مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام - ج9

- الشهيد الثاني المزيد...
537 /
105

و لو قال: أنت طالق (1) نصفي طلقة، أو: ثلاثة أثلاث طلقة، قال الشيخ [1]- رحمه اللّٰه-: لا يقع. و لو قيل: يقع [واحدة] بقوله: أنت طالق، و تلغو الضمائم، إذ ليست رافعة للقصد، كان حسنا. و لا كذا لو قال: نصف طلقتين.

____________

و أما البطلان في الثاني فلأنه شرط في الطلقة الملفوظة كونها واقعة بعد طلقة أو أن يكون قبلها طلقة، و لم يقع ذلك، فكأنّه قد علّق الطلاق الملفوظ على أمر لم يقع. و لأنه قصد طلاقا باطلا، لأن الطلاق المسبوق بآخر هو طلاق المطلّقة من غير رجعة، و هو باطل، بخلاف شرطه أن يكون بعده أو معه، فإن الطلاق الواحد لا مانع منه، و إنما المانع من المنضمّ إليه.

و نبّه بقوله: «سواء كان مدخولا بها أو لم تكن» على خلاف العامّة (2)، حيث حكموا بوقوع واحدة مطلقا، و وقوع الاثنين إن كان مدخولا بها، لأن غير المدخول بها تبين بالواحدة فلا تقبل الطلقة الأخرى، سواء كانت هي المصرّحة أم المنضمّة، بخلاف المدخول بها، فإنها تقبل المتعدّد مطلقا.

قوله: «و لو قال: أنت طالق. إلخ».

(1) وجه ما اختاره الشيخ من عدم الوقوع مع تجزئته: أن الطلاق أمر واحد لا يقبل التجزئة، فإذا تلفّظ بطلاق يتجزّأ فكأنّه قصد إلى طلاق غير صحيح، فتكون

____________

[1] راجع المبسوط 5: 57، و لكن فيه: نصف تطليقة، و لعلّه تصحيف «نصفي» سيّما بملاحظة قوله: لأنّ الطلقة نصفان. و لم نعثر على غيره في سائر كتبه.

____________

(2) الوجيز للغزالي 2: 60، المغني لابن قدامة 8: 402، روضة الطالبين 6: 75.

106

..........

____________

الضميمة منافية، كما لو قال: نصف طلقة.

و قول المصنّف: «إنه يقع بقوله: طالق، و تلغو الضمائم» إنما يتمّ إذا كانت الضميمة غير منافية، أما المنافية فالمصنّف قد وافق على بطلان الطلاق بها غير مرّة (1)، و كأنّه يدفع المنافاة بذلك، من حيث إن نصفي طلقة و ثلاثة أثلاث طلقة في معنى طلقة واحدة، فلذلك لا يجعلها منافية. لكن لا يخلو من إشكال، لما ذكرناه من عدم قبول الطلاق لذلك.

و هذا بخلاف ما لو قال: نصف طلقتين، فإنه لا يقع و إن قلنا بوقوعه بقوله:

نصفي طلقة، لأن نصفي الواحدة عبارة عن تمامها، بخلاف نصف الاثنتين، فإنه أعمّ من كونها واحدة أو نصف كلّ واحدة منهما، فلا يكون اللفظ دالّا على إرادة طلقة كاملة [صريحا أو مطابقة أو حقيقة] (2).

و لو قيل بوقوعه بذلك أيضا معلّلا بما ذكره المصنّف في الأول- بتمام اللفظ بقوله: أنت طالق، و تلغو الضميمة، إذ ليست رافعة للقصد- أمكن. و وجهه: أنها إنما ترفع القصد إلى الطلاق الكامل مع إرادة نصف كلّ واحد من الاثنين، أما مع صلاحيّته لذلك و للواحد عرفا فلا، و إن كان بحسب التحقيق لا يدلّ عليه.

و الشافعيّة (3) مع قولهم بأنه لو قال: «أنت طالق نصف طلقة» تقع واحدة اختلفوا في أنه إذا قال: «نصف طلقتين» هل تقع واحدة أو اثنتان؟ نظرا إلى ما ذكرناه من أن نصف الاثنتين عرفا واحدة، و من أنه حقيقة، نصف كلّ واحدة، فيكون بمنزلة ما لو قال: نصف طلقة و نصف طلقة، فإنه يقع اثنتان.

____________

(1) لاحظ ص: 96 و 102.

(2) من الحجريّتين فقط.

(3) الوجيز للغزالي 2: 60- 61، الحاوي الكبير للماوردي 10: 244 و 246، روضة الطالبين 6: 79.

107

[فرع]

فرع قال الشيخ (1)- (1) رحمه اللّٰه-: إذا قال لأربع: أوقعت بينكنّ أربع طلقات، وقع بكلّ واحدة طلقة. و فيه إشكال، لأنه اطّراح للصيغة المشترطة.

____________

قوله: «قال الشيخ. إلخ».

(1) وجه ما ذهب إليه الشيخ: أن إيقاع أربع طلقات عليهنّ يقتضي أن يكون قد أوقع على كلّ واحدة طلقة، و قد وقع ذلك بصيغة الماضي الدالّة على الإنشاء كما ذكر في النكاح و غيره، فيقع. و لكن فيه عدول عن الصيغة المشترطة و هي قوله: طالق. و الشيخ و إن لم يلتزم الصيغة إلّا أنه وقف معها في مواضع كما عرفته فيما سلف (2).

و الأصل في هذا أن الشيخ جرى في المبسوط مع الشافعيّة في فروعهم، و من جملتها أنه لو قال لأربع: أوقعت بينكنّ طلقة، قالوا: يقع بكلّ واحدة طلقة، لأن كلّ واحدة يخصّها منها ربع و يسري إلى الباقي، و هم لا يلتزمون في الطلاق لفظا خاصّا. و قالوا لو قال لهنّ: أوقعت بينكنّ أربع طلقات، وقع بكلّ واحدة واحدة أيضا، لأنه يكون قد أوقع بكلّ واحدة طلاقا تامّا.

فوافقهم الشيخ على هذا القسم، نظرا منه إلى أن المعتبر عندنا وقوع طلقة تامّة، و خالفهم في الأول. و بقي الكلام معه من حيث الصيغة الخاصّة، و قد خالفها في تجويزه الطلاق بقوله: أنت مطلّقة (3)، و بقوله: يا مطلّقة (4) بالنداء،

____________

(1) المبسوط 5: 58.

(2) لاحظ ص: 76- 77.

(3) لاحظ ص: 63.

(4) لم نجد التصريح به فيما لدينا من كتب الشيخ. نعم، جوّز الطلاق بقوله: «يا طالق» راجع المبسوط 5:

89- 90.

108

و لو قال: أنت طالق (1) ثلاثا إلّا ثلاثا، صحّت واحدة إن نوى بالأول الطلاق، و بطل الاستثناء.

____________

و بقوله: «نعم» (1) في جواب السؤال عن طلاقها و غير ذلك، فليكن هذا منه، و لعلّه أقوى منه دلالة و ألصق بصيغة الإنشاء. و المصنّف لمّا ردّ ذلك كلّه في غير ما ورد عليه النصّ و اتّبع المتّفق عليه لزمه مثله هنا. نعم، لو وقع ذلك على وجه الإقرار حكم بطلاق الأربع.

قوله: «و لو قال: أنت طالق. إلخ».

(1) لمّا كانت الثلاث المرسلة إنما تقع منها واحدة عند المصنّف كان قوله: «أنت طالق ثلاثا» موجبا لوقوع واحدة و إلغاء الباقي، فإذا عقّبه بالاستثناء المستغرق يكون الاستثناء لاغيا كما في غيره من صيغ الأقارير و نحوها، فتبقى الواحدة بحالها. و أولى منه بالصحّة ما لو قال: ثلاثا إلّا اثنتين، أو إلّا واحدة.

و نبّه بذلك على خلاف العامّة (2) القائلين بوقوع الثلاث لو لا الاستثناء، فإنهم يحكمون مع الاستثناء بصحّته مراعى بقواعده المقرّرة (3)، فيبطلون المستغرق و يثبتون الثلاث، و الباقي بعد الاستثناء غير المستغرق كواحدة بقوله:

إلّا اثنتين، و اثنتين بقوله: إلّا واحدة و هكذا.

و قول المصنّف: «إن نوى بالأول الطلاق» لا خصوصيّة له بهذه المسألة، لأن القصد معتبر في جميع الصيغ. و ليس هذه كالكناية المفتقرة إلى نيّة زائدة كما

____________

(1) لاحظ ص: 88.

(2) الحاوي الكبير 10: 248 و 250، المغني لابن قدامة 8: 313، روضة الطالبين 6: 83 و 85.

(3) في «ح، ط، و»: المشهورة.

109

و لو قال: أنت طالق (1) غير طالق، فإن نوى الرجعة صحّ، لأن إنكار الطلاق رجعة، و إن أراد النقض حكم بالطلقة.

و لو قال: طلقة إلّا طلقة، لغا الاستثناء، و حكم بالطلقة بقوله:

طالق.

____________

سبق (1)، بل هي من الألفاظ الصريحة. نعم، اعتبر القائلون بصحّة الاستثناء أن يكون قصده مقترنا بأول اللفظ، فلو بدا له الاستثناء بعد تمام المستثنى منه لم يؤثّر الاستثناء، لوقوعه بعد لحوق الطلاق، فيلغو.

قوله: «و لو قال: أنت طالق. إلخ».

(1) إذا قال: أنت طالق غير طالق، فإن كان الطلاق رجعيّا، و قصد الرجعة بقوله: غير طالق، و قلنا إن إنكار الطلاق رجعة، صحّ الطلاق و الرجوع. و إن أراد النقض بجعل «غير» بمنزلة «إلّا» كان كالاستثناء المستغرق، فيبطل النقض و تصحّ الواحدة. و كذا لو كان بائنا، أو لم نقل إن إنكار الطلاق يفيد الرجعة. و سيأتي (2) الكلام فيه.

و لو قال: طلقة إلّا طلقة، فهو استثناء مستغرق، فيبطل الاستثناء لاستغراقه، و تقع (3) الطلقة بغير إشكال، إذ لا فرق في بطلان الاستثناء المستغرق بين تعدّد أفراد المستثنى منه و اتّحادها.

____________

(1) في ص: 63- 64، و غيرهما.

(2) في ص: 186.

(3) في «ح»: و تصحّ.

110

و لو قال: زينب (1) طالق، ثمَّ قال: أردت عمرة، و هما زوجتان، قبل.

و لو قال: زينب طالق (2) بل عمرة، طلّقتا جميعا، لأن كلّ واحدة منهما مقصودة في وقت التلفّظ باسمها. و فيه إشكال ينشأ من اعتبار النطق بالصيغة.

____________

قوله: «و لو قال: زينب. إلخ».

(1) وجه القبول. مع كونه رجوعا عمّا ثبت ظاهرا من الحكم بطلاق زينب- أن المرجع في تعيين المطلّقة إلى قصده، و الاسم كاشف عنه، و الغلط فيه ممكن، و لا يعلم إلّا من قبله فيقبل، لأن سبق اللسان من اسم إلى آخر واقع كثيرا، فكان كدعواه الغلط في الانتقال من لفظ إلى آخر يقاربه في حروفه ك: طاهر و طالق و طارق و نحوها.

و قيّد بكونهما زوجتين ليحترز عمّا لو ادّعى قصد أجنبيّة و غلط في تسمية زوجته، فإنه لا يقبل، لأن ذلك خلاف الظاهر، فإن الأصل في الطلاق أن يواجه به الزوجة أو يعلّق بها، فدعواه إرادة الأجنبيّة غير مسموعة.

قوله: «و لو قال: زينب طالق. إلخ».

(2) وجه الحكم بطلاقهما وقوع الصيغة تامّة في المعطوف عليها، و الأخرى معطوفة عليها، فيقتضي اشتراكهما في الحكم المذكور، بمعنى أنه يقدّر في المعطوف مثل حكم المعطوف عليه، فتكون الصيغة في «عمرة» في حكم المذكورة.

و المصنّف استشكل ذلك من حيث إن المعتبر في الطلاق النطق بالصيغة تامّة، و لا يكفي تقديرها و إن اكتفي به في إثبات الحكم الذي لا يتوقّف على

111

[الركن الرابع: الإشهاد]

الركن الرابع: الإشهاد و لا بدّ من حضور (1) شاهدين يسمعان الإنشاء، سواء قال لهما:

اشهدا، أو لم يقل. و سماعهما التلفّظ شرط في صحّة الطلاق، حتى لو تجرّد عن الشهادة لم يقع، و لو كملت شروطه الأخر.

____________

صيغة مخصوصة، بل على مجرّد الدلالة على معناه.

و لا فرق في ذلك بين كون الثانية معطوفة بالواو و «بل» لاشتراكهما في المقتضي للفساد، و هو عدم تماميّة الصيغة في المعطوفة.

و ربّما فرّق بينهما و حكم بصحّته في المعطوفة بالواو، نظرا إلى أن الواو تقتضي الجمع بين المعطوف و المعطوف عليه، فيكون قوله: «طالق» في الأول مرادا في الثانية، بخلاف المعطوفة ب«بل» لأنّها تفيد الإضراب عن الاولى و إثباته للمعطوفة، و إذا بطل حكم «طالق» في الأولى لم يكن مؤثّرا في الثانية.

