيه: أنّ أكثر الأصحاب (5) أفتوا في الأشبار بثلاثة و نصف في الأبعاد الثلاثة، و صرّحوا بأنّ حمل الأرطال على العراقي يناسب ذلك، و ممّن صرّح بذلك الشهيد في الذكرى حيث أَفتى بزيادة النصف في الأشبار، و استند في التقدير بالعراقي إلى مقاربته للأشبار (6).

و المصنّف في المختلف اختار مذهب ابن بابويه في إسقاط النصف في الأشبار، و استشهد للرطل العراقي بمناسبته للأشبار (7).

و أنت خبير بأنّ التفاوت بين قولي الأشبار نحو الثلث، فالتحديد بالمختلفين للشيء الواحد الذي فرّ منه المصنّف هو واقع على أحد القولين فإنّ ما بين قوليه في الأشبار من البُعد قريب ممّا بين المدني و العراقي منه، فأيّ قدر من الأشبار قارب العراقي بَعُدَ عن الآخر.

____________

(1) الكافي 3: 3/ 6؛ التهذيب 1: 41/ 113.

(2) في «ق، م» و الطبعة الحجريّة: «فيها». و الظاهر ما أثبتناه.

(3) الكافي 3: 3/ 7؛ التهذيب 1: 37 38/ 101؛ الاستبصار 1: 10/ 13.

(4) الذكرى 1: 81.

(5) منهم: الشيخ الطوسي في النهاية: 3؛ و المبسوط 1: 6؛ و القاضي ابن البرّاج في المهذّب 1: 21؛ و ابن حمزة في الوسيلة: 73؛ و ابن إدريس في السرائر 1: 60؛ و المحقّق الحلّي في شرائع الإسلام 1: 5.

(6) الذكرى 1: 80 و 81.

(7) مختلف الشيعة 1: 2321، المسألتان 4 و 5؛ و انظر: الفقيه 1: 6 ذيل الحديث 2؛ و المقنع: 31.

376

و يمكن الجواب بأنّ حملها على العراقي يقارب روايتي الأشبار معاً و إن اختلفتا أكثر من مقاربة المدني لهما لزيادته، فيبعد عن رواية الثلاثة أكثر من العراقي قطعاً و حيث انحصر تقدير المساحة في الثلاثة أو الثلاثة و نصف كان ما بعد عنهما أبعد عن الصواب المحتمل تعلّقه بكلّ واحدة منهما.

التقدير الثاني: المساحة.

و للأصحاب في كمّيّتها أقوال، اختار المصنّف منها أشهرها بقوله (أو ما حواه ثلاثة أشبار و نصف طولًا في عرض في عمق) بأن يضرب أحدها في الآخر ثمّ المجتمع في الثالث يبلغ الجميع مكسّراً اثنين و أربعين شبراً و سبعة أثمان شبر معتبرة (بشبر مستوى الخلقة) ترجيحاً للغالب المتعارف، فما حواه هذا القدر من الماء هو الكُرّ. و لا اعتبار بالمحلّ، بل يقدّر ماؤه، فما اختلفت أبعاده يعتبر مكسّرة (1)، فإن بلغ ذلك، كان كُرّاً، و إلا فلا.

و مستنده رواية أبي بصير عن الصادق (عليه السلام)

إذا كان الماء ثلاثة أشبار و نصفاً في مثله ثلاثة أشبار و نصف في عمقه من الأرض فذلك الكُرّ من الماء

(2). و في طريق هذه الرواية عثمان بن عيسى، و هو واقفي.

و لعلّ ضعفها به منجبر بالشهرة، مع أنّ المصنّف لم يجزم بردّ روايته، بل توقّف فيها في كتب الرجال (3).

و المراد بالتقدير ضرب الحساب لدلالة «في» عليه. و لأنّه يلزمه ذلك، فيبلغ تكسيره (4) ما تقدّم.

و قال الشيخ قطب الدين الراوندي: ليس ذلك على سبيل الضرب، بل ما بلغت أبعاده الثلاثة عشرةَ أشبار و نصفاً فهو كُرّ (5).

و هو شاذّ لا وجه له، و هو يقرب تارة من المشهور و يبعد عنه اخرى. و أبعد فروضه عنه ما لو كان كلّ واحد من عرضه و عمقه شبراً و طوله عشرة و نصفاً.

____________

(1) في «ق، م» و الطبعة الحجريّة: «مكسّرها». و الظاهر ما أثبتناه.

(2) الكافي 3: 3/ 5؛ التهذيب 1: 42/ 116؛ الاستبصار 1: 10/ 14.

(3) منها: خلاصة الأقوال: 244/ 8 (القسم الثاني).

(4) في «ق، م» و الطبعة الحجريّة: «تكسيرها». و الظاهر ما أثبتناه.

(5) حكاه عنه العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 22 ذيل المسألة 4؛ و المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 116- 117.

377

و أسقط القمّيّون تبعاً لشيخهم الصدوق (1) النصفَ في الأبعاد الثلاثة (2)، و تبعهم المصنّف في المختلف (3) استناداً إلى صحيحة إسماعيل بن جابر عن الصادق (عليه السلام) قال

الكُرّ من الماء ثلاثة أشبار في ثلاثة أشبار

(4). و هذه الرواية أصحّ إسناداً من الاولى (5)، غير أنّ فيها إخلالًا بذكر البُعد الثالث، و كأنّ (6) تركه إحالة له على البُعدَين المذكورين إذ الإخلال بذكره من غير نصب دلالة عليه مُخلّ بمعرفة الكُرّ عقيب السؤال عنه، و هو غير لائق بحكمته.

و يمكن تطرّق هذه الشبهة إلى الرواية الأُولى أيضاً إذ لم يصرّح فيها باعتبار الثلاثة و النصف في العمق، فتبقى مع هذه صحّةُ السند، و مع تلك شهرةُ العمل بمضمونها، و لعلّ وصف الصحّة أرجح.

و ذهب العلامة جمال الدين ابن طاوُس إلى دفع النجاسة بكلّ ما روي (7). و كأنّه يحمل الزائد على الندبيّة.

و بأيّ قدر اعتبرنا الكُرّ فمتى بلغه الماء الواقف (لم ينجس إلا بتغيّر أحد أوصافه الثلاثة) التي هي اللون و الطعم و الريح، لا مطلق الأوصاف، كالحرارة و البرودة (بالنجاسة) أي بواسطة ملاقاتها له، لا بالمجاورة و لا بالمتنجّس بحيث لو انفردت النجاسة عنه لم تُغيّر الماءَ.

(فإن تغيّر) الكُرّ بها على الوجه المذكور (نجس أجمع) لا المتغيّر خاصّة (إن كان) الماء (كُرّاً) خاصّة لنجاسة المتغيّر به، و نقصان الباقي عن الكُرّ إن كان، فيتنجّس بملاقاة النجس المتغيّرُ.

و لا يخفى ما في العبارة من القصور عن البلاغة فإنّ المفروض كون الماء المبحوث عنه أوّلًا قدر كُرّ، و ذلك يقتضي عدم الزيادة و إن لم يصرّح بها، فتقسيمه هنا إلى ما يكون منه

____________

(1) الفقيه 1: 6 ذيل الحديث 2؛ المقنع: 31.

(2) حكاه عنهم ابن إدريس في السرائر 1: 6160؛ و العِمة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 21، المسألة 4؛ و الشهيد في الذكرى 1: 80.

(3) مختلف الشيعة 1: 2221، المسألة 4.

(4) الكافي 3: 3/ 7؛ التهذيب 1: 4241/ 115؛ الإستبصار 1: 10/ 13.

(5) أي رواية أبي بصير، المتقدّمة آنفاً.

(6) في «ق، م»: «كأنّه».

(7) حكاه عنه الشهيد في الذكرى 1: 81.

378

قدر كُرّ و إلى ما يزيد تقسيم للشيء إلى نفسه و غيره، و إنّما يتمّ ذلك أن لو قال أوّلًا: إن كان قدرها كُرّاً فصاعداً، حتى يتمّ تقسيمه إلى ما يصعد و إلى ما هو كُرّ خاصّة، لكن سوّغ ذلك ظهور المراد و الاستئناس بأنّهم متى ذكروا الكُرّ يريدون به ما هو كُرّ فصاعداً. و في الأكثر يعبّرون بلفظة «فصاعداً».

(و يطهر) هذا الماء المفروض كونه قدر كُرّ خاصّةً إذا تغيّر كلّه أو بعضه بالنجاسة (بإلقاء كُرّ عليه دفعةً) واحدة عرفيّة، فإن لم يزل التغيّر بالكُرّ المفروض (فكُرّ) آخر و هكذا (حتى يزول التغيّر).

و اعتبار الدفعة في الكُرّ الملقى هو أحوط القولين، و ليس عليه دليل واضح، و قد تقدّم في كلامنا ما يدلّ على عدم فائدته، و كلام جماعة من الأصحاب خالٍ عنه.

و في الذكرى عبّر بالكُرّ المتّصل (1)، بدل الدفعة.

و يمكن أن يريد المصنّف بالدفعة الاتّصالَ فإنّ إلقاء الكُرّ مفرّقاً بحيث يقطع بين أجزائه يوجب تعدّد دفعات الإلقاء، و مع اتّصال بعضه ببعضٍ تصدق الدفعة.

و هذا الحمل أقرب من حمل كلام الشهيد (رحمه اللّه) في تعبيره بالمتّصل على إرادة الدفعة العرفيّة السريعة.

و ما مرّ في مادّة الحمّام يؤيّد ما قلناه، و حاصله: أنّه قد تقدّم في بحث الحمّام أنّه لو نجس حوضه و كانت المادّة كُرّاً فصاعداً، طهر باتّصالها به إمّا مع مطلق المماسّة، أو مع الاستيلاء، كما اختاره المصنّف في النهاية، و حَكَم بتعدية الحكم إلى غير الحمّام (2). و تعديته إلى ما نحن فيه يقتضي الطهارة مع زوال التغيّر و بقاء كُرّ في الماء الملقى و إن لم يكن نزوله على النجس دفعةً واحدة، أو يكون ذلك نوعاً آخر من المطهّر لهذا الماء مع زوال التغيّر قبل نقصان الماء الخارج المطهّر عن الكُرّ أو مع زيادته عنه على ما مرّ تفصيله.

تنبيهان:

الأوّل: ما ذكره من الاحتياج إلى كُرّ آخر إن لم يُزل الأوّل التغيّرَ و هكذا ليس على وجه

____________

(1) الذكرى 1: 78.

(2) نهاية الإحكام 1: 230.

379

الحصر فيه أيضاً، بل لو زال التغيّر و لو ببعض كُرّ ثمّ القي عليه كُرّ دفعةً، طهر أيضاً لوجود المقتضي، و هو نوع تخفيف في التطهير.

و الثاني: أنّ الحكم بوجوب كُرّ آخر إن لم يطهّر الأوّل إنّما يحتاج إليه مع تغيّر الكُرّ السابق أو ما لا يبقى معه كُرّ متميّز بغير تغيّر، و إلا فلو اتّفق اجتماع كُرّ متميّز غير متغيّر، لم يتحتّم كُرّ آخر، بل ما يزيل تغيّر المتغيّر و لو بالتموّج، كما سيأتي فيما لو تغيّر بعض الزائد عن الكُرّ لدخول الفرض فيه.

