مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام - ج9

- الشهيد الثاني المزيد...
537 /
55

و لو قال (1): هذه طالق أو هذه، قال الشيخ رحمه اللّٰه: يعيّن للطلاق من شاء. و ربما قيل بالبطلان، لعدم التعيين.

____________

في الأولى جرينا على قوله و لم يحلّفه، لأنه يقرّ على نفسه و يضرّ بها. و إن بيّن الطلاق في الأخرى فلوارث الأولى تحليفه، لأنه يروم الشركة في تركتها، فيحلف أنه لا يعلم أن مورّثة طلّقها، و لوارث الثانية تحليفه، لأنه يروم حرمانه من ميراث الزوج، فيحلف على البتّ أن مورّثه طلّقها، لأن يمين الإثبات يكون على البتّ.

قوله: «و لو قال. إلخ».

(1) هذه المسألة متفرّعة على اشتراط تعيين المطلّقة و عدمه، فإن اشترطناه بطل هنا، و سقط البحث. و إن جوّزناه قال الشيخ (1) يتخيّر في تعيين من شاء منهما، كما لو قال: إحداكما طالق، لاشتراكهما في إيقاع الطلاق على واحدة منهما مبهمة.

و فيه نظر، لأن الثانية لم يقع بها طلاق بصيغته الشرعيّة. و مجرّد عطفها على الأولى غير كاف في تشريكها معها في الصّيغة. و سيأتي (2) استشكال المصنّف في نظير المسألة لذلك. و يتّجه على هذا أنّه إن عيّن الأولى للطلاق طلّقت، و إن عيّن الثانية لم تطلّق، لما ذكر. و إنّما يتمّ ما ذكره بغير إشكال لو قال:

هذه طالق أو هذه طالق، فإنّه يتّجه التّخيير في تعيين أيّتهما شاء على القول بعدم اشتراط التّعيين.

____________

(1) المبسوط 5: 77.

(2) في الصفحة التالية.

56

و لو قال: هذه طالق (1) أو هذه و هذه، طلّقت الثالثة، و يعيّن من شاء من الأولى أو الثانية. و لو مات استخرجت واحدة بالقرعة.

و ربما قيل بالاحتمال في الأولى و الأخيرتين جميعا، فيكون له أن يعيّن للطلاق الأولى أو الأخيرتين معا.

و الإشكال في الكلّ ينشأ من عدم تعيين المطلّقة.

____________

قوله: «لو قال هذه طالق. إلخ».

(1) إذا قال: هذه طالق أو هذه و هذه، و لم نشترط التعيين و اكتفينا في صحّة طلاق المعطوفة بتماميّة الصيغة في المعطوف عليها، نظرا إلى تشاركهما في الحكم، فلا يخلو: إما أن يقصد بالثالثة العطف على الثانية، أو على الأولى و إن بعد، أو على المطلّقة المبهمة و هي إحداهما، أو يسرد الكلام سردا بغير قصد واحد منهما (1).

ففي الأول يتخيّر بين الأولى و الأخيرتين، بمعنى كون ما قبل «أو» قسما و ما بعده قسما. فإن اختار الأولى بطل في الأخيرتين. و إن اختار الثاني وقع عليهما و بطل في الأولى خاصّة.

و في الثاني بالعكس، بمعنى أنه تصير الأولى و الثالثة قسما و الثانية قسما.

فإن اختار الأولى للطلاق طلّقت الثالثة معها. و إن اختار الثانية طلّقت خاصّة.

و هذا القسم و إن كان ضعيفا من حيث العربيّة، للبعد بين المعطوف و المعطوف عليه و الفصل، إلّا أنه مع قصده يصحّ.

و في الثالث و هو أن يقصد عطف الثالثة على المطلّقة منهما تطلّق الثالثة قطعا، و يتخيّر معها إحدى الأخيرتين إما الأولى أو الثانية. و هذا هو الذي اقتصر

____________

(1) في «ح»: منها.

57

..........

____________

على نقله المصنّف.

و إن أطلق و لم يقصد واحدا منها- و الظاهر أنه مسألة الكتاب- إذ لا إشكال في اتّباع القصد، فقال الشيخ (1) تكون الثالثة معطوفة على إحداهما أعني المطلّقة، لأنه عدل من لفظ الشك إلى العطف فلا تشارك الثالثة في الشك، و تكون معطوفة على المبهمة. و قيل: تكون معطوفة على الثانية، لقربها. و هو اختيار ابن إدريس (2). و لا يخلو من قوّة. فعلى الأول تطلّق الثالثة، لأنها معطوفة على المطلّقة، و يقع الترديد بين الاولى و الثانية، كما ذكرناه مع التصريح بذلك.

و على الثاني للثالثة حكم الثانية إن طلّقت طلّقت و إلّا فلا، فيكون الترديد بين الاولى وحدها و بين مجموع الثانية و الثالثة.

فإن مات قبل التعيين و قلنا بقيام القرعة مقام التعيين أقرع، و اختلفت كيفيّة القرعة على القولين. فعلى قول الشيخ من أن الثالثة معطوفة على المطلّقة فالثالثة مطلّقة قطعا، و يقرع بين الاولى و الثانية، فيكتب لهما رقعتان في كلّ واحدة اسم واحدة، فأيّتهما خرجت للطلاق تبعتها الثالثة. و على قول ابن إدريس يجتزى برقعتين أيضا، فإن شاء أن يجعل في إحداهما الاولى و في الأخرى الثانية و يجعل الثالثة تابعة للثانية في الحكم، فإن خرج للطلاق الاولى تعيّنت الثانية و الثالثة للزوجيّة، و إن خرج للطلاق الثانية تبعتها الثالثة و تعيّنت الأولى للزوجيّة. و إن شاء أن يكتب اسم الثالثة مع الثانية في رقعتها، لأنها معها قسم.

____________

(1) لم نجده بهذا التفصيل فيما لدينا من كتب الشيخ، راجع المبسوط 5: 77. نعم، نسبه إليه في إيضاح الفوائد 3: 295.

(2) لم نجده في السرائر، و نسبه إليه في إيضاح الفوائد 3: 295.

58

..........

____________

و اختار العلّامة (1) هنا قولا ثالثا، و هو أنه مع عدم القصد تصير الثالثة محتملة للأمرين السابقين، فتتوقّف القرعة حينئذ على ثلاث رقاع، في إحداها اسم الاولى، و في الأخرى الثانية و الثالثة، و في الثالثة اسم الثالثة، ثمَّ يخرج على الطلاق، فإن خرجت الاولى حكم بطلاقها و بقاء الثانية، لكن تبقى الثالثة محتملة لمصاحبة كلّ منهما، فيحتاج إلى إخراج رقعة أخرى ليظهر بها أمر الثالثة، فإن ظهرت الرقعة التي فيها اسمها حكم بأنها معطوفة على المطلّقة فطلّقت مع الاولى، و إن خرجت الرقعة التي فيها الثانية و الثالثة حكم بعطفها عليها، و هي باقية على النكاح.

و لو خرج أولا رقعة الثانية و الثالثة حكم بطلاقهما معا و بقاء الاولى على النكاح، و لم يفتقر إلى إخراج غيرها.

و إن خرج أولا رقعة الثالثة حكم بطلاقها، و بقي الاشتباه بين الاولى و الثانية فيخرج أخرى، فإن خرجت الاولى صحّ طلاقها و بقيت الثانية زوجة.

و إن خرجت رقعة الثانية و الثالثة حكم بطلاق الثانية أيضا و بقيت الاولى على النكاح.

و إنما كتبت الثانية و الثالثة في رقعة لأنه كلّما طلّقت الثانية طلّقت الثالثة قطعا، لأنها إما معطوفة عليها أو على المطلّقة، و كلاهما حاصل مع خروج الثانية للطلاق فلا يتصوّر طلاق الثانية دون الثالثة، فلذلك كتب معها. و استحبّوا (2) مع ذلك أن يوضع مع الرقاع رقعة خالية يسمّونها المبهمة- بالكسر- ليزيد الإبهام في

____________

(1) قواعد الأحكام 2: 61.

(2) في الحجريّتين: و استحسنوا.

59

و لو نظر إلى زوجته (1) و أجنبيّة فقال: إحداكما طالق، ثمَّ قال:

أردت الأجنبيّة، قبل. و لو كان له زوجة و جارة كلّ منهما سعدى فقال: سعدى طالق، ثمَّ قال: أردت الجارة، لم يقبل، لأن «إحداكما» تصلح لهما، و إيقاع الطلاق على الاسم يصرف إلى الزوجة. و في الفرق نظر.

____________

الرقاع في جميع صور القرعة.

و اعلم أن الإشكال السابق (1) في صحّة طلاق الثانية آت هنا فيها و في الثالثة، لعدم تمام صيغتهما المعتبرة شرعا. و الوجه عدم صحّة طلاقهما بذلك مطلقا، و توقّف تصوير المسألة على قوله: أو هذه طالق و هذه طالق، و نحو ذلك.

قوله: «و لو نظر إلى زوجته. إلخ».

(1) توجيه الفرق: أن «إحداكما» تتناولهما تناولا واحدا، و لم يوجد منه تصريح باسم زوجته، و لا وصف لها و لا إشارة بالطلاق إليها. و في الثانية صرّح باسم زوجته، و هو و إن كان مشتركا بينها و بين غيرها اشتراكا لفظيّا بحيث يصلح الخطاب لكلّ واحدة إلّا أن المشترك لا يحمل على معنييه معا بل على أحدهما، و يتخصّص بالقرينة، و هي هنا موجودة في الزوجة، لأن الطلاق من شأنه أن يتعلّق بالزوجة، و لأن الأصل في أقوال المسلم حملها على الصحّة، و ذلك إنما يتمّ بانصرافه إلى الزوجة، إذ لو انصرف إلى الأجنبيّة كان لغوا، بخلاف «إحداكما» فإنه لكونه لفظا متواطئا صريح في إرادة الكلّي

____________

(1) لاحظ ص: 55.

60

و لو ظنّ أجنبيّة (1) زوجته فقال: أنت طالق، لم تطلّق زوجته، لأنه قصد المخاطبة.

____________

الصالح لهما.

و وجه ما أشار إليه المصنف من النظر أن التسمية أيضا محتملة.

و الأصل بقاء النكاح. و هو أخبر بقصده فيرجع فيه إليه. و عدم المواجهة بالطلاق لغير الزوجة مشترك بين الصيغتين. و هذا هو الذي اختاره الشيخ في المبسوط (1).

و المشهور ثبوت الفرق، فإن القائل «إحداكما» لا يفهم أحد من كلامه تخصيص الزوجة، بل إنما يفهم الترديد بينهما و بين الأجنبيّة، بخلاف الثاني، فإنه لا يتبادر إلى الذهن من اللفظ المشترك إلّا زوجته فكان ذلك قرينة التخصيص، فلا يقبل منه إرادة غيرها.

قوله: «و لو ظنّ أجنبيّة. إلخ».

(1) المراد أنه قصد طلاق المخاطبة ليس إلّا، و إن كان يعتقد (2) أنها زوجته، فلا تطلّق زوجته، لعدم توجّه الخطاب إليها و إن نواها، لأن النيّة مع عدم اللفظ المطابق لها غير كاف، و إن كان اللفظ في نفسه صالحا للزوجة، إلّا أن الصارف عنها وقوعه بالصيغة الخاصّة و هو الخطاب الذي لا يصلح للزوجة، لعدم كونها مخاطبة. و لو فرض أنه قصد زوجته دون المخاطبة صحّ و إن أتى بصيغة الخطاب، كما سيأتي في المسألة الثانية.

____________

(1) المبسوط 5: 90، و لكنّه مثّل بالجارية لا الجارة.

(2) في «ح»: بقيد، و في «و»: يقيّد، و في «ش، م»: يفيد.

61

و لو كان له (1) زوجتان: زينب و عمرة، فقال: يا زينب، فقالت عمرة: لبّيك، فقال: أنت طالق، طلّقت المنويّة [لا المجيبة]. و لو قصد المجيبة ظنّا أنها زينب، قال الشيخ: تطلّق زينب. و فيه إشكال، لأنه وجّه الطلاق إلى المجيبة لظنّها زينب، فلم تطلّق المجيبة، لعدم القصد، و لا زينب، لتوجّه الخطاب إلى غيرها.

____________

قوله: «و لو كان له. إلخ».

(1) إذا نادى إحدى زوجتيه ليواجهها بالطلاق أو قصده بعد ندائها فأجابته غير المناداة فواجهها بالطلاق، فإما أن يقصد به المجيبة مع علمه أنها غير المناداة، أو لا معه، أو يقصد به المناداة من غير قصد إلى المجيبة مع علمه بأنها غيرها، أو لا معه، أو يقصد بالطلاق المجيبة مقيّدة بكونها المناداة، لظنّه أنها هي.

فعلى الأول يقع الطلاق بالمجيبة بغير إشكال، و كذا على الثاني، لتطابق النيّة و اللفظ.

