مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام - ج9

- الشهيد الثاني المزيد...
537 /
205

و النيّة أبدا (1) نيّة المدّعي إذا كان محقّا، و نيّة الحالف إذا كان مظلوما في الدعوى.

و لو أكرهه على اليمين (2) أنه لا يفعل شيئا محلّلا، فحلف و نوى ما يخرج به عن الحنث جاز، مثل أن يورّي أنه لا يفعله بالشام، أو بخراسان، أو في السماء، أو تحت الأرض.

____________

و غير مخاطب بأدائه مع الإعسار.

قوله: «و النيّة أبدا. إلخ».

(1) يعني (1) أن المدّعي إذا كان محقّا فأنكر المدّعى عليه و حلف مورّيا بما يخرجه عن الكذب لم ينفعه ذلك، بل وقعت اليمين على طبق ما يريده المدّعي، و ترتّب على المنكر الوعيد الذي ورد (2) فيمن حلف باللّه كاذبا، بخلاف ما إذا كان مظلوما كالمثالين السابقين، فإن التورية تصرف اللفظ عن ظاهره و ترفع عنه الإثم و الكذب. و كذا القول في غير وقت اليمين من المحاورة الواقعة بينهما في الصورتين، فإن التورية تنفع المظلوم دون الظالم.

قوله: «و لو أكرهه على اليمين. إلخ».

(2) سيأتي في كتاب الأيمان (3) أن المكره لا تنعقد يمينه، فإذا أكرهه على الحلف [على] (4) أن لا يفعل شيئا له فعله جاز له فعله و إن لم يورّ. و المطابق من المثال أن يحمله (5) على الحلف على ذلك لا على وجه الإكراه، فيورّي بما ذكر

____________

(1) في «ح، و، م»: بمعنى.

(2) لاحظ الوسائل 16: 118 ب (4) من أبواب كتاب الأيمان.

(3) في الأمر الثاني من كتاب الإيمان.

(4) من «ح، ش، ط».

(5) في «و»: نحمله.

206

و لو اجبر على الطلاق (1) كرها فقال: زوجتي طالق، و نوى طلاقا سالفا، أو قال: نسائي طوالق، و عنى نساء الأقارب، جاز.

و لو أكره على اليمين (2) أنه لم يفعل، فقال: ما فعلت كذا، و جعل «ما» موصولة لا نافية، صحّ.

____________

و نحوه من المخصّصات الزمانيّة و المكانيّة و الحاليّة، فيخرج به حينئذ عن الحنث و هو الإثم في مخالفة مقتضى اليمين.

قوله: «و لو اجبر على الطلاق. إلخ».

(1) الكلام في هذا المثال كالسابق، فإن طلاق المكره لا يقع و إن لم يورّ. و قد اتّفق مثل ذلك للعلّامة في كتبه (1)، و تنبّه له في التحرير (2) فاستدرك الحكم بعدم وقوعه و إن لم ينو شيئا كما ذكرناه.

قوله: «و لو أكره على اليمين. إلخ».

(2) الإشكال في هذا المثال كالسابق و زيادة أن الحلف على الماضي و هو غير منعقد عندنا، سواء جعل «ما» موصولة أو نافية.

و اعلم أنه على تقدير الافتقار إلى العدول عن جعل «ما» نافية إلى جعلها موصولة إنما تظهر فائدته لمن لا يعرف العربيّة، أو مع عدم ظهور الإعراب في متعلّق اليمين بأن كان مقصورا، أما لو ظهر فيه الإعراب و كان المحلوف له ممّن يفهم ذلك لم تظهر التورية، لأن متعلّق اليمين مع النفي منصوب و مع جعلها موصولة مرفوع خبر عنه، مثلا لو اتّهمه بفعل شيء بالأمس و حمله على اليمين فقال: ما فعلت بالأمس شيئا، كانت «ما» نافية، و لو أراد جعلها موصولة فالعبارة

____________

(1) قواعد الأحكام 2: 138.

(2) تحرير الأحكام 2: 57.

207

و لو اضطرّ إلى الإجابة (1) ب«نعم» فقال: نعم، و عنى الإبل، أو قال: نعام، و عنى نعام البرّ، قصدا للتخلّص، لم يأثم.

____________

الصحيحة أن يقول: ما فعلت شيء، ف«ما» مبتدأ بمعنى الذي، و «فعلت» صلتها و عائدها محذوف و هو ضمير المفعول، و «شيء» خبر عن الموصول المبتدأ، فلا يظهر العدول إلّا مع جهل من حمله على الحلف بالحال. و لو أراد التورية لكونه خبرا عن الفعل فيما مضى و قد وقع منه و أنكره لمصلحة- و هو معذور في الإنكار- فالتورية لأجل الخبر لا لأجل اليمين.

قوله: «و لو اضطرّ إلى الإجابة. إلخ».

(1) هذا أيضا من ضروب التورية بأن يأتي باللفظ المشترك و يقصد من معانيه غير ما يراد منه في تلك المحاورة، فإنه يخرج بذلك عن الكذب و إن لم يكن يمينا.

و يستفاد من تقييده بالاضطرار و من الأمثلة السابقة أن التورية لا تصحّ من غير ضرورة، لأن إطلاق اللفظ محمول على حقيقته المتبادرة منه، فصرفه إلى مجازه أو نحوه يوهم الكذب.

و قيل: تجوز التورية مطلقا ما لم يكن ظالما، لأن العدول عن الحقيقة سائغ، و القصد مخصّص. و هذا هو الأظهر، لكن ينبغي قصره على وجه المصلحة، كما روي عن بعض السلف الصالح أنه كان إذا ناداه أحد و لا يريد الاجتماع به يقول لجاريته: قولي له: اطلبه في المسجد، و كان آخر يخطّ دائرة في الأرض و يضع فيها إصبع الجارية و يقول لها: قولي له: ليس ها هنا و اقصدي داخل الدائرة.

208

و كذا لو حلف: (1) ما أخذ جملا و لا ثورا و لا عنزا، و عنى بالجمل:

السحاب، و بالثور: القطعة الكبيرة من الأقط، و بالعنز: الأكمة، لم يحنث.

و لو اتّهم غيره (2) في فعل فحلف: ليصدّقنّه، فطريق التخلّص أن يقول:

فعلت ما فعلت، و أحدهما صدق.

____________

قوله: «و كذا لو حلف. إلخ».

(1) هذا من أقسام التورية بصرف اللفظ المشترك إلى بعض معانيه التي هي خلاف الظاهر في تلك المحاورة. و هو قصد صحيح بطريق الحقيقة و إن كانت مرجوحة بحسب الاستعمال، حتى (1) لو فرض بلوغها حدّ المجاز- من حيث تبادر الذهن إلى غيرها- كان قصدها صارفا عن الكذب، لأن استعمال المجاز أمر سائغ و إن كان إطلاق اللفظ لا يحمل عليه عند التجرّد عن القرينة، فإن المخصّص هنا هو النيّة فيما بينه و بين اللّه تعالى للسلامة من الكذب حيث لا يكون ظالما في الدعوى عليه بذلك، و إلا لم تنفعه التورية كما مرّ (2).

قوله: «و لو اتّهم غيره. إلخ».

(2) المراد أن المتّهم بالفعل حلف أنه يصدّق من اتّهمه به في ذلك و يبقي الأمر مبهما، بأن اتّهمه في سرقة- مثلا- فحلف المتّهم بالسرقة ليصدّقنّه في حال هذه السرقة، فيقول: «سرقت ما (3) سرقت» فيبرّ من اليمين، لأنه صادق في أحد الخبرين. و هذا يتمّ إذا لم يقصد التعيين و التعريف، و إلا لم يبرّ بذلك بل بالصدق في ذكر أحدهما خاصّة. و الظاهر من إطلاق اللفظ هو إرادة التعيين، فلا يكفي صدقه في أحد الإخبارين إلّا مع قصده ذلك.

____________

(1) كذا في «ش، ح، و» و في «ط، م»: حتى يلزم فرض، و في الحجريّتين: حتى يلزم لو فرض.

(2) في ص: 205.

(3) كذا في «ح، ش» و في «ط، و، م» و الحجريّتين: و ما.

209

و لو حلف ليخبرنّه (1) بما في الرمّانة من حبّة، فالمخرج أن يعدّ العدد الممكن فيها، فذلك و أمثاله سائغ.

____________

قوله: «و لو حلف ليخبرنّه. إلخ».

(1) المراد أنّه حلف ليخبرنّه بعدد حبّات الرمّانة قبل كسرها، و إلّا فلو أطلق أمكن البرّ بكسرها و عدّ ما فيها من الحبّات، و لم يفتقر إلى الحيلة. و هكذا عبّر به جماعة من الفضلاء لا كما أطلق المصنّف. و يمكن مع الإطلاق أن يتمّ المثال بالإخبار بذلك و إن كان له طريق آخر إلى التخلّص. و قد يتعيّن الطريق المذكور مع الإطلاق، لضيق الوقت الذي عيّنه للإخبار. و طريق التخلّص حينئذ أن يبتدئ من عدد يتيقّن أن الحبّات التي في الرمّانة لا تنقص عنه، و يذكر الأعداد بعدها على الولاء، بأن يقول: فيها مائة حبّة، مائة و واحدة، مائة و اثنتان. و هكذا، إلى أن ينتهي إلى العدد الذي يتيقّن أنّه لا يزيد عليه، فيكون مخبرا عن ذلك العدد.

و مثله ما لو حلف ليخبرنّه عن عدد ما في هذا البيت من الجوز، أو يكون قد أكل تمرا- مثلا- لا يعلم قدره و حلف ليخبرنّه بعدد ما أكل، و نحو ذلك.

و في هذا الفرض مناقشتان:

إحداهما: مثل ما تقدّم في السابق، و هو أن هذا إنما يكفي الاقتصار عليه حيث لا يقصد التعيين و التعريف، أما لو قصده لم يبرّ بهذا المقدار من الإخبار، لأنه لا (1) يحصل به التعريف. بل يحتمل قويّا أن لا يكون الإطلاق منزّلا عليه أيضا إلّا مع قصده بالخصوص، لأنه خلاف الظاهر و المتبادر إلى الفهم.

و الثانية: أنه قد تحقّق في الأصول أن الخبر لا يشترط في تحقّقه الصدق، بل

____________

(1) في «م» و الحجريّتين: لأنه يحصل.

210

..........

____________

لو أخبر خبرا كاذبا صدق عليه الخبريّة، لأن المراد منه القضيّة التي تحتمل الصدق و الكذب. و على هذا لا يفتقر في البرّ من يمينه إلى تعداد ما ذكر، بل يكتفي بذكر أيّ عدد شاء لصدق الخبريّة، سواء كان مطابقا للواقع أم لا، اللّهمّ إلا أن يقصد الخبر المطابق أو يكون الإطلاق متبادرا إليه فيتمّ ما ذكروه.

و يمكن تمثيل هذه الفروض في التعليقات التي تترتّب عليها الأحكام الشرعيّة كالطلاق عند العامّة و الظهار عندنا، بل هي في ذلك أظهر من اليمين، لأن انعقاد اليمين بذلك مشروط بكونه راجحا أو متساوي الطرفين، و قد لا يتّفق في هذه الأمثلة ذلك، فلا تنعقد اليمين.

و مثاله في التعليقات أن يقول الرجل لزوجته: إن لم تصدّقيني في حال هذه السرقة، أو: إن لم تخبريني بعدد حبّات هذه الرمّانة قبل كسرها فأنت عليّ كظهر أمي، و نحو ذلك. فطريق تخلّصها من الظهار إخباره بما ذكر من الطريق. و أشار بقوله: «فذلك و أمثاله سائغ» إلى أن فروع الباب لا تنحصر في ذلك. و الضابط تحصيل الحيلة المخرجة من الكذب أو المحصّلة للمطلوب. و فروع الباب كثيرة فلنشر إلى بعضها للتمرين.

و منها: لو قال لها: إن أكلت هذه الرمّانة فأنت عليّ كظهر أمي. فطريق التخلّص على تقدير أن لا تترك أكلها أن تبقى منها حبّة فصاعدا، فيصدق عدم أكلها. و مثله لو قال: إن أكلت هذا الرغيف، فأبقت منه بقيّة تحسّ (1). و لو أبقت فتاتا يدقّ مدركه وقع، لصدق أكله نظرا إلى العرف. و يحتمل مثله في إبقاء حبّة

____________

(1) في «ش» و الحجريّتين: تحسن.

211

..........

____________

واحدة من الرمّانة، إلّا أن العرف فيها غير منضبط، إذ يصدق قول من فعل ذلك: ما أكلت الرمّانة، بخلاف الفتات المذكور.

و منها: ما لو قال لها و هي صاعدة في السلّم: إن نزلت فأنت عليّ كظهر أمّي، و إن صعدت فأنت عليّ كظهر أمي. فالحيلة في التخلّص بالطفرة إن أمكنها.

