مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام - ج9

- الشهيد الثاني المزيد...
537 /
155

و لو قال: طلّقت (1) في الصحّة ثلاثا، قبل منه و لم ترثه. و الوجه أنه لا يقبل بالنسبة إليها.

____________

إجماعا، لثبوته مطلقا، فيبقى في ميراثه، و للقرب، و إذا انتفى القيد انتفى الحكم تحقيقا لفائدته. و حسنة الحلبي أنه سئل عن رجل يحضره الموت فيطلّق امرأته، هل يجوز طلاقه؟ قال: «نعم، و إن مات ورثته، و إن ماتت لم يرثها» (1). و ليس ذلك في الرجعي، لاتّفاقهما في الحكم، فهو في البائن.

و حجّة الشيخ و أتباعه روايات (2) تدلّ بظاهرها على ثبوت التوارث بينهما من غير تفصيل. و الأخبار من الجانبين غير نقيّة، و الأولى الرجوع إلى حكم الأصل و الوقوف على موضع الوفاق، و هو دالّ على الأول.

قوله: «و لو قال: طلّقت. إلخ».

(1) وجه القبول: أن إقرار المريض بما له أن يفعله مقبول- كما مرّ في بابه (3)- و إن كان على الوارث، و ينزّل ما أقرّ مريضا بفعله حال الصحّة منزلة ما لو فعله حال الصحّة. و لأن الحكم معلّق على إنشائه الطلاق مريضا بالنصّ (4)، و الإقرار ليس بإنشاء. و حينئذ فلا ترثه، لانتفاء المقتضي للإرث مع البينونة و هو طلاقها مريضا.

____________

(1) الكافي 6: 123 ح 11، الفقيه 3: 354 ح 1695، التهذيب 8: 79 ح 268، الاستبصار 3: 304 ح 1081، الوسائل 15: 385 ب «22» من أبواب أقسام الطلاق ح 2.

(2) لاحظ الوسائل 15: 387 ب «22» من أبواب أقسام الطلاق ح 12 و 13، و ص 464 ب «36» من أبواب العدد ح 2 و 7.

(3) لم نجد التصريح بذلك في بابه، راجع ج 6: 304 و بعدها و كذا النظر الثاني من كتاب الإقرار.

(4) لاحظ الهامش (1) هنا.

156

و لو قذفها و هو مريض (1) فلا عنها و بانت باللعان لم ترثه، لاختصاص الحكم بالطلاق.

____________

و وجه ما اختاره المصنّف من عدم القبول بالنسبة إليها: أن المانع من ترتّب حكم البينونة مع طلاقه مريضا هو التهمة بفراره به من إرثها، و هو موجود مع الإقرار. و حينئذ فيلغو قيد الصحّة و يحكم عليه بالطلاق البائن و ترثه إلى المدّة المذكورة و لا يرثها. و لا يخلو من إشكال، للفرق بين الإقرار و الإنشاء.

قوله: «و لو قذفها و هو مريض. إلخ».

(1) لمّا كان هذا الحكم ثابتا مع الطلاق البائن على خلاف الأصل اقتصر فيه على مورده، فلا يتعدّى إلى غيره من الأسباب التي تحصل بها البينونة في حال المرض، كاللعان المسبّب عن القذف في حال المرض، لأنه قياس محض لا نقول به. و للعامّة (1) القائلين بالقياس مع اتّحاد العلّة هنا وجهان.

و لو استند اللعان حال المرض إلى القذف حال الصحّة فلا خلاف في عدم الإرث، لانتفاء التهمة التي هي علّة الإلحاق بالطلاق. و مثله ما لو كان الفسخ لعيب في المرض، و أولى بعدم الإرث هنا، لرجحان كون الفسخ بسبب العيب لا بالتهمة، بخلاف القذف و الطلاق. و تردّد فيه العلّامة في القواعد (2)، و لا وجه له على أصله.

____________

(1) الحاوي الكبير 10: 270.

(2) قواعد الأحكام 2: 65.

157

و هل التوريث (1) لمكان التهمة؟ قيل: نعم. و الوجه تعلّق الحكم بالطلاق في المرض لا باعتبار التهمة.

و في ثبوت الإرث مع سؤالها الطلاق تردّد أشبهه أنه لا إرث. و كذا لو خالعته أو بارأته.

____________

قوله: «و هل التوريث. إلخ».

(1) اختلف الأصحاب في أن ثبوت الإرث للمطلّقة في المرض هل هو مترتّب على مجرّد الطلاق فيه، أو معلّل بتهمته في إرادة حرمانها من الإرث فعوقب بنقيض قصده، كما لو قتل مورّثه استعجالا للإرث، فإنه يحرم الميراث؟ فذهب الشيخ في كتابي (1) الفروع و الأكثر إلى الأول، لإطلاق النصوص (2) بكون الطلاق في تلك الحالة مقتضيا لذلك، و لأن العلّة مستنبطة لا منصوصة فلا تعتبر. و ذهب في الاستبصار (3) إلى الثاني، لرواية زرعة عن سماعة قال: «سألته عن رجل طلّق امرأته و هو مريض، قال: ترثه ما دامت في عدّتها، و إن طلّقها في حال إضرار فهي ترثه إلى سنة، فإن زاد على السنة يوم واحد لم ترثه» (4). و روى محمد بن القاسم الهاشمي قال: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: لا ترث المختلعة و المبارئة و المستأمرة في طلاقها من الزوج شيئا إذا كان منهنّ في مرض الزوج و إن مات، لأن العصمة قد انقطعت منهنّ و منه» (5). و هذه ظاهرة في اعتبار

____________

(1) المبسوط 5: 69، الخلاف 4: 486 مسألة (55).

(2) لاحظ الوسائل 15: 384 ب «22» من أبواب أقسام الطلاق.

(3) الاستبصار 3: 306 ذيل ح 1089.

(4) الكافي 6: 122 ح 9، الفقيه 3: 354 ح 1694، التهذيب 8: 78 ح 267، الاستبصار 3: 307 ح 1090، الوسائل 15: 385 ب «22» من أبواب أقسام الطلاق ح 4.

(5) التهذيب 8: 100 ح 335، الوسائل 17: 535 ب «15» من أبواب ميراث الأزواج.

158

..........

____________

التهمة، لأن المذكورات لا يتّهم المطلّق فيهنّ من حيث إن الطلاق مستند إلى مطالبتهنّ و بذلك المال. و العلّة على هذا منصوصة، و فيه مع ذلك الجمع بين الأخبار. و رجّحه العلّامة في المختلف (1) و الإرشاد (2). و فيه نظر، لضعف طريق الخبرين و قطع الأول، فلا يصلحان لإثبات الحكم.

إذا تقرّر ذلك فيتفرّع على القولين ما لو سألته الطلاق، لانتفاء التهمة بسؤالها، و ما لو خالعها إن قلنا إن الخلع طلاق إذا (3) تبع بالطلاق، لاستناد السبب إليها ببذل المال فانتفت التهمة. و لو لم نجعله طلاقا فأولى بعدم ثبوت الميراث، لأن الحكم في النصّ معلّق على الطلاق إما مع التهمة أو بدونها، و هما منتفيان مع الخلع. و لو سألته الطلاق فلم يجبها في الحال ثمَّ طلّقها بعد ذلك تحقّقت التهمة. و كذا لو سألت طلاقا رجعيّا فطلّق بائنا، أو علّقت السؤال بصفة فطلّق بدونها.

و كما لا يلحق بالطلاق غيره من أنواع الفسخ لا يلحق بالمرض ما أشبهه من الأحوال المخوفة على الأصحّ فيهما، وقوفا فيما خالف الأصل على موضع اليقين. و ألحق ابن الجنيد (4) الأسير غير الآمن على نفسه غالبا، و المأخوذ للقود أو لحدّ يخاف مثله عليه بالمرض. و نفى العلّامة (5) عنه البأس. و الأقوى المشهور. و أولى بعدم ترتّب الحكم ما لو كان الفرار (6) بالفسخ من جهتها، كما لو

____________

(1) المختلف: 583.

(2) الإرشاد 2: 467- 468.

(3) في «ش» و الحجريّتين: أو اتبع.

(4) لم نعثر عليهما.

(5) لم نعثر عليهما.

(6) في إحدى الحجريّتين: الفراق.

159

..........

____________

أرضعت زوجها الصغير في مرض موتها لينفسخ نكاحه فلا يرثها. و لبعض العامّة (1) هنا قول بإرثه قياسا على إرثها بفراره. و هو بعيد.

فرع: لو طلّق إحدى امرأتيه و نوى معيّنة ثمَّ مرض مرض الموت فعيّن واحدة منهما قبل منه و لم ترث. و لو كان قد أبهم ابتداء و عيّن في المرض واحدة بني على أن الطلاق يقع بالتعيين أو بيان لمحلّ الطلاق الواقع بالصيغة، فإن قلنا بالثاني لم ترث قطعا، و إن قلنا بالأول ورثت، لوقوع الطلاق في المرض.

و يحتمل على هذا القول عدم الإرث، لوجود سببه حال الصحّة و إن لم يتمّ إلّا في المرض.

ثمَّ عد إلى عبارة المصنّف:

و اعلم أنه اختار أولا تعلّق الحكم بالطلاق لا باعتبار التهمة بقوله: «و الوجه. إلخ» ثمَّ عطف عليه حكم ما لو سألته الطلاق أو خالعها أو بارأها بالواو و حكم فيه بعدم الإرث، و هو متفرّع على اعتبار التهمة التي قد نفاها أولا، إذ لو جعلنا العلّة الطلاق في المرض مجرّدا لحكمنا بتوريث المذكورات كغيرهنّ من المطلّقات، و رجوعه عن الأول مع اتّصال المسألتين بعيد. و كان حقّ المسألة الأخيرة تفريعها على السابقة بالفاء و الحكم فيها بالإرث. و يمكن التخلّص من الإشكال في الخلع بأن يكون الوجه فيه جعله فسخا لا طلاقا، فنفي الإرث فيه مع حكمه سابقا بترتّب الحكم على الطلاق سهل. أما الحكم في الباقيتين فمشكل.

____________

(1) روضة الطالبين: 6: 69.

160

[فروع]

فروع

[الأول: لو طلّق الأمة مريضا]

الأول: لو طلّق الأمة (1) مريضا طلاقا رجعيّا فأعتقت في العدّة و مات في مرضه ورثته في العدّة، و لم ترثه بعدها، لانتفاء التهمة وقت الطلاق.

و لو قيل ترثه كان حسنا.

و لو طلّقها بائنا فكذلك. و قيل: لا ترث، لأنه طلّقها في حال لم يكن لها أهليّة الإرث.

و كذا لو طلّقها كتابيّة ثمَّ أسلمت.

____________

قوله: «لو طلّق الأمة. إلخ».

(1) هذه من المسائل المتفرّعة على أن المقتضي للميراث هل هو الطلاق في المرض مطلقا، أو هو مع قيد التهمة بالفرار من الإرث؟ فعلى الثاني لا إرث هنا، لانتفاء التهمة، لأن الأمة و الكتابيّة لا ترث وقت الطلاق. و على الأول ترث، لوجود المقتضي له و هو الطلاق في المرض، و انتفاء المانع، إذ ليس هناك إلّا كونهما غير وارثتين حال الطلاق، و هو لا يصلح للمانعيّة، لأن المعتبر استحقاق الإرث حال الحكم به، و المفروض أنها حينئذ حرّة مسلمة.

و قيل: لا ترث و إن انتفت التهمة، لما أشار إليه المصنّف من أنه طلّقها في حال لم يكن لها أهليّة الإرث، و المفروض كون الطلاق بائنا، فلم يصادف وقت الإرث أهليّتها له للبينونة، و لا وقت الطلاق لوجود المانع و هو الرقّ أو الكفر.

و استدلّ عليه فخر الدين (1) أيضا بأن النكاح الحقيقي لم يوجب لهما الميراث فكيف الطلاق؟! و فيه نظر، لمنع أن النكاح لا يوجب الميراث، بل هو موجب له مطلقا

____________

(1) إيضاح الفوائد 3: 322.

161

[الثاني: إذا ادّعت المطلّقة أن الميّت طلّقها في المرض]

الثاني: إذا ادّعت (1) المطلّقة أن الميّت طلّقها في المرض، و أنكر الوارث و زعم أن الطلاق في الصحّة، فالقول قوله، لتساوي الاحتمالين، و كون الأصل عدم الإرث إلّا مع تحقّق السبب.

____________

و لكن الكفر و الرقّ مانعان من الإرث، إذ الإسلام و الحرّية شرط فيه، و تخلّف الحكم عن السبب لوجود مانع أو فقد شرط لا يقدح في سببيّته، فإذا فقد المانع أو وجد الشرط عمل السبب عمله، كما حقّق في الأصول، و الأمر هنا كذلك.

و الأقوى ثبوت الإرث مع زوال المانع في العدّة الرجعيّة، و في البائن مع زوال المانع قبل القسمة خاصّة.

و اعلم أن ميل المصنّف هنا إلى ثبوت الإرث رجوع إلى جعل الطلاق بمجرّده سببا في الإرث كما اختاره أولا، خلاف ما رجع إليه ثانيا، و هذا عجيب منه.

قوله: «إذا ادّعت. إلخ».