و في الثالث يقع بالمناداة بغير إشكال. و لا يقدح فيه صيغة الخطاب، لأنه مع علمه بكونها غير حاضرة يصرف إلى الحاضر في الذهن. و كذا على الرابع، لوجود المقتضي و انتفاء المانع، إذ ليس إلّا أجابه تلك، و هو غير صالح للمانعيّة، إذ الاعتبار بالقصد مع عدم منافاة اللفظ له، و هو هنا كذلك. و ربما احتمل هنا ضعيفا أنها لا تطلّق من حيث إنه لم يذهب وهمه إلى المجيبة، و قد وقع الطلاق على مشار إليها بقوله أنت طالق، و المخاطبة غير مقصودة و الأخرى غير مخاطبة. و قد عرفت جوابه.

و الخلاف في الخامس، و هو قصد طلاق المجيبة ظنّا أنها المناداة، فقال

62

..........

____________

الشيخ (1): تطلّق المناداة، لأنها هي المقصودة بالطلاق، و قصد المجيبة وقع غلطا، و صيغة الخطاب غير مؤثّرة مع غيبة المقصودة، لما مرّ. و لأن المناداة مقصودة بالقصد الأول و المجيبة مقصودة بالقصد الثاني. و الأول أقوى.

و استشكل المصنّف ذلك من حيث إنه إنما قصد طلاق المجيبة مقيّدة بكونها المناداة، فلم يتمّ شرط الطلاق في المجيبة لعدم قصدها، و لا في المناداة لعدم توجّه الخطاب إليها، كما علّل في خطاب الأجنبيّة ظانّا أنها زوجته. و لأنه لمّا ظنّ أن المجيبة هي المناداة فقصدها بالطلاق قصدا محضا يغلب الملفوظ به على المنوي، لأنّ النيّة وقعت على هذه الملفوظ بها، و أما المناداة فهي و إن كانت منويّة إلّا أنه قد وجد المنافي و هو تغيير النيّة إلى المجيبة، فضعفت النيّة الأولى فبطل الطلاق بها، و بالمجيبة لأنها غير مقصودة بالقصد الأول.

و بما نبّه عليه المصنّف من البطلان بالإشكال أفتى العلّامة (2). و هو الوجه.

و يحتمل طلاق المجيبة، لأنها زوجة و مقصودة بقصد غالب. و قد ظهر جوابه من تعليل البطلان.

____________

(1) المبسوط 5: 90.

(2) قواعد الأحكام 2: 61.

63

[الركن الثالث: في الصيغة]

الركن الثالث: في الصيغة (1) و الأصل أن النكاح عصمة مستفادة من الشرع، لا تقبل التقابل، فيقف رفعها على موضع الإذن. فالصيغة المتلقّاة لإزالة قيد النكاح: أنت طالق، أو فلانة، أو هذه، و ما شاكلها من الألفاظ الدالّة على تعيين المطلّقة.

فلو قال: أنت الطلاق، أو طلاق، أو من المطلّقات، لم يكن شيئا و لو نوى به الطلاق. و كذا لو قال: [أنت] مطلّقة. و قال الشيخ- رحمه اللّٰه-: الأقوى أنه يقع إذا نوى الطلاق. و هو بعيد عن شبه الإنشاء.

____________

قوله: «في الصيغة. إلخ».

(1) أشار بما ذكره من الأصل إلى تمهيد قاعدة يرجع إليها في صيغ الطلاق المعتبرة في إزالة النكاح، لشدّة ما قد وقع من الاختلاف في تعيينها.

و حاصل الأصل في ذلك: أن النكاح بعد وقوعه و تحقّقه شرعا يجب استصحاب حكمه و العمل بمقتضاه إلى أن يثبت المزيل له شرعا، فكلّ ما ادّعي أن له أثرا في إزالة قيد النكاح من الصيغ يعرض على قانون الشرع، فإن دلّ منه دليل معتمد على كونه مزيلا لذلك الحكم الذي قد ثبت استصحابه حكم له بالإزالة، و ما وقع الشك فيه يبقى النكاح معه على أصله. و قد ثبت بالنصّ (1) و الإجماع أن قوله: «أنت طالق» مشيرا إلى شخص معيّن صريح فيه موجب لرفع النكاح، فأما قوله: «أنت الطلاق أو طلاق» فإنه كناية لا صريح، لأنهما مصدر و المصادر غير موضوعة للأعيان، و إنما تستعمل فيها على سبيل التوسّع،

____________

(1) لاحظ الوسائل 15: 294 ب (16) من أبواب مقدّمات الطلاق.

64

..........

____________

و الكنايات لا يستعملها الأصحاب في الطلاق.

و أما قوله: «أنت من المطلّقات» فإنه إخبار لا إنشاء، لأن نقل الإخبار إلى الإنشاء على خلاف الأصل، فيقتصر فيه على محلّ النصّ أو الوفاق، و هما منتفيان هنا.

و مثله: أنت مطلّقة، لكن في هذه قال الشيخ في المبسوط (1) إنه يقع بها الطلاق مع النيّة. و هو اعتراف بكونها كناية، لأن الصريح لا يتوقّف على النيّة.

و يلزمه القول في غيرها من الكنايات أو فيما أدّى معناها، كقوله: من المطلّقات، بل مع التعبير (2) بالمصادر، لأنها أبلغ و إن كانت مجازا، لأنهم يعدلون باللفظ إليه إذا أرادوا المبالغة، كما قالوا في «عدل» أنه أبلغ من «عادل» و نحوه.

و ردّه المصنّف بأنه بعيد عن شبه الإنشاء، لأنه إخبار بوقوع الطلاق فيما مضى كما ذكرناه، و الإخبار غير الإنشاء.

و فيه نظر، لأن المصنّف- على ما تكرّر منه فيما سبق (3) مرارا- و غيره يجعلون اللفظ الماضي أنسب بالإنشاء، بل قد جعله في النكاح (4) صريحا في الإنشاء، [مع أنه خبر بوقوع النكاح فيما مضى] (5) فما الذي عدا فيما بدا؟

و قولهم: «إن نقل الإخبار إلى الإنشاء على خلاف الأصل» مسلّم لكن يطالبون بالفارق بين المقامين و الموجب لجعله منقولا في تلك المواضع دون

____________

(1) المبسوط 5: 25.

(2) في «ح» و الحجريّتين: التعيين.

(3) في ج 3: 152، و كذا في سائر العقود.

(4) في ج 7: 87.

(5) من الحجريّتين، و لم ترد في النسخ الخطيّة.

65

و لو قال: طلّقت فلانة، (1) قال [الشيخ]: لا يقع. و فيه إشكال ينشأ من وقوعه عند سؤاله: هل طلّقت امرأتك؟ فيقول: نعم.

____________

هذه، فإن جعلوه النصّ فهو ممنوع، بل ورد في الطلاق ما هو أوسع كما ستراه (1).

و إن جعلوه الإجماع فالخلاف في المقامين موجود في صيغ كثيرة.

ثمَّ تخصيص الشيخ الجواز ببعض الكنايات دون بعض أيضا ليس بالوجه، إذ لا فرق بين «أنت مطلّقة» الذي ادّعى وقوعه بها و بين قوله: من المطلّقات، بل مع التعبير (2) بالمصدر، لأنه و إن شاركهما في كونه كناية إلّا أنه أبلغ، و قد ذكر بعض العلماء (3) أنه صريح.

قوله: «و لو قال: طلّقت فلانة. إلخ».

(1) ممّا اختلفوا في وقوع الطلاق به قوله: طلّقت فلانة، فقال الشيخ (4): لا يقع به، لما تقدّم من أنه إخبار لا إنشاء، مع حكمه (5) بأنه لو قال: «أنت مطلّقة» وقع مع النيّة، فهلّا يكون هنا كذلك، بل هذه أشبه بما اتّفقوا على وقوعه به في أبواب العقود من وقوعها بلفظ الماضي ك«زوّجت و بعت» و غيرهما ممّا جعلوه صريحا في معناه. و لعلّ ما هنا كذلك، لأن «طلّقت» ألصق بحال من أنشأ طلاقها الآن من قوله: هي طالق.

و المصنّف- رحمه اللّٰه- استشكل القول بعدم وقوعه بقوله: «طلّقت

____________

(1) في الصفحة التالية فيما ذكره من رواية السكوني.

(2) في «ح، م» و الحجريّتين: التعيين.

(3) حلية العلماء 7: 33.

(4) لاحظ المبسوط 5: 25، حيث حصر صريح الطلاق في ألفاظ مخصوصة ليست هذه منها.

(5) المبسوط 5: 25.

66

..........

____________

فلانة» بوجه آخر، و هو أن الشيخ (1) و غيره (2) حكموا بوقوع الطلاق بقوله: «نعم» عند سؤاله: هل طلّقت امرأتك؟ و وقوعه بذلك فرع وقوعه بقوله: طلّقت فلانة، لأن قوله: «نعم» تابع للفظ السؤال و مقتض لإعادته على سبيل الإنشاء، فكأنّه قال: طلّقتها، فإذا وقع باللفظ الراجع إلى شيء و هو فرعه لزم وقوعه باللفظ الأصلي المرجوع إليه و هو: طلّقتها.

و قول المصنف: «ينشأ من وقوعه عند سؤاله. إلخ» يقتضي اختياره وقوعه بذلك و أنه أمر مفروغ منه. و سيأتي (3) حكمه به بخصوصه.

و الأصل في وقوعه به رواية السكوني عن الصادق (عليه السلام)، عن أبيه، عن عليّ (عليه السلام): «في الرجل يقال له: هل طلّقت امرأتك؟ فيقول: نعم.

قال: قد طلّقها حينئذ» (4).

و لمانع أن يمنع من الأصل لضعف السند، و إن جاز في الفرع، لأنه صريح في الإنشاء في نظائره، فلو عكس الحكم كان أولى، إلّا أن الشيخ تبع النصّ كعادته و إن ضعف مستنده. و مع ذلك كان يلزمه الحكم في الفرع، لما ذكره المصنف و ما ذكرناه.

و اعلم أن الخلاف في وقوعه إنشاء كما يظهر من التعليل، أما وقوعه إقرارا فلا شبهة فيه حيث لا تدلّ القرينة على إرادة الإنشاء و أنه (5) لم يسبق منه غير

____________

(1) المبسوط 5: 52، النهاية: 511.

(2) راجع المهذّب 2: 278، و الوسيلة: 324.

(3) في ص: 88.

(4) التهذيب 8: 38 ح 111، الوسائل 15: 296 ب (16) من أبواب مقدمات الطلاق و شرائطه ح 6.

(5) في «ح، م» و الحجريّتين: و إن.

67

و لا يقع الطلاق (1) بالكناية، و لا بغير العربيّة (2) مع القدرة على التلفّظ باللفظة المخصوصة.

____________

ذلك. و تظهر الفائدة فيما بينه و بين اللّٰه تعالى، فإن أوقعنا به الإنشاء لزم ذلك شرعا، و إن جعلناه إقرارا بنينا على الظاهر خاصّة، و كان حكم المقرّ بالنسبة إلى نفس الأمر- حيث لم يقع غير ذلك- كأنّه لم يطلّق.

قوله: «و لا يقع الطلاق. إلخ».

(1) الكناية في الطلاق هي اللفظ المحتمل للطلاق و غيره ك: أطلقتك، و أنت خليّة، و بريّة، و بائن، و نحو ذلك، و يقابله الصّريح، و هو ما لا يحتمل ظاهره غير الطلاق. و هو عند العامّة (1) لفظ الطلاق و السّراح و الفراق و ما اشتقّ منها، و أطبقوا (2) على وقوعه بالكناية مع نيّة الطلاق. و أطبق أصحابنا على عدم وقوعه به مطلقا، يعني بجميع ألفاظ الكناية، و لكن اختلفوا في كلمات مخصوصة هي من جملتها. و قد تقدّم (3) بعضها، و سيأتي (4) منها بعض آخر. و الفرق بينها و بين غيرها لا يخلو من تكلّف.

قوله: «و لا بغير العربيّة. إلخ».

(2) هذا هو المشهور بين المتأخّرين و منهم ابن إدريس (5)، لأن اللفظ العربي هو الوارد في القرآن و المتكرّر في لسان أهل الشّرع. و الأصل عصمة الفروج.

و استصحاب حكم العقد إلى أن يثبت المزيل شرعا.

____________

(1) الحاوي الكبير 10: 150، 151، حلية العلماء 7: 31.

(2) الحاوي الكبير 10: 159- 160، روضة الطالبين 6: 27.

(3) في ص: 63.

(4) في ص: 73.

(5) السرائر 2: 676.

68

و لا بالإشارة (1) إلّا مع العجز عن النطق.

و يقع طلاق الأخرس بالإشارة الدالّة. و في رواية (1): يلقي عليها القناع، فيكون ذلك طلاقا. و هي شاذّة.

____________

و ذهب الشيخ في النهاية (2) و جماعة (3) إلى الاجتزاء بما دلّ على قوله: «أنت طالق» من اللغات و إن قدر على العربيّة، لأن المقصود بالذات هو المعاني و الألفاظ وضعت للدلالة عليها، و هو حاصل بأيّ لغة اتّفق، لأن شهرة استعمالها في معناها عند أهل تلك اللغات شهرة العربيّة عند أهلها. و لرواية حفص عن أبيه، عن علي (عليه السلام) قال: «كلّ طلاق بكلّ لسان فهو طلاق» (4). و هذه الرواية هي معتمد الشيخ مع ضعف سندها، و إلّا فما ذكروه من دلالة اللغات على المعنى المقصود آت في غيره من العقود و لا يقولون به. و ظاهرهم أنه حينئذ صريح لا كناية، فلا يتوقّف على النيّة. و ذهب بعض العامة (5) إلى أنه كناية. و لا إشكال في الاجتزاء بالترجمة مع العجز عن العربيّة.

