روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان - ج1

- الشهيد الثاني المزيد...
463 /
407

المصنّف في المختلف إلى أنّ بول و روث ما لا يؤكل لحمه ممّا لا نصّ فيه.

و لو حمل الإطلاق على نجاسات مخصوصة، أشكل الحال من وجه آخر عند القائل بتضاعف النزح مع اختلاف النجاسات (1).

و أجاب المحقّق الشيخ عليّ عن ذلك بأنّ موضوع الرواية ماء المطر المخالط لهذه النجاسات، و ليس فيها أنّ أعيانها موجودة، فيمكن تنزيلها على ماء المطر المخالط لهذه النجاسات مع استهلاك أعيانها إذ لا بُعد في أن يكون ماء النجاسة أخفّ منها، خلافاً للقطب الراوندي.

قال: و هذا الحمل و إن كان خلاف الظاهر إلا أنّا صِرنا إليه جمعاً بين الأخبار (2).

أقول: إنّك إذا تأمّلت ما ينفعل عنه البئر و ما تطهر به تجدها قد جمعت بين المتباينات، كتساوي الهرّ و الخنزير، و فرّقت بين المتماثلات، كاختلاف منزوح موت الكلب و الكافر و غير ذلك، فلا تستبعد حينئذٍ أن ينزح لهذه الأشياء المخالطة لماء المطر مع انفرادها عنه أكثر ممّا يُنزح لها مع سقوطها في البئر مصاحبةً له، فتصير مصاحبتها لماء المطر مضعّفاً لنجاستها و مخفّفاً لها، و هو أولى من تقييد المطلق، و الحال في البئر ما ذكرناه، بل مقتضى لفظ الحديث في كون هذه الأشياء في الماء كون أعيانها فيه.

ثمّ لو كان الحكم في ماء المطر المتنجّس بهذه الأشياء من غير أن تكون أعيانها موجودةً، لم يبق فرق بين ماء المطر و غيره، فالأولى الانقياد لما تناولته الرواية بإطلاقها من كون الماء ماءَ مطر و مصاحباً لهذه الأشياء، سواء كانت أعيانها موجودةً أم لا.

(و) نزح (عشر) دلاء (في) وقوع (العذرة اليابسة) و المراد بها غير الذائبة؛ لقول الصادق (عليه السلام) في خبر أبي بصير في العذرة تقع في البئر: «ينزح منها عشر دلاء، فإن ذابت فأربعون أو خمسون» (3) و قد تقدّم (4) ما المراد من العذرة.

(و) كذا في (الدم القليل غير) الدماء (الثلاثة، كذبح الطير و الرعاف اليسير) لرواية عليّ بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) حيث سأله عن رجل ذبح دجاجة أو حمامة فوقع في بئر

____________

(1) تعرّض للإشكال من قوله: و أيضاً فإنّ ترك الاستفصال، إلى آخره المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 142.

(2) جامع المقاصد 1: 142 و فيه إلى قوله: أخفّ منها.

(3) التهذيب 1: 244/ 702؛ الإستبصار 1: 41- 42/ 116.

(4) في ص 399.

408

هل يصلح أن يتوضّأ منها؟ قال: «ينزح منها دلاء يسيرة» (1).

و قول الرضا (عليه السلام) في قطرات الدم: «دلاء» (2).

قال الشيخ في التهذيب: و أكثر عدد يضاف إلى هذا الجمع عشرة، فيجب أن يؤخذ به إذ لا دليل على ما دونه (3).

و اعترضه في المعتبر بأنّ ذلك إنّما يكون مع الإضافة، أمّا مع تجريده عنها فلا؛ إذ لا يعلم من قوله: عندي دراهم، أنّه لم يخبر عن زيادة عن عشرة، و لا إذا قال: أعطه دراهم (4).

و أجاب المصنّف في المنتهي بأنّ الإضافة هنا و إن لم تجر لفظاً لكنّها مقدّرة و إلا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، و لا بدّ من إضمار عدد يضاف إليه تقديراً، فيحمل على العشرة التي هي أقلّ ما يصلح إضافته لهذا الجمع أخذاً بالمتيقّن، و حوالة على الأصل من براءة الذمّة (5).

و فيه نظر إذ لا يلزم من عدم تقدير الإضافة هنا تأخير البيان عن وقت الحاجة، و إنّما يلزم ذلك لو لم يكن له معنى بدون هذا التقدير و الحال أنّ له معنىً كسائر أمثاله من صيغ الجموع، و لو سُلّم وجوب التقدير، لم تتعيّن العشرة.

و في قوله: «إنّ أقلّ ما يصلح إضافته لهذا الجمع عشرة» منع، و إنّما أقلّه ثلاثة، فيحمل عليها لأصالة البراءة من الزائد، و هو خلاف المدّعى، و سيأتي (6) في كلام المحقّق اختيار دلالته على ثلاثة.

قال المصنّف في المختلف: و يمكن أن يحتجّ به من وجه آخر، و هو أنّ هذا جمع كثرة، و أقلّه ما زاد على العشرة بواحد [فيحمل] (7) عليه عملًا بالبراءة الأصليّة (8).

و أنت خبير بأنّ هذا الدليل لا ينطبق على الدعوى لاستلزامه وجوب أحد عشر، و المدّعى الاكتفاء بعشرة.

____________

(1) الكافي 3: 6/ 8؛ التهذيب 1: 409/ 1288؛ الإستبصار 1: 44/ 123.

(2) الكافي 3: 5/ 1؛ التهذيب 1: 244- 245/ 705؛ الاستبصار 1: 44/ 124.

(3) التهذيب 1: 245 ذيل الحديث 705.

(4) المعتبر 1: 66.

(5) منتهى المطلب 1: 81.

(6) في ص 414.

(7) بدل ما بين المعقوفين في «ق، م» و الطبعة الحجريّة: «حُمل». و ما أثبتناه من المصدر.

(8) مختلف الشيعة 1: 36، المسألة 15.

409

و في المنتهي ذكر أنّه جمع كثرة، و قال: فيحمل على أقلّها و هو العشرة (1).

و فيه أيضاً نظر لأنّ أقلّ مراتب جمع الكثرة ما زاد على مراتب جمع القلّة بواحد، كما نصّ عليه أهل العربيّة و اعترف به المصنّف في المختلف (2)، فلا تتمّ العشرة، فتأمّل هذه الاختلافات الغريبة الواقعة بينهم، بل بين الواحد و نفسه.

(و سبع في موت الطير، كالحمامة) في طرف الصغر (و النعامة) في طرف الكبر (و ما بينهما).

و مستنده مع الشهرة رواية عليّ بن أبي حمزة عن الصادق (عليه السلام) (3).

و فُسّر الطير بالحمامة و النعامة و ما بينهما، و أُورد على العبارة أنّ التشبيه يقتضي صدق الطير على غير ما ذُكر (4) لوجوب المغايرة بين المشبّه و المشبّه به و لو بالجزئيّة و الكلّيّة و الحال أنّه محصور فيما ذُكر.

و يمكن الجواب بمنع حصره فيما ذُكر لأنّ الطير المساوي للحمامة و النعامة في الحجم تقريباً خارج عنهما و عمّا بينهما مع دخوله في الطير، فباعتباره يصحّ التشبيه.

(و) كذا في (الفأرة إذا تفسّخت) أي تقطّعت أجزاؤها و تفرّقت لقول الصادق (عليه السلام) في رواية أبي سعيد المكاري: «إذا وقعت الفأرة في البئر فتفسّخت فانزح منها سبع دلاء» (5).

و في رواية عنهُ إطلاق السبع في الفأرة (6)، و في أُخرى إطلاق ثلاث (7).

و طريق الجمع: حملُ الاولى على التفسّخ، و الثانية على عدمه بقرينة خبر أبي سعيد.

و ضعفه لا يمنع من العمل على هذا الوجه لأنّه كالأمارة الدالّة على الفرق و إن لم يكن حجّةً في نفسه.

(أو انتفخت) إلحاقاً بالتفسّخ، و لا نصّ عليه بالخصوص، لكن ذكره المفيد (8)،

____________

(1) منتهى المطلب 1: 81.

(2) مختلف الشيعة 1: 36؛ المسألة 15.

(3) التهذيب 1: 235/ 680؛ الاستبصار 1: 36/ 97.

(4) المفسّر و المورد هو المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 142- 143.

(5) التهذيب 1: 239/ 691؛ الاستبصار 1: 39/ 110.

(6) التهذيب 1: 235/ 680؛ الاستبصار 1: 36/ 97.

(7) التهذيب 1: 238/ 688؛ الإستبصار 1: 39/ 106.

(8) المقنعة: 66.

410

و تبعه الباقون.

(و بول الصبي) و هو الذكر الذي زاد سنّه على الحولين و لم يبلغ على المشهور، و به رواية عن الصادق (1) لا تخرج عن حدّ الإرسال.

و في حكمه الرضيع الذي يغلب أكله على رضاعه أو يساويه، كما سيأتي.

و لا تلحق به الصبيّة لعدم النصّ.

(و اغتسال الجنب الخالي) بدنه (من نجاسة عينيّة).

و عبّر بالاغتسال الشامل للارتماس و غيره ردّاً على ظاهر الشيخ (2) و صريح ابن إدريس، حيث شرط في النزح المذكور ارتماسه (3).

و لا وجه له لخُلُوّ النصوص من اشتراطه لأنّها واردة بنزول الجنب، كرواية عبد اللّه بن سنان (4)، و دخوله مع الاغتسال، كرواية أبي بصير (5)، و وقوعه، كرواية الحلبي (6)، و دخوله، كرواية محمد بن مسلم (7).

و إنّما قيّد بالاغتسال دون الملاقاة المشترك مدلول الأخبار فيها للتصريح به في بعضها، و يجب حمل المطلق على المقيّد.

و إنّما شرط خُلُوّ بدنه من نجاسة عينيّة ليتمّ الاكتفاء بالسبع، إذ لو كان عليه نجاسة، لوجب لها مقدّرها إن كان، و إلا فعلى ما مرّ.

و العلّة فيه نجاسة البئر بذلك و إن كان بدنه خالياً من نجاسة، و لا بُعد فيه بعد ورود النصّ.

و ليس الأمر في الماء الذي يغتسل به الجنب على حدّ الماء مطلقاً، و لهذا قال جمع بعدم طهوريّة قليله، فلا بُعد حينئذٍ في أن ينفعل عنه البئر الذي قد عُلم تأثّره بما لا يتأثّر به غيره و تأثير غيره في التطهير و التنجيس.

____________

(1) التهذيب 1: 243/ 701؛ الاستبصار 1: 33- 34/ 89.

(2) المبسوط 1: 12.

(3) السرائر 1: 79.

(4) التهذيب 1: 241/ 695؛ الاستبصار 1: 34- 35/ 93.

(5) التهذيب 1: 244/ 702.

(6) الكافي 3: 6/ 7؛ التهذيب 1: 240/ 694؛ الاستبصار 1: 34/ 92.

(7) التهذيب 1: 244/ 704.

411

فقول بعضهم: «إنّ نجاسة البئر بغير منجّسٍ معلومُ البطلان إذ الفرض إسلام الجنب و خُلُوّ بدنه من العينيّة» (1) قد ظهر منعه، بل هو بمنجّسٍ، فإنّ الذي نجّس غيره بتلك الأشياء هو الذي نجّسه بهذا الشيء على الوجه المخصوص.

و لو غلّبنا في النزح جانب التعبّد كما هو ظاهر الشيخ في التهذيب (2) و اختيار بعض (3) المتأخّرين فالإشكال مرتفع من أصله.

و الذي اختاره المصنّف في المختلف تبعاً لشيخه المحقّق (4) أنّ الحكم بالنزح؛ لكونه مستعملًا، فيكون النزح لسلب الطهوريّة (5).

و يشكل بإطلاق النصوص، و بحكم سلار و ابن إدريس و جماعة من المتأخّرين بوجوب النزح مع طهوريّة المستعمل عندهم (6)، و باستلزامه القول بعدم وجوب النزح؛ لأنّه فرّعه على القول بسقوط طهوريّة المستعمل و هو لا يقول به، فيلزم عدم القول بالنزح.

و يتفرّع عليه اشتراط النيّة و الحكم بصحّة الطهارة لكون الانفعال مسبباً عنها و متأخّراً. و رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّهُ دالّة عليه، حيث سأله عن الجنب يدخل البئر فيغتسل منها، قال: «ينزح منها سبع دلاء» (7) و الروايات الباقية كما لا تدلّ على اشتراط الاغتسال الشرعي، كذلك لا تنافيه، فيحمل مطلقها عليه جمعاً بين الأخبار.

فيندفع بذلك ما أورده المحقّق الشيخ عليّ من خُلُوّ الأخبار عنه أو كونها أعمّ حتى التزم بعدم الحكم بطهره لقول الصادق (عليه السلام) في خبر عبد اللّه بن أبي يعفور: «لا تقع في البئر و لا تفسد على القوم ماءهم» (8) فإنّ النهي المستفاد من الرواية يقتضي فساد الغسل لأنّه عبادة، فلا يطهر الجنب (9).

و يجاب: بمنع أنّ النهي عن العبادة، بل عن الوقوع في الماء و إفساده، و هو إنّما يتحقّق

____________

(1) القائل هو المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 143.

(2) التهذيب 1: 232.

(3) كالعِمة الحلّي في منتهى المطلب 1: 68.

(4) انظر المعتبر 1: 7170.

(5) مختلف الشيعة 1: 55، المسألة 29.

(6) المراسم: 34 و 3635؛ السرائر 1: 61 و 79؛ الجامع للشرائع: 19 و 20.

(7) التهذيب 1: 244/ 702.

(8) الكافي 3: 65/ 9؛ التهذيب 1: 150149/ 426؛ الاستبصار 1: 127 128/ 435.

(9) جامع المقاصد 1: 143.

412

بعد الحكم بطهر الجنب لا بمجرّد دخوله في البئر، فلا يضرّ هذا النهي لتأخّره، و عدم كونه عن نفس العبادة، إلا أن يقال: الوسيلة إلى المحرّم محرّمة و إن كانت قبل زمانه.

و يمكن على هذا فرض صحّة الغسل و وجوب النزح في بئر مملوكة للمغتسل، فإنّ تنجيسها (1) غير محرّم عليه.

و يرجّح الأوّل أنّه لو لم يطهر لم يتحقّق الإفساد الذي هو متعلّق النهي، و متى لم يتحقّق فلا حرج عليه، فيجوز الاغتسال.

و دفع ذلك كلّه بما تقدّم من أنّ الإفساد متأخّر عن الحكم بصحّة الغسل، فلا يؤثّر فيه، فعلى هذا إن اغتسل مرتمساً، طهر بدنه من الحدث و نجس بالخبث، و إن اغتسل مرتّباً، أجزأه غسل ما غسله قبل وصول الماء إلى البئر إن كان خارجاً عن الماء، و إلا فما قارن به النيّة خاصّة. كذا قرّره بعض (2) المتأخّرين.

و للنظر في بعضه مجال لتعليق الحكم كما تحقّق على الاغتسال، و لا يتحقّق إلا بالإكمال.

و بالجملة، فالمسألة من المشكلات، و اللّه أعلم بحقيقة الحال.

(و لخروج الكلب) من الماء (حيّاً) على المشهور، و روى ذلك عن الباقر (عليه السلام) (3).

و أوجب ابن إدريس نزح أربعين إذ لا نصّ فيه (4)، و كأنّه اطّراحاً لخبر الآحاد، و إنّما اكتفى هنا بالأربعين مع حكمه بالجميع لما لا نصّ فيه (5) لأنّها تجزي لموته كما مرّ (6) فلوقوعه حيّاً أولى، و لولاه لوجب نزح الجميع. و قد عرفت وجود النصّ.

و لا يلحق به خروج الخنزير حيّاً لعدم النصّ.

(و خمس في ذرق الدجاج) على المشهور، و لم يوجد به نصّ على الخصوص.