و الأقوى توقّف الثانية على الصيغة التامّة مطلقا، و إلّا اختصّ الطلاق بالأولى. نعم، لو وقع ذلك على وجه الإقرار حكم بطلاقهما، لأنه أقرّ بطلاق المذكورة أولا ثمَّ رجع مستدركا و أقرّ بطلاق الثانية، فلا يقبل رجوعه عن الأول، و يؤاخذ بالثاني، كما لو قال: له عليّ درهم بل دينار.

قوله: «و لا بدّ من حضور. إلخ».

(1) أجمع الأصحاب على أن الإشهاد شرط في صحّة الطلاق. و يدلّ عليه- وراء الإجماع- قوله تعالى بعد ذكر الطلاق وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ (1) الآية، و إن كانت محتملة للإشهاد على الرجعة لقربها إلّا أن الأخبار خصّصته به، روى محمد بن مسلم و زرارة في الحسن عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إن.

____________

(1) الطلاق: 2.

112

..........

____________

الطلاق لا يكون بغير شهود» (1). و روى أبو الصبّاح الكناني عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «من طلّق بغير شهود فليس بشيء» (2). و عن محمد بن مسلم قال: «قدم رجل إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) بالكوفة فقال: إنّي طلّقت امرأتي بعد ما طهرت من محيضها قبل أن أجامعها، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): أشهدت رجلين ذوي عدل كما أمرك اللّٰه؟ فقال: لا، فقال: اذهب فإن طلاقك ليس بشيء» (3). و الأخبار في ذلك مستفيضة.

و المعتبر سماع الشاهدين لإنشاء الطلاق، سواء قال لهما: «اشهدا» أم لا، لأن الشهادة لا يشترط في ثبوتها في نفسها طلبها من الشهود. و في حسنة ابن أبي نصر قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل كانت له امرأة طهرت من محيضها فجاء إلى جماعة فقال: فلانة طالق، يقع عليها الطلاق و لم يقل:

اشهدوا؟ قال: نعم» (4). و مثله روى صفوان بن يحيى (5) في الحسن عنه (عليه السلام).

و كما يعتبر سماعهما الإنشاء إذا كان لفظا تعتبر رؤيتهما إشارة الأخرس و كتابة العاجز أو الغائب، لعموم قوله تعالى وَ أَشْهِدُوا الشامل للسماع

____________

(1) الكافي 6: 73 ح 3، التهذيب 8: 42 ح 128، الوسائل 15: 371 ب (13) من أبواب أقسام الطلاق و أحكامه ح 3.

(2) الكافي 6: 60 ح 13، التهذيب 8: 42 ح 150، الوسائل 15: 281 ب (10) من أبواب مقدمات الطلاق ح 6.

(3) الكافي 6: 60 ح 14، التهذيب 8: 48 ح 151، الوسائل الباب المتقدّم ح 7.

(4) الكافي 6: 72 ح 3، التهذيب 8: 49 ح 154، الوسائل 15: 302 ب (21) من أبواب مقدمات الطلاق ح 1.

(5) الكافي 6: 72 ح 4، التهذيب 8: 49 ح 155، الوسائل الباب المتقدّم ح 2.

113

و كذا لا يقع بشاهد (1) واحد و لو كان عدلا، و لا بشهادة فاسقين، بل لا بدّ من حضور شاهدين ظاهرهما العدالة. و من فقهائنا من اقتصر على اعتبار الإسلام فيهما. و الأول أظهر.

____________

و الرؤية. و تعبير المصنّف بالسماع مبنيّ على الغالب من وقوعه باللفظ.

قوله: «و كذا لا يقع بشاهد.».

(1) لمّا كان الحكم بالصحّة معلّقا على الشاهدين العدلين- كما صرّحت به النصوص (1) من الكتاب و السنّة- لم يكن العدل الواحد كافيا و لا الفاسقان، لفوات العدد المعتبر في الأول و الوصف في الثاني.

و هل المعتبر في العدالة هنا ظهورها بترك المعاصي و القيام بالواجبات مع الايمان الخاص كما اعتبر في غيره من الشهادات، أم يكفي الإسلام و إن انتفى الايمان الخاص و العدالة بالمعنى المشهور؟ الأشهر الأول، لأن الظاهر من الآية اعتبار أمر آخر مع الإسلام، لقوله ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ فإن الخطاب للمسلمين، فيستفاد اعتبار إسلام الشاهدين من قوله: «منكم» و يبقى الوصف بالعدالة زائدا، فلا بدّ من مراعاته. إلّا أنه لا يتعيّن اعتبار العلم بما ذكروه من الملكة المقرّرة في الشهادة و غيرها، لجواز إرادة من لا يظهر فسقه، إذ لا واسطة بين العدل و الفاسق، و لا يصحّ الحكم على المجهول بالفسق. و إلى هذا ذهب جمع من أصحابنا منهم ابن الجنيد (2) و الشيخ (3) في أحد قوليه. و أما المصنف و باقي المتأخّرين فهم على أصلهم في العدالة المعتبرة في الشهادة.

____________

(1) راجع ص: 111- 112.

(2) حكاه عنه العلّامة في المختلف: 717.

(3) المبسوط 8: 217.

114

..........

____________

و القول بالاكتفاء فيهما هنا بالإسلام للشيخ في النهاية (1) و جماعة منهم القطب الراوندي (2)، إما بناء على أن الأصل في المسلم العدالة، أو لخصوص رواية أحمد بن أبي نصر البزنطي الحسنة قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل طلّق امرأته بعد ما غشيها بشهادة عدلين، قال: ليس هذا طلاقا. فقلت:

جعلت فداك كيف طلاق السنّة؟ فقال: يطلّقها إذا طهرت من حيضها قبل أن يغشاها بشاهدين عدلين كما قال اللّٰه تعالى في كتابه، فإن خالف ذلك يردّ إلى كتاب اللّٰه تعالى. فقلت له: فإن طلّق على طهر من غير جماع بشاهد و امرأتين، فقال: لا تجوز شهادة النساء في الطلاق، و قد تجوز شهادتهنّ مع غيرهنّ في الدم إذا حضرنه. فقلت: فإن أشهد رجلين ناصبيّين على الطلاق أ يكون طلاقا؟ فقال:

من ولد على الفطرة أجيزت شهادته على الطلاق بعد أن تعرف منه خيرا» (3).

و هذه الرواية واضحة الأسناد و الدلالة على الاكتفاء بشهادة المسلم في الطلاق. و لا يرد أن قوله: «بعد أن تعرف منه خيرا» ينافي ذلك، لأن الخير قد يعرف من المؤمن و غيره، و هو نكرة في سياق الإثبات لا يقتضي العموم، فلا ينافيه- مع معرفة الخير منه بالذي أظهره من الشهادتين و الصلاة و الصيام و غيرها من أركان الإسلام- أن يعلم منه ما يخالف الاعتقاد الصحيح، لصدق معرفة الخير منه معه. و في الخبر- مع تصديره باشتراط شهادة عدلين ثمَّ اكتفاؤه بما ذكر- تنبيه على أن العدالة هي الإسلام، فإذا أضيف إلى ذلك أن لا يظهر الفسق كان

____________

(1) النهاية: 510.

(2) فقه القرآن 2: 165.

(3) الكافي 6: 67 ح 6، التهذيب 8: 49 ح 152، الوسائل 15: 282 ب (10) من أبواب مقدمات الطلاق ح 4.

115

..........

____________

أولى.

إذا تقرّر ذلك فالمعتبر شهادة شاهدين خارجين عن المطلّق. ثمَّ إن كان هو الزوج فواضح. و إن كان وكيله ففي الاكتفاء به عن أحدهما وجهان، من تحقّق اثنين خارجين عن المطلّق، و من أن الوكيل نائب عن الزوج، فهو بحكم المطلّق، فلا بدّ من اثنين خارجين عنهما. و فيه: أن أحدهما- أعني:

الزوج و الوكيل- خارج، لأن اللفظ لا يقوم باثنين، فأيّهما اعتبر اعتبرت شهادة الآخر.

و يتفرّع على المشهور من اعتبار عدالة الشاهدين بمعنى ملكة التقوى و المروءة أن المعتبر ثبوتها ظاهرا لا في نفس الأمر، لأنه لا يطّلع عليه إلّا اللّٰه و الشاهد، فلو اعتبر ذلك في حقّ غيرهما لزم التكليف بما لا يطاق.

و حينئذ فلا يقدح فسقهما في نفس الأمر في صحّة الطلاق مع ظهور عدالتهما.

و لا يشترط حكم الحاكم بها، بل ظهورها عند المطلّق و من يترتّب على (1) الطلاق حكما.

و هل يقدح فسقهما في نفس الأمر بالنسبة إليهما حتى لا يصحّ لأحدهما أن يتزوّج بها، أم لا، نظرا إلى حصول شرط الطلاق، و هو العدالة ظاهرا؟ وجهان. و كذا لو علم الزوج فسقهما مع ظهور عدالتهما، ففي الحكم بوقوع الطلاق بالنسبة إليه- حتى تسقط عنه حقوق الزوجيّة و يستبيح أختها و الخامسة- الوجهان. و الحكم بصحّته فيهما لا يخلو من قوّة.

____________

(1) في «ش»: عليه.

116

و لو شهد أحدهما (1) بالإنشاء، ثمَّ شهد الآخر به بانفراده، لم يقع الطلاق. أما لو شهدا بالإقرار لم يشترط الاجتماع. و لو شهد أحدهما بالإنشاء و الآخر بالإقرار لم يقبل.

____________

قوله: «و لو شهد أحدهما. إلخ».

(1) لمّا كان سماع الشهادتين شرطا في صحّة الطلاق- كغيره من الشروط المعتبرة فيه- كان المعتبر اجتماعهما في السماع على الإنشاء الواحدة، فلو تعدّد الإنشاء و سمع كلّ واحد شاهدا (1) لم يقع، لفقد شرط الصحّة في كلّ منهما. و أولى بعدم الوقوع ما لو سمع الإنشاء شاهد واحد ثمَّ أقرّ به عند آخر، أو لم يسمع الإنشاء شاهد ثمَّ أشهدهما على الإقرار، لأن الإقرار إخبار عمّا وقع سابقا، فإذا لم يصحّ السابق لفقد شرطه لم يصحّ الإقرار. هذا إذا علم استناد الإقرار به إلى ما أوقعه منه بغير إشهاد، أما لو أطلق الإقرار به سمع و صحّت الشهادة عليه و حكم بوقوعه صحيحا، لأن الطلاق منزّل على الصحيح، سواء شهد على إقراره الواحد شاهدان أو شهدا على إقراره في وقتين، لأن صحّة الإقرار لا يشترط فيها الإشهاد، و إنما المعتبر ثبوته شرعا، و هو يحصل مع تعدّده و شهادة كلّ واحد على واحد من الإقرارين، لأن مؤدّاهما واحد، كما لو أقرّ بغيره من الحقوق.

و يدلّ على اشتراط سماع الشاهدين إنشاء الطلاق الواحد حسنة أحمد بن أبي نصر قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل طلّق امرأته على طهر من غير جماع و أشهد اليوم رجلا ثمَّ مكث خمسة أيام ثمَّ أشهد آخر، فقال: إنما أمر أن يشهدا جميعا» (2).

____________

(1) في إحدى الحجريّتين: إنشاء.

(2) الكافي 6: 71 ح 1، التهذيب 8: 50 ح 157، الاستبصار 3: 285 ح 1005، الوسائل 15: 301 ب (20) من أبواب مقدمات الطلاق ح 1.

117

و لا تقبل شهادة (1) النساء في الطلاق لا منفردات و لا منضمّات إلى الرجال.

____________

و لا ينافي ذلك ما رواه محمد بن إسماعيل بن بزيع في الصحيح عن الرضا (عليه السلام) قال: «سألته عن تفريق الشاهدين في الطلاق فقال: نعم، و تعتدّ من أول الشّاهدين. و قال: لا يجوز حتى يشهدا جميعا» (1). لأن هذا محمول على تفريقهما في أداء الشّهادة لا في تحمّلها جمعا. و يؤيّده قوله: «و تعتدّ من أول الشهادتين» لأنه يكون قد وقع بهما، فإذا شهد أولهما بوقت كان الآخر شاهد به كذلك و إن تأخّر في الأداء. و قوله: «لا يجوز حتى يشهدا جميعا» يجوز أن يريد به ما ذكرناه من الإشارة إلى أن الشرط تحمّلهما الشهادة جميعا أي: مجتمعين في وقت واحد، فيكون ذلك استدراكا لما يتوهّم من خلافه في أول الكلام. و هذا هو الظاهر. و أن يريد أنه لا يثبت حتى يشهدا جميعا بوقوعه منه، لأن الطلاق لا يثبت إلّا بشاهدين.

قوله: «و لا تقبل شهادة. إلخ».

(1) قد تقدّم (2) ما يدلّ من الأخبار على أن شهادة النساء لا تقبل في الطلاق، و إنما تعتبر شهادة عدلين ذكرين. و يدلّ عليه أيضا قوله تعالى وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ (3) فإنه يدلّ على اعتبار ذكوريّتهما، لأنه حقيقة فيه، و دخول الإناث بالتبعيّة على خلاف الأصل، و الأخبار (4) قد بيّنت المراد من الآية

____________

(1) التهذيب 8: 50 ح 158، الاستبصار 3: 285 ح 1006، الوسائل الباب المتقدّم ح 2.