قوله: «و لا بالإشارة. إلخ».

(1) المعتبر من الطلاق ما وقع بالقول، لأن ذلك هو المعهود من الشارع، فلا يكفي الفعل- كالإشارة- من القادر على النطق إجماعا، لأصالة بقاء النكاح، و لأن عدوله من العبارة إلى الإشارة يوهم أنه غير قاصد إليه. و بعض من جوّزه

____________

(1) لاحظ الوسائل 15: 299 ب (19) من أبواب مقدمات الطلاق و شرائطه.

(2) النهاية: 511.

(3) راجع الوسيلة: 324.

(4) التهذيب 8: 38 ح 112، الوسائل 15: 297 ب (17) من أبواب مقدمات الطلاق و شرائطه ح 1، و فيهما: عن وهب بن وهب عن جعفر عن أبيه.

(5) راجع المغني لابن قدامة 8: 268، روضة الطالبين 6: 25.

69

..........

____________

بالكناية جعل الإشارة للقادر كناية يقع بها مع النيّة، لحصول الإفهام بها في الجملة.

و لو تعذّر النطق كفت الإشارة به كالأخرس، كما يقع بها جميع العقود و عبارات العبادات و الأقارير و الدعاوي، حتى لو أشار بالطلاق أو البيع أو غيرهما في الصلاة صحّ و لم تبطل الصلاة على الأصح. و يعتبر في صحّته بإشارته أن تكون مفهمة لمن يخالطه و يعرف إشارته إن لم يتّفق فهمها على العموم. و يعتبر فهم الشاهدين لها، لقيامها مقام النطق.

و لو عرف الأخرس الكتابة كانت كتابته من جملة الإشارة، بل أقوى، لأنها أضبط و أدلّ على المراد. و لا يعتبر ضميمة الإشارة إليها، بل يكفي أن يفهم أنه نوى به الطلاق. و قدّمها ابن إدريس (1) على الإشارة حيث يمكن، لما ذكرناه من قوّتها. و تؤيّده رواية ابن أبي نصر قال: «سألت الرضا (عليه السلام) عن الرجل تكون عنده المرأة فصمت فلا يتكلّم، قال: أخرس؟ قلت: نعم. قال:

فيعلم منه بغض لامرأته و كراهية لها؟ قلت: نعم، أ يجوز له أن يطلّق عنه وليّه؟

قال: لا، و لكن يكتب و يشهد على ذلك. قلت: أصلحك اللّٰه لا يكتب و لا يسمع كيف يطلّقها؟ قال: بالذي يعرف به من فعله مثل ما ذكرت من كراهته لها أو بغضه لها» (2). و اعتبر جماعة من الأصحاب- منهم الصدوقان (3)- فيه إلقاء القناع على

____________

(1) السرائر 2: 678.

(2) الكافي 6: 128 ح 1، الفقيه 3: 333 ح 1613، التهذيب 8: 74 ح 247، الاستبصار 3: 301 ح 1065، الوسائل 15: 299 ب «19» من أبواب مقدمات الطلاق و شرائطه ح 1.

(3) الفقيه 3: 333 ذيل ح 1613، المقنع: 119.

70

و لا يقع الطلاق (1) بالكتابة من الحاضر و هو قادر على التلفّظ. نعم، لو عجز عن النطق فكتب ناويا به الطلاق صحّ. و قيل: يقع بالكتابة إذا كان غائبا عن الزوجة. و ليس بمعتمد.

____________

المرأة يري أنها قد حرمت عليه، لرواية السكوني عن الصادق (عليه السلام): «قال: طلاق الأخرس أن يأخذ مقنعتها و يضعها على رأسها ثمَّ يعتزلها» (1). و كذا روى أبو بصير (2) عن الصادق (عليه السلام).

و منهم (3) من خيّر بين الإشارة و بين إلقاء القناع. و منهم من جمع بينهما.

و الحقّ الاكتفاء بالإشارة المفهمة، و إلقاء القناع مع إفهامه ذلك من جملتها.

و ضعف سند الرواية يمنع من جعلها أصلا. نعم، مع إفادة إلقاء القناع إرادة الطلاق يدخل في أفراد الإشارة، و تكون الرواية شاهدا.

قوله: «و لا يقع الطلاق. إلخ».

(1) اتّفق الأصحاب على عدم وقوع الطلاق بالكتابة للحاضر القادر على التلفّظ. و اختلفوا في وقوعه من الغائب، فذهب الأكثر- و منهم الشيخ في المبسوط (4) و الخلاف (5) مدّعيا فيه الإجماع- إلى العدم أيضا، عملا بالأصل و استصحاب حكم الزوجيّة إلى أن يثبت المزيل. و بأن الأسباب يتساوى فيها الحاضر و الغائب، و من ثمَّ استويا في وقوعه باللفظ. و لحسنة زرارة قال: «قلت

____________

(1) الكافي 6: 128 ح 3، التهذيب 8: 74 ح 249، الاستبصار 3: 301 ح 1066، الوسائل الباب المتقدّم ح 3.

(2) التهذيب 8: 92 ح 314، الاستبصار 3: 301 ح 1067، الوسائل الباب المتقدّم ح 5.

(3) في هامش «و»: «المخيّر بينهما ابن حمزة، و الجامع بينهما الشهيد في اللمعة. منه رحمه اللّٰه». لاحظ الوسيلة: 324، و اللمعة: 123.

(4) المبسوط 5: 28.

(5) الخلاف 4: 469 مسألة (29).

71

..........

____________

لأبي جعفر (عليه السلام): رجل كتب بطلاق امرأته أو بعتق غلامه ثمَّ بدا له فمحاه، قال: ليس ذلك بطلاق و لا عتاق حتى يتكلّم به» (1).

و ذهب الشيخ في النهاية (2) و أتباعه (3) إلى وقوعه من الغائب، لصحيحة أبي حمزة الثمالي قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل قال لرجل: اكتب يا فلان إلى امرأتي بطلاقها، أو اكتب إلى عبدي بعتقه، يكون ذلك طلاقا أو عتقا؟

قال: لا يكون طلاقا و لا عتقا حتى ينطق به لسانه أو يخطّه بيده و هو يريد الطلاق أو العتق، و يكون ذلك منه بالأهلّة و الشهور، و يكون غائبا عن أهله» (4).

و أجيب بحمله على حالة الاضطرار و يكون لفظة «أو» للتفصيل لا للتخيير.

و فيه نظر، لأن الرواية صريحة في أن المطلّق يقدر على التلفّظ، لأنه قال:

«اكتب يا فلان إلى امرأتي بطلاقها. إلخ» فلا وجه لحمله على حالة الاضطرار، لأن من قدر على هذا اللفظ قدر على قوله: هي طالق، و لا يمكن العذر بفقد شرط آخر، لأن الشرائط معتبرة في الكتابة كاللفظ. و مع ذلك ففي هذه الرواية ترجيح على السابقة بصحّة سندها، و بأنها مقيّدة بالنيّة و الغيبة و تلك مطلقة فيهما فجاز كون منعه من وقوع الطلاق لعدم النيّة بالكتابة، أو لعدم العلم بالنيّة، أو تحمل على حالة الحضور جمعا، على أنه مع ثبوت المرجّح لا ضرورة إلى الجميع.

____________

(1) الكافي 6: 64 ح 2، التهذيب 8: 38 ح 113، الوسائل 15: 291 ب «14» ح 2.

(2) النهاية: 511.

(3) راجع الوسيلة: 323، إصباح الشيعة ضمن سلسلة الينابيع الفقهيّة 20: 282.

(4) الكافي 6: 64 ح 1، الفقيه 3: 325 ح 1572، التهذيب 8: 38 ح 114، الوسائل الباب المتقدّم ح 3. و في بعض المصادر: سألت أبا جعفر (عليه السلام).

72

..........

____________

و أما ما قيل من أن الغيبة و الحضور لا تأثير لهما في السببيّة فهو مصادرة محضة، لأن الخصم يدّعي الفرق، و يحتجّ عليه بالخبر الصحيح، و هو الفارق بين الكتابة و اللفظ المشترك في السببيّة بين الغائب و الحاضر، فكيف يدّعى عدم تأثير الغيبة و الحضور؟ و بذلك انقطع الأصل الذي ادّعوه، و تثبت سببيّة الطلاق.

و أما دعوى ترجيح الأولى بموافقة الأصل و الشهرة في العمل ففيه: أن الصحيح مقدّم على الحسن، فلا تعارض. ثمَّ إن المقيّد مقدّم على المطلق، و الجمع بينهما واجب، فلا تعارض. ثمَّ إن الطلاق المدّعى وقوعه بالكتابة يدخل في عموم الطلاق، و الأصل فيه الصحّة. و أما الشهرة فحالها في الترجيح و عدمه معلوم.

و ممّا يؤيّد الصحّة أن المقصود بالعبارة الدلالة على ما في النفس، و الكتابة أحد الخطابين كالكلام، و الإنسان يعبّر عمّا في نفسه بالكتابة كما يعبّر بالعبارة.

نعم، هي أقصر مرتبة من اللفظ، و أقرب إلى الاحتمال، و من ثمَّ منع من وقوع الطلاق بها للحاضر، لأنه مع الحضور لا حاجة إلى الكتابة، بخلاف الغيبة، للعادة الغالبة بها فيها.

و اعلم أنه على [تقدير] (1) القول بوقوعه بها يعتبر القصد بها إلى الطلاق، و حضور شاهدين يريان الكتابة. و هل يشترط رؤيته حال الكتابة، أم تكفي رؤيتهما لها بعدها، فيقع حين يريانها؟ وجهان، و الأول لا يخلو من قوّة، لأن ابتداءها هو القائم مقام اللفظ لا استدامتها. و إنما تعلم النيّة بإقراره، و لو شك فيها فالأصل عدمها. و حينئذ فتكون الكتابة كالكناية، و من ثمَّ ردّها الأصحاب مطلقا

____________

(1) من الحجريّتين.

73

و لو قال: [هذه] خليّة، (1) أو بريّة، أو حبلك على غاربك، أو الحقي بأهلك، أو بائن، أو حرام، أو بتّة، أو بتلة، لم يكن شيئا، نوى الطلاق أو لم ينوه.

____________

اطّرادا للقاعدة، مع أنهم نقضوها في مواضع كما ترى.

و لا فرق في الغائب بين البعيد بمسافة القصر و عدمه، مع احتمال شموله للغائب عن المجلس، لعموم النصّ (1). و الأقوى اعتبار الغيبة عرفا. و لتكن الكتابة للكلام المعتبر في صحّة الطلاق، كقوله: فلانة طالق، أو يكتب إليها: أنت طالق. و لو علّقه بشرط كقوله: إذا قرأت كتابي فأنت طالق، فكتعليق اللفظ.

قوله: «و لو قال خليّة. إلخ».

(1) هذه الكلمات كلّها كنايات عن الطلاق و ليست صريحة فيه، لاحتمالها له و لغيره، فإنه يحتمل أن تكون خليّة من شيء آخر غير النكاح، أو بريّة كذلك، إلى آخر الألفاظ، فلذلك لم يقع بها الطلاق عند أصحابنا، خلافا للعامّة (2) أجمع حيث حكموا بوقوعه بها مع نيّته، و إليه أشار بقوله: «نوى الطلاق أو لم ينوه» إذ لا خلاف في أنّه لو لم ينو بها الطلاق لم يقع، بخلاف اللفظ الصريح. و هذه النيّة أمر آخر غير القصد الذي تقدّم اعتباره في الصيغة الصريحة، لأن المراد بالنيّة هنا قصد إيقاع الطلاق، و هناك قصد لفظه لمعناه.

و تحقيق الفرق: أنه لمّا كان المعنى في اللفظ الصريح متّحدا اكتفي بقصد اللفظ للمعنى، بمعنى كون المتلفّظ قابلا للقصد و إن لم يصرّح بالقصد، و لهذا

____________

(1) لاحظ الوسائل 15: 291 ب «14» من أبواب مقدمات الطلاق و شرائطه ح 3.

(2) الحاوي الكبير 10: 159- 160، الاشراف على مذاهب العلماء 4: 168- 169، روضة الطالبين 6: 27، حلية العلماء 7: 400.

74

..........

____________

حكم عليه به بمجرّد سماع لفظه، و إنما احترزوا باشتراط القصد عن مثل الساهي و النائم إذا أوقعا لفظا صريحا، فإنه لا يعتدّ به، لعدم القصد إلى مدلوله، بخلاف الكناية، فإن ألفاظها لمّا كانت مشتركة بين المقصود منها- و هو الطلاق- و نحوه لم يحمل عليه بمجرّد قصده إلى المعنى، لاشتراكه، بل لا بدّ من القصد إلى بعض معانيه و هو الطلاق مثلا، و هذا القصد على خلاف الأصل، لأنه تخصيص للّفظ المشترك بأحد معانيه، فلا بدّ من العلم به و إلا لم يحكم عليه بالطلاق و لا غيره، بخلاف الصريح، فإن الأصل فيه إذا وقع من العاقل الخالي عن الموانع أن يكون قاصدا به مدلوله، فهذا هو الفارق بين القصدين فتدبّره فإنه من مواضع الاشتباه على كثير.