و لم يقيّده المصنّف بالجِل تبعاً للشيخ (7)، لكن وجه الإطلاق عند الشيخ ظاهر؛

____________

(1) في «ق، م» و الطبعة الحجريّة: «مملوك .. تنجيسه». و الصحيح ما أثبتناه.

(2) لم نتحقّقه.

(3) التهذيب 1: 237 238/ 687؛ الاستبصار 1: 38/ 103، و فيهما عن جعفر.

(4) السرائر 1: 7776.

(5) السرائر 1: 72.

(6) في ص 401.

(7) النهاية: 7؛ المبسوط 1: 12.

413

لنجاسة ذرقه عنده مطلقاً (1).

و خصّه جماعة كالمفيد (2) و سلّار (3) بالجلّال.

قال المصنّف في المختلف: و على القولين لم يصل إلينا حديث يتعلّق بالنزح لهما.

و يمكن الاحتجاج بأنّه ماء محكوم بنجاسته، فلا يطهر بدون النزح.

و التقدير مستفاد من رواية محمّد بن إسماعيل بن بزيع الصحيحة عن الرضا (عليه السلام) في البئر يقطر فيها قطرات من بول أو دم أو يسقط فيها شيء من العذرة كالبعرة أو نحوها، ما الذي يطهّرها؟ فوقّع «ينزح منها دلاء» (4).

قال: و الاحتجاج به بعيد لعدم دلالته على التقدير، و إنّما يستدلّ به على أنّه لا يجزئ أقلّ من خمس من حيث إنّه جمع كثرة (5). انتهى.

و هذا كلّه يقتضي تخصيصه بالجِل إن لم نقل بنجاسة الجميع.

و يمكن أن يستدلّ على نفي الزيادة عن الخمس بالإجماع على نفي وجوب الزائد.

قال المحقّق في المعتبر: و يقرب عندي أن يكون داخلًا في قسم العذرة ينزح له عشر، و إن ذاب فأربعون أو خمسون. و يحتمل أن ينزح له ثلاثون لحديث كردويه (6)- (7).

و يرد على الوجهين عدم القائل بما زاد على الخمس، و العذرة مخصوصة بفضلة الإنسان كما تقدّم (8)، فلا حجّة في الحديثين.

(و ثلاث في موت الفأرة) مع عدم الوصفين: التفسّخ و الانتفاخ، و قد تقدّم (9) المستند.

(و) كذا (الحيّة) على المشهور إحالة على الفأرة. و هو مأخذ ضعيف.

قال المحقّق: و يمكن أن يستدلّ على الحيّة بما رواه الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا

____________

(1) النهاية: 51؛ المبسوط 1: 36.

(2) المقنعة: 68 بناءً على نسختي «و، ز» منها.

(3) المراسم: 36.

(4) الكافي 3: 5/ 1؛ التهذيب 1: 245244/ 705؛ الاستبصار 1: 44/ 124.

(5) مختلف الشيعة 1: 50، المسألة 25.

(6) الفقيه 1: 16/ 35؛ التهذيب 1: 413/ 1300؛ الاستبصار 1: 43/ 120.

(7) المعتبر 1: 76.

(8) في ص 399.

(9) في ص 409.

414

سقط في البئر حيوان صغير فمات فيها فانزح منها دلاء» (1) فينزّل على الثلاث لأنّه أقلّ محتملاته. و علّله مع ذلك بأنّ لها نفساً سائلة، فتكون ميتتها نجسةً (2).

و ألحق الشيخان بها العقرب و الوزغة (3) بالتحريك للرواية (4).

و حملها المصنّف على الاستحباب (5) تبعاً لشيخه المحقّق لعدم النفس السائلة لهما، فلا ينجسان بالموت و لا يتنجّس بهما شيء، بل روي أنّ لهما سُمّاً، فيكره لذلك (6).

و كذا القول في سام أبرص.

(و دلو) واحد (في) موت (العصفور و شبهه) ممّا هو دون الحمامة لقول الصادق (عليه السلام) في رواية عمّار: «أقلّه العصفور ينزح منها دلو واحدة» (7).

و قد تقدّم (8) الكلام على الرواية في موت الإنسان.

و لا فرق بين كونه مأكول اللحم أولا، كالخفّاش للإطلاق، خلافاً للراوندي (9).

و لا يلحق به الطائر في حال صغره و إن شابهه في الحجم خلافاً للصهرشتي (10) لتعليق الحكم على الاسم. و لا بدّ لمدّعي إلحاق المشابه من دليلٍ على التخطّي.

(و بول) الصبي (الرضيع الذي لم يغتذ بالطعام) في الحولين اغتذاء غالباً على اللبن أو مساوياً له، فلا يضرّ القليل.

و المراد بالطعام نحو الخبز و الفاكهة، أمّا السكّر و نحوه فلا يسمّى طعاماً على الظاهر.

و لا تلحق به الرضيعة لعدم النصّ.

(و كلّ ذلك عندي مستحبّ) لما تقدّم (11) من اختياره عدم انفعال البئر بمجرّد الملاقاة،

____________

(1) الكافي 3: 6/ 7؛ التهذيب 1: 240/ 694؛ الاستبصار 1: 34/ 92.

(2) المعتبر 1: 75.

(3) المقنعة: 67، و فيها الوزغة فقط؛ النهاية: 7؛ المبسوط 1: 12.

(4) التهذيب 1: 238/ 688، و 245/ 706؛ الاستبصار 1: 39/ 106. و لم نعثر على نصّ في العقرب.

(5) نهاية الإحكام 1: 259.

(6) المعتبر 1: 75.

(7) التهذيب 1: 235234/ 678.

(8) في ص 398.

(9) حكاه عنه المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 74؛ و الشهيد في الذكرى 1: 101.

(10) حكاه عنه المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 7473؛ و الشهيد في الذكرى 1: 101.

(11) في ص 387.

415

فتُحمل الأخبار الواردة بالنزح على الاستحباب جمعاً بينها و بين ما دلّ على عدم النجاسة بدون التغيّر.

[تتمّة]

(تتمّة: لا يجوز استعمال الماء النجس) و ما هو في حكمه كالمشتبه به (في الطهارة مطلقاً) اختياراً و اضطراراً بقرينة قوله فيما بعدُ: «و لا في الأكل و الشرب اختياراً».

و يمكن على بُعدٍ أن يريد به ما يشمل الرافعة للحدث و المزيلة للخبث لتسمية الثاني طهارةً مجازاً، و جواز إطلاق اللفظ على حقيقته و مجازه، كما يقسّمون الماء في هذا الباب إلى مطلق و مضاف و غير ذلك.

و المراد بعدم الجواز ما هو المتعارف، و هو التحريم الذي يترتّب على فعل متعلّقه الذمُ و العقابُ بناءً على أنّ استعمال المكلّف الماءَ النجس فيما يُسمّى طهارةً في نظر الشرع أو إزالةِ نجاسة مع اعتقاد شرعيّته يتضمّن إدخال ما ليس من الشرع فيه فيكون حراماً، أو على تقدير استعماله و الاعتداد بالصلاة به فيكون كالمصلّي بغير طهارة، و الاعتداد بذلك محرّم فتكون الوسيلة إليه محرّمةً، أو بمعنى عدم الاعتداد به في رفع الحدث مجازاً، كما أنّهم يُطلقون الوجوب في مواضع و يريدون به الوجوب بمعنى الشرط، و لمّا كان التحريم مقابلًا للوجوب أُطلق على مقابله كذلك التحريمُ بمعنى عدم الاعتداد به لمقابلته الوجوب الشرطي.

و قد أشار المصنّف إلى إرادة هذا المعنى في النهاية حيث قال بعد التعبير بالتحريم: إنّا لا نعني بالتحريم حصول الإثم بذلك، بل بمعنى عدم الاعتداد به في رفع الحدث (1).

ثمّ ينقسم الماء النجس بحسب حكمه ثلاثة أقسام أشار المصنّف إلى قسمين منها: ما لا يجوز اختياراً و اضطراراً، و هو استعماله في الطهارة كما تقدّم، و عكسه، كبلّ الطين به و سقيه الدابّة و نحوهما. و ما يجوز مع الاضطرار خاصّة. و قد أشار إليه بقوله (و لا في الأكل و الشرب اختياراً) أمّا مع الضرورة كإساغة اللقمة و حفظ الرمق و هو بقيّة الحياة و أشباه ذلك فيجوز.

و يجب الاقتصار على ما تندفع به الضرورة، و لفظ الضرورة يشعر بذلك.

(و لو اشتبه النجس من الإناءين) بالطاهر منهما (اجتُنبا) وجوباً.

____________

(1) نهاية الإحكام 1: 246.

416

و لا يجوز التحرّي و هو الاجتهاد في طلب الأحرى بالاستعمال و هو الطاهر؛ لقرينةٍ لثبوت النهي عن استعمالهما، و القرينة التي لا تثمر اليقين غير كافية في الخروج عن النهي. و ليس هذا كالاجتهاد في القبلة.

و جوّزه الشافعي (1) هنا.

(و تيمّم) عند عدم التمكّن من غيرهما.

و لا يشترط في صحّته إهراقهما قبله ليتحقّق عدم الماء الطاهر؛ لأنّه بالاشتباه في حكم المعدوم، خلافاً للشيخ (2)، استناداً إلى خبرٍ (3) ضعيف.

و ربما كانت الإراقة حراماً؛ لخوف العطش و نحوه.

أمّا لو اشتبه المطلق بالمضاف، وجبت الطهارة بكلّ واحد منهما؛ لأنّه محصّل للطهارة بالمطلق المأمور به يقيناً، فيكون الجمع بينهما مقدّمةً للواجب المطلق فيكون واجباً.

و لا يضرّ عدم الجزم بالنيّة عند كلّ طهارة؛ لأنّ الجزم إنّما يعتبر بحسب الممكن، لكن يشترط لوجوبه بل لصحّته فَقدُ ما ليس بمشتبه، و إلا تعيّن استعماله؛ لقدرته حينئذٍ على الجزم التامّ في النيّة.

و لو فرض انقلاب أحدهما قبل الطهارة به، وجبت الطهارة بالآخر ثمّ التيمّم؛ لما تقدّم من أنّ الجمع مقدّمة الواجب المطلق. و لأنّ الحكم بوجوب الاستعمال تابع لوجود المطلق و قد كان وجوده مقطوعاً به، فيستصحب إلى أن يثبت العدم.

و يحتمل ضعيفاً عدم الوجوب، فيتيمّم خاصّة؛ لأنّ التكليف بالطهارة مع تحقّق وجود المطلق، و هو منتفٍ. و لأصالة البراءة من وجوب طهارتين.

و جوابهما يُعلم ممّا ذكرناه؛ فإنّ الاستصحاب كافٍ في الحكم بوجود المطلق.

و أصالة البراءة هنا منتفية بوجوب تحصيل مقدّمة الواجب المطلق، و هي لا تتمّ إلا بفعلهما معاً.

فإن قيل: ما ذكرتم من الدليل يقتضي عدم وجوب التيمّم، فإنّ استصحاب وجود

____________

(1) الوجيز 1: 9- 10؛ العزيز شرح الوجيز 1: 73؛ الوسيط 1: 214؛ حلية العلماء 1: 103؛ روضة الطالبين 1: 145؛ المجموع 1: 180.

(2) النهاية: 6.

(3) التهذيب 1: 229/ 662، و 248/ 712؛ الاستبصار 1: 21/ 48.

417

المطلق إن تمّ لا يتمّ معه وجوب التيمّم؛ إذ هو مع الاشتباه لا مع تحقّق الوجود.

قلنا: الاستصحاب المدّعى إنّما هو استصحاب وجوب الطهارة به بناءً على أصالة عدم فقد المطلق، و ذلك لا يرفع أصل الاشتباه؛ لأنّ الاستصحاب لا يفيد ما في نفس الأمر، فالجمع بين الطهارتين يحصّل اليقين.

(و يستحبّ تباعد البئر عن البالوعة) التي يرمى فيها ماء النزح أو غيره من النجاسات (سبع أذرع إذا كانت الأرض سهلةً) أي رخوة (و كانت البالوعة فوقها) فوقيّة محسوسة بأن يكون قرارها أعلى من قرار البئر. و لا اعتبار بوجه الأرض.

(و إلا) أي و إن لم يجتمع الأمران: فوقيّة البالوعة و رخاوة الأرض، و يصدق ذلك بعدمهما و عدم أحدهما (فخمس) أذرع.

و في حكم الفوقيّة المحسوسة الفوقيّةُ بالجهة بأن تكون البالوعة في جهة الشمال و إن استوى القراران؛ لما ورد من أنّ

مجاري العيون مع مهبّ الشمال»

(1)

.

و يدلّ على اعتبار الصلابة و ضدّها مع الشهرة مرسلة قدامة (2) عن أبي عبد اللّهُ، قال: سألته كم أدنى ما يكون بين البئر و البالوعة؟ قال: «إن كان سهلًا فسبعة أذرع، و إن كان جبلًا فخمسة أذرع» (3).

و على اعتبار الفوقيّة و التحتيّة رواية الحسن بن رباط، قال: سألته عن البالوعة، فقال: «إن كانت أسفل من البئر فخمسة أذرع، و إذا كانت فوق البئر فسبعة أذرع» (4).

و ما ذكره المصنّف طريق الجمع بين الروايتين.

و يدلّ على اعتبار الجهة ما رواه محمد بن سليمان الديلمي عن أبيه، قال: سألت أبا عبد اللّه عن البئر يكون إلى جنبها الكنيف، فقال لي: «إنّ مجرى العيون كلّها مع مهبّ الشمال، فإذا كانت البئر النظيفة فوقَ الشمال و الكنيف أسفل منها لم يضرّها إذا كان بينهما أذرع، و إن كان الكنيف فوقَ النظيفة فلا أقلّ من اثني عشر ذراعاً» (5).

____________

(1) التهذيب 1: 410/ 1292.

(2) في «ق، م» و الطبعة الحجريّة: «ابن قدامة». و الصحيح ما أثبتناه من المصادر.

(3) الكافي 3: 8/ 3؛ التهذيب 1: 410/ 1291؛ الإستبصار 1: 45- 46/ 127.

(4) الكافي 3: 7/ 1؛ التهذيب 1: 410/ 1290؛ الاستبصار 1: 45/ 126.

(5) التهذيب 1: 410/ 1292.

418

و حمل الزائد عن السبع منها على المبالغة في الاستحباب. و استفيد منها اعتبار المجرى، فتكون جهة الشمال فوقاً بالنسبة إلى ما يقابلها مع تساوي القرارين، فيضمّ إلى الفوقيّة و التحتيّة باعتبار القرار و إلى صلابة الأرض و رخاوتها، و يتحصّل من جميع ذلك أربع و عشرون مسألة؛ لأنّ الأرض إمّا رخوة أو صلبة، و على التقديرين إمّا أن يكون قرار البئر فوق قرار البالوعة أو أسفل أو يتساوى القراران، فالصور ستّ، ثمّ إمّا أن تكون البئر في جهة الشمال و البالوعة في جهة الجنوب أو بالعكس، أو تكون البئر في جهة المشرق و البالوعة في المغرب أو بالعكس، و مضروب الأربعة في الستّة يبلغ أربعة و عشرين، لكن لا فرق بين كون البئر في جهة المشرق و البالوعة في المغرب و بين العكس، و إنّما اقتضاه التقسيم، فترجع المسائل إلى ثمانية عشر، فالتباعد بخمس في كلّ صورة يوجد فيها أحد الأُمور: صلابة الأرض أو فوقيّة البئر بأحد المعنيين. و السبع في الباقي، و هو كلّ صورة ينتفي فيها الأمران، فيصير التباعد بخمس في سبع صورة صورة، و بسبع في سبع.

و إن أردت توضيح ذلك على وجه التفصيل، فنقول: إذا كانت البئر إلى جهة الشمال، فصوره ستّ:

أ قرارها أعلى و الأرض صلبة.

ب الصورة بحالها و الأرض رخوة.

ج استوى القراران و الأرض صلبة.