(2) في ص: 114، هامش (3).

(3) الطلاق: 2.

(4) لاحظ الوسائل 18: 258 ب «24» من أبواب الشهادات ح 2، 4، 5 و غيرها.

118

و لو طلّق و لم يشهد (1) ثمَّ أشهد كان الأول لغوا، و وقع حين الإشهاد إذا أتى باللفظ المعتبر في الإنشاء.

____________

و خصّصت (1) ذلك. و الخناثى بحكم النساء في الشهادة.

قوله: «و لو طلّق و لم يشهد. إلخ».

(1) المراد أنه أتى باللفظ المعتبر في الطلاق قاصدا به إنشاءه، فلو قصد الإخبار لم يقع و إن أتى باللفظ المعتبر في الإنشاء، كقوله: اشهد أن فلانة طالق، قاصدا الاشهاد لا الإنشاء. و المائز حينئذ بين العبارتين القصد، و يمكن علم الشاهدين به بإخباره عنه و بالقرائن الدالّة على أحدهما.

و الأصل في هذه المسألة صحيحة أحمد بن محمد قال: «سألته عن الطلاق، فقال: على طهر، و كان علي (عليه السلام) يقول: لا طلاق إلّا بالشهود، فقال له رجل: فإن طلّقها و لم يشهد ثمَّ أشهد بعد ذلك بأيام فمتى تعتدّ؟ قال: من اليوم الذي أشهد فيه على الطلاق» (2).

و المصنّف- رحمه اللّٰه- قيّد الرواية بقوله: «إذا أتى باللفظ المعتبر في الإنشاء». و هو قيد حسن، لأن الرواية قاصرة عن إفادة الحكم مطلقا.

____________

(1) في «ح، ط» و إحدى الحجريّتين: و حقّقت.

(2) التهذيب 8: 50 ح 159، الوسائل 15: 284 ب (10) من أبواب مقدّمات الطلاق ح 10.

119

[النظر الثاني: في أقسام الطلاق]

النظر الثاني: في أقسام الطلاق و لفظه يقع (1) على البدعة و السنّة.

[فالبدعة ثلاث]

فالبدعة ثلاث: طلاق الحائض بعد الدخول مع حضور الزوج معها، و مع غيبته دون المدّة المشترطة. و كذا النفساء، أو في طهر قربها فيه. و طلاق الثلاث من غير رجعة بينها. و الكلّ عندنا باطل لا يقع معه الطلاق.

____________

قوله: «و لفظه يقع. إلخ».

(1) المشهور في كلام الأصحاب و غيرهم (1) انقسام الطلاق إلى السنّي و البدعي. و المراد بالبدعي المحرّم إيقاعه نسبة إلى البدعة، و هي تقابل السنّة النبويّة، و بالسنّي ما يجوز بالمعنى الأعمّ نسبة إلى السنّة النبويّة، و يعبّر عنه بالشرعي، سواء كان مع ذلك واجبا كطلاق المؤلي و المظاهر، فإنه يؤمر بعد المدّة بأن يفيء أو يطلّق، فالطلاق واجب تخييرا، أم محبوبا (2) كالطلاق مع الشقاق و عدم رجاء الوفاق و إذا لم تكن عفيفة يخاف منها إفساد الفراش، أم مكروها كالطلاق عند التيام الأخلاق و سلامة الحال، روي أنه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: «أبغض المباحات إلى اللّٰه تعالى الطلاق» (3) و عنه (عليه السلام) قال: «أيّما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير بأس لم ترح رائحة الجنّة» (4).

____________

(1) انظر الحاوي الكبير للماوردي 10: 114، الوجيز للغزالي 2: 50، روضة الطالبين للنووي 6: 3.

(2) في الحجريّتين: محتوما.

(3) سنن أبي داود 2: 255 ح 2178، سنن ابن ماجه 1: 650 ح 2018، علل الحديث للرازي 1: 431 ح 1297، سنن البيهقي 7: 322، تلخيص الحبير للعسقلاني 3: 205 ح 1590.

(4) المصنف لابن أبي شيبة 5: 271، مسند أحمد 5: 277، سنن الدارمي 2: 162، سنن ابن ماجه 1:

662 ح 2055، سنن الترمذي 3: 493 ح 1187، سنن البيهقي 7: 316.

120

..........

____________

و للتحريم أسباب ثلاثة:

أحدها: الحيض مع الدخول، و حضور الزوج أو حكمه، و كون المرأة حائلا. و في معناه النفاس.

و ثانيها: عدم استبرائها بطهر آخر غير ما مسّها فيه. و هذان سببان للتحريم عند جميع العلماء.

و ثالثها: طلاقها أزيد من واحدة بغير رجعة متخلّلة بين الطلقات، أعمّ من إيقاعها بلفظ واحد أو مترتّبة. و تحريم هذا النوع مختصّ بمذهبنا. و وافقنا أبو حنيفة (1) و مالك (2) في بدعيّة الجمع بين الطلقات بلفظ واحد. و اتّفق الجمهور على صحّة طلاق البدعة مع الإثم. و أصحابنا على بطلانه إلّا فيما زاد على الواحد، فإنه مع وقوعه مترتّبا يقع واحد إجماعا، و مع وقوعه بلفظ واحد يقع واحد على ما سبق (3) من الخلاف. و حكم المصنف ببطلان الجميع يظهر في الأولين، أما الأخير فالبطلان يتعلّق بالمجموع من حيث هو مجموع لا بكلّ واحد من أفراده، لئلّا ينافي حكمه بصحّة الواحدة فيما سبق (4).

و اعلم أن حكمهم ببطلان الطّلاق البدعي لا يلائم تقسيمهم الطّلاق إليه و إلى السنّي، لأن مورد القسمة ينبغي أن يكون الطلاق الصحيح كما هو المستعمل في سائر الأحكام المقسمة، و إنما يحسن تقسيمه إليهما عند العامّة القائلين بصحّته فيهما.

____________

(1) حلية العلماء للشاشي 7: 22، المغني لابن قدامة 8: 241- 242.

(2) المدوّنة الكبرى لمالك 2: 419، بداية المجتهد لأبي الوليد القرطبي 2: 64.

(3) في ص: 92.

(4) في ص: 92.

121

..........

____________

ثمَّ حصرهم الطلاق البدعي في الثلاثة المذكورة مع الحكم ببطلانها يقتضي كون الطلاق الباطل أعمّ من البدعي، فإن طلاق من لم يشهد عليه شاهدين (1) و من طلّق بالكناية (2) و شبه ذلك خارج عن البدعة مع كونه باطلا. و ينبغي أن يكون الطلاق أزيد من مرّة مترتّبا بدون الرجعة من قسم الباطل لا من أقسام البدعة، و تخصيص البدعة بالثلاث المرسلة التي يراها العامّة (3) و حرّمها قوم منهم، لأن الطلاق الثاني المترتّب يستند بطلانه إلى فقد شرط و هو تعلّقه بغير الزوجة، و أما كون التلفّظ بالصيغة حينئذ محرّما فلا دليل عليه. و مجرّد التشريع بذلك أو تقييده باعتقاد (4) الشرعيّة (5) يشترك فيه جميع الأقسام المحكوم ببطلانها خارجا عن الثلاثة.

و بقي في عبارة المصنّف بحث آخر، و هو أنه قيّد هنا بدعيّة طلاق الحائض بكونها مدخولا بها و الزوج حاضرا معها أو غائبا دون المدّة المشترطة، و لم يذكر اشتراط كونها حائلا كما صنع فيما سبق (6). و في باب الحيض (7) اقتصر على الشرطين أيضا. و هو أجود من التقييد بكونها حائلا أيضا، لأنه لا يرى جواز حيض الحامل فلا يفتقر إلى الاحتراز عنه. و لكنّه في شرائط الطلاق في

____________

(1) في «ش، و» و الحجريّتين: شاهدان.

(2) في «ش»: بالكتابة.

(3) انظر مذاهبهم في الصفحة السابقة.

(4) في «م» و الحجريّتين: باعتبار.

(5) في «ش، م» و الحجريّتين: المشروعيّة.

(6) في ص: 35.

(7) في ج 1: 65.

122

[و السنّة تنقسم أقساما ثلاثة]

و السنّة تنقسم (1) أقساما ثلاثة: بائن، و رجعي، و طلاق العدّة.

____________

أول الكتاب (1) ذكره شرطا و جرى فيه على مذهب غيره، فلذلك كان ما هنا أجود.

قوله: «و السنّة تنقسم. إلخ».

(1) جعل طلاق العدّة قسيما للرجعي غير جيّد، لأن طلاق العدّة من جملة أقسام الرجعي و داخل فيه، فلا يجعل قسيما له المقتضي لخروجه عنه. و كان الأولى تقسيم طلاق السنّة إلى بائن و رجعي، ثمَّ تقسيم الرجعي إلى طلاق العدّة و غيره، كما صنع في التحرير (2). و في القواعد (3) قسّم الطلاق الشرعي- و هو طلاق السنّة بالمعنى الأعمّ- إلى طلاق عدّة و سنّة بالمعنى الأخصّ. و المراد به أن يطلّق على الشرائط ثمَّ يتركها حتى تخرج من العدّة، سواء كانت العدّة رجعيّة أم بائنة، ثمَّ يتزوّجها بعقد جديد. و هذه القسمة و إن لم تكن متداخلة إلّا أنها غير حاصرة، فإن الطلاق الشرعي أعمّ منهما. ثمَّ بعد ذلك قسّمه إلى البائن و الرجعي و اقتصر عليهما. و هو جيّد. و كذلك فعل في الإرشاد (4)، إلّا أنه قدّم التقسيم إلى البائن و الرجعي على السنّي و العدّي. و الحكم فيهما واحد.

و التحقيق: أن الطلاق العدّي من أقسام الرجعي كما ذكرناه، فلا يجعل قسيما له. و الطلاق السنّي بالمعنى الأخصّ بينه و بين كلّ واحد من البائن و الرجعي عموم و خصوص من وجه. يختصّ البائن عنه بما إذا لم يتزوّجها بعد العدّة مع كونه بائنا، و يختصّ السنّي عنه بما إذا كان رجعيّا فلم يرجع و تزوّجها

____________

(1) في ص: 35.

(2) تحرير الأحكام 2: 54.

(3) قواعد الأحكام 2: 64.

(4) إرشاد الأذهان 2: 44.

123

[فالبائن]

فالبائن: ما لا يصحّ (1) للزوج معه الرجعة.

و هو ستّة: طلاق التي لم يدخل بها. و اليائسة. و من لم تبلغ المحيض. و المختلعة و المبارئة ما لم ترجعا في البذل. و المطلّقة ثلاثا بينها رجعتان.

____________

بعد العدّة، و يتصادقان فيما إذا كان الطلاق بائنا و تزوّجها بعد العدّة. و يختصّ العدّي عنه بما إذا رجع في العدّة، و يختصّ السنّي عنه بما إذا كان الطلاق بائنا و تزوّج بعد العدّة، و يتصادقان فيما إذا كان الطلاق رجعيّا و لم يرجع فيه إلى أن انقضت العدّة ثمَّ تزوّجها بعقد جديد. فالأجود في التقسيم أن يقسّم الطلاق السنّي إلى البائن و الرجعي، و القسمة حاصرة غير متداخلة. و يقسّم أيضا إلى طلاق العدّة و طلاق السنّة بالمعنى الأخصّ و غيرهما، لا أن يقتصر عليهما.

و ما ذكرناه من أن الطلاق السنّي بالمعنى الأخص أعمّ من البائن و الرجعي هو مدلول فتاوى الأصحاب أجمع، و سيأتي (1) بيانه في عبارة المصنّف، و لكن الظاهر من الأخبار (2) اختصاصه بالطلاق الرجعي، و على هذا فيكون من أقسامه كطلاق العدّة.

قوله: «فالبائن ما لا يصحّ. إلخ».

(1) المعتبر في الدخول الموجب للعدّة القدر الموجب للغسل، و هو غيبوبة الحشفة أو قدرها في قبل أو دبر، و المراد بمن لم تبلغ المحيض من لا يمكن حيضها، و هي من نقص سنّها عن التسع، فمن أكملتها تلزمها العدّة و إن لم تكن ممّن تحيض عادة.

____________

(1) في ص: 127 و 129- 130.

(2) لاحظ الوسائل 15: 344 ب «1» من أبواب أقسام الطلاق ح 1، 4، 7، 8.

124

[و الرجعي]

و الرجعي: هو الذي (1) للمطلّق مراجعتها فيه، سواء راجع أو لم يراجع.