و اعلم أنه قد دلّ على عدم الاكتفاء ببعض هذه الألفاظ المعدودة في الكناية حسنة محمد بن مسلم أنه سأل أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل قال لامرأته: أنت عليّ حرام، أو بائنة، أو بتّة، أو بريّة، أو خليّة، قال: «هذا كلّه ليس بشيء» (1).

و معنى خليّة و بريّة أي: من الزوج. و معنى حبلك على غاربك أي: خلّيت سبيلك كما يخلّى البعير في الصحراء و زمامه على غاربه- و هو ما تقدّم من الظهر و ارتفع من العنق- ليرعى كيف شاء. و الحقي- بكسر أوله و فتح ثالثة، و قيل:

عكسه- أي: الحقي بأهلك لأني طلّقتك. و بائن أي: مفارقة و حرام عليه الاستمتاع بها. و بتّة أي: مقطوعة الوصلة. و تنكير «البتّة» جوّزه الفرّاء (2)،

____________

(1) الكافي 6: 69 ح 1، التهذيب 8: 36 ح 108، الاستبصار 3: 277 ح 983، الوسائل 15: 295 ب (16) من أبواب مقدمات الطلاق ح 3.

(2) لسان العرب 2: 7.

75

و لو قال: اعتدّي، (1) و نوى به الطلاق قيل: يصحّ، و هي رواية الحلبي و محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام). و منعه كثير، و هو الأشبه.

____________

و الأكثر على أنه لا يستعمل إلّا معرّفا باللام. و قال الجوهري: «تقول: لا أفعله بتّة، أو لا أفعله البتّة، لكلّ أمر لا رجعة فيه، و نصب على المصدر» (1). و بتلة أي:

متروكة النكاح.

قوله: «و لو قال: اعتدّي. إلخ».

(1) القائل بوقوعه بقوله: «اعتدّي» ابن الجنيد (2)، استنادا إلى حسنة الحلبي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «الطلاق أن يقول لها: اعتدّي، أو يقول لها:

أنت طالق» (3) و حسنة محمد بن مسلم السابقة (4) عن أبي جعفر (عليه السلام)، و فيها- بعد قوله: هذا كلّه ليس بشيء-: «إنما الطلاق أن يقول لها في قبل العدّة بعد ما تظهر من حيضها قبل أن يجامعها: أنت طالق أو اعتدّي، يريد بذلك الطلاق، و يشهد على ذلك رجلين عدلين». و روى الشيخ في التهذيب عن علي بن الحسن الطاطري قال: «الذي أجمع عليه في الطلاق أن يقول: أنت طالق أو اعتدّي، و ذكر أنه قال لمحمد بن أبي حمزة: كيف يشهد على قوله: اعتدّي؟ قال:

يقول: اشهدوا اعتدّي» (5).

و أنت خبير بأن الأصحاب يثبتون الأحكام بما هو أدنى مرتبة من هذه

____________

(1) الصحاح 1: 242 (مادّة: بتت).

(2) حكاه عنه العلّامة في المختلف: 585.

(3) الكافي 6: 69 ح 2، التهذيب 8: 37 ح 109، الاستبصار 3: 277 ح 984، الوسائل 15: 295 ب (16) من أبواب مقدمات الطلاق ح 4.

(4) في الصفحة السابقة.

(5) التهذيب 8: 37 ح 110.

76

..........

____________

الروايات و أضعف سندا، فكيف بالحسن الذي ليس في طريقه خارج عن الصحيح سوى إبراهيم بن هاشم، و هو من أجلّ الأصحاب و أكبر الأعيان، و حديثه من أحسن مراتب الحسن؟! و مع ذلك ليس لها معارض في قوّتها حتى يرجّح عليها بشيء من وجوه المرجّحات.

نعم، نقل الشيخ عن الحسن بن سماعة أنه قال: «ليس الطلاق إلّا كما روى ابن بكير بن أعين أن يقول لها و هي طاهر من غير جماع: أنت طالق، و كلّ ما سوى ذلك فهو ملغى» (1).

و لا يخفى عليك أن هذا الكلام لا يصلح للمعارضة أصلا، لأنه من قول ابن بكير و حاله معلوم، و الراوي الحسن بن سماعة شيخ الواقفيّة و وجههم، فأين هذا من حديث (2) سنده علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبي، و الثلاثة (3) الأول عن عمر بن أذينة، عن محمد بن مسلم؟! و من العجب عدول الشيخ- رحمه اللّٰه- عن مثل ذلك مع تعلّقه في وقوع الطلاق بقول: «نعم» في جواب السؤال برواية (4) السكوني، و بوقوعه بغير العربيّة برواية (5) حفص عن أبيه، و هما عاميّان كالسكوني، و تركه هذه الأخبار المعتبرة الأسناد.

____________

(1) التهذيب 8: 37 ح 110. و فيه: كما روى بكير بن أعين، و لم يكن فطحيّا بل الفطحيّ ابنه، و اعتراض الشارح (قدس سرّه) مبتن على نسخته، راجع الجواهر 32: 67.

(2) لاحظ الصفحة السابقة، هامش (3).

(3) لاحظ ص: 74، هامش (1).

(4) مرّ ذكر مصادرها في ص: 66: هامش (4).

(5) مرّ ذكر مصادرها في ص: 68، هامش (4).

77

..........

____________

و أعجب منه جمعه بينها و بين كلام ابن سماعة- حذرا من التنافي- بحمل الأخبار على أن يكون قد تقدّم قول الزوج «أنت طالق» ثمَّ يقول: اعتدّي. قال:

«لأن قوله لها: «اعتدّي» ليس له معنى، لأن لها أن تقول: من أيّ شيء اعتدّ؟

فلا بدّ أن يقول: اعتدّي لأنّي قد طلّقتك، فالاعتبار بالطلاق لا بهذا القول، إلّا أنه يكون هذا القول كالكاشف لها عن أنه لزمها حكم الطلاق، و كالموجب عليها ذلك. و لو تجرّد ذلك من غير أن يتقدّمه لفظ الطلاق لما كان به اعتبار على ما قاله ابن سماعة» (1). هذا آخر كلام الشيخ.

و لا يخفى عليك ما في هذا الجمع و الحمل، لأن مرجعه إلى أن الطلاق لا يقع إلّا بقوله: «أنت طالق» و أن «اعتدّي» إخبار عن سبق قوله: أنت طالق، و الحال أن الامام (عليه السلام) في الخبرين (2) جعل قوله: «أنت طالق» معطوفا على «اعتدّي» أو معطوفا عليه، و وقوع الطلاق بكلّ واحدة من الصيغتين صريحا، فكيف يخصّ وقوعه بإحداهما؟! و قوله: «إنه لا معنى لقوله: اعتدّي» غير واضح، لأنه إذا جعل كناية عن الطلاق يكون دالّا على إنشاء الطلاق به، فإذا قالت له: من أيّ شيء اعتدّ؟ يقول لها: إن قولي: «اعتدّي» طلاق، غايته أنها ما فهمت مراده من قوله: اعتدّي، فسؤالها عنه لا يوجب أن لا يكون لها معنى مع جعل الشارع معناه الطلاق، و يكون ذلك كسؤالها له بعد قوله: «أنت طالق» بقولها: عن أيّ شيء طالق؟ [فيقول: طالق] (3) عن وثاق الجلوس في البيت، أو وثاق النكاح،

____________

(1) التهذيب 8: 37 ذيل ح 110.

(2) المتقدّمين في ص: 75.

(3) من الحجريّتين فقط.

78

..........

____________

أو غير ذلك؟

و أيضا فقوله في رواية محمد بن مسلم: «أو اعتدّي يريد بذلك الطلاق» صريح في أنه كناية، من حيث إنه قيّد وقوع الطلاق به بإرادة الطلاق و لم يقيّد ذلك في قوله: «أنت طالق» لأنه لفظ صريح، و هذا شأن الكنايات عند من يوقع بها الطلاق، فإنه يشترط فيه النيّة دون الصريح.

و لا يقال: إنه يمكن حمله على التقيّة حيث إنه مذهب جميع العامّة (1)، لأن في الخبر ما ينافي ذلك، و هو قوله: «إنه لا يقع الطلاق بقوله: أنت حرام، أو بائنة، أو بتّة، أو بتلة، أو خليّة» فإن الطلاق يقع عند المخالف بجميع ذلك مع النيّة، فلا يمكن حمل آخره على التقيّة مع منافاة أوّله لها.

نعم، يمكن أن يقال: إن حكمه بوقوع الطلاق بقوله: «اعتدّي» مع النيّة- و هو كناية قطعا- يدلّ على وقوعه بغيره من الكنايات التي هي أوضح معنى من قوله: «اعتدّي» مثل قوله: أنت مطلّقة، أو طلّقتك، أو من المطلّقات، أو مسرّحة، أو سرّحتك، أو مفارقة، أو فارقتك، أو من المسرّحات، أو من المفارقات، إلى غير ذلك من الكنايات التي هي أوضح دلالة على الطلاق من قوله:

اعتدّي، بل قيل: إن الفراق و السراح و ما اشتقّ منهما و من الطلاق صريح لا كناية، لورودها في القرآن مرادا بها الطلاق كقوله تعالى وَ سَرِّحُوهُنَّ سَرٰاحاً جَمِيلًا (2) أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسٰانٍ (3) أَوْ فٰارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ (4)

____________

(1) لاحظ ص: 73، هامش (2).

(2) الأحزاب: 49.

(3) البقرة: 229.

(4) الطلاق: 2.

79

..........

____________

وَ إِنْ يَتَفَرَّقٰا يُغْنِ اللّٰهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ (1). فوقوع الطلاق بقوله: «اعتدّي» يدلّ بمفهوم الموافقة على وقوعه بجميع هذه الألفاظ و ما في معناها، و تبقى الكنايات التي لا تدخل في مفهوم الموافقة- بل إما مساوية لقوله: «اعتدّي» أو أخفى- مردودة، لعدم الدليل، و منها قوله في الخبر: «خليّة، و بريّة، و بتّة، و بتلة» و نحوها. و حينئذ نكون قد أعملنا جميع الأخبار المعتبرة مؤيّدا بعموم الآيات و الأخبار الدالّة على الطلاق من غير تقييد بصيغة. و لا يضرّنا مفهوم الحصر في قوله (2): «إنما الطلاق أن يقول: أنت طالق» لوجهين:

أحدهما: أن الحصر في الصيغتين بطريق المطابقة، و في غيرها بطريق الالتزام، فلا منافاة.

و الثاني: إمكان حمله على مجرّد التأكيد بقرينة قوله في رواية (3) الحلبي:

«الطلاق أن يقول لها» من غير أداة الحصر. و لا يرد على هذا حصر المبتدأ في خبره، لأن ذلك غير مطّرد كما هو محقّق في محلّه. و قد وقع استعمال «إنما» في الكلام الفصيح مجرّدا عن الحصر، و تقدّم مثله في أخبار (4). و لو قيل بهذا القول لكان في غاية القوّة. و توهّم أنه خلاف الإجماع قد تكلّمنا عليه غير مرّة.

____________

(1) النساء: 130.

(2) في حسنة محمد بن مسلم المتقدّمة في ص: 75، هامش (4).

(3) المتقدّمة في ص:. 75، هامش (3).

(4) في هامش «و»: «منها في باب العيب قوله في رواية صحيحة: «إنما يردّ المرأة. إلخ» مع عدم انحصار ردّها فيما ذكر. منه (قدس سرّه)»، لاحظ ج 8: 119، و في المصادر: إنما يردّ النكاح.

80

و لو خيّرها و قصد (1) الطلاق، فإن اختارته أو سكتت و لو لحظة فلا حكم. و إن اختارت نفسها في الحال قيل: تقع الفرقة بائنة، و قيل: تقع رجعيّة، و قيل: لا حكم له، و عليه الأكثر.

____________

قوله: «و لو خيّرها و قصد. إلخ».

(1) اتّفق علماء الإسلام ممّن عدا الأصحاب على جواز تفويض الزوج أمر الطلاق إلى المرأة و تخييرها في نفسها ناويا به الطلاق، و وقوع الطلاق لو اختارت نفسها، و كون ذلك بمنزلة توكيلها في الطلاق، و جعل التخيير كناية عنه أو تمليكا لها نفسها. و الأصل فيه أن النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) خيّر (1) نساءه بين المقام معه و بين مفارقته لمّا نزل قوله تعالى يٰا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوٰاجِكَ. (2) الآية و التي بعدها.

و أما الأصحاب فاختلفوا، فذهب جماعة- منهم ابن الجنيد (3)، و ابن أبي عقيل (4)، و السيّد المرتضى (5)، و ظاهر ابني بابويه (6)- إلى وقوعه به أيضا إذا اختارت نفسها بعد تخييره لها على الفور مع اجتماع شرائط الطلاق من الاستبراء و سماع الشاهدين ذلك و غيره. و ذهب الأكثر- و منهم الشيخ (7) و المتأخّرون (8)-

____________

(1) الكافي 6: 136، 137 ح 2 و 3، الفقيه 3: 334، 335 ح 1، التهذيب 8: 87 ح 299 و 300، الاستبصار 3: 312 ح 1111 و 1112، الوسائل 15: 335 ب (41) من أبواب مقدمات الطلاق، و راجع مجمع البيان 4: 352، ذيل الآية 28 من سورة الأحزاب.