د الصورة بحالها و الأرض رخوة.

هقرار البالوعة أعلى و الأرض صلبة. ففي هذه الصور الخمس يكفي التباعد بخمس.

و الصورة بحالها و الأرض رخوة، فالتباعد بسبع.

و إن كانت البئر إلى جهة الجنوب، فالصور ستّ أيضاً:

أ قرارها أعلى و الأرض صلبة.

ب الصورة بحالها و الأرض رخوة.

ج استوى القراران و الأرض صلبة.

د قرار البالوعة أعلى و الأرض صلبة. و في هذه الصور الأربع التباعد بخمس.

هقرارها أعلى و الأرض رخوة.

419

و استوى القراران، و الأرض رخوة. و في هاتين الصورتين التباعد بسبع.

و إن كانت البئر في جهة المشرق و البالوعة في المغرب، فصُوره ستّ:

أ قرارها أعلى و الأرض صلبة.

ب الصورة بحالها و الأرض رخوة.

ج تساوى القراران و الأرض صلبة.

د البالوعة أعلى و الأرض صلبة. ففي هذه الأربع التباعد بخمس.

هو و رخاوة الأرض مع تساوي القرارين أو فوقيّة البالوعة. و في هاتين الصورتين التباعد بسبع.

و الستّ بعينها آتية في العكس، و هو ما لو كانت البئر في جهة المغرب و البالوعة في المشرق.

و اعلم أنّ في عبارة المصنّف هنا مخالفةً لطيفة لعبارة الأصحاب في المسألة بل لعبارته في غير هذا الكتاب، و ذلك لأنّه اعتبر في التباعد بسبع رخاوة الأرض و فوقيّة البالوعة، و الخمس فيما عدا ذلك، فتساوي قرارهما مع رخاوة الأرض من صور التباعد بخمس؛ لعدم اجتماع شرطي السبع، فإنّ أحدهما: فوقيّة البالوعة و لم تحصل، و عبارته في القواعد (1) و غيرها (2) و باقي ما وجدناه من عبارة الأصحاب صريحة في دخول هذه الصورة في صور السبع؛ لأنّهم شرطوا في التباعد بخمس أحد الأمرين: صلابة الأرض أو فوقيّة البئر، فتساوي القرارين ليس منه، و الرواية التي هي مستند الحكم ليس فيها ما يدلّ على حكم التساوي؛ لأنّه جعل السبع مع فوقيّة البالوعة، و الخمس مع فوقيّة البئر، فالتساوي مسكوت عنه.

و مثله عبارة المصنّف في المختلف (3).

و اعتبار السبع في المسألة المفروضة مع موافقته للمشهور أبلغ في الاستظهار.

(و أسآر الحيوان) جمع سؤر بالهمزة، و هو لغةً: ما يبقى بعد الشرب. و شرعاً: ماء قليل

____________

(1) قواعد الأحكام 1: 7.

(2) تحرير الأحكام 1: 5؛ تذكرة الفقهاء 1: 29 الفرع الحادي عشر؛ منتهى المطلب 1: 110؛ نهاية الإحكام 1: 235.

(3) مختلف الشيعة 1: 80، المسألة 42.

420

باشره جسم حيوان و إن لم يشرب منه.

و هو تابع له في الطهارة و النجاسة و الكراهة، فأسآر الحيوان (كلّها طاهرة عدا) سؤر (الكلب و الخنزير و الكافر و) من أنواعه (الناصب).

و عطفه عليه إمّا من باب عطف الخاصّ على العامّ، أو يريد بالكافر مَنْ خرج عن الإسلام، و بالناصب الإشارة إلى كفّار المسلمين.

و المراد به مَنْ نصب العداوة لأهل البيت (عليهم السلام) أو لأحدهم، و أظهر البغضاء لهم صريحاً أو لزوماً، ككراهة ذكرهم و نشر فضائلهم و الإعراض عن مناقبهم من حيث إنّها مناقبهم، و العداوة لمحبّيهم بسبب محبّتهم.

و روى الصدوق ابن بابويه عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «ليس الناصب مَنْ نصب لنا أهل البيت، لأنّك لا تجد رجلًا يقول: أنا أبغض محمداً و آل محمد، و لكنّ الناصب مَنْ نصب لكم و هو يعلم أنّكم توالوننا و أنّكم من شيعتنا» (1).

و الخوارج من جملة النواصب؛ لإعلانهم ببغض عليّ (عليه السلام)، بل إنّما هو أبلغ من البغض.

و أمّا الغُلاة فخارجون من الإسلام اسماً و معنًى. و ذكرهم في فِرَق المسلمين تجوّز.

و هل ينجس سؤر غير هذه الثلاثة من فِرَق المسلمين؟ قيل: لا؛ لعدم نقل اجتناب النبيّ و عليّ (عليهما السلام) ذلك مع ما كان بين عليّ (عليه السلام) و بين أهل عصره من المباينة و المخالفة في العقائد. و سُئل عليّ (عليه السلام) عن الوضوء من ركو أبيض مخمّر أي مغطّى أو من فضل وضوء المسلمين، فقال: «بل من فضل وضوء جماعة المسلمين، فإنّ أحبّ دينكم إلى اللّه الحنيفيّة السمحة» (2) و هو اختيار المحقّق و الشهيد (رحمه اللّه) في الذكرى (3).

و ألحق جماعة منهم: المصنّف في بعض (4) كتبه، و الشهيد في غيرها (5) المجسّمة بالحقيقة، و بعضهم (6) المجسّمة و لو بالتسمية، و الشيخ (رحمه اللّه) المجبّرة (7) أيضاً،

____________

(1) علل الشرائع 2: 327/ 60، الباب 385؛ ثواب الأعمال و عقابها: 247/ 4.

(2) الفقيه 1: 9- 10/ 16.

(3) المعتبر 1: 97؛ الذكرى 1: 109.

(4) تحرير الأحكام 1: 24.

(5) البيان: 91.

(6) المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 164.

(7) المبسوط 1: 14.

421

و ابن إدريس كلّ مَنْ خالف الحقّ (1).

و في بعض الأخبار: أنّ كلّ مَنْ قدّم الجبت و الطاغوت فهو ناصب (2).

و اختاره بعض (3) الأصحاب؛ إذ لا عداوة أعظم ممّن قدّم المنحطّ عن مراتب الكمال، و فضّل المنخرط في سلك الأغبياء الجُهّال على مَنْ تسنّم أوج الجلال حتى شكّ في أنّه اللّه المتعال، و اللّه أعلم بحقيقة الحال.

(و) الماء القليل (المستعمل في رفع الحدث طاهر) إجماعاً، سواء في ذلك الحدثُ الأصغر و الأكبر (و مطهّر) إن كان الحدث أصغر إجماعاً.

و كذا إن كان أكبر على المشهور؛ للعموم. و لأنّ الطّهور ما يتكرّر منه الطهارة كالضّروب، فلا ينافيه.

و ذهب الشيخان (4) و جماعة (5) إلى كونه غير مطهّر؛ استناداً إلى أخبار لو لم تكن ضعيفةً أمكن حملها على التنزيه أو على نجاسة المحلّ؛ جمعاً بينها و بين غيرها من صحاح الأخبار.

و ربّما علّلوه بتأثّر الماء لتأثيره في المحلّ رفع الحدث، أو رفع منعه من الصلاة حيث لا يرتفع، كما تأثّر رافع الخبث حيث جعل المحلّ بعد الغسل مخالفاً لما قبله، فكأنّ المنع الذي في البدن انتقل إليه.

و هذه العلّة لو تمّت، لزم المنع من المستعمل في الصغرى؛ لاشتراكهما في العلّة، لكنّ الثاني جائز الاستعمال إجماعاً، فثبت الأوّل.

و يصير الماء مستعملًا بانفصاله عن أعضاء الطهارة مع قلّته، فالكثير لا يتصوّر فيه الانفعال، كما أنّ المتردّد على الأعضاء لا يمكن الحكم باستعماله، و إلا لامتنع فعل الطهارة بالقليل.

و لو ارتمس في القليل، ارتفع حدثه بعد تمام الارتماس؛ لأنّه في حكم الانفصال، و صار مستعملًا بالنسبة إلى غيره و إن لم يخرج.

و لو نوى جنبان، فكذلك.

____________

(1) السرائر 1: 84.

(2) مستطرفات السرائر ضمن السرائر 3: 583.

(3) لم نتحقّقه.

(4) المقنعة: 64؛ المبسوط 1: 11.

(5) منهم: الشيخ الصدوق في الفقيه 1: 10 ذيل الحديث 17، و ابن حمزة في الوسيلة: 74.

422

و لا يشترط إيقاعه النيّة في الماء بعد تمام الارتماس، كما يظهر من الذكرى (1)، لأنّ الارتماس لا يتبعّض، فلا يرتفع الحدث إلا بعد تمامه على التقديرين.

و يجوز إزالة النجاسة به و لو منعنا من الطهارة به حتى نقل الفاضل ولد المصنّف الإجماع عليه (2).

و نقل في الذكرى قولًا بالمنع، محتجّاً بأنّ قوّته استُوفيت، فالتحق بالمضاف (3)، و لم يذكر قائله.

(و) المستعمل (في رفع الخبث نجس، سواء تغيّر بالنجاسة أولا) على أشهر الأقوال خصوصاً بين المتأخّرين.

و حجّتهم أنّه ماء قليل لاقى نجاسة فينجس.

و قول أبي عبد اللّهُ: «الماء الذي يغسل به الثوب و يغتسل به من الجنابة لا يتوضّأ منه» (4).

و قول الكاظم (عليه السلام) في غسالة الحمّام: «لا تغتسل منها» (5) فيثبت الحكم في غسالة غيره؛ إذ لا قائل بالفصل.

و في هذه الأدلّة نظر.

أمّا الأوّل: فلمنع كلّيّة كبراه؛ فإنّها عين المتنازع، فأخذها في الدليل مصادرة. و لانتقاضها بماء الاستنجاء.

فإن قيل: خرج ذلك بالدليل، فصار الباقي كالعامّ المخصوص في حجّيّته على ما بقي.

قلنا: ذلك إنّما يتمّ لو ثبت صورة الدليل كذا، و إلا فلنا أن نخرج ماء النجاسة أيضاً؛ لما سيأتي، مع أنّ كلّيّتها على ما عدا ذلك ممنوعة، و أين الدليل عليه؟

و أمّا الخبر فهو أعمّ من الدعوى؛ فإنّ المنع من الوضوء به أعمّ من النجاسة، فلا يستلزمها؛ لعدم دلالة العامّ على الخاصّ المعيّن.

____________

(1) الذكرى 1: 104.

(2) إيضاح الفوائد 1: 19.

(3) الذكرى 1: 105.

(4) التهذيب 1: 221/ 630؛ الإستبصار 1: 27 28/ 71.

(5) الكافي 6: 498/ 10.

423

و عطف الجنابة عليه على تقدير تمامه يؤذن برفع الطهوريّة لا الطهارة.

و أمّا خبر غسالة الحمّام فسيأتي الكلام فيه، مع أنّه معارض بقول الكاظم (عليه السلام) في غسالة الحمّام تصيب الثوب: «لا بأس» (1).

و اعلم أنّ في هذه المسألة أقوالًا أربعة:

أحدها: أنّ الماء المزيل للخبث كالمحلّ قبل الغسل مطلقاً، فمتى لم يطهر المحلّ فالغسالة نجسة، كنجاسة المحلّ قبله، فيجب غَسل ما أصابه هذا الماء، كما يجب غَسل المحلّ بالنسبة إلى عدد الغسلات. و جميع ما تقدّم من الأدلّة صالح لهذا القول، و كلام المصنّف محتمل له بل ظاهر فيه؛ لإطلاقه القول بنجاسة الماء. و هذا القول نسبه الشهيد (2) (رحمه اللّه) إلى المصنّف.

و ثانيها: أنّ الماء المستعمل في ذلك كالمحلّ قبلها، أي قبل الغسلة، فيجب غَسل ما أصابه ماء الغسلة الأُولى مرّتين، و الثانية مرّة فيما يجب غَسله مرّتين، و هكذا. و هو اختيار الشهيد (3) (رحمه اللّه) و مَنْ تأخّر عنه.

و يحتمل أن يكون مذهباً للمصنّف أيضاً؛ لأنّ إطلاق القول بنجاسة الماء لا ينافيه.

لكن ليس في عباراته تصريح به، و ما تقدّم من الأدلّة صالح له.

و يزيد عن الأوّل اختصاصاً: أنّ المحلّ المغسول تضعف نجاسته بعد كلّ غسلة و إن لم يطهر، و لهذا يكفيه من العدد ما لا يكفي قبلُ، فيكون حكم ماء الغسلة كذلك؛ لأنّ نجاسته مسبّبة عنه، و لا يزيد حكمه عليه؛ لأنّ الفرع لا يزيد على الأصل، و هذا هو المقيّد لتلك الأدلّة الدالّة على النجاسة على الإطلاق.

و ثالثها: أنّه كالمحلّ بعدها، أي بعد الغسلة، فإن كان طاهراً، فهي طاهرة، كماء الغسلة الثانية فيما يجب غسله مرّتين. و إن كان المحلّ نجساً، فهي نجسة على ذلك الوجه، كماء الغسلة الاولى، فيجب غسل ما لاقته مرّة واحدة؛ لأنّ محلّها يطهر بعدها بغسلة واحدة، و هو اختيار الشيخ في الخلاف (4).

____________

(1) الكافي 3: 15/ 4؛ الفقيه 1: 10/ 17؛ التهذيب 1: 379/ 1176.

(2) الذكرى 1: 84.

(3) الدروس 1: 122.

(4) الخلاف 1: 179، المسألة 135.

424

و حجّته: أنّ المحلّ بعد الأخيرة طاهر مع بقاء بعض مائها فيه، و الماء الواحد لا تختلف أجزاؤه في الطهارة و النجاسة.

و جوابه: اختصاص المتّصل بالعفو و الحرج و الضرورة، بخلاف المنفصل. و يعارَض بماء الاولى؛ للقطع ببقاء شيء منه.

و رابعها: كالمحلّ بعده، أي بعد الغسل كلّه، و هو على طرف النقيض بالنسبة إلى القول الأوّل، فماء الغسالة طاهر مطلقاً، سواء في ذلك الاولى و الأخيرة، ذهب إليه الشيخ في المبسوط (1) و المرتضى (2) رحمهما اللّه، لكن قيّده بورود الماء على النجاسة (3)، و تبعهما ابن إدريس (4) و جماعة.

و يظهر من الشهيد في الذكرى الميل إليه؛ لاستضعافه أدلّة النجاسة، و اعترافه بأنّه لا دليل عليها سوى الاحتياط (5).

و الحجّة على هذا القول أنّه لو حكم بنجاسة القليل الوارد، لم يكن لوروده أثر، و متى لم يكن له أثر لم يشترط الورود، فيطهر النجس و إن ورد على القليل. و لأنّه لو حكم بنجاسته، لم يطهر المحلّ بالغسل العددي، و التالي باطل بالإجماع، و الملازمة واضحة. و هذه حجّة المرتضى.

قال في الذكرى: و يلزمه أن لا ينجس بخروجه بطريق أولى (6).

و أجاب المصنّف في المختلف: بمنع الملازمة؛ فإنّا نحكم بطهر الثوب و النجاسة في الماء بعد انفصاله عن المحلّ (7).

و هو تعسّف زائد؛ فإنّ الماء إذا لم ينجس بملاقاة النجاسة له، لم ينجس بعد انفصاله

____________

(1) المبسوط 1: 15 و 36 و 92.

(2) حكاه عنه المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 128.

(3) مسائل الناصريّات: 7372، المسألة 3.

(4) حكاه عنه المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 128؛ و في السرائر 1: 180: «.. فإن كان من الغسلة الأوّلة، يجب غسله. و إن كان من الغسلة الثانية أو الثالثة، لا يجب غسله». و قال العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 72، المسألة 37؛ و الشهيد في الذكرى 1: 84- 85 بعد حكاية القول بالفرق بين ورود الماء على النجاسة و ورودها عليه عن السيّد المرتضى: «و اختاره تبعه ابن إدريس». انظر: السرائر 1: 180- 181.