(1) لمّا كان إرث المطلّقة ثابتا (1) على خلاف الأصل و متوقّفا على شرط و هو وقوع طلاقها في مرض موت الزوج فلا بدّ في الحكم بثبوته من العلم بسببه و إلّا فالأصل عدم إرثها. فإذا اتّفقت هي و الوارث على كونها مطلّقة قبل موت الزوج، و ادّعت وقوع الطلاق في مرض موته و أنكر الوارث، فقد حصل الشك في وجود [السبب] (2) المقتضي للإرث مع الاتّفاق على اتّصافها بالبينونة الموجبة لانتفائه، فيقدّم قول الوارث، لما ذكر من أصالة عدم إرث البائنة إلّا مع اتّصافها بوصف و هو كون طلاقها وقع في المرض، و لم يثبت.

____________

(1) في «ش، م»: بائنا.

(2) من الحجريّتين.

162

[الثالث: لو طلّق أربعا في مرضه، و تزوّج أربعا]

الثالث: لو طلّق أربعا (1) في مرضه، و تزوّج أربعا و دخل بهنّ، ثمَّ مات فيه، كان الربع بينهنّ بالسويّة. و لو كان له ولد تساوين في الثمن.

____________

و تعليل المصنّف الحكم بتقديم قول الوارث ب«تساوي الاحتمالين» يعني وقوع الطلاق في المرض و عدمه لا يخلو من نظر، لأنه إما أن يعلم له مرض مات فيه، أو لا يعلم ذلك بأن احتمل موته فجأة. و في الأول الأصل استمرار الزوجيّة إلى حين المرض، و الطلاق حادث فالأصل (1) عدم تقدّمه، و ذلك يقتضي ترجيح وقوعه في المرض بأصلين. و مع الوارث أصالة عدم إرث البائنة في حال الحياة إلّا مع العلم بسببه. و هنا الاحتمالان غير متساويين، و في ترجيح قول الوارث نظر، لما ذكر من معارضة الأصلين، فإذا تساقط مع أصل يبقى المرجّح بالأصل الآخر.

و أما الثاني و هو أن لا يعلم له مرض مات فيه فترجيح قول الوارث واضح، إذ لا معارض لأصله، و مع ذلك فالاحتمالان غير متساويين أيضا، فينبغي ملاحظة ذلك.

قوله: «لو طلّق أربعا. إلخ».

(1) وجه التقييد بالدخول بالجديدات ما سيأتي (2) إن شاء اللّه تعالى من أن نكاح المريض مشروط بالدخول، فلو مات قبله فلا إرث للزوجة. و حينئذ فإذا دخل بالأربع ورثنه بالزوجيّة المقتضية له، و ورث المطلّقات أيضا، لكون طلاقهنّ في المرض المقتضي لثبوت الإرث و إن خرجن عن الزوجيّة. و لمّا كان

____________

(1) في «و»: و الأصل.

(2) في المسألة السادسة من المقصد الثاني من كتاب الفرائض.

163

[المقصد الثاني: في ما يزول به تحريم الثلاث]

المقصد الثاني: في ما يزول (1) به تحريم الثلاث.

إذا وقعت الثلاث على الوجه المشترط حرمت المطلّقة حتى تنكح زوجا غير المطلّق.

____________

سبب الإرث في الجميع الزوجيّة اشتركن في سهمها- و هو الربع أو الثمن- بالسويّة كاشتراك الزوجات الأربع فيه. و لا يرث ما زاد عن الأربع بالزوجيّة إلّا هنا.

قوله: «في ما يزول. إلخ».

(1) لا فرق بين وقوع الطلقات الثلاث في نكاح واحد و أكثر، و لا بين كونه قبل الدخول و بعده. و الأصل فيه قوله تعالى فَإِنْ طَلَّقَهٰا فَلٰا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّٰى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ (1) و المراد الطلقة الثالثة. و روي أن امرأة رفاعة القرظي جاءت إلى النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) فقالت: «إنّي كنت عند رفاعة فطلّقني فبتّ طلاقي فتزوّجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، و إنما معه مثل هدبة الثوب، فتبسّم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) و قال: أ تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عسيلته، و يذوق عسيلتك» (2).

و التحريم بالثلاث مشروط بكون الزوجة حرّة كما مرّ (3). و سيأتي (4) التنبيه عليه بحكمه بتحريم الأمة باثنتين. و إنما أطلق الحكم تبعا للآية الدالّة على التحريم بالثلاث، و حملا على الغالب و الفرد الأشرف. و المعتق بعضها بحكم

____________

(1) البقرة: 230.

(2) مسند الشافعي: 192- 193، مسند الحميدي 1: 111 ح 226، مسند إسحاق بن راهويه 2: 208- 209، مسند أحمد 6: 37، صحيح البخاري 7: 55، سنن ابن ماجه 1: 621 ح 1932.

(3) في ج 7: 353.

(4) في ص: 173.

164

و يعتبر في زوال التحريم شروط أربعة:

أن يكون الزوج بالغا. (1) و في المراهق تردّد أشبهه أنه لا يحلّل.

____________

الحرّة هنا.

و المراد ب«وقوع الثلاث على الوجه المشترط» وقوعها صحيحة، إذ لا يشترط لتحريمها في الثالثة سوى ذلك، بخلاف تحريمها في التاسعة، فإنه مشروط بأمر زائد على الصحّة و هو كونها عدّية كما تقرّر.

و يجوز أن يريد بالوجه المشترط ما يشمل التقييد بكونها غير عدّية كما احتيج إليه في تقييد الآية (1)، لأنه حكم بكون غاية التحريم على المطلّق ثلاثا أن تنكح زوجا غيره الشامل للثلاث الاولى و غيرها، و مع كون الطلاق عدّيا لا يغيّا التحريم في التاسعة- التي هي ثلاث بالنسبة إلى زوال حكم ما قبلها بالمحلّل- بنكاح غير المطلّق، لاستمرار التحريم حينئذ. فيبقى (2) تقدير العبارة على هذا:

إذا وقعت الثلاث على الوجه المشترط- و هو كونها صحيحة، أو غير عدّية بالنسبة إلى الثلاث الثالثة- حرمت المطلّقة حتى تنكح زوجا غيره. و في القسم الثاني و هو كونها عدّية لا يتغيّا التحريم بذلك، لتحريمها حينئذ مؤبّدا. و هذا الاعتبار أكثر فائدة.

قوله: «أن يكون الزوج بالغا. إلخ».

(1) اتّفق الأصحاب على أن الصغير الذي لم يقارب البلوغ و لا يشتهي الجماع لا يحلّل. و اختلفوا في المراهق- و هو المقارب للبلوغ بحيث يمكن بلوغه بغير

____________

(1) البقرة: 230.

(2) في «ح، و»: فينبغي.

165

..........

____________

السنّ و هو ابن عشر سنين فصاعدا- هل يحلّل أم لا؟ فذهب الشيخ في كتابي (1) الفروع و ابن الجنيد (2) إلى الاكتفاء به، لعموم قوله تعالى حَتّٰى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ الصادق بالصغير و الكبير.

و ذهب المصنّف و أكثر المتأخّرين (3) إلى المنع، لأن الصبي لا اعتبار بأفعاله لرفع القلم عنه. و لقول النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) في الخبر السابق (4): «حتى يذوق عسيلتك و تذوقي عسيلته» و العسيلة لذّة الجماع على ما فسّره به أهل اللغة (5)، و قيل (6): الإنزال، و كلاهما لا يتحقّق في غير البالغ. و لقول الرضا (عليه السلام) حين سئل عن رجل طلّق امرأته الطلاق الذي لا تحلّ له حتى تنكح زوجا غيره فتزوّجها غلام لم يحتلم قال: «لا حتى يبلغ» (7).

و فيه نظر، لأن رفع القلم عن الصبي لا ينافي اعتداد المكلّف بفعله و ترتّب الأثر عليه، كما يجب عليها الغسل بوطيه، و خصوصا مع دخوله في إطلاق الآية.

و المراهق له لذّة الجماع، و كذلك المرأة تلتذّ به، فيتناوله الخبر. و الرواية الأخيرة

____________

(1) المبسوط 5: 109- 110، الخلاف 4: 504، مسألة (8).

(2) حكاه عنه العلّامة في المختلف: 594.

(3) راجع المختلف: 594، إيضاح الفوائد 3: 333، كنز العرفان 2: 280.

(4) في ص: 163، هامش (2).

(5) لسان العرب 11: 445، الصحاح 5: 1764، النهاية 3: 237، غريب الحديث للخطّابي 1: 546 رقم (204).

(6) راجع إيضاح الفوائد 3: 334، الحاوي الكبير 10: 327.

(7) الكافي 6: 76 ح 6، التهذيب 8: 33 ح 100، الاستبصار 3: 274 ح 975، الوسائل 15: 367 ب «8» من أبواب أقسام الطلاق.

166

..........

____________

في طريقها [1] ضعف و جهالة فلا تصلح دليلا، و يمكن مع ذلك حملها على الأكمليّة. و لعلّ التخفيف في هذا الباب مطلوب، لما فيه من الغضاضة و العار، و إن كان النكاح مبنيّا على الاحتياط.

و اتّفق العامّة (2) على الاكتفاء بالمراهق، و إنما اختلفوا فيما دونه، بل قيل إنّ الصحابة اتّفقوا عليه أيضا. و لا فرق على القولين في المحلّل بين الحرّ و العبد و العاقل و المجنون.

ثمَّ إن اعتبرنا البالغ و كان عاقلا فأمر الطلاق إليه. و إن كان مجنونا توقّف طلاق وليّه عنه على المصلحة كما مرّ (3).

ثمَّ البالغ العاقل لا يوثق بطلاقه، لأنه بيده و لا يصحّ اشتراطه عليه كما سبق (4)، فأسلم طريق في الباب و أدفعه للعار و الغيرة أن تتزوّج من عبد مراهق- إن اكتفينا به- أو مكلّف- للزوج أو غيره- و يستدخل حشفته ثمَّ يملّك ببيع أو هبة و يفسخ نكاحه و يحصل التحليل، و يتعلّق بأصل آخر و هو إجبار العبد على النكاح، و قد تقدّم (5) البحث فيه، فإن لم نجز امتنع ذلك. و إنما كان أسلم الطرق لأنه لا يوثق بطلاق الزوج، و البالغ قد يحبها فيطول الانتظار. و أما إنه أدفع للعار و الغيرة فظاهر.

____________

[1] في هامش «و»: «في طريقها سهل بن زياد و هو ضعيف، و علي بن أسباط و فيه خلاف، و علي بن الفضل و هو مجهول. و هي مع ذلك مكاتبة ليست صريحة في أن القول من الإمام. منه (رحمه الله)».

____________

(2) الحاوي الكبير 10: 329، حلية العلماء 7: 133، المغني لابن قدامة 8: 476.

(3) في ص: 11.

(4) في ج 7: 419.

(5) في ج 7: 144- 145.

167

و أن يطأها في القبل (1) وطئا موجبا للغسل. و أن يكون ذلك بالعقد لا بالملك و لا بالإباحة. و أن يكون العقد دائما لا متعة.

____________

قوله: «و أن يطأها في القبل. إلخ».

(1) أشار بذلك إلى جملة من شرائط التحليل، و هي أمور خمسة:

الأول: أن يطأها المحلّل. فلا يكفي العقد المجرّد و لا الخلوة إجماعا، إلّا من سعيد بن المسيّب (1) حيث اكتفى بالعقد عملا بظاهر قوله تعالى حَتّٰى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ و النكاح حقيقة في العقد. و حجّة الباقين وراء الإجماع خبر العسيلة الدالّ على اشتراط الوطء، و هو مرويّ (2) من الجانبين، مع أنه يمكن استفادته من الآية بحمل النكاح على الوطء على القول بأنه حقيقة فيه، و أن العقد مستفاد من قوله تعالى زَوْجاً.

الثاني: كونه في القبل. فلا يكفي في الدبر، و هو مستفاد أيضا من ذوق العسيلة، فإنه منتف من الجانبين في غير القبل، و لأنه المعهود. هذا إذا قلنا بجوازه و إلّا فلا إشكال في خروجه، لأن الأحكام لا تتناوله.

الثالث: كون الوطء موجبا للغسل. و حدّه تغييب الحشفة أو قدرها من مقطوعها، لأن ذلك هو مناط أحكام الوطء كلّها. و المعتبر في مقدار الحشفة من الباقي حشفة العضو المخصوص. و لو كان الباقي منه أقلّ من ذلك لم يحصل به

____________

(1) راجع الإشراف على مذاهب العلماء 4: 199، 200، أحكام القرآن للجصّاص 1: 390، 391، النكت و العيون للماوردي 1: 296، المحلّى لابن حزم 10: 178، أحكام القرآن للكيا الهراسي 1:

175، أحكام القرآن لابن العربي 1: 198.

(2) الكافي 6: 79 ح 3 و 4 و 5. المجازات النبويّة: 353 ح 317، التهذيب 8: 33 ح 98 و 99، الاستبصار 3: 274 ح 973 و 974، الوسائل 15: 366 ب «7» من أبواب أقسام الطلاق ح 1 و 3، و راجع ص: 163، هامش (2).

168

..........