(2) الأحزاب: 28- 29.

(3) حكاه عنهما العلّامة في المختلف: 584.

(4) حكاه عنهما العلّامة في المختلف: 584.

(5) رسائل الشريف المرتضى 1: 241.

(6) المقنع: 116، 117، و حكاه عن أبيه في رسالته إليه في الفقيه 3: 334.

(7) الخلاف 4: 470، مسألة (31)، المبسوط 5: 30.

(8) السرائر 2: 676، المختلف: 584، إيضاح الفوائد 3: 309.

81

..........

____________

إلى عدم وقوعه بذلك. و يظهر من المصنّف التردّد فيه إن لم يكن ميله إلى الأول، لأنه نسب الحكم بعدم صحّته إلى الأكثر ساكتا عليه.

و وجه الخلاف اختلاف الروايات الدالّة على القولين، إلّا أن أكثرها و أوضحها سندا ما دلّ على الوقوع، أورد الشيخ في التهذيب منها ستّة أخبار أكثرها من الموثّق و فيها الحسن أو الصحيح، و ذكر أنه ذكر طرفا من الأخبار الدالّة على الوقوع به، فمنها صحيحة حمران قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: المخيّرة تبين من ساعتها من غير طلاق و لا ميراث بينهم، لأن العصمة قد بانت منها ساعة كان ذلك منها و من الزوج» [1]. و موثّقة محمد بن مسلم و زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «لا خيار إلّا على طهر من غير جماع بشهود» (2). و رواية زرارة أيضا عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قلت له: رجل خيّر امرأته، فقال: إنما الخيار لهما ما داما في مجلسهما، فإذا تفرّقا فلا خيار لها» (3) الحديث.

و حجّة المانع أربع روايات بعضها ضعيف السند و بعضها من الموثّق، منها رواية العيص بن القاسم عن الصادق (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل خيّر امرأته فاختارت نفسها بانت منه؟ قال: لا إنما هذا شيء كان لرسول اللّٰه صلّى اللّٰه

____________

[1] في هامش «و»: «طريق رواية حمران صحيح إليه، و أما هو نفسه فمشكور من غير توثيق، فهي من الحسن، لكن الجماعة وصفوها بالصحّة نظرا إلى ما ذكرناه، و هو أحد معنيي الصحيح كما حقّق في محلّه. منه رحمه اللّٰه». التهذيب 8: 90 ح 307، الاستبصار 3: 314 ح 119، الوسائل 15: 338 ب (41) من أبواب مقدّمات الطلاق ح 11.

____________

(2) التهذيب 8: 89 ح 304، الاستبصار 3: 313 ح 1116، الوسائل الباب المتقدّم ح 8.

(3) التهذيب 8: 90 ح 308، الاستبصار 3: 314 ح 1120، الوسائل الباب المتقدّم ح 12.

82

..........

____________

عليه و آله و سلّم خاصّة أمر بذلك ففعل، و لو اخترن أنفسهنّ لطلّقن و هو قول اللّٰه تعالى قُلْ لِأَزْوٰاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيٰاةَ الدُّنْيٰا وَ زِينَتَهٰا فَتَعٰالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَ أُسَرِّحْكُنَّ سَرٰاحاً جَمِيلًا (1)». و رواية محمد بن مسلم قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): إنّي سمعت أباك يقول: إن رسول اللّٰه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) خيّر نساءه فاخترن اللّٰه و رسوله، فلم يمسكهنّ على طلاق، و لو اخترن أنفسهنّ لبنّ.

فقال: إن هذا حديث كان يرويه أبي عن عائشة و ما للناس و الخيار؟ إنما هذا شيء خصّ اللّٰه به رسوله (صلى اللّه عليه و آله و سلّم)» (2).

و أجاب المانعون عن الأخبار الدالّة على الوقوع بحملها على التقيّة. و لو نظروا إلى أنها أكثر و أوضح سندا و أظهر دلالة لكان أجود. و وجه الأول واضح.

و الثاني أن فيها الصحيح أو الحسن و الموثّق، و ليس فيها ضعيف، بخلاف أخبار المنع، فإن فيها الضعيف و المرسل و المجهول. و أما الثالث فلأن نفي البينونة في الأول أعمّ من نفي الوقوع، لجواز وقوعه رجعيّا، فلا دلالة له على منعه مطلقا، فإذا حملت أخبار الوقوع على كونه رجعيّا لم يتعارض على تقدير أن تكون مكافئة فكيف و حالها ما رأيت.

و أما حمل العلّامة في المختلف (3) لأخبار الوقوع على ما إذا طلّقت بعد التخيير فغير سديد، لأن ذلك يقتضي كون تخييرها وكالة، و معها لا يشترط فيه

____________

(1) الكافي 6: 137 ح 3، التهذيب 8: 87 ح 299، الاستبصار 3: 312 ح 1111، الوسائل 15: 336 ب (41) من أبواب مقدمات الطلاق ح 4. و الآية في سورة الأحزاب: 28.

(2) الكافي 6: 136 ح 2، التهذيب 8: 88 ح 300، الاستبصار 3: 312 ح 1112، الوسائل الباب المتقدّم ح 3.

(3) المختلف: 584.

83

..........

____________

وقوعه في المجلس و لا على الفور، خلاف ما دلّت عليه تلك الأخبار. و هذا واضح.

إذا تقرّر ذلك فاعلم أن القائلين بوقوعه به اختلفوا في أنه هل يقع طلاقا رجعيّا، أو بائنا؟ فقال ابن أبي عقيل (1) يقع رجعيّا، لرواية زرارة السابقة (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) و في آخرها: «قلت: أصلحك اللّٰه فإن طلّقت نفسها ثلاثا قبل أن يتفرّقا من مجلسهما، قال: لا يكون أكثر من واحدة، و هو أحقّ برجعتها قبل أن تنقضي عدّتها، فقد خيّر رسول اللّٰه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) نساءه فاخترنه، فكان ذلك طلاقا. فقلت له: لو اخترن أنفسهنّ لبنّ؟

قال: فقال: ما ظنّك برسول اللّٰه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) لو اخترن أنفسهنّ أ كان يمسكهنّ؟».

و قيل: تكون بائنة، لرواية زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «إذا اختارت نفسها فهي تطليقة بائنة، و هو خاطب من الخطّاب» (3) و رواية يزيد الكناسي عن الباقر (عليه السلام) قال: «لا ترث المخيّرة من زوجها شيئا في عدّتها، لأن العصمة قد انقطعت فيما بينها و بين زوجها من ساعتها، فلا رجعة له عليها، و لا ميراث بينهما» (4).

و فصّل ابن الجنيد فقال: «إن كان التخيير بعوض كان بائنا كالطلاق به،

____________

(1) حكاه عنه العلّامة في المختلف: 585.

(2) تقدّم ذكر مصادرها في ص: 81، هامش (3).

(3) التهذيب 8: 90 ح 305، الاستبصار 3: 313 ح 1117، الوسائل 15: 337 ب (41) من أبواب مقدمات الطلاق ح 9.

(4) التهذيب 8: 90 ح 306، الاستبصار 3: 314 ح 1118، الوسائل الباب المتقدّم ح 10.

84

..........

____________

و إلّا كان رجعيّا» (1). و فيه جمع بين الأخبار. و يمكن الجمع بينهما بحمل البائن على تخيير من لا عدّة لها كغير المدخول بها و اليائسة، و الرجعي على ما (2) لها عدّة رجعيّة، لأن التخيير جائز للجميع على القول به.

و بقي هنا أمور يتوقّف عليها المبحث:

الأول: مقتضى النصوص و فتوى المجوّزين أن الطلاق يحصل بقولها:

اخترت نفسي، أو اخترت الفراق، أو الطلاق، أو نحو ذلك ممّا يدلّ على إرادته، و في الاكتفاء بقولها: اخترت، مجرّدا بقصد الطلاق وجهان، من أنه كناية فيقع بالنيّة، و من كونه أعمّ من اختيار الفراق، بخلاف قولها: اخترت نفسي، و نحوه، فإن فيه إشعارا بالفراق و إن احتمل غيره، فكان كناية يقع بالنيّة. فإن قلنا بوقوعه حينئذ صدّقت في دعواها إرادة الفراق و إن كذّبها الزوج، لأن ذلك لا يعلم إلّا من قبلها.

و لو قالت: اخترت الأزواج، فكاختيار نفسها، لأنها لا تصلح للأزواج إلّا بمفارقته. و يحتمل عدم وقوعه بذلك، لأن الزوج من جملة الأزواج، و هي لا تصلح إلّا لواحد، فهو كما لو قالت: اخترتك. و فيه: أن الكناية محتملة، و إنما تفيد مع النيّة، و الفرض كونها حاصلة هنا، و اللفظ ظاهر في إرادة الفراق.

الثاني: مقتضى الرواية اشتراط وقوع الاختيار من المرأة في المجلس.

و بمضمونها أفتى ابن أبي عقيل، فقال: «و الخيار عند آل الرّسول (عليهم السلام) أن يخيّر الرجل امرأته و يجعل أمرها إليها في أن تختار نفسها أو تختاره بشهادة

____________

(1) حكاه عنه العلّامة في المختلف: 585.

(2) كذا في النسخ الخطّية و الحجريّتين، و لعلّ الصحيح: من.

85

..........

____________

شاهدين في قبل عدّتها، فإن اختارت نفسها في المجلس فهي تطليقة واحدة» (1).

و مقتضى إطلاقه أنه لا فرق بين طول المجلس و قصره، و لا بين تخلّل كلام أجنبي بين التخيير و الاختيار و عدمه.

و يشكل بأنه إن جعل بمنزلة عقد التمليك لم تكن العبرة بالمجلس بل بالمقارنة (2). و إن جعل بمنزلة التوكيل لم يكن المجلس أيضا معتبرا، بل يجوز مع التراخي. و لكن مقتضى الرواية أنه حكم برأسه، و للمجلس فيه أثرا. و يمكن أن يجعل المجلس كناية عن اتّصال قبولها بتخييره، فيعتبر الاتّصال العرفي، و المجلس كناية عنه.

و بهذا صرّح ابن الجنيد فقال: «و إذا أراد الرجل أن يخيّر امرأته اعتزلها شهرا، و كان على طهر من غير جماع في مثل الحال التي لو أراد أن يطلّقها فيه طلّقها، ثمَّ خيّرها فقال لها: قد خيّرتك و قد جعلت أمرك إليك. و يجب أن يكون ذلك بشهادة. فإن اختارت نفسها من غير أن تتشاغل بحديث من قول أو فعل كان يمكنها أن لا تفعله صحّ اختيارها. و إن اختارت بعد فعلها ذلك لم يكن اختيارها ماضيا» (3). و هذا مبنيّ على أنه بمنزلة التمليك، فيعتبر فيه اتّصال الإيجاب بالقبول.

و يمكن الجمع بجعل المجلس غير قادح في الاتّصال المعتبر، كما لا يقدح الفصل القليل و التنفّس و السعال. و قد تقدّم (4) في النكاح أن الفصل بما يكون من

____________

(1) حكاه عنهما العلّامة في المختلف: 584.

(2) كذا في «ح، ط» و في «ش، و، م» و الحجريّتين: بالمفارقة.

(3) حكاه عنهما العلّامة في المختلف: 584.

(4) في ج 7: 91.

86

..........

____________

متعلّقات العقد لا يقدح، و أنه في التذكرة اكتفى بوقوع القبول في المجلس، فيكون ما هنا كذلك.

الثالث: موضع الخلاف ما لو جعل التخيير على الوجه المدلول عليه بلفظه، بأن يريد منها أن تتخيّر بلفظه أو ما أدّى معناه، أما لو كان مراده من التخيير توكيلها في الطلاق إن شاءت، كان ذلك جائزا بغير خلاف عند من جوّز وكالة المرأة فيه، و لم يشترط المقارنة بين الإيجاب و القبول كغيره من الوكالات، و كان فرضها حينئذ إيقاعه بلفظ الطلاق المعهود و ما أدّاه. و العامّة (1) لم يفرّقوا بين قوله: «اختاري نفسك» و بين قوله: «طلّقي نفسك» في أنّه تمليك للطلاق أو توكيل فيه، و أنه يتأدّى باختيارها الفراق بلفظ الطلاق و بلفظ الاختيار و ما أدّى معناهما، بناء على أن جميع ذلك كناية عن الطلاق أو طلاق صريح، و أنه يقع بالأمرين.

الرابع: يشترط في هذا التخيير ما يشترط في الطلاق من استبراء المرأة و سماع شاهدين نطقهما و غير ذلك. و هل يكفي سماعهما نطقها خاصّة، أو يعتبر سماعهما نطقهما معا؟ ظاهر الرواية (2) و الفتوى الأول (3)، و أن الفراق يقع بمجموع الأمرين، فيعتبر سماعهما من الشاهدين. و ينزّل حينئذ منزلة الخلع حيث يقع البذل [و الكراهية] (4) من جانبها و الطلاق من جانبه، و إن اختلفا في كون الطلاق

____________

(1) أنظر الحاوي الكبير 10: 172- 173، الوجيز 2: 55- 56، روضة الطالبين. 6: 45 و 47.