(5) الذكرى 1: 85.

(6) الذكرى 1: 85.

(7) مختلف الشيعة 1: 72، المسألة 37.

425

عنها و مفارقته لها بطريق أولى؛ لأنّ المقتضي للتنجيس هو الملاقاة لها لا مفارقتها، فكيف يرتكب فكّ المعلول عن علّته التامّة ثمّ وجوده بدونها!؟

إن قيل: الدليل لمّا دلّ على نجاسته بعد الاتّصال و الانفصال و توقّف طهارة المحلّ على عدم نجاسة الماء اقتصر فيه على محلّ الضرورة، و هو ما قبل الانفصال لا ما بعده.

قلنا: الانفصال لا يصلح سبباً للنجاسة و لا جزءاً للسبب؛ لعدم صلاحيته لذلك، فإنّه مقتضٍ لبُعد الماء عن النجاسة، و ذلك ينافي قبوله أثرها، و لِمَ لا يرتكب طهارته مطلقاً كما في ماء الاستنجاء، فإنّ وجود النظير يمنع (1) الاستبعاد أو يحكم بنجاسته مطلقاً للدليل؟

و الحكم بطهر المحلّ خرج بحكم الشارع، و بالإجماع، و بأنّه لولاه لما أمكن التطهير بالقليل.

و هنا قول خامس حكاه الشهيد (رحمه اللّه) في حاشية الألفيّة (2) عن بعض الأصحاب و لم يسمّه و هو: أنّ ماء كلّ غسلة كمغسولها قبل الغسل و إن حكم بطهارة المحلّ بل و إن ترامت لا إلى نهاية؛ محتجّاً بأنّه ماء قليل لاقى نجاسة.

و بيانه أنّ طهارة المحلّ بالقليل على خلاف الأصل المقرّر من نجاسة القليل بالملاقاة، فيقتصر فيه على موضع الحاجة، و هو المحلّ دون الماء.

و يدفعه: حكم الشارع بالطهارة عند تمام الغسلات، فلا اعتبار بما حصل بعد ذلك، و للزوم الحرج المنفيّ.

و ربما نسب هذا القول إلى المصنّف (3). و كلامه بالقول الأوّل أليق، و تحقيقه به أنسب، و وجه مناسبة عباراته له أنّه يسوقها في الماء المستعمل في إزالة النجاسة، و بعد الحكم بالطهارة شرعاً لا تصدق النجاسة.

و ما نبّهنا عليه من الأقوال و حرّرناه لا يكاد يوجد مجموع الأطراف فيما علمناه و إن كان بعض (4) الفضلاء قد نفى ما زاد على ثلاثة أقوال.

____________

(1) في «ق، م»: «يدفع».

(2) راجع رسائل المحقّق الكركي 3: 231 و 232.

(3) كما في رسائل المحقّق الكركي 3: 231.

(4) لم نتحقّقه.

426

بقي هنا شيء ينبغي التنبّه له، و هو: أنّ المصنّف عطف بعد «سواء» ب«أو» في قوله: «سواء تغيّر بالنجاسة أو لا» و قد أكثر من استعمال ذلك في كتبه كغيره من الفقهاء، و قد منع منه جماعة من محقّقي العربيّة من المتقدّمين و المتأخّرين.

و حجّتهم في ذلك أنّ «أو» تقتضي أحد الشيئين أو الأشياء، و التسوية تقتضي نفس الشيئين أو الأشياء، و الأجود العطف ب«أم» المتّصلة التي ما قبلها و مابعدها لا يستغنى بأحدهما عن الآخر.

قال تعالى سَوٰاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ (1) سَوٰاءٌ عَلَيْنٰا أَ جَزِعْنٰا أَمْ صَبَرْنٰا (2) سَوٰاءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ* (3) سَوٰاءٌ عَلَيْكُمْ أَ دَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صٰامِتُونَ (4).

و قال أبو علي الفارسي: لا يجوز «أو» بعد «سواء» فلا يقال: سواء عليَ قمت أو قعدت؛ لأنّه يكون المعنى: سواء عليّ أحدهما، و ذا لا يجوز؛ لأنّ التسوية تقتضي شيئين فصاعداً (5).

و قال ابن هشام في المغني: قد أُولع الفقهاء و غيرهم بأن يقولوا: سواء كان كذا أو كذا، و هو نظير قولهم: يجب أقلّ الأمرين من كذا أو كذا. و الصواب العطف في الأوّل ب«أم» و في الثاني بالواو. ثمّ نقل عن الصحاح: سواء عليّ قمت أو قعدت (6). قال: و هو سهو.

و نقل عن الهذلي أنّ ابن محيصن قرأ من طريق الزعفراني «أو لم تنذرهم» و حَكَم عليه بأنّه من الشذوذ بمكان (7).

و الظاهر من المصنّف أنّه يختار ما نقله صاحب الصحاح من جواز ذلك، و قد وافقه عليه بعض أهل العربيّة.

و ظاهر الشيخ الرضي (رحمه اللّه) اختيار ذلك حيث قال بعد نقل كلام الفارسي و حجّته بانّ «أو» تقتضي أحد الشيئين: و يرد عليه: أنّ معنى «أم» أيضاً أحد الشيئين أو

____________

(1) المنافقون (63): 6.

(2) إبراهيم (14): 21.

(3) البقرة (2): 6.

(4) الأعراف (7): 193.

(5) حكاه عنه الرضي في شرح الكافية 2: 376.

(6) الصحاح 6: 2386، «س و أ».

(7) مغني اللبيب 1: 63- 64.

427

الأشياء، فيكون معنى «سواء عليّ قمت أم قعدت» سواء عليّ أيّهما فعلت، أي الذي فعلت من الأمرين، و هذا أيضاً ظاهر الفساد.

قال: و إنّما لزمه ذلك في «أو» و «أم» لأنّه جعل «سواء» خبراً مقدّماً و ما بعده مبتدأ.

و الوجه: أنّ «سواء» خبر مبتدأ محذوف، أي الأمران سواء، ثمّ بيّن الأمرين بقوله: قمت أو قعدت، و الجملة سادّة مسدّ جواب الشرط الذي لا شكّ في تضمّن الفعل بعد «سواء» و «ما أُبالي» معناه (1)، أ لا ترى إلى إفادة الماضي في مثله معنى المستقبل، و ما ذاك إلا لتضمّن معنى الشرط (2). انتهى كلام الرضي.

و فرّق السيرافي في شرح (3) كتاب سيبويه بين ما لو دخلت همزة التسوية بعد «سواء» أو لم تدخل، فجوّز «أو» على الثاني دون الأوّل، فقال: «سواء» إذا دخلت بعدها ألف الاستفهام لزمت «أم» بعدها، كقولك: سواء عليّ أ قمت أم قعدت، و إن كان بعد «سواء» فعل بغير استفهام، جاز عطف أحدهما على الآخر ب«أو» كقولك: سواء عليّ قمت أو قعدت. انتهى.

و كلام المصنّف جارٍ على القسم الثاني، و الآيات الشريفة على الأوّل.

فقد تلخّص في المسألة ثلاثة أقوال: المنع مطلقاً، و الجواز مطلقاً، و التفصيل. و إنّما أطنبنا القول في ذلك؛ لكثرة جريانه و شدّة الحاجة إليه و عدم اشتهار ما حرّرناه من الخلاف. ثمّ عُد إلى عبارة الكتاب.

و اعلم أنّ المستعمل في إزالة الخبث نجس (إلا ماء الاستنجاء) من الحدثين (فإنّه طاهر) إجماعاً، كما نقله المصنّف في المنتهي (4). و في المعتبر: هو العفو (5). و قرّبه في الذكرى (6).

و تظهر الفائدة في استعماله ثانياً، فيجوز على الأوّل دون الثاني.

____________

(1) أي: معنى الشرط.

(2) شرح الكافية 2: 375- 377.

(3) لا يوجد كتابه لدينا.

(4) كما في جامع المقاصد 1: 130؛ و في منتهى المطلب 1: 143 هكذا: عفي عن ماء الاستنجاء إذا سقط منه شيء على ثوبه أو بدنه. انتهى، و لم يتعرّض لذكر الإجماع.

(5) كما في الذكرى 1: 83؛ و جامع المقاصد 1: 130؛ و قال المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 91: و أمّا طهارة ماء الاستنجاء فهو مذهب الشيخين، و قال علم الهدى (رحمه اللّه) في المصباح: لا بأس بما ينضح من ماء الاستنجاء على الثوب و البدن. و كلامه صريح في العفو و ليس بصريح في الطهارة. انتهى.

(6) الذكرى 1: 83.

428

و الأصل فيه حكم الصادق (عليه السلام) بعدم نجاسة الثوب الملاقي له (1). و هو يستلزم الطهارة.

و لأنّ في الحكم بنجاسته حرجاً أو مشقّةً؛ لعموم البلوى به، و كثرة تكرّره و دورانه، بخلاف باقي النجاسات. و الإجماع الذي ادّعاه المصنّف كافٍ أيضاً.

و لا فرق بين المخرجين، و لا بين المتعدّي و غيره إلا أن يتفاحش بحيث يخرج عن مسمّى الاستنجاء، و لا بين الطبيعي و غيره إذا صار معتاداً؛ لإطلاق الحكم.

لكن يشترط لطهارته أُمور دلّ على اشتراطها أدلّة أُخرى أشار إلى بعضها بقوله (ما لم يتغيّر بالنجاسة أو يقع على نجاسة خارجة) عن حقيقته، كالدم المستصحب للخارج، أو عن محلّه و إن لم يخرج عن الحقيقة، كالحدث الملقى على الأرض، و غيره من النجاسات، فلا يحتاج إلى تنقيح المحلّ بجَعل عدم استصحابه لنجاسة أُخرى شرطاً ثالثاً.

و يشترط زيادةً على ما ذُكر: أن لا تنفصل مع الماء أجزاء من النجاسة متميّزة؛ لأنّها كالنجاسة الخارجة يتنجّس الماء بها بعد مفارقة المحلّ.

و هل يشترط عدم زيادة الوزن؟ ظاهر الشهيد في الذكرى (2) ذلك.

و الظاهر عدم الاشتراط؛ لانحصار التنجيس في تغيّر أحد الأوصاف الثلاثة، لا مطلق الوصف، كالثقل و الخفّة و غيرهما.

و أمّا سبق الماءِ اليدَ إلى المحلّ أو مقارنتها له فلا أثر له؛ لتنجّس اليد على كلّ حال، فلا فرق بين تقدّمها عليه و تأخّرها عنه.

نعم، يجب تقييد ذلك بما إذا كانت نجاستها لكونها آلةً للغسل، فلو تنجّست لا لذلك ثمّ حصل الاستنجاء، فلا عفو.

(و غسالة الحمّام) و هي الماء المستنقع فيه و المنفصل عن المغتسلين (نجسة ما لم يعلم خلوّها من نجاسة) لنهي الكاظم (عليه السلام) عن الاغتسال من البئر التي تجمع فيها غسالة الحمّام، معلّلًا بأنّ فيها غسالة ولد الزنا و الناصب و هو شرّهما (3).

و هذا هو المشهور حتّى ادّعى عليه ابن إدريس الإجماع (4).

____________

(1) التهذيب 1: 86- 87/ 288.

(2) الذكرى 1: 83.

(3) الكافي 6: 498- 499/ 10، التهذيب 1: 373/ 1143.

(4) السرائر 1: 90- 91.

429

و الرواية ضعيفة السند، مرسلة، و معارضة بقوله (عليه السلام) في حديثٍ آخر و قد سُئل عن مجتمع الماء في الحمّام من غسالة الناس يصيب الثوب، قال: «لا بأس» (1).

و هذه الرواية و إن كانت مرسلةً أيضاً إلا أنّها لا تقصر عن مقاومة الرواية الأُخرى، و تبقى معنا أصالة طهارة الماء.

و اختار المصنّف في المنتهي (2) طهارتها؛ للخبر (3)، و الأصل، و هو الظاهر إن لم يثبت الإجماع على خلافه.

(و تكره الطهارة ب) الماء (المسخّن في الشمس في الأواني) لما ورد من نهي النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عنه، معلّلًا بأنّه يورث البرص (4).

و حُمل النهي على الكراهة، جمعاً بينه و بين قول الصادق (عليه السلام)

لا بأس بأن يتوضّأ بالماء الذي يوضع في الشمس

(5). و يمكن الجمع بين خبري الغسالة بذلك؛ و لأنّ العلّة راجعة إلى المصلحة الدنيويّة، فالنهي من قبيل الإرشاد على حدّ قوله تعالى وَ أَشْهِدُوا إِذٰا تَبٰايَعْتُمْ (6).

و إنّما لم يكن محرّماً مع الاتّفاق على وجوب دفع الضرر؛ لأنّه ليس بمعلوم الوقوع و لا مظنونه، و إنّما هو ممكن نظراً إلى صلاحيته له.

و كما تكره الطهارة به يكره استعماله في غيرها من إزالة نجاسةٍ و أكلٍ و شربٍ على الظاهر؛ لاقتضاء التعليل ذلك. و لا يشترط القصد إلى التسخين، فيعمّ الحكم المتسخّن بنفسه، فلو قال: «المتسخّن» كان أولى.

و كذا لا يشترط بقاء السخونة، استصحاباً لما ثبت، و لصدق الاسم مع زوالها؛ إذ المشتقّ لا يشترط في صدقه بقاء أصله. و ربما قيل باشتراطهما.

و لا فرق بين الأواني المنطبعة كالنحاس و الحديد و غيرها، و لا بين البلاد الحارّة و غيرها و إن كان المحذور يقوّي تولّده في الأوّلين، لتأثير الشمس فيهما زهومة يتولّد منها المحذور،

____________

(1) الكافي 3: 15/ 4، الفقيه 1: 10/ 17، التذهيب 1: 379/ 1176.

(2) منتهى المطلب 1: 146- 147.

(3) المصادر في الهامش (1).

(4) الكافي 3: 15/ 5، علل الشرائع 1: 327/ 2، الباب 194، التهذيب 1: 379- 380/ 177.

(5) التهذيب 1: 366/ 367/ 1114، الإستبصار 1: 30/ 78.

(6) البقرة (2): 282.

430

فإنّ الحكم إذا علّق بمنظنّة شيء، عمّ جميع أفراده و إن قصر بعضها عن ذلك، كالقصر المعلّق بمظنّة المشقّة، و هو السفر إلى مسافة مع عدم عموم المشقّة لجميع أفراده، بل ربما حصلت المشقّة في بعض الأفراد في بعض المسافة أضعاف ما يحصل في الزائد عنها لفردٍ آخر.

و التقييد بالأواني يشعر باختصاص الحكم بها، فلو تسخّن الماء في حوض أو في ساقية (1)، لم يكره استعماله.

و إطلاق النصّ و الفتوى و التعليل يقتضي عدم الفرق بين القليل من الماء و الكثير.

و لا منافاة بين الوجوب عيناً و الكراهة، كما في الصلاة و غيرها من العبادات على بعض الوجوه، فلو لم يجد ماء آخر غيره، لم تزل الكراهة و إن وجب استعماله عيناً؛ لبقاء العلّة، مع احتمال الزوال كما يأتي.

(و) كذا يكره استعمال الماء (المسخّن بالنار في غسل الأموات) لما ورد من نهي أبي جعفر عنه (2)، و علّل مع ذلك بأنّ فيه أجزاءً ناريّة فلا تعجّل له، و تفؤلًا بالحميم، و بأنّه يرخي بدن الميّت و يعدّه لخروج شيء من النجاسات.

و محلّ الكراهة عند عدم الضرورة، أمّا معها كخوف الغاسل على نفسه من البرد فلا، مع احتمال بقائها، كما مرّ.

و كذا لا يكره استعماله في غير غسل الأموات؛ للأصل، و عدم النصّ، و فقد العلّة.