و بالحمل (1) فيصعد بها أو ينزل، و ينبغي أن يكون الحمل بغير أمرها. و بأن يضجع السلّم على الأرض و هي عليه فتقوم من موضعها. و بأن يكون بجنبه سلّم آخر فتنقل إليه، و إن مضى في نصب سلّم آخر زمان و هي واقفة، إلّا أن يضيف إلى ذلك قوله: و إن وقفت في السلّم أيضا فأنت عليّ كظهر أمي، فيقع مع المكث لا مع المبادرة إلى ما سيق (2).

و منها: ما إذا أكلا تمرا أو مشمشا و خلط النوى ثمَّ قال: إن لم تميّزي نوى ما أكلت عن نوى ما أكلت فأنت عليّ كظهر أمي. أو خلطت دراهمها بدراهمه فقال: إن لم تميّزي دراهمك من دراهمي كذلك. فيحصل الخلاص عن ذلك بأن تبدّدها (3) بحيث لا يبقى منها اثنان، فإذا فعلت ذلك فقد ميّزت، إلا أن يريد التمييز الذي يحصل به التعيين و التنصيص (4) كما تقدّم فلا يحصل الخلاص بذلك. و ينبغي أن يحمل اللفظ عند الإطلاق على هذا، لأن المتبادر إلى الفهم عرفا ذلك كما مرّ (5). و إنما يجتزأ بالحيلة الأولى مع إرادة المعنى.

____________

(1) في «و»: أو بالحمل.

(2) كذا في «ش» و لعلّه الصحيح، و في سائر النسخ و الحجريّتين: سبق.

(3) في «ط» و الحجريّتين: تعدّدها.

(4) في الحجريّتين: و التخصيص.

(5) في ص: 208.

212

..........

____________

اللغوي أو إرادته بخصوصه.

و منها: ما لو كان في فيها تمرة فقال لها الزوج: إن ابتلعتيها فأنت عليّ كظهر أمي، و إن قذفتيها فأنت عليّ كظهر أمّي، و إن أمسكتيها فأنت عليّ كظهر أمي.

فالحيلة في تخلّصها منها جميعا بأن تأكل بعضها و تقذف بالبعض الآخر. و لو قال:

إن أكلتيها فأنت عليّ كظهر أمي، و إن لم تأكليها فأنت عليّ كظهر أمي، لم تتخلّص بما ذكر من الحيلة. و في التخلّص منه بالابتلاع وجهان، من حيث إنه يصدق أن يقال: ابتلع و ما أكل، و من عدم انضباط العرف.

و منها: لو قال لها: كلّ كلمة كلّمتني بها إن لم أقل لك مثلها فأنت عليّ كظهر أمي، فقالت له المرأة: أنت عليّ كظهر أمي. فإن لم يقل ذلك وقع الظهار بالأول، و إن قاله وقع بالثاني. فطريق تخلّصه أن يقول لها: أنت تقولين: أنت عليّ كظهر أمي، أو يقول ذلك مجرّدا عن «أنت تقولين» بغير قصد الظهار مصرّحا بعدم القصد متّصلا به.

و منها: لو كان في يدها كوز ماء فقال: إن قلبت هذا الماء أو تركته أو شربته أو شربه غيرك فأنت عليّ كظهر أمي. فيحصل الخلاص بأن تضع به خرقة فتبلّها به.

و منها: لو كانت في ماء راكد فقال لها: إن مكثت فيه أو خرجت منه فأنت عليّ كظهر أمي. فالطريق أن يحملها إنسان في الحال. و لو كان الماء جاريا لم يقع، سواء مكثت أم خرجت، لأن ذلك الماء قد فارقها بجريانه، إلّا أن يدلّ العرف على إرادة ما يعمّ ذلك من الماء فيكون كالراكد. و قس على هذه الفروض ما يرد عليك بضرب من النظر مراعيا للعرف و الوضع.

213

[المقصد الخامس في العدد]

المقصد الخامس في العدد (1) و النظر في ذلك يستدعي فصولا.

____________

قوله: «المقصد الخامس في العدد .. إلخ».

(1) هو جمع عدّة مأخوذ من العدد، لاشتماله عليه غالبا، و العدّة الاسم من الاعتداد، يقال: أنفذت عدّة كتب إلى جماعة، و قد يجعل مصدرا و يقول: اعتدّت المرأة اعتدادا و يقال: عدّة. و شرعا: اسم لمدّة معدودة تتربّص فيها المرأة لمعرفة براءة رحمها، أو للتعبّد، أو التفجّع على الزوج. و شرّعت صيانة للأنساب و تحصينا لها من الاختلاط. و الأصل فيها قبل الإجماع الآيات كقوله تعالى وَ الْمُطَلَّقٰاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلٰاثَةَ قُرُوءٍ (1) وَ أُولٰاتُ الْأَحْمٰالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ (2) وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْوٰاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَ عَشْراً (3) و غير ذلك من الأدلّة (4).

و اعلم أن المدّة المستدلّ بمضيّها على براءة الرحم تتعلّق تارة بالنكاح و وطء الشبهة و تشتهر باسم العدّة، و أخرى بملك اليمين إما حصولا في الابتداء أو زوالا في الانتهاء و تشتهر باسم الاستبراء. و النوع الأول منه ما يتعلّق بفرقة بين الزوجين و هو حيّ كفرقة الطلاق و اللعان و الفسوخ، و تشمله عدّة الطلاق، لأنه أظهر أسباب الفراق، و حكم العدّة عن وطء الشبهة حكمها، و إلى ما يتعلّق بفرقة

____________

(1) البقرة: 228.

(2) الطلاق: 4.

(3) البقرة: 234.

(4) لاحظ الوسائل 15: 421 ب «12» «13» من أبواب العدد و غيرهما.

214

[الأول]

الأول لا عدّة على من (1) لم يدخل بها، سواء بانت بطلاق أو فسخ، عدا المتوفّى عنها زوجها، فإن العدّة تجب مع الوفاة و لو لم يدخل.

و الدخول يتحقّق بإيلاج الحشفة و إن لم ينزل، و لو كان مقطوع الأنثيين، لتحقّق الدخول بالوطء. أما لو كان مقطوع الذكر سليم الأنثيين قيل: تجب العدّة، لإمكان الحمل بالمساحقة. و فيه تردّد، لأن العدّة تترتّب على الوطء. نعم، لو ظهر حمل اعتدّت منه بوضعه، لإمكان الإنزال.

____________

تحصل بموت الزوج و هي عدّة الوفاة. و سنذكر (1) تفصيلها.

قوله: «لا عدّة على من .. إلخ».

(1) إنما تجب العدّة في غير الوفاة بعد الدخول فلا تجب بدونه، قال تعالى:

ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمٰا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهٰا (2). و لمّا كان الأصل في هذه العلّة (3) طلب براءة الرحم لم تجب بالفراق عن مطلق النكاح، بل اعتبر جريان سبب شغل (4) الرحم ليحتاج إلى معرفة براءته.

ثمَّ لا يعتبر تحقّق الشغل و لا توهّمه، فإن الإنزال ممّا يخفى و يختلف في حقّ الأشخاص بل في الشخص الواحد باعتبار ما يعرض له من الأحوال فيعسر تتبّعه و يقبح، فأعرض الشارع عنه و اكتفى بسبب الشغل و هو الوطء، و ناطه بتغيّب

____________

(1) في «و»: و سيذكر.

(2) الأحزاب: 49.

(3) في إحدى الحجريّتين و نسخة بدل الثانية: العدّة.

(4) في «ش، ط، م» و الحجريّتين: يشغل.

215

..........

____________

قدر الحشفة. و هذا صنعه في تعليق الأحكام بالمعاني الخفيّة، ألا ترى أن الاعتقاد الصحيح الذي هو المطلوب و به تحصل النجاة لمّا كان أمرا خفيّا- لكونه في الضمير- علّقت الأحكام بالكلمة الظاهرة، حتى لو توفّرت القرائن الدالّة على أن الباطن مخالف للظاهر- كما إذا أكره على الإسلام بالسيف- لا يبالي بها و يدار (1) الحكم على الكلمة، و أن (2) مناط التكليف- و هو العقل و التمييز- لمّا كان خفيّا يحصل بالتدريج و يختلف بالأشخاص و الأحوال أعرض عن تتبّعه، و معرفة كماله و عقله (3) بالسنّ أو الاحتلام. و كما اكتفى في الترخّص بالسفر المخصوص و أعرض عن المشقّة التي هي الحكمة فيه.

إذا عرفت ذلك فالمعتبر من الوطء تغييب الحشفة أو قدرها من مقطوعها في قبل أو دبر. و في حكمه دخول منيّه المحترم فرجا، فيلحق به الولد إن فرض و تعتدّ بوضعه، و ظاهر الأصحاب عدم وجوبها بدون الحمل هنا.

فلو دخل الخصيّ بما ذكر وجبت العدّة و إن بعد احتمال المعلق [1] منه، كما بعد في مدخل الحشفة بغير إنزال و إن كان فحلا، لوجود المقتضي الذي جعله الشارع سببا لها.

و أما المجبوب و هو مقطوع الذكر سليم الأنثيين فلا يوجد منه الدخول، فلا يجب على زوجته إذا كانت حائلا عدّة على أصحّ القولين، لانتفاء المقتضي لها

____________

[1] كذا فيما لدينا من النسخ الخطّية و الحجريّتين، و لعلّه تصحيف: العلق، يقال: علقت المرأة، إذا حبلت، انظر معجم مقاييس اللغة 4: 131.

____________

(1) في «ش، و»: و يدير، و في «ط»: و مدار.

(2) في «ح»: فإن.

(3) في «م» و الحجريّتين: و علّقه.

216

و لا تجب العدّة (1) بالخلوة منفردة عن الوطء على الأشهر. و لو خلا ثمَّ اختلفا في الإصابة، فالقول قوله مع يمينه.

____________

و هو الوطء. و القول بوجوب العدّة للشيخ في المبسوط (1) محتجّا بإمكان المساحقة. و ضعفه ظاهر، فإن مجرّد الإمكان غير كاف في الوطء الكامل فكيف في غيره؟! نعم، لو ظهر بها حمل لحقه الولد و اعتدّت حينئذ بوضعه.

و الممسوح الذي لم يبق له شيء لا يتصوّر منه دخول، و لو أتت زوجته بولد لا يلحقه على الظاهر، فلا يجب على زوجته منه عدّة. و ربما قيل: إن حكمه حكم المجبوب. و هو بعيد.

و اعلم أنه لا فرق بين وطء الصبيّ القاصر عن سنّ من يصلح للولادة [له] (2) و غيره، لوجود المقتضي و هو الوطء الذي جعل مناطا لها، كوطء الكبير بتغييب الحشفة خاصّة من غير إنزال، و يتغلّب جانب التعبّد هنا نظرا إلى تعليق الحكم بالوجه (3) المنضبط.

قوله: «و لا تجب العدّة. إلخ».

(1) قد تقدّم (4) الكلام في ذلك و أن ابن الجنيد أوجبها بالخلوة و قدّم قول مدّعي الإصابة إذا لم يكن هناك ما يوجب تكذيبه. و العمل على المشهور فيهما تمسّكا بأصالة العدم. و لا فرق في الخلوة بين التامّة و هي التي تكون في منزل الزوج و غيرها كالواقعة في منزل أهلها.

____________

(1) المبسوط 5: 238.

(2) سقطت من «ط».

(3) في الحجريّتين: بالوطء.

(4) في ص: 178.

217

[الفصل الثاني في ذات الأقراء]

الفصل الثاني في ذات الأقراء (1) و هي المستقيمة الحيض. و هذه تعتدّ بثلاثة أقراء، و هي الأطهار على أشهر الروايتين، إذا كانت حرّة، سواء كانت تحت حرّ أو عبد.

____________

قوله: «في ذات الأقراء. إلخ».

(1) القرء- بالفتح و الضمّ- تجمع على أقراء و قروء و أقرؤ. و قال بعض أهل اللغة (1): إنه بالفتح الطهر، و يجمع على فعول كحرب و حروب و ضرب و ضروب، و القرء بالضمّ الحيض، و يجمع على أقراء كقفل و أقفال (2). و الأشهر عدم الفرق بين الضمّ و الفتح، و أنه يقع على الحيض و الطهر جميعا بالاشتراك اللفظي أو المعنوي (3). و المراد في قوله (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) لفاطمة بنت أبي حبيش:

«دعي الصلاة أيّام أقرائك» (4) الأول، كما أن الطهر هو المراد في قوله (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) لابن عمر و قد طلّق امرأته في الحيض: «إنما السنّة أن تستقبل بها الطهر ثمَّ تطلّقها في كلّ قرء طلقة» (5) و في قول الأعشى (6):

مورّثة عزّا و في الحيّ منعة * * * لما ضاع فيها من قروء نسائكا

و الكناية راجعة إلى الغزوة المذكورة في البيت السابق و هو قوله:

و في كلّ عام أنت جاشم غزوة * * * تشدّ لأقصاها عزيم عزائكا

____________

(1) نقله عنه في روضة الطالبين 6: 341، و لم نجده فيما لدينا من كتب اللغة.

(2) في «ح، ش، م»: كفعل و أفعال.

(3) في «ش، ط، م»: و المعنوي.

(4) سنن الدارقطني 1: 212 ح 36، سنن البيهقي 7: 416.