____________

التحليل و إن أوقب (1). و لو كانت بكرا فأقلّ الإصابة الاقتضاض بآلته ذلك المقدار. و لا فرق بين أن يحصل مع ذلك انتشار العضو و عدمه، حتى لو حصل إدخال الحشفة بالاستعانة كفى على ما يقتضيه إطلاق النصّ و الفتوى، مع احتمال العدم نظرا إلى جعل ذوق العسيلة غاية.

الرابع: أن يكون ذلك بالعقد لا بالملك، لقوله تعالى حَتّٰى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فإن النكاح حقيقة في العقد. و لو أريد به هنا الوطء- كما زعم بعضهم (2)- لأمكن استفادته من لفظ «الزوج» فلا يكفي الوطء بملك اليمين و لا بالتحليل.

الخامس: كون العقد دائما. فلا يكفي المتعة، لمفهوم قوله تعالى حَتّٰى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهٰا فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْهِمٰا أَنْ يَتَرٰاجَعٰا و الطلاق مختصّ بالدائم. و روى هشام بن سالم في الموثّق عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل تزوّج امرأة ثمَّ طلّقها فبانت ثمَّ تزوّجها رجل آخر متعة هل تحلّ لزوجها الأول؟

قال: «لا حتى تدخل فيما خرجت منه» (3). و روى عبد اللّه بن مسكان عن الصيقل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) مثله، و زاد فيه قوله: «لأن اللّه تعالى يقول:

فإن طلّقها فلا تحلّ له حتى تنكح زوجاً غيره فإن طلّقها، و المتعة ليس فيها طلاق» (4).

____________

(1) في «ش، و»: أوعب.

(2) راجع فقه القرآن للراوندي 2: 177، فقد فسّر النكاح بالجماع، مع أنه شرط في الصفحة التالية كون التحليل بالعقد.

(3) التهذيب 8: 33 ح 102، الاستبصار 3: 274 ح 977، الوسائل 15: 368 ب «9» من أبواب أقسام الطلاق ح 3.

(4) التهذيب 8: 34 ح 103، الاستبصار 3: 275 ح 978، الوسائل 15: 369 ب «9» من أبواب أقسام الطلاق ح 4.

169

و مع استكمال الشرائط (1) يزول تحريم الثلاث. و هل يهدم ما دون الثلاث؟ فيه روايتان أشهرهما أنه يهدم. فلو طلّق مرّة، فتزوّجت المطلّقة، ثمَّ تزوّج بها الأول، بقيت معه على ثلاث مستأنفات، و بطل حكم السابقة.

____________

قوله: «و مع استكمال الشرائط. إلخ».

(1) المراد بهدم الطلقات السابقات أن الزوج إذا طلّق الزوجة طلقة أو طلقتين ثمَّ خرجت من عدّته و تزوّجت بغيره تزويجا يفيد التحليل على تقدير الحاجة إليه ثمَّ طلّقها أو مات عنها و رجعت إلى الأول بعقد جديد بقيت معه على ثلاث طلقات كأنّه لم يطلّقها فيما سبق، و لم تعدّ الطلقة السابقة و لا الطلقتان. و من منع الهدم هنا عدّ الطلقة السابقة على نكاح الثاني و الطلقتين من الثلاث، و بقيت معه بعد تزويجه ثانيا على طلقتين أو طلقة كما كانت قبل أن تتزوّج بغيره، فإذا أكملها ثلاثا حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره. و على الأول لا اعتبار بما سبق، و لا تحرم عليه إلّا بثلاث طلقات مستأنفات.

إذا تقرّر ذلك فقد اختلف الأصحاب و غيرهم من العلماء في هذه المسألة، فذهب الشيخ (1) و أتباعه (2) و ابن إدريس (3) و المصنّف و أكثر المتأخّرين (4) إلى الأول. و استندوا في ذلك إلى رواية رفاعة بن موسى النخّاس قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) رجل طلّق امرأته تطليقة واحدة فتبين منه، ثمَّ تزوّجها آخر

____________

(1) النهاية: 513، المبسوط 5: 81، الخلاف 4: 488 مسألة (59).

(2) راجع المهذّب 2: 282، الوسيلة: 321.

(3) السرائر 2: 668.

(4) راجع كشف الرموز 2: 221، الجامع للشرائع: 467، المختلف: 590، إيضاح الفوائد 3: 332، 333.

170

..........

____________

فيطلّقها على السنّة فتبين منه، ثمَّ يتزوّجها الأولى على كم هي عنده؟ قال: على غير شيء. ثمَّ قال: يا رفاعة كيف إذا طلّقها ثلاثا ثمَّ تزوّجها ثانية استقبل الطلاق، فإذا طلّقها واحدة كانت على اثنتين؟!» (1). و روى عبد اللّه بن عقيل بن أبي طالب قال: «اختلف رجلان في قضيّة علي (عليه السلام) و عمر في امرأة طلّقها زوجها تطليقة أو اثنتين فتزوّجها آخر فطلّقها أو مات عنها فلمّا انقضت عدّتها تزوّجها الأول، فقال عمر: هي على ما بقي من الطلاق، فقال عليّ (عليه السلام): سبحان اللّه أ يهدم ثلاثا و لا يهدم واحدة؟!» (2).

و في طريق الروايتين ضعف، إلّا أن مضمونهما مشهور بين الأصحاب حتى إن المخالف غير معلوم.

و نقل عن بعض الأصحاب (3) عدم الهدم. و حجّته قوله تعالى الطَّلٰاقُ مَرَّتٰانِ إلى قوله فَإِنْ طَلَّقَهٰا فَلٰا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّٰى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ (4) الشامل لما لو تخلّل نكاح زوج قبل الثالثة و عدمه. و للروايات الصحيحة المستفيضة بذلك، كصحيحة الحلبي قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل طلّق امرأته تطليقة واحدة ثمَّ تركها حتى مضت عدّتها فتزوّجت زوجا غيره، ثمَّ مات الرجل أو طلّقها فراجعها زوجها الأول، قال: هي على تطليقتين

____________

(1) التهذيب 8: 31 ح 92، الاستبصار 3: 272 ح 967، الوسائل 15: 363 ب «6» من أبواب أقسام الطلاق ح 4.

(2) التهذيب 8: 34 ح 106، الاستبصار 3: 275 ح 981، الوسائل الباب المتقدّم ح 3.

(3) نقله ابن حمزة في الوسيلة: 321، و ابن إدريس في السرائر 2: 668.

(4) البقرة: 229- 230.

171

..........

____________

باقيتين» (1).

و صحيحة منصور بن حازم عن الصادق (عليه السلام) في امرأة طلّقها زوجها واحدة أو اثنتين ثمَّ تركها حتى تمضي عدّتها فتزوّجها غيره، فيموت أو يطلّقها فيتزوّجها الأول قال: «هي عنده على ما هي عليه من الطلاق» (2).

و صحيحة جميل بن درّاج (3) عنه (عليه السلام)، و إبراهيم بن عبد الحميد (4) عن الكاظم (عليه السلام): «قال: إذا طلّق الرجل المرأة فتزوّجت ثمَّ طلّقها زوجها فتزوّجها الأول، ثمَّ طلّقها فتزوّجت رجلا ثمَّ طلّقها فتزوّجها الأول، ثمَّ طلّقها هكذا ثلاثا لا تحلّ له أبدا». و في معناها غيرها (5) ممّا هو صريح في عدم الهدم.

و يؤيّده أن الطلاق الأول و الثاني لا يؤثّران في التحريم المحوج إلى زوج فالنكاح الثاني و الدخول فيه لا يهدمانهما، بخلاف ما إذا طلّقها ثلاثا فنكحت زوجا آخر، لأن دخول الثاني أفاد حلّ النكاح، و لا يمكن بناؤه على العقد الأول و هنا يمكن بناؤه عليه، فبني كما لو عادت قبل أن تتزوّج. و لا يخفى عليك قوّة دليل هذا الجانب، كضعف (6) مقابله، إلا أن عمل الأصحاب عليه، فلا سبيل إلى الخروج عنه.

____________

(1) الكافي 5: 426 ح 5، التهذيب 8: 31 ح 93، الاستبصار 3: 273 ح 968، الوسائل 15: 364 ب «6» من أبواب أقسام الطلاق ح 6.

(2) التهذيب 8: 32 ح 94، الاستبصار 3: 273 ح 969، الوسائل الباب المتقدّم ح 9.

(3) الكافي 5: 428 ح 7، الوسائل 14: 408 ب «11» من أبواب ما يحرم باستيفاء العدد ح 2 و ذيله.

(4) الكافي 5: 428 ح 13، الوسائل 14: 408 ب «11» من أبواب ما يحرم باستيفاء العدد ح 2 و ذيله.

(5) لاحظ الوسائل 15: 364 ب «6» من أبواب أقسام الطلاق ح 7، 8، 10.

(6) في «و» و إحدى الحجريّتين: لضعف.

172

و لو طلّق الذمّية (1) ثلاثا فتزوّجت بعد العدّة ذمّيا ثمَّ بانت منه و أسلمت حلّ للأول نكاحها بعقد مستأنف. و كذا كلّ مشرك.

____________

و الشيخ (1)- (رحمه الله)- حمل الروايات الدالّة على عدم الهدم على أحد أمور ثلاثة: أن يكون الزوج لم يدخل بها، أو يكون غير بالغ، أو تكون متعة، فإن الثلاثة لا تحلّل و لا تهدم الأقلّ من الثلاث. و ما أشبه هذا الحمل بأصل الحجّة.

و في المختلف (2) نفى البأس عن هذا الحمل، نظرا إلى اعتضاده بأصالة الإباحة، أو أنه قد وردت أخبار (3) صحاح في أن الخروج من العدّة يهدم طلاق الزوج نفسه فالأولى غيره، و إن كنّا لا نعمل بتلك الأخبار. و لا يخفى عليك ما في هذا كلّه من التكلّف. و في التحرير (4) تردّد في الحكم لذلك. و عذره واضح.

و اعلم أن في نسبة المصنّف رواية الهدم إلى الأشهريّة إشارة إلى ما ذكرناه، فإن الجانب الآخر أصحّ طريقا و لكن هذه أشهر بين الأصحاب. و لم ينسب المسألة إلى قولين لما أشرنا إليه من عدم تعيّن المخالف، فكان نسبته إلى الروايتين أولى.

قوله: «و لو طلّق الذمّية. إلخ».

(1) الغرض من ذلك أن الإسلام ليس شرطا في المحلّل، لإطلاق قوله تعالى:

حَتّٰى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ (5) فلو كان كافرا صحّ. و لا فرق بين كون مطلّق الذمّية مسلما و كافرا. و يتصوّر طلاق المسلم للذمّية ثلاثا على تقدير رجوعها في طلاقها

____________

(1) التهذيب 8: 32 ذيل ح 97، الاستبصار 3: 273 ذيل ح 972.

(2) المختلف: 590.

(3) لاحظ الوسائل 15: 353 ب «3» من أبواب أقسام الطلاق ح 12، 13، 16.

(4) تحرير الأحكام 2: 57.

(5) البقرة: 230.

173

و الأمة إذا طلّقت (1) مرّتين حرمت حتى تنكح زوجا غيره، سواء كانت تحت حرّ أو عبد.

____________

في العدّة، لأنه ليس ابتداء نكاح فلا يمنع منه، أو على القول بجواز نكاحها ابتداء، أو على تقدير طلاقها مرّتين قبل إسلامه و وقوع الثالثة في الإسلام، فإذا حلّلها الذمّي صحّ نكاحه و أفاد تحليله الحلّ لزوجها المسلم إذا أسلمت أو جوّزنا للمسلم نكاح الكتابيّة ابتداء. و لو كان الزوج كافرا و ترافعوا إلينا حكمنا بحلّها له، سواء كان ذمّيا أم لا. و كذا لو أسلم الزوج و قد حلّلها كافر مثلها، لأن أنكحة الكفّار مقرّة على حالها كما تقدّم (1) في بابه.

قوله: «و الأمة إذا طلّقت. إلخ».

(1) الاعتبار في عدد الطلقات المحرّمة بدون المحلّل عندنا بالمرأة، فالحرّة تحرم بثلاث و إن كان زوجها عبدا، و الأمة باثنتين و إن كان حرّا. و عند بعض العامّة (2) أن الاعتبار بالرجل، فالحرّ لا تحرم عليه الزوجة بدون ثلاث و إن كانت أمة، و العبد تحرم عليه باثنتين و إن كانت حرّة.

لنا: قوله تعالى الطَّلٰاقُ مَرَّتٰانِ فَإِمْسٰاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسٰانٍ (3) و هو للحرّة لقوله تعالى وَ لٰا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمّٰا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً (4) الآية، و ليس الإيتاء للأمة بل لمولاها، و الآية الثانية مبنيّة لمن تقع عليها الطلقات الثلاث. و عارضوا ذلك بقوله تعالى وَ لٰا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا و هو خطاب للأزواج، و الآخذ إنما هو الحرّ لا العبد. و أجيب بمنع كونه خطابا للأزواج بل لمن

____________

(1) في ج 7: 365 و 369 و غيرهما.

(2) اختلاف العلماء للمروزي: 139، الحاوي الكبير 10: 304.

(3) البقرة: 229.