(و إن كان) الماء الواقف (أكثر) من كُرّ، فإن تغيّر جميعه، فحكمه ما تقدّم. و إن تغيّر بعضه (فالمتغيّر خاصّة) نجس (إن كان الباقي كُرّاً).

(و يطهر) حينئذٍ بزوال التغيّر عن المتغيّر و لو بالعلاج لأنّ الباقي كُرّاً متميّزاً غير متغيّر كالملقي، و (بإلقاء كُرّ طاهر عليه دفعةً) فإن لم يزل التغيّر بالكُرّ (فكُرّ) آخر و هكذا (حتى يزول التغيّر).

و ذكر الدفعة هنا و إن كان غير مفسد لكنّه مستغنى عنه لأنّ المقصود زوال التغيّر، و لهذا كفى تمويجه، كما أشار إليه بقوله (أو بتموّجه حتى يستهلكه) أي المتغيّرَ الماءُ (الطاهر) و لو كان الباقي غير المتغيّر أقلّ من كُرّ، نجس أجمع، و طهره بما تقدّم في القسم الأوّل.

(و إن كان) الماء الواقف (أقلّ من كُرّ، نجس بجميع ما يلاقيه من النجاسة و إن لم يتغيّر وصفه) بها على أشهر القولين لمفهوم الشرط في قوله (صلّى اللّه عليه و آله)

إذا بلغ الماء كُرّاً لم يحمل خبثاً

(1) و قول الصادق (عليه السلام)

إذا بلغ الماء قدر كُرّ لم ينجّسه شيء

(2) و قوله (عليه السلام) في سؤر الكلب

رجس نجس لا تتوضّأ بفضله، و اصبب ذلك الماء

(3) و لقول الكاظم (عليه السلام) فيما رواه عنه أخوه عليّ في الدجاجة تطأ العذرة ثمّ تدخل في الماء أ يتوضّأ منه؟ فقال

لا، إلا أن يكون الماء كثيراً قدر كُرّ

(4) و قول الرضا (عليه السلام) و قد سُئل عن الرجل يدخل يده في الإناء و هي قذرة: «يكفئ الإناء» (5).

____________

(1) أورده السيّد المرتضى في الانتصار: 85، المسألة 1؛ و الشيخ الطوسي في الخلاف 1: 174، المسألة 127؛ و العلامة الحلّي في تذكرة الفقهاء 1: 24، الفرع السادس؛ و الشهيد في الذكرى 1: 80.

(2) الكافي 3: 2/ 1 و 2؛ التهذيب 1: 4039/ 107- 109؛ الاستبصار 1: 6/ 1- 3.

(3) التهذيب 1: 225/ 646؛ الاستبصار 1: 19/ 40.

(4) التهذيب 1: 419/ 1326؛ الاستبصار 1: 21/ 49.

(5) التهذيب 1: 39/ 105.

380

و خالف في ذلك ابنُ أبي عقيل حيث ذهب إلى أنّ الماء لا ينجس إلا بالتغيّر (1)، محتجّاً بقوله (صلّى اللّه عليه و آله)

الماء طهور لا ينجّسه شيء إلا ما غيّر لونه أو طعمه أو ريحه

(2). و وجه تقدّمه على ما دلّ عليه قوله (صلّى اللّه عليه و آله)

إذا بلغ الماء كُرّاً

إلى آخره: دلالته بمنطوقه على مدلوله العامّ و دلالة ذاك بمفهومه على أنّه يحمل الخبث عند عدم البلوغ، و دلالة المنطوق أقوى.

و بقول الباقر (عليه السلام) في القربة و الجرّة من الماء تسقط فيها فأرة فتموت

إذا غلبت رائحته على طعم الماء أو لونه فأرِقه، و إن لم يغلب فاشرب منه و توضّأ

(3). و جوابه: أنّ مفهوم الشرط حجّة عند المحقّقين، فهو حينئذٍ خاصّ بالنسبة إلى حديثه، فيجب حمل العامّ على الخاصّ تقريراً للنصّين. و لا فرق عندنا بين تقدّم العامّ و تأخّره و جهل التأريخ.

و ليس المخصّص لعامّ حديثه وروده في بئر بضاعة (4) و كان ماؤها كثيراً لأنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، بل المخصّص ما قلناه.

هذا إن قلنا: إنّ المفرد المعرّف بلام الجنس يفيد العموم، و إلا فالحديث مطلق؛ لدلالته على الماهيّة من حيث هي هي، و حينئذٍ فيحمل المطلق على المقيّد.

و أمّا حديث القربة: ففي سنده ضعف، مع معارضته بما سلف من الأحاديث التي هي أكثر و أصحّ إسناداً. و أوّله الشيخُ بالكُرّ (5).

و اعلم أنّ في صحّة الحديث الأوّل بل في ثبوته إشكالًا إذ لم يوجد في كتب الحديث المعهودة مسنداً، و لا ادّعى أحد من الأصحاب أنّه وجده مسنداً، و إنّما ذكره المرتضى

____________

(1) حكاه عنه المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 48؛ و العِمة الحلّي في تذكرة الفقهاء 1: 22 ذيل المسألة 5؛ و مختلف الشيعة 1: 13، المسألة 1.

(2) أورده كما في المتن المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 48؛ و العِمة الحلّي في تذكرة الفقهاء 1: 22 ذيل المسألة 5؛ و في سنن أبي داوُد 1: 17/ 66؛ و سنن الترمذي 1: 95- 96/ 66؛ و سنن النسائي 1: 174، و مسند أحمد 3: 415- 416/ 10864؛ و مسند أبي يعلى 2: 476/ 1304؛ و شرح معاني الآثار 1: 12 صدر الخبر.

(3) التهذيب 1: 412/ 1298؛ الاستبصار 1: 7 8/ 7، و المؤلّف (قدّس سرّه) نقله بالمعنى.

(4) سنن أبي داوُد 1: 17/ 66؛ سنن الترمذي 1: 95/ 66؛ سنن النسائي 1: 174؛ مسند أحمد 3: 415/ 10864؛ مسند أبي يعلى 2: 476/ 1304؛ شرح معاني الآثار 1: 12.

(5) التهذيب 1: 412 ذيل الحديث 1298؛ الاستبصار 1: 8 ذيل الحديث 7.

381

و الشيخ (1) مرسلًا، و ما هذا شأنه لا يحتج به.

لكنّ ابن إدريس (رحمه اللّه) ادّعى اتّفاق المخالف و المؤالف على هذه الرواية (2).

و هذه دعوى عريّة عن برهان، بل البرهان قائم على خلافها.

أمّا عند المخالف: فلأنّ الحديث الذي ادّعوا أنّ حُفّاظهم و أئمّتهم صحّحوه هو قوله (صلّى اللّه عليه و آله)

إذا بلغ الماء قُلّتين لم يحمل الخبث

(3). و أمّا المؤالف فقد بيّنّا أنّه لم يوجد في كتبهم مسنداً، و لا ادّعى أحد فيه ذلك، فكيف يقع الإجماع على ما هذا شأنه!؟

و البحث عن حال هذا الحديث مهمّ إذ تترتّب عليه مسألة إتمام الماء النجس كُرّاً، فإن صحّ هذا الحديث، لزم القول بطهره، و إلا فلا لأنّ ما صحّ عندنا من الحديث عن الصادق (عليه السلام) و هو

إذا بلغ الماء قدر كُرّ لم ينجّسه شيء

(4) لا يدلّ عليه لأنّ مقتضاه أنّ المانع من التنجيس بلوغ الكُرّيّة، فلا يدفع النجاسة السابقة، بخلاف عدم حمله الخبثَ عند بلوغه كُرّاً، فإنّه يدلّ على زوال النجاسة السابقة و اللاحقة، خصوصاً على ما ذكره جماعة من أهل اللغة من أنّ المراد بعدم حَمل الخبث في الحديث عدم ظهوره فيه (5)، فدلالته على طهره بالإتمام صريحة أو ظاهرة.

و قد بالغ المحقّق في المعتبر في ردّ الحديث، فقال: إنّا لم نروه مسنداً، و الذي رواه مرسلًا المرتضى و الشيخ أبو جعفر و آحاد ممّن جاء بعده، و الخبر المرسل لا يعمل به، و كتب الحديث عن الأئمّة (عليهم السلام) خالية عنه أصلًا.

و أمّا المخالفون فلم أعرف به عاملًا سوى ما يحكى عن ابن حيّ، و هو زيديّ منقطع المذهب.

قال: و ما رأيت أعجب ممّن يدّعي إجماع المخالف و المؤالف فيما لا يوجد إلا نادراً، فإذَن الرواية ساقطة.

____________

(1) الانتصار: 85، المسألة 1؛ الخلاف 1: 174، المسألة 127.

(2) السرائر 1: 63.

(3) سنن الدارقطني 1: 21/ 15، و في 1716/ 8؛ و سنن أبي داوُد 1: 17/ 63؛ و سنن الترمذي 1: 97/ 67؛ و سنن النسائي 1: 46 و 175: «إذا كان الماء ..».

(4) الكافي 3: 2/ 1 و 2؛ التهذيب 1: 4039/ 107 109؛ الاستبصار 1: 6/ 31، و فيها: «إذا كان الماء ..».

(5) حكاه الفيروزآبادي في القاموس المحيط 3: 373 بعنوان «قيل».

382

و أمّا أصحابنا فرووا عن الأئمّة (عليهم السلام)

إذا كان الماء قدر كُرّ لم ينجّسه شيء

و هذا صريح في أنّ بلوغه كُرّاً هو المانع لتأثّره بالنجاسة، و لا يلزم من كونه لا ينجّسه شيء بعد البلوغ رفع ما كان ثابتاً فيه و منجّساً قبله، و الشيخ (رحمه اللّه) قال: لقولهم (عليهم السلام). و نحن فقد طالعنا كتب الأخبار المنسوبة إليهم فلم نر هذا اللفظ، و إنّما رأينا ما ذكرناه. و لعلّ غلط مَنْ غلط في هذه المسألة لتوهّمه أنّ معنى اللفظين واحد (1). انتهى. و هو كلام جيّد في موضعه.

و ما يقال من أنّ الإجماع المنقول بخبر الواحد المحكوم بكونه حجّةً عند جماعة من المحقّقين كافٍ في ثبوت الخبر و إن لم يسند، إنّما يتمّ من ضابطٍ ناقدٍ للأحاديث، لأمن مثل هذا الفاضل و إن كان غير منكور التحقيق، فإنّه لا يتحاشى في دعاويه ممّا يتطرّق إليه القدح، و قد بيّنّاه هنا و قد طعن فيه بذلك جماعة من فضلائنا من أهل عصره و غيره، و اللّه يتولّى أسرار عباده.

(و يطهر) الماء القليل المتنجّس (بإلقاء كُرّ عليه دفعة) واحدة بمعنى وقوع جميع أجزاء الكُرّ في زمانٍ قصير بحيث يصدق اسم الدفعة عليه عرفاً لامتناع ملاقاة جميع الأجزاء في آن واحد، فكان المرجع في ذلك إلى الاستعمال العرفي، كما يقال: جاء القوم دفعة، و نحوه. و قد تقدّم (2) الكلام في ذلك.