(5) السنن الكبرى للبيهقي 8: 330.

(6) ديوان الأعشى: 132.

218

..........

____________

و الذي يضيع في غيبة الزوج طهر المرأة أما الحيض فيستوي فيه حال الحضور و الغيبة.

و يقال: أقرأت المرأة فهي مقرئ إذا حاضت، و أقرأت إذا طهرت. و قد قيل:

إن اللفظين مأخوذان من قولهم: قرأت الطعام في الشدق و قرأت الماء في الحوض إذا جمعته، و قد تحذف الهمزة فتقول: قرئت الماء. و زمان الطهر يجمع الدم في الرحم، و زمان الحيض يجمع شيئا منه و يرسل شيئا إلى أن يدفع الكلّ، فيحصل معنى الجمع فيهما.

و قيل: الأصل فيه الضمّ، يقال: ما قرأت فلانة جنينا أي: لم يضمّ رحمها على ولد، و منه سمّي القرآن قرآنا، لأنه يضمّ السور و الآيات، و هو مقارب للجمع، إذ يجوز أن يقال فيه: جمع السور و الآيات.

و قيل: أصله الوقت الذي يأتي فيه الشيء، يقال: أقرأت حاجتك إذا دنت، و أقرأت الريح إذا هبّت لوقتها، و أقرأت المرأة إذا دنى وقت حيضها أو طهرها.

ثمَّ في كيفيّة وقوع الاسم عليهما أوجه:

أحدها: أنه حقيقة في الطهر مجاز في الحيض، فإن الطهر هو الذي يجمع الدم في الرحم و يحسبه. و قد قيل: إنه مأخوذ من قولهم: أقرأت النجوم إذا تأخّر مطرها، و أيّام الطهر هي التي يتأخّر فيها خروج الدم.

و الثاني: عكسه، لأن المرأة لا تسمّى من ذوات الأقراء إلا إذا حاضت.

و ثالثها: أنّه مشترك بينهما كسائر الأسماء المشتركة. و هو الأشهر. و الحامل على أحد الأوّلين أن المجاز خير من الاشتراك. و يرجّح الأخير نصّ أهل اللغة (1)

____________

(1) لسان العرب 1: 130، المصباح المنير للفيّومي 2: 501.

219

..........

____________

على ثبوت الاشتراك، و لا رجحان للمجاز عليه بعد ثبوته.

ثمَّ إن جعلناه مأخوذا من الانتقال أو الوقت أو الجمع فالاشتراك معنوي.

و إن جعلناه مقولا عليهما لا باعتبار ذلك، أو أن كلّ واحد باعتبار غير الآخر، فهو لفظي.

إذا تقرّر ذلك فنقول: اتّفق العلماء على أن أقراء العدّة [على] (1) أحد الأمرين، و اختلفوا في أيّهما المراد من الآية (2)، فذهب جماعة (3) من الفقهاء و أكثر أصحابنا إلى أنه الطهر، لقوله تعالى ثَلٰاثَةَ قُرُوءٍ فأثبت الهاء في العدد و هو مختصّ بالمذكّر، و الطهر مذكّر دون الحيض. و لقوله تعالى فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ (4) أي: في زمان عدّتهنّ، و اللام بمعنى «في» كقوله تعالى وَ نَضَعُ الْمَوٰازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيٰامَةِ (5) أي: فيه، و حذف لفظ الزمان لأن العدّة تستعمل مصدرا و المصادر يعبّر بها عن الزمان، يقال: آتيك خفوق النجم، أي: زمان طلوعه و إشراقه، و فعلت كذا مقدم الحجيج أى: زمان قدومهم. و إذا كان المعنى: فطلّقوهنّ في زمان عدّتهنّ، كانت الآية إذنا في الطلاق في زمان العدّة، و معلوم أن الطلاق في الحيض محرّم إجماعا فينصرف الاذن إلى زمان الطهر.

و روي (6) عن النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّه قرأ: «لقبل عدّتهنّ» و قبل

____________

(1) من «و» فقط.

(2) البقرة: 228.

(3) مختصر المزني: 217، اختلاف العلماء للمروزي: 137، الإشراف على مذاهب العلماء 4:

305- 306، الحاوي الكبير للماوردي 11: 165، الكافي لابن عبد البرّ 2: 619.

(4) الطلاق: 1.

(5) الأنبياء: 47.

(6) تفسير القرآن للصنعاني 2: 296، النكت و العيون للماوردي 6: 29.

220

..........

____________

الشيء أوّله، و الطلاق المأذون فيه هو الطلاق في الطهر فيكون ذلك أول العدّة. و في الحديث النبوي السابق (1) تصريح به. و من طريق الخاصّة رواية زرارة (2) و محمد بن مسلم (3) في الحسن عن الباقر (عليه السلام) قال: «القرء ما بين الحيضتين» و قال: «الأقراء هي الأطهار» (4) و غيرهما من الأخبار (5) الكثيرة، و هي الروايات التي ذكر المصنّف أنها أشهر الروايتين في ذلك و أراد بهما الجنس.

و قيل: إنّه الحيض، لقوله تعالى وَ اللّٰائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسٰائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلٰاثَةُ أَشْهُرٍ (6) فنقلها عمّا يئست منه إلى بدله و البدل غير المبدل، و لمّا كان اليأس من الحيض دلّ على أنه القرء. و لقوله (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) للمرأة في الرواية السابقة: «دعي الصلاة أيّام أقرائك» (7) و المراد به الحيض. و من طريق الخاصّة رواية الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

«عدّة التي تحيض ثلاثة أقراء، و هي ثلاثة حيض» (8). و رواية أبي بصير قال:

«التي تحيض و يستقيم حيضها ثلاثة أقراء، و هي ثلاثة حيض» (9). و رواية عبد اللّه بن ميمون عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن أبيه قال: قال عليّ (عليه السلام):

____________

(1) راجع ص: 217، هامش (5).

(2) الكافي 6: 89 ح 2، التهذيب 8: 122 ح 423، الاستبصار 3: 330 ح 1174- 1175، الوسائل 15: 424 ب (14) من أبواب العدد ح 1.

(3) الكافي 6: 89 ح 3، التهذيب 8: 122 ح 424، الاستبصار 3: 330 ح 1174- 1175، الوسائل 15: 424 ب (14) من أبواب العدد ح 2.

(4) الكافي 6: 89 ح 4، التهذيب 8: 122 ح 424، الاستبصار 3: 330 ح 1174- 1175، الوسائل 15: 424 ب (14) من أبواب العدد ح 3.

(5) لاحظ الوسائل 15: 424 ب (14) من أبواب العدد ح 4، 5، 6، 9.

(6) الطلاق: 4.

(7) مرّ ذكر مصادرها في ص: 217، هامش (4).

(8) التهذيب 8: 126 ح 434، الاستبصار 3: 330 ح 1171، الوسائل 15: 425 ب (14) من أبواب العدد ح 7. و في مصادر الرواية الأخيرة: عدّة التي.

(9) التهذيب 8: 126 ح 435، الاستبصار 3: 330 ح 1172، الوسائل 15: 425 ب (14) من أبواب العدد ح 7. و في مصادر الرواية الأخيرة: عدّة التي.

221

..........

____________

«إذا طلّق الرجل المرأة فهو أحقّ بها ما لم تغتسل من الثالثة» (1). و غيرها من الروايات الكثيرة.

و الأول أشهر بين الأصحاب. و الشيخ (2) حمل هذه على التقيّة. و هو بعيد، لأن العامّة مختلفون في ذلك، فلا وجه لتقيّة قوم دون قوم. و جمع المفيد (3)- (رحمه الله)- بينهما بوجه أظهر ممّا ذكره الشيخ، و هو أنه إذا طلّقها في آخر طهرها اعتدّت بالحيض، و إن طلّقها في أوله اعتدّت بالأقراء التي هي الأطهار. و استوجهه الشيخ في التهذيب (4). و كيف كان فالمذهب هو الأول.

بقي تنقيح العبارة يتوقّف على أمور:

الأول: هذه العدّة بالأقراء ثابتة للمطلّقة و المفسوخ نكاحها بسبب من قبلها أو قبله و الموطوءة بشبهة، و كان على المصنّف التنبيه على ذلك، فإنه اقتصر على اعتدادها بما ذكر و لم يذكر سببه، و إن تعرّض (5) في بعض المسائل للمطلّقة فإن ذلك غير كاف. و أيضا فالأمر غير مختصّ بالطلاق، و لكن أشرنا فيما سبق (6) إلى أنه ربما عنون البحث بعدّة الطلاق و الحق به باقي الأسباب. و سيأتي (7) في ذات الشهور جعلها عدّة للطلاق و الفسخ، و كان ينبغي تقديمه في أول هذا الفصل

____________

(1) التهذيب 8: 125 ح 432، الاستبصار 3: 329 ح 1169، الوسائل 15: 429 ب (15) من أبواب العدد ح 12.

(2) التهذيب 8: 126 ذيل ح 435، الاستبصار 3: 330 ذيل ح 1172.

(3) حكاه عنه الشيخ في التهذيب 8: 127، ذيل ح 438.

(4) المصدر السابق.

(5) في ص: 223.

(6) في ص: 213.

(7) في ص: 229.

222

..........

____________

و إحالة الباقي عليه. و مع ذلك فما ذكره غير حاصر.

الثاني: إن جعلنا القرء الحيض فالمعتبر منه ما يحكم بعدده شرعا من العادة للمعتادة حيث ينقطع عليها أو يتجاوز العشرة، و العدد الذي ينقطع عليه إن وقع في العشرة. و في حكمه النفاس، فيعدّ قرءا كالحيض، و يمكن فرضه فيما لو طلّقها بعد الوضع و قبل أن ترى دما، فيحتسب النفاس قرءا.

و إن جعلناه الطهر فالمراد به المدّة التي بين حيضتين، أو حيض و نفاس، أو نفاسين. و يمكن فرضه في نفاس حمل لا يعتبر وضعه في العدّة كأحد التوأمين إذا طلّقها بينهما قبل النفاس من الأول. و إنما يعتبر جميع المدّة في غير الطهر الأول، و فيما (1) إذا لم تبلغ المدّة ثلاثة أشهر، كما سيأتي (2).

الثالث: المراد بمستقيمة الحيض معتادته وقتا و عددا و إن استحيضت بعد ذلك، فإنّها ترجع في الحيض إلى عادتها المستقرّة و تجعل ما سواها طهرا. و في حكمها معتادته وقتا خاصّة، لأنها بحسب (3) أوّله مستقيمة العادة و إنما تلحق بالمضطربة في آخره، و حيث كان القرء هو الطهر فالمعتبر الدخول في حيض متيقّن ليعلم انقضاء الطهر الثالث، و هو يحصل في معتادة أوّله بحصوله فيه. أما معتادته عددا خاصّة فكالمضطربة بالنسبة إلى الحكم به ابتداء، و سيأتي (4) حكمها في العبارة.

الرابع: الاعتداد بثلاثة أقراء مختصّ بالحرّة، سواء كان من تعتدّ بسبب

____________

(1) في «و، م»: فيما.

(2) في ص: 237.

(3) في «ط، و»: تحسب.

(4) في ص: 224.

223

و لو طلّقها و حاضت (1) بعد الطلاق بلحظة، احتسبت تلك اللحظة قرءا ثمَّ أكملت قرائن آخرين، فإذا رأت الدم الثالث فقد قضت العدّة.

____________

وطئه حرّا أم عبدا. و هو موضع وفاق. و لو كانت أمة فعدّتها قرءان، و سيأتي (1).

و في إلحاق المعتق بعضها بالحرّة أو الأمة نظر، من تغليب الحرّية، و أصالة بقاء العدّة إلى أن يعلم الانتقال، و بقاء التحريم إلى أن يعلم الحلّ، و من أصالة البراءة من الزائد، و استصحاب عدمه إلى أن يثبت الناقل بحرّيتها أجمع. و لم أقف فيه لأصحابنا على شيء يعتدّ به. و الشافعيّة (2) جزموا بالثاني.

الخامس: لا فرق بين مجيء الحيض الموجب لانقضاء العدّة طبيعيّا- و هو الذي ينوب كلّ شهر هلالي مرّة (3) غالبا- و غيره، حتى لو استعجلته بالدواء في غير وقته المعتاد احتسب لها و انقضت به العدّة، للعموم (4).

قوله: «و لو طلّقها و حاضت .. إلخ».

(1) الوجه في احتساب ما بقي من الطهر الأول قرءا النصّ، و هو كثير منه رواية زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): «قلت له: أصلحك اللّه رجل طلّق امرأته على طهر من غير جماع بشهادة عدلين، فقال: إذا دخلت في الحيضة الثالثة فقد انقضت عدّتها و حلّت للأزواج» (5). و لا يمكن الحكم بانقضائها برؤية الدم في الثالثة إلا إذا جعلنا بقيّة الطهر قرءا ثمَّ يحتسب ما بين الحيضتين قرائن فتمّت الثلاثة بدخول

____________

(1) في ص: 298.

(2) راجع روضة الطالبين 6: 343.

(3) في «ش، و»: عادة.