(4) البقرة: 229.

174

و لا تحلّ للأول (1) بوطء المولى. و كذا لا تحلّ لو ملكها المطلّق، لسبق التحريم على الملك.

____________

الأداء من ماله الشامل للأزواج و غيرهم، بخلاف قوله تعالى آتَيْتُمُوهُنَّ فإن الضمير للنساء. و لقوله (صلى اللّه عليه و آله و سلّم): «طلاق الأمة طلقتان و عدّتها حيضتان» (1). و من طريق الخاصّة صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «طلاق المرأة إذا كانت عند مملوك ثلاث تطليقات، و إذا كانت مملوكة تحت حرّ تطليقتان» (2). و صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «طلاق الحرّة إذا كانت تحت العبد ثلاث تطليقات، و طلاق الأمة إذا كانت تحت الحرّ تطليقتان» (3). و غير ذلك من الأخبار.

قوله: «و لا تحلّ للأول. إلخ».

(1) قد عرفت أن شرط المحلّل كونه مالكا للنكاح بعقد الدوام بدليل «الزوج و الطلاق» في آية (4) التحليل، فلا يكفي الوطء بملك اليمين. فإذا طلّقها الزوج طلاقا محرّما لم تحلّ له بوطء المولى. و كذا لا يزول التحريم بملك المطلّق لها، عملا باستصحاب الحرمة إلى أن يحصل المحلّل و هو وطء المحلّل المنفيّ هنا.

و روى عبد الملك بن أعين قال: «سألته عن الرجل زوّج جاريته رجلا فمكثت معه ما شاء ثمَّ طلّقها و رجعت إلى مولاها فوطئها، أ تحلّ لزوجها إذا أراد أن

____________

(1) سنن سعيد بن منصور 1: 303 ح 1276، سنن الدارمي 2: 170- 171، سنن ابن ماجه 1: 671 ح 2079، سنن أبي داود 2: 257- 258 ح 2189، سنن الترمذي 3: 488 ح 1182.

(2) التهذيب 8: 83 ح 281، الوسائل 15: 393 ب «25» من أبواب أقسام الطلاق ح 3.

(3) الفقيه 3: 351 ح 1677، التهذيب 8: 83 ح 282، الوسائل الباب المتقدّم ح 4.

(4) البقرة: 230.

175

و لو طلّقها مرّة (1) ثمَّ أعتقت ثمَّ تزوّجها أو راجعها بقيت معه على واحدة استصحابا للحال الاولى، فلو طلّقها اخرى حرمت عليه حتى يحلّلها زوج.

____________

يراجعها؟ قال: لا حتى تنكح زوجا غيره» (1). و روى بريد (2) في الصحيح و الحلبي (3) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «في الأمة يطلّقها تطليقتين ثمَّ يشتريها، هل يحلّ له أن يطأها؟ قال: لا حتى تنكح زوجا غيره» و غيرهما من الأخبار الكثيرة. و يظهر من ابن الجنيد (4) حلّها بالشراء، و في بعض الأخبار (5) ما يدلّ عليه. و المذهب هو الأول.

قوله: «و لو طلّقها مرّة. إلخ».

(1) هذا الحكم ذكره الشيخ في النهاية (6)، و تبعه عليه جماعة (7) منهم المصنف و العلّامة (8). و مستنده صحيحة محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) قال: «المملوك إذا كان تحته مملوكة فطلّقها ثمَّ أعتقها صاحبها كانت عنده

____________

(1) التهذيب 8: 84 ح 286، الاستبصار 3: 309 ح 1099، الوسائل 15: 396 ب «27» من أبواب أقسام الطلاق ح 1.

(2) الكافي 6: 173 ح 4، التهذيب 8: 84 ح 285، الاستبصار 3: 309 ح 1098، الوسائل 15: 395 ب «26» من أبواب أقسام الطلاق ح 3.

(3) الكافي 6: 173 ح 2، التهذيب 8: 84 ح 288، الاستبصار 3: 309 ح 1101، الوسائل الباب المتقدّم ح 5، مع اختلاف في بعض اللفظ.

(4) راجع المختلف: 591.

(5) لاحظ الوسائل 15: 395 ب «26» من أبواب أقسام الطلاق ح 4، 8.

(6) النهاية: 519.

(7) راجع المهذّب 2: 288.

(8) المختلف: 591، تحرير الأحكام 2: 55، قواعد الأحكام 2: 67.

176

..........

____________

على واحدة» (1). و صحيحة الحلبي عن الصادق (عليه السلام): «في العبد تكون تحته الأمة فطلّقها تطليقة ثمَّ أعتقا جميعا، كانت عنده على تطليقة واحدة» (2).

و غير ذلك من الروايات. و لأنه بعد الطلاق الأول قد تعلّق به حكم التحريم بعد طلقة أخرى، فلا يسقط هذا الاعتبار بالإعتاق المتجدّد.

و قد تقدّم البحث على نظير هذه المسألة في نكاح (3) المشركات إذا أسلم العبد و عنده أربع و أعتق، و في باب (4) القسم بين الزوجات إذا أعتقت الأمة في أثناء القسمة. و مضمونهما أنه متى كان العتق قبل استيفاء حقّ العبوديّة يلتحق بالأحرار في الحكم، و هو مخالف لما هنا، و ذلك هو الموافق للظاهر كما تحقّق في موضعه. و من ثمَّ ذهب ابن الجنيد (5) هنا إلى أن الأمة إذا أعتقت قبل وقوع الطلاق الثاني بها انتقل حكم طلاقها إلى حال الحرائر، و لم تحرم إلا بالثالثة. و هذا هو الموافق لما سلف إلا أنه لا سبيل هنا إلى ردّ الروايات الصحيحة.

و أما تعليلهم بأنه بعد الطلاق الأول قد تعلّق به حكم التحريم بعد طلقة أخرى فليس بجيّد، لأن حكم التحريم لا يتعلّق قبل الطلاق الثاني على التقديرين، و إنما يتعلّق بعده على تقدير مصادفتها أمة إجراء لحكم الإماء عليها، فإذا أعتقت قبل الطلاق الثاني لم يصادف التحريم محلّا و هو كونها أمة،

____________

(1) التهذيب 8: 86 ح 292، الاستبصار 3: 311 ح 1105، الوسائل 15: 398 ب «28» من أبواب أقسام الطلاق ح 2.

(2) الفقيه 3: 352 ح 1684، التهذيب 8: 86 ح 293، الاستبصار 3: 311 ح 1106، الوسائل الباب المتقدّم ح 3.

(3) في ج 7: 380.

(4) في ج 8: 324.

(5) حكاه عنه العلّامة في المختلف: 591.

177

و الخصيّ يحلّل (1) المطلّقة ثلاثا إذا وطئ و حصلت فيه الشرائط. و في رواية لا يحلّل.

و لو وطئ (2) الفحل قبلا فأكسل حلّت للأول، لتحقّق اللذّة منهما.

____________

فيتوقّف على إكمال الثلاث. و كيف كان فالعمل بالمشهور متعيّن للروايات الصحيحة.

قوله: «و الخصيّ يحلّل. إلخ».

(1) لمّا كان تزويج الخصيّ صحيحا و وطؤه ممكنا- لبقاء آلة الجماع- أمكن جعله محلّلا، لصدق كونه زوجا ناكحا إلى غير ذلك من شرائطه. و فوات فائدة التولّد من جماعه لا يقدح هنا، لأن المعتبر مجرّد الوطء الموجب للغسل كما تقرّر، و هو حاصل. و الرواية المذكورة بكونه لا يحلّل رواها الشيخ عن محمد بن مضارب قال: «سألت الرضا (عليه السلام) عن الخصيّ يحلّل قال: لا يحلّل» (1) و هي مطرحة لضعف الطريق. و الموجوء في معنى الخصيّ. أما المجبوب فإن بقي منه مقدار الحشفة صحّ تحليله و إلّا فلا. و قد تقدّم (2).

قوله: «و لو وطئ. إلخ».

(2) الإكسال في الجماع عدم إنزال الماء معه، قال الجوهري: «أكسل الرجل في الجماع إذا خالط أهله و لم ينزل» (3). و الحاصل: أن إنزال الماء ليس بشرط في تحقّق التحليل، لصدق الجماع الموجب للغسل بدونه. و قول المصنف:

«لتحقّق اللذّة منهما» إشارة إلى أن المعتبر الجماع الموجب للذّة كما ورد في

____________

(1) التهذيب 8: 34 ح 104، الاستبصار 3: 275 ح 979، الوسائل 15: 369 ب «10» من أبواب أقسام الطلاق ح 1.

(2) في ص: 167.

(3) الصحاح 5: 1810.

178

و لو تزوّجها المحلّل (1) فارتدّ فوطئها في الردّة، لم تحلّ، لانفساخ عقده بالردّة.

____________

الخبر النبوي: «حتى يذوق عسيلتك و تذوقي عسيلته» (1) و هي لذّة الجماع، و الأصل عدم اعتبار أمر آخر. و لا فرق في عدم اشتراط الإنزال بين الفحل و غيره، و إنما خصّه لأنه قابل لذلك دون الخصيّ.

قوله: «و لو تزوّجها المحلّل. إلخ».

(1) المراد أنه ارتدّ قبل الدخول المفيد للتحليل- و هو الوطء في القبل- و وطئ في زمن العدّة (2)، إذ لو كان الارتداد بعده لتحقّق التحليل بوطئه قبل الردّة. و وجه عدم الحلّ بوطيه حينئذ انفساخ العقد و إن بقي أثره يعوده إليها لو رجع في العدّة بالعقد السابق. و بهذا يفرّق بينه و بين سائر أسباب التحريم، فإنها لا توجب اختلال النكاح. و يتصوّر ثبوت العدّة مع عدم الدخول قبلا بأن يكون قد وطئها في الدبر، فإن لا يكفي في التحليل و يوجب العدّة. و كذا لو خلا بها عند جماعة (3) من الأصحاب، فإنهم يوجبون بها العدّة و لا يكفي في التحليل. و ألحق ابن الجنيد (4) بالخلوة التذاذه بما ينزل به الماء. أما لو لم يحصل منه ما يوجب العدّة قبل الارتداد بانت منه به و صار كالأجنبي لا أثر لوطئه، و أغنى عن بيان حكمه ما سبق (5) من اشتراط استناد الوطء إلى العقد. و كذا الحكم لو كان المرتدّ

____________

(1) تقدّم ذكر مصادره في ص: 163، هامش (2).

(2) في «م» و هامش «و»: الردّة.

(3) منهم ابن الجنيد، راجع المختلف: 619، و ظاهر الصدوق في المقنع: 109، و حكاه الشيخ عن قوم من أصحابنا في الخلاف 4: 396 مسألة (42) و المبسوط 5: 247.

(4) حكاه عنه العلامة في المختلف: 543.

(5) في ص: 167.

179

..........

____________

الزوجة فوطئها في زمان ردّتها ثمَّ رجعت إلى الإسلام.

و ما نزّلنا به العبارة أجود ممّا فهمه العلّامة في التحرير بقوله: «إن هذا غير متصوّر، لأن الردّة إن كانت قبل الوطء انفسخ النكاح و صار وطء أجنبي لا يحلّل قطعا، و إن كانت بعده حلّت بالأول» (1). و أنت قد عرفت أن هناك قسما ثالثا فرضت فيه المسألة.

و أما ما تكلّفه بعضهم من أن المراد الوطء بعد الارتداد في غير عدّة، و أن الغرض الفرق بين الوطء الذي سبقه عقد ثمَّ طرأ عليه الفسخ قبل الوطء، و بين الوطء الذي لم يسبقه عقده، و هو المستفاد ممّا سبق من اشتراط استناد الوطء إلى العقد، فإن الأول يصدق عليه أنه وطئ زوجته عند من لم يشترط بقاء المعنى المشتقّ منه في صحّة الاشتقاق كما هو مذهب الأصحاب، فإنّ المصنّف و غيره بهذا ليفرّق بين هذا الوطء و الوطء الذي لم يصادف زوجته (2) لا حقيقة و لا مجازا.

فهذا التكلّف ليس بشيء، لأن الشرط السابق محصّله اشتراط استناد الوطء إلى العقد، فمتى لم يكن مستندا إليه لم يؤثّر في الحلّ، سواء تجرّد عن العقد أصلا أم كان بعده و بعد البينونة، و سواء كانت بردّة أم طلاق أم غيرهما من أسبابها. و لا وجه حينئذ لفرض المسألة في الارتداد بخصوصه. و عدم اشتراط بقاء المعنى في صحّة الاشتقاق لا يفيد هنا إجماعا، كما يظهر ذلك فيمن عقد عليها دائما ثمَّ طلّقها قبل الدخول و وطئها بعد ذلك على وجه محلّل بأن كان لشبهة أم غير محلّل.

____________

(1) تحرير الأحكام 2: 57.

(2) في «ح»: زوجيّة.

180

[فروع]

فروع

[الأول: لو انقضت مدّة فادّعت أنها تزوّجت]

الأول: لو انقضت مدّة (1) فادّعت أنها تزوّجت و فارقها و قضت العدّة، و كان ذلك ممكنا في تلك المدّة، قيل: يقبل، لأن في جملة ذلك ما لا يعلم إلّا منها، كالوطء. و في رواية إذا كانت ثقة صدّقت.