____________

و تقييد المختلعة و أختها بمدّة لم ترجعا في البذل يقتضي أن عدّتها (1) قد تكون بائنة و قد تكون رجعيّة، فتبتدئ على البينونة و تستمرّ كذلك إلى أن ترجع في البذل فتصير حينئذ رجعيّة إلى آخر العدّة، سواء رجع أم لا، و سواء علم برجوعها أم لا، لأن العدّة الرجعيّة لا يشترط في تحقّقها علم الزوج بجواز الرجوع بل المعتبر جواز رجوعه شرعا. و تظهر الفائدة فيما لو رجع المخالع بعد رجوعها و واقعها ثمَّ طلّقها على الشرائط، فيكون الطلاق حينئذ طلاق عدّة و إن كانت في الأصل بائنة، فيترتّب عليه حكم الطلاق العدّي. و على هذا لا يضرّ أيضا تقسيم الطلاق الرجعي إلى العدّي و غيره بسبب هذا الفرد الذي ابتدأت عدّته على البينونة، لأن جعله رجعيّا عدّيا إنما هو بعد رجوعها في البذل، و قد صار بذلك رجعيّا كما قرّرناه. و للأصحاب خلاف في أن رجوع المخالع بعد رجوعها في البذل و وطيه هل يصيّر الطلاق طلاق عدّة أم لا؟ لما ذكرناه من الوجه في الطرفين. و الأقوى أنه حينئذ طلاق عدّة لاجتماع شرائطه.

قوله: «و الرجعي: هو الذي. إلخ».

(1) المراد أن الطلاق الرجعي ما كان قابلا للرجوع فيه شرعا و إن لم يحصل الرجوع، و ذلك ما عدا الأقسام الستّة، و منه طلاق المختلعة بعد رجوعها في البذل، فيكون طلاقها تارة من أقسام البائن و تارة من أقسام الرجعي.

____________

(1) في «و»: عدّتهما.

125

[و أما طلاق العدّة]

و أما طلاق العدّة: (1) فهو أن يطلّق على الشرائط ثمَّ يراجعها قبل خروجها من عدّتها و يواقعها ثمَّ يطلّقها في [طهر] غير طهر المواقعة، ثمَّ يراجعها و يواقعها ثمَّ يطلّقها في طهر آخر، فإنها تحرم عليه حتى تنكح زوجا غيره. فإن نكحت و خلت، ثمَّ تزوّجها فاعتمد ما اعتمده أولا، حرمت في الثالثة حتى تنكح زوجا غيره. فإن نكحت ثمَّ خلت فنكحها، ثمَّ فعل كالأول، حرمت في التاسعة تحريما مؤبّدا. و لا يقع الطلاق للعدّة ما لم يطأها بعد المراجعة.

____________

قوله: «و أما طلاق العدّة. إلخ».

(1) هذا هو القسم الثالث من أقسام الطلاق على ما اعتبره المصنّف من التقسيم. و فائدة ذكره من بين أقسام الطلاق الرجعي ما يترتّب عليه من الأحكام الخاصّة، و هي التحريم في التاسعة مؤبّدا، و الافتقار بعد كلّ ثلاث إلى المحلّل إجماعا. و جملة ما يعتبر فيه مع الطلاق الرجوع في العدّة و المجامعة ثمَّ الطلاق بعد ذلك في أيّ وقت شاء ممّا يصحّ فيه الطلاق.

و بهذه الكيفيّة وردت الأخبار الكثيرة الصحيحة، فمنها صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال: «كلّ طلاق لا يكون على السنّة أو على طلاق العدّة فليس بشيء- إلى أن قال-: و أما طلاق العدّة التي قال اللّٰه تعالى:

فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَ أَحْصُوا الْعِدَّةَ فإذا أراد الرجل منكم أن يطلّق امرأته طلاق العدّة فلينتظر بها حتى تحيض و تخرج من حيضها ثمَّ يطلّقها تطليقة من غير جماع و يشهد شاهدين عدلين، و يراجعها من يومه ذلك إن أحبّ أو بعد ذلك بأيّام قبل أن تحيض و يشهد على رجعتها و يواقعها، و تكون معه حتى تحيض، فإذا حاضت و خرجت من حيضها طلّقها تطليقة أخرى من غير جماع و يشهد على

126

و لو طلّقها قبل المواقعة صحّ و لم يكن للعدّة. (1)

و كلّ امرأة استكملت (2) الطلاق ثلاثا حرمت حتى تنكح زوجا غير المطلّق، سواء كانت مدخولا بها أو لم تكن، راجعها أو تركها.

____________

ذلك، ثمَّ يراجعها أيضا متى شاء قبل أن تحيض و يشهد على رجعتها و يواقعها، و تكون معه إلى أن تحيض الحيضة الثالثة، فإذا خرجت من حيضها طلّقها الثالثة بغير جماع و يشهد على ذلك، فإذا فعل ذلك فقد بانت منه و لا تحلّ له حتى تنكح زوجا غيره» (1).

قوله: «و لو طلّقها- إلى قوله- للعدّة».

(1) لأن شرط طلاق العدّة المواقعة بعد الرجعة و لم تحصل، فيكون طلاق سنّة بالمعنى الأعمّ.

قوله: «و كلّ امرأة استكملت. إلخ».

(2) هذا هو المعروف في المذهب، و دلّت عليه الأدلّة من الكتاب و السنّة (2)، قال اللّٰه تعالى فَإِنْ طَلَّقَهٰا يعني: الثالثة فَلٰا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّٰى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ (3) و هو شامل بإطلاقه لطلاق العدّة و غيره. و في بعض الأخبار (4) أن طلاق السنّة بالمعنى الأخصّ لا يحرّم في الثالثة. و هو شاذّ. و المراد بقوله: «راجعها أو تركها» أي: تركها حتى انقضت عدّتها ثمَّ تزوّجها بعقد جديد ثمَّ طلّقها.

____________

(1) الكافي 6: 65 ح 2، التهذيب 8: 26 ح 83، الوسائل 15: 344 ب «1» من أبواب أقسام الطلاق ح 1، و ذيله في ص 348 ب (2) ح 1، و الآية في سورة الطلاق: 1.

(2) لاحظ الوسائل 15: 350 ب «3» من أبواب أقسام الطلاق، و ص 357 ب «4».

(3) البقرة: 230.

(4) لاحظ الوسائل 15: 353 ب «3» من أبواب أقسام الطلاق ح 11، 12، 13، 16.

127

[مسائل ستّ]

مسائل ستّ:

[الأولى: إذا طلّقها فخرجت (1) من العدّة]

الأولى: إذا طلّقها فخرجت (1) من العدّة، ثمَّ نكحها مستأنفا، ثمَّ طلّقها و تركها حتى قضت العدّة، ثمَّ استأنف نكاحها، ثمَّ طلّقها ثالثة، حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره، فإذا فارقها و اعتدّت جاز له مراجعتها. و لا تحرم هذه في التاسعة، و لا يهدم استيفاء عدّتها تحريمها في الثالثة.

____________

قوله: «إذا طلّقها فخرجت. إلخ».

(1) هذا هو الطلاق المعبّر عنه بطلاق السنّة بالمعنى الأخصّ. و هو يشارك طلاق العدّة في تحريم الثالثة إلى أن تنكح زوجا غيره، و يفارقه في أن هذا لا يحرّم مؤبّدا مطلقا. أما الثاني فهو محلّ وفاق، و لا يوجد ما ينافيه.

و أما الأول فيدلّ عليه عموم قوله تعالى فَإِنْ طَلَّقَهٰا فَلٰا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّٰى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ و خصوص رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال:

«سألته عن طلاق السنّة، قال: طلاق السنّة إذا أراد أن يطلّق الرجل امرأته ثمَّ يدعها إن كان قد دخل بها حتى تحيض ثمَّ تطهر، فإذا طهرت طلّقها واحدة بشهادة شاهدين ثمَّ يتركها حتى تعتدّ ثلاثة قروء، فإذا مضى ثلاثة قروء فقد بانت منه بواحدة، و كان زوجها خاطبا من الخطّاب إن شاءت تزوّجته و إن شاءت لم تفعل. فإن تزوّجها بمهر جديد كانت عنده على ثنتين باقيتين و قد مضت الواحدة، فإن هو طلّقها واحدة أخرى على طهر بشهادة شاهدين ثمَّ تركها حتى تمضي أقراؤها من قبل أن يراجعها فقد بانت باثنتين و ملكت أمرها و حلّت للأزواج، و كان زوجها خاطبا من الخطّاب إن شاءت تزوّجته و إن شاءت لم تفعل. فإن هو تزوّجها تزويجا جديدا بمهر جديد كانت معه على واحدة باقية و قد مضت ثنتان،

128

..........

____________

فإن أراد أن يطلّقها طلاقا لا تحلّ له حتى تنكح زوجا غيره تركها حتى إذا حاضت و طهرت أشهد على طلاقها تطليقة واحدة ثمَّ لا تحلّ له حتى تنكح زوجا غيره» (1).

و نبّه بقوله: «و لا يهدم عدّتها تحريمها في الثالثة» على ما روي في شواذّ الأخبار عن عبد اللّه بن بكير، عن زرارة قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: الطلاق الذي يحبّه اللّه و الذي يطلّق الفقيه- و هو العدل بين المرأة و الرجل- أن يطلّقها في استقبال الطهر بشهادة شاهدين و إرادة من القلب، ثمَّ يتركها حتى تمضي ثلاثة قروء، فإذا رأت الدم في أول قطرة من الثالثة- و هي آخر القرء، لأن الأقراء هي الأطهار- فقد بانت منه، و هي أملك بنفسها، فإن شاءت تزوّجته و حلّت له بلا زوج. فإن فعل هذا بها مائة مرّة هدم ما قبله و حلّت بلا زوج. و إن راجعها قبل أن تملك نفسها ثمَّ طلّقها ثلاث مرّات يراجعها و يطلّقها لم تحلّ له إلّا بزوج» (2).

و هذه الرواية- مع شذوذها- رواها عبد اللّه بن بكير، و هو فطحيّ المذهب لا يعتمد على روايته، خصوصا مع مخالفتها لغيرها (3) بل للقرآن الكريم (4). و مع ذلك ففيها قادح آخر، و هو أن عبد اللّه كان يفتي بمضمونها و روجع في أمرها

____________

(1) الكافي 6: 66 ح 4، التهذيب 8: 27 ح 84، الاستبصار 3: 268 ح 959، الوسائل 15: 345 ب «1» من أبواب أقسام الطلاق و أحكامه ح 3.

(2) التهذيب 8: 35 ح 107، الاستبصار 3: 276 ح 982، الوسائل 15: 355 ب «3» من أبواب أقسام الطلاق و أحكامه ح 16.

(3) لاحظ الوسائل 15: 350 ب «3» من أبواب أقسام الطلاق.

(4) البقرة: 230.

129

..........

____________

فقال: هذا ممّا رزق اللّه من الرأي. قال الشيخ: «و من هذه حالته يجوز أن يكون أسند ذلك إلى زرارة نصرة لمذهبه الذي كان أفتى به، و أنه لمّا رأى أصحابه لا يقبلون ما يقوله برأيه أسنده إلى من رواه عن أبي جعفر (عليه السلام)، و ليس عبد اللّه بن بكير معصوما لا يجوز عليه هذا، بل وقع منه من العدول عن اعتقاد مذهب الحقّ إلى اعتقاد مذهب الفطحيّة ما هو معروف من مذهبه، و الغلط في ذلك أعظم من إسناد فتيا يعتقد صحّته لشبهة إلى بعض أصحاب الأئمة. و إذا كان الأمر على ما قلناه لم يعترض بهذه الرواية ما ذكر في غيرها» (1).

و العجب مع هذا القدح العظيم من الشيخ في عبد اللّه بن بكير أنه قال في كتاب الرجال: «أن العصابة أجمعت على تصحيح ما يصحّ عنه، و أقرّوا له بالفقه و الثقة» (2). و ذكره غيره (3) من علماء الرجال كذلك. و هذا الخبر ممّا صحّ عن عبد اللّه بن بكير، لأن الشيخ في التهذيب (4) رواه عن محمد بن محبوب، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب، عنه، عن زرارة، و الجميع ثقاة. و كيف كان فهو بالإعراض عنه حقيق، لما ذكرناه من شذوذه و مخالفته للقرآن بل لسائر علماء الإسلام.

و اعلم أن تعريف المصنّف و غيره لطلاق السنّة بالمعنى الأخصّ يقتضي اختصاصه بذات العدّة و أنّه يشمل العدّة البائنة و الرجعيّة. و في كثير من الأخبار (5)

____________

(1) التهذيب 8: 36 ذيل ح 107.

(2) اختيار معرفة الرجل: 375 رقم 705.

(3) رجال العلّامة الحلّي: 106- 107.

(4) التهذيب 8: 35 ح 107.

(5) لاحظ الوسائل 15: 344 ب «1» من أبواب أقسام الطلاق و أحكامه ح 1، 4، 7، 8.

130

[الثانية: إذا طلّق الحامل و راجعها]

الثانية: إذا طلّق الحامل (1) و راجعها جاز له أن يطأها و يطلّقها ثانية للعدّة إجماعا. و قيل: لا يجوز للسنّة. و الجواز أشبه.

____________

- كالذي أسلفناه (1)- ما يدلّ على اختصاصه بالعدّة الرجعيّة ثمَّ لا يراجع فيها.

و الوجه لحوق أحكامه لكلّ طلاق لا يلحقه رجعة، سواء كان ذلك لعدم العدّة أم لكونها بائنة أم لكونها رجعيّة و لم يرجع، فإنه لا تحرم به التاسعة مؤبّدا، لاختصاص ذلك الحكم بطلاق العدّة، و لصدق (2) عدم الرجعة في جميع ما ذكرناه. و بقي للطلاق أقسام أخر خارجة عن الأمرين يأتي (3) الكلام فيها إن شاء اللّه تعالى.