(4) البقرة: 228، و لاحظ أيضا الوسائل 15: 425 ب «14» من أبواب العدد ح 7، 8.

(5) الكافي 6: 86 ح 1، التهذيب 8: 123 ح 426، الاستبصار 3: 327 ح 1163، الوسائل 15: 426 ب (15) من أبواب العدد ح 1.

224

هذا إذا كانت (1) عادتها مستقرّة بالزمان. و إن اختلفت صبرت إلى انقضاء أقلّ الحيض، أخذا بالاحتياط.

____________

الحيضة الثالثة.

و أما ما قيل من أن الوجه فيه: أن بعض القرء مع قرائن تامّين يسمّى الجميع ثلاثة قروء، كما يقول القائل: خرجت من البلد لثلاث مضين مع وقوع خروجه في الثالثة، و قال تعالى الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومٰاتٌ (1) و المراد شوّال و ذو القعدة و بعض ذي الحجّة.

ففيه: أن ذلك مجاز لا يترتّب عليه الحكم الشرعي بمجرّده. ثمَّ هو منقوض بما لو تمَّ الأوّلان و أضيف إليهما بعض الثالث، بأن طلّقها قبل الحيض بلا فصل و اتّصل بآخره، فإن القرء الأول إنما يحتسب بعد الحيض، فيكمل الأولان قرائن و يعتبر كمال الثالث إجماعا، و لو اعتبر ما ذكره في هذا التعليل لأمكن بدخول الطهر الثالث. و أما إطلاق أشهر الحجّ على شهرين و بعض الثالث فهو عين المتنازع، و قد تقدّم (2) أن الأصحّ كون مجموع ذي الحجّة من أشهر الحجّ. و تظهر فائدته في استدراك بعض الأفعال فيه.

قوله: «هذا إذا كانت. إلخ».

(1) هذا استدراك على قوله: إن العدّة تنقضي برؤية الدم الثالث، فإن ذلك إنما يتمّ إذا كانت عادتها مستقرّة بحيث يكون أوّل الحيض منضبطا كما قرّرناه سابقا (3)، و ذلك في المعتادة وقتا و عددا و في المعتادة وقتا خاصّة، أما لو اختلفت

____________

(1) البقرة: 197.

(2) في ج 2: 194.

(3) راجع ص: 222.

225

و أقلّ زمان تنقضي (1) به العدّة ستّة و عشرون يوما و لحظتان، لكن الأخيرة ليست من العدّة، و إنما هي دلالة على الخروج منها. و قال الشيخ (رحمه الله): هي من العدّة، لأن الحكم بانقضاء العدّة موقوف على تحقّقها.

و الأوّل أحقّ.

____________

عادتها- بأن لم تكن مستقرّة وقتا، بل كانت تراه تارة في أول الشهر و تارة في وسطه و أخرى في آخره مثلا- فإنها بالنسبة إلى الحكم بأوّله كالمضطربة كما تقدّم تحقيقه في بابه (1). و حينئذ فلا يحكم بانقضاء العدّة إلّا مع العلم بكونه حيضا، و ذلك بعد مضيّ ثلاثة أيّام من أوّله. هذا إذا أوجبنا عليها العبادة إلى أن تمضي ثلاثة أيّام. و لو حكمنا لها بالحيض من حين رؤية الدم إما مطلقا أو مع ظنّه حكم بانقضاء العدّة برؤيته. و يمكن أن يريد المصنّف وجوب الصبر إلى مضيّ الثلاثة و إن حكمنا يتحيّضها من أوّله، لما ذكره من الأخذ بالاحتياط في العدّة، بخلاف ترك العبادة، فإن الأمر فيه أسهل و حقّ اللّه مبنيّ على التخفيف، بخلاف حقّ الآدمي (2)، و في العدّة يجتمع الحقّان. و لكن هذا آت في تحيّضها برؤيته، فإنه يشتمل على الحقّين أيضا. و كيف كان فالاحتياط في العدّة أقوى.

و اعلم أن قوله: «و إن اختلفت» يشمل ما عدا المعتادة وقتا و عددا معا، فإنّ الاختلاف فيما عداها متحقّق. و لكن الأجود تقييد الاختلاف بكونه بواسطة الوقت، لما ذكرناه. و بقي حكم المبتدئة و المضطربة، و سيأتي (3) الكلام فيه.

قوله: «أقلّ زمان تنقضي .. إلخ».

(1) حيث جعلنا الأقراء هي الأطهار، و كان تمام الطهر محسوبا بقرء، فأقلّ

____________

(1) في ج 1: 60.

(2) في «ش، ط، م»: الآدميّين.

(3) في ص: 247.

226

..........

____________

زمان يمكن فيه انقضاء العدّة ستّة و عشرون يوما و لحظتان، و ذلك بأن يكون الباقي من الطهر الذي طلّقت فيه لحظة بعد تمام صيغة الطلاق، ثمَّ تحيض ثلاثة أيام، ثمَّ تطهر عشرة، ثمَّ تحيض ثلاثة، ثمَّ تطهر عشرة، ثمَّ تطعن في الدم الثالث المستقرّ عادة. و هذا مبنيّ على الغالب و إلّا فقد يتّفق أقلّ من ذلك، بأن يطلّقها بعد الولادة و قبل رؤية دم النفاس- و قد أسلفنا أنه محسوب هنا بحيضة و أقلّه لحظة- فإذا رأت بعد الطلاق بلحظة لحظة نفاسا، ثمَّ انقطع عشرة، ثمَّ رأت ثلاثة، ثمَّ انقطع عشرة، ثمَّ رأت الدم الثالث، انقضت عدّتها بذلك، و هو ثلاثة و عشرون يوما و ثلاث لحظات.

إذا تقرّر ذلك فقد اختلفوا في اللحظة الأخيرة هل هي من العدّة، أو دليل على انقضائها قبلها؟ فالأصحّ- و هو الذي اختاره المصنف- الثاني، لأن العدّة ثلاثة قروء و هي الأطهار، و بتمامها تتمّ العدّة، و لا شبهة في أنها تتمّ عند ابتداء الدم، و ابتداؤه كاشف عن تمامها قبله و موجب لظهور آخره حيث إنه لا حدّ له بحسب الزمان، فلا يعدّ زمان الحيض من العدّة. و حينئذ فأقلّها بالحقيقة ستّة و عشرون يوما و لحظة لا غير.

و قال الشيخ (1): هي من العدّة، لتوقّف الانقضاء عليها، فكانت كغيرها من الأجزاء. و ربما بني على أن القرء هو الانتقال من الطهر إلى الحيض، فيكون الحصول في الحيض من العدّة.

و يضعّف الأول بأنه لا يستلزم كونها منها، و إنما هي كاشفة عن سبق انتهاء الطهر الثالث الذي هو غاية العدّة. و الثاني بما تحقّق من أن القرء هو الطهر لا

____________

(1) المبسوط 5: 235- 236.

227

و لو طلّقها في الحيض (1) لم يقع.

و لو وقع في الطهر، ثمَّ حاضت مع انتهاء التلفّظ، بحيث لم يحصل زمان يتخلّل الطلاق و الحيض، صحّ الطلاق، لوقوعه في الطهر المعتبر. و لم تعتدّ بذلك الطهر، لأنه لم يتعقّب الطلاق، و تفتقر إلى ثلاثة أقراء مستأنفة بعد الحيض.

____________

الانتقال المذكور.

و تظهر فائدة التعليلين (1) فيما لو كانت غير مستقيمة الحيض فتوقّف ظهوره على مضيّ ثلاثة أيام، فيكون جملتها من العدّة كاللحظة على الأول، و كاشفة عن كون اللحظة الأولى منها من العدّة خاصّة على الثاني، لأن مضيّ الثلاثة يوجب تحقّق الحيض من أولها، و الانتقال يحصل بلحظة منها. و ربما قيل: إن مجموع الثلاثة منها على التقديرين. و هو ضعف في ضعف.

و تظهر الفائدة في جواز الرجوع في اللحظة المذكورة أو الثلاثة، و فيما لو تزوّجت بغيره فيها، و فيما لو مات الزوج فيها. فعلى المختار يصحّ النكاح دون الرجعة و ينتفي الإرث بالموت، و على قول الشيخ يثبت نقيض الأحكام.

قوله: «و لو طلّقها في الحيض .. إلخ».

(1) قد عرفت أن المعتبر وقوع الطلاق في الطهر، و أن بقاء جزء منه بعد الطلاق كاف في احتسابه قرءا و إن قلّ. فإذا طلّق في الطهر، فإن بقي بعد الطلاق جزء من الطهر اجتمع الأمران صحّة الطلاق و احتساب الطهر. و إن اتّصل الحيض بالطلاق- بمعنى أنه بعد تمام صيغة الطلاق بغير فصل خرج الدم- حصل شرط الطلاق و هو وقوعه في الطهر فوقع صحيحا، و لم يحتسب بذلك الطهر بل يعتبر ثلاثة أطهار بعد

____________

(1) في «ط، م»: التعليل.

228

[فرع]

فرع لو اختلفا فقالت: (1) كان قد بقي من الطهر جزء بعد الطلاق، و أنكر، فالقول قولها، لأنها أبصر بذلك، و المرجع في الحيض و الطهر إليها.

____________

الحيض و تبين بدخول الحيضة الرابعة.

و زعم بعض العامّة (1) أن الطلاق المقارن للحيض كالواقع فيه. و المصنف نبّه على خلافه و بيان فساده بقوله: «لوقوعه في الطهر المعتبر».

و لو صادف الحيض جزءا (2) من صيغة الطلاق انتفى الأمران و حكم ببطلانه، لوقوع بعضه في الحيض، و للشيخ في المبسوط (3) في هذا المقام عبارة موهمة، و عليها مناقشات و أجوبة، و لا طائل تحت الجميع.

قوله: «لو اختلفا فقالت. إلخ».

(1) إذا ادّعت بقاء جزء من الطهر بعد الطلاق فقد ادّعت قصر العدّة، و إنكاره لذلك طلبا لطولها ليرجع فيها. و المذهب أن القول قولها في ذلك و إن كان معه أصالة بقاء العدّة و استصحاب حكم الزوجيّة، لأن المرجع في الحيض و الطهر إليها، لما سلف من الآية (4) و الرواية (5)، و هما مقدّمات على دليل الاستصحاب.

و يبقى الكلام في النفقة لبقيّة ما يدّعيه من مدّة العدّة و هي تنكره كما أسلفناه في نظيره (6). فإن كان قد دفعها إليها فليس له انتزاعها، لاعترافه بعدم

____________

(1) راجع الأم للشافعي 5: 210، الحاوي الكبير 11: 174- 175، و للاستزادة انظر المجموع 18: 137- 138.

(2) في «ش، م» و الحجريّتين: جزء.

(3) المبسوط 5: 234.

(4) لاحظ ص: 194، هامش (1).

(5) لاحظ ص: 194، هامش (3).

(6) لاحظ ص: 191- 192.

229

[الفصل الثالث في ذات الشهور]

الفصل الثالث في ذات الشهور [و هي] التي لا تحيض (1) و هي في سنّ من تحيض، تعتدّ من الطلاق و الفسخ مع الدخول بثلاثة أشهر، إذا كانت حرّة.

____________

استحقاقه. و إن لم يكن دفعها لم يكن لها المطالبة به لذلك. و يحتمل جواز أخذها منها في الأول، لما تقدّم من أن شرط استحقاق المطلّقة رجعيّا النفقة بقاؤها على الطاعة كالزوجة، و بادّعائها البينونة لا يتحقّق التمكين من طرفها، فلا تستحقّ نفقة على القولين، فله المطالبة بها حينئذ، و لا (1) تكون كالمال الذي لا يدّعيه أحد، لأن مالكه هنا معروف. و يمكن الفرق بين عدم التمكين المستند إلى دعوى البينونة و بينه على تقدير الاعتراف ببقاء العدّة بالنسبة إليه، لأنها بزعمها ليست ناشزا في الأول، بخلاف الثاني. و الأجود الأول.

قوله: «التي لا تحيض. إلخ».

(1) لا فرق فيمن لا تحيض و هي في سنّ الحيض بين كون انقطاعه لطبيعة أو لعارض من حمل و رضاع و مرض و غيرها عندنا، فتعتدّ بثلاثة أشهر، لعموم قوله تعالى وَ اللّٰائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسٰائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلٰاثَةُ أَشْهُرٍ وَ اللّٰائِي لَمْ يَحِضْنَ (2) أي: فعدّتهنّ كذلك. و شمل أيضا من بلغت التسع و إن لم يكن مثلها تحيض عادة، لأن سنّ الحيض هو التسع كما مرّ في بابه (3) و إن لم تحض فيه عادة. و يدلّ عليه- مع عموم الآية- رواية الحلبي في الحسن عن أبي

____________

(1) في «ح، ط»: فلا.

(2) الطلاق: 4.

(3) في ج 1: 56.

230

و في اليائسة و التي (1) لم تبلغ روايتان:

إحداهما: أنهما تعتدّان بثلاثة أشهر.

و الأخرى: لا عدّة عليهما. و هو الأشهر.