____________

قوله: «لو انقضت مدّة. إلخ».

(1) القول بقبول قولها مع إمكان صدقها مطلقا هو المشهور بين الأصحاب و عليه العمل، لأنها مؤتمنة في انقضاء العدّة، و الوطء ممّا لا يمكن إقامة البيّنة عليه، و ربما مات الزوج أو تعذّر مصادقته بغيبة و نحوها، فلو لم يقبل منها ذلك لزم الإضرار بها و الحرج المنفيّان (1).

و الرواية التي أشار إليها هي صحيحة [1] حمّاد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام):

«عن رجل طلّق امرأته ثلاثا فبانت منه فأراد مراجعتها فقال: إنّي أريد مراجعتك فتزوّجي زوجا غيري فقال: قد تزوّجت زوجا غيرك و حلّلت لك نفسي، أ يصدّق قولها و يراجعها، و كيف يصنع؟ قال: إذا كانت المرأة ثقة صدّقت في قولها» (3). و المراد بالثقة من تسكن النفس إلى خبرها و إن لم تكن متّصفة بالعدالة المعتبرة في قبول الشهادة. و يمكن حمل الرواية على استحباب مراعاة الثقة في قبول خبرها.

____________

[1] في هامش «و»: «الطريق صحيح إلى حمّاد، و أما هو فإنه مشترك بين الثقة و غيره، فلا تكون صحيحة مطلقا. منه (رحمه الله)».

____________

(1) كذا في هامش «و» بعنوان: ظاهرا، و هو الصحيح، و في النسخ و الحجريّتين: المنفيّين.

(3) التهذيب 8: 34 ح 105، الاستبصار 3: 275 ح 980، الوسائل 15: 370 ب «11» من أبواب أقسام الطلاق.

181

[الثاني: إذا دخل المحلّل فادّعت الإصابة]

الثاني: إذا دخل المحلّل (1) فادّعت الإصابة، فإن صدّقها حلّت للأول، و إن كذّبها قيل: يعمل الأول بما يغلب على ظنّه من صدقها أو صدق المحلّل. و لو قيل: يعمل بقولها على كلّ حال كان حسنا، لتعذّر إقامة البيّنة لما تدّعيه.

____________

و كما يقبل قولها في حقّ المطلّق يقبل في حقّ غيره. و كذا الحكم في كلّ امرأة كانت مزوّجة و أخبرت بموته أو فراقه و انقضاء العدّة في وقت محتمل. و لا فرق بين أن تعيّن الزوج و عدمه، و لا بين إمكان استعلامه و عدمه، و إن كان طريق الورع غير خفيّ بسؤال المعلوم و التوقّف مع ظنّ كذبها.

و لو كذّبها المطلّق لم يكن له نكاحها. و لو قال بعد ذلك: تبيّنت صدقها لم يمنع من نكاحها، لأنه ربما انكشف له خلاف ما ظنّه.

و لو عيّنت الزوج فكذّبها في أصل النكاح احتمل تصديقها في التحليل و إن لم يثبت عليه موجب الزوجيّة، لوجود المقتضي لقبول قولها مع عدم تكذيبه، و هو إمكان صدقها مع تعذّر إقامة البيّنة على جميع ما تدّعيه، و مجرّد إنكاره لا يمنع صدقها في نفس الأمر، و عدمه نظرا إلى تقديم قوله لأنه منكر، و استصحابا للأصل، و لإمكان إقامة البيّنة على أصل التزويج. و فيه: أنه لا منافاة بين الأمرين، لأنّا لا نقبل قولها إلّا في حقّها خاصّة. و الأصل لو عارض لقدح في أصل دعواها مطلقا.

قوله: «إذا دخل المحلّل. إلخ».

(1) القول الأول للشيخ في المبسوط (1). و وجهه: تعذّر إقامة البيّنة، و الظنّ

____________

(1) المبسوط 5: 111.

182

[الثالث: لو وطئها محرّما كالوطء في الإحرام أو في الصوم الواجب]

الثالث: لو وطئها محرّما (1) كالوطء في الإحرام أو في الصوم الواجب، قيل: لا تحلّ، لأنه منهيّ عنه، فلم يكن مرادا للشارع. و قيل: تحلّ، لتحقّق النكاح المستند إلى العقد الصحيح.

____________

مناط الأحكام الشرعيّة غالبا فيرجع إليه. و الأقوى ما اختاره المصنّف، لما ذكره من تعذّر إقامة البيّنة، مع أنها تصدّق في شرطه- و هو انقضاء العدّة- فكذا في سببه، و لأنه لولاه لزم الحرج و الضرر كما أشرنا (1) إليه سابقا. و إنّما يقبل قولها فيما يتعلّق بها من حلّ النكاح و نحوه لا في حقّه، فلا يلزمه إلّا نصف المهر، حتى لو أنكر أصل العقد لم يلزمه المهر و إن قبل قولها في التزويج.

قوله: «لو وطئها محرّما. إلخ».

(1) إذا وطئها المحلّل وطئا محرّما- كوطئها في إحرام أحدهما، أو صوم أحدهما الواجب كرمضان، أو حيضها، أو على ظنّ أنها أجنبيّة، أو بعد ما حرمت عليه بالظهار، أو في العدّة عن وطء شبهة وقع في نكاحه إيّاها، أو وطئها لدون تسع سنين- ففي إفادته الحلّ قولان:

أحدهما: العدم، ذهب إليه الشيخ (2) و ابن الجنيد (3)، لأن الوطء المذكور منهيّ عنه فلا يكون مرادا للشارع حيث علّق عليه الحلّ بقوله تعالى حَتّٰى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ (4) و قوله (صلى اللّه عليه و آله و سلّم): «حتى يذوق عسيلتك» (5) فإن

____________

(1) في ص: 180.

(2) المبسوط 5: 110، الخلاف 4: 504 مسألة (9).

(3) حكاه عنه العلّامة في المختلف: 592.

(4) البقرة: 230.

(5) مرّ ذكر مصادره في ص: 163، هامش (2).

183

..........

____________

المراد به الوطء المحلّل، لأن اللّه و رسوله لا يبيحان المحرّم. و لأن النهي يدلّ على فساد المنهيّ عنه فلا يترتّب عليه أثره. و لأن الإباحة تعلّقت بشرطين النكاح و الوطء، و إذا كان النكاح محرّما لم يفد الحلّ للأول، فكذا الوطء.

و يضعّف بأن الوطء بالنسبة إلى حلّها للأول من قبيل الأسباب، و الحال لا يفترق فيها بين إباحتها و عدمه. و الآية و الرواية لا تقتضيان إباحة الوطء بل تعليق الحلّ عليه، و أحدهما غير الآخر. و نمنع دلالة النهي على فساد غير العبادة.

و إلحاق إباحة الوطء بإباحة النكاح قياس. و لأن النكاح إذا أطلق لا يحمل إلّا على الصحيح و ذلك يقتضي كونه جائزا، بخلاف الوطء.

و الثاني: الإباحة به، لتناول قوله تعالى حَتّٰى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ له حيث جعل نهاية التحريم نكاح الغير و قد حصل، و هو أعمّ من المباح و غيره كما مرّ. و هذا هو الأقوى.

و في إلحاق الوطء المحرّم بعارض ضيق وقت الصلاة و نحوها بالأول وجهان، من اشتراكهما في المقتضي، و وجود الفارق حيث إن تحريم الوطء هنا ليس لكونه وطئا بل لتضمّنه ترك الواجب، بخلاف المتنازع. و الأقوى الفرق لو قيل به في الأول.

184

[المقصد الثالث: في الرجعة]

المقصد الثالث: في الرجعة. (1)

تصحّ المراجعة (2) نطقا كقوله: راجعك، و فعلا كالوطء. و لو قبّل أو لامس بشهوة كان ذلك رجعة، و لم يفتقر استباحته إلى تقدّم الرجعة، لأنّها زوجة.

____________

قوله: «في الرجعة. إلخ».

(1) هي- لغة- المرّة من الرجوع. و شرعا: «ردّ المرأة إلى النكاح من طلاق غير بائن في العدّة كما يؤخذ (1) ممّا سيأتي (2). و لو أردت بيان المرأة الرجعيّة قلت:

هي المطلّقة بعد الدخول بلا عوض و لا استيفاء عدد. و الأصل فيها قبل الإجماع قوله تعالى وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذٰلِكَ أي: في العدّة إِنْ أَرٰادُوا إِصْلٰاحاً [1] أي: رجعة، و قوله تعالى فَإِمْسٰاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسٰانٍ [2] و قوله تعالى وَ إِذٰا طَلَّقْتُمُ النِّسٰاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ [3] أي:

قاربن بلوغ الأجل و هو انقضاء العدّة. و أما الأخبار (6) فيها فكثيرة.

قوله: «تصحّ المراجعة. إلخ».

(2) الرجعة تصحّ بالقول إجماعا، أو بالفعل عندنا و عند بعض العامّة (7).

و الأول: إما صريح في معناها كقوله: راجعتك، و رجعتك، و ارتجعتك،

____________

[1] البقرة: 228. و في النسخ و إحدى الحجريّتين تتمّة الآية الأخيرة: أَوْ فٰارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ، و تمامها في سورة البقرة: أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ، و لعلّها اشتبهت عليه (قدس سرّه) بالآية «2» من سورة الطلاق.

[2] البقرة: 229. و في النسخ و إحدى الحجريّتين تتمّة الآية الأخيرة: أَوْ فٰارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ، و تمامها في سورة البقرة: أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ، و لعلّها اشتبهت عليه (قدس سرّه) بالآية «2» من سورة الطلاق.

[3] البقرة: 231. و في النسخ و إحدى الحجريّتين تتمّة الآية الأخيرة: أَوْ فٰارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ، و تمامها في سورة البقرة: أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ، و لعلّها اشتبهت عليه (قدس سرّه) بالآية «2» من سورة الطلاق.

____________

(1) في «ح، ش، م»: يوجد.

(2) في ص: 186.

(6) لاحظ الوسائل 15: 348 ب «2» من أبواب أقسام الطلاق، و ص 371 ب «13» و «14» و غيرها.

(7) الحاوي الكبير 10: 310- 311، اللباب في شرح الكتاب 3: 54، المبسوط للسرخسي 6: 21- 22.

185

..........

____________

مطلقا. و أصرح منه إضافة قوله: إلى نكاحي، و نحوه. و دونه كقوله: رددتك، و أمسكتك، فقيل بالاكتفاء بهما أيضا، لورودهما في القرآن كناية عنها في قوله تعالى وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذٰلِكَ (1) و قوله فَإِمْسٰاكٌ بِمَعْرُوفٍ (2).

و قيل: إنهما كناية فيفترقان إلى نيّتها، لاحتمالهما غيرها كالإمساك باليد أو في البيت و نحوه. و هو أولى. و دون ذلك كلّه: تزوّجتك، و أعدتك إلى النكاح، و رفعت تحريم نكاحك، و أعدت حلّه، و نحو ذلك. و في الاكتفاء به قولان، من أن المعتبر في الرجعة ما يدلّ على إرادة النكاح و كلّ ذلك دالّ عليها، و لأنها تصحّ بالفعل فلا تعتبر صيغة معيّنة. و هذا أقوى (3). و وجه العدم: أن الأسباب الشرعيّة تتوقّف على وضع الشارع. و فيه: تضييق لم يثبت، و المعلوم توقّف أصلها لا اللفظ الدالّ عليها.

و الثاني: كإشارة الأخرس و سيأتي (4)، و كالوطء و مقدّماته من النظر و التقبيل و اللمس بقصد الرجوع أو مع عدم قصد غيره، لدلالته على الرجعة كالقول، و ربما كان أقوى منه. و لا تتوقّف إباحته على تقديم رجعة، لأنها زوجة فيباح الفعل بذلك و تحصل به الرجعة. و يشترط وقوعه بالقصد، فلو وقع سهوا أو بظنّ كونها الزوجة لم يفد الرجعة قطعا.

و لو أوقعه بقصد عدم الرجعة أولا بقصدها إن اعتبرناه فعل حراما، لانفساخ النكاح بالطلاق و إن كان رجعيّا، لأن فائدة الرجعي جواز الرجوع فيها

____________

(1) البقرة: 228- 229.

(2) البقرة: 228- 229.

(3) في «ح، ش، م»: قويّ.

(4) في ص: 193.

186

و لو أنكر الطلاق (1) كان ذلك رجعة، لأنه يضمّن التمسّك بالزوجيّة.

____________

لا بقاؤه بحاله، و إلّا لم تبن بانقضاء العدّة، لكن لا حدّ عليه و إن كان عالما بالتحريم، لعدم خروجها عن حكم الزوجة رأسا، و لقيام الشبهة، بل التعزير على فعل المحرّم إلّا مع الجهل بالتحريم.

ثمَّ إن لم يراجعها فعليه مهر المثل، لظهور أنها بانت بالطلاق، إذ ليس هناك سبب غيره. و إن راجعها بعد ذلك ففي سقوطه وجهان، من وقوع الوطء في حال ظهور خلل النكاح و حصول الحيلولة بينهما، و من ارتفاع الخلل أخيرا و عودها إلى صلب النكاح الأول، و من ثمَّ لو طلّقها بائنا (1) كان طلاق مدخول بها نظرا إلى الدخول الأول، و لأن الرجعة- كما علم من تعريفها- بأنها (2) ردّ نكاح زال بطلاق يملك الزوج رفعه في العدّة.