و قول المصنّف: «فإذا فارقها و اعتدّت جاز له مراجعتها» يريد به تزويجها بعقد جديد، و أطلق عليه اسم المراجعة من حيث اللغة، لأنه رجوع إلى النكاح الذي كان فعل سابقا و إن لم يكن ذلك مراجعة اصطلاحا.

قوله: «إذا طلّق الحامل. إلخ».

(1) اتّفق العلماء على جواز طلاق الحامل مرّة بشرائطها، لوجود المقتضي و انتفاء المانع منه كغيرها. و اختلف الأصحاب في جواز طلاقها ثانيا بسبب اختلاف الروايات في ذلك، فذهب الصدوقان (4) إلى المنع منه إلّا بعد مضيّ ثلاثة أشهر، سواء في ذلك طلاق العدّة و غيره. و ذهب ابن الجنيد (5) إلى المنع من طلاق

____________

(1) في ص: 126، هامش (1).

(2) في «ش، و، م»: و يصدق.

(3) لاحظ ص: 136 و 153.

(4) المقنع: 116، و حكاه العلّامة عن عليّ بن بابويه في المختلف: 588.

(5) حكاه عنه العلّامة في المختلف: 588.

131

..........

____________

العدّة إلّا بعد شهر، و لم يتعرّض لغيره. و الشيخ (1) أطلق جواز الطلاق للعدّة، و منع من طلاقها ثانيا للسنّة. و ابن إدريس (2) و المصنّف و باقي المتأخّرين (3) جوّزوه بها مطلقا كغيرها.

و أما الأخبار ففي كثير (4) منها أن طلاق الحامل واحدة من غير فرق بين طلاق العدّة و غيره. و في بعضها (5) النهي عمّا زاد على واحدة كذلك. و في بعض (6) آخر التصريح بجواز تعدّده ثلاثا و تحرم به أعمّ من كونه مع تخلّل الوطء و عدمه.

و في رابع (7) بجواز تعدّده مصرّحا بتخلّل الوطء المفيد لكونه طلاق عدّة. و في خامس (8) النهي عن الثاني بعد الوطء إلى أن يمضي شهر.

و قد اختلفوا في طريق الجمع بينها، فابن الجنيد (9) خصّص أخبار الجواز بطلاق العدّة، نظرا إلى تصريح بعضها به، و خصّ ذلك البعض بوقوع الطلاق بعد شهر جمعا بينه و بين الرواية التي دلّت على النهي عنه قبله. و لم يتعرّض لطلاق السنّة، إلّا أن مفهومه اختصاص الجواز بطلاق العدّة.

و أما الشيخ (10) فجمع بينها بحمل أخبار النهي عن الزائد عن واحد- و ما في

____________

(1) النهاية: 516- 517.

(2) السرائر 2: 688- 689.

(3) راجع كشف الرموز 2: 217، المختلف: 588- 589، إيضاح الفوائد 3: 317.

(4) الوسائل 15: 380 ب «20» من أبواب أقسام الطلاق و أحكامه ح 1، 2، 3، 4، 5.

(5) الوسائل الباب المتقدّم ح 7.

(6) الوسائل الباب المتقدّم ح 6، 8، 10.

(7) الوسائل الباب المتقدّم ح 9.

(8) الوسائل الباب المتقدّم ح 11.

(9) حكاه عنه العلّامة في المختلف: 588.

(10) التهذيب 8: 71 ذيل ح 237 و 238.

132

..........

____________

معناه- على طلاق السنّة، و أخبار الجواز على طلاق العدّة، لتصريح بعضها به.

و فيه نظر، لأن الأخبار الدالّة على جواز طلاقها متعدّدا (1) منها ما هو مطلق في الجواز كإطلاق الأخبار الأخرى في النهي، كرواية إسحاق بن عمّار عن الكاظم (عليه السلام) بطرق متعدّدة و متون متقاربة منها: «سألته عن الحامل يطلّقها زوجها ثمَّ يراجعها ثمَّ يطلّقها ثمَّ يراجعها ثمَّ يطلّقها الثالثة، قال: تبين منه و لا تحلّ له حتى تنكح زوجا غيره» (2). فهذه شاملة لطلاق العدّة و غيره، بأن يراجعها ثمَّ يطلّقها في طهر آخر أو فيما دونه، و كلاهما خارجان عن العدّي و السنّي بالمعنى الأخصّ.

و منها ما هو مصرّح بجواز تعدّده مع كونه ليس عدّيا و لا سنّيا كذلك، كرواية إسحاق بن عمّار أيضا عنه (عليه السلام) أنه سأله عن رجل طلّق امرأته و هي حامل ثمَّ راجعها ثمَّ طلّقها ثمَّ راجعها ثمَّ طلّقها الثالثة في يوم واحد تبين منه؟ «قال: نعم» (3). فهذه صريحة في جواز تعدّد طلاقها للسنّة بالمعنى الأعمّ فكيف يجمع بينها بالمنع منه؟ مع أن الأخبار الدالّة على كون الطلاق عدّيا ليس فيه ما يدلّ على اختصاصه به بل بمجرّد (4) فرضه كما في رواية يزيد الكناسي قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن طلاق الحبلى، فقال: يطلّقها واحدة للعدّة بالشهور و الشهود. قالت: فله أن يراجعها؟ قال: نعم، و هي امرأته. قلت: فإن

____________

(1) في «م» و هامش «و» و الحجريّتين: متعدّدة.

(2) التهذيب 8: 71 ح 237، الاستبصار 3: 299 ح 1059، الوسائل 15: 381 ب «20» من أبواب أقسام الطلاق و أحكامه ح 6.

(3) التهذيب 8: 73 ح 242، الاستبصار 3: 300 ح 1064، الوسائل الباب المتقدّم ح 10.

(4) في «ش»: مجرّد.

133

..........

____________

راجعها و مسّها ثمَّ أراد أن يطلّقها تطليقة أخرى، قال: لا يطلّقها حتى يمضي لها بعد ما مسّها شهر. قلت: فإن طلّقها ثانية و أشهد ثمَّ راجعها و أشهد على رجعتها و مسّها ثمَّ طلّقها التطليقة الثالثة و أشهد على طلاقها لكلّ عدّة شهر، هل تبين منه كما تبين المطلّقة على العدّة التي لا تحلّ له حتى تنكح زوجا غيره؟ قال: نعم.

قلت: فما عدّتها؟ قال: أن تضع ما في بطنها ثمَّ قد حلّت للأزواج» (1).

و أيضا كان عليه أن يقيّد الجواز بكون الطلاق بعد شهر كما ذكره في هذه الرواية، و هي أوضح سندا من غيرها، فلا يحصل بالجمع الذي ذكره الشيخ إعمال الأخبار كلّها، لأن هذا الخبر لا يوافق حمله. و جمع ابن الجنيد أقعد، لما ذكرناه.

ثمَّ ليس في كلامه تبيين مراده من الطلاق السنّي الذي منعه هل هو السنّي بالمعنى الأعمّ أو الأخصّ؟ فإن أراد الأول- كما فهمه عنه بعضهم (2)- ففيه أن في بعض ما ذكرناه من الروايات تصريحا (3) بجواز المتعدّد الذي ليس بعدّي و هو سنّي بالمعنى الأعمّ، فكيف يجمع بينها بحمل أخبار النهي عن الزائد على السنّي؟! و أيضا فإن الطلاق العدّي سنّي بهذا المعنى، فإطلاق المنع منه يتناول العدّي. و حمله على أن المراد به ما عدا العدّي من أفراده خلاف الظاهر و خلاف ما يقتضيه الجمع.

____________

(1) الكافي 6: 82 ح 12، التهذيب 8: 72 ح 240، الاستبصار 3: 300 ح 1062، الوسائل 15: 382 ب «20» من أبواب أقسام الطلاق و أحكامه ح 11.

(2) في هامش «و»: «هو ابن فهد في المهذّب. بخطّه (قدس سرّه)». لاحظ المهذّب البارع 3: 474.

(3) فيما لدينا من النسخ الخطّية و الحجريّتين: تصريح، و الصحيح ما أثبتناه.

134

..........

____________

و إن أراد به السنّي بالمعنى الأخصّ- كما فهمه جلّ المتأخّرين، و لأنه الظاهر من الاستعمال في النصوص- ففيه أن أخبار الجواز شاملة للعدّي و غيره كما بيّناه، و السنّي بالمعنى الأخصّ لا يتحقّق في الحامل، لأنه لا تصير كذلك إلّا بعد الوضع و العقد عليها ثانيا و حينئذ فلا تكون حاملا، و الكلام في الطلاق الواقع بالحوامل ثانيا.

و لا يمكن الحكم بتميّزه بالنيّة، بمعنى أنه إذا نوى أن يطلّقها و هي حامل و لا يراجعها إلى أن تضع ثمَّ يتزوّجها فيصير حينئذ منهيّا عنه، لأن النيّة لا تؤثّر بنفسها في تحقّق الطلاق العدّي و السنّي معا، بل يتوقّفان على شرط متأخّر عنهما، و هو إما الرجعة في العدّة و الوطء فيصير حينئذ الطلاق السابق عدّيا، أو الصبر إلى أن تضع و تجديد العقد فيصير الطلاق الواقع بها حاملا سنّيا، و بعد الوضع لا تصير حاملا، و لا يظهر النهي عن طلاق الحامل كذلك.

إلّا أن يقال: إن تجديد نكاحها بعد الوضع يكون كاشفا على جعل الطلاق السابق سنّيا، فيلحقه حينئذ النهي.

و هذا أيضا في غاية البعد بل الفساد، لأن خبر النهي إنّما دلّ عليه و هي حامل، و هو رواية منصور الصّيقل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «في الرجل يطلّق امرأته و هي حبلى، قال: يطلّقها. قلت: فيراجعها؟ قال: نعم، يراجعها.

قلت: فإنه بدا له بعد ما راجعها أن يطلّقها قال: لا حتى تضع» (1) فكيف يحمل هذا النهي على ما بعد الوضع، مع أنه حال الحمل لا يحكم بكونه سنّيا أو عدّيا حتى

____________

(1) الفقيه 3: 331 ح 1061، التهذيب 8: 71 ح 238، الاستبصار 3: 299 ح 1060، الوسائل 15:

381 ب «20» من أبواب أقسام الطلاق و أحكامه ح 7.

135

..........

____________

يقال يتعلّق به النهي أو الإذن. و أيضا فإن طلاق العدّة الذي أذن فيه لا يظهر بمجرّد الطلاق و لا بالنيّة بل بالرجوع في العدّة و الوطء، فوقوع الطلاق مراعى بذلك من غير أن يحكم بصحّته حال وقوعه و عدمه لا دليل عليه، بل هو دوريّ، لأن جواز الرجعة متوقّف على صحّته، فلو توقّفت صحّته عليها دار.

و الحقّ الإعراض عن هذه التكلّفات التي لا يدلّ عليها دليل، و الرجوع إلى حكم الأصل من جواز طلاق الحامل كغيرها مطلقا بشرائطه، و عدم الالتفات إلى هذه الأخبار الضعيفة الأسناد المتناقضة الدلالة، و ما فيها من الصحيح ليس فيه ما ينافي الجواز، أو حمل أخبار النهي عن الزائد على الكراهة، و جعله قبل شهر آكد، من غير أن يفرّق بين كون الواقع طلاق عدّة أو سنّة بمعنييه. و قد ظهر بذلك أن القول بجواز طلاقها مطلقا هو الأقوى.

و اعلم أنه قد ظهر أن القول بجواز طلاقها ثانيا للعدّة وفاقيّ في الجملة، لأن المتأخّرين جوّزوه مطلقا، و الشيخ (1) خصّ الجواز به، و ابن الجنيد (2) قيّده بوقوعه بعد شهر، و ابنا بابويه (3) أطلقا جوازه بعد ثلاثة أشهر. و بذلك ظهر صحّة ما ادّعاه المصنّف من جوازه إجماعا و إن كان بعضهم يشترط في صحّته شرطا زائدا، لأن ذلك لا ينافي الحكم بجوازه في الجملة. و بهذا يظهر أن ما قيل [1] من أن دعوى المصنّف الإجماع مخصوصة بما بعد عصري الصدوقين و ابن الجنيد لأنهما

____________

[1] في هامش «و»: «القائل بذلك الشيخ جمال الدين بن فهد في المهذّب تبعا لفخر الدين في شرحه. منه (قدس سرّه)». لاحظ إيضاح الفوائد 3: 318، و المهذّب البارع 3: 471.

____________

(1) لاحظ ص: 130.

(2) لاحظ ص: 130.

(3) لاحظ ص: 130.

136

[الثالثة: إذا طلّق الحائل ثمَّ راجعها]

الثالثة: إذا طلّق الحائل (1) ثمَّ راجعها، فإن واقعها و طلّقها في طهر آخر صحّ إجماعا. و إن طلّقها في طهر آخر من غير مواقعة فيه روايتان إحداهما (1): لا يقع الثاني أصلا، و الأخرى (2): يقع. و هو الأصحّ. ثمَّ لو راجع و طلّقها ثالثا في طهر آخر حرمت عليه. و من فقهائنا من حمل الجواز على طلاق السنّة و المنع على طلاق العدّة. و هو تحكّم.