و ما ذكر من التطهير بإلقاء الكُرّ ليس على وجه الانحصار فإنّه يطهر أيضاً بوصول الماء الجاري إليه عند مَنْ لا يعتبر فيه الكثرة، و بنزول ماء المطر عليه، و بما ذكرناه من اتّصاله بالكثير الباقي على كثرته بعد الوصول؛ إذ لا يختصّ الحكم بالحمّام بعد اشتراط كثرة المادّة. و كذا يطهر بالنبع من تحته إذا اشتمل على قوّة و فوران، لا ما يرشح رشحاً لعدم الكثرة الفعليّة.

و هذا كلّه إذا لم يتغيّر، و إلا لم يطهر بذلك إلا مع زوال التغيّر.

نعم، لو بقي المتغيّر متميّزاً عن الكُرّ أو الجاري، كفى في طهره التموّجُ حتى يزول التغيّر، كما سلف (3).

____________

(1) المعتبر 1: 52- 53.

(2) في ص 378.

(3) في ص 379.

383

[الرابع ماء البئر]

القسم (الرابع: ماء البئر) و هو نبع مخصوص له أحكام خاصّة، فلذلك خصّه بالذكر.

و قد عرّف الشهيد (رحمه اللّه) البئر في الشرح: بأنّها مجمع ماء نابع من الأرض لا يتعدّاها غالباً و لا يخرج عن مسمّاها عرفاً (1).

و احترز بالقيد الأخير عن كثير من الماء النابع الذي لا يتعدّى محلّه غالباً لكن لا يسمّى بئراً عرفاً، فالحكم حينئذٍ تابع للاسم. و يمكن تغيّره بتغيّره (2). و لا بُعد في ذلك بعد ورود الشرع.

و المراد بالعرف هنا العامّ، لا الموجود في زمانه (صلّى اللّه عليه و آله) خاصّةً؛ لأنّ الحكم معلّق على اسم ليس له حقيقة شرعيّة، فيرجع فيه إلى العرف؛ لتقدّمه على اللغة.

و ربّما خصّه بعضهم بعرفه (صلّى اللّه عليه و آله)، أو عرف أحد الأئمّة، فما ثبت له الاسم في زمانهم كالموجود في العراق و الحجاز لحقه الحكم، و إلا فالأصل عدم تعلّق أحكام البئر به (3).

و ليس بجيّد لما بيّنّاه.

و حكم ماء البئر أنّه (إن تغيّر بالنجاسة، نجس) إجماعاً.

و فيما يطهر به حينئذٍ أقوال:

أحدها: ما اختاره المصنّف (و) هو: أنّه (يطهر بالنزح حتى يزول التغيّر) و هو اختيار المفيد (4) و جماعة (5).

و بناؤه على ما اختاره المصنّف (6) من عدم انفعال البئر بمجرّد الملاقاة كالجاري ظاهر لأنّ زوال التغيّر عن الجاري كافٍ في طهارته.

قال في المختلف: و لأنّ سبب التنجيس التغيّرُ، فيزول الحكم بزواله (7).

____________

(1) غاية المراد 1: 65.

(2) أي: تغيّر الحكم بتغيّر الاسم.

(3) المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 120.

(4) المقنعة: 66.

(5) منهم: القاضي ابن البرّاج في المهذّب 1: 22؛ و أبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 130؛ و الشهيد في البيان: 99؛ و ابن أبي عقيل كما حكاه عنه العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 28، المسألة 8.

(6) مختلف الشيعة 1: 25، المسألة 7.

(7) مختلف الشيعة 1: 28، المسألة 8.

384

لكن هذا الدليل لو تمّ، لزم طهارة البئر بزوال التغيّر من نفسه، فلا ينحصر التطهير في النزح، و كأنّ ظاهر العبارة يأباه، لكنّ العبارة ليست خارجةً مخرج الحصر لأنّ البئر تطهر بمطهّر غيره و بالنزح عند الأكثر (1)، مع أنّه لم يصرّح به هنا، فيكون زوال التغيّر من نفسه كذلك.

و أمّا على ما اختاره المفيد (2) و الجماعة (3) من نجاسته بمجرّد الملاقاة فمستنده ما رواه الشيخ في الحسن عن الصادق (عليه السلام)

فإن تغيّر الماء فخُذه حتى يذهب الريح

(4). و قول الرضا (عليه السلام) في رواية محمّد بن إسماعيل، الآتية

إلا أن يتغيّر ريحه أو طعمه فينزح منه حتى يذهب الريح و يطيب طعمه

(5). و يشكل ذلك فيما له مقدّر نصّاً إذا زال التغيّر قبل استيفاء المقدّر، فإنّ وجوب بلوغه لو لم يتغيّر يقتضي وجوبه معه بطريق أولى.

و حَملُ مثل ذلك على الغالب من أنّ إزالة التغيّر تستوفي المقدّر و زيادة لو تمّ غير كافٍ في هذا المقام الموجب للإجمال و الإخلال.

فالمناسب حينئذٍ وجوب أكثر الأمرين من المقدّر و ما به يزول التغيّر جمعاً بين النصوص الدالّة على الاكتفاء بزوال التغيّر، و الموجبةِ لاستيفاء المقدّر. و هو ثاني الأقوال، و مختار الشهيد في الذكرى (6).

و ثالثها: التفصيل بكون النجاسة منصوصةَ المقدّر، فيجب نزح أكثر الأمرين من المقدّر و ما به يزول التغيّر، أو غير منصوصة، فيجب نزح الجميع، و مع التعذّر التراوح، و هو اختيار ابن إدريس (7)، و استحسنه المصنّف في المختلف، لكن ادّعى أنّه ليس عليه دليل قويّ (8).

و الظاهر أنّه أقوى الأقوال و أمتنها دليلًا.

____________

(1) منهم: الشهيد في البيان: 99.

(2) المقنعة: 64.

(3) منهم: القاضي ابن البرّاج في المهذّب 1: 21؛ و أبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 130؛ و الشهيد في البيان: 99.

(4) التهذيب 1: 233 234/ 675، و 237/ 684؛ الاستبصار 1: 37/ 102.

(5) التهذيب 1: 234/ 676؛ الاستبصار 1: 33/ 87، و تأتي الرواية في ص 387.

(6) الذكرى 1: 88.

(7) السرائر 1: 70- 72.

(8) مختلف الشيعة 1: 29 ذيل المسألة 8.

385

أمّا وجوب أكثر الأمرين مع النصّ على المقدّر: فلأنّ بلوغ المنصوص لا بدّ منه؛ للنصّ، و مع بقاء التغيّر بعده لا يعقل الحكم بالطهارة، فلا بدّ من اعتبار زوال التغيّر لما تقدّم من الأخبار. و إن تقدّم زوال التغيّر على استيفاء المقدّر، فوجوب استيفائه ظاهر لوجوبه على تقدير عدم التغيّر فمعه أولى.

و إن لم يكن للنجاسة مقدّر، فسيأتي أنّه يجب نزح الجميع مع عدم التغيّر فمعه أولى. و مع تعذّر نزح الجميع يجب التراوح للنصوص الدالّة عليه، و سيأتي إن شاء اللّه.

فإن قيل: على تقدير تأخير زوال التغيّر عن استيفاء المقدّر يبقى الماء بعد الاستيفاء نجساً لا مقدّر له، فيجب نزح الجميع، كما في غير المنصوص.

قلنا: إنّما اكتفينا بزوال التغيّر بعد ذلك لما تقدّم من الحديث.

فإن قيل: هو مطلق فتقييده بما ذكرتم لا وجه له.

قلنا: تقييده في غير المتنازع لعارضٍ لا يمنع من إعماله فيه، و هو ظاهر.

و رابعها: التفصيل كذلك مع زيادة وجوب إزالة التغيّر في المنصوص ثمّ استيفاء المقدّر. و هو اختيار المحقّق (1). و وجهه كالأوّل إلا أنّه أعطى كلا من السببين مقتضاه لأصالة عدم التداخل. و ما مرّ من الإشكال آتٍ هنا.

و خامسها: وجوب نزح الجميع، فإن تعذّر فالتراوح، اختاره الصدوق (2) و المرتضى (3) و سلّار (4) لقول أبي عبد اللّهُ في رواية عمّار

فإن غلبه الماء فلتنزف يوماً إلى الليل يقام عليها قوم يتراوحون اثنين اثنين ينزفون يوماً إلى الليل و قد طهرت

بعد حكمهُ في أوّل الخبر بوجوب نزح الجميع (5).

و لأنّه ماء نجس فيجب إخراج جميعه، و مع التعذّر التراوح، كما في غيره من النجاسات الموجبة لنزح الجميع.

و فيه: ضعف سند الحديث مع اضطرابٍ في متنه.

____________

(1) المعتبر 1: 76- 77.

(2) الفقيه 1: 13 ذيل الحديث 24.

(3) حكاه عنه المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 76.

(4) المراسم: 35.

(5) التهذيب 1: 284/ 832.

386

و وجوب إخراج جميع الماء النجس من البئر و توقّف الطهر عليه في حيّز المنع؛ لطهارة البئر في كثير من النجاسات بإخراج بعضه بعد الحكم بنجاسة الجميع.

و سادسها: نزحها أجمع، فإن تعذّر، نزح حتى يزول التغيّر، نُقل ذلك عن المبسوط و النهاية (1) لقول الصادق (عليه السلام) في رواية [معاوية بن] (2) عمّار

فإن أنتن غسل الثوب و أعاد الصلاة و نزحت البئر

(3). و لأنّه ماء نجس، فيجب إخراجه أجمع، و مع التعذّر ينزح إلى أن يزول التغيّر؛ لأنّه المقتضي لنزح الجميع.

و هذه الحجّة ضعيفة جدّاً.

أمّا الرواية: فلعدم دلالتها على ما زاد عن نزح الجميع، بل عليه خاصّة من غير تفصيل بالتعذّر و عدمه.

و أمّا الاستدلال بنجاسة الماء: فلا يقتضي انحصار التطهير في مزيل التغيّر، كما لا يقتضي التغيّر وحده نزح الجميع مطلقاً، و هل هو إلا عين المتنازع؟ بل الظاهر أنّ الموجب لنزح الجميع وقوع غير المنصوص، أمّا هو ففيه ما مرّ.

و أُجيب عن الخبر: باحتياجه إلى إضمار لأنّ المنزوح ليس هو نفس البئر، و ليس إضمار جميع الماء أولى من إضمار بعضه (4).

و فيه نظر لأنّ المضمر هو الماء المنسوب إلى البئر. و دلالته على الجميع لأنّه ملزومه، لا أنّ المجموع هو نفس المضمر.

و سابعها: نزحها أجمع، و مع التعذّر بغلبة الماء يعتبر أكثر الأمرين من زوال التغيّر و المقدّر، اختاره الشهيد في الدروس (5). و وجهه مركّب من الوجوه المتقدّمة.

و يظهر من اعتبار الأقوال و وجوهها أنّ أمتنها الثالث.

و إنّما أطنبنا القول في تحرير الأقوال لعدم وجودها مجموعةً في كتابٍ على هذا المنوال.

____________

(1) المبسوط 1: 11؛ النهاية: 7.