(و) كذا يكره (سؤر) الحيوان (الجِل) و هو الذي يغتذي بعذرة الإنسان محضاً إلى أن ينبت لحمه عليه، و يشتدّ عظمه، أو يسمّى في العرف جِلا. و سيأتي تفصيله و تحقيقه إن شاء اللّه تعالى.

(و آكل الجيف) مع خلوّ موضع الملاقاة من عين النجاسة.

(و) سؤر (الحائض المتّهمة) بعدم التحفّظ من النجاسة و المبالاة بها.

و إنّما كره، جمعاً بين رواية النهي عن الوضوء بفضلها عن الصادق (عليه السلام) (3) و بين نفي البأس إذا كانت مأمونةً عن الكاظم (عليه السلام) (4)؛ إذ لا قائل بالتحريم.

____________

(1) في ق، م»: «أو ساقية.

(2) الفقيه 1: 86/ 397، التهذيب 1: 322/ 938.

(3) الكافي 3: 10- 11/ و 3 و 4، التهذيب 1: 222/ 634- 636، الاستبصار 1: 17/ 32- 34.

(4) التهذيب 1: 21- 632، الاستبصار 1: 16- 17/ 30.

431

و أطلق الشيخ في المبسوط (1) الكراهةَ؛ لإطلاق بعض الأخبار. و حمل المطلق على المقيّد طريق الجمع.

و طرّد الشهيد (رحمه اللّه) الحكمَ في كلّ متّهم (2).

و نُوقش (3) فيه حيث إنّه تصرّف في النصّ.

(و) سؤر (البغال و الحمير) الأهليّة دون الوحشيّة، و كذا الدوابّ؛ لكراهة لحم الجميع.

(و) سؤر (الفأرة و الحيّة) و كذا كلّ ما لا يؤكل لحمه.

(و ما مات فيه الوزغ) بالتحريك جمع وزغة دابّة معروفة، و كذا ما خرج منه حيّاً، و سام أبرص من أصنافه.

و في الصحاح: سام أبرص من كبار الوزغ (4).

(و) ما مات فيه (العقرب) و قد روي عن الباقر (عليه السلام) الأمر بإراقة ما يقع فيه العقرب (5). و هو للتنزيه أو للسمّ.

و في كثير من هذه قول بالمنع (6) مستند إلى روايات معارضة بأشهر منها. و حملها على الكراهة طريق الجمع.

____________

(1) المبسوط 1: 10.

(2) البيان: 101.

(3) المناقش هو المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 124.

(4) الصحاح 3: 1029، «ب ر ص».

(5) التهذيب 1: 230/ 664، الاستبصار 1: 27/ 69.

(6) أنظر النهاية- للطوسي-: 6.

432

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

433

[النظر السادس فيما يتبع الطهارة]

(النظر السادس: فيما يتبع الطهارة) و هو إزالة النجاسة الذي يطلق عليه الطهارة مجازاً.

[القول في أقسام النجاسات]

و لمّا كان الحكم بوجوب إزالتها و كيفيّته موقوفاً على العلم بها لتوقّف التصديق بالشيء على تصوّره أشار إلى تعدادها أوّلًا، فقال (النجاسات عشرة) أنواع:

(البول و الغائط من) الحيوان (ذي النفس السائلة) أي: ذي الدم الذي يجتمع في العروق، و يخرج إذا قطع شيء منها بسيلان و قوّة، بخلاف دم ما لا نفس له، كالسمك، فإنّه يخرج ترشيحاً.

و إنّما يكونان نجسين إذا كانا من الحيوان (غير المأكول) اللحم، سواء كان تحريمه (بالأصالة) أي: بأصل الشرع، لا بسببٍ عارض له أوجب تحريمه بعد أن كان محلّلًا (كالأسد، أو) كان تحريمه (بالعرض، كالجلال) و مثله موطوء الإنسان.

و مستند الجميع قول الصادق (عليه السلام)

اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه

(1). و الغائط كالبول إجماعاً؛ لعدم القائل بالفرق.

و أخرج جماعة (2) من الأصحاب الطيرَ، و ابنُ الجنيد بولَ الرضيع قبل أكله اللحم (3)؛ استناداً إلى روايات معارضة بأشهر منها، أو قابلة للجمع.

و دخل في غير المأكول الإنسانُ بجميع أصنافه حتّى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، و لم يثبت أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) أقرّ

____________

(1) الكافي 3: 57/ 3، التهذيب 1: 264/ 770.

(2) منهم: الشيخ الصدوق في الفقيه 1: 41 ذيل الحديث 164، و ابن أبي عقيل و الجعفي كما في مختلف الشيعة 1: 298، المسألة 220، و الذكرى 1: 110.

(3) حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 301، المسألة 222، و الشهيد في الذكرى 1: 111.

434

امّ أيمن على شرب بوله و إن قال لها

إذَن لا تلج النار بطنك

(1) كما لم يثبت أنّه أقرّ حجّامه على شرب دمه، بل روي أنّه أنكر في الموضعين حتى قال لأبي طيبة

لا تَعُد، الدم كلّه حرام

(2) و المثبت مقدّم على النافي.

و المعتبر في الغائط صدق اسمه، فالحَبّ الخارج من المحلّ غير المستحيل طاهر.

و اعتبر المصنّف في طهارته إمكان نباته لو زُرع (3).

و ليس بجيّد، بل المعتبر صدق الاسم.

(و المنيّ من كلّ حيوان ذي نفس سائلة و إن كان مأكولًا) و لا فرق بين الآدمي و غيره، و لا بين الحيوان البرّي و المائي، كالتمساح؛ لعموم قول النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)

إنّما يغسل الثوب من المنيّ و الدم و البول

(4). (و الميتة من ذي النفس السائلة مطلقاً) سواء كان مأكول اللحم أم لا إجماعاً، و منه الآدمي.

لكن يجب أن يستثني منه ما إذا حكم بطهره شرعاً إمّا لتطهيره بالغسل و إن كان متقدّماً على موته، كالمأمور به ليقتل، أو لكونه لم ينجس بالموت؛ لكونه شهيداً أو معصوماً.

و الاحتجاج بأنّ الآدمي لو كان نجساً لما طهر بالغسل معارَض بأنّه لو كان طاهراً لما أمر بغسله، و قبوله الطهارة يوجب اختلاف النجاسات في ذلك بوضع الشرع. و لا بُعد فيه عند مَنْ نظر إلى مختلفات الأحكام.

(و أجزاؤها) نجسة كجملتها (سواء أُبينت) أي فصلت الأجزاء (من حيّ أو ميّت إلا ما لا تحلّه الحياة) من تلك الأجزاء (كالصوف و الشعر و الوبر و العظم و الظفر) و الظلف و القرن و الحافر. و السنّ من جملة العظم. و في حكمها البيض إذا اكتسى القشر الأعلى، و الإنفحة بكسر الهمزة و فتح الفاء مخفّفةً، قاله الجوهري (5). و يجوز تشديد الحاء و هي كرش السخلة قبل أن تأكل و إن حلّتها الحياة، فإنّ هذه الأشياء كلّها طاهرة بالأصل و إن

____________

(1) أورده الرافعي في العزيز شرح الوجيز 1: 37.

(2) أورده الرافعي في العزيز شرح الوجيز 1: 38.

(3) منتهى المطلب 2: 179، نهاية الإحكام 1: 266، تذكرة الفقهاء 1: 51.

(4) سنن الدارقطني 1: 127/ 1، سنن البيهقي، 1: 21- 32، ذيل ح 40، مسند أبي يعلى 3: 185- 186/ 1611.

(5) الصحاح 1: 413، «ن ف ح».

435

كانت من الميتة (إلا) أن تكون (من نجس العين، كالكلب و الخنزير و الكافر) فإنّها نجسة؛ لنجاسة أعيانها، فيدخل فيه جميع أجزائها.

و خالف المرتضى (رحمه اللّه) في ذلك، فحَكَم بطهارة ما لا تحلّه الحياة منها؛ استناداً إلى عدم تنجّس ما لا تحلّه الحياة منها بالموت كغيرها من الميتات (1).

و أُجيب (2): بأنّ المقتضي للتنجيس في الميتة صفة الموت، و هي غير حاصلة فيما لا تحلّه الحياة، و فيهما نفس الذات (3)؛ لقول الصادق (عليه السلام) في الكلب: رجس نجس» (4) و قوله (عليه السلام) في الخنزير

اغسل يدك إذا مسسته كما تمسّ الكلب

(5) و هو يقتضي أن تكون عينها نجاسةً، فتدخل فيه جميع الأجزاء.

(و الدم من ذي النفس السائلة) مطلقاً؛ لعموم الخبر المتقدّم (6)، أو إطلاقه، و منه العلقة و إن كانت في البيضة حتّى ادّعى الشيخ في الخلاف الإجماع على نجاستها (7).

و احتجّ عليها في المعتبر: بأنّها دم حيوان له نفس (8).

و في الدليل منع، و تكوّنها في الحيوان لا يدلّ على أنّها منه.

و قول ابن الجنيد بعدم نجاسة الثوب بدم كعقد الإبهام العليا (9) مخالف للإجماع.

و احترز بذي النفس عن غيره، كالسمك و الجراد و البراغيث و نحوها، فإنّ دمها طاهر عندنا إجماعاً، نقله الشيخُ في الخلاف (10)، و غيرُه (11) من المتأخّرين، فخلافه في المبسوط و الجُمل (12) مدفوع باعترافه بالإجماع.

____________

(1) مسائل الناصريّات: 100- 101، المسألة 19.

(2) المجيب هو العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 314 ذيل المسألة 231، و المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 161.

(3) أي: مقتضي التنجيس في الكلب و الخنزير نفس ذاتهما.

(4) التهذيب 1: 225/ 646، الاستبصار 1: 19/ 40.

(5) التهذيب 6: 382- 383/ 1130.

(6) في ص 434.

(7) الخلاف 1: 490- 491، المسألة 232.

(8) المعتبر 1: 422.

(9) حكاه عنه المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 420، 427، و العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 317، المسألة 233، و الشهيد في الذكرى 1: 112.

(10) الخلاف 1: 476، المسألة 219.

(11) كالمحقّق الحلّي في المعتبر 1: 421، و الشهيد في الذكرى 1: 112.

(12) المبسوط 1: 35، الجمل و العقود (ضمن الرسائل العشر): 170- 171 حيث أفتى بنجاسة دم غير ذي النفس.

436

و لقول الصادق (عليه السلام): «ليس به بأس» (1) و عن علي (عليه السلام) أنّه كان لا يرى بأساً بدم ما لم يذكّ (2).

و يستثنى من دم ذي النفس ما يستخلف في اللحم ممّا لا يقذفه المذبوح، فإنّه طاهر حلال إذا لم يكن جزءاً من محرّم، كدم الطحال.

و لا فرق بين تخلّفه في العروق أو في اللحم أو البطن ما لم يُعلم دخول شيء من الدم المسفوح، أو تخلّفه لعارضٍ، كجذب الحيوان له بنفسه، أو لذبحه في أرض منحدرة و رأسه أعلى، فإنّ ما في البطن حينئذٍ نجس.

(و الكلب و الخنزير و أجزاؤهما) و إن لم تحلّها الحياة حتّى المتولّد منهما و إن باينهما في الاسم.

أمّا المتولّد من أحدهما و حيوانٍ طاهر فإنّه يتبع في الحكم الاسمَ، سواء كان لأحدهما أم لغيرهما، فإن لم يصدق عليه اسم أحدهما و لا غيرهما ممّا هو معلوم الحكم، فالأقوى فيه الطهارة و التحريم.

(و الكافر) بجميع أصنافه (و إن أظهر الإسلام إذا جحد ما يعلم ثبوته من الدين ضرورة، كالخوارج) و هُم أهل النهروان و مَنْ دان بمقالتهم.

و سمّوا بذلك؛ لخروجهم على الإمامُ بعد أن كانوا من حزبه، أو لخروجهم من الإسلام كما وصفهم النبيّ

بأنّهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمِيّة

(3)

(4) و يسمّون أيضاً الشراة؛ لقولهم: نحن شرينا أنفسنا ابتغاء وجه اللّه. و خرجوا على إمامهم بشبهة التحكيم.

و قد روي عن الباقر (عليه السلام) أنّه قال عن خارجيّ بعد مفارقته إيّاه

مشرك و اللّه، إي و اللّه مشرك

(5). (و الغُلاة) جمع غال، و هو لغةً: مجاوزة الحدّ في شيء. و المراد هنا الدين، زادوا في

____________

(1) التهذيب 1: 255/ 740، الإستبصار 1: 176/ 611.

(2) الكافي 3: 59/ 4، التهذيب 1: 260/ 755.

(3) في «ق، م» و الطبعة الحجريّة: «الرامي» بدل «الرميّة» و ما أثبتناه هو الصحيح كما في المصادر.

(4) سنن الترمذي 4: 481/ 2188، سنن البيهقي 8: 295/ 16700، المستدرك- للحاكم- 2: 146 و 147.

(5) أورده الشهيد في الذكرى 1: 116، و انظر الكافي 2: 387 (باب الكفر) الحديث 14.

437

الأئمّة (عليهم السلام) و اعتقدوا فيهم أو في أحدهم أنّه إله، و نحو ذلك.

و يطلق الغلوّ أيضاً على مَنْ قال بإلهيّة أحدٍ من الناس.

و الأنسب أن يكون هو المراد هنا.

و في حكمهم النواصبُ، و هم الذين ينصبون العداوة لأهل البيت (عليهم السلام) كما تقدّم، و المجسّمةُ، كما اختاره المصنّف (1) في غير هذا الكتاب، و هُم قسمان: مجسّمة بالحقيقة، و هم الذين يقولون: إنّ اللّه جسم كالأجسام. و لا ريب في كفر هذا القسم و إن تردّد فيه بعض (2) الأصحاب. و مجسّمة بالتسمية المجرّدة، و هُم القائلون بأنّه جسم لا كالأجسام. و في نجاسة هذا القسم تردّد، و كأنّ الدليل الدالّ على نجاسة الأوّل دالّ على الثاني؛ فإنّ مطلق الجسميّة يوجب الحدوث و إن غاير بعضها بعضاً.

و ألحق الشيخُ بهم: المجبّرةَ (3)، و المرتضى (4) و جماعة: مَنْ خالف الحقّ مطلقاً.

و ما ذكره المصنّف من الفِرَق على جهة المثال، و ضابطه: مَنْ جحد ما يعلم ثبوته من الدين ضرورة و إن انتحل الإيمان فضلًا عن الإسلام.

و الأصل في نجاسة الكافر بأقسامه بعد إجماع الإماميّة قوله تعالى إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ (5) و إضمار «ذو نجس» و نحوه على خلاف الأصل لا يصار إليه إلا مع تعذّر الحمل على الحقيقة و قد قال اللّه تعالى عن اليهود و النصارى تَعٰالىٰ عَمّٰا يُشْرِكُونَ* (6) و عمّن خالف الإيمان كَذٰلِكَ يَجْعَلُ اللّٰهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لٰا يُؤْمِنُونَ (7) و خروج بعض الأفراد لدليلٍ لا ينفي دلالته على الباقي.

و أيضاً فالنصارى قائلون بالتثليث و هو شرك، و كلّ مَنْ قال بنجاستهم قال بنجاسة جميع الفِرَق، فالفرق إحداث قول ثالث خارج عن الإجماع.

(و المسكرات) المائعة بالأصالة، فالخمر المجمّد نجس، و الحشيشة ليست نجسةً و إن عرض

____________

(1) تحرير الأحكام 1: 24، منتهى المطلب 3: 224.

(2) لم نتحقّقه.

(3) المبسوط 1: 14.

(4) نسبه إليه المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 164.

(5) التوبة (9): 28.

(6) المؤمنون (23): 92.

(7) الأنعام (6): 125.

438

لها الذوبان.

و توقّف المصنّف في المنتهي في تحريم الحشيشة؛ لعدم وقوفه على قولٍ لعلمائنا فيها، قال: و الوجه أنّها إن أسكرت، فحكمها حكم الخمر في التحريم لا النجاسة (1).