و كذا لو أوقع الطلاق بعد المراجعة و قبل المواقعة في الطهر الأول فيه روايتان (3) أيضا، لكن هنا الأولى تفريق الطلقات على الأطهار إن لم يقع وطء.

____________

مخالفان في جوازه [ضعيف] (4) لأنّك قد عرفت أنهما لا يخالفان في جوازه و إنما يشترطان فيه شرطا آخر كما لا يخفى.

قوله: «إذا طلّق الحائل. إلخ».

(1) اعلم أن طلاق الحائل ثانيا لا يخلو: إما أن يقع بعد المواقعة الواقعة بعد الرجعة، أو قبلها. و الأول يصحّ إجماعا. و الثاني: إما أن يقع في طهر آخر غير الطّهر الذي طلّقها فيه، أو فيه. و في صحّة الطلاق في كلّ منهما قولان أظهرهما بين الأصحاب الصحّة. و المستند فيهما عموم ما دلّ على وقوع الطلاق بالزوجة مطلقا من الكتاب و السنّة الشامل لموضع النزاع، لأنها بعد الرجعة تصير زوجة.

و لوجود المقتضي للصحّة، و هو وقوع الطلاق من أهله في محلّه، فإن محلّه

____________

(1) لاحظها في ص: 138، هامش (2).

(2) لاحظها في الصفحة التالية، هامش (1 و 2).

(3) لاحظهما في ص: 142 هامش (6) و ص: 138 هامش (2).

(4) من هامش «و» بعنوان «ظاهرا» و هو الصحيح، لكي يكون خبرا ل«أن». و العبارة في «ش» هكذا:

و بهذا يظهر ما قيل إن.

137

..........

____________

المرأة الطاهر من الحيض المطلّقة في طهر لم يقربها فيه بجماع، و الأصل عدم اعتبار أمر آخر، و انتفاء المانع، إذ ليس إلّا عدم المواقعة بعد الرجعة، و كون ذلك مانعا يحتاج إلى دليل.

و يدلّ على الأول بخصوصه خصوص صحيحة عبد الحميد بن عواض و محمد بن مسلم قالا: «سألنا أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل طلّق امرأته و أشهد على الرجعة و لم يجامع، ثمَّ طلّق في طهر آخر على السنّة، أ تثبت التطليقة الثانية و قد راجعها و لم يجامعها؟ قال: نعم، إذا هو أشهد على الرجعة و لم يجامع كانت التطليقة ثابتة» (1). و صحيحة أحمد بن أبي نصر قال: «سألت الرضا (عليه السلام) عن رجل طلّق امرأته بشاهدين ثمَّ راجعها و لم يجامعها بعد الرجعة حتى طهرت من حيضها، ثمَّ طلّقها على طهر بشاهدين، أ تقع عليها التطليقة الثانية و قد راجعها و لم يجامعها؟ قال:

نعم» (2).

و خالف في ذلك ابن أبي عقيل فقال: «لو طلّقها من غير جماع بتدنيس مواقعة بعد المراجعة لم يجز ذلك، لأنه طلّقها من غير أن ينقضي الطهر الأول، و لا ينقضي الطهر الأول إلّا بتدنيس المواقعة بعد المراجعة، و إذا جاز أن يطلّق التطليقة الثانية بلا طهر جاز أن يطلّق كلّ تطليقة بلا طهر، و لو جاز ذلك لما وضع اللّه الطهر» (3).

و إنما ذكرنا عبارته لاشتمالها على الاستدلال على حكمه، و به يظهر

____________

(1) التهذيب 8: 45 ح 139، الاستبصار 3: 281 ح 997، و فيهما: كانت التطليقة ثانية، الوسائل 15: 378 ب «19» من أبواب أقسام الطلاق و أحكامه ح 1.

(2) التهذيب 8: 45 ح 140، الاستبصار 3: 281 ح 998، و فيهما: كانت التطليقة ثانية، الوسائل 15: 378 ب «19» من أبواب أقسام الطلاق و أحكامه ح 2.

(3) حكامه عنه العلّامة في المختلف: 592.

138

..........

____________

ضعف قوله مع شذوذه، فإنّا لا نسلّم أن الطهر لا ينقضي بدون المواقعة، للقطع بأن تخلّل الحيض بين الطهرين يوجب انقضاء الطهر السابق، سواء واقع فيه أم لا. ثمَّ لا نسلّم اشتراط انقضاء الطهر في صحّة الطلاق، و إنما الشرط انقضاء الطهر الذي واقعها فيه، و هو منتف هنا، لأن الطلاق الأول وقع بعده في طهر آخر، لأنّه الفرض، فلا يشترط أمر آخر.

و احتجّوا له أيضا- و إن لم يذكره- برواية أبي بصير عن الصادق (عليه السلام) قال: «المراجعة في الجماع و إلّا فإنما هي واحدة» (1). و يمكن الاحتجاج له أيضا بصحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) في الرجل يطلّق امرأته له أن يراجع، و قال: لا يطلّق التطليقة الأخرى حتى يمسّها» (2).

و وجه الاستدلال بهما و إن لم يذكر اشتراط طهر آخر مع المواقعة أن ذلك أمر معلوم من قواعد الطلاق لا خلاف فيه أن الطهر الذي حصلت فيه المواقعة لا يصحّ فيه الطلاق، فاشتراط المواقعة بعد الرجعة يقتضي اشتراط طهر آخر لمن أراد الطلاق ثانيا.

و أجيب بأن الأخبار قد تعارضت ظاهرا فلا بدّ من الجمع بينها. و قد جمع الشيخ في كتابي (3) الحديث بينها بحمل النهي عن تكرار الطلاق بدون تخلّل

____________

(1) الكافي 6: 73 ح 1، التهذيب 8: 44 ح 135، الاستبصار 3: 280 ح 994، الوسائل 15: 376 ب «17» من أبواب أقسام الطلاق و أحكامه ح 1.

(2) الكافي 6: 73 ح 2، التهذيب 8: 44 ح 134، الاستبصار 3: 280 ح 993، الوسائل 15: 376 ب «17» من أبواب أقسام الطلاق و أحكامه ح 2.

(3) التهذيب 8: 46 ذيل ح 141، الاستبصار 3: 282 ذيل ح 999.

139

..........

____________

الوطء على طلاق العدّة، لأنه مشروط بالرجعة و الوطء، و حمل أخبار الجواز على طلاق السنّة بالمعنى الأعمّ.

و المصنّف- (رحمه الله)- نسب هذا الجمع إلى التحكّم. و وجهه: أن كلّا من الأخبار ورد في الرجل يطلّق على الوجه المذكور و يجيب الإمام (عليه السلام) بالجواز أو النهي من غير استفصال فيفيد العموم من الطرفين. و لأن شرط الطلاق العدّي الوطء بعده و بعد الرجعة منه في العدّة، و ها هنا شرط في جواز الطلاق ثانيا سبق الوطء، و سبقه ليس بشرط في طلاق العدّة إنما الشرط تأخّره، فيلزم الشيخ أخذ غير الشرط مكانه. على أن رواية أبي بصير معارضة بصحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجعة بغير جماع تكون رجعة؟ قال: نعم» (1).

و للشيخ أن يجيب بأن الباعث على الجمع التعارض، فلا يضرّه عمومها من الطرفين على تقدير تسليمه، لأن تخصيص العام لأجل الجمع جائز [و] (2) خير من اطّراح أحد الجانبين. و الوطء الذي جعل معتبرا في الطلاق ثانيا يجعل الطلاق السابق عدّيا، و ليس الحكم مختصّا بالطلاق الثاني بل بهما معا، بمعنى أن من أراد طلاق المرأة للعدّة أزيد من مرّة فليس له ذلك و لا (3) يتحقّق إلّا بالمراجعة و الوطء ثمَّ الطلاق ليصير الأول طلاق عدّة، و إذا أراد الطلاق كذلك ثالثا لم يكن له ذلك إلّا بعد الرجعة و الوطء ليصير الثاني عدّيا أيضا و يصير الثالث بحكمها

____________

(1) التهذيب 8: 45 ح 138، الاستبصار 3: 281 ح 996، الوسائل 15: 378 ب «18» من أبواب أقسام الطلاق و أحكامه ح 2.

(2) من إحدى الحجريّتين فقط.

(3) في «ح، ش»: فلا.

140

..........

____________

لتحرم في الثالثة عليه قطعا، بخلاف ما لو طلّقها على غير هذا الوجه، فإن فيه أخبارا (1) كثيرة تؤذن بعدم التحريم تقدّم (2) بعضها و ذكر الشيخ في التهذيب (3) منها جملة متفرّقة في مواضع.

و يؤيّد هذا التأويل قوله في رواية محمد بن مسلم: «ثمَّ طلّق في طهر آخر على السنّة» (4) فإنه صريح في إرادة طلاق السنّة المقابل لطلاق العدّة في اصطلاحهم و إن كان أعمّ منه بحسب الواقع.

و يؤيّد إرادة العدّي الذي يوجب التحريم بغير إشكال رواية المعلّى بن خنيس عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «الذي يطلّق ثمَّ يراجع ثمَّ يطلّق فلا يكون بين الطلاق و الطلاق جماع فتلك تحلّ له قبل أن تزوّج زوجا غيره، و التي لا تحلّ له حتى تنكح زوجا غيره هي التي تجامع فيما بين الطلاق و الطلاق» (5).

و هذا الخبر هو الذي جعله الشيخ موجبا للجمع بينها بما ذكره.

و يؤيّده أيضا رواية أبي بصير في الحسن قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الطلاق الذي لا تحلّ له حتى تنكح زوجا غيره، فقال: أخبرك بما صنعت أنا بامرأة كانت عندي فأردت أن أطلّقها فتركتها حتى طمثت و طهرت طلّقها من غير جماع و أشهدت على ذلك شاهدين، ثمَّ تركتها حتى إذا كادت أن

____________

(1) لاحظ الوسائل 15: 378 ب «19» من أبواب أقسام الطلاق.

(2) في ص: 128، هامش (2).

(3) التهذيب 8: 65، 66.

(4) التهذيب 8: 45 ح 139، الاستبصار 3: 281 ح 997، الوسائل 15: 378 ب «19» من أبواب أقسام الطلاق ح 1.

(5) التهذيب 8: 46 ح 142، الاستبصار 3: 284 ح 1003، الوسائل 15: 379 ب «19» من أبواب أقسام الطلاق ح 3.

141

..........

____________

تنقضي عدّتها راجعتها و دخلت بها و تركتها حتى طمثت و طهرت ثمَّ طلّقتها على طهر من غير جماع بشاهدين، ثمَّ تركتها حتى إذا كان قبل أن تنقضي عدّتها راجعتها و دخلت بها حتى إذا طمثت و طهرت طلّقتها على طهر بغير جماع بشهود. و إنما فعلت ذلك لأنه لم يكن لي بها حاجة» (1). و هذا صريح في أن من أراد طلاقها للعدّة يفعل كذلك فلا (2) ينافي أن من لم يرد هذا النوع من الطلاق لا يجوز له، فتبقى الأخبار (3) التي دلّت على جوازه لا معارض لها.

لكن يبقى في هذا الجواب أن في أخباره (4) دلالة على أن غير طلاق العدّة لا يحرّم في الثالثة، و الشيخ و غيره من الأصحاب لا يقولون به، و قد أنكره هو فيما سلف (5) أشدّ إنكار، و هنا ذكر هذه الأخبار لأجل الجمع، و لم يتعرّض لما يلزم منها، بل اقتصر على أنها مختصّة بطلاق العدّة. و هو جيّد لو لا ما اشتملت عليه من الحكم الذي لا يطابق المذهب.

و لو جمع بينها بحمل أخبار النهي عن الطلاق ثانيا من غير جماع على الكراهة، بمعنى استحباب توسّط الجماع بين الطلاقين، و الأخبار المجوّزة على أصل الإباحة مع إبقاء الطرفين على العموم، كان أولى. و وجه أولويّة الجماع البعد عن مذهب المخالفين المجوّزين لتعدّد الطلاق كيف اتّفق ليصير

____________

(1) الكافي 6: 75 ح 1، التهذيب 8: 41 ح 125، الوسائل 15: 358 ب «4» من أبواب أقسام الطلاق ح 3.

(2) في «ش، ط، و»: و لا.

(3) لاحظ الوسائل 15: 378 ب «19» من أبواب أقسام الطلاق.

(4) لاحظ الوسائل 15: 379 الباب المتقدّم ح 3.

(5) في ص: 129.

142

..........

____________

الأمران على طرف (1) النقيض، حيث إن ذلك معدود عند أصحابنا من طلاق البدعة كما سلف (2). ثمَّ لو لم يظهر الوجه في الجمع لكان متعيّنا حذرا من اطّراح أحدهما (3) رأسا، أو الجمع بما لا يقتضيه أصول المذهب كما جمع به الشيخ. و الحمل على الجواز و الاستحباب (4) سالم عن ذلك و موجب لإعمال الجميع، نظير ما ذكره المصنّف و غيره من أولويّة تفريق الطلقات على الأطهار.