(2) ما بين المعقوفين من الإستبصار. و في التهذيب: عن معاوية.

(3) التهذيب 1: 232/ 670؛ الاستبصار 1: 3130/ 80.

(4) المجيب هو العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 29 ذيل المسألة 8.

(5) الدروس 1: 120.

387

(و إن لم يتغيّر) ماء البئر بالنجاسة (لم ينجس) على المختار عند المصنّف في أكثر كتبه (1)، تبعاً لشيخه مفيد الدين بن جُهيم (2) و لابن أبي عقيل (3) من المتقدّمين، و تبعه على ذلك ولده فخر المحقّقين (4) و المحقّق الشيخ عليّ (5). و مستندهم الأخبارُ و الاعتبار.

أمّا الأوّل: فمنها: صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع بالباء الموحّدة المفتوحة فالزاي المعجمة المكسورة فالياء المثنّاة من تحت فالعين المهملة قال: كتبت إلى رجل أسأله أن يسأل أبا الحسن الرضا (عليه السلام)، فقال

ماء البئر واسع لا يفسده شيء إلا أن يتغيّر ريحه أو طعمه فينزح منه حتى يذهب الريح و يطيب الطعم لأنّ له مادّة

(6). و هذه الرواية أقوى حجج القائلين بالتطهير (7) لحكمهُ على الماء بالسعة. و يفهم منها عدم الانفعال بالملاقاة، و نفي إفساد شيء له، و هو عامّ؛ لأنّه نكرة في سياق النفي، و اشتمالها على الحصر المستفاد من الاستثناء في سياق النفي، و وجود التعليل بالمادّة، و المعلّل مقدّم على غيره.

قيل: و لدلالتها على المراد نصّاً (8).

و منها: حسنة عليّ بن جعفر عن أخيه موسى قال: سألته عن بئر ماء وقع فيها زبيل بتخفيف الباء مع فتح الزاي، و تشديدها مع كسرها من عذرة رطبة أو يابسة أو زبيل من سرقين أ يصلح الوضوء منها؟ قال: «لا بأس» (9).

و المراد من العذرة و السرقين النجس لأنّ الفقيه لا يُسأل عن ملاقاة الطاهر. و إن سُلّم، فترك الاستفصال في العذرة دليل استواء الطاهرة و النجسة في الحكم باعتبار الوقوع.

و منها: رواية حمّاد عن معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّهُ قال

لا يغسل الثوب و لا تعاد الصلاة ممّا وقع في البئر إلا أن ينتن، فإن أنتن غسل الثوب و أعاد الصلاة

____________

(1) منها: تحرير الأحكام 1: 4؛ و مختلف الشيعة 1: 25، المسألة 7؛ و منتهى المطلب 1: 56؛ و نهاية الإحكام 1: 235.

(2) حكاه عنه الشهيد في غاية المراد 1: 71- 72.

(3) حكاه عنه العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 25، المسألة 7.

(4) إيضاح الفوائد 1: 17.

(5) جامع المقاصد 1: 121- 122.

(6) التهذيب 1: 234/ 676؛ الاستبصار 1: 33/ 87.

(7) كذا، و الظاهر: الطهارة.

(8) القائل هو فخر المحقّقين في إيضاح الفوائد 1: 17- 18.

(9) التهذيب 1: 246/ 709؛ الاستبصار 1: 42/ 118، و فيهما: «زنبيل» بدل «زبيل».

388

و نزحت البئر

(1). و أمّا الاعتبار: فلأنّه لو نجست البئر بالملاقاة، لما طهرت، و التالي باطل، فالمقدّم مثله.

بيان الملازمة: أنّ الدلو و الرشا و جوانب البئر تنجس بملاقاة الماء النجس، و نجاستها مانعة من حصول الطهارة في الماء بالنزح لدوام ملاقاتها، و كذا المتساقط من الدلو حال النزح خصوصاً الدلو الأخير.

و لأنّها لو نجست كذلك، لكان وقوع الكُرّ من الماء المصاحب للنجاسة فيها موجباً لنجاسة جميع الماء، و التالي ظاهر البطلان لأنّ الملاقي للنجاسة إذا لم يتغيّر بها قبل وقوعه محكوم بطهارته، فتمتنع نجاسته بغير منجّس.

و بيان الملازمة: أنّ نجاسة ماء البئر بملاقاة النجاسة تقتضي نجاسة الماء الواقع لاستحالة أن يكون بعض الماء الواحد طاهراً و بعضه نجساً مع عدم التغيّر.

و لأنّه بجريانه من منابعه أشبه الماء الجاري فيتساويان.

و لأنّ القول بنجاسة البئر بالملاقاة دون المصنع إذا كان كثيراً ممّا لا يجتمعان، و الثاني ثابت إجماعاً فينتفي الأوّل.

بيان التنافي: أنّه لا فرق بينه و بين البئر سوى المادّة، و هي ممّا تؤكّد عدم نجاستها.

و أُجيب عن الأُولى: بأنّها مكاتبة تضعف عن الدلالة. و بعدم التصريح بأنّ المُجيب الإمام. و بأنّ المراد بالفساد المنفي فساد الكلّ بكلّ وجه، و لا يلزم منه عدم استناد الفساد الكلّي إلى الملاقاة، أو لا يفسده فساداً يوجب التعطيل، كما قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله)

المؤمن لا يخبث

(2) أي لا يصير في نفسه خبثاً، و كقول الرضا (عليه السلام)

ماء الحمّام لا يخبث

(3) مع أنّه يجوز أن تعرض له النجاسة.

و هذا الحمل و إن كان خلاف الظاهر إلا أنّ فيه جمعاً بين الأخبار.

و عن الأخيرتين: بأنّ لفظ «البئر» يقع على النابعة و الغدير، فلعلّ السؤال عن بئر ماؤها محقون، فتكون الأحاديث الدالّة على وجوب نزح البئر عن أعيان المنزوحات مختصّةً

____________

(1) التهذيب 1: 232/ 670؛ الإستبصار 1: 30- 31/ 80.

(2) في صحيح البخاري 1: 109/ 281؛ و سنن ابن ماجة 1: 178/ 534؛ و سنن النسائي 1: 146؛ و مسند أحمد 3: 83/ 8745: «.. لا ينجس».

(3) أورده المحقّق في المعتبر 1: 56.

389

بالنابعة، و يكون هذا متناولًا لغيرها ممّا هو محقون.

و عن الثالثة بالخصوص: بأنّ حمّاداً الراوي عن معاوية مقول بالاشتراك على جماعة منهم الثقة و غيره، فلعلّه غير الثقة. و بأنّه يدلّ بصيغة «ما» العامّة فيما لا يعقل، فيكون الترجيح لجانب الأحاديث الدالّة على أعيان المنزوحات؛ تقديماً للخاصّ على العامّ. و لمعارضة الأخبار الكثيرة لها.

و أكثر هذه الأجوبة للمعتبر (1).

و عن الاعتبار: بالنقض بطهرها بالنزح عندهم إذا نجست بالتغيّر، فإنّ السؤال قائم، و لو اعتبر زوال التغيّر خاصّة، لزم طهرها بزواله بنفسه و هُم لا يقولون به. و بأنّ الطهارة حكم شرعيّ، و هو حاصل مع المتساقط فيه. و لأنّ المطهّر هو الماء المنفصل عن البئر، فالساقط كجزء من ماء البئر لم ينزح، و لاطّراده في عدم نجاسة الثوب إذ لو نجس لما طهر إذ من طرق تطهيره بالإجماع الغسل بالقليل، و هو ينجس بالورود، فلا يقع مطهّراً، و هو خلاف الاتّفاق. و بأنّ الكُرّ المصاحب للنجاسة أزال حكمها و حقيقتها قبل وصوله إلى البئر، فلم يؤثّر فيه شيئاً.

و الباقي مجرّد استبعاد بعد ورود النصّ بالفرق، فإنّهم يوافقون على استحباب النزح أو وجوبه تعبّداً، و هو كافٍ في نفي التساوي.

(و أكثر (2) أصحابنا) بل كاد يكون إجماعاً منهم (حكموا بالنجاسة).

قال الشهيد في الشرح: و لعلّه الحجّة (3). أي: الإجماع.

و مستند ذلك النقلُ الشائع بوجوب النزح من الخاصّ و العامّ، و قد روي عن جماعة من الصحابة و التابعين (4)، و عليه عمل الإماميّة في سائر الأعصار و الأمصار.

و يدلّ عليه أيضاً الأخبار عن أهل البيت (عليهم السلام) و الاعتبار:

أمّا الأوّل فمنها: صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع، السالفة أنّه كتب إلى رجل

____________

(1) المعتبر 1: 56- 57.

(2) منهم: الشيخ المفيد في المقنعة: 64؛ و الشيخ الطوسي في النهاية: 6؛ و المبسوط 1: 11؛ و سلار في المراسم: 34؛ و القاضي ابن البرّاج في المهذّب 1: 21؛ و أبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 130؛ و ابن حمزة في الوسيلة: 74، و ابن إدريس في السرائر 1: 69، و المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 54.

(3) غاية المراد 1: 66.

(4) كما في سنن البيهقي 1: 401/ 1262؛ و المغني 1: 66؛ و الشرح الكبير 1: 55؛ و المعتبر 1: 55؛ و غاية المراد 1: 66.

390

يسأله أن يسأل أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن البئر يقطر فيها قطرات من بول أو دم ما الذي يطهّرها؟ فوقّع (عليه السلام) في كتابي بخطّه «ينزح منها دلاء» (1). و هو في قوّة قوله (عليه السلام)

طهرها بأن ينزح منها دلاء

ليطابق السؤال، و طهرها بالنزح يدلّ على نجاستها بدونه، و إلا لزم إيجاد الموجود أو اجتماع الأمثال.

و هذه الرواية مساوية لنظيرتها من حجج القائلين بالتطهير في السند، و تختصّ عنها بمرجّحات:

التصريح بأنّ المجيب هو الإمامُ لإخبار الثقة الضابط أنّه بخطّه، فهي في قوّة المشافهة بخلاف الاولى لعدم ذكر ذلك فيها، بل كما يحتمل أن يكون المجيب الإمامَ يحتمل أن يكون هو الرجلَ المسئول أن يسأل، أو غيره، لكنّ عود الضمير فيها في قوله: «فقال» باعتبار رجحان عوده إلى الأقرب يرجّح كون المجيب الإمام، إلا أنّ ذلك ظاهر و هذا نصّ.

و اشتمالها على الأمر بالنزح، المستلزم للنهي و الحظر عن استعمال الماء قبل ذلك لنجاسته، و اشتمال الاولى على إباحة الاستعمال، و ما اشتمل على الأوّل أرجح ممّا اشتمل على الثاني، كما حقّق في الأُصول.

و اعتضادها بعمل الأكثر إن لم يتمّ الإجماع، و هو مرجّح أيضاً كما حُقّق في محلّه.

و أمّا دعوى النصّ في الأُولى فغير ظاهر إذ الإفساد ليس مرادفاً للنجاسة و لا ملزوماً لها، بل غايته أن يكون ظاهراً عند تجرّده عن الموانع الموجبة لحملة على غير ظاهره، و كما يمكن حمل هذه على الطهارة اللغويّة يمكن حمل الفساد المنفيّ في الأُولى على فسادٍ يوجب التعطيل أو فساد الكلّ كما مرّ، و لا يلزم منه عدم استناد الفساد الكلّي إلى الملاقاة.