(2) لاحظ الوسائل 15: 335 ب «41» من أبواب مقدّمات الطلاق ح 14 و 15.

(3) كذا في النسخ و الحجريّتين، و لعلّه سهو من قلمه الشريف (قدس سرّه)، و الصحيح: الثاني، راجع الحدائق 25: 229.

(4) من الحجريّتين فقط.

87

..........

____________

هنا من جانبها. و يحتمل الاكتفاء بسماع اختيارها، لأن الفراق إنما حصل به، و لهذا لو ردّته أو اختارته لم يقع، فيكون ذلك بمنزلة تفويض الطلاق إليها، فلا يشترط إلّا سماع ما دلّ على الطلاق، لا سماع ما هو بمنزلة الوكالة فيه.

الخامس: يجوز له الرجوع في التخيير ما لم تتخيّر مطلقا. و هو الظاهر من رواية (1) زرارة: «إنما الخيار لهما ما داما في مجلسهما». و لأنه إن كان تمليكا فالرجوع فيه قبل القبول جائز، و إن كان توكيلا فكذلك بطريق أولى.

و مقتضى قوله: «إن الخيار لهما ما داما في المجلس» جواز فسخه لكلّ منهما في المجلس و إن وقع التخيير من كلّ منهما. و هو يشكل من جانبها مطلقا، إذ لا خيار لها في الطلاق مطلقا، و من جانبه لو كان بائنا، إلّا أن الأمر فيه أسهل، لإمكان تخصيصه بالرجعي. و هذا يؤيّد كون المجلس كناية عن زمان الإيجاب و القبول، أعني تخييره لها و اختيارها، فإذا انقضى ذلك فقد انقضى المجلس الذي هو عبارة عنهما، فليس لها الاختيار حينئذ. و هو واضح.

السادس: قال ابن الجنيد: «لو جعل الاختيار إلى وقت بعينه فاختارت قبله جاز اختيارها، و إن اختارت بعده لم يجز» (2).

و هذا القول يشكل على إطلاقه باشتراطه اتّصال اختيارها بقوله، فلا يناسبه توقيته بمدّة تزيد على ذلك، إلّا أن يتكلّف توقيته بمدّة يسيرة لا تنافيه، بحيث يمكن فيه فرض وقوع اختيارها أو بعضه خارج الوقت المحدود مع مراعاة الاتّصال. و لا يخلو من تكلّف. نعم، من جعله توكيلا جوّز توقيته بمدّة

____________

(1) مرّ ذكر مصادرها في ص: 81، هامش (3).

(2) حكاه عنه العلّامة في المختلف: 584.

88

و لو قيل: (1) هل طلّقت فلانة؟ فقال: نعم، وقع الطلاق.

____________

مخصوصة، و منع من اختيارها بعدها، كما لو وكّلها في الطلاق في وقت معيّن. و جوّز حينئذ تراخي جوابها إلى آخر المدّة، بخلاف ما إذا جعل تمليكا.

قوله: «و لو قيل. إلخ».

(1) المراد أنه يقع إنشاء كما نبّه عليه سابقا (1). و بهذا صرّح الشيخ في النهاية (2) و أتباعه (3). و المستند رواية السكوني عن الصادق (عليه السلام)، عن أبيه، عن عليّ (عليه السلام): «في الرجل يقال له: طلّقت امرأتك؟ فيقول: نعم، فقال: قد طلّقها حينئذٍ» (4). و لأن قوله: «نعم» صريح في إعادة السؤال على سبيل الإنشاء، و الصريح في الصريح صريح. و لأن «نعم» في الجواب تابع للفظ السؤال، فإذا كان صريحا كان الجواب صريحا فيما السؤال صريح فيه. و لهذا إذا قيل لزيد: في ذمّتك مائة، فقال: نعم، كان إقرارا و حكم عليه بها.

و يشكل بضعف السّند، و بأنه لا يلزم من تضمّن «نعم» مقتضى السؤال أن يكون بمنزلة لفظه. و لأن الأصل ممنوع على ما مرّ (5)، فإنه لو قال: طلّقت فلانة، لا يقع عند الجماعة (6)، فكذا ما دلّ عليه. و لأن صحّته كذلك تقتضي صحّة سائر العقود به، و هم لا يقولون به. و إنما خصّوا الطلاق بالرواية لا بما تكلّف من الجواب، و من ثمَّ لم يجيزوا البيع و النكاح و غيرهما بذلك. و الرواية ضعيفة،

____________

(1) في ص: 65- 66.

(2) النهاية: 511.

(3) راجع المهذّب 2: 278، الوسيلة: 323- 324.

(4) مرّ ذكر مصادرها في ص: 66، هامش (4).

(5) في ص: 65- 66.

(6) انظر قواعد الأحكام 2: 63، إيضاح الفوائد 3: 306، التنقيح الرائع 3: 303.

89

..........

____________

فالقول بالمنع في الجميع أوضح، و إن جوّزنا وقوعه بقوله: «طلّقت فلانة» للفرق بين الملفوظ و المقدّر في صيغ العقود و الإيقاعات.

و احتجّ العلّامة (1) و غيره (2) للمنع برواية البزنطي في جامعه عن محمد بن سماعة، عن محمد بن مسلم، عن الباقر (عليه السلام) في رجل قال لامرأته: أنت عليّ حرام، أو بائنة، أو بتّة، أو خليّة، أو بريّة، فقال:

«هذا ليس بشيء، إنما الطلاق أن يقول لها في قبل عدّتها قبل أن يجامعها:

أنت طالق، و يشهد على ذلك رجلين عدلين» (3). و هذه الرواية أوضح دلالة على تخصيص «أنت طالق» من بين الصيغ المتنازع في وقوعه بها. و هي سالمة من إضافة ما تقدّم (4) في رواية محمد بن مسلم أيضا: «أو يقول لها:

اعتدّي».

و لو صحّت لكانت أجود في الدلالة على نفي تلك الأقوال، مع أن راوي الخبر- و هو محمد بن مسلم- روى الزيادة و هي قوله: «أو اعتدّي».

و اعلم أنّا حيث لا نحكم بوقوع الطلاق به إنشاء لا نوقعه إقرارا إذا علمنا أنه لم يقع منه غيره، أما مع الشك فيحكم بكونه إقرارا، إلّا أن ذلك خارج عن موضع النزاع، و أطلق ابن إدريس (5) كونه إقرارا بطلاق شرعي. و قيّده العلّامة (6)

____________

(1) المختلف: 585.

(2) إيضاح الفوائد 3: 307، المهذّب البارع 3: 451، 452، التنقيح الرائع 3: 303، 304.

(3) لاحظ الوسائل 15: 295 ب «16» من أبواب مقدّمات الطلاق ذيل ح 3، و فيه: أنت طالق أو اعتدّي، و راجع أيضا الكافي 6: 135 ح 1، التهذيب 8: 40 ح 122، الاستبصار 3: 277 ح 1، و فيه أيضا: أو اعتدّي.

(4) في ص: 75.

(5) السرائر 2: 676.

(6) المختلف: 585.

90

و لو قيل: (1) هل فارقت، أو خلّيت، أو أبنت؟ فقال: نعم، لم يكن شيئا.

و يشترط في الصيغة (2) تجريدها عن الشرط و الصفة في قول مشهور، لم أقف فيه على مخالف منّا.

____________

بقصد الإقرار، فيقبل منه و يديّن بنيّته. و لا إشكال مع القصد، إنما الكلام مع الجهل بحاله. و الوجه ما قلناه من الحكم بكونه إقرارا إلّا مع العلم بانتفاء سابق.

و يرجع في ذلك إلى القرائن المفيدة لكونه يريد الإنشاء أو الإقرار. و حيث يحكم عليه بالإقرار- بأن لم يصحّحه إنشاء، و لم يدلّ دليل على نفي الإقرار- لو ادّعى إرادة الإنشاء بذلك فالأجود قبول قوله.

قوله: «و لو قيل. إلخ».

(1) و ذلك لأن «نعم» غايتها أن تفيد جعل ما ذكر في لفظ السؤال إنشاء، و ذلك غير كاف في إنشاء الطلاق لو صرّح به، لأنه كناية عن الطلاق و لم نقل بوقوعه به فكيف مع الإتيان بلفظ يدلّ عليه خاصّة؟ و يأتي عند القائل بوقوعه بالكناية مطلقا مع النيّة صحّته هنا مع نيّته لو أقمنا «نعم» مقام «طلّقت».

قوله: «و يشترط في الصيغة. إلخ».

(2) نبّه بقوله: «على قول مشهور» على ضعف مستنده، فإنه ليس عليه نصّ، و إنما أوردوا عليه أدلّة ظاهريّة، كقولهم: إن النكاح أمر ثابت متحقّق فلا يزول إلّا بسبب متحقّق، و وقوعه مع الشرط مشكوك فيه. و قولهم: إنه مع عدم الشرط إجماعي، و لا دليل على صحّته بالشرط. و نحو ذلك. فإن هذا كلّه يندفع بعموم الأدلّة الدالّة على ثبوت حكم الطلاق حيث يقع، أعمّ من كونه منجّزا و معلّقا على شرط.

91

..........

____________

و قول المصنّف «لم أقف فيه على مخالف» يخرج به عن دعوى الإجماع عليه، فإن عدم الوقوف على المخالف لا يكفي في تحقّق الإجماع الذي يصير حجّة من حيث دخول المعصوم في جملة أقوالهم، لجواز أن يكون هناك قائل بوقوعه كذلك و لم يقف المصنّف على قوله. و من الأصحاب من اعتدّ بمثل ذلك في ثبوت الإجماع و حجّيته، بل صرّح ابن إدريس (1) هنا بثبوت الإجماع.

و ما ذكره المصنّف أسدّ و أسلم من التحكّمات في الدعاوي. و سيأتي (2) أن الظهار يصحّ تعليقه على الشرط، و به نصوص (3) تفيده، و ذلك يؤنس بقبول مثل هذه الأحكام التعليق في الجملة. و اختلفوا في وقوع الإيلاء معلّقا، و من جوّزه- كالشيخ (4) و العلّامة في المختلف (5)- احتجّ عليه بعموم (6) القرآن الدالّ على وقوعه من غير تقييد، السالم عن المعارض. و هذا الدليل وارد هنا. و عموم «المؤمنون عند شروطهم» (7) يشمل الجميع.

و في تعليقه حكمة لا تحصل بالمنجّز، فإن المرأة قد تخالف الرجل في بعض مقاصده فتفعل ما يكرهه و تمتنع عمّا يرغب فيه، و يكره الرجل طلاقها من حيث إنه أبغض المباحات إلى اللّٰه تعالى، و من حيث إنه يرجو موافقتها فيحتاج إلى تعليق الطلاق بفعل ما يكرهه أو ترك ما يريده، فإما أن تمتنع و تفعل فيحصل

____________

(1) السرائر 2: 695- 696.

(2) في ص: 476.

(3) راجع الوسائل 15: 529 ب «16» من أبواب كتاب الظهار.

(4) المبسوط 5: 117.

(5) المختلف: 605.

(6) البقرة: 226.

(7) الوسائل 15: 30 ب «20» من أبواب المهور ح 4.

92

و لو فسّر الطلقة (1) باثنتين أو ثلاث، قيل: يبطل الطلاق. و قيل: تقع واحدة بقوله: طالق، و يلغو التفسير. و هو أشهر الروايتين.

____________

غرضه، أو تخالف فتكون هي المختارة للطلاق. و قد تقدّم (1) في خبر من علّق طلاق امرأة على تزويجها و سؤاله النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) فأجابه بأنه «لا طلاق قبل النكاح» و لم يجبه بأن الطلاق المعلّق على شرط باطل.

و المراد بالشرط المعلّق عليه هو ما يحتمل وقوعه و عدمه، كدخول الدار، و بالصفة ما لا بدّ من وقوعه عادة، كطلوع الشمس.

قوله: «و لو فسّر الطلقة. إلخ».

(1) اتّفق الأصحاب على أن الطلاق بالعدد بلفظ واحد- كالثلاث- لا يقع مجموعه، و أنه يشترط لوقوع العدد تخلّل الرجعة. و لكن اختلفوا في أنه هل يقع باطلا من رأس، أو يقع منه واحدة و يلغو الزائد؟ فذهب الأكثر- و منهم الشيخ (2)، و تلميذه القاضي (3)، و المرتضى (4) في أحد قوليه، و ابن إدريس (5)، و المصنّف، و باقي المتأخّرين (6)- إلى الثاني، لوجود المقتضي، و عدم صلاحيّة التفسير للمانعيّة، مع انحصارها فيه، لتأكّد الطلاق به. و الواحدة موجودة في الثلاث، ضرورة تركّبها عنها و عن وحدتين. و المنافاة بين الكلّ و الجزء منتف. و لأن الواحدة تحصل بقوله: فلانة طالق، و قوله «ثلاثا» هو الملغى، لفقد شرط صحّة

____________

(1) في ص: 34: هامش (3).