و مثله ما لو ارتدّت المرأة بعد الدخول فوطئها الزوج في مدّة العدّة و عادت إلى الإسلام، أو أسلم أحد المجوسيّين أو الوثنيّين و وطئها ثمَّ أسلم المتخلّف قبل انقضاء العدّة. و أولى هنا بعدم ثبوت المهر، لأن أثر الطلاق لا يرتفع بالرجعة بل يبقى نقصان العدد، فيكون ما بعد الرجعة و ما قبل الطلاق بمثابة عقدين مختلفين، و أثر الردّة و تبديل الدين يرتفع بالاجتماع في الإسلام، فيكون الوطء مصادفا للعقد الأول. و لو قيل بوجوب المهر هنا و بعدمه في تبديل الدين كان حسنا.

قوله: «و لو أنكر الطلاق. إلخ».

(1) المشهور بين الأصحاب أن إنكار الطلاق من الأقوال المفيدة للرجعة،

____________

(1) في «ح»: ثانيا.

(2) وردت كلمة «بأنها» في النسخ الخطّية و الحجريّتين، و الظاهر أنها زائدة، راجع الجواهر 32: 182.

187

..........

____________

لدلالته على التمسّك بالزوجيّة، و لأنّه أبلغ من الرجعة بألفاظها المشتقّة منها و ما في معناها، لدلالتها على رفعه في غير الماضي و دلالة الإنكار على رفعه مطلقا.

و هذا آت في إنكار كلّ ما يجوز فيه الرجوع و الفسخ من العقود. و قد تقدّم الخلاف في كونه رجوعا في الوصيّة (1) من حيث إنه أعمّ من قصد الرجوع، و من الجائز أن يكون الباعث على الإنكار عدم التفطّن إلى وقوع ما أنكره و لو ذكره لم يرجع. و ظاهرهم الاتّفاق على كونه هنا رجوعا، و لعلّ الوجه في اختصاصه بذلك ورود النصّ الصحيح به هنا دون غيره، فيبقى ما عداه على ما يقتضيه النظر، ففي رواية أبي ولّاد الصحيحة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «سألته عن امرأة ادّعت على زوجها أنه طلّقها تطليقة و أشهد لها شهودا على ذلك، ثمَّ أنكر الزوج بعد ذلك، فقال: إن كان أنكر الطلاق قبل انقضاء العدّة فإن إنكاره الطلاق رجعة، و إن كان أنكر الطلاق بعد انقضاء العدّة فإن على الامام أن يفرّق بينهما» (2) الحديث.

و بهذا يندفع ما قيل: إن الرجعة مترتّبة على الطلاق و تابعة له، و إنكار المتبوع يقتضي إنكار التابع، فلا يكون رجعة و إلا لكان الشيء سببا في النقيضين. لأن الشارع إذا جعل إنكار الطلاق رجعة فقد قطع التبعيّة المذكورة، أو يجعل الإنكار كناية عن الرجعة و لا يراد منه حقيقته، فإن المقصود حينئذ من إنكار الطلاق إعادة النكاح المتحقّق في الرجعة بكلّ لفظ دلّ

____________

(1) لم نجده في كتاب الوصيّة، راجع ج 6: 135- 136.

(2) الكافي 6: 74 ح 1، التهذيب 8: 42 ح 129، الوسائل 15: 372 ب (14) من أبواب أقسام الطلاق.

188

و لا يجب الإشهاد (1) في الرجعة، بل يستحبّ.

____________

عليه و هذا منه.

قوله: «و لا يجب الإشهاد. إلخ».

(1) الإشهاد على الرجعة غير واجب عندنا، للأصل، و لكن يستحبّ لحفظ الحقّ و دفع النزاع. و لأنه لا يقبل قوله فيها على بعض الوجوه- كما سيأتي (1)- و ربما كان محقّا. و لقول الباقر (عليه السلام) في حسنة محمد بن مسلم: «الطلاق لا يكون بغير شهود، و الرجعة بغير شهود رجعة، و لكن يشهد فهو أفضل» (2) و قول الصادق (عليه السلام) في حسنة الحلبي في الذي يراجع و لم يشهد: «قال: يشهد أحبّ إليّ، و لا أرى بالذي صنع بأسا» (3).

و أوجبه بعض العامّة (4) فيها للأمر به في قوله تعالى وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ بعد قوله فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فٰارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ (5) و ليس الأمر متعلّقا بقوله فٰارِقُوهُنَّ إجماعا، لأن المراد به ترك الرجعة و هو غير متوقّف على الإشهاد، فيكون للرجعة، لأنّها أقرب إليه من الطلاق. و قد تقدّم (6) جملة من الروايات عن أئمّتنا (عليهم السلام) أن الأمر متعلّق بالطلاق و إن بعد.

و منهم (7) من حكم بالاستحباب أيضا، و حمل الأمر عليه كما في قوله تعالى:

____________

(1) في ص: 197.

(2) الكافي 6: 73 ح 3، التهذيب 8: 42 ح 128، الوسائل 15: 371 ب (13) من أبواب أقسام الطلاق ح 3.

(3) الكافي 6: 72 ح 1، التهذيب 8: 42 ح 126، الوسائل الباب المتقدّم ح 2.

(4) الحاوي الكبير 10: 319، حلية العلماء 7: 127.

(5) الطلاق: 2.

(6) في ص: 111.

(7) الحاوي الكبير 10: 319، حلية العلماء 7: 127، المغني لابن قدامة 8: 483.

189

و لو قال: راجعتك (1) إذا شئت، أو إن شئت، لم يقع و لو قالت:

شئت. و فيه تردّد.

و لو طلّقها (2) رجعيّة فارتدّت فراجع لم يصحّ، كما لا يصحّ ابتداء الزوجيّة. و فيه تردّد ينشأ من كون الرجعيّة زوجة. و لو أسلمت بعد ذلك استأنف الرجعة إن شاء.

____________

وَ أَشْهِدُوا إِذٰا تَبٰايَعْتُمْ (1).

قوله: «و لو قال: راجعتك. إلخ».

(1) القول بعدم جواز تعليق الرجعة على الشرط هو المشهور بين الأصحاب، ذكره الشيخ في المبسوط (2) و أتباعه (3) و المتأخّرون (4). و المصنّف تردّد فيه، من عدم الجزم بها حيث علّقها على الشرط، و أنها إعادة للنكاح فلا يقبل التعليق كابتدائه، و لأنها إيقاع فلا يقبله كالطلاق. و من عموم قوله (صلى اللّه عليه و آله و سلّم): «المؤمنون عند شروطهم» (5) و أصالة الصحّة، و يمنع من عدم الجزم مطلقا، أو من (6) اشتراطه على خلاف هذا الوجه. و الأشهر عدم الوقوع حتى عند من يجوّز (7) تعليق الطلاق، إلحاقا لها بالنكاح.

قوله: «و لو طلّقها. إلخ».

(2) مبنى الحكم على أن الطلاق هل رفع حكم الزوجيّة رفعا متزلزلا يستقرّ

____________

(1) البقرة: 282.

(2) المبسوط 5: 106.

(3) راجع المهذّب 2: 294، و إصباح الشيعة ضمن سلسلة الينابيع الفقهيّة 20: 286.

(4) راجع القواعد 2: 66.

(5) الوسائل 15: 30 ب (20) من أبواب المهور ح 4.

(6) في «ش»: و من.

(7) في «ح، و»: حتى من مجوّز.

190

..........

____________

بانقضاء العدّة، أو أن خروج العدّة تمام السبب في زوال الزوجيّة؟ و يؤيّد الأول تحريم وطئها لغير الرجعة، و وجوب المهر بوطئها على قول، و تحريمها به إذا أكمل العدد. و يؤيّد الثاني عدم وجوب الحدّ بوطئها، و وقوع الظهار و اللعان و الإيلاء بها، و جواز تغسيل الزوج لها و بالعكس، فهي بمنزلة الزوجة. و إلى هذا أشار المصنّف بكونها زوجة. و لمّا كان ابتداء نكاح المرتدّة ممتنعا بني على أن الرجعة هل هي نكاح مبتدأ، أو استدامة و إزالة لما كان طرأ عليه من السبب الذي لم يتمّ؟

و احتجّ على عدم الجواز أيضا بأن الرجوع تمسّك بعصم الكوافر، و هو منهيّ عنه نهي فساد، لقوله تعالى وَ لٰا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوٰافِرِ (1).

و أن الرجعة إثبات لما صار بالقوّة بالفعل، فإن الطلاق أزال قيد النكاح بالفعل، و الرجعة سبب فاعل لحصوله بالفعل، فكان كالمبتدإ، و شرط تحقّق الأثر من الفاعل قبول المحلّ و بالارتداد زال القبول. و بأن المقصود من الرجعة الاستباحة، و هذه الرجعة لا تفيد الإباحة، فإنه لا يجوز الاستمتاع بها و لا الخلوة معه ما دامت مرتدّة. و بأنها جارية إلى البينونة و انقطاع ملك النكاح، و الرجعة لا تلائم حالها.

و يتفرّع على ذلك أيضا ما لو طلّق المرتدّة في زمن العدّة، فإن جعلنا النكاح مرتفعا زمن العدّة لم يقع كما لا يقع بالأجنبيّة، و إلّا وقع. و يمكن الفرق بين الرجعة و الطلاق بأن الطلاق محرّم للنكاح كالردّة فلا ينافي العدّة، فيقع مراعى برجوعها إلى الإسلام.

____________

(1) الممتحنة: 10.

191

و لو كان عنده ذمّية (1) فطلّقها رجعيّا ثمَّ راجعها في العدّة، قيل: لا يجوز، لأن الرجعة كالعقد المستأنف.

و الوجه الجواز، لأنها لم تخرج عن زوجيّته، فهي كالمستدامة.

و لو طلّق و راجع، (2) فأنكرت الدخول بها أولا، و زعمت أنه لا عدّة عليها و لا رجعة، و ادّعى هو الدخول، كان القول قولها مع يمينها، لأنها تدّعي الظاهر.

____________

قوله: «و لو كان عنده ذمّية. إلخ».

(1) البحث في هذه كالسابقة، و يزيد هنا أنّ الذمّية لا تحرم استدامة نكاحها، فإذا لم نجعل الطلاق مزيلا للنكاح الأولى رأسا جازت الرجعة، بخلاف المرتدّة، لتحريم نكاحها حينئذ.

و الأقوى جواز الرجعة هنا، لأن العائد بالرجعة هو النكاح الأول، فكان في حكم المستدام، و أثره لم يزل بالكلّية بل يتوقّف على انقضاء العدّة، و من ثمَّ جاز وطؤها بنيّة الرجعة بغير لفظ يدلّ عليه، و لا شيء ممّن ليست بزوجة يجوز وطؤها كذلك. و لأن النكاح لو زال لكان العائد بالرجعة إما الأول أو غيره، و الأول يستلزم إعادة المعدوم، و الثاني منتف إجماعا و إلّا لتوقّف على رضاها، فالنكاح الأول باق غايته أنه متزلزل، و استدامته غير ممتنعة بالذمّية. هذا إذا منعنا ابتداء نكاحها و إلا سقط التفريع.

قوله: «و لو طلّق و راجع. إلخ».

(2) الأولى التعليل بأنها تدّعي ما يوافق الأصل، لأن الأصل عدم الدخول، و أما الظاهر فقد يتخلّف مع الخلوة حيث لا نجعلها موجبة للدخول. و على كلّ حال لا شبهة في تقديم قولها مع يمينها، فإذا حلفت بطلت رجعته في حقّها، و لا نفقة لها

192

..........

____________

و لا سكنى، و لا عدّة عليها، و لها أن تنكح في الحال، و ليس له أن ينكح أختها و لا أربعا سواها [خاصّة] (1) لاعترافه بأنها زوجة.

و لو كانت دعواه أنّي طلّقتها بعد الدخول فلي الرجعة فالحكم كذلك، إلّا أن نكاح أختها هنا و الأربع سواها متوقّف على مضيّ زمان تنقضي به عدّتها.

و على التقديرين فهو مقرّ لها بكمال المهر و هي لا تدّعي إلّا النصف، فإن كانت قد قبضت المهر فليس له مطالبتها بشيء، و إن لم تكن قبضته فليس لها إلّا أخذ النصف. فإذا أخذته ثمَّ عادت و اعترفت بالدخول فهل لها أخذ النصف الآخر، أم لا بدّ من إقرار مستأنف من جهة الزوج؟ وجهان. و ينبغي أن يأخذ الحاكم النصف الذي لا يدّعيه (2) الزوج من يده أو يدها، لأنه مال لا يدّعيه أحد و حفظ مثله وظيفة الحاكم.

و لو انعكس الحكم، فادّعت المرأة الدخول و أنكر الزوج فالقول قوله عملا بالأصل. فإذا حلف فلا رجعة له، و لا سكنى و لا نفقة لها، و عليها العدّة، و يرجع عليها بنصف الصداق إن كانت قبضته، و إلّا رجعت هي بالنصف.