____________

عبد اللّه (عليه السلام) قال: «عدّة المرأة التي لا تحيض و المستحاضة التي لا تطهر ثلاثة أشهر» (1). و في معناها (2) غيرها. و في معنى الطلاق و الفسخ وطء الشبهة.

و بالجملة ما عدا الوفاة- و ما في معناها- من أنواع الفراق كذات (3) الأقراء.

قوله: «و في اليائسة و التي .. إلخ».

(1) اختلف الأصحاب في [أن] (4) الصبيّة التي لم تبلغ التسع و اليائسة إذا طلّقت بعد الدخول- و إن كان قد فعل محرّما في الأولى- أو فسخ نكاحها كذلك أو وطئت بشبهة هل عليهما عدّة أم لا؟ فذهب الأكثر- و منهم الشيخان (5) و المصنّف و المتأخّرون (6)- إلى عدم العدّة. و قال السيّد المرتضى (7) و ابن زهرة (8): عليهما العدّة.

و الروايات مختلفة أيضا، و أشهرها بينهم ما دلّ على انتفائها، فمنها حسنة

____________

(1) الكافي 6: 100 ح 8، الفقيه 3: 331 ح 1605، التهذيب 8: 118 ح 407، الاستبصار 3: 332 ح 1183، الوسائل 15: 412 ب (4) من أبواب العدد ح 7.

(2) لاحظ الوسائل 15: 410 ب (4) من أبواب العدد.

(3) في «و» و الحجريّتين: لذات.

(4) من «ح» فقط.

(5) المقنعة: 532 و 533، المبسوط 5: 239، الخلاف (طبعة كوشانپور) 2: 301، مسألة (1)، النهاية: 532 و 535.

(6) راجع الجامع للشرائع: 470، الإرشاد 2: 47، إيضاح الفوائد 3: 337، المقتصر: 270.

(7) الانتصار: 145- 146.

(8) الغنية ضمن سلسلة الينابيع الفقهيّة 20: 255.

231

..........

____________

زرارة عن الصادق (عليه السلام) في الصبيّة التي لا تحيض مثلها و التي قد يئست من المحيض قال: «ليس عليهما عدّة و إن دخل بهما» (1). و موثّقة عبد الرحمن بن الحجّاج عن الصادق (عليه السلام) قال: «ثلاثة يتزوّجن على كلّ حال: التي لم تحض و مثلها لا تحيض، قال: قلت: و ما حدّها؟ قال: إذا أتى لها أقلّ من تسع سنين، و التي لم يدخل بها، و التي قد يئست من المحيض و مثلها لا تحيض، قلت:

و ما حدّها؟ قال: إذا كان لها خمسون سنة» (2). و صحيحة حمّاد بن عثمان قال:

«سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن التي يئست من المحيض و التي لا تحيض مثلها، قال: ليس عليها عدّة» (3). و حسنة محمد بن مسلم قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول في التي يئست من المحيض يطلّقها زوجها قال: بانت منه و لا عدّة عليها» (4). و حسنة محمد بن مسلم أيضا عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:

«التي لا تحبل مثلها لا عدّة عليها» (5).

و يؤيّده من جهة الاعتبار انتفاء الحكمة الباعثة على الاعتداد فيهما، و هو استعلام فراغ الرحم من الحمل، كما تنبّه عليه رواية محمد بن مسلم السابقة،

____________

(1) الكافي 6: 85 ح 2 و فيه: عن حمّاد بن عثمان عمّن رواه، التهذيب 8: 137 ح 479، الاستبصار 3: 337 ح 1203، الوسائل 15: 409 ب (4) من أبواب العدد ح 3.

(2) الكافي 6: 85 ح 4، التهذيب 8: 137 ح 478، الاستبصار 3: 337 ح 1202، الوسائل 15: 406 ب (2) من أبواب العدد ح 4.

(3) التهذيب 8: 66 ح 218، الوسائل الباب المتقدّم ح 1.

(4) الكافي 6: 85 ح 5، الفقيه 3: 331 ح 1604، التهذيب 8: 67 ح 220، الوسائل 15:

408 ب «3» من أبواب العدد ح 1.

(5) الكافي 6: 85 ح 3، التهذيب 8: 67 ح 221، الاستبصار 3: 338 ح 1204، الوسائل الباب المتقدّم ح 2.

232

..........

____________

و انتفاؤها عن غير المدخول بها، و هما في معناها.

احتجّ المرتضى (1)- رضي اللّه عنه- بقوله تعالى وَ اللّٰائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسٰائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلٰاثَةُ أَشْهُرٍ وَ اللّٰائِي لَمْ يَحِضْنَ (2) قال:

«و هذا صريح في أن الآيسات من المحيض و اللائي لم يبلغن عدّتهنّ الأشهر على كلّ حال».

ثمَّ أورد على نفسه بأن في الآية شرطا و هو قوله تعالى إِنِ ارْتَبْتُمْ و هو منتف عنهما.

و أجاب: بأن الشرط لا ينفع أصحابنا، لأنه غير مطابق لما يشترطونه، و إنما يكون نافعا لهم لو قال تعالى: «إن كان مثلهنّ تحيض» (3) في الآيسات، و في اللائي لم يبلغن المحيض: «إذا كان مثلهنّ تحيض» و إذا لم يقل تعالى ذلك بل قال:

إِنِ ارْتَبْتُمْ و هو غير الشرط الذي شرطه أصحابنا فلا منفعة لهم به.

و لا يخلو قوله تعالى إِنِ ارْتَبْتُمْ من أن يراد به ما قاله جمهور المفسّرين و أهل العلم بالتأويل من أنه تعالى أراد به: إن كنتم مرتابين في عدّة هؤلاء النساء غير عالمين بمبلغها. و وجه المصير إلى هذا التأويل ما روي في سبب نزول هذه الآية أن أبيّ بن كعب قال: يا رسول اللّه إن عددا من عدد النساء لم يذكر في الكتاب: الصغار و الكبار و أولات الأحمال، فأنزل اللّه تعالى وَ اللّٰائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ إلى قوله وَ أُولٰاتُ الْأَحْمٰالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ (4)

____________

(1) الانتصار: 146- 147.

(2) الطلاق: 4.

(3) في المصدر:. مثلهنّ لا تحيض.

(4) مستدرك الحاكم 2: 492- 493، السنن الكبرى للبيهقي 7: 414، الدّرّ المنثور 8: 201.

233

..........

____________

فكان هذا دالّا على أن المراد بالارتياب ما ذكرناه لا الارتياب بأنها آيسة أو غير آيسة، لأنه تعالى قد قطع في الآية على اليأس من المحيض، و المشكوك في حالها و المرتاب في أنّها تحيض أو لا تحيض لا تكون آيسة.

و يدلّ أيضا على أن المراد الارتياب في العدّة و مبلغها قوله إِنِ ارْتَبْتُمْ فإن المرجع في وقوع الحيض منها أو ارتفاعه إليها، و هي المصدّقة على ما تخبر به فيه، و معرفة الرجال به مبنيّة على إخبار النساء، فإذا أخبرت بأن حيضها قد ارتفع قطع عليه، و لا معنى للارتياب مع ذلك حيث إن المرجع فيه إليهنّ. فلو كانت الريبة في الآية منصرفة إلى اليأس من المحيض لكان حقّه أن يقول: «إن ارتبن» لأن المرجع إليهنّ فيه، فلمّا قال: «إن ارتبتم» علم أنه يريد الارتياب في العدّة (1).

و أجيب بأن الريبة المشترطة عائدة إلى اليأس من المحيض و عدم المحيض، و القطع في علمه تعالى باليأس لا يستلزم انتفاء الريبة عندنا، لأنه تعالى علّام الغيوب. و سبب النزول لا يجب أن يكون عامّا في الجميع، فجاز أن يقع السؤال عن الصغار و الكبار اللاتي لم يحضن أو أيسن مع أن مثلهنّ تحيض، فإنه لا يمكن الحوالة في عدّتهنّ على الأقراء فوجب السؤال. و صرف الريبة إلى العدّة و العلم بقدرها غير مناسب، لأن الأحكام الشرعيّة قبل ورود الشرع بها غير معلومة، فلا يكون التعليم في هذه الصورة مشروطا بالريبة دون غيرها، لعدم الأولويّة.

ثمَّ لو كان المراد ما ذكره لقال: «إن جهلتم» و لم يقل: «إن ارتبتم» لأن سبب

____________

(1) الانتصار: 146- 147.

234

..........

____________

النزول كما ذكر يوجب ذلك، فإن أبيّا لم يشك في عدّتهنّ و إنّما جهل حكمه.

و إنما أتى بالضمير مذكّرا لكون الخطاب مع الرجال لقوله تعالى وَ اللّٰائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسٰائِكُمْ و لأن النساء يرجعن في تعرّف أحكامهنّ إلى رجالهنّ أو إلى العلماء فكان الخطاب لهم لا للنساء، لأنهنّ يأخذن الحكم مسلّما.

و الحقّ أن الآية محتملة للأمرين، و الاستناد إليها في الحكم غير بيّن، و إن كانت الدلالة على مذهب المرتضى أوضح. و الاعتماد في الحكم المشهور على الروايات (1) الكثيرة المعتبرة الأسناد، و وجوب الجمع بينها و بين الآية يعيّن المصير إلى ما ذكروه في الجواب- و إن كان خلاف الظاهر- مراعاة للجمع.

و أمّا الرواية الواردة بوجوب العدّة عليهما موافقة لمذهب المرتضى فهي رواية أبي بصير قال: «عدّة التي لم تبلغ المحيض ثلاثة أشهر، و التي قد قعدت عن المحيض ثلاثة أشهر» (2). و هي موقوفة ضعيفة السند بجماعة من رواتها، فلا تصلح معارضا للأخبار المتقدّمة. و قد أخطأ من نسب (3) إلى المرتضى الاحتجاج بالرواية، لأنه لا يعتبر الأخبار الصحيحة الواردة بطريق الآحاد فكيف بمثل هذه الرواية الواهية السند غير المسندة إلى إمام؟! و إنما استناده إلى الآية. نعم، هذه الرواية موافقة لمذهبه لا أنّها تدخل في حجّته.

____________

(1) مرّت عليك في ص: 230- 231.

(2) الكافي 6: 85 ذيل ح 5، التهذيب 8: 138 ح 481، الاستبصار 3: 338 ح 1205، الوسائل 15: 407 ب (2) من أبواب العدد ح 6.

(3) راجع التنقيح الرائع 3: 339- 340، المهذّب البارع 3: 489.

235

و حدّ اليأس (1) أن تبلغ خمسين سنة. و قيل: في القرشيّة و النبطيّة ستّين سنة.

____________

قوله: «و حدّ اليأس .. إلخ».

(1) التحديد بالخمسين مطلقا قول الشيخ في النهاية (1) و جماعة (2) منهم المصنف (رحمه الله). و المستند رواية عبد الرحمن بن الحجّاج السابقة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قلت: و ما حدّها- يعني اليائسة-؟ قال: إذا كان لها خمسون سنة» (3). و رواه أحمد بن محمد بن أبي نصر عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «المرأة التي تيئس من المحيض حدّها خمسون سنة» (4).

و القول بالتفصيل لابن بابويه (5)، و تبعه عليه المتأخّرون (6) بعد المصنّف (رحمه الله). و مستنده صحيحة ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا بلغت المرأة خمسين سنة لم تر حمرة إلا أن تكون امرأة من قريش» (7).

و للمصنّف في باب الحيض (8) من هذا الكتاب قول آخر، و هو أن حدّه

____________

(1) النهاية: 516.

(2) راجع المهذّب 2: 286، السرائر 1: 145 و 2: 688.

(3) تقدّم ذكر مصادرها في ص 2310، هامش (2).

(4) الكافي 3: 107 ح 2، التهذيب 1: 397 ح 1235، الوسائل 2: 580 ب (31) من أبواب الحيض ح 3.

(5) راجع الفقيه 1: 51 ح 198.

(6) لاحظ الجامع للشرائع: 466، قواعد الأحكام 2: 68، اللمعة الدمشقيّة: 5، جامع المقاصد 1:

285- 286.

(7) الكافي 3: 107 ح 3، التهذيب 1: 397 ح 1236، و رواه في الفقيه مرسلا راجع الفقيه 1: 51 ح 198، الوسائل 2: 581 ب (31) من أبواب الحيض ح 7.

(8) في ج 1: 58.

236

..........

____________

ستّون سنة مطلقا. و اختاره العلّامة في المنتهى (1). و هو في رواية عبد الرحمن بن الحجّاج أيضا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قلت: متى تكون التي يئست من المحيض و مثلها لا تحيض؟ قال: إذا بلغت ستّين سنة فقد يئست من المحيض و مثلها لا تحيض» (2).

و في سند الروايات (3) ضعف، و التفصيل جامع بينها إلا في النبطيّة، فإنّا لم نقف (4) على رواية تدلّ على إلحاقها بالقرشيّة، لكن حكمها مشتهر بين الأصحاب و ربّ مشهور لا أصل له. و يمكن ترجيح رواية الستّين باستصحاب حكم الحيض إلى أن يحصل الاتّفاق على عدمه، و رواية الخمسين بأصالة عدم سقوط الواجب من العبادات و غيرها من الأحكام في غير موضع اليقين و هو الحيض المتيقّن.