(2) النهاية: 512، المبسوط 5: 6، الخلاف 4: 450 مسألة (3).

(3) المهذّب 2: 279.

(4) الانتصار: 138- 139، رسائل الشريف المرتضى 1: 244.

(5) السرائر 2: 678.

(6) راجع المختلف: 586- 587، إيضاح الفوائد 3: 312، المقتصر: 270.

93

..........

____________

الزائد عن الواحدة و هو الرجعة. و به مع ذلك روايات كثيرة، منها صحيحة جميل بن درّاج عن أحدهما (عليهما السلام): «أنه سئل عن الذي طلّق في حال طهر في مجلس ثلاثا، قال: هي واحدة» (1). و صحيحة الحلبي و عمر بن حنظلة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «الطلاق ثلاثا في غير عدّة إن كانت على طهر فواحدة، و إن لم تكن على طهر فليس بشيء» (2). و في معناهما كثير.

و ذهب المرتضى (3) في القول الآخر و ابن أبي عقيل (4) و ابن حمزة (5) إلى الأول، لصحيحة أبي بصير عن الصادق (عليه السلام) قال: «من طلّق ثلاثا في مجلس فليس بشيء، من خالف كتاب اللّٰه ردّ إلى كتاب اللّٰه» (6).

و أجيب بالقول بموجبها، فإنّا نقول إن الثلاث ليس بشيء، و هو لا ينافي وقوع الواحدة، فإنها أمر آخر غير الثلاث.

و حملها الشيخ (7) على الوقوع في الحيض، بقرينة ذكر طلاق ابن عمر، و كان قد طلّق امرأته في الحيض. و تؤيّده صحيحة الحلبي عن الصادق عليه

____________

(1) الكافي 6: 71 ح 2، التهذيب 8: 52 ح 168، الاستبصار 3: 285 ح 1007، الوسائل 15: 312 ب (29) من أبواب مقدمات الطلاق ح 3، و فيما عدا الاستبصار: عن جميل عن زرارة عن أحدهما (عليهما السلام).

(2) الكافي 6: 71 ح 3، التهذيب 8: 52 ح 169، الاستبصار 3: 285 ح 1008، الوسائل الباب المتقدّم ح 1.

(3) رسائل الشريف المرتضى 1: 240 مسألة (53). و كلامه في الانتصار: 134 أيضا يشعر بعدم الوقوع، و لكنّه في نفس المسألة في ص: 137 صرّح بوقوع واحدة منها.

(4) حكاه عنه العلّامة في المختلف: 586.

(5) الوسيلة: 322.

(6) التهذيب 8: 54 ح 177، الاستبصار 3: 287 ح 1016، الوسائل الباب المتقدّم ح 8.

(7) التهذيب 8: 54 ذيل ح 177، الاستبصار 3: 287 ذيل ح 1016.

94

..........

____________

السلام قال: «من طلّق امرأته ثلاثا في مجلس و هي حائض فليس بشيء، و قد ردّ رسول اللّٰه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) طلاق ابن عمر إذ طلّق امرأته ثلاثا و هي حائض» (1) و المطلق يحمل على المقيّد.

و احتجّوا أيضا بأن المقصود غير واقع، و الصالح للوقوع غير مقصود، لأنه غير مريد للواحدة المقيّدة بقيد الوحدة. و أجيب عنه بأن قصد الثلاث يستلزم قصد كلّ واحدة.

و أورد شيخنا الشهيد- رحمه اللّٰه- على الاستدلال بالروايات الأول: «أن السؤال عمّن طلّق ثلاثا في مجلس، و هو أعمّ من أن يكون تلفّظ بالثلاث أو تلفّظ لكلّ واحدة مرّة، و الثاني لا نزاع فيه، فلم قلتم إنه غير مراد؟ و بتقدير عدم تعيّنه للإرادة يكون أعمّ من كلّ واحد، و العام لا يستلزم الخاص» (2).

و جوابه: أن لنا الاستدلال بعمومه الشامل للقسمين، فإن «من» من صيغ العموم فيتناول من طلّق ثلاثا مرسلة و بثلاثة ألفاظ، و قد حكم على هذا العام بوقوع واحدة فيتناول بعمومه موضع النزاع كما هو شأن كلّ عام. و عدم استلزام العام للخاص أمر أخر غير دلالة الحكم على العام الحكم على كلّ واحد من أفراده.

و اعلم أنه قد وردت أخبار (3) كثيرة بوقوع الثلاث بكلمة واحدة كما يذهب إليه العامّة، و في طريقها ضعف، فلذلك أعرض عنها الأصحاب. و روى ابن أبي

____________

(1) التهذيب 8: 55 ح 179، الاستبصار 3: 288 ح 1018، الوسائل الباب المتقدّم ح 9.

(2) غاية المراد: 218.

(3) لاحظ التهذيب 8: 53 ح 174 و 175، الاستبصار 3: 286 ح 1013 و 1014، الوسائل 15:

314 ب (29) من أبواب مقدمات الطلاق ح 14 و 15.

95

و لو كان المطلّق (1) مخالفا يعتقد الثلاث لزمته.

____________

عمير عن أبي أيّوب الخزّاز قال: «كنت عند أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) فجاء رجل فسأله فقال: رجل طلّق امرأته ثلاثا، فقال: بانت منه. قال: فذهب ثمَّ جاء رجل آخر من أصحابنا فقال: رجل طلّق امرأته ثلاثا، فقال: تطليقة. و جاء آخر فقال: رجل طلّق امرأته ثلاثا، فقال: ليس بشيء. ثمَّ نظر إليّ فقال: هو ما ترى.

قال: قلت: كيف هذا؟ قال: فقال: هذا يرى أن من طلّق امرأته ثلاثا حرمت عليه، و أنا أرى أن من طلّق امرأته على السنّة ثلاثا فقد بانت منه، و رجل طلّق امرأته ثلاثا و هي على طهر فإنما هي واحدة، و رجل طلّق امرأته على غير طهر فليس بشيء» (1). و في هذا الخبر إشارة إلى الجميع بين الأخبار السابقة [1].

قوله: «و لو كان المطلّق. إلخ».

(1) هكذا وردت النصوص (3) عن أئمة الهدى (عليهم السلام)، و قد تقدّم (4) بعضها. و روى إبراهيم بن محمد الهمداني في الصحيح قال: «كتبت إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام) مع بعض أصحابنا فأتاني الجواب بخطّه (عليه السلام): فهمت ما ذكرت من أمر ابنتك فزوّجها، فأصلح لك ما تحبّ صلاحه. فأما ما ذكرت من حنثه بطلاقها غير مرّة فانظر يرحمك اللّٰه فإن كان ممّن يتولّانا و يقول بقولنا فلا

____________

[1] في هامش «و»: «فرع: لو قال: أنت طالق بعدد كلّ شعر على جسد إبليس، هل يحكم عليه بوقوع طلقة من حيث إنه مريد لفعل الطلاق و يلغى العدد كالثلاث؟ يحتمل ذلك. و قال بعض الفضلاء: لا يقع شيء، لأنّا لا ندري على جسده شعر أم لا؟ و الأصل عدمه، و هو لم يقصد الأصل إلّا مقيّدا بمشكوك فيه. منه رحمه اللّٰه».

____________

(1) التهذيب 8: 54 ح 176، الاستبصار 3: 287 ح 1015، الوسائل 15: 315 ب (29) من أبواب مقدمات الطلاق ح 16.

(3) لاحظ الوسائل 15: 320 ب «30» من أبواب مقدّمات الطلاق.

(4) لاحظ الهامش (1) هنا.

96

و لو قال: أنت طالق للسنّة، (1) صحّ، إذا كانت طاهرا. و كذا لو قال:

للبدعة. و لو قيل: لا يقع، كان حسنا، لأن البدعي لا يقع عندنا، و الآخر غير مراد.

____________

طلاق عليه، لأنه لم يأت أمرا جهله، و إن كان ممّن لا يتولّانا و لا يقول بقولنا فاختلعها منه، فإنه إنما نوى الفراق بعينه» (1). و روى علي بن أبي حمزة أنه سأل أبا الحسن (عليه السلام) عن المطلّقة على غير السنّة أ يتزوّجها الرجل؟ فقال: «ألزموهم من ذلك ما ألزموه أنفسهم، و تزوّجوهم فلا بأس بذلك» (2) و روى عبد الأعلى عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يطلّق امرأته ثلاثا، قال: إن كان مستخفّا بالطلاق ألزمته ذلك» (3). و غير ذلك من الأخبار (4).

و لا فرق في الحكم على المخالف بوقوع ما يعتقده من الطلاق بين الثلاث و غيرها ممّا لا يجتمع شرائطه عندنا و يقع عندهم، كتعليقه على الشرط، و وقوعه بغير إشهاد، و مع الحيض، و باليمين، و بالكناية مع النيّة، و غير ذلك من الأحكام التي يلتزمها. و ظاهر الأصحاب الاتّفاق على الحكم.

قوله: «و لو قال: أنت طالق للسنّة. إلخ».

(1) لمّا كان الطلاق البدعي لا يقع عندنا كان تفسير الطلاق به في قوّة التفسير بالطلاق الفاسد، فكأنه قال: أنت طالق طلاقا باطلا، فقال الشيخ في الخلاف: «

____________

(1) التهذيب 8: 57 ح 186، الاستبصار 3: 291 ح 1027، الوسائل 15: 320 ب (30) من أبواب مقدّمات الطلاق ح 1.

(2) التهذيب 8: 58 ح 190، الاستبصار 3: 292 ح 1031، الوسائل الباب المتقدّم ح 5.

(3) التهذيب 8: 59 ح 191، الاستبصار 3: 292 ح 1033، الوسائل الباب المتقدّم ح 7.

(4) لاحظ الوسائل 15: 320 ب «30» من أبواب مقدّمات الطلاق.

97

..........

____________

يصحّ الطلاق بقوله: أنت طالق، و تلغو الضميمة» (1). و الوجه ما اختاره المصنّف من البطلان، لأن هذا اللفظ مصرّح بأنه لا يريد بطلاقه إلّا الباطل، فلا يكون الطلاق المجرّد عن الضميمة مرادا، و لا المراد واقعا، فيبطل. و مثله القول في كلّ ضميمة منافية للصحّة متّصلة باللفظ كقوله: طلاقا محرّما و فاسدا، و نحو ذلك.

و هو اختيار الشيخ في موضع آخر من الخلاف (2).

و الفرق بين قوله: للبدعة، و قوله: ثلاثا، مع اشتراكهما في البدعيّة: أن البدعيّة في الثلاث لاحقة للجملة لا لكلّ واحد من أفرادها، و من ثمَّ حكمنا بعدم وقوع الثلاث البدعيّة و أجزنا الواحدة، لأنها ليست بدعة، بخلاف: أنت طالق للبدعة، فإن الحكم هنا على طلقة واحد موصوفة بالمبطل، فلم يبق للصحّة محلّ. و العامّة (3) لمّا حكموا بصحّة الطلاق البدعي مع الإثم لم تكن هذه الضميمة عندهم منافية للصحّة، فيقع صحيحا مقيّدا بها، فإن كانت المرأة على حالة يكون طلاقها بدعة- كما لو كانت حائضا- وقع الطلاق في الحال، و إلّا توقّف على اتّصافها بها، و لا يضرّ التعليق عندهم.

و ينبغي تقييد البطلان عندنا بكون المطلّق عالما بالحكم، فلو لم يكن عالما ببطلان الطلاق البدعي لم يبطل مطلقا، بل ينظر إن أراد به المنجّز وقع في الحال، و إن أراد المعلّق على وصف البدعة بطل مطلقا، لأن المعلّق لا يشترط في الحكم ببطلانه العلم به، بخلاف وصف البدعة.

____________

(1) الخلاف 4: 455 مسألة (8).

(2) الخلاف 4: 458 مسألة (15).

(3) الحاوي الكبير للماوردي 10: 115، المغني لابن قدامة 8: 238.

98

[تفريع]

تفريع إذا قال: (1) أنت طالق في هذه الساعة إن كان الطلاق يقع بك، قال الشيخ رحمه اللّٰه: لا يصحّ، لتعليقه على الشرط. و هو حقّ إن كان المطلّق لا يعلم. أما لو كان يعلمها على الوصف الذي يقع معه الطلاق ينبغي القول بالصحّة، لأن ذلك ليس بشرط، بل أشبه بالوصف و إن كان بلفظ الشرط.

____________

قوله: «إذا قال. إلخ».

(1) وجه البطلان الذي حكم به الشيخ النظر إلى صورة الشرط، فإن الأصحاب لمّا حكموا ببطلان الطلاق المعلّق على الشرط شمل ذلك كلّ ما كان مشتملا عليه، و لا شبهة في أن قوله: «إن كان الطلاق يقع بك» شرط لغة و عرفا، فيدخل في العموم.