و القول بنجاسة المسكر هو المشهور بين الأصحاب.

و نقل المرتضى فيه (2) الإجماع، و مستنده مع الإجماع وصفه في الآية (3) بالرجس المرادف للنجاسة (4)، و لذلك يؤكّد بها، كقولهم: رجس نجس.

و يدلّ عليها أيضاً أخبار، منها: قول الصادق (عليه السلام)

لاتصلّ في ثوب أصابه خمر أو مسكر حتى تغسل

(5). و لا تخلو تلك الأخبار من ضعف إمّا في السند أو الدلالة، و من ثَمَّ قال الصدوق (6) و جماعة (7) بطهارتها تمسّكاً بأحاديث، مع مساواتها لتلك في الضعف. و قصور بعضها في الدلالة لا تقاوم الإجماعَ و إن كان منقولًا بخبر الواحد و ظاهر القرآن.

(و) في حكمها (العصير) العنبي على المشهور خصوصاً بين المتأخّرين.

و يظهر من الذكرى أنّ القائل به قليل، و لا نصّ عليه ظاهراً (8).

و في البيان: لم أقف على نصّ يقتضي تنجيسه (9).

و إنّما ينجس عند القائل به (إذا غلى) و هو أن يصير أعلاه أسفله بنفسه أو بالشمس أو بالنار (و اشتدّ) و هو أن يحصل له ثخانة، و هي مسبّبة عن مجرّد الغليان عند الشهيد (10)، و تبعه الشيخ عليّ (11) (رحمه اللّه).

____________

(1) منتهى المطلب 3: 222.

(2) في الطبعة الحجريّة: «فيها».

(3) المائدة (5): 90.

(4) مسائل الناصريّات: 95- 96، المسألة 16.

(5) التهذيب 1: 278/ 817، الاستبصار 1: 189/ 660.

(6) الفقيه 1: 43.

(7) منهم: الجعفي كما في الذكرى 1: 144، و ابن أبي عقيل كما في مختلف الشيعة 1: 310، المسألة 230.

(8) الذكرى 1: 115.

(9) البيان: 91.

(10) الذكرى 1: 115.

(11) جامع المقاصد 1: 162.

439

و وجهه: أنّ الغليان لمّا كان هو الموجب لها فكلّ جزء منه يوجب جزءاً منها، و لمّا كان المعتبر أوّل أخذه في الثخانة كفى فيه أوّل أخذه في الغليان و إن لم تظهر للحسّ.

و في المعتبر: يحرم مع الغليان، و لا ينجس إلا مع الاشتداد (1).

و هذا هو الظاهر، فإنّ التلازم غير ظاهر خصوصاً فيما غلى بنفسه.

و الحكم مخصوص بعصير العنب كما ذكرناه، فلا يلحق به عصير التمر و غيره حتّى الزبيب على الأصحّ ما لم يحصل فيه خاصّة الفقّاع؛ للأصل، و خروجه عن مسمّى العنب، و ذهاب ثلثيه بالشمس، فكما تعتبر في نجاسته فكذا في طهارته، فيحلّ طبيخه، خلافاً لجماعة من الأصحاب محتجّين بمفهوم رواية عليّ بن جعفر عن أخيه حيث سأله عن الزبيب يؤخذ ماؤه فيطبخ حتى يذهب ثلثاه، فقال: «لا بأس» (2).

و دلالة المفهوم الوصفي ضعيفة عندنا لو صحّ سند الحديث، كيف! و في طريقه سهل بن زياد.

و غاية نجاسة العصير ذهاب ثلثيه بالنار و غيرها، أو انقلابه خلًا قبل صيرورته دبساً.

و لو أصاب شيئاً قبل ذهاب الثلثين فنجّسه، كفى في طُهره جفاف ثلثي ما أصاب من البلل؛ لوجود علّة الطهر، فلا يتخلّف عنها المعلول.

و متى حكم بطهره حكم بطهر آلات طبخه، و أيدي مزاوليه و ثيابهم، كما يحكم بطُهر آنية الخمر و ما فيها من الأجسام الموضوعة للعلاج و غيره بانقلابه خلا، و طُهرِ يد نازح البئر و الدلو و الرشاء و حافّات البئر و جوانبها.

و السرّ في جميع ذلك أنّه لولا الحكم بطهره، لكانت طهارة هذه الأشياء أمّا متعذّرةً أو متعسّرةً جدّاً بحيث يلزم منه مشقّة عظيمة و حرج واضح مدفوع بالآي و الخبر.

و لو وضع فيه أجسام طاهرة، تبعته في الطهارة و النجاسة، قطع به المصنّف في النهاية (3)، و يؤيّده طُهر الأجسام المطروحة في الخمر المنقلب خلًا. و ليس قياساً ممنوعاً، بل جليّا من باب مفهوم الموافقة.

(و) العاشر من أنواع النجاسات العشر (الفُقّاع) و هو من تفرّدات علمائنا، و قد ورد

____________

(1) المعتبر 1: 424.

(2) الكافي 6: 421/ 10، التهذيب 9: 121/ 522.

(3) نهاية الأحكام 1: 273.

440

في الأخبار من الطريقين كونه بمنزلة الخمر.

نقل المرتضى عن أحمد بإسناده أنّ الغبيراء التي نهى النبيّ عنها هي الفقّاع.

و عن زيد بن أسلم: الغبيراء التي نهى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) عنها هي الأسكركة، و هي خمر الحبشة (1).

و من طريق الأصحاب: ما رواه سليمان بن جعفر (2)، قال: قلت للرضا: ما تقول في شرب الفقّاع؟ فقال: «هو خمر مجهول» (3).

و عنهُ

هي خمرة استصغرها الناس

(4). و الأصل في الفقّاع ما يُتّخذ من ماء الشعير، كما ذكره المرتضى في الانتصار (5)، لكن لمّا ورد النهي عنه معلّقاً على التسمية ثبت له ذلك سواء أعمل منه أم من غيره إذا حصل فيه خاصّته، و هي (6) النشيش.

و ما يوجد في الأسواق ممّا يُسمّى فُقّاعاً يحكم بتحريمه تبعاً للاسم، إلا أن يعلم انتفاؤه قطعاً، كما لو شُوهد الناس يضعون ماء الزبيب و غيره الخالي من خاصّيّته في إناءٍ طاهر و لم يغيبوا به عن العين ثمّ أطلقوا عليه اسم الفُقّاع، فإنّه لا يحرم بمجرّد هذا الإطلاق؛ للقطع بفساده.

و اعلم أنّ ما ذكرناه من كون الفُقّاع هو أحد الأنواع العشرة للنجاسة هو المشهور في التقسيمات، و إلا فيمكن جَعْل العصير العنبي أحدَ العشرة، أو هو مع الفُقّاع بناءً على اشتراكهما في معنى واحد، و هو كونهما بحكم المسكر.

[القول في أحكام النجاسات]

و لمّا فرغ من بيان النجاسات بذكر أنواعها شرع في بيان حكمها و هو المقصود بالذات، فقال:

(و تجب إزالة النجاسات) المذكورة (عن الثوب و البدن للصلاة و الطواف) وجوباً مشروطاً بوجوبهما، لا مستقرّاً بمعنى تحريمهما بدون الإزالة و لو كانا مندوبين، فوجوب

____________

(1) الانتصار: 421، المسألة 239.

(2) في التهذيب: سليمان بن حفص.

(3) الكافي 6: 423- 424/ 10، التهذيب 9: 124/ 539، الإستبصار 4: 95/ 368.

(4) الكافي 6: 423/ 9، التهذيب 9: 125/ 540، الاستبصار 4: 95/ 369.

(5) كما في جامع المقاصد 1: 162، و انظر: الانتصار: 420، المسألة 239.

(6) في «ق، م»: «هو».

441

الإزالة بمعنى الشرط على سبيل المجاز.

(و دخول المساجد) و إن لم يخف التلويث على ما اختاره المصنّف؛ فلذا أطلقه هنا؛ لقول النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)

جنّبوا مساجدكم النجاسة

(1). و للاتّفاق على منع الكافر من دخولها، و ما ذاك إلا لنجاسته.

و اعتبر جماعة (2) من الأصحاب في وجوب إزالتها لدخول المساجد كونها متعدّيةً إلى المسجد أو شيء من آلاته، أمّا مع عدمه فلا؛ لجواز دخول المستحاضة و الحائض المسجد و الأطفال و هُم لا ينفكّون عن النجاسة غالباً.

قال في الخلاف: يجوز للمجنب و الحائض دخول المساجد بالإجماع (3). و لم يعتبر التلويث.

و منع الكافر؛ لغلظ نجاسته، أو لأنّه معرّض للتلويث غالباً، أو لاختصاصه بذلك.

و يستفاد من الحديث وجوب إزالتها عن المساجد كفايةً؛ لعموم الخطاب و إن تأكّد الوجوب على مُدخلها.

و هل ينافي إزالتها الصلاة مع سعة الوقت و إمكان الإزالة؟ وجه أُخذ من أنّ الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضدّه، و أنّ النهي في العبادة يقتضي الفساد.

و في المقدّمة الأُولى منع ظاهر؛ فإنّ الذي يقتضي الأمر بالإزالة النهي عنه هو الضدّ العامّ الذي هو النقيض، لا الخاصّ كالصلاة، فإنّ المطلوب في النهي هو الكفّ عن الشيء، و الكفّ عن الأمر العامّ غير متوقّف على الأُمور الخاصّة حتى يكون شيء منها متعلّق النهي و إن كان الضدّ العامّ لا يتقوّم إلا بالأضداد الخاصّة؛ لإمكان الكفّ عن الأمر الكلّي من حيث هو هو، حتى أنّ المحقّقين من الأُصوليّين على أنّ الأمر بالكلّي ليس أمراً بشيء من جزئيّاته و إن توقّف عليها من باب المقدّمة، و وجوبه من هذا الباب ليس من نفس الأمر.

لا يقال: وجوب الإزالة على الفور ينافي وجوب الصلاة مع سعة الوقت؛ لأنّ الوجوبين إن اجتمعا في وقتٍ واحد مع بقاء الفوريّة في وجوب الإزالة، لزم تكليف

____________

(1) أورده العلّامة الحلّي في تذكرة الفقهاء 2: 433، و نهاية الإحكام 1: 280.

(2) منهم: الشهيد في الذكرى 1: 122، و المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 169.

(3) الخلاف 1: 513- 514، المسألة 258، و 517- 518، المسألة 259.

442

ما لا يطاق، و إلا خرج الواجب الفوري عن كونه واجباً فوريّاً.

لأنّا نقول: لا منافاة بين وجوب تقديم بعض الواجبات على بعض و كونه غير شرط في الصحّة، كما في مناسك منى يوم النحر؛ فإنّ الترتيب فيها واجب بالأصالة، و لو خالف أجزأ، و لا امتناع في أن يقول الشارع: أوجبت عليك كلا من الأمرين مع تضيّق أحدهما و توسعة الآخر، و إنّك إن قدّمت المضيّق، امتثلت و سلمت من الإثم، و إن قدّمت الموسّع، امتثلت و أثمت في المخالفة في التقديم، فلزوم تكليف ما لا يطاق على هذا التقدير ممنوع.

و مثله القول في المعارضة بين الصلاة في الوقت الموسّع و وفاء الدّيْن، و نحو ذلك.

(و) كذا تجب إزالة النجاسة (عن الآنية للاستعمال) حيث يكون الاستعمال (موجباً لتعدّي النجاسة) (1) مشروطاً بالطهارة، كالأكل و الشرب اختياراً، لا مطلق الاستعمال.

و كذا تجب إزالتها عمّا أمر الشارع بتعظيمه كالمصاحف المطهّرة و الضرائح المقدّسة و آلاتهما، و عن مسجد الجبهة؛ للنصّ (2)، و عن المساجد السبعة عند أبي الصلاح (3)، و عن المصلّى بأسره عند المرتضى (4)، كلّ ذلك عند تحقّق الحاجة إليه، كدخول الوقت إن أُريد الواجب الموسّع، و ضيقه إن أُريد المضيّق.

(و عُفي في الثوب و البدن عن دم القروح و الجروح اللازمة) أي المستمرّة الخروج بحيث لا تنقطع أصلًا، أو تنقطع فترة لاتسع لأداء الفريضة مع إزالتها، أمّا لو انقطعت كذلك، وجب على ما اختاره المصنّف (5) و شيخه المحقّق (6)، و تبعهما الشهيد (7) (رحمه اللّه).

و بالغ المصنّف في النهاية، فاقتصر من نجاسة الثوب و البدن على محلّ الضرورة، و أوجب إبدال الثوب مع الإمكان مطلقاً؛ محتجّاً بزوال المشقّة (8).

و قريب منه حكمه في القواعد؛ فإنّه قيّد الرخصة من أصلها بمشقّة الإزالة (9).

____________

(1) ما بين القوسين لم يرد في «م».

(2) أنظر: التذهيب 1: 272- 273/ 802، و 2: 372/ 1548، و الاستبصار 1: 193/ 675.

(3) الكافي في الفقه: 140- 141.

(4) حكاه عنه المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 431، و الشهيد في البيان: 130، و الذكرى 1: 122.

(5) تذكرة الفقهاء 1: 73.

(6) المعتبر 1: 429.

(7) الذكرى 1: 137.

(8) نهاية الإحكام 1: 286 و 287.

(9) قواعد الأحكام 1: 8.

443

و رواية أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت: إنّ قائدي أخبرني أنّك تصلّي و في ثوبك دم، فقال

بي دماميل و لست أغسل ثوبي حتى تبرأ

(1) تدلّ على خلاف ذلك، بل على أنّ غاية الرخصة برؤها، فلا يجب إبدال الثوب، و لا تخفيف النجاسة و لا عصبها بحيث يمنع الدم من الخروج زمن الصلاة. و اختاره المحقّق الشيخ عليّ (2)، و فسّر اللازمة في عبارة الكتاب بأنّها التي لم تبرأ (3).

و مختاره حسن دون تفسيره؛ لأنّ ذلك ليس مذهباً للمصنّف حتى يفسّر كلامه به، و إنّما يصلح تفسيره بذلك على مذهب المفسّر.

(و عمّا دون سعة الدرهم البغلي) بإسكان الغين و تخفيف اللام منسوب إلى رأس البغل ضربه للثاني في ولايته بسكّة كسرويّة فاشتهر به.

و قيل: بفتحها و تشديد اللام منسوب إلى بغل قرية بالجامعين كان يوجد بها دراهم تقرب سعتها من أخمص الراحة، و هو ما انخفض من باطن الكفّ، ذكر ابن إدريس أنّه شاهده كذلك (4). و شهادته في قدره مسموعة.

و قُدّر أيضاً بعقد الإبهام العليا، و هو قريب من أخمص الكفّ. و قُدّر بعقدة الوسطى.

و الظاهر أنّه لا تناقض بين هذه التقديرات؛ لجواز اختلاف الدراهم (5) من الضارب الواحد كما هو الواقع، و إخبار كلّ واحد عن فردٍ رآه.

و مستند العفو صحيحة عبد اللّه بن أبي يعفور عن الصادق (عليه السلام)، قال: قلت لأبي عبد اللّه: الرجل يصلّي و في ثوبه نقط الدم ينسى أن يغسله فيصلّي ثمّ يذكره، قال

يغسله و لا يعيد صلاته إلا أن يكون مقدار الدرهم مجتمعاً فيغسله و يعيد

(6). و إنّما يُعفى عن هذا المقدار (من الدم المسفوح) و هو الخارج من البدن عدا ما استثني في حال كونه (مجتمعاً) هذا المقدار، و هو ما دون الدرهم.

____________

(1) الكافي 3: 58/ 1، التذهيب 1: 258/ 747، الاستبصار 1: 177/ 616.

(2) جامع المقاصد 1: 171، حاشية المحقّق الكركي على إرشاد الأذهان: ورقة 14- 15.