قيل: هذا خلاف مدلول الحديث، و أيّ فائدة للتعليل بالمادّة حينئذٍ؟

قلنا: ثبوت الحقائق الشرعيّة يوجب كون الحمل على الطهارة اللغويّة غير مراد و لا مدلول أيضاً، و تأويل حديثكم بما ذكرناه أقرب لأنّه بعض أفراد الحقيقة، بخلاف حمل الحديث الثاني على الطهارة اللغويّة فإنّه حمل على المجاز البحت، و فائدة المادّة عدم انفعال جميعه على وجه يفسد بأسره، كالقليل.

____________

(1) الكافي 3: 5/ 1؛ التهذيب 1: 244- 245/ 705؛ الإستبصار 1: 44/ 124.

391

فإن قيل: وجود الكثرة كافية في ذلك، فلا فائدة للمادّة حينئذٍ.

قلنا: جاز كونهما سببين و إن اختلفا حكماً لأنّ مبنى شرعنا غالباً على اختلاف المتّفقات.

و منها: صحيحة عبد اللّه بن أبي يعفور عن الصادق (عليه السلام) قال

إذا أتيت البئر و أنت جنب و لم تجد دلواً و لا شيئاً تغترف به فتيمّم بالصعيد الطيّب؛ فإنّ ربّ الماء ربّ الصعيد، و لا تقع في البئر و لا تفسد على القوم ماءهم

(1) أوجب التيمّم بصيغة الأمر المشروط بعدم الماء الطاهر، فلا يكون الماء طاهراً على تقدير الوقوع و الاغتسال، و نهى عن الوقوع في البئر و عن إفساد الماء، و المفهوم من الإفساد النجاسة. و حمله على نجاسته بغيره بعيد لأنّ ظاهره استناد الإفساد إلى الوقوع و هو غير مغيّر لحالها. و للزوم تأخير البيان عن وقت الحاجة.

قيل: لا يتمّ الاحتجاج بهذا الحديث على النجاسة لأنّ بدن الجنب إذا كان طاهراً كما هو المفروض و المفهوم من الحديث و المعلوم من غيره، كحديث الحلبي، المتضمّن نزح سبع دلاء (2) إذ نجاسة المنيّ توجب عند القائل بالتنجيس نزح الجميع، و به صرّحوا كلّهم كيف يحكم بنجاسة البئر بملاقاته مع أنّ نجاسة بدن الجنب حكميّة وهميّة و مثلها لا تتعدّى!؟ فإنّ الجنب لو غسل في ماء قليل، لم ينجس إجماعاً، فالبئر أولى لمكان المادّة.

قلنا: هذا مجرد استبعاد، كيف لا! و قد اشتمل البئر على أحكام مختلفة و اتفاق حكم نجاسات متباينة، و من أين علم تأثير النجاسات الخاصة في الماء و غيره إلا من قِبَل الشارع؟ فلا يبعد القول بانفعال ماء البئر بذلك و إن لم نقل بانفعال المستعمل لجواز اختصاصه بالتأثّر ممّا لا يتأثّر به غيره، و الذي نجّسه بتلك الأشياء هو الذي نجّس هذا الماء بهذه الأشياء، و يؤيّده أنّ الحكم مختصّ باغتسال الجنب دون غيره ممّن يجب عليه الغسل، كالحائض.

قيل: الإفساد أعمّ من النجاسة لجواز إرادة الإفساد بثوران الحمأة (3) و الطين.

قلنا: قد ورد الإفساد في أحاديث الفريقين، فمهما اعترض أحدهما فهو جواب الآخر،

____________

(1) الكافي 3: 65/ 9؛ التهذيب 1: 149- 150/ 426، و 185/ 535؛ الاستبصار 1: 127- 128/ 435 باختلاف يسير.

(2) الكافي 3: 6/ 7؛ التهذيب 1: 240/ 694؛ الإستبصار 1: 34/ 92.

(3) الحمأة: الطين الأسود المنتن. لسان العرب 1: 61، «ح م أ».

392

و قد عرفت من قريب منع هذا الفريق لإرادة هذا المعنى من قوله (عليه السلام): «لا يفسده شيء» (1) إلى آخره، فكيف يثبته الآن على خصمه!؟

و منها: صحيحة عليّ بن يقطين، قال: سألت أبا الحسن موسى عن البئر تقع فيها الحمامة أو الدجاجة أو الفأرة أو الكلب أو الهرّة، فقال: «يجزئك أن تنزح منها دلاء، فإنّ ذلك يطهّرها إن شاء اللّه تعالى» (2) و الإجزاء ظاهر في الخروج عن عهدة الواجب، و تطهيرها بذلك يدلّ على نجاستها بدونه كما تقدّم.

قيل: يرد عليها عدم الدلالة نصّاً، فلا يعارض ما تقدّم.

قلنا: النصّ منتفٍ في الجانبين، و الظاهر موجود فيهما، فلم يبق إلا الترجيح بأمرٍ آخر، مع أنّ دعوى عدم النصّ في هذه موضع نظر.

قيل: التمسّك بظاهرها لا يستقيم لعدم استواء الكلب و الفأرة في الحكم، و ليس حملها على تفسّخ الفأرة و خروج الكلب حيّاً بأولى من حملها على التغيّر أو إرادة التنظيف.

قلنا: قد دلّت على النجاسة في الجملة، و إنّما تختلف في قدر المطهّر بسبب اختلاف أعيان النجاسة، و ذلك لا يؤثّر في أصل الدلالة.

و أمّا الاعتبار فهو أنّ البئر لو لم تنجس لم يكن للنزح فائدة، فيكون عبثاً، و التالي ظاهر البطلان لصدوره عمّن لا ينطق عن الهوى، فالمقدّم مثله، و الملازمة ظاهرة.

و أُجيب: بمنع الملازمة إذ لا يلزم من انتفاء فائدة مخصوصة انتفاؤها مطلقاً، و لا يلزم من عدم العلم بها عدمها، و من ثَمَّ قال المصنّف بالاستحباب (3)، و هو فائدة، و الشيخُ في التهذيب بأنّه تعبّد (4).

و بالجملة، فالأخبار متعارضة، و الاعتبار قائم، و باب التأويل متّسع إلا أنّه خارج عن الحقيقة غالباً، و المسألة من أشكل أبواب الفقه، غير أنّ المعتبر في المصير إلى مثل هذه الأحكام رجحان ما لأحدهما على ضدّه، و كأنّه موجود هنا في جانب النجاسة، و اللّه أعلم بحقائق أحكامه.

____________

(1) التهذيب 1: 234/ 676؛ الاستبصار 1: 33/ 87.

(2) التهذيب 1: 237/ 686؛ الاستبصار 1: 37/ 101.

(3) تذكرة الفقهاء 1: 27 ذيل القسم الحادي عشر من أقسام النجاسة الواقعة في البئر؛ نهاية الإحكام 1: 260.

(4) التهذيب 1: 232.

393

و اعلم أنّ ماء البئر مباين لسائر المياه في طهره أو طيبه بالنزح إجماعاً، و تساويها فيما عدا ذلك من المطهّرات، كوصول الجاري إليه، و وقوع ماء الغيث عليه، و إلقاء كُرّ فصاعداً على ما مرّ من التفصيل.

ثمّ النزح تارة يكون للجميع، و تارة يكون للبعض، بحسب اختلاف قوّة النجاسة و ضعفها، فتارة يقتصر الأئمّة (عليهم السلام) على أقلّ ما يحصل به، و تارة يستظهر عن ذلك، و تارة يأمر بالأفضل، فلا ينكر الاختلاف في الأحاديث.

قال المحقّق: فانظر ما اشتهر بين الأصحاب غير مختلف فأفت به، و ما اختلف فالأقلّ مجزئ، و الأوسط مستحبّ، و الأكثر أفضل، و أسقط ما شذّ (1).

قلت: سيأتي أنّ عمل الأصحاب على الأكثر لأنّه طريق اليقين و إن كان ما ذكره المحقّق متوجّهاً.

[حكم النزح]

(و) القائلون بالنجاسة (أوجبوا نزح الجميع في) سبعة أشياء على اختلاف في بعضها:

(موت البعير) فيها، و هو من الإبل بمنزلة الإنسان، يشمل الذكر و الأُنثى، و الكبير و الصغير.

و مستنده رواية الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (2) و غيرها.

و مثله الثور و هو ذَكَر البقر لصحيحة عبد اللّه بن سنان عنهُ «و إن مات فيها ثور أو صبّ فيها خمر نزح الماء كلّه» (3).

و اكتفى ابن إدريس في الثور بكُرّ (4)، و لعلّه إلحاقاً له بالبقرة، فيجب الكرّ فيه.

و لو عكس الحكم بأن يلحقها به في نزح الجميع، كان أولى لما سيأتي من عدم النصّ فيها، و أنّ غير المنصوص ينزح له الجميع.

(و وقوع المنيّ) على المشهور، لكن لا نصّ فيه على ما ذكره جماعة، منهم: الشيخ أبو علي ابن الشيخ أبي جعفر في شرح نهاية والده (5).

____________

(1) المعتبر 1: 57.

(2) الكافي 3: 6/ 7؛ التهذيب 1: 240/ 694؛ الاستبصار 1: 34/ 92.

(3) التهذيب 1: 241/ 695؛ الإستبصار 1: 34- 35/ 93.

(4) السرائر 1: 72.

(5) حكاه عنه الشهيد في الذكرى 1: 93؛ و المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 138.

394

و يمكن أن يكون عدم النصّ هو العلّة في نزح الجميع، لكن ذكره بين هذه المعدودات للشهرة لا لعدم النصّ لأنّ غير المنصوص سيأتي الكلام و الخلاف فيه.

و لا فرق بين منيّ الإنسان و غيره ممّا له نفس للعموم، و عدم النصّ المقتضي للتخصيص.

و قيل: المراد به منيّ الإنسان، و غيره ملحق بما لا نصّ فيه (1).

و قد عرفت أنّ النوعين من هذا الباب لولا الشهرة.

(و) وقوع (دم الحيض و الاستحاضة و النفاس) ذكر ذلك الشيخ (2)، و تبعه الأصحاب معترفين بعدم النصّ نظراً إلى أنّها كالمنيّ، و لغلظ نجاستها بوجوب إزالة قليلها و كثيرها عن الثوب و البدن، فغلظ حكمها في البئر.

و أطلق المفيد القول بأنّ الدم الكثير ينزح له عشر و القليل خمس (3)، و لم يفرّق، و كذا المرتضى (4) و ابنا بابويه (5) و إن خالفوه في المقدّر، و مال إليه المحقّق في المعتبر (6) عملًا بالأحاديث المطلقة في الدماء.

و العمل بالمشهور أحوط إن لم يناف عبادة مضيّقة بحيث يمكن الطهارة به مع نزح بعضه خاصّة، و بالإطلاق أفقه.

و لا يلحق بها دم نجس العين، كالميتة و الكلب و أخويه لبطلان القياس و إن كانت العلّة تقتضيه لكنّه شكّ في شكّ، فالأولى الاقتصار على المشهور إن لم يلحظ عموم الروايات أو إطلاقها.