و لو عادت و كذّبت نفسها لم تسقط العدّة. و لا فرق بين أن يكون الاختلاف في الدخول قبل جريان الخلوة و بعدها على الأقوى، و إن كانت الخلوة ترجّح جانب من يدّعي الدخول فيتعارض الأصل و الظاهر، لأن الأصل أقوى.

____________

(1) من «ش، م» و الحجريّتين.

(2) في «ح»: لا تدّعيه الزوجة.

193

و رجعة الأخرس (1) بالإشارة الدالّة على المراجعة. و قيل: بأخذ القناع عن رأسها. و هو شاذّ.

و إذا ادّعت انقضاء (2) العدّة بالحيض في زمان محتمل، فأنكر، فالقول قولها مع يمينها.

و لو ادّعت انقضاءها بالأشهر لم يقبل، و كان القول قول الزوج، لأنّه اختلاف في زمان إيقاع الطلاق.

و كذا لو ادّعى الزوج الانقضاء، فالقول قولها، لأن الأصل بقاء الزوجيّة أولا.

و لو كانت حاملا فادّعت الوضع قبل قولها، و لم تكلّف إحضار الولد.

____________

قوله: «و رجعة الأخرس. إلخ».

(1) رجعة الأخرس كغيرها من عقوده و إيقاعاته تكون بالإشارة المفهمة لها.

و هذا هو المشهور بين الأصحاب. و القول بأنها تكون بأخذ القناع لابني بابويه (1)، أخذا من طلاقه بوضع القناع على رأسها المرويّ (2) ثمَّ بطريق السكوني، فيكون ضدّ العلامة علامة الضدّ. و الأصل ممنوع، و القياس باطل. نعم، لو أفاد ذلك الرجعة كان من جملة إشاراته الدالّة عليها لا (3) أنه سبب برأسه.

قوله: «و إذا ادّعت انقضاء. إلخ».

(2) سيأتي (4) أن العدّة تكون بالحيض و بوضع الحمل و بالأشهر، فإذا اختلفا بعد

____________

(1) في «ح، ط»: لابن بابويه، راجع المقنع: 119، و حكاه عن والده في الفقيه 3: 333 ذيل ح 1613.

(2) لاحظ الوسائل 15: 300 ب «19» من أبواب مقدّمات الطلاق ح 3.

(3) في «ش، ط» و الحجريّتين: إلا.

(4) في ص: 213.

194

..........

____________

الطلاق فادّعت المرأة انقضاء العدّة لتمنعه من الرجعة و ادّعى هو بقاءها، فإن كانت من ذوات الحيض و ادّعت انقضاءها في زمان يحتمل انقضاؤها فيه شرعا و إن بعد عادة فالقول قولها مع يمينها، لأن النساء مؤتمنات في أرحامهنّ و قد قال تعالى وَ لٰا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مٰا خَلَقَ اللّٰهُ فِي أَرْحٰامِهِنَّ (1) و لو لا أن قولهنّ مقبول لم يأثمن بالكتمان، لأنه لا اعتبار بكتمانهنّ حينئذ نظير قوله تعالى وَ لٰا تَكْتُمُوا الشَّهٰادَةَ. (2) و روى زرارة في الحسن عن الباقر (عليه السلام) قال: «العدّة و الحيض للنساء إذا ادّعت صدّقت». (3) و سيأتي (4) أن أقلّ المدّة المحتملة لانقضاء عدّة الحرّة بالحيض ستّة و عشرون يوما و لحظتان. و لا فرق في ذلك بين مستقيمة الحيض و الطهر زيادة على ذلك و غيرها، لعموم النصّ، و إمكان تغيّر العادة.

و ينبغي استفصالها مع التهمة و سؤالها كيف الطهر و الحيض؟ و في بعض الأخبار (5) أنه لا يقبل منها غير المعتاد إلّا بشهادة أربع من النساء المطّلعات على باطن أمرها. و قرّبه الشهيد في اللمعة (6). و لا بأس به مع التهمة و إن

____________

(1) البقرة: 228.

(2) البقرة: 283.

(3) الكافي 6: 101 ح 1، التهذيب 8: 165 ح 575، الاستبصار 3: 356 ح 1276، الوسائل 15: 441 ب (24) من أبواب العدد ح 1.

(4) في ص: 225.

(5) التهذيب 1: 398 ح 1242 و 6: 271 ح 733، الاستبصار 1: 148 ح 511 و 3: 356 ح 1277، الوسائل 2: 596 ب (47) من أبواب الحيض ح 3، و 18: 266 ب (24) من أبواب الشهادات ح 37.

(6) اللمعة الدمشقيّة: 124.

195

..........

____________

ضعف مأخذه [1].

و حيث لا يقبل منها [غير المعتاد] (2) إما لدعواها انقضاءها قبل وقت الإمكان، أو لكونه خلاف المعلوم من عادتها، فجاء وقت الإمكان نظر إن كذّبت نفسها أو قالت: غلطت، و ابتدأت دعوى الانقضاء صدّقت بيمينها. و إن أصرّت على الدعوى الأولى ففي تصديقها الآن وجهان، من فساد الدعوى الاولى فلا يترتّب عليها أثر و لم تدّع غيرها، و من أن إصرارها عليها يتضمّن دعوى الانقضاء الآن و الزمان زمان الإمكان.

و إن كانت من ذوات الحمل فادّعت وضعه صدّقت أيضا بيمينها مع إمكانه، لما تقدّم. و يختلف الإمكان بحسب دعواها، فإن ادّعت ولادة ولد تامّ فأقلّ مدّة تصدّق فيها ستّة أشهر و لحظتان من يوم النكاح، لحظة لإمكان الوطء و لحظة للولادة، فإن ادّعت أقلّ من ذلك لم تصدّق. و إن ادّعت سقطا مصوّرا أو مضغة أو علقة اعتبر إمكانه عادة. و ربما قيل: إنه مائة و عشرون يوما و لحظتان في الأول، و ثمانون يوما و لحظتان في الثاني، و أربعون يوما و لحظتان في الثالث، لقوله (صلى اللّه عليه و آله): «يجمع أحدكم في بطن امّه أربعون يوما نطفة، و أربعون يوما علقة،

____________

[1] في هامش «و»: «لأنه رواه السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، عن أبيه (عليه السلام) أن عليّا (عليه السلام) قال في امرأة ادّعت أنها حاضت ثلاث حيض في شهر، قال: كلّفوا نسوة من بطانتها أن يحضها كان فيما مضى على ما ادّعت، فإن شهدت صدّقت، و إلّا فهي كاذبة.

و الشيخ حملها على من كانت متّهمة بقرينة دعوى ثلاث محيض في شهر، فلو انتفت التهمة رجع إليها قطعا. منه (رحمه الله)». لاحظ التهذيب 8: 166 ذيل ح 576، الاستبصار 3: 357 ذيل ح 1277.

____________

(2) من «و» فقط.

196

و لو ادّعت الحمل، (1) فأنكر الزوج، و أحضرت ولدا، فأنكر ولادتها له، فالقول قوله، لإمكان إقامة البيّنة بالولادة.

____________

و أربعون يوما مضغة، ثمَّ تنفخ فيه الروح» (1). و حيث قدّم قولها في ذلك لم تكلّف إحضار الولد، لعموم الأدلّة (2)، و لجواز موته و تعذّر إحضاره.

و إن ادّعت الانقضاء بالأشهر فالقول قول الزوج مع يمينه، لأنّ هذا الاختلاف راجع في الحقيقة إلى وقت الطلاق و القول قوله فيه كما يقدّم قوله في أصله. و لأنّه مع دعوى بقاء العدّة يدّعي تأخّر الطلاق و الأصل فيه معه، لأصالة عدم تقدّمه في الوقت الذي تدّعيه. هذا إذا لم يتّفقا على وقت الإيقاع، و إلّا رجع إلى الحساب.

و لو انعكس الفرض فادّعت بقاء العدّة لتطالب بالنفقة، و ادّعى الانقضاء، قدّم قولها في الجميع. أما في الأوّلين فظاهر. و أما في الأخير فلأن الأصل حينئذ معها، لأصالة عدم تقدّم الطلاق و بقاء الزوجيّة الثابتة (3) أولا إلى أن يظهر زوالها.

قوله: «و لو ادّعت الحمل. إلخ».

(1) ما تقدّم من تقديم قولها في الوضع حكم ما لو اتّفقا على الحمل و أنه منه، فيرجع إليها في ولادته، للآية (4) و الخبر (5). أما لو ادّعت الحمل و الوضع و أنكره الزوج فالقول قوله، لأصالة عدم الحمل. و لا فرق في تقديم قوله بين أن تحضر ولدا و تدّعي ولادته و عدمه، لإمكان إقامتها البيّنة على ولادته، فلا يلحق به

____________

(1) مسند الحميدي 1: 69 ح 126، مسند أحمد 1: 382، مع اختلاف في بعض اللفظ.

(2) كالتي تقدّمت في ص: 194، هامش (3)، و انظر أيضا الوسائل 15: 441 ب (24) من أبواب العدد ح 2.

(3) في «ح، ش، ط»: الثانية.

(4) البقرة: 228.

(5) كالتي تقدّمت في ص: 194، هامش (3)، و انظر أيضا الوسائل 15: 441 ب (24) من أبواب العدد ح 2.

197

و إذا ادّعت انقضاء (1) العدّة، فادّعى الرجعة قبل ذلك، فالقول قول المرأة.

و لو راجعها، فادّعت بعد الرجعة انقضاء العدّة قبل الرجعة، فالقول قول الزوج، إذ الأصل صحّة الرجعة.

____________

بمجرّد دعواها، لجواز التقاطها له، و إنما يلزمه الاعتراف بما يعلم ولادته على فراشه لا بما تدّعي المرأة ولادته كذلك. و حينئذ فلا يحكم بانقضاء العدّة بذلك، بل يفتقر إلى مضيّ مدّة الأقراء أو الأشهر، و يرجع إليها فيهما كالأول و إن كذّبت في الآخر. و يأتي في إصرارها على هذه الدعوى مع مضيّ زمن يمكن فيه انقضاؤها بغيرها ما سبق.

قوله: «و إذا ادّعت انقضاء. إلخ».

(1) المراد في الأول: أنهما اتّفقا على انقضاء العدّة و لكن ادّعى الزوج الرجعة قبل انقضائها و أنكرت هي. و وجه تقديم قولها حينئذ: أن الأصل عدم تقدّم الرجعة في الوقت الذي يدّعيه.

و في الثاني: أنهما اتّفقا على حصول الرجعة و لكن اختلفا في وقوعها في العدّة أو بعدها، فادّعى وقوعها فيها و أنكرت المرأة. و قد حكم المصنّف و العلّامة (1) تبعا للشيخ (2) أن القول قول الزوج، لاتّفاقهما على حصول رجعة ثمَّ هي تدّعي فسادها بوقوعها بعد العدّة و هو يدّعي صحّتها و مدّعي الصحّة مقدّم.

و يؤيّد ذلك أصالة بقاء الزوجيّة، لأنها كانت مستمرّة في زمن العدّة الرجعيّة حيث

____________

(1) قواعد الأحكام 2: 66.

(2) المبسوط 5: 107.

198

..........

____________

إنها [كانت] (1) بحكم الزوجة، و الأصل عدم زوال ذلك المعلوم.

و يشكل الفرق بين المسألتين، لأن تقديم قولها في الأول يوجب وقوع الرجعة فاسدة، لكونها بعد انقضاء العدّة، و مدّعي الصحّة مقدّم، غايته أن معها أصالة عدم تقدّمها لكن ذلك لا يعارض دعوى الصحّة لأنها أقوى، و من ثمَّ قدّم مدّعي العقد الصحيح و الإيقاع الصحيح مع معارضة أصل عدم جمعه للشرائط و أصالة بقاء الملك على مالكه و غير ذلك من الأصول. و لو نظر إلى أصالة عدم تقدّم ما هو حادث اتّجه تقديم قولها في الموضعين، لأصالة عدم تقدّم الرجعة فيهما.

و يمكن الفرق بين المسألتين بأن الزوجين في الثانية متّفقان على وقوع رجعة و إنما اختلافهما في صحّتها و فسادها، فلذلك قدّم [قول] (2) مدّعي الصحّة، بخلاف الأولى، فإنّهما لم يتصادقا على الرجعة و إنّما ادّعاها الزوج في وقت ليس له إنشاؤها، فلا يقبل إقراره بها. و قوله في الأولى: «فالقول قول المرأة» يريد به في عدم الرجعة قبل انقضاء العدّة أعمّ من وقوعها و عدمه أو في عدم الرجعة أصلا، فيتمّ الفرق.

و التحقيق في هذه المسألة وراء هذا كلّه أن نقول: على تقدير اتّفاقهما على الرجعة في الجملة فهذا الاختلاف لا يخلو: إمّا أن يقع في عدّة يرجع إليها فيها كالعدّة بالحمل و الأقراء، أو لا كالعدّة بالأشهر. ثمَّ إما أن يتّفقا على وقت أحدهما و يختلفا في الآخر، أو يطلقا الدعوى مجرّدة عن التوقيت. ثمَّ إما أن يكون هذا

____________

(1) من الحجريّتين.

(2) من «و» فقط.

199

..........