(3) حاشية المحقّق الكركي على إرشاد الأذهان: ورقة 14.

(4) السرائر 1: 177.

(5) في «ق، م» «أفراد الدراهم».

(6) التذهيب 1: 255/ 740، الاستبصار 176/ 611.

444

(و في) الدم (المتفرّق خلاف) و اختار المصنّفُ في غير (1) هذا الكتاب، و أكثرُ (2) المتأخّرين إلحاقَه بالمجتمع، فتجب إزالته إن بلغه لو جُمع؛ لإطلاق التقدير في بعض (3) الأخبار، و صحيحة ابن أبي يعفور، المتقدّمة (4) تدلّ عليه أيضاً؛ لأنّها مفروضة في المتفرّق كما عُلم من قوله

في ثوبه نقط الدم.

و قيل بعدم وجوب الإزالة مطلقاً (5)؛ استناداً إلى هذا الخبر، بجَعل «مجتمعاً» خبراً ل«كان».

و أجاب المصنّف بإمكان كونه حالًا مقدّرة (6).

و رُدّ (7) بأنّ الحال المقدّرة هي التي زمانها غير زمان عاملها، ك

مررت برجل معه صقر صائداً به غداً

أي مقدّراً فيه الصيد، و هنا لا بدّ من اتّحاد زمان الحال و عاملها.

و الأولى كونه حالًا محقّقة، و تقدير الاجتماع يدلّ عليه صدر الحديث كما بيّنّاه، و تبقى دلالته على ما تحقّق فيه الاجتماع من باب مفهوم الموافقة؛ لأنّ المجتمع بالفعل لا يعقل تقدير الاجتماع فيه.

و هذا الحكم في الدم المتفرّق في الثوب الواحد، أمّا المتفرّق في الثياب المتعدّدة، أو فيها و في البدن: فهل الحكم فيها كذلك بمعنى تقدير جميع ما فيها، أو لكلّ واحد من الثوب و البدن حكم بانفراده و لا يضمّ أحدهما إلى الآخر، أو لكلّ ثوب حكم كذلك فلا يضمّ بعضها إلى بعض و لا إلى البدن؟ أوجُه، و اعتبار الأوّل أوجَه و أحوط.

و لو أصاب الدم وجهَي الثوب، فإن تفشّي من جانب إلى آخر، فدم واحد، و إلا فدمان.

و اعتبر الشهيد في الوحدة مع التفشّي رقّة الثوب، و إلا تعدّد (8).

____________

(1) كتحرير الاحكام 1: 24، و قواعد الأحكام 1: 8، و مختلف الشيعة 1: 320- 321، و المسألة 236، و منتهى المطلب 3:

253، و نهاية الإحكام 1: 287.

(2) منهم: السيوري في التنقيح الرائع 1: 149، و الشهيد في الذكرى 1: 137، و المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1:

172.

(3) الكافي 3: 59/ 3، الفقيه 1: 161/ 758، التهذيب 1: 254/ 763، الإستبصار 1: 175/ 609.

(4) في ص 443.

(5) كما في جامع المقاصد 1: 172، و انظر: السرائر 1: 178.

(6) مختلف الشيعة 1: 322، المسألة 236.

(7) الرادّ هو المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 172.

(8) الذكرى 1: 138، البيان: 95.

445

و لو أصاب الدم المعفوّ عنه مائع طاهر و لم يبلغ المجموع الدرهم، قيل (1): زال العفو؛ لأنّه قد صار حاملًا لنجس (2)، و هو الرطوبة الملاقية للدم، و ليست دماً مسفوحاً، و اختاره الشهيد في البيان (3).

و الأصحّ أنّ العفو بحاله؛ لأنّ المنجّس (4) بشيء لا يزيد عليه؛ لعدم زيادة الفرع على أصله، و هو اختيار الذكرى (5).

و قوله (غير) الدماء (الثلاثة) استثناء من الدم المذكور أو صفة له اعترض بينهما بجملة

و في المتفرّق خلاف.

أمّا الحيض: فقد ورد في موقوف أبي بصير أنّه لا يعفى عن كثيره و لا قليله (6)، و عمل بمضمونه الأصحاب. و ألحقوا به دم الاستحاضة و النفاس؛ لاشتراكهما في إيجاب الغسل، و هو مشعر بغلظ حكمها؛ و لأنّ النفاس حيض محتبس و الاستحاضة مشتقّة منه.

(و) غير (دم نجس العين) و هو الكلب و أخواه و الميتة؛ لتضاعف النجاسة.

(و) عُفي أيضاً (عن) مطلق (نجاسة ما لا تتمّ الصلاة فيه) حالة كونه (منفرداً، كالتكّة و الجورب) و هو نعل مخصوص معرّب (و القلنسوة) بضم السين (و ما أشبه ذلك) ممّا لا يستر العورتين.

و الأصل فيه قول الصادق (عليه السلام)

كلّ ما كان على الإنسان أو معه ممّا لا تجوز الصلاة فيه فلا بأس أن يصلّي فيه و إن كان فيه قذر، مثل القلنسوة و التكّة و النعل و الخفّين و ما أشبه ذلك

(7). و اقتصر بعضهم (8) على ما في الرواية. و لفظ «مثل» و «ما أشبه ذلك» يأباه.

و ألحق الصدوقان العمامةَ (9)، بناءً على عدم صحّة الصلاة فيها على الهيئة المخصوصة.

____________

(1) أنظر: منتهى المطلب 3: 256.

(2) في «ق، م»: «لمنجس».

(3) أنظر: البيان: 95.

(4) في الطبعة الحجريّة «المتنجّس».

(5) الذكرى 1: 138.

(6) الكافي 3: 405/ 3، التذهيب 1: 257/ 745.

(7) التهذيب 1: 275/ 810.

(8) هو القطب الراوندي كما في مختلف الشيعة 1: 325- 326، المسألة 242، و الذكرى 1: 138.

(9) الفقيه 1: 42 ذيل الحديث 167، المقنع: 14، و حكاه عنهما العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 327، المسألة 243، و الشهيد في الذكرى 1: 139.

446

و ليس بجيّد؛ لأنّها ثوب تتمّ فيه الصلاة منفرداً إلا أن تكون صغيرةً بحيث لا تستر العورة، فتكون كغيرها.

و إنّما يعفى عن هذه الأشياء حالة كونها (في محالّها) فلو كانت التكّة على عاتقه أو الجورب في يده، لم تصحّ الصلاة فيه مع نجاسته؛ قصراً للرخصة على موضع الحاجة و محلّ الوفاق.

و اشترط المصنّف أيضاً كونها ملابس (1)، كما في الأمثلة، فلا تتعلّق الرخصة بغيرها؛ لانتفاء الحاجة، و عدم النصّ المخرج عن عموم المنع، فلو كان معه دراهم نجسة أو غيرها كالسكّين و السيف، لم تصحّ صلاته و إن كانت في محالّها.

و في كلا الحكمين إشكال؛ لعموم الحديث الدالّ على الجواز مطلقاً في قوله

كلّ ما على الإنسان أو معه

(2) و لا ريب أنّ ما ذكره المصنّف أحوط (3).

و العفو عن هذه الأشياء ثابت (و إن نجست بغير الدم) حتى لو كانت نجاستها مغلّظةً، كأحد الدماء الثلاثة، و المنيّ، أمّا لو كانت نفسها نجاسةً، كجلد الميتة، لم يعف عنها؛ لقول الصادق (عليه السلام) في الميتة

لاتصلّ في شيء منه و لا شسع

(4). (و لا بدّ من العصر) في غَسل ما يمكن عصره بغير عسر كالثياب إذا كان الغَسل في غير الكثير؛ لأنّ النجاسة تزول به، و لأنّ الماء القليل يتنجّس بها، فلو بقي في المحلّ، لم يحكم بطهره خصوصاً على ما حكيناه من مذهب المصنّف من أنّ أثر النجاسة لا يطهر إلا بعد الانفصال، فعلى هذا لو جفّ الماء على المحلّ و لم ينفصل، لم يطهر.

و ما يعسر عصره كالثخين من الحشايا و الجلود يكفي فيه الدقّ و التغميز؛ للرواية (5).

و ما لا يقبل العصر، فإن أمكن نزع الماء المغسول به عنه كالبدن و الخشب و الحجر غير ذي المسام التي يثبت فيها الماء كفى صبّ الماء عليه مع انفصاله عن محلّ النجاسة.

____________

(1) قواعد الأحكام 1: 8، منتهى المطلب 3: 260، الفرع الأوّل، نهاية الإحكام 1: 283.

(2) التذهيب 1: 275/ 810.

(3) في «ق، م» زيادة: «و اعلم أنّ الرواية الدالّة على الحكم مرسلة لكنّ الأصحاب تلقّوها بالقبول، و لم أقف لها على رادّ، و يمكن حينئذ أن يقتصر فيها على مورد النصّ، و هو الذي اختاره المصنّف، و لكن لا دليل عليه من جهة النصّ».

(4) التذهيب 2: 203/ 793.

(5) الكافي 3: 255/ 2، الفقيه 1: 41/ 159، التهذيب 1: 251/ 724.

447

و إن لم يمكن نزع الماء عنه كالمائعات و القرطاس و الطين و الحبوب و الجبن ذي المسامّ المانعة من فصل الماء، و الفاكهة المكسورة لم يطهر بالقليل، بل بتخلّل الكثير لها في غير المائعات، أمّا فيها فإن امتزجت به بحيث يطلق على الجميع اسم الماء، طهرت، و إلا فلا، كالدهن الذائب؛ لبقائه في الماء غير مختلط به و إنّما يصيب سطحه، و لو كان جامداً، طهر ظاهره بالغسل كسائر الجامدات، و لا تمنع لزوجته من تطهيره على هذا الوجه، كما لا تمنع من طهارة البدن و غيره الموجود عليه شيء منها إذا لم يكن لها (1) جرم.

و اشتراط العصر معتبر في سائر النجاسات (إلا في بول) الصبيّ (الرضيع) الذي لم يغتذ بغير اللبن كثيراً بحيث يزيد على اللبن أو يساويه، و لم يتجاوز الحولين، فإنّه يكفي صبّ الماء على محلّه من غير عصر و لا جريان.

و لا يلحق به بول الصبيّة؛ للأمر بغَسله (2).

(و تكتفي المربيّة للصبيّ) و الصبيّة؛ لأنّ مورد الرواية (3) المولود، و هو شامل لها (بغَسل ثوبها الواحد في اليوم) و الليلة. و اكتفاؤه بلفظ «اليوم» إمّا لشموله لها لغةً، أو لكونها تابعةً له (مرّة) واحدة.

و الأفضل كونه آخر النهار؛ لتصلّي أربع صلوات متقاربة عقيبه.

و ألحق المصنّف (4) المربّي بالمربية؛ للاشتراك في العلّة، و هي المشقّة الحاصلة من تكثّر النجاسة على تقدير غسله للصلوات.

و أُلحق بالمولود الواحد المتعدّدُ (5)؛ للاشتراك فيها أيضاً و زيادة بسبب الحاجة إلى تعاهد التربية، مع احتمال زوال الرخصة؛ لقوّة النجاسة و كثرتها.

و احترز بالثوب الواحد عن ذات الثوبين فصاعداً، فلا تلحقها الرخصة؛ لزوال المشقّة بإبدال الثياب، و وقوفاً مع ظاهر النصّ. و هذا إذا لم تحتج إلى لُبسهما دفعةً لبردٍ و نحوه، و إلا فكالثوب الواحد.

____________

(1) في «ق، م»: «له».

(2) الفقيه 1: 40/ 57، التهذيب 1: 250/ 718، الاستبصار 173/ 601.

(3) الفقيه 1: 41/ 161، التذهيب 1: 250/ 719.

(4) تذكرة الفقهاء 2: 494، الفرع «ج»، قواعد الأحكام 1: 8، نهاية الإحكام 1: 288.

(5) ألحقه الشهيد في الذكرى 1: 139.

448

و لو أمكن ذات الواحد تحصيل غيره بشراء أو استئجار أو إعارة، ففي وجوبه عليها و زوال الرخصة بذلك نظر.

و مورد الرواية تنجّس الثوب بالبول (1)، فتقصر الرخصة عليه، اقتصاراً فيما خالف الأصل على موضع اليقين، فلا يتعدّى إلى غيره من غائطه و دمه و غيرهما، و لا إلى نجاسة غيره بطريق أولى.

و ربما احتمل شمول البول للغائط بناءً على ما هو المعروف من قاعدة العرب في ارتكاب الكناية فيما يستهجن التصريح به، و عموم البلوى به كالبول، بل شمول الرخصة لنجاسة الصبيّ مطلقاً، كما يقتضيه إطلاق عبارة الكتاب و جماعة من الأصحاب، إلا أنّ الوقوف مع النصّ أولى.

و هذا الحكم مختصّ بالثوب، أمّا البدن فيجب غَسله بحسب المكنة؛ لعدم النصّ، و المشقّة الحاصلة في الثوب الواحد بسبب توقّف لُبسه على يبسه.

(و إذا علم موضع النجاسة، غسل) ذلك الموضع خاصّة (و إن اشتبه، غسل جميع ما يحصل فيه الاشتباه) لتوقّف اليقين بالطهارة عليه. هذا إذا كان محصوراً، و إلا سقط؛ للحرج و العسر، و سيأتي إن شاء اللّه تحقيق حال المحصور و غيره.

(و لو نجس أحد الثوبين و اشتبه، غسلا) و هذا كالمستغنى عنه؛ لدخوله في العبارة الأُولى، و كأنّه أعاده ليرتّب عليه حكم الصلاة فيهما.

(و مع التعذّر يصلّي) الصلاة (الواحدة فيهما مرّتين) ليحصل اليقين بوقوعها (2) في ثوبٍ طاهر، هذا مع فقد ثوبٍ طاهر غيرهما يقيناً، و إلا لم تجز الصلاة فيهما؛ لاشتراط الجزم في النيّة بحسب الإمكان، و مع الصلاة في الثوبين لا جزم؛ إذ لا يعلم أيّ الصلاتين فرضه؛ لعدم علمه بالثوب الطاهر، و هذا بخلاف ما لو فقد غيرهما؛ لما بيّنّاه من أنّ الجزم إنّما هو بحسب الإمكان.

و منع ابن إدريس من الصلاة فيهما، و حتم الصلاة عارياً؛ محتجّاً بعدم الجزم (3).

____________

(1) الفقيه 1: 41/ 161، التذهيب 1: 250/ 719.

(2) في الطبعة الحجريّة: «بهاد» بدل «بوقوعها».

(3) السرائر 1: 184- 185.

449

و قد عرفت جوابه، و أيضاً فإنّ الجزم على هذا التقدير حاصل بهما؛ لأنّ يقين البراءة لمّا توقّف على الصلاتين، فكلّ منهما واجبة عليه و إن كان من باب المقدّمة، و هذا القدر كافٍ في حصول الجزم حيث لا يمكن أتمّ منه.

و لو تعدّدت الصلاة فيهما، وجب مراعاة الترتيب، فيصلّي الظهر في أحد الثوبين ثمّ ينزعه و يصلّيها في الآخر ثمّ يصلّي العصر و لو في الثاني ثمّ يصلّيها في الآخر.

و لو ضاق الوقت عن الصلاة فيهما على هذا الوجه، فالمختار عند المصنّف الصلاة عارياً (1)؛ لتعذّر العلم بالصلاة في الطاهر بيقين.

و الأصحّ تعيّن الصلاة في أحدهما؛ لإمكان كونه الطاهر. و لاغتفار النجاسة عند تعذّر إزالتها. و لأنّ فقد وصف الساتر أسهل من فقده نفسه، و لما سيأتي (2) من النصّ على جواز الصلاة في الثوب النجس يقيناً إذا لم يجد غيره.

(و كلّ ما لاقى النجاسة برطوبة) حاصلة في المتلاقيين أو في أحدهما (نجس، و لا ينجس لو كانا) معاً (يابسين) كما ورد به النصّ (3) في ملاقاة الكلب و الخنزير و الكافر.