فهذا ما يتعلّق بالقسم الأول من شقيّ المسألة، و هو إيقاع الطلاق في طهر آخر غير الذي طلّقها فيه أولا.

و أمّا [القسم] (5) الثاني- و هو إيقاع الطلاق الثاني بعد المراجعة في الطهر الذي طلّقها فيه أولا- فقد ذكر المصنّف و غيره أن فيه روايتين أيضا:

إحداهما: رواية إسحاق بن عمّار عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «قلت له: رجل طلّق امرأته ثمَّ راجعها بشهود ثمَّ طلّقها ثمَّ بدا له فراجعها ثمَّ طلّقها بشهود تبين منه؟ قال: نعم. قلت: كلّ ذلك في طهر واحد، قال: تبين منه» (6).

و هذه صريحة في الجواز.

و الأخرى رواية عبد الرحمن بن الحجّاج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)-

____________

(1) في الحجريّتين: طرفي.

(2) في ص: 119.

(3) في «ح»: أحدها.

(4) في «ش، و»: أو الاستحباب.

(5) من الحجريّتين.

(6) التهذيب 8: 92 ح 317، الاستبصار 3: 282 ح 1000، الوسائل 15: 379 ب «19» من أبواب أقسام الطلاق ح 5.

143

..........

____________

و هي التي سبقت (1)- و أنه لا يطلّقها ثانيا حتى يمسّها. و دلالتها على اعتبار طهر آخر بالالتزام كما ذكرناه، حيث إن مسّها يوجب توقّف الطلاق على طهر آخر.

و جعلها في مقابلة تلك الروايات الدالّة على عدم اعتبار المسّ أولى، مع أن العلّامة في المختلف (2) و ولده في الشرح (3) و غيرهما لم يذكروها هناك، مع أنها أقوى دلالة على ذلك المطلوب، و ذكروها إحدى الروايتين هنا، و في الحقيقة هي تصلح للدلالة من الطرفين كما ذكرناه.

و في قول المصنّف بعد نقل الروايتين في المسألة: «لكن الأولى هنا تفريق الطلقات على الأطهار» و قوله في المسألة السابقة إن وقوع الطلاق «هو الأصحّ» إشارة إلى الفرق بين الروايتين هنا و في السابقة. و هو كذلك، لأن الدالّ على صحّته في السابقة صحيحتان (4)، و على العدم رواية (5) أبي بصير، و هي ضعيفة سندا و دلالة. أما الأول فلأن في طريقها عبد الكريم، و هو مشترك بين الضعيف و الثقة، و كذلك أبو بصير كما حقّقناه سابقا (6) و إن كان المشهور خلافه. و أما الثاني فلأن دلالتها ظاهرة في أن المراجعة تتوقّف على الجماع لا الطلاق، و اشتراط المراجعة بالجماع منفيّ بالإجماع، مع أنها معارضة بصحيحة عبد الحميد الطائي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجعة بغير جماع تكون رجعة؟

____________

(1) في ص: 138.

(2) راجع المختلف: 592.

(3) إيضاح الفوائد 3: 319، 320.

(4) و هما صحيحتا محمد بن مسلم و أحمد بن أبي نصر، لاحظ الوسائل 15: 378 ب «19» من أبواب أقسام الطلاق ح 1، 2.

(5) مرّ ذكر مصادرها في ص: 138، هامش (1).

(6) راجع ج 8: 50.

144

..........

____________

قال: نعم» (1). و مثلها صحيحة (2) محمد بن مسلم عنه (عليه السلام). و أما خبر عبد الرحمن بن الحجّاج فهو و إن كان صحيحا إلّا أنهم لم يتعرضوا له في تلك المسألة و إنما ذكرناه نحن، و مع ذلك فلا يعارض الصحيحتين. و يمكن الجمع بينهما بما ذكرناه، و بأن هذا الخبر إنما دلّ على النهي عن الطلاق قبل المسيس، و النهي بمجرّده لا يفيد البطلان في غير العبادات، فلا تعارض، فلذلك كان القول بجواز الطلاق من دون الوطء أصحّ.

و أما الثانية فالأمر فيها بالعكس، فإن الخبر (3) الدالّ على الجواز ليس من الصحيح لكنّه من الموثّق، و الصحيح (4) أرجح منه، فكان العمل بمقتضاه أولى، و لكنّه ليس بمتعيّن، لأنه لا يدلّ على البطلان كما ذكرناه. و يمكن حمله على الكراهة، لمعارضة ما تقدّم له في المسألة الاولى. و إذا حمل لأجلها على شيء سقطت دلالته على الثانية، و تبقى موثّقة (5) إسحاق بن عمّار لا معارض لها.

و يؤيّدها عموم ما دلّ على جواز تطليق الزوجة من الكتاب و السنّة، فإن المراجعة في مجلس الطلاق زوجة قطعا، و مع ذلك فلا قائل بالمنع من الطلاق في المسألتين سوى ابن أبي عقيل في الأولى صريحا و في الثانية لزوما، و هو غير قادح في الإجماع على الجانب الآخر على قواعد الأصحاب كما علم غير مرّة.

____________

(1) التهذيب 8: 44 ح 137، الاستبصار 3: 280 ح 995، الوسائل 15: 378 ب «18» من أبواب أقسام الطلاق ح 1.

(2) التهذيب 8: 45 ح 138، الاستبصار 3: 281 ح 996، الوسائل 15: 378 ب «18» من أبواب أقسام الطلاق ح 2.

(3) لاحظ الوسائل 15: 379 ب «19» من أبواب أقسام الطلاق ح 5.

(4) لاحظ الوسائل 15: 376 ب «17» من أبواب أقسام الطلاق ح 2.

(5) لاحظ الوسائل 15: 379 ب «19» من أبواب أقسام الطلاق ح 5.

145

..........

____________

و أما موافقة الشيخ له في المنع من طلاق العدّة فغير قادح في المخالفة، لأن الطلاق المتعدّد الذي يجوّزه (1) في المجلس الواحد بتخلّل الرجعة لا يقول أحد أنه طلاق عدّة.

ثمَّ تنبّه لأمور:

الأول: إن ما ذكره المصنّف من قوله بعد نقل الروايتين: «و الأولى. إلخ» أجود من قول العلّامة في القواعد إنه يجوز تعدّد الطلاق في الطهر الأول «على أقوى الروايتين» (2) لما عرفت من أن رواية الجواز ليست أقوى من رواية المنع، لأنها صحيحة و تلك موثّقة تعدّ من قسم الضعيف. و زاده ولده في الشرح إشكالا بقوله: «و إنما كانت الأولى أقوى من حيث السند، و من حيث اعتضادها بعموم القرآن و الأخبار الصحاح» (3) فإن السند فيها أضعف قطعا لا أقوى. و أما الدلالة فقد ذكرنا ما فيها.

الثاني: الأولويّة المذكورة من حيث دلالة الأخبار (4) الصحيحة على جواز الطلاق بعد الطهر من غير جماع كما ذكرناه، بخلاف تعدّد الطلاق في الطهر الواحد، و مع ذلك ففيها دلالة على جواز الطلاق ثانيا في الطهر الأول، لأن «الأولى» لا تمنع من نقيضه. و قال فخر الدين أيضا: إن وجه الأولويّة «ارتفاع الخلاف فيه» (5). و لا يخفى ما فيه، لأن الخلاف لا يرتفع بذلك، لما عرفت من أن ابن أبي عقيل لا يجوّز الطلاق إلّا بعد المواقعة، و ليس الخلاف هنا إلّا معه،

____________

(1) في «م»: نجوّزه.

(2) قواعد الأحكام 2: 65.

(3) إيضاح الفوائد 3: 320.

(4) لاحظ الوسائل 15: 378 ب «19» من أبواب أقسام الطلاق ح 1، 2.

(5) إيضاح الفوائد 3: 320.

146

..........

____________

و أما الشيخ فلا يمنع من أصل الطلاق المتعدّد، سواء تفرّقت على الأطهار أم لا، و إنما يمنع من نوع خاصّ منها كما عرفت، فليس الخلاف في المسألتين على وجه يتحقّق ثمرته إلّا مع ابن أبي عقيل، و لا خروج من خلافه إلّا بالجماع بعد الرجعة ثمَّ الطلاق في طهر آخر. و بهذا يظهر أن الأولويّة المحضة إنما هي تفريق الطلقات على الأطهار مع مراعاة الجماع بعد الرجعة كما حكاه الباقر (عليه السلام) عن فعله (1).

الثالث: حيث يجوز الطلاق ثانيا في العدّة من غير وقاع تكون الطلقة رجعيّة أيضا كالأولى و إن كان واقعا بعد الرجعة السابقة من غير مسيس، لأن الرجعة ترفع أثر الطلاق السابق و تصير الزوجة مدخولا بها كما كانت قبل الطلاق، كما دلّت عليه الأخبار (2) السابقة حيث جوّز طلاقها ثانيا و ثالثا مع تفريق الطلقات على الأطهار، و الأخبار (3) التي دلّت على اعتبار الوقاع ليست منافية لذلك، لأنها جعلت الوقاع معتبرا في الطلاق الثاني لا في جواز الرجعة بعده و عدمها، و إن كان جواز الرجعة مترتّبا على صحّة الطلاق إلّا أن ذلك أمر آخر غير الحكم بكون الطلاق بائنا أو رجعيّا.

و إنما يرتفع حكم الدخول السابق بانقضاء العدّة في الرجعي أو بالطلاق البائن مطلقا، فإذا جدّد العقد عليها بعد ذلك اعتبر الدخول بعده في جعل الطلاق المتعقّب له رجعيّا، حتى لو فرض كون الطلاق بعوض و كانت بائنة قبل أن ترجع في البذل لم يزل حكم الزوجيّة- الذي منه كونه مدخولا بها- إلى أن تنقضي

____________

(1) لاحظ الوسائل 15: 358 ب «4» من أبواب أقسام الطلاق ح 3.

(2) لاحظ الوسائل 15: 378 ب «19» من أبواب أقسام الطلاق ح 1، 2.

(3) لاحظ الوسائل 15: 376 ب «17» من أبواب أقسام الطلاق.

147

أما لو وطئ (1) لم يجز الطلاق إلّا في طهر ثان إذا كانت المطلّقة ممّن يشترط فيها الاستبراء.

[الرابعة: لو شكّ المطلّق في إيقاع الطلاق]

الرابعة: لو شكّ المطلّق (2) في إيقاع الطلاق لم يلزمه الطلاق لرفع الشكّ، و كان النكاح باقيا.

____________

العدّة، فلو رجعت في البذل فرجع في الطلاق عاد حكمها السابق و صارت مدخولا بها. و هذا ممّا لا خلاف فيه و لكنّه محلّ توهّم.

قوله: «أما لو وطئ. إلخ».

(1) قد سبق (1) أن التي لا يشترط فيها الاستبراء الصغيرة التي لا تبلغ المحيض و اليائسة و الحامل. و هذا الحكم منفيّ في اليائسة، إذ لا عدّة لها، فبقي الوصف مخرجا للحامل و الصغيرة. و يمكن فرضه في اليائسة، بأن يتجدّد اليأس بعد الرجوع و الوطء فيسقط اعتبار الطهر الثاني فيها أيضا، لعدم إمكانه.

قوله: «لو شكّ المطلّق. إلخ».

(2) إذا شكّ الرجل في طلاق امرأته لم يحكم بوقوع الطلاق، لأن الأصل عدمه و بقاء النكاح، كما أنه يستصحب أصل التحريم عند الشكّ في النكاح، و أصل الطهارة عند الشكّ في الحدث، و بالعكس.

و لو شكّ في عدده بعد علمه بأصله أخذ بالأقلّ و استصحب حكم الأصل في الزيادة كما يستصحب عند الشكّ في أصل الطلاق، خلافا لمالك (2) حيث ذهب هنا إلى الأخذ بالأكثر، كما إذا تحقّق النجاسة في ثوبه و لم يعرف قدرها، فإنه يأخذ بالأكثر و يغسل جميع ما يقع فيه الاشتباه و لو في جميع الثوب. و ردّ

____________

(1) في ص: 47.

(2) المدوّنة الكبرى 3: 13، حلية العلماء 7: 111، 112، الحاوي الكبير 10: 274.

148

..........

____________

بالفرق بين الأمرين، فإنه ليس للنجاسة قدر معلوم حتى يستصحب أصل العدم فيما عداه، و قد تيقّن النجاسة فيجب استصحابها إلى أن يتيقّن الطهارة، بخلاف ما هنا، فإنّ قدر الطلاق من واحدة أو اثنتين معلوم فيستصحب أصل العدم فيما عداه. و وزان النجاسة في مسألتنا أن يتحقّقها في طرف من الثوب و يشكّ في إصابتها طرفا آخر، و حينئذ فلا يجب غسل الموضع المشكوك فيه.

و لو دار الشكّ بين طلاق امرأتين من نسائه وجب اجتنابهما إلى أن يتذكّر، لتحريم إحداهما قطعا و اشتباهها بمحصور، حتى لو اشتبهت في الأربع وجب اجتنابهنّ، و تكون مسألة الطلاق هنا كما قاله مالك في الأول على وزان النجاسة.