و ردّه المصنّف- رحمه اللّٰه- بأن التعليق على الشرط باطل (1) لا من حيث اشتماله على الشرط مطلقا بل من حيث عدم تنجيزه و إيقاعه في الحال، و التنجيز لا ينافيه مطلق الشرط، بل الشرط الذي لا يعلم وقوعه حال الطلاق، فإذا علم أنها حال الطلاق جامعة لشرائط صحّته- من الخلوّ من الحيض، و كونها في طهر لم يقربها فيه- فقد علم بصلاحيّتها لوقوع الطلاق بها، فإذا علّقه على وقوعه بها فقد علّقه على أمر يعلم حصوله حال الطلاق، فلم يناف ذلك تنجيزه، بخلاف ما لو جهل حالها، و كذا القول في كلّ شرط يعلم وقوعه حالته، كقوله: إن كان اليوم الجمعة فأنت طالق، و هو عالم بأنه [يوم] (2) الجمعة، فإن الطلاق يقع، لأن الشرط حينئذ في قوّة الوصف، فكأنّه قال: أنت طالق في هذا الوقت الذي يقع

____________

(1) في «ش، و»: ما بطل من.

(2) من الحجريّتين.

99

و لو قال: أنت طالق (1) أعدل طلاق، أو أكمله، أو أحسنه، أو أقبحه، أو أحسنه و أقبحه، صحّ، و لم تضرّ الضمائم. و كذا لو قال: ملء مكّة، أو ملء الدنيا.

____________

فيه الطلاق بك، و قوله: «إن كان اليوم الجمعة» في قوّة: أنت طالق في هذا اليوم الذي يقع الطلاق فيه، و ذلك غير مناف له.

قوله: «و لو قال: أنت طالق. إلخ».

(1) وجه عدم قدح الضمائم أنها غير منافية، لأن وصف الطلاق الصحيح بالعدل و الكمال و الحسن و القبح أمر اعتباري، فقد يعتبر المطلّق كون الفراق مصلحة تامّة- لسوء خلقها و عشرتها و نحوه- فيصفه بصفات الكمال من العدل و الحسن و غيرهما بالنسبة إلى حاله، و قد يصفه بصفات القبح بالنسبة إليها، و قد يصفه بجمعه للشرائط المعتبرة فيه على وجه كامل بالأكمليّة، أو بعدم أخذ شيء منها أو عدم منافرتها أو منافرة أهلها أو بواسطة تماميّة شرائطه فيصفه بالأحسنيّة، و يمكن لذلك أن يصفه بالأقبحيّة من حيث إنه لم يبق فيه شبهة، أو بهما معا لذلك، أو لغير ذلك من الاعتبارات التي لا تنافي صحّته، فيتمّ الطلاق بقوله: أنت طالق، و لا تضرّ الضمائم.

و العامّة (1) نزّلوا أوصاف الحسن على طلاق السنّة، و أوصاف القبح على طلاق البدعة، و جعلوه كما لو قال: أنت طالق للسنّة أو للبدعة، فيقع فيهما، و لكن بشرط كونها صالحة لذلك الطلاق وقت إيقاعه، و إلّا كان معلّقا على حصول الوصف. و لو فسّره بخلاف ذلك قبل.

____________

(1) الحاوي الكبير للماوردي 10: 140- 141، المغني لابن قدامة 8: 253- 254، روضة الطالبين للنووي 6: 14- 15.

100

و لو قال: لرضا فلان، (1) فإن عنى الشرط بطل، و إن عنى الغرض لم يبطل. و كذا لو قال: إن دخلت الدار- بكسر الهمزة- لم يصحّ. و لو فتحها صحّ إن عرف الفرق فقصده.

____________

و أما قوله: ملء مكّة، أو [ملء] (1) الدنيا، أو البيت، أو الصحراء، فإن ذلك كلّه يقع على وجه المبالغة و التجوّز في تفخيم شأنه، و إن كان الطلاق ليس بجسم يشغل المكان و يملؤه، فلا يكون منافيا.

و قد تنقدح في هذا الأخير المنافاة، لأنّه وصف الطلاق بوصف لا يمكن حصوله للطلاق، لأنه لا يقبله، فيكون وصفا منافيا لصحّته كقوله: طلاقا آثما، أو بدعيّا.

و يضعّف بالفرق بين الوصف المبطل و الوصف المجامع له عرفا على وجه المبالغة، غايته أنه مجاز، و ذلك غير قادح في أصله.

قوله: «و لو قال: لرضا فلان. إلخ».

(1) إذا قال: أنت طالق لرضا فلان، فظاهره التعليل برضاه أي: أن علّة طلاقه لها كونه رضا لفلان، و مع ذلك يحتمل أن يكون شرطا أي: إن رضي. فإن قصد الأول وقع الطلاق، لأنه منجّز غايته أن الباعث عليه رضا فلان، فلا تقدح الضميمة، إذ لا بدّ من باعث عليه من رضا فلان و غيره، و ضميمة البواعث غير منافية له. و إن قصد التعليق لم يقع بناء على بطلان المعلّق على الشرط. و لا إشكال فيهما مع القصد. أما إذا لم يعلم ما قصد ففي حمله على أيّهما وجهان، من ظهوره في الغرض فيحمل عليه، و من الشك في وقوعه بشرطه، لاحتمال الصيغة

____________

(1) من إحدى الحجريّتين.

101

و لو قال: أنا منك طالق، (1) لم يصحّ، لأنه ليس محلّا للطلاق.

____________

الأمرين، فلا يقع. و الأول أظهر.

و لو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق- بكسر الهمزة من «إن»- لم يصحّ، لأنه صريح في التعليق على شرط. و إن فتحها صحّ، لأنه يكون تعليلا بتقدير اللام، و «أن» مصدريّة هي و ما بعدها في معنى مصدر هو الدخول، و المعنى:

لدخولك الدار، كما في قوله تعالى أَنْ كٰانَ ذٰا مٰالٍ وَ بَنِينَ (1). و لا فرق بين كونه (2) في ذلك صادقا و كاذبا. هذا إذا عرف الفرق بين الأمرين و قصده، و لو لم يعرفه ففي حمله على أيّهما وجهان، و الأظهر هنا التعليق، لأن الظاهر قصده له و أنه لا يفرّق بين «إن» و «أن». و لو كان عارفا و اشتبه قصده فالأمران متكافئان.

قوله: «و لو قال: أنا منك طالق. إلخ».

(1) الظاهر من دليل الكتاب و السنّة أن المرأة محلّ النكاح و الطلاق، قال تعالى وَ إِذٰا طَلَّقْتُمُ النِّسٰاءَ (3) وَ إِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ (4) وَ الْمُطَلَّقٰاتُ يَتَرَبَّصْنَ (5) فيعتبر في صحّة الطلاق تعليقه بمحلّه، فلو قال: أنا منك طالق، لم يقع، لأنه خصّص الطلاق بغير محلّه فيمتنع الصرف إليه.

و للعامّة (6) في ذلك خلاف، فمنهم من وافقنا على ذلك، و منهم من جعله

____________

(1) القلم: 14.

(2) في «ح»: و لا فرق في ذلك بين كونه صادقا.

(3) البقرة: 231، 237، 228.

(4) البقرة: 231، 237، 228.

(5) البقرة: 231، 237، 228.

(6) الحاوي الكبير للماوردي 10: 157- 158، المغني لابن قدامة 8: 279، روضة الطالبين للنووي 6: 63- 64.

102

و لو قال: أنت طالق (1) نصف طلقة، أو ربع طلقة، أو سدس طلقة، لم يقع، لأنه لم يقصد الطلقة.

____________

كناية فيقع به مع نيّته. و وجّهوه بأن النكاح يقوم بالزوجين جميعا، و من به قوام النكاح يجوز إضافة الطلاق إليه من مالكه كالزوجة، و بأن الزوج محلّ النكاح كالزوجة، و أنه معقود عليه في حقّها.

و يضعّف بأنه لو كان كذلك لم تفتقر إضافة الطلاق إليه إلى النيّة كإضافة الطلاق إليها، و بأنها لا تستحقّ من بدن زوجها و منافعه شيئا، و إنما المستحقّ الزوج.

قوله: «و لو قال: أنت طالق. (1) إلخ».

(1) وجه عدم الوقوع ما أشار إليه المصنّف من أن الطلاق لا يقع إلّا إذا كان تامّا، فإذا قصد بعضه- سواء كان معيّنا كنصف طلقة، أو مبهما كجزء و سهم منها- لم يقع، لأنه لم يقصد الطلقة التي هي أقلّ ما يقع و تحصل بها البينونة.

و خالف في ذلك العامّة (2)، فحكموا بوقوعه بجميع الأجزاء، و يكون المراد واحدة، أما بإلغاء الضميمة، أو بطريق السراية إلى الباقي.

و يضعّف الأول بأن الضميمة إنما تلغى إذا لم تكن منافية. و إرادة البعض تنافي الحمل على الكلّ. و السراية تحكّم.

____________

(1) سقطت التعليقة تماما من «ش» و إحدى الحجريّتين.

(2) الإشراف على مذاهب العلماء 4: 196، الحاوي الكبير 10: 244، الوجيز للغزالي 2: 60، المغني لابن قدامة 8: 418، روضة الطالبين للنووي 6: 78- 79.

103

و لو قال: أنت طالق، (1) ثمَّ قال: أردت أن أقول: طاهر، قبل منه ظاهرا، و ديّن في الباطن بنيّته.

و لو قال: يدك طالق، أو رجلك، (2) لم يقع. و كذا لو قال: رأسك، أو صدرك، أو وجهك. و كذا لو قال: ثلثك، أو نصفك، أو ثلثاك.

____________

قوله: «و لو قال: أنت طالق. إلخ».

(1) وجه القبول كون الغلط في مثل ذلك محتملا، لتقارب حروف الكلمتين و التفاف اللسان فيه، و المرجع إلى قصده و لا يعلم إلّا من قبله، فيرجع إليه فيه ظاهرا، و يديّن في الباطن بنيّته، بمعنى أنّه لا يحلّ له فيما بينه و بين اللّٰه تعالى إلّا مع صدقه فيما ادّعاه، و إن كنّا في الظاهر نقبل ذلك منه. ثمَّ إن وافقته المرأة أو سكتت فلا يمين عليه. و لو كذّبته توقّف تقديم قوله على اليمين.

قوله: «و لو قال: يدك طالق، أو رجلك. إلخ».

(2) محلّ الطلاق ذات الزوجة، و اللفظ المطابق لها: أنت، أو هذه، أو زوجتي، أو فلانة، و ما شاكل ذلك. و أما الأجزاء فظاهر الأصحاب الاتّفاق على أنه لا يقع بتعليقه بها، سواء كانت معيّنة كيدها و رجلها و رأسها أم مبهمة كنصفها.

و ظاهرهم عدم الفرق بين الجزء الذي يعبّر به عن الجملة كالوجه و غيره. و لم يذكروا حكم ما إذا علّق بجملة البدن كقوله: بدنك، و جسدك، و شخصك، و جثّتك، مع أنهم ذكروا خلافا في وقوع العتق بذلك، بناء على أنه المفهوم عرفا من الذات، و إن كان للتحقيق العقلي حكم آخر، و ينبغي أن يكون هنا كذلك.

و العامّة (1) أطبقوا على وقوعه معلّقا بجميع الأجزاء كما يقع العتق كذلك،

____________

(1) الإشراف على مذاهب العلماء 4: 197، الكافي لابن عبد البرّ 2: 580، الحاوي الكبير 10: 241، المغني لابن قدامة 8: 417.

104

و لو قال: أنت طالق قبل طلقة، (1) أو بعدها، أو قبلها، أو معها، لم يقع شيء، سواء كانت مدخولا بها أو لم تكن. و لو قيل: يقع طلقة واحدة بقوله: طالق مع طلقة، أو بعدها، أو عليها، و لا يقع لو قال: قبلها طلقة، أو بعد طلقة، كان حسنا.

____________

ثمَّ يسري إلى المجموع كما يسري العتق إليه بالنصّ (1)، لجامع اشتراكهما في زوال الملك بالصريح و الكناية. و المصنّف نبّه بالأمثلة على خلافهم.

قوله: «و لو قال: أنت طالق قبل طلقة. إلخ».

(1) وجه البطلان في الجميع أنه لم يقصد الطلاق مطلقا، و إنما (2) قصد طلاقا موصوفا بكونه: قبل، أو بعد، أو مع طلاق آخر، فلا يقع الموصوف، لعدم صحّة المتعدّد بلفظ واحد عندنا، بل لا بدّ من تخلّل الرجعة. و غير الموصوف بذلك- و هو الطلقة الواحدة- غير مقصود، لأن الكلام جملة واحدة.

و الأقوى ما اختاره المصنّف من التفصيل، و هو الصّحة مع قوله: قبل طلقة، أو بعدها، أو معها، أو عليها، و البطلان مع قوله: قبلها، أو بعد طلقة.

أما الأول فلأن القصد إلى الاثنتين يقتضي القصد إلى الواحدة، فإذا بطلت الثانية لفقد شرطها تبقى الاولى، لعدم المقتضي له، إذ ليس إلّا توهّم كونه لم يقصد إلّا الطلاق الموصوف بذلك، و هو ممنوع، بل هو قاصد إلى كلّ واحد منهما، فتقع الواحدة بقوله: أنت طالق، و تلغو الضميمة، كما لو قال: أنت طالق ثلاثا، أو اثنتين.

____________

(1) لاحظ الوسائل 16: 63 ب «64» من أبواب العتق، و سنن البيهقي 10: 273- 274.

(2) في الحجريّتين: بل إنما.