و المختار التفصيل بالخمسين مطلقا في غير القرشيّة، لصحّة روايته، و إرسالها مقبول من ابن أبي عمير. و المراد بها المنتسبة بالأب إلى قريش و هو النضر بن كنانة، و هو الجدّ الثاني عشر للنبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) على أصحّ الأقوال، سمّي بذلك لجمعه القبائل، و التقرّش: التجمّع (5). و قيل (6): سمّي باسم دابّة في البحر عظيمة لا تذر شيئا إلا أتت عليه تسمّى قريشا لشدّتها و شوكتها. و قلّ من يضبط نسبه الآن إليها غير الهاشميّين، فمع اشتباه نسب المرأة الأصل عدم

____________

(1) منتهى المطلب 1: 96.

(2) التهذيب 7: 469 ح 1881، الوسائل 15: 409 ب (3) من أبواب العدد ح 5.

(3) في «ح، ط، م»: الرواية.

(4) و لكن يظهر من المقنعة وجود رواية مصرّحة بالإلحاق، راجع المقنعة: 532.

(5) لسان العرب 6: 334.

(6) لسان العرب 6: 335.

237

و لو كان مثلها تحيض (1) اعتدّت بثلاثة أشهر إجماعا. و هذه تراعي الشهور و الحيض، فإن سبقت الأطهار فقد خرجت [من] العدّة، و كذا إن سبقت الشهور.

____________

كونها من قريش.

قوله: «و لو كان مثلها تحيض .. إلخ».

(1) اعلم أن الأصل في عدّة الحائل الأقراء لقوله تعالى وَ الْمُطَلَّقٰاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلٰاثَةَ قُرُوءٍ (1). و شرط اعتدادها بالأشهر فقدها كما ينبّه عليه قوله تعالى وَ اللّٰائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ إلى قوله وَ اللّٰائِي لَمْ يَحِضْنَ (2). و لا يشترط في اعتدادها بالأشهر يأسها من الحيض عندنا، بل متى انقطع عنها ثلاثة أشهر فصاعدا اعتدّت بالأشهر كما يتّفق ذلك للمرضع و المريضة، لقول الباقر (عليه السلام) في حسنة زرارة: «أمران أيّهما سبق بانت المطلّقة: المسترابة تستريب الحيض إن مرّت بها ثلاثة أشهر بيض ليس فيها دم بانت منه، و إن مرّت بها ثلاث حيض ليس بين الحيضتين ثلاثة أشهر بانت بالحيض» (3).

و المراد من قول المصنّف: «و هذه تراعي الشهور و الحيض. إلخ» أن مع سبق الأشهر بغير حيض أصلا تعتدّ بالأشهر، و مع مضيّ ثلاثة أطهار قبل مضيّ ثلاثة أشهر خالية من الحيض تعتدّ بالأطهار. أما لو فرض رؤيتها في الثلاثة أشهر حيضا و لو مرّة واحدة لم تعتدّ بالأشهر بل بالأطهار إن تكرّر لها ذلك، بأن كانت

____________

(1) البقرة: 228.

(2) الطلاق: 4.

(3) الكافي 6: 98 ح 1، الفقيه 3: 332 ح 1609، التهذيب 8: 118 ح 409، الاستبصار 3:

324 ح 1154، الوسائل 15: 411 ب (4) من أبواب العدد ح 5.

238

..........

____________

تحيض في كلّ ثلاثة أشهر مرّة. و لو فرض أن حيضها إنما يكون فيما زاد على ثلاثة أشهر و لو ساعة و طلّقت في أول الطهر فمضت الثلاثة من غير أن ترى الدم فيها اعتدّت بالأشهر. و إلى هذا أشار في الرواية بقوله: «إن مرّت ثلاثة أشهر بيض ليس فيها دم بانت منه».

و قوله: «و إن مرّت بها ثلاث حيض ليس بين الحيضتين ثلاثة أشهر بانت بالحيض» قال ابن أبي عمير: «قال جميل: تفسير ذلك- يعني ما ورد في خبر زرارة- إن مرّت بها ثلاثة أشهر إلّا يوما فحاضت ثمَّ مرّ بها ثلاثة أشهر إلّا يوما فحاضت فهذه تعتدّ بالحيض على هذا الوجه و لا تعتدّ بالشهور، و إن مرّت بها ثلاثة أشهر بيض لم تحض فيها فقد بانت» (1).

و يشكل على هذا ما لو كانت عادتها أن تحيض في كلّ أربعة أشهر- مثلا- مرّة، فإنّه على تقدير طلاقها في أول الطهر أو ما قاربه بحيث يبقى لها منه ثلاثة أشهر بعد الطلاق تنقضي عدّتها بالأشهر كما تقرّر، لكن لو فرض طلاقها في وقت لا يبقى من الطهر ثلاثة أشهر تامّة كان اللازم من ذلك اعتدادها بالأقراء، فربما صارت عدّتها سنة و أكثر على تقدير وقوع الطلاق في وقت لا يتمّ بعده ثلاثة أشهر بيضا، و الاجتزاء (2) بالثلاثة على تقدير سلامتها، فتختلف العدّة باختلاف وقت الطلاق الواقع بمجرّد الاختيار (3) مع كون المرأة من ذوات العادة المستقرّة في الحيض.

____________

(1) راجع المصادر في الهامش المتقدّم.

(2) في «م»: و إلّا اجتزأ.

(3) في «ط، و، م»: الاخبار، و في هامش «و» أن في النسخ: الاختيار.

239

..........

____________

و يقوى الاشكال لو كانت لا ترى الدم إلّا في كلّ سنة أو أزيد مرّة، فإن عدّتها بالأشهر على المعروف في النصّ و الفتوى، و مع هذا فيلزم ممّا ذكروه هنا من القاعدة أنه لو طلّقها في وقت لا يسلم بعد الطلاق لها ثلاثة أشهر طهرا أن تعتدّ بالأقراء و إن طال زمانها، و هذا بعيد و مناف لما قالوه من أن أطول عدّة تفرض عدّة المسترابة و هي سنة أو تزيد ثلاثة أشهر كما سيأتي (1).

و لو قيل بالاكتفاء بثلاثة أشهر- إما مطلقا أو بيضا- هنا كما لو خلت من الحيض ابتداء كان حسنا. و قد ذكر المصنّف (2) و العلّامة (3) في كتبه أن من كانت لا تحيض إلّا في كلّ خمسة أشهر أو ستّة أشهر عدّتها بالأشهر و أطلق. و زاد في التحرير (4) أنها متى كانت لا تحيض في كلّ ثلاثة أشهر فصاعدا تعتدّ بالأشهر و لم تعتدّ بعروض الحيض في أثنائها كما فرضناه. و روى محمد بن مسلم في الصحيح عن أحدهما (عليهما السلام) أنه قال في التي تحيض في كلّ ثلاثة أشهر مرّة أو في ستّة أو في سبعة، و المستحاضة، و التي لم تبلغ المحيض، و التي تحيض مرّة و ترتفع مرّة، و التي لا تطمع في الولد، و التي قد ارتفع حيضها و زعمت أنها لم تيأس، و التي ترى الصفرة من حيض ليس بمستقيم، فذكر: «أن عدّة هؤلاء كلّهنّ ثلاثة أشهر» (5). و هي تؤيّد ما ذكرناه.

____________

(1) في الصفحة التالية.

(2) في ص: 250.

(3) قواعد الأحكام 2: 69، إرشاد الأذهان 2: 47.

(4) تحرير الأحكام 2: 71.

(5) الكافي 6: 99 ح 5، الفقيه 3: 332 ح 1608، التهذيب 8: 119 ح 412، الاستبصار 3:

323 ح 1150، الوسائل 15: 410 ب (4) من أبواب العدد ح 1.

240

أمّا لو رأت (1) في الثالث حيضا، و تأخّرت الثانية أو الثالثة، صبرت تسعة أشهر، لاحتمال الحمل، ثمَّ اعتدّت بعد ذلك بثلاثة أشهر. و هي أطول عدّة. و في رواية عمّار: تصبر سنة، ثمَّ تعتدّ بثلاثة أشهر. و نزّلها الشيخ في النهاية على احتباس الدم الثالث. و هو تحكّم.

____________

قوله: «أمّا لو رأت .. إلخ».

(1) هذه المسألة شعبة من السابقة و متفرّعة على القاعدة لكن ورد لها في النصوص حكم خاصّ فلذلك أفردها هو و غيره (1).

و حاصلها: أنها إذا ابتدأت العدّة بالأشهر فرأت في الشهر الثالث حيضا بطلت العدّة بالأشهر، لفقد شرطها و هو خلوّها من الدم، و لكن تحسب الماضي قرءا، لأن القرء نهايته الحيض. و لا تتركّب العدّة هنا من الأقراء و الأشهر، لاختصاصها بمن طرأ يأسها على أقرائها كما سيأتي (2). و الأصل فيه أن الواجب الواحد لا يؤدّى ببعض الأصل و بعض البدل الاضطراري المشروط بتعذّر الأصل إلّا بنصّ شرعيّ، و لم يرد هنا فتعيّن بطلان ما مضى من الأشهر و استئناف العدّة بالأقراء إن أمكن. فإذا فعلت ذلك فإن كملت لها ثلاثة أقراء و لو في أزيد من ثلاثة أشهر اعتدّت بها. و إن فرض بعد ذلك انقطاع الدم عنها في الحيضة الثانية أو الثالثة فقد استرابت بالحمل، و قد حكى المصنّف فيها قولين:

أحدهما- و هو الذي اختاره و قبله ابن إدريس (3) و الأكثر-: أنها تصبر مدّة تعلم براءة رحمها من الحمل، و هو تسعة أشهر من حين الطلاق، لأنه أقصى

____________

(1) لاحظ النهاية: 532- 533، الجامع للشرائع: 471، القواعد 2: 69.

(2) في ص: 246.

(3) السرائر 2: 739- 740.

241

..........

____________

[مدّة] (1) الحمل عند أكثرهم. ثمَّ إن ظهر فيها حمل اعتدّت بوضعه، و إن لم يظهر حمل علم براءة الرحم ظاهرا، و اعتدّت بثلاثة أشهر بعدها و كانت بمنزلة الثلاثة الأقراء لأنها حينئذ ممّن لا تحيض.

و الأصل في هذا القول رواية سورة بن كليب قال: «سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل طلّق امرأته تطليقة على طهر من غير جماع بشهود طلاق السنّة، و هي ممّن تحيض، فمضى ثلاثة أشهر فلم تحض إلّا حيضة واحدة، ثمَّ ارتفعت حيضتها حتى مضت ثلاثة أشهر أخرى و لم تدر ما رفع حيضتها، قال: إن كانت شابّة مستقيمة الطمث فلم تطمث في ثلاثة أشهر إلّا حيضة ثمَّ ارتفع حيضها فلا تدري ما رفعها، فإنّها تتربّص تسعة أشهر من يوم طلّقها ثمَّ تعتدّ بعد ذلك ثلاثة أشهر ثمَّ تتزوّج إن شاءت» (2).

و هذه الرواية مع اشتهار العمل بمضمونها مخالفة للأصل في اعتبار الحمل بتسعة أشهر من حين الطلاق، فإنّه لا يطابق شيئا من الأقوال المتقدّمة (3) في أقصى الحمل، لأن مدّته معتبرة من آخر وطء يقع بها لا من حين الطلاق، فلو فرض أنه كان معتزلا لها أزيد من ثلاثة أشهر تجاوزت مدّته أقصى الحمل على جميع الأقوال، و قد يكون أزيد من شهر فيخالف القولين بالتسعة و العشرة.

و أيضا فاعتدادها، بثلاثة أشهر بعد العلم ببراءتها من الحمل غير مطابق لما سلف من الأصول، لأنه مع طروّ الحيض قبل تمام الثلاثة إن اعتبرت العدّة بالأقراء

____________

(1) من الحجريّتين.

(2) التهذيب 8: 119 ح 411، الاستبصار 3: 323 ح 1149، الوسائل 15: 423 ب (13) من أبواب العدد ح 2.

(3) في ج 8: 373.

242

..........

____________

و إن طالت- كما يقتضيه الضابط السابق- لم يتمّ الاكتفاء بجميع ذلك، و إن اعتبر خلوّ ثلاثة أشهر بيض بعد النقاء فالمعتبر بعد العلم بخلوّها من الحمل حصول الثلاثة كذلك و لو قبل العلم، لأن عدّة الطلاق لا يعتبر فيها القصد إليها بخصوصها بل لو مضت المدّة و هي غير عالمة بالطلاق كفت فكيف هنا؟! و بهذا يظهر ضعف ما قيل: إنه إنما لم يكتف بالتسعة مع العلم بعدم الحمل لأنها لم تكن للاعتداد بل للاعتبار بكونها حاملا أم لا.

و أيضا ليس في الرواية ما يدلّ على أنه لمكان الحمل، بل في التقييد بالتسعة ما يشعر به، و في تقييدها بكونها من حين الطلاق ما قد يقتضي خلافه.