و ليس كذلك ما لو دار الاشتباه بين زوجتي رجلين، بأن أرادا طلاقهما و لم يوقعا إلّا واحدا ثمَّ اشتبهت المطلّقة و بدا لهما في طلاق الأخرى، فإنّا لا نحكم بطلاق واحدة منهما، بخلاف ما لو اتّحد الشخص و تعدّدت المنكوحة. و الفرق أن الشخص الواحد يمكن حمله على مقتضى الالتباس و ربط بعض أمره ببعض، و الرجلان يمتنع الجمع بينهما في توجيه الخطاب. و معلوم أن أحدهما لو انفرد بما قال لم يحكم بوقوع طلاقه، فيستحيل أن يتغيّر حكمه بمقالة تصدر من غيره.

و هذا كما إذا سمعنا صوت حدث بين اثنين ثمَّ قام كلّ واحد منهما إلى الصلاة لم يكن للآخر أن يعترض عليه، و لو أن الواحد صلّى صلاتين و تيقّن الحدث في إحداهما ثمَّ التبست عليه يؤمر بقضاء الصلاتين إن اختلفتا عددا، و إلّا فالعدد المطلق بينهما، فعلم أنه إذا كان الشخص واحدا لم يمتنع توجيه الخطاب عليه بمؤاخذة تتعلّق بواقعتين.

و اعلم أنه على تقدير عدم الحكم بالطلاق مع الشكّ في العين أو العدد لا

149

[الخامسة: إذا طلّق غائبا]

الخامسة: إذا طلّق غائبا (1)، ثمَّ حضر و دخل بالزوجة، ثمَّ ادّعى الطلاق، لم تقبل دعواه و لا بيّنته، تنزيلا لتصرّف المسلم على المشروع، فكأنّه مكذّب لبيّنته. و لو كان أولد لحق به الولد.

____________

يخفى طريق الورع و الأخذ بالاحتياط في ذلك، فينبغي (1) مع وقوع الشكّ في أصل الطلاق و هو رجعي و العدّة باقية أن يراجعها ليكون على يقين من الحلّ، و إن طاب نفسا بالإعراض عنها طلّقها ليحصل الحلّ لغيره يقينا. و لو كان الشك في العدد بين اثنين و ثلاث ينبغي أن لا ينكحها حتى تنكح زوجا غيره. و إن كان الشك في أنه أوقع الثلاث أو لم يوقع شيئا طلّقها ثلاثا لتحلّ لغيره يقينا، أو أوقع واحدة ثمَّ لا يرجع فيها، إلى غير ذلك من صور الشك.

قوله: «إذا طلّق غائبا. إلخ».

(1) الأصل في هذه المسألة رواية سليمان بن خالد قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل طلّق امرأته و هو غائب و أشهد على طلاقها ثمَّ قدم و أقام مع المرأة أشهرا لم يعلمها بطلاقها، ثمَّ إن المرأة ادّعت الحبل، فقال الرجل:

قد طلّقتك و أشهدت على طلاقك، قال: يلزم الولد و لا يقبل قوله» (2).

و يؤيّدها ما ذكره المصنّف من أنه بفعله مكذّب لبيّنته فلا تسمع. و بأن تصرّف المسلم يبنى على الصحّة، فإذا ادّعى بعد ذلك ما يخالفه لا يزول ما قد ثبت سابقا.

و يشكل الأخير بأن تصرّفه إنما يحمل على المشروع حيث لا يعترف بما

____________

(1) في الحجريّتين: فيتعيّن.

(2) الكافي 6: 80 ح 5، التهذيب 8: 61 ح 197، الوسائل 15: 374 ب «15» من أبواب أقسام الطلاق ح 4.

150

[السادسة: إذا طلّق الغائب و أراد العقد على رابعة أو على أخت الزوجة]

السادسة: إذا طلّق الغائب (1) و أراد العقد على رابعة أو على أخت الزوجة صبر تسعة أشهر، لاحتمال كونها حاملا. و ربما قيل: سنة احتياطا، نظرا إلى حمل المسترابة. و لو كان يعلم خلوّها من الحمل كفاه ثلاثة أقراء أو ثلاثة أشهر.

____________

ينافيه، و لهذا لو وجدناه يجامع امرأة و اشتبه حالها لا يحكم عليه بالزنا، فإذا أقرّ أنه زان يحكم عليه بمقتضاه.

و أما تكذيب فعله بيّنته فإنما يتمّ مع كونه هو الذي أقامها، فلو قامت الشهادة حسبة و ورّخت بما ينافي فعله قبلت و حكم بالبينونة. و يبقى في إلحاق الولد بهما أو بأحدهما ما قد علم من اعتبار العلم بالحال و عدمه. و هذا كلّه إذا كان الطلاق بائنا أو رجعيّا و انقضت العدّة، و إلّا قبل [قوله] (1) و حسبت من الثلاث، فيكون الوطء رجعة.

قوله: «إذا طلّق الغائب. إلخ».

(1) وجوب التربّص تسعة أشهر ذكره الشيخ في النهاية (2). و المستند حسنة حمّاد بن عثمان قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ما تقول في رجل له أربع نسوة طلّق واحدة منهنّ و هو غائب عنهنّ متى يجوز له أن يتزوّج؟ قال: بعد تسعة أشهر، و فيها أجلان فساد الحيض و فساد الحمل» (3).

و على مدلول الرواية اقتصر ابن إدريس (4) فلم يعدّ الحكم إلى التزويج

____________

(1) من إحدى الحجريّتين.

(2) النهاية: 518.

(3) الكافي 6: 80 ح 6، التهذيب 8: 63 ح 206، الوسائل 15: 479 ب «47» من أبواب العدد ح 1.

(4) السرائر 2: 692.

151

..........

____________

بأخت المطلّقة، محتجّا بأن ذلك قياس لا يجوز عندنا. و كذا التعليل المستنبط.

و أوجب في تزويجه بالأخت أن يصبر إلى أن تنقضي عدّتها بحسب ما يعلمه من عادتها. و أراد بالعلم هنا ما سبق نظيره في العلم بانتقالها من طهر إلى آخر بحسب عادتها، و هو الظنّ الغالب.

و ردّ عليه في المختلف (1) بأنه لا فرق بين الأمرين، و كما تحرم الخامسة كذا تحرم الأخت في العدّة، و كما أوجنبا الصبر تسعة أشهر في الخامسة استظهارا كذا يجب في الأخت. و بأن العلم بانقضاء العدّة يوجب جواز تزويج الخامسة كما يجوز تزويج الأخت، و إنما يجب الصبر مع الاشتباه.

و لابن إدريس أن يقول: إنه لم يلتزم بحكم الخامسة إلّا من حيث الإجماع الذي يفهمه في المسألة و نظائرها، فلا يمكنه المخالفة، و يرجع في غير المجمع عليه إلى حكم الدليل، و لمّا لم يذكر الشيخ الأخت تبعا للرواية اقتصر ابن إدريس على موافقته في موضع الوفاق خاصّة، فلا يضرّها ما ذكر من اشتراكهما في الموجب، فإنه يمنع الاشتراك، لأن ما ذكروه من حكم الخامسة أمر مبنيّ على الاستظهار لا على الدليل القطعي، فلا يلزم مثله فيما ناسبها.

و أما إيراده عليه بأنه مع العلم بانقضاء العدّة لا فرق بين الأمرين فليس بشيء، لأن هذا الذي اعتبره إنما هو العلم بالمعنى الأعمّ، و هو لا يدفع الاشتباه و الحكم بالاستظهار في موضع النصّ.

و يؤيّد ما ذكره ابن إدريس من جواز الرجوع إلى ما يعلم من العادة

____________

(1) المختلف: 589.

152

..........

____________

صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إذا طلّق الرجل امرأته و هو غائب فليشهد عند ذلك، فإذا مضى ثلاثة أشهر فقد انقضت عدّتها» (1).

و هذه شاملة للأخت و غيرها. و اعتبار الثلاثة أشهر مبنيّ على الغالب من أن كلّ شهر يحصل فيه حيضة للمرأة فتنقضي العدّة بثلاثة أشهر غالبا، و هو كالظنّ الغالب بعادتها. و لو فرض اشتباه عادتها كانت الثلاثة الأشهر عدّة لمن في معناها و هي المسترابة. فالجمع بين هذه الرواية و السابقة يحصل بالاقتصار بالسابقة على ما دلّت عليه خاصّة و العمل في غيره بما دلّت عليه الثانية، مع أن هذه أصحّ سندا من الاولى. و أما القول بالتربّص سنة فهو خارج عن الأمرين، و قياس على عدّة المسترابة. و سيأتي (2) ما فيها.

و بهذا القول عمل العلّامة في القواعد (3) مقتصرا عليه و بالتسعة عمل في المختلف (4) و التحرير (5) مقتصرا عليها. و الأقوى الاكتفاء بالتسعة و عدم الفرق بين تزويج الخامسة و الأخت. و موضع الاشتباه ما إذا كان الطلاق رجعيّا، فلو كان بائنا جاز تزويجها مطلقا كما تقدّم (6) في النكاح.

____________

(1) التهذيب 8: 61 ح 199، الوسائل 15: 448 ب «28» من أبواب العدد ح 11.

(2) في ص: 240- 246.

(3) قواعد الأحكام 2: 65.

(4) المختلف: 589.

(5) تحرير الأحكام 2: 55.

(6) في ج 7: 350.

153

[النظر الثالث: في اللواحق]

النظر الثالث: في اللواحق و فيه مقاصد:

[الأول: في طلاق المريض]

الأول: في طلاق المريض.

يكره للمريض (1) أن يطلّق، و لو طلّق صحّ. و هو يرث زوجته ما دامت في العدّة الرجعيّة، و لا يرثها في البائن و لا بعد العدّة. و ترثه هي- سواء كان طلاقها بائنا أو رجعيّا- ما بين الطلاق و بين سنة ما لم تتزوّج أو يبرأ من مرضه الذي طلّقها فيه.

فلو برئ ثمَّ مرض ثمَّ مات لم ترثه إلّا في العدّة الرجعيّة.

____________

قوله: «يكره للمريض. إلخ».

(1) طلاق المريض كطلاق الصحيح في الوقوع و لكن يزيد عنه بكراهته مطلقا، و اختصاص كراهة طلاق الصحيح بموارد مخصوصة كما سبق (1). و وجه الكراهة النهي عنه في كثير من الأخبار، بل إطلاق عدم جوازه، روى زرارة في الحسن عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «ليس للمريض أن يطلّق، و له أن يتزوّج» (2).

و روى عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «سألته عن المريض إله أن يطلّق امرأته في تلك الحال؟ قال: لا» (3). و مثله روى عبيد بن زرارة (4) عنه

____________

(1) في ص: 119.

(2) الكافي 6: 123 ح 12، التهذيب 8: 77 ح 261، الوسائل 15: 383 ب «21» من أبواب أقسام الطلاق ح 1.

(3) الكافي 6: 121 ح 1، الفقيه 3: 353 ح 1689، التهذيب 8: 77 ح 259، الاستبصار 3: 303 ح 1078، الوسائل الباب المتقدّم ح 2.

(4) كذا في «م» و في سائر النسخ الخطّية و الحجريّتين: عبد اللّه بن زرارة، و لم نظفر له على رواية في الباب.

انظر الكافي 6: 122 ح 4، التهذيب 8: 76 ح 258، الاستبصار 3: 303 ح 1077، الوسائل الباب المتقدّم ح 3.

154

..........

____________

(عليه السلام). و وجه حملها على الكراهة الجمع بينها و بين ما دلّ على جوازه في أخبار (1) كثيرة يأتي (2) بعضها.

ثمَّ إن كان الطلاق رجعيّا توارثا ما دامت في العدّة إجماعا، لأن المطلّقة رجعيّا بمنزلة الزوجة. و إن كان بائنا لم يرثها الزوج مطلقا كالصحيح، و ترثه هي في العدّة و بعدها- و كذا الرجعيّة بعدها- إلى سنة من حيث الطلاق ما لم تتزوّج بغيره أو يبرأ من مرضه الذي طلّق فيه. هذا هو المشهور بين الأصحاب خصوصا المتأخّرين منهم.

و ذهب جماعة- منهم الشيخ في النهاية (3)- إلى ثبوت التوارث بينهما في العدّة مطلقا، و اختصاص الإرث بعدها بالمرأة منه دون العكس إلى المدّة المذكورة.

و حجّة المشهور أن الطلاق البائن موجب لانقطاع العصمة مناف للميراث و قد حصل، خرج من ذلك إرثها منه بالنصّ و الإجماع فيبقى الباقي. و لأن المقتضي لإرثها تهمته بمنعها من الإرث كما سيأتي (4)، و هو منتف من جانبه. و من الأخبار موثّقة زرارة قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل يطلّق امرأته، قال: ترثه و يرثها ما دامت له عليها رجعة» (5). و قيد الرجعة لا يصلح في ميراثها

____________

(1) راجع الوسائل 15: 384 ب «22» من أبواب أقسام الطلاق.

(2) في الصفحة التالية. هامش (1).

(3) النهاية: 509.

(4) في ص: 157.

(5) الكافي 7: 134 ح 2، التهذيب 8: 81 ح 277، الاستبصار 3: 308 ح 1095، الوسائل 17: 530 ب «13» من أبواب ميراث الأزواج ح 4، و فيه: يرثها و ترثه.