و ما ورد من الأمر بالنضح يابساً (4) محمول على الندب.

و في حكم اليابس ما فيه بقايا رطوبة قليلة جدّاً بحيث لا يتعدّى منها شيء إلى الملاقي لها.

و يستثنى من ذلك ملاقاة ميّت الآدمي قبل تطهيره؛ فإنّ نجاسته تتعدّى مع اليبس كما تقدّم، و كذا ميتة غيره على الخلاف.

(و لو صلّى) المكلّف (مع نجاسة ثوبه أو بدنه) أو القدر المعتبر من مسجد الجبهة (5) نجاسة لم يعف عنها مع تمكّنه من إزالتها (عامداً، أعاد في الوقت و خارجه) إجماعاً؛ للنهي المفسد للعبادة، و جاهل الحكم عامد.

(و) في (الناسي) أقوال ثلاثة مستندة إلى اختلاف الأخبار ظاهراً.

أحدها: الإعادة مطلقاً؛ لتفريطه بالنسيان، لقدرته على التكرار الموجب للتذكار.

و لصحيحة أبي بصير عن الصادق (عليه السلام) قال

إن أصاب ثوب الرجل الدم و صلّى فيه

____________

(1) قواعد الأحكام 1: 8، نهاية الإحكام 1: 282.

(2) في ص 452.

(3) الكافي 3: 60/ 1، التهذيب 1: 260/ 756، و 424/ 1347.

(4) الكافي 3: 60/ 1، التهذيب 1: 260/ 756، و 424/ 1347.

(5) في «ق، م»: «جبهته».

450

و هو لا يعلم فلا إعادة عليه، و إن علم قبل أن يصلّي و صلّى فيه فعليه الإعادة

(1). و في مقطوعة زرارة قال: قلت: أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شيء من منيّ فعلّمت أثره إلى أن أُصيب الماء، فأصبت و حضرت الصلاة و نسيت أنّ بثوبي شيئاً و صلّيت ثمّ إنّي ذكرت بعد ذلك، قال: «تعيد الصلاة و تغسله» (2).

و في معناها روايات أُخر متناولة بإطلاقها الناسي و العامد، فيشتركان في غير الإثم. و هو اختيار الأكثر (3).

و ثانيها: عدم الإعادة مطلقاً؛ لرفع الخطأ و النسيان عن الأُمّة.

و لحسنة العلاء عن أبي عبد اللّهُ، قال: سألته عن الرجل يصيب ثوبه الشيء فينجّسه فينسى أن يغسله فيصلّي فيه ثمّ يذكر أنّه لم يكن غسله، أ يعيد الصلاة؟ قال

لا يعيد، قد مضت الصلاة و كُتِبت له

(4). و يؤيّد هذه الرواية أنّ العمل بها لا ينافي العمل بالأُولى؛ لأنّ مطلقها يحمل على العامد، فيجمع بين النصّين، بخلاف العمل بالأُولى؛ فإنّ فيه اطراح هذه بالكلّيّة.

و حملها الشيخ في التهذيب على نجاسة قليلة لا تجب إزالتها، كالدم اليسير (5).

و ثالثها: أنّه (يعيد في الوقت خاصّةً) كما اختاره المصنّف هنا، جمعاً بين الأخبار بحمل الثانية على خروج الوقت، و الأولى على بقائه.

و يؤيّد هذا الحمل ما رواه عليّ بن مهزيار، قال: كتب إليه سليمان بن رشيد يُخبره أنّه بال في ظلمة الليل و أنّه أصاب كفّه برد نقطة من البول لم يشكّ أنّه أصابه و لم يره و أنّه مسحه بخرقة ثمّ نسي أن يغسله و تمسّح بدهن فمسح به كفّيه و وجهه و رأسه ثمّ توضّأ وضوء الصلاة فصلّى، فأجابه بجوابٍ قرأته بخطّه

أمّا ما توهّمت ممّا أصاب يدك فليس بشيء إلا ما تحقّق، فإن حقّقت ذلك كنت حقيقاً أن تعيد الصلوات التي كنت صلّيتهنّ بذلك الوضوء

____________

(1) التهذيب 1: 254/ 737، الاستبصار 1: 182/ 637.

(2) التهذيب 1: 421/ 1335، الاستبصار 1: 183/ 641.

(3) منهم: السيّد المرتضى كما في المعتبر: 441، و الشيخ الطوسي في النهاية: 52، و المبسوط 1: 38، و ابن إدريس في السرائر 1: 183.

(4) التذهيب 1: 423- 424/ 1345، الاستبصار 1: 183- 184/ 642.

(5) التهذيب 1: 424.

451

بعينه ما كان منهنّ في وقتها، و ما فات وقتها فلا إعادة عليك

(1). و هذه الرواية مردودة بجهالة المسئول، و كونها مكاتبةً، و الرواية الحسنة (2) لا تقاوم ما تقدّم من الروايات؛ فإنّها أكثر و أشهر، فتعيّن العمل بها، مع أنّ القول بالتفصيل متّجه؛ لأنّ فيه جمعاً بين الأخبار.

(و الجاهل) بالنجاسة حتى صلّى (لا يعيد) الصلاة (مطلقاً) لا في الوقت و لا في خارجه على أشهر القولين؛ لأمره بالصلاة على تلك الحال، و الأمر يقتضي الإجزاء.

و لرواية أبي بصير، المتقدّمة (3).

و مثلها رواية محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)

إن رأيت المني قبل أو بعد ما تدخل في الصلاة فعليك الإعادة، و إن أنت نظرت في ثوبك فلم تصبه ثمّ صلّيت فيه ثمّ رأيته بعد فلا إعادة عليك

(4). و في رواية أُخرى عنهُ إطلاق الإعادة (5).

و جمع بعض الأصحاب بينهما بالحمل على الوقت و خارجه (6). و هو أولى.

(و لو علم) بالنجاسة (في الأثناء، استبدل) بالثوب الذي وجدها فيه، سواء علم تقدّمها على الصلاة أم لا، بناءً على ما اختاره من عدم إعادة الجاهل في الوقت، و إلا استأنف الصلاة مطلقاً إن علم سبق النجاسة عليها مع سعة الوقت، لا مع ضيقه بحيث لا يدرك ركعة بعد القطع، فيبني على صلاته مع طرح ما هي فيه؛ لئلا يلزم وجوب القضاء على الجاهل بالنجاسة.

(و لو تعذّر) الاستبدال (إلا بالمبطل) للصلاة، كالفعل الكثير و الاستدبار (أبطل) الصلاة إن كان في الوقت سعة، أمّا مع الضيق فإشكال من أنّ النجاسة مانع الصحّة، و من وجوب أداء الفريضة في الوقت.

____________

(1) التهذيب 1: 426- 427/ 1355، الإستبصار 1: 184/ 643.

(2) أي: رواية العلاء، المتقدّمة في ص 450.

(3) في ص 449- 450.

(4) التذهيب 1: 252- 253/ 730، و 2: 223/ 880.

(5) التهذيب 2: 202/ 792، الاستبصار 1: 182/ 639.

(6) كما في الذكرى 1: 141، و جامع المقاصد 1: 150.

452

و اختار في البيان الاستمرار مع الضيق (1).

و على الأوّل يبطلها ثمّ يقضي بعد الاستبدال.

(و لو نجس الثوب و ليس له غيره، صلّى عرياناً) كما اختاره الأكثر (2)؛ للأمر بالصلاة عارياً في عدّة أخبار (3).

و ذهب المصنّف في بعض كتبه إلى التخيير بين الصلاة فيه و عارياً (4)؛ لرواية عليّ بن جعفر عن أخيه موسى (عليهما السلام) قال: سألته عن رجل عريان و حضرت الصلاة فأصاب ثوباً نصفه دم أو كلّه أ يصلّي فيه أو يصلّي عرياناً؟ قال

إن وجد ماءً غَسَله، و إن لم يجد ماء صلّى فيه و لم يصلّ عرياناً

(5). و هذا هو الوجه، بل الصلاة فيه أفضل؛ لأنّ فوات الشرط أقوى من فوات وصفه، مع ما فيه من فضيلة الستر و كمال أفعال الصلاة، فإنّ الصلاة عارياً توجب الإيماء على وجه. و لأنّ شرطيّة الستر أقوى من شرطيّة الطهارة من الخبث، و لو لا دعوى المصنّف في المنتهي جواز الصلاة عارياً و لا إعادة قولًا واحداً (6)، لأمكن القول بتحتّم الصلاة فيه.

(فإن تعذّر) فعله الصلاة عارياً (للبرد و غيره، صلّى فيه) و على ما ذكرناه تتحتّم الصلاة فيه هنا دفعاً للضرر.

(و لا يعيد) الصلاة على التقديرين؛ لامتثاله المأمور به على وجهه بالنسبة إلى هذه الحال، فيخرج عن العهدة. و للأمر بفعله على هذه الحالة، كما ورد في الخبر (7)، فلا يتعقّب القضاء.

و المراد بالإعادة المنفيّة فعل الصلاة ثانياً، سواء كان في الوقت أم خارجه، و هو أحد

____________

(1) البيان: 96.

(2) منهم: الشيخ الطوسي في النهاية: 55، و المبسوط 1: 91، و الخلاف 1: 398، المسألة 150، و ابن إدريس في السرائر 1: 186، و المحقّق الحلّي في شرائع الإسلام 1: 46.

(3) الكافي 3: 396/ 15، التهذيب 1: 406- 407/ 1278، و 2: 223- 224/ 881 و 882، الاستبصار 1: 168/ 582 و 583.

(4) منتهى المطلب 3: 303.

(5) الفقيه 1: 160 161/ 756، التهذيب 2: 224/ 884، الاستبصار 1: 169/ 585.

(6) منتهى المطلب 3: 303 و 304.

(7) التهذيب 2: 224/ 883، الاستبصار 1: 169/ 584.

453

التفسيرين للإعادة، و أكثر (1) الأُصوليّين خصّها بالفعل ثانياً في الوقت لوقوع خلل في الأوّل، فهي قسم من الأداء، و ليس المراد هنا، بل ما هو أعمّ منه، كما ذكرناه و إن كان القائل به قليلًا.

(و تطهّر الشمس ما تجفّفه من البول و شبهه) من النجاسات التي لا جرم لها الكائنة (في الأرض و البواري و الحصر و) ما لا ينقل عادةً ك (الأبنية و النبات) المتّصل و الأخشاب و الأبواب المثبتة في البناء، و الأوتاد المستدخلة فيه، و الأشجار و الفواكه الباقية عليها، و نحو ذلك.

و لا بدّ في التجفيف من كونه بإشراق الشمس، فلا يكفي التجفيف بالحرارة؛ لقول الصادق (عليه السلام) (2)

ما أشرقت عليه الشمس فقد طهر

(3) و لا بالريح المنفرد عنها، خلافاً للخلاف (4).

نعم، لا يضرّ مشاركته لها؛ لعدم انفكاكها عنه غالباً.

و حُمل (5) على إرادة ذهاب الأجزاء المنجّسة؛ لحكمه فيه في موضعٍ آخر بأنّ الأرض لا تطهر بجفاف غير الشمس (6).

و لا يطهر ما تبقى فيه عين النجاسة، كحمرة الدم في المجزرة و نحوها ممّا تبقى فيه العين.

و متى أشرقت الشمس مع رطوبة المحلّ طهر الظاهر و الباطن إذا جفّ الجميع بها مع اتّصال النجاسة و اتّحاد الاسم، كالأرض التي دخلت فيها النجاسة، دون وجهي الحائط إذا كانت النجاسة فيهما غير خارقة له و أشرقت على أحدهما، فإنّه لا يطهر الآخر، و دون الأرض و الحائط إذا أشرقت على أحدهما و إن كانا متّصلين.

(و) تطهّر (النار ما أحالته) رماداً أو دخاناً أو فحماً على أحد الوجهين، لا خزفاً على أظهرهما.

و طهّره الشيخ (7) و المصنّف في بعض (8) كتبه إجراءً له مجرى الرماد.

____________

(1) منهم: العلّامة الحلّي في نهاية الوصول، المقصد الأوّل، الفصل السابع، المبحث الخامس: في القضاء و الأداء و الإعادة.

(2) في المصادر: عن الإمام الباقر (عليه السلام)، و في الذكرى 1: 128 كما في المتن.

(3) التهذيب 1: 273/ 804، و 2: 377/ 1572، و الاستبصار 1: 193/ 677.

(4) الخلاف 1: 218، المسألة 186.

(5) أي: حمل كلام الشيخ الطوسي في الخلاف، كما في الذكرى 1: 128- 129.

(6) الخلاف 1: 495، المسألة 236.

(7) الخلاف 1: 499، المسألة 239.

(8) نهاية الحكام 1: 291.

454

و فيه منع؛ لعدم خروج الخزف عن مسمّى الأرض، كما لم يخرج الحجر عن مسمّاها مع أنّه أقوى تصلّباً منه مع تساويهما في العلّة، و هي عمل الحرارة في أرضٍ أصابها رطوبة، و من ثَمَّ جاز السجود عليهما مع اختصاصه بالأرض و نباتها بشرطية، فإنّ المصنّف و إن حكم بطهره جوّز السجود عليه (1).

و ليست الاستحالة مختصّةً بالنار، بل هي مطهّرة برأسها، و من ثَمَّ طهرت النطفة و العلقة بصيرورتهما حيواناً، و العذرة و الميتة إذا صارتا تراباً.

لكن لو كانت العذرة و نحوها رطبةً و نجّست التراب ثمّ استحالت، لم يطهر التراب المنجّس بطهرها، فلو امتزجت، بقيت الأجزاء الترابيّة على النجاسة و المستحيلة أيضاً؛ لاشتباهها بها.

(و) تُطهّر (الأرض باطنَ النعل و القدم) سواء زالت النجاسة عنهما بالمشي أم الدلك؛ لما روي عنه (صلّى اللّه عليه و آله) في النعلين

فليمسحهما و ليصلّ فيهما

(2) و قوله (صلّى اللّه عليه و آله)

إذا وطئ أحدكم الأذى بخُفّيه فإنّ التراب له طهور

(3) و قول الباقر (عليه السلام) في العذرة يطؤها برِجله

يمسحها حتى يذهب أثرها

(4). و المراد بالباطن ما تستره الأرض حالة الاعتماد عليها، فلا يلحق به حافّاتهما.

و لا فرق بين التراب و الحجر و الرمل؛ لأنّها من أصناف الأرض.

و اشترط بعض الأصحاب طهارتها؛ لأنّ النجس لا يطهّر غيره، و جفافَها (5).

و لم يشترطه المصنّف، بل اكتفى بالرطبة ما لم يصدق عليها اسم الوحل (6). و هو حسن.

نعم، لا تقدح الرطوبة اليسيرة بحيث لا يحصل منها تعدّ على القولين و تزول عين النجاسة.

و لا فرق في النجاسة بين ذات الجرم و غيرها، و لا بين الجافّة و الرطبة، و لا فرق بين النعل و الخُفّ و غيرهما ممّا ينتعل و لو من خشب كالقبقاب.

____________

(1) تذكرة الفقهاء 2: 177، الفرع «ج».

(2) سنن أبي داود 1: 175/ 650، سنن البيهقي 2: 563/ 4087.

(3) سنن أبي داود 1: 105/ 385/ 386، المستدرك- للحاكم- 1: 166.

(4) التهذيب 1: 275/ 809.

(5) المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 179.

(6) نهاية الإحكام 1: 291.

455

و في إلحاق خشبة الزمن و الأقطع بالنعل نظر من الشكّ في تسميتها نعلًا بالنسبة إليه.

و لا يلحق بهما أسفل العكّاز و كعب الرمح و ما شاكل ذلك؛ لعدم إطلاق اسم النعل عليها حقيقةً و لا مجازاً.

و أمّا إلحاق سكّة الحرث (1) و نحوها بها كما يوجد في بعض القيود فمن الخرافات الباردة.

____________

(1) في «ق، م»: «الحرّاث».

456

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}