(و) وقوع (المسكر) المائع بالأصالة لعدم نجاسة الجامد منه، كالحشيشة.

و لا فرق بين الخمر و غيره، و لا بين قليله و كثيره حتّى القطرة عملًا بالإطلاق، و النصّ ورد على الخمر خاصّة كما تقدّم (7) في صحيحة عبد اللّه بن سنان، و غيرها، و أُلحق به باقي

____________

(1) قال المحقّق الكركي في حاشية الإرشاد (الورقة 15): نقل الأصحاب عن أبي علي ابن الشيخ أبي جعفر أنّ المراد به منيّ الإنسان، فمنيّ غيره ممّا لا نصّ فيه.

(2) المبسوط 1: 11؛ الجُمل و العقود (ضمن الرسائل العشر): 170؛ الاقتصاد: 253.

(3) المقنعة: 67.

(4) حكاه عنه المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 59 نقلًا عن مصباحه.

(5) الفقيه 1: 13، المقنع: 34؛ و حكاه عنهما العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 35، المسألة 15.

(6) انظر: المعتبر 1: 59.

(7) في ص 393.

395

المسكرات لعموم قول النبيّ: «كلّ مسكر خمر» (1) و قول الكاظم (عليه السلام): «كلّ ما كان عاقبته عاقبة الخمر فهو خمر» (2).

و فرّق الصدوق بين القطرة من الخمر و الكثير منه، فأوجب في الأوّل عشرين دلواً (3) استناداً إلى رواية زرارة عن الباقر (عليه السلام) (4).

و يعقل الفرق كما عقل في الدم إذ ليس أثر القطرة فيه كأثر ما يصبّ صبّاً؛ لشيوعه في الماء. و يؤيّده إمكان حمل المطلق على المقيّد و إن كان العمل على المشهور.

(و الفقّاع) لقول الصادق (عليه السلام): «إنّه خمر مجهول» (5) فما دلّ على الخمر من الحكم كافٍ في الدلالة عليه، و سيأتي بيانه إن شاء اللّه.

و هل يلحق به العصير العنبي بعد اشتداده بالغليان؟ رجّحه الشهيد في الذكرى؛ محتجّاً بشبهه به (6).

و يشكل بأنّ مجرّد المشابهة غير كافٍ في الحكم، و إنّما الحق الفقّاع للنصّ على مساواته له بل على أنّه منه، فإلحاق غيره قياس، بل الأولى إلحاقه بما لا نصّ فيه.

(فإن تعذّر) نزح جميع الماء (لكثرته، تراوح عليه أربعة رجال) كلّ اثنين دفعة يريحان الآخَرَين، و منه أُخذ التراوح لاشتقاقه من الراحة.

و ليكن أحدهما فوق البئر يمتح (7) بالدلو و الآخر فيها يملؤه.

و لا يجزئ ما دون الأربعة لقول الصادق (عليه السلام): «يقام عليها قوم يتراوحون اثنين اثنين» (8) و يجزئ ما فوقها.

و لا غير الرجال من نساء أو صبيان أو خناثى للفظ «القوم» لنصّ بعض (9) أهل اللغة على اختصاصه بهم.

____________

(1) الكافي 6: 408/ 3؛ التهذيب 9: 111/ 482.

(2) الكافي 6: 412/ 2؛ التهذيب 9: 112/ 486.

(3) المقنع: 29 و 31.

(4) التهذيب 1: 241/ 697؛ الاستبصار 1: 35/ 96، و فيهما عن الإمام الصادقُ.

(5) الكافي 3: 407/ 15؛ التهذيب 1: 282/ 828؛ الاستبصار 4: 96/ 373.

(6) الذكرى 1: 99.

(7) الماتح: المستقي. الصحاح 1: 403، «م ت ح».

(8) التهذيب 1: 284/ 832.

(9) كالجوهري في الصحاح 5: 2016؛ و الفيّومي في المصباح المنير: 520، «ق و م».

396

و يؤيّده قوله تعالى لٰا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ .. وَ لٰا نِسٰاءٌ (1) فإنّ العطف يقتضي المغايرة.

و اجتزأ به (2) بعض الأصحاب (3) لشمول الاسم في بعض اللغات (4).

و ليكن التراوح (يوماً) من طلوع الفجر إلى الغروب، و يجب إدخال جزءين (5) من الليل أوّلًا و آخراً من باب مقدّمة الواجب.

و لا فرق في اليوم بين الطويل و القصير للإطلاق الشامل لذلك، لكن يستحبّ تحرّي الأطول حيث لا ضرر للمبالغة في التطهير.

و لا يجزئ الليل و لا الملفّق منه و من النهار و إن زاد عن مقدار يومٍ طويل اقتصاراً على مورد النصّ (6). و لما يعتري في الليل من الفتور عن العمل. و لأنّ الغالب على حكم البئر جانب التعبّد.

و يستثنى لهم الصلاة جماعةً، و يقتصرون على الواجب و الندب المعتاد.

قيل: و الأكل كذلك لأنّه مستثنى عرفاً (7).

و الأولى تركه لإمكان حصوله حال الراحة لأنّه من تتمّتها، بخلاف الصلاة التي لا تتمّ فضيلتها الخاصّة إلا به.

و يجب تقديم التأهّب للنزح بتحصيل الآلة و السعي إليه قبل الجزء المجعول مقدّمةً للواجب لظاهر قوله (عليه السلام): «ينزفون يوماً إلى الليل» (8) مع احتمال إلحاق مقدّماته به.

(و) أوجبوا (نزح كُرّ في موت الحمار) و كذا البغل لرواية عمرو بن سعيد عن الباقر (9) (عليه السلام). و ضعفها منجبر بالشهرة و عمل الأصحاب.

(و) كذا (البقرة و شبهها) من الدوابّ كالفرس.

____________

(1) الحجرات (49): 11.

(2) أي: بغير الرجال.

(3) كما في جامع المقاصد 1: 139؛ و انظر: تذكرة الفقهاء 1: 128، الفرع الرابع.

(4) لسان العرب 12: 505؛ القاموس المحيط 4: 169- 170، «ق و م».

(5) في هامش الطبعة الحجريّة نسخة بدل: «جزء».

(6) التهذيب 1: 284/ 832.

(7) قال به الشهيد في الذكرى 1: 90؛ و كذا المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 139.

(8) التهذيب 1: 284/ 832.

(9) التهذيب 1: 235/ 679؛ الاستبصار 1: 34/ 91.

397

و المستند هنا الشهرة إذ البقرة و شبهها ممّا لا نصّ فيه، كما اختاره في المعتبر مطالباً لموجب الكُرّ بالدليل.

قال: فإن قالوا: هي مثل الحمار و البغل في العظم، طالبناهم بدليل التخطي إلى المماثل من أين عرفوه؟ و لو ساغ البناء على المماثلة في العظم، لكانت البقرة كالثور، و الجاموس كالجمل، فالأوجَه حينئذٍ أن يجعل الفرس و البقرة في قسم ما لا يتناوله نصّ على الخصوص (1).

(و نزح سبعين دلواً من دلاء العادة) على تلك البئر لعدم انضباط العادة مطلقاً.

و لو اعتاد قوم على بئر آنية فخار و نحوها، ففي الاكتفاء بها نظر: من قيامها مقام الدلو و به قطع بعض (2) المعاصرين و من عدم تسميتها (3) دلواً.

و لو اختلف المعتاد، فالأغلب. فإن تساوت، فالأصغر مجزئ و الأكبر أفضل.

و لو لم يكن لها دلو معتاد أصلًا، قيل: أجزأ أقلّ ما يعتاده الإنسان (4).

و قيل: المراد بها ابتداءً الدلو الهجريّة (5) وزنها ثلاثون رطلًا (6). و قيل: أربعون (7).

و ذلك كلّه (في موت الإنسان) في ماء البئر.

و لا فرق بين الذكر و الأُنثى و الصغير و الكبير لشمول الإنسان للجميع.

و لو وقع ميّتاً، فكذلك، فلو قال: لمباشرة ميّت الإنسان أو لوقوعه، كان أشمل.

و يشترط كون الميّت نجساً، فلو طهر بالغسل أو لم يجب غسله، لم يجب النزح، بخلاف المُيَمّم و لو عن بعض الغسلات، و مَنْ غُسّل فاسداً و نحوهما.

و هل يفرق بين المسلم و الكافر؟ المشهور: العدم لأنّ الإنسان جنس معرّف باللام، و ليس هناك معهود، فيكون اللام معرّفاً للجنس، فيوجد الحكم بوجود الجنس أين كان، و جنس الإنسان ثابت للكافر، فيكون الحكم متناولًا له عملًا بالإطلاق.

____________

(1) المعتبر 1: 61 و 62.

(2) لم نتحقّقه.

(3) في «ق، م» و الطبعة الحجريّة: «تسميته». و ما أثبتناه لأجل السياق.

(4) لم نعثر على القائل بذلك في المصادر المتوفّرة لدينا.

(5) الهجريّة نسبة إلى هجر، و هي قرية قرب المدينة. معجم البلدان 5: 393.

(6) كما في الدروس 1: 121؛ و الذكرى 1: 94، و جامع المقاصد 1: 146.

(7) القائل بذلك: هو الجعفي، كما في الذكرى 1: 94.

398

و شرط أبو عليّ و ابن إدريس الإسلام، و أوجبا (1) لموت الكافر الجميع (2)، بناءً على وجوبه بملاقاته حيّاً إذ لا نصّ فيه، و حال الموت أشدّ نجاسةً لأنّه ينجّس الطاهر و يزيد النجس نجاسةً.

و أُجيب: بأنّه استدلال في مقابلة النصّ لأنّ مورد وجوب السبعين موت الإنسان مطلقاً أعمّ من المسلم و الكافر، و وجوب الجميع فيما لا نصّ فيه بخصوصه غير منصوص عليه، فلا يجوز معارضته المنصوص عليه.

و نمنع زيادة نجاسته بعد الموت؛ فإنّ نجاسته حيّاً إنّما كانت بسبب اعتقاده، و هو منفيّ بعد الموت (3).

و فيهما منع لعدم المعارضة بين المنصوص و مدّعى ابن إدريس إذ النصّ إنّما أوجب نزح السبعين بعد الموت (4)، و مجرّد وقوع الكافر في الماء إذا كانت نجاسته ممّا لا نصّ فيه أوجب نزح الجميع، فهذا الحكم ثابت له قبل الموت، فما الذي طهّر الماء بعده و اكتفى بنزح سبعين؟

و التحقيق مع ذلك أنّا إن حكمنا بنزح الجميع لما لا نصّ فيه، فلا بدّ من القول بنزحه هنا لثبوته قبل الموت الذي هو مورد النصّ عندهم. و إن اكتفينا فيه بنزح ثلاثين أو أربعين، فإن حكمنا بالتداخل مع تعدّد النجاسة و لو مختلفة، كفت السبعون، و إلا وجب لكلّ مقدّرة.

و أمّا منع زيادة نجاسته بعد الموت بزوال الاعتقاد الذي هو سبب النجاسة ففيه منع لأنّ أحكام الكفر باقية بعد الموت، و من ثَمَّ لا يغسّل و لا يدفن في مقابر المسلمين، فكلام ابن إدريس أوجَه.