ثمَّ على تقدير بنائه على احتمال الحمل لو ظهر لها في أثناء المدّة عدم الحمل قبل بلوغ التسعة ينبغي الاكتفاء من حين العلم بالاعتداد ثلاثة تفريعا على اعتبارها بعد التسعة الموجبة للعلم بانتفاء الحمل. و يمكن قصر الرواية على موردها من بقاء الاحتمال إلى إكمال التسعة، فمع العلم بانتفائه قبلها يرجع إلى القاعدة السابقة. مع أنه يمكن أن لا يعلم انتفاء الحمل بمضيّ التسعة بناء على القول بكون أقصاه ما يزيد عليها و فرض الاشتباه، و لكن هنا يكتفى بالثلاثة بعد التسعة مطلقا، لأن أقصى الحمل لا يزيد على السنة عندنا، فيعلم عدمه بمضيّها.

و وجه انتفاء اعتبار الثلاثة حينئذ بعد العلم: أن الحكم بها على خلاف الأصل كما بيّناه فيقتصر به على مورده.

و القول الثاني أنها تصبر سنة، لأنها أقصى ما قيل في مدّة الحمل، فلا تزول الريبة بدونه. ثمَّ إن ظهر حمل اعتدّت بوضعه و إلّا اعتدّت بعدها بثلاثة أشهر.

و مستند هذا القول رواية عمّار الساباطي قال: «سئل أبو عبد اللّه عليه

243

..........

____________

السلام عن رجل عنده امرأة شابّة و هي تحيض في كلّ شهرين أو ثلاثة أشهر حيضة واحدة كيف يطلّقها زوجها؟ فقال: أمر هذه شديد، هذه تطلّق طلاق السنّة تطليقة واحدة على طهر من غير جماع بشهود ثمَّ تترك حتى تحيض ثلاث حيض متى حاضتها فقد انقضت عدّتها. قلت له: فإن انقضت سنة و لم تحض فيها ثلاث حيض، قال: يتربّص بها بعد السنة ثلاثة أشهر ثمَّ انقضت عدّتها. قلت: فإن ماتت أو مات زوجها، قال: فأيّهما مات ورثه صاحبه ما بينه و بين خمسة عشر شهرا» (1).

و هذه الرواية كما ترى ليس فيها تعرّض لكون المحتبس هو الدم الثالث، بل تضمّنت أنها لم تحض في السنة ثلاث حيض أعمّ من أن تكون حاضت فيها مرّة أو مرّتين، فلذلك نسب المصنّف تنزيل الشيخ (2) لها على احتباس الدم الثالث إلى التحكّم، لأنه لا دليل عليه.

و أجاب عنه فخر الدين (3)- (رحمه الله)- بأن الرواية مطلقة ليس فيها ما ينافيه، و الأدلّة غيرها تنفي ما عدا هذا التأويل فينزّل عليه. و لأن التحكّم القول من غير دليل، و إبطال دلالة أمر معيّن و عدم الوقوف على غيره لا يوجب الحكم بالبطلان، فإن عدم وجدان واحد لا يدلّ على العدم.

و فيه نظر، لأن التحكّم إنما نشأ من إطلاق الرواية الشامل لاحتباس الحيضة الثانية و الثالثة، فتنزيلها على بعض ما دلّت عليه يحتاج إلى دليل موجب

____________

(1) الكافي 6: 98 ح 1، التهذيب 8: 119 ح 410، الاستبصار 3: 322 ح 1148، الوسائل 15: 422 ب (13) من أبواب العدد ح 1.

(2) النهاية: 533.

(3) إيضاح الفوائد 3: 342.

244

..........

____________

له. و قد تقدّم (1) في الخبر الأول أن المرأة إذا ارتفع حيضها بعد أن حاضت في الثلاثة مرّة فإنها تتربّص تسعة أشهر ثمَّ تعتدّ بثلاثة، و في الروايات (2) السابقة و غيرها ما يدلّ على أن هذه تعتدّ بالأقراء و إن طالت أو بالأشهر على ما بيّناه، فوقعت هاتان الروايتان (3) مخالفتين (4) لإطلاق تلك الروايات (5)، فجمع الشيخ في الاستبصار (6) بينها بالاعتماد على الخبر (7) المشتمل على التربّص تسعة ثمَّ الاعتداد بثلاثة، لأن التسعة أشهر أقصى الحمل فيعلم حينئذ أنها ليست حاملا، ثمَّ تعتدّ بعد ذلك عدّتها و هي ثلاثة أشهر، و حمل خبر عمّار على الفضل بأن تعتدّ إلى خمسة عشر شهرا، و تلك الأخبار (8) مثل خبر محمد بن مسلم (9) على أنها تعتدّ بثلاثة أشهر إذا مرّت لا ترى فيها الدم. و بهذا يظهر أن الأدلّة لا توجب الحصر فيما ذكره الشيخ في خبر عمّار.

و يظهر من الشيخ في النهاية (10) تنزيل الخبرين (11) على معنى آخر، بحمل

____________

(1) في ص: 241، هامش (2).

(2) لاحظ ص: 237، هامش (3). و راجع أيضا الوسائل 15: 410 ب «4» من أبواب العدد ح 3، 12، 13.

(3) أي: روايتا سورة و عمّار المتقدّمتان في ص: 241 و 242.

(4) فيما لدينا من النسخ الخطّية و الحجريّتين: مخالفتان، و الصحيح ما أثبتناه.

(5) لاحظ الهامش (2) هنا.

(6) الاستبصار 3: 323 ذيل ح 1149 و 1151.

(7) و هو خبر سورة بن كليب.

(8) لاحظ الهامش (2) هنا.

(9) المذكور في ص: 239، هامش (5).

(10) النهاية: 532- 533.

(11) لاحظ الهامش (3) هنا.

245

..........

____________

الخبر السابق على احتباس الحيضة الثانية فتصبر إلى التسعة، و الثاني على احتباس الثالثة فتصبر إلى السنة، ثمَّ تعتدّ بثلاثة أشهر فيهما.

و هذا التنزيل- مع ما فيه من الجمع بينهما- يوافق ظاهرهما، لأنه قال في الخبر الأول: إنها لم تطمث في الثلاثة أشهر إلّا مرّة ثمَّ ارتفع حيضها، و هو صريح في احتباس الثانية، و أوجب التربّص تسعة أشهر. إلخ، و قال في الثاني:

إنه انقضت سنة و لم تحض فيها ثلاث حيض، و هذا و إن كان شاملا لنفي الثانية و الثالثة إلا أن طريق الجمع بينهما بحمله على احتباس الثالثة، و بقرينة قوله: لم تحض فيها ثلاث حيض، فإنها لو لم تحض إلّا مرّة لقال: لم تحض فيها حيضتين أو إلّا حيضة.

فهذا وجه مصير الشيخ إلى ما ذكره من التنزيل. و مع ذلك لا يسلم عن التحكّم، لأن الفرق بين احتباس الثانية و الثالثة لا مدخل له في هذه الأحكام، فإن احتمال الحمل يوجب فساد اعتبار الاثنتين كما يوجب فساد الواحدة. و أقصى الحمل مشترك بين جميع أفراد النساء بالتسعة أو السنة أو غيرهما، فالفرق بين جعل مدّة التربّص للعلم بالبراءة من الحمل تسعة تارة و سنة أخرى يرجع إلى التحكّم. و على تقدير الاعتناء برواية عمّار فما ذكره الشيخ في الاستبصار من الجمع أدخل في الحكم.

و اعلم أن طريق الروايتين قاصر عن إفادة مثل هذا الحكم، خصوصا رواية سورة بن كليب، لكن الشهرة مرجّحة لجانبها على قاعدتهم. و لو قيل بالاكتفاء بالتربّص مدّة يظهر فيها انتفاء (1) الحمل- كالتسعة- من غير اعتبار عدّة اخرى كان

____________

(1) في «ح»: أثر الحمل.

246

و لو رأت الدم (1) مرّة، ثمَّ بلغت اليأس، أكملت العدّة بشهرين.

____________

وجها. و الحكم فيها (1) مخصوص بالحرّة بقرينة جعل عدّتها ثلاثة أشهر بعد التربّص و مراعاة ثلاثة أقراء، فلو كانت أمة اعتبر في الأمرين عدّتها.

و التقييد في كلام المصنّف و غيره برؤية الحيض في الثالث أخذوه من قوله في الرواية الأولى: «فمضى (2) ثلاثة أشهر لم تحض إلّا حيضة واحدة» مع أنها ليست صريحة في ذلك كما لا يخفى. و على هذا فلو رأت في الشهر الأول أو الثاني و احتبس ففي إلحاقه بما ذكروه نظر [ينشأ] (3) من مساواته له في المعنى بل أولى بالاسترابة بالحمل، و من قصر الحكم المخالف على مورده، فردّه إلى تلك القاعدة (4) أولى، لصحّة طريقها. إلّا أن يقال في تلك بوجوب مراعاة الأقراء هنا مطلقا، فتكون عدّتها في المثال أطول فيقتصر على العدّة المذكورة هنا، نظرا إلى الأولويّة المذكورة، فلا يكون ذلك قياسا ممنوعا.

قوله: «و لو رأت الدم. إلخ».

(1) وجهه: حكم الشارع عليها بوجوب العدّة قبل اليأس و قد كانت حينئذ من ذوات الأقراء، فإذا تعذّر إكمالها بها (5) لليأس المقتضي انتفاء الحكم بالحيض مع تلبّسها بالعدّة أكملت بالأشهر، لأنها بدل عن الأقراء كما مرّ، فيجعل لكلّ قرء شهر، و لا توجد عدّة ملفّقة من الأمرين إلّا هذه. و باليأس من عود الحيض فارقت

____________

(1) في «ح، م»: فيهما.

(2) في النسخ الخطّية و الحجريّتين: بمضي، و الصحيح ما أثبتناه.

(3) من إحدى الحجريّتين.

(4) المذكورة في المتن في ص: 237، و عنى ب«صحّة طريقها» حسنة زرارة التي ذكرها هناك.

(5) في «ش، و، م»: به.

247

و لو استمرّ (1) بالمعتدّة الدم مشتبها، رجعت إلى عادتها في زمان الاستقامة و اعتدّت به.

و لو لم تكن لها عادة، اعتبرت صفة الدم، و اعتدّت بثلاثة أقراء.

و لو اشتبه رجعت إلى عادة نسائها. و لو اختلفن اعتدّت بالأشهر.

____________

من احتبس حيضها قبل إتمام (1) العدّة لعارض [من] (2) حيث إن عوده ممكن.

و الأصل في حكم هذه المسألة رواية هارون بن حمزة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في امرأة طلّقت و قد طعنت في السنّ فحاضت حيضة واحدة ثمَّ ارتفع حيضها، فقال: «تعتدّ بالحيض و شهرين مستقبلين، فإنها قد يئست من المحيض» [1].

و لو فرض يأسها بعد أن حاضت مرّتين فمقتضى ذلك إكمال العدّة بشهر، و لكن الجماعة اقتصروا على مدلول الرواية.

قوله: «و لو استمرّ. إلخ».

(1) المراد باستمراره تجاوزه العشرة، فإن ذات العادة حينئذ ترجع إلى عادتها و تجعل الباقي استحاضة، فيلحق ما يحكم به حيضا في العادة حكم الحيض هنا، و تجعل الباقي طهرا إلى وقت العادة من الشهر الآخر، و تنقضي بذلك العدّة كالمستقيمة الحيض.

____________

[1] الكافي 6: 100 ح 11، التهذيب 8: 121 ح 416، الاستبصار 3: 325 ح 1156، الوسائل 15: 416 ب «6» من أبواب العدد. و في هامش «و»: «في طريقها يزيد بن إسحاق شعر، و حاله مجهول، و قد مدحه الكشي مدحا لا يقتضي التعديل مع ضعف طريقه. منه (رحمه الله)». لاحظ رجال الكشي: 504، الرقم 499.

____________

(1) في «ش، م»: تمام.

(2) من «ش، م» فقط.

248

..........

____________

و تقييده يكون الدم مشتبها في هذه الصورة باعتبار احتماله الحيض فيما زاد على العادة قبل التجاوز، و إن كان باعتبار التجاوز صار غير مشتبه حيث علم أن الحيض منه هو ما وقع في زمن العدّة و ما زاد استحاضة، فلا اشتباه فيه حينئذ.

و لو لم تكن لها عادة مع فرض استمراره و تجاوزه العشرة رجعت إلى التمييز و جعلت ما كان أقرب منه إلى صفة الحيض حيضا بشرائطه و الباقي طهرا. فإن اتّفق لها تمييز عملت عليه و انقضت العدّة بذلك أيضا. و لا فرق هنا بين المبتدئة و المضطربة.

فإن اشتبه دم الحيض منه- بأن فقدت التمييز- فقد قال المصنّف- (رحمه الله)- و قبله الشيخ (1) و بعده العلّامة في كتبه (2): إنها ترجع إلى عادة نسائها. و هذا يتمّ في المبتدئة كما تقرّر في بابه (3)، أمّا المضطربة فلا ترجع إلى النساء بل تنتقل عند فقد التمييز إلى الروايات، و ليس لحكم الحيض في العدّة أمر يقتضي هذا الحكم، فالأجود الرجوع إلى ما تقرّر في بابه.