____________

الاختلاف قبل أن تنكح زوجا آخر، أو بعده. فهنا صور يظهر بتحريرها حكم المسألة.

الاولى: أن يتّفقا على وقت انقضاء العدّة كيوم الجمعة، فقال الزوج: راجعت يوم الخميس، و قالت: بل راجعت يوم السبت، فالقول قولها مع يمينها. و لا فرق هنا بين العدد، لأن وقت انقضاء العدّة متّفق عليه و الاختلاف في أنه هل راجع قبله؟

و الأصل أنه ما راجع سابقا، لأن الرجعة أمر حادث و الأصل عدم تقدّمها في كلّ وقت يحصل فيه الاختلاف. و أيضا فالزوج يدّعي بعد انقطاع سلطنته أنه راجع قبله فلا يسمع قوله، كما لو ادّعى الوكيل بعد العزل أنه تصرّف قبله، أو الوليّ بعد زوال ولايته أنّه زوّج المولّى عليه أو باع ماله، و نحو ذلك.

و في هذه الصورة وجهان آخران دون ما ذكرناه في القوّة:

أحدهما: تقديم قول الزوج، لأن الرجعة تتعلّق به و هو أعلم بفعله، و لأنه يستبقي النكاح فالأصل فيه معه.

و يضعّف الأول بأن الرجعة ممّا يمكن فيها إقامة البيّنة فلا يقبل فيها قول مدّعي الفعل، كاعتداد المرأة بالأشهر بخلاف عدّتها بما لا يمكن فيه إقامة البيّنة أو يتعسّر. و الثاني بأن النكاح قد انقطع بانقضاء العدّة، و إنّما يدّعي هو إحداث سبب يقتضي بقاءه و هو الرجعة و هي تنكره و الأصل عدمه.

و ثانيهما: تقديم قول المبتدئ بالدعوى و قد صادقة الآخر فيها، فإذا قالت مثلا: انقضت عدّتي يوم الجمعة، و صادقها الزوج و قال: رجعت يوم الخميس، فهي المصدّقة، لأن قولها في انقضاء العدّة مقبول متّفق عليه، و إذا حكم به لم يلتفت إلى ما يلحقه من دعوى الرجعة بعد ذلك. و إن قال الزوج أولا: راجعتك يوم الخميس

200

..........

____________

فهو المصدّق، لاستقلاله بالرجعة المتّفق عليها القاطعة للعدّة، و إذا صحّحنا الرجعة منه لم يعتبر قولها: إنّك راجعت يوم السبت. فإن تساوق كلامهما سقط هذا الوجه و بقي ما سبق. و هذا الوجه أضعف من السابق.

الثانية: أن يتّفقا على وقت الرجعة كيوم الجمعة و قالت: انقضت عدّتي يوم الخميس، و قال الزوج: بل يوم السبت، فالقول قول الزوج مع يمينه، لأن وقت الرجعة متّفق عليه، و الأصل أن العدّة لم تنقض قبله.

و في هذه الصورة الوجهان الآخران:

فالأول: تقديم قول المرأة مع يمينها، لأنها المصدّقة في انقضاء العدّة، و قد ادّعت أنه انقضى قبل أن يراجع. و هذا الوجه أقوى حيث تكون العدّة ممّا يقبل قولها فيها بأن ترتّبت على الحيض أو الوضع، لأن الرجوع إليها في ذلك يقتضي ترتّب أثره عليه و أهمّه حكم الرجعة. و لو ترتّبت على الأشهر اتّجه تقديم قوله، لأصالة عدم انقضائها.

و الثاني: تقديم قول السابق بالدعوى كما سبق.

الثالثة: أن لا يتّفقا على وقت أحدهما، بل يقتصر الزوج على أن الرجعة سابقة، و الزوجة على أن انقضاء العدّة سابق. و هنا ينبغي أن يكون موضوع فتوى المصنّف و توجيه ما علّل به الحكم في المسألتين. و الوجه في الأولى ما اختاره من تقديم قول الزوجة مطلقا، لأن المفروض انقضاء العدّة قبل النزاع، و الأصل عدم تقدّم الرجعة في وقت العدّة. و لا يقدح فيه كونها بعده (1) غير صحيحة، لأن القدر المتّفق عليه بينهما تلفّظه بالرجوع و أما اجتماع شرائطه المقتضية لعود

____________

(1) في «و، م»: بعدة.

201

..........

____________

الزوجيّة فأمر خارج عن النزاع. و الفرق بينه و بين تنازعهما في الصحّة و الفساد لا يخلو من إشكال. و في الثانية تقديم قولها مع كون العدّة ممّا يرجع إليها فيها، و قوله فيما إذا كانت بالأشهر لما ذكرناه. هذا كلّه إذا كان الاختلاف قبل أن تتزوّج بغيره.

الرابعة: أن يقع النزاع بعد ما نكحت غيره. فإذا نكحت ثمَّ جاء الأول و ادّعى الرجعة- سواء عذّرهما في النكاح لجهلهما بالرجعة، أم نسبهما إلى الخيانة و التلبيس- نظر إن أقام عليها بيّنة فهي زوجة الأول، سواء دخل بها الثاني أم لم يدخل، و يجب لها مهر المثل على الثاني إن دخل بها.

و إن لم تكن بيّنة و أراد التحليف سمعت دعواه على كلّ منهما، فإن ادّعى عليها فأقرّت له بالرجعة لم يقبل إقرارها على الثاني. و في غرمها للأول مهر المثل لتفويت البضع عليه قولان تقدّم البحث فيهما في النكاح (1). و إن أنكرت فهل تحلّف؟ فيه وجهان مبنيّان على أنها هل تغرم له لو أقرّت أم لا؟ فإن لم نقل بالغرم فلا وجه للتحليف، لأن الغرض منه الحمل على الإقرار و لا فائدة فيه. فإن قلنا بالتحليف فحلفت سقطت دعوى الزوج. و إن نكلت حلف و غرّمها مهر المثل، و لا يحكم ببطلان النكاح الثاني و إن جعلنا اليمين المردودة كالبيّنة، لأنها إنما تكون كذلك في حقّ المتداعيين خاصّة. و ربما احتمل بطلان النكاح على هذا التقدير لذلك. و هو ضعيف.

فإذا انقطعت الخصومة معها بقيت على الزوج الثاني. ثمَّ إن أنكر صدّق بيمينه، لأن العدّة قد انقضت، و النكاح وقع صحيحا في الظاهر، و الأصل عدم الرجعة. و إن نكل ردّت اليمين على المدّعي، فإن حلف حكم بارتفاع النكاح

____________

(1) في ج 7: 110- 111.

202

و لو ادّعى أنه راجع (1) زوجته الأمة في العدّة، فصدّقته، فأنكر المولى و ادّعى خروجها قبل الرجعة، فالقول قول الزوج.

و قيل: لا يكلّف اليمين، لتعلّق حقّ النكاح بالزوجين. و فيه تردّد.

____________

الثاني، و لا تصير المرأة للأول بيمينه. ثمَّ إن قلنا إن اليمين المردودة كالبيّنة فكأنّه لم يكن بينها و بين الثاني نكاح، فلا شيء لها عليه إلّا مهر المثل مع الدخول. و إن قلنا إنها كالإقرار فإقراره عليها غير مقبول، و لها كمال المسمّى إن كان بعد الدخول، و نصفه إن كان قبله. و الأقوى ثبوت المسمّى كملا مطلقا و إن جعلناها كالبيّنة، لما ذكرناه من أنّها إنّما تكون كالبيّنة في حقّ المتنازعين خاصّة.

و إذا انقطعت الخصومة بينهما فله الدعوى على المرأة إن لم يكن سبق بها.

ثمَّ ينظر إن بقي النكاح الثاني- بأن حلف- فالحكم كما ذكر فيما إذا بدأ بها. و إن لم يبق- بأن أقرّ الثاني للأول بالرجعة، أو نكل فحلف الأول- فإن أقرّت المرأة سلّمت إليه، و إلّا فهي المصدّقة باليمين، فإن نكلت و حلف المدّعي سلّمت إليه.

و لها على الثاني مهر المثل إن جرى دخول، و إلّا فلا شيء عليه كما لو أقرّت بالرجعة. و كلّ موضع قلنا لا تسلّم المرأة إلى الأول لحقّ (1) الثاني- و ذلك عند إقرارها، أو نكولها و يمين الأول- فإذا زال حقّ الثاني بموت و غيره سلّمت إلى الأول، كما لو أقرّ بحرّية عبد في يد غيره ثمَّ اشتراه فإنه يحكم عليه بحرّيته.

قوله: «و لو ادّعى أنه راجع. إلخ».

(1) القول بعدم تكليفه اليمين للشيخ في المبسوط (2). و وجهه: ما أشار إليه المصنّف من أن الرجعة تفيد استباحة البضع و هو حقّ يتعلّق بالزوجين فقط، فمع

____________

(1) في «ش، م»: بحقّ.

(2) المبسوط 5: 107.

203

[المقصد الرابع: في جواز استعمال الحيل]

المقصد الرابع: في جواز استعمال الحيل.

يجوز التوصّل بالحيل المباحة (1) دون المحرّمة في إسقاط ما لو لا الحيلة لثبت. و لو توصّل بالمحرّمة أثم و تمّت الحيلة.

فلو أن امرأة حملت ولدها على الزنا بامرأة لتمنع أباه من العقد عليها، أو بأمة يريد أن يتسرّى بها، فقد فعلت حراما، و حرمت الموطوءة على قول من ينشر الحرمة بالزنا.

أما لو توصّل بالمحلّل- كما لو سبق الولد إلى العقد عليها في صورة الفرض- لم يأثم.

____________

تصادقهما على صحّتها شرعا لم يعتبر رضا المولى، و لا يفتقر إلى اليمين على الزوج للمرأة لمصادقتها، و لا للمولى لعدم اعتبار رضاه.

و المصنّف تردّد في ذلك التفاتا إلى أن حقّ المولى إنما يسقط زمن الزوجيّة لا مع زوالها، و هو الآن يدّعي عود حقّه و الزوج ينكره، فيتوجّه اليمين. و بهذا يظهر منع تعلّق الحقّ بالزوجين فقط، فإن ذلك إنما هو في زمن الزوجيّة، إذ قبلها الحقّ منحصر في المولى، و كذا بعدها، و النزاع هنا في ذلك، فالقول باليمين أجود. بل يحتمل تقديم قول المولى، لقيامه في ذلك مقام الزوجة، و قولها مقدّم على الوجه المتقدّم، فلا أقلّ من توجّه اليمين على الزوج.

قوله: «يجوز التوصّل بالحيل المباحة. إلخ».

(1) هذا باب واسع في جميع أبواب الفقه، و الغرض منه التوصّل إلى تحصيل أسباب يترتّب عليها أحكام شرعيّة، و تلك الأسباب قد تكون محلّلة و قد تكون محرّمة، و الغرض من تعليم الفقيه الأسباب المباحة، و أما المحرّمة فيذكرونها بالعرض ليعلم حكمها على تقدير وقوعها. فمن ذلك الحيل على إسقاط الربا

204

و لو ادّعي عليه دين (1) قد برئ منه بإسقاط أو تسليم، فخشي من دعوى الإسقاط أن تنقلب اليمين إلى المدّعي، لعدم البيّنة، فأنكر الاستدانة و حلف، جاز بشرط أن يورّي ما يخرجه عن الكذب. و كذا لو خشي الحبس بدين يدّعى عليه فأنكر

____________

و الشفعة، و هي مذكورة في بابهما (1). و كذلك الحيل على التخلّص من الرضاع المحرّم، و نحو ذلك.

و ممّا ذكرها هنا من الحيل المحلّلة ما إذا خافت المرأة من تزويج زوجها بامرأة معيّنة فحملت ولدها على العقد عليها قبله، أو شراء أمة فاشتراها كذلك و وطئها، تمّت الحيلة. و لو زنى بها و قلنا إن الزنا ينشر الحرمة سابقا حرمت أيضا على أبيه، و تمّت الحيلة المحرّمة.

و من قبيل الحيلة المحرّمة ما لو كرهت المرأة زوجها و أرادت انفساخ العقد بينهما فارتدّت انفسخ النكاح، و بانت منه إن كان قبل الدخول، و لو كان بعده وقفت البينونة على انقضاء العدّة قبل رجوعها، فإن أصرّت إلى انقضائها بانت منه، فإذا رجعت بعد ذلك إلى الإسلام قبل و تمّت الحيلة.

قوله: «و لو ادّعي عليه دين. إلخ».

(1) التورية في الصورتين شرط في الإنكار و الحلف، و هي في الحلف آكد.

و المراد بالتورية أن يعدل بمدلول اللفظ إلى أمر غير ما يدلّ عليه ظاهرا، بأن يقول: ما استدنت منك و يقصد نفيها في مكان مخصوص أو زمان غير الذي كانت الاستدانة فيه، أو نوعا من المال غير الذي وقع (2)، أو غير ذلك. و كذلك ينوي إذا حلف. و إنما جاز ذلك لمكان الضرورة، حيث إنه برئ من الدّين في نفس الأمر

____________

(1) راجع ج 3: 332، و لواحق المقصد الرابع من كتاب الشفعة.

(2) في الحجريّتين: دفع.