نعم، لو وقع في الماء ميّتاً، اتّجه ما قالوه و دخل في العموم.

و اعلم أنّ الحديث الدالّ على حكم الإنسان في رجاله جماعة من الفطحيّة، لكنّهم ثقات مع سلامته من المعارض و انجباره بعمل الأصحاب عملًا ظاهراً، و ذلك يخرجه إلى كونه حجّة، كما ذكره الأصحاب، فلا يمكن العدول عنه.

____________

(1) في «ق، م» و الطبعة الحجريّة: «أوجبوا». و ما أثبتناه يقتضيه السياق.

(2) السرائر 1: 72- 73؛ و حكاه عن أبي علي الشهيدُ في الذكرى 1: 94.

(3) المجيب للقسم الأوّل من الجواب هو المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 146؛ و للقسم الأخير منه العلامةُ الحلّي في مختلف الشيعة 1: 32، المسألة 12.

(4) التهذيب 1: 234 235/ 678.

399

قال المحقّق في المعتبر بعد ذكر نحو ذلك: و لو عدل إلى غيره، لكان عدولًا عن المجمع على الطهارة به إلى الشاذّ، و هو باطل لخبر عمر بن حنظلة، المتضمّن لقوله (عليه السلام): «خُذ ما اجتمع عليه أصحابك، و اترك الشاذّ الذي ليس بمشهور» (1)- (2).

(و خمسين) دلواً (للعذرة الذائبة) و هي فضلة الإنسان.

قال الشهيد: سُمّيت بذلك لأنّهم كانوا يلقونها في العذرات، أي الأفنية (3).

و الموجود في اللغة ضدّ ذلك.

قال في الصحاح: العذرة: فناء الدار، سُميّت بذلك لأنّ العذرة كانت تلقى في الأفنية (4).

و على كلّ حال فلا فرق بين فضلة المسلم و الكافر هنا، مع احتماله لزيادة النجاسة بمجاورته. و في فضلة غيرهما ممّا لا يؤكل لحمه احتمال.

و المستند ما رواه أبو بصير عن أبي عبد اللّهُ في العذرة تقع في البئر «ينزح منها عشر دلاء، فإن ذابت فأربعون أو خمسون» (5).

و إنّما حكم الأصحاب بالأكثر لأنّه طريق إلى اليقين و الخروج من العهدة كذلك.

و ما ذكره المحقّق من التخيير بين الأقلّ و الأكثر (6) مع أفضليّة الأكثر متوجّه.

و المراد بالذوبان تفرّق الأجزاء و شيوعها في الماء بحيث يستهلكها.

و هل يشترط ذوبان جميعها أو يكفي بعضها؟ يحتمل الأوّل لأنّه المفهوم من إسناده إليها. و الثاني لعدم الفرق بين قليلها و كثيرها، فيكفي ذوبان البعض، كما لو لم يسقط غيره و ذاب، فإنّه كافٍ قطعاً.

و ألحق المصنّف بالذائبة الرطبةَ (7)، و في بعض كتبه (8) أبدلها بها، تبعاً للشيخ

____________

(1) الكافي 1: 67 68 (كتاب فضل العلم، باب اختلاف الحديث) الحديث 10.

(2) المعتبر 1: 62.

(3) الذكرى 1: 100.

(4) الصحاح 2: 738، «ع ذ ر».

(5) التهذيب 1: 244/ 702؛ الاستبصار 1: 41 42/ 116.

(6) المعتبر 1: 6564.

(7) تحرير الأحكام 1: 4.

(8) منها: قواعد الأحكام 1: 6؛ و منتهى المطلب 1: 79؛ و نهاية الإحكام 1: 259.

400

في المبسوط (1).

و لا نصّ على الرطبة على الخصوص، و أنكرها المحقّق في المعتبر لعدم وقوفه على شاهد (2).

و لعلّ المعنى المعتبر في الذوبان يحصل في الرطبة غالباً، و هو يؤيّد الاكتفاء بذوبان البعض لحصوله في الرطبة بمجرّد الوصول.

(و الدم الكثير غير الدماء الثلاثة كدم الشاة المذبوحة) على المشهور.

قال المصنّف في المختلف: لم أقف في هذا التقدير على حديثٍ مرويّ (3).

و الموجود في حسنة عليّ بن جعفر عن أخيه موسى في رجل ذبح شاة فوقعت في بئر ماء و أوداجها تشخب دماً، قال: «ينزح منها ما بين الثلاثين إلى الأربعين دلواً» (4).

و أفتى و حَكَم بموجبها الصدوق (5)، و مال إليه في المعتبر (6)، و حسّنه في الذكرى (7)، و هو الوجه، لكنّ العمل بالمشهور طريق اليقين.

و إطلاق الدم مع استثناء الثلاثة يشمل دم نجس العين، و لا بُعد فيه بعد النصّ و اشتمال البئر على جمع المختلفات، مع احتمال الفرق و إلحاقه بالدماء الثلاثة أو بما لا نصّ فيه لغلظ نجاسته، و من ثَمَّ لم يُعفَ عن قليله في الصلاة، كالدماء الثلاثة، لكنّ العمل بالإطلاق أنسب بأحكام البئر لعدم قدح هذه الاحتمالات فيها.

و الاعتبار في كثرة الدم و قلّته بالنسبة إلى نفسه عرفاً.

و قال القطب الراوندي و هو الذي نقله القطب الرازي (8) عن المصنّف أيضاً: إنّ الاعتبار فيهما بالنسبة إلى ماء البئر لاختلافه في الغزارة و النزارة (9)، فربما كان دم الطير

____________

(1) المبسوط 1: 12.

(2) المعتبر 1: 65.

(3) مختلف الشيعة 1: 35، المسألة 15.

(4) الكافي 3: 6/ 8؛ الفقيه 1: 15/ 29؛ التهذيب 1: 409/ 1288؛ الاستبصار 1: 44/ 123.

(5) الفقيه 1: 15/ 29.

(6) المعتبر 1: 65.

(7) الذكرى 1: 94.

(8) كما في مفتاح الكرامة أيضاً 1: 111.

(9) حكاه عنه السيوري في التنقيح الرائع 1: 51.

401

كثيراً في بئرٍ يسيراً في أُخرى.

و ليس ببعيد لظهور التأثير باختلافهما. و لأنّهما إضافيّان، فجاز اعتبارهما بالإضافة إلى المحلّ المنفعل عنهما.

(و) نزح (أربعين) دلواً (في موت السنّور) في البئر (و الكلب و الخنزير و الثعلب و الأرنب) على المشهور.

و رواه علي بن أبي حمزة عن الصادق (عليه السلام)، قال: سألته عن السنّور، فقال: «أربعون دلواً و للكلب و شبهه» (1) و المراد بشبه الكلب الخنزيرُ و الغزال و ما ذُكر.

و يشمل السنّور أهليّة و وحشيّه للمشابهة، و الكلب و الخنزير البرّيّ و البحريّ؛ للمماثلة أيضاً.

و رجّح المحقّق الشيخ عليّ في أكثر فتاويه وجوب أكثر الأمرين من الأربعين و مقدّر ما لا نصّ فيه للخنزير إذا وقع حيّاً ثمَّ مات، و احتمالَ التضاعف بناءً على عدم النصّ على نجاسته لو وقع حيّاً، و احتمالَ التضاعف في الكلب إذا وقع حيّاً فمات لوجود النصّ على نجاسته حيّاً (2).

و هذا إنّما يتمّ لو كان التقدير بالأربعين في وقوعهما ميّتين، أمّا مع الإطلاق أو إرادة موتهما في الماء فلا للحكم بتداخل النجاستين.

(و) في (بول الرجل) في المشهور، رواه عليّ بن أبي حمزة أيضاً عن الصادق (عليه السلام) (3) و فيه روايات أُخرى شاذّة.

و ضَعف عليّ بن أبي حمزة بالوقف منجبر بالشهرة و عمل الأصحاب.

و في المعتبر أنّ تغيّره إنّما كان في زمن (4) موسى، فلا يقدح فيما قبله (5).

و فيه نظر إذ لا يتمّ ذلك إلا مع تحقّق الرواية عنه فيما قبله، لا إذا أسندها إلى ما قبله لجواز إسناده إلى الصادق (عليه السلام) في زمن الوقف، و أين التأريخ الذي دلّ على تقدّم الرواية؟

____________

(1) التهذيب 1: 235 236/ 680؛ الاستبصار 1: 36/ 97.

(2) انظر: جامع المقاصد 1: 141.

(3) التهذيب 1: 343/ 700؛ الإستبصار 1: 34/ 90.

(4) في المصدر: «موت» بدل «زمن».

(5) المعتبر 1: 68.

402

و مجرّد الاشتباه كافٍ في الطعن، فالأولى التعليل بالشهرة، و العمل بمضمونها، كما قد أكثر مَنْ ذكره في كتابه هذا.

و لا فرق بين بول المسلم و الكافر لشمول الرجل لهما.

و أمّا بول المرأة فالمشهور عدم لحوقه به اقتصاراً على موضع النصّ، خلافاً لابن إدريس، محتجّاً بدخولها في لفظ الإنسان (1).

و نحن نسلّم ذلك، لكن نطالبه أين وجد الأربعين معلّقة على بول الإنسان؟ فكأنّه و هم.

و ما الذي يجب له؟ قيل: موجب ما لا نصّ فيه (2). و اختاره الشهيد (3) و جماعة.

و قيل: ثلاثون (4) لرواية كردويه، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن البئر يقع فيها قطرة دم أو نبيذ مسكر أو بول أو خمر، قال: «ينزح منها ثلاثون دلواً» (5) فإنّ لفظ البول مطلق يشمل المرأة و غيرها، لكن خرج منها بول الرجل و الرضيع و الصبي بنصٍ خاصّ، فيبقى الباقي، و هو خيرة المعتبر (6).

و لا فرق بين الكبيرة و الصغيرة على الأقوال الثلاثة، و كذا لا فرق بين المسلمة و الكافرة.

و أمّا بول الخنثى فأطلق جماعة (7) إلحاقه بما لا نصّ فيه للشكّ في الذكورة.

و لم يذكره المحقّق و ابن إدريس حيث ذكرا المرأة، و دليلهما يشملهما، فالأقوال يشملها لزوماً.

و لو قيل بوجوب أكثر الأمرين من الأربعين و موجب ما لا نصّ فيه كما اختاره بعض (8) الأصحاب كان حسناً أخذاً بالمتيقّن.

(و) في (وقوع نجاسة لم يرد فيها نصّ) نقليّ و لو بعمومه أو إطلاقه، كالإنسان في شموله للمسلم و الكافر.

____________

(1) السرائر 1: 78.

(2) قال به المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 142.

(3) الذكرى 1: 100.

(4) لم نعثر على القائل بذلك في حدود المصادر المتوفّرة لدينا.

(5) التهذيب 1: 241- 242/ 698؛ الاستبصار 1: 35/ 95، و 45/ 125.

(6) المعتبر 1: 68.

(7) منهم: الشهيد في الذكرى 1: 100.

(8) لم نتحقّقه.