و محصّله: أنه مع انضباط الحيض و الطهر- بانقطاع الدم على ما دون العشرة أو عادة أو تمييز أو رجوع المبتدئة إلى أهلها- عملت عليه و رتّبت حكم العدّة على ما يحكم به طهرا. فإن لم يتّفق ذلك- بأن فقدت المبتدئة الأهل بعد فقد التمييز، أو كانت مضطربة و فقدت التمييز- اعتدّت بالأشهر، و ذلك في موضع الأخذ بالروايات. و إنما حكم هنا باعتدادها بالأشهر دون أن ترجع إلى تعيين الحيض بالرواية التي قد توجب نقصانا عن الثلاثة أشهر لورود النصّ هنا

____________

(1) النهاية: 533.

(2) مختلف الشيعة: 615، قواعد الأحكام 2: 69، تحرير الأحكام 2: 71.

(3) في ج 1: 68.

249

..........

____________

برجوعها إلى الأشهر، ففي رواية الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «عدّة المرأة التي لا تحيض و المستحاضة التي لا تطهر ثلاثة أشهر، و عدّة التي تحيض و يستقيم حيضها ثلاثة قروء» (1). و مثلها رواية أبي بصير (2) عنه (عليه السلام).

و ليس فيها اعتبار الرجوع إلى النساء مطلقا، فلا أقلّ من أن ترجع إلى قاعدة الحيض لا أن يحدث هنا حكم آخر. و يمكن أن يكون حكمة العدول عن الروايات إلى الأشهر انضباط العدّة بذلك دون الروايات، من حيث إنّها تتخيّر في تخصيص العدد بما شاءت من الشهر، و ذلك يوجب كون العدّة بيدها زيادة و نقصانا، و ذلك غير موافق لحكمة العدّة.

و اعلم أن عبارات الأصحاب قد اضطربت في حكم المضطربة في هذا الباب، فقال الشيخ في النهاية (3) ما يقارب عبارة المصنّف هنا من الرجوع إلى عادة الحيض، فإن لم تعرفها فإلى صفة الدم، و مع الاشتباه إلى عادة نسائها.

و قال ابن إدريس بعد نقله كلام الشيخ: «الأولى تقديم العادة على اعتبار صفة الدم، لأن العادة أقوى، فإن لم تكن لها نساء لهنّ عادة رجعت إلى اعتبار صفة الدم» (4). فقدّم الرجوع إلى النساء على التمييز. و كلّ منهما لم يفرّق بين المبتدئة و المضطربة.

____________

(1) الكافي 6: 100 ح 8، الفقيه 3: 331 ح 1605، التهذيب 8: 118 ح 407، الاستبصار 3: 332 ح 1183، الوسائل 15: 412 ب (4) من أبواب العدد ح 7.

(2) الكافي 6: 99 ح 3، التهذيب 8: 117 ح 117 ح 406، الاستبصار 3: 332 ح 1182، الوسائل الباب المتقدّم ح 9.

(3) النهاية: 533.

(4) السرائر 2: 741.

250

و لو كانت لا تحيض (1) إلّا في ستّة أشهر أو خمسة [أشهر] اعتدّت بالأشهر.

____________

و عبارة العلّامة في القواعد (1) و التحرير (2) مثل عبارة المصنّف و الشيخ من غير فرق أيضا بين المبتدئة و المضطربة. و قال في الإرشاد: «و المضطربة ترجع إلى أهلها أو التمييز، فإن فقدت اعتدّت بالأشهر» (3) فجعل الرجوع إلى الأهل حكم المضطربة و لم يذكر المبتدئة، و كان حقّه العكس، و زاد عطفه التمييز على الأهل ب«أو» المقتضي للتخيير.

فتلخّص في المسألة مذاهب متعدّدة، و ليس لها هنا بخصوصها أصل يرجع إليه، و ما تقدّم (4) من حكم الحيض ينافي الجميع. و المعتبر من النساء الأقارب من الطرفين أو أحدهما ثمَّ الأقران، و مع اختلافهنّ إذا تعدّدن ما سلف (5) في باب الحيض.

قوله: «و لو كانت لا تحيض. إلخ».

(1) هكذا اتّفقت عبارة المصنّف و جماعة (6) من الأصحاب. و لا وجه للتخصيص بالخمسة و الستّة، بل الضابط أنها متى سلم لها ثلاثة أشهر بعد الطلاق لا ترى فيها حيضا اعتدّت بالأشهر. و قد دلّ على ذلك رواية زرارة عن الباقر (عليه السلام) قال:

«أمران أيّهما سبق بانت المطلّقة: المسترابة تستريب الحيض إن مرّت بها ثلاثة

____________

(1) قواعد الأحكام 2: 69.

(2) تحرير الأحكام 2: 71.

(3) إرشاد الأذهان 2: 47.

(4) في ج 1: 71.

(5) في ج 1: 68- 69.

(6) كما في القواعد 2: 69.

251

و متى طلّقت (1) في أول الهلال اعتدّت بثلاثة أشهر أهلّة. و لو طلّقت في أثنائه اعتدّت بهلالين، و أخذت من الثالث بقدر الفائت من الشهر الأول. و قيل: تكمله ثلاثين. و هو أشبه.

____________

أشهر بيض ليس فيها دم بانت به، و إن مرّت بها ثلاث حيض ليس بين الحيضتين ثلاثة أشهر بانت بالحيض» (1). و في رواية أخرى لزرارة عن أحدهما (عليهما السلام): «أيّ الأمرين سبق إليها فقد انقضت عدّتها: إن مرّت ثلاثة أشهر لا ترى فيها دما فقد انقضت عدّتها، و إن مرّت ثلاثة أقراء فقد انقضت عدّتها» (2). و في صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) أنّه قال في التي تحيض في كلّ ثلاثة أشهر مرّة أو في ستّة أشهر أو في سبعة أشهر: «إن عدّتها ثلاثة أشهر» (3). و غير ذلك من الأخبار الدالّة على اعتبار سلامة ثلاثة أشهر.

لكن يبقى في ذلك ما أسلفناه (4) من أن الروايات تقتضي اشتراط سلامة الثلاثة بعد الطلاق من الحيض، فلو وقع الطلاق في أثناء الطهر بحيث لم يبق بعده ثلاثة و إن كان أصله أكثر لا تعتدّ بالأشهر. و عبارة الأصحاب بخلاف ذلك من حيث الإطلاق.

قوله: «و متى طلّقت .. إلخ».

(1) المعتبر في الأشهر حيث تكون مرادة للشارع بالهلاليّة، و عليه تدور المواقيت الشرعيّة. ثمَّ إن انطبق وقوع الطلاق على أول الشهر الهلالي فلا إشكال.

____________

(1) مرّ ذكر مصادرها في ص: 237، هامش (3).

(2) الكافي 6: 100 ح 9، التهذيب 8: 118 ح 408، الاستبصار 3: 324 ح 1153، الوسائل 15: 411 ب (4) من أبواب العدد ح 3.

(3) مرّ ذكر مصادرها في ص: 239، هامش (5).

(4) في ص: 238.

252

..........

____________

و إن وقع في أثنائه و انكسر ذلك الشهر اعتبر بعده شهران بالهلالي (1). و في إكمال المنكسر ثلاثين، أو جبره بقدر ما فات منه قولان أصحّهما- و هو الذي اختاره المصنّف- الأول، لأنه لمّا لم يتّفق في الشهر الأول كونه هلاليّا- لأن المراد العدّة بين الهلالين- انتقل إلى الشهر العرفي و هو الثلاثون.

و وجه الثاني: أن إطلاق الشهر محمول على الهلالي، فإذا فات بعضه أكمل من الرابع بمقدار ما فات، فلو فرض كونه تسعة و عشرين يوما و طلّقها و قد مضى منه عشرون يوما تحتسب بتسعة و تقضي عشرين يوما من الرابع.

و في المسألة قول ثالث، و هو انكسار الجميع، فيسقط اعتبار الأهلّة فيها، لأن المنكسر أولا يتمّم بما يليه فينكسر أيضا. و الأصحّ ما تقدّم، لأن الشهرين المتوسّطين يصدق عليهما الاسم بالأهلّة فلا يعدل عن ذلك، لأنه الأصل. و هذا البحث آت في جميع الآجال من السّلم و الدّين المؤجّل و العدّة و غيرها. و قد تقدّم البحث فيه في السّلم (2) مستوفى.

و اعلم أن انطباق الطلاق و نحوه من العقود على أول الشهر يتصوّر بأن يبتدئ باللفظ قبل الغروب من ليلة الهلال بحيث يقترن الفراغ منه بأول الشهر، لا بابتدائه في أول الشهر، لأنه إلى أن يتمّ لفظه يذهب جزء من الشهر و ينكسر. و من جوّز تعليق الطلاق فرضه بأن يعلّقه على انسلاخ الشهر أو بأول الشهر الذي يليه.

و لو وقع في أثناء النهار أو الليل أدخل الباقي منه في الحساب من الساعات و ما دونها. و كذا القول في غيره.

____________

(1) في «ش، ط، م»: بالهلال.

(2) في ج 3: 419- 421.

253

[تفريع]

تفريع لو ارتابت (1) بالحمل بعد انقضاء العدّة و النكاح لم يبطل. و كذا لو حدثت الريبة [بالحمل] بعد العدّة و قبل النكاح.

أما لو ارتابت به قبل انقضاء العدّة لم تنكح، و لو انقضت العدّة. و لو قيل بالجواز ما لم يتيقّن الحمل كان حسنا.

و على التقديرات لو ظهر حمل بطل النكاح الثاني، لتحقّق وقوعه في العدّة.

____________

قوله: «لو ارتابت .. إلخ».

(1) الارتياب بالحمل يحصل بوجود علامة تفيد الظنّ به كثقل و حركة و نحوهما، فإذا حصل لها ذلك بعد انقضاء العدّة و النكاح لم يؤثّر، للحكم بالانقضاء و صحّة النكاح شرعا، فلا يعارض الظنّ الطارئ. و كذا لو كان بعد انقضاء العدّة و قبل النكاح، للحكم بانقضائها شرعا فلا ينتقض بالشك، فيجوز لها النكاح، لترتّبه على الحكم بانقضاء العدّة و قد حصل.

أما لو حصلت الريبة قبل انقضاء العدّة فقد قال الشيخ في المبسوط (1): لا يجوز لها أن تنكح بعد انقضاء العدّة إلى أن يتبيّن (2) الحال، لأن النكاح مبنيّ على الاحتياط. و رجّح المصنّف و العلّامة (3) الجواز، لوجود المقتضي و هو خروج العدّة، و انتفاء المانع، إذ الريبة لا توجب بذاتها الحكم بالحمل، و الأصل عدمه، و من ثمَّ سقطت نفقتها و رجعتها في الرجعيّة.

____________

(1) المبسوط 5: 240.

(2) في «و» و الحجريّتين: تبين.

(3) قواعد الأحكام 2: 69.

254

[الفصل الرابع في الحامل]

الفصل الرابع في الحامل (1) و هي تعتدّ في الطلاق بوضعه و لو بعد الطلاق بلا فصل، سواء كان تامّا أو غير تامّ، و لو كان علقة، بعد أن يتحقّق أنه حمل. و لا عبرة بما يشكّ فيه.

____________

و على كلّ حال لو ظهر حمل محقّق بعد النكاح الثاني حكم ببطلانه، لتحقّق وقوعه في العدّة، لأنها في الحامل وضع الحمل بل هي الأصل لدلالتها على براءة الرحم يقينا، بخلاف غيرها من الأشهر و الأقراء، فإن دلالته ظنّية، و إنّما اكتفى الشارع بها لتعذّر تحصيل اليقين كلّ وقت فجعلت بدلا عن اليقين (1) فإذا حصل الأصل بطل البدل الاضطراري، فبطل النكاح المرتّب عليه.

قوله: «في الحامل. إلخ».

(1) إنّما تنقضي عدّة الحامل إذا وضعت الحمل التامّ، قال تعالى وَ أُولٰاتُ الْأَحْمٰالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ (2). و يتحقّق بوضعه بعد الطلاق بتمامه، سواء كان حيّا أم ميّتا، تامّا أو غير تامّ، إذا تحقّق أنه مبدأ نشوء آدمي، لعموم الآية، و يتحقّق ذلك في مسائل:

إحداها: اعتبار خروجه بأجمعه، فلا تنقضي بخروج بعضه، لأنه لا تحصل به براءة الرحم و لا وضع الحمل المضاف إليها. فإذا خرج بعضه منفصلا أو متّصلا و لم يخرج الباقي بقيت الرجعة في الرجعيّة. و لو مات أحدهما ورثه الآخر.

و كذلك يبقى سائر أحكام الجنين كنفي توريثه، و سراية العتق إليه من الام على

____________

(1) في «ش، ط، م»: اليقيني.

(2) الطلاق: 4.