403

و ما ذكره الشهيد (رحمه اللّه) في الشرح من تعريف النصّ ب«أنّه القول أو الفعل الصادر عن المعصوم، الراجح المانع من النقيض، و غير المنصوص بخلافه» (1) لا يطابق ما ذكره الأصحاب في بعض موارده، فإنّهم جعلوا من المنصوص الإنسانَ، و أدخلوا الكافرَ فيه، كما بيّنّاه في محلّه، مع أنّ تناول الإنسان له إنّما هو لكونه من جملة أفراد الكلّيّ، و دلالة الكلّيّ على أفراده ليس نصّاً بهذا التفسير، بل ظاهراً. و على هذا التعريف يكون الإنسان ممّا لا نصّ فيه.

و مثله القول في وقوع الكلب بالنسبة إلى أصنافه، كالسلوقي و غيره، حتى أنّ المصنّف ذكر في جملة المنصوص بول و روث ما لا يؤكل لحمه محتجّاً عليه بحديث كردويه، المشتمل على نزول أرواث الدوابّ و أبوالها (2)- (3)، و أين دلالة لفظ الدوابّ على ما لا يؤكل لحمه بالنصّ المذكور في التعريف؟ و إدخال (4) الفعل و المعصوم في التعريف اصطلاح خاصّ لمناسبته هذه المسألة، و إلا فالتعريف المشهور للنصّ: «إنّه اللفظ الدالّ على المعنى دلالة راجحة مانعة من احتمال غيره».

و بالجملة، فإدخال العامّ و أفراده و أفراد المطلق في المنصوص بهذا المعنى أيضاً لا يخلو من إشكال لأنّ دلالة العامّ على مجموع أفراده من حيث مجموعها ظاهر لا نصّ لاحتماله التخصيص احتمالًا راجحاً إذ من المشهور قولهم: «ما من عامّ إلا و قد خُصّ» و كذا دلالته بالنسبة إلى كلّ فردٍ على التعيين لإمكان عدم إرادته. و المطلق يدلّ على الماهيّة من حيث هي هي، فلا يدلّ على شيء من أفراد الماهيّة إلا ظاهراً، فإن اعتبر هذا المعنى، لم يتمّ كثير ممّا ادّعي كونه منصوصاً.

و الأولى أن يراد به هنا ما كانت دلالته ظاهرةً و إن لم تكن قطعيّةً. و هذا المعنى للنصّ يوجد في بعض الموارد، و كلامهم هذا يدلّ عليه.

إذا تقرّر ذلك، فما اختاره المصنّف من وجوب أربعين دلواً لما لا نصّ فيه ليس له دليل مدّعى إلا ما نُقل عن الشيخ في المبسوط، حيث احتمل الأربعين بقوله: إنّهم (عليهم السلام) قالوا:

____________

(1) غاية المراد 1: 73.

(2) الفقيه 1: 16/ 35؛ التهذيب 1: 413/ 1300؛ الاستبصار 1: 43/ 120.

(3) مختلف الشيعة 1: 3029، المسألة 9.

(4) في «ق، م»: «إدخاله».

404

«ينزح منها أربعون و إن كانت مبخرة» (1).

و هذه الحجّة منظور فيها من حيث عدم العلم بإسناد الحديث، و عدم وجوده في شيء من أُصوله فضلًا عن سنده حتى نشأ منه عدم العلم بصدره المتضمّن لبيان متعلّق الأربعين.

و ربما قال بعض (2) الأصحاب: إنّ الشيخ (رحمه اللّه) حجّة ثَبت، فإرساله غير ضائر لأنّ مثل الشيخ لا يُرسل إلا عمّن علمه ثقة خصوصاً و ليس هناك نصّ آخر يدفعه، و الظاهر من احتجاجه به دلالة صدره المحذوف على محلّ النزاع.

و فيه نظر:

أمّا أوّلًا: فلأنّ الشيخ لم يُفت بمضمونه و إنّما أوجب في المبسوط نزح الجميع و جَعَل نزح أربعين احتمالًا (3)، و الخبر المرسل و إن لم يكن حجّةً لكن لا أقلّ من إفادته الاحتمال، و هو دليل على عدم تحقّقه له، و إلا لما عدل عن مدلوله.

و أمّا ثانياً: فلأنّ مراسيله لو وثق بها و عمل عليها لمكان قدره و عظم شأنه و ثَبته، لزم العمل بجميع المراسل لأنّ كتبه في الحديث قد صارت أُصول حديث الأصحاب، و اشتملت على ما في غيرها من حديث الفقه غالباً و زيادة مع ذكر بعض أسانيد بعضها و ذكر متونها، و لم يجوّز أحد من الأصحاب العمل بها لمكان شرف مرسلها، فكيف يسوغ العمل بحديثٍ لم يتحقّق متنه و لا إسناده، و يجعل مؤسّساً لحكمٍ شرعيّ!؟

و أمّا ثالثاً: فلأنّ صدره المحذوف و إن كان احتجاجه به يثير الظنّ بكونه دالا على محلّ النزاع، لكن ذلك غير كافٍ لنا في العمل بمقتضاه، لعدم اطّلاعنا عليه و إن كان للشيخ (رحمه اللّه) في ذلك فرض آخر.

و استدلّ المصنّف في النهاية للأربعين برواية كردويه (4). و هو عجيب، و ستقف عليها عن قريب.

(و قيل): يجب نزح (الجميع) (5) لكونه ماءً حُكم بنجاسته يقيناً، فالقطع بطهارته

____________

(1) المبسوط 1: 12.

(2) في هامش «ق»: هو الشيخ عليّ (رحمه اللّه) في حاشية التحرير.

(3) المبسوط 1: 12.

(4) نهاية الإحكام 1: 260.

(5) قال به القاضي ابن البرّاج في المهذّب 1: 21؛ و السيّد ابن زهرة في الغنية: 48؛ و ابن إدريس في السرائر 1: 72 و 81.

405

يتوقّف على نزح الجميع لأنّ نزح البعض دون البعض الآخر ترجيح من غير مرجّح.

و الحكم به في مواضع مخصوصة لنصّ خاصّ على خلاف الأصل لا يقتضي مثله في غير المنصوص لعدم وجود دليلٍ نقليّ عليه على الخصوص حتّى لو ورد ذلك لم تكن المسألة لصيرورتها حينئذٍ منصوصةً، غايتها الإتيان بلفظٍ عامّ يشمل (1) الجميع، أومأ شاكله.

و ذهب بعض (2) الأصحاب إلى نزح ثلاثين، و نفى عنه الشهيد في الشرح البأسَ (3).

و في المختلف: النقل الذي ادّعاه الشيخ لم يصل إلينا، و إنّما الذي بلغنا في الباب حديث واحد، و عنى به حديث كردويه: أنّه سأل أبا الحسن (عليه السلام) عن بئر يدخلها ماء المطر فيه البول و العذرة و خُرء الكلاب، قال «ينزح منها ثلاثون دلواً و إن كانت مبخرةً» (4) و معناها المنتنة، و روى بفتح الميم و الخاء، و معناها موضع النتن.

قال: و مع ذلك فكردويه لا أعرف حاله، فإن كان ثقةً، فالحديث صحيح (5).

و في الاستدلال بهذا الحديث على المطلوب نظر إذ لا دلالة له على تقدير صحّته على ما نحن فيه، فإنّ مورده نجاسة مخصوصة، و إذا ثبت صارت منصوصةً، و الكلام في نجاسةٍ غير منصوصة مطلقاً.

و فيه إشكال من وجه آخر، و هو: أنّ جملة «إن» الوصليّة فيه تدلّ على مساواة حكم التغيّر بتلك النجاسات لغيره. و سيأتي فيه إشكال آخر إن شاء اللّه تعالى.

قال في المعتبر: و يمكن أن يقال فيه وجه آخر، و هو: أنّ كلّ ما لم يقدّر له منزوح لا يجب فيه نزح عملًا برواية معاوية، المتضمّنة قول أبي عبد اللّهُ: «لا يغسل الثوب و لا تعاد الصلاة ممّا يقع في البئر إلا أن ينتن» (6) و رواية ابن بزيع «إنّ ماء البئر واسع لا يفسده شيء إلا أن يتغيّر» (7) و هذا يدلّ بالعموم، فيخرج منه ما دلّت عليه النصوص بمنطوقها

____________

(1) في «ق، م»: «ليشمل».

(2) هو السيّد الفقيه جمال الدين أبو الفضائل أحمد بن طاوُس في كتاب البُشرى كما في غاية المراد 1: 78.

(3) غاية المراد 1: 78.

(4) التهذيب 1: 413/ 1300؛ الاستبصار 1: 43/ 120.

(5) مختلف الشيعة 1: 51، المسألة 26.

(6) التهذيب 1: 232/ 670؛ الاستبصار 1: 3130/ 80.

(7) التهذيب 1: 234/ 676.

406

أو فحواها، و يبقى الباقي داخلًا تحت هذا العموم.

قال: و هذا يتمّ لو قلنا: إنّ النزح للتعبّد لا للتطهير، أمّا إذا لم نقل ذلك، فالأولى نزح مائها أجمع (1). انتهى.

و قد تلخّص من جميع ذلك أنّ المصير إلى القول بنزح الجميع لازم عند القائل بالنجاسة لأنّ كلّ حديث يحتجّ به على المطلوب فإنّ نجاسته منصوصة، و ينعكس إلى قولنا: كلّ نجاسة ليست منصوصةً لم تدلّ عليها الأخبار، فيستصحب حكم النجاسة إلى أن يثبت المزيل، و لا ثبوت إلا بنزح الجميع.

(و ثلاثين في وقوع ماء المطر مخالطاً للبول و العذرة و خُرء الكلاب) لرواية كردويه، المتقدّمة (2).

و لو خالط ماء المطر أحدها، كفت الثلاثون لمفهوم الموافقة.

هذا إن لم يكن له مقدّر أو كان و هو أكثر، أمّا لو كان أقلّ كبول الرضيع، الداخل في إطلاق البول أو عمومه فالظاهر الاكتفاء به لأنّ مصاحبته لماء المطر إن لم تضعف حكمه كما هو الظاهر فلا تزيده.

و الشهيد (رحمه اللّه) أطلق القول بأنّ حكم بعضها كالكلّ (3). و بعض (4) الأصحاب خصّ الثلاثين بالجميع. و ما ذكرناه من التفصيل أجود.

و أُورد على أصل الحكم إشكال هو (5): أنّ العذرة وحدها يجب لها خمسون، فإذا انضمّ إليها غيرها، زادها نجاسةً، فكيف يجتزأ بالثلاثين!؟ فاللازم إمّا عدم إجزاء الثلاثين، أو عدم وجود الخمسين.

و أيضاً فإنّ ترك الاستفصال عن النجاسات المذكورة يقتضي المساواة في الحكم بين جميع محتملاتها، فيستوي حال العذرة رطبةً و يابسةً و حال البول إذا كان بول رجل أو رضيع أو امرأة أو خنثى، و قد قال بعضهم: إنّ خُرء الكلاب ممّا لا نصّ فيه، و ذهب

____________

(1) المعتبر 1: 78.

(2) في ص 405.

(3) البيان: 100.

(4) كالمحقّق الحليّ في شرائع الإسلام 1: 6؛ و العِمة الحليّ في تذكرة الفقهاء 1: 26.

(5) في «م»: «و هو».