مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام - ج9

- الشهيد الثاني المزيد...
537 /
305

..........

____________

الشيخ (1) و أتباعه (2) و المصنّف و باقي المتأخّرين (3). و أما أكثر المتقدّمين- كالمفيد (4) و سلّار (5) و ابن أبي عقيل (6) و ابن الجنيد (7)- فاختاروا الأول مطلقا.

هذا كلّه إذا لم تكن حاملا، و إلّا اعتدّت بأبعد الأجلين من وضع الحمل و ما قيل به من المدّة. و هو موضع وفاق. و إنما الخلاف في خصوصيّة المدّة التي تعتبر مع وضع الحمل.

و اعلم أن سياق العبارة يقتضي كون الحكم في الأمة المزوّجة لا المنكوحة مطلقا. و حينئذ فقوله: «و لو كانت أم ولد لمولاها. إلخ» المراد به إذا كانت أم ولد له قد زوّجها لغيره فمات الزوج. و أما إذا كان الميّت المولى، فإن كانت مزوّجة لم تعتدّ من موت المولى إجماعا. و إن لم تكن مزوّجة ففي اعتدادها من موت المولى عدّة الحرّة، أم لا عدّة عليها بل يكفي استبراؤها لمن انتقلت إليه إذا أراد وطأها، قولان ذهب إلى الأول منهما جماعة منهم الشيخ (8)، و أبو الصلاح (9)، و ابن حمزة (10)، و العلّامة في موضع من التحرير (11)، و الشهيد في

____________

(1) النهاية: 536.

(2) فقه القرآن 2: 173- 174، غنية النزوع و إصباح الشيعة (ضمن سلسلة الينابيع الفقهيّة) 20: 256 و 293- 294.

(3) لاحظ الإرشاد 2: 49، قواعد الأحكام 2: 73، اللمعة الدمشقيّة: 125.

(4) المقنعة: 534- 535.

(5) المراسم: 165.

(6) حكاه عنهما العلّامة في المختلف: 611.

(7) حكاه عنهما العلّامة في المختلف: 611.

(8) المبسوط 5: 284 حيث نسبه إلى رواية الأصحاب من دون تعليق.

(9) الكافي: 313.

(10) الوسيلة: 328، 329.

(11) التحرير 2: 96.

306

..........

____________

اللمعة (1). و استدلّ له في المختلف (2) بموثّقة إسحاق بن عمّار عن الكاظم (عليه السلام)- قال: «سألته عن الأمة يموت سيّدها، قال: تعتدّ عدّة المتوفّى عنها زوجها» (3). و قال ابن إدريس (4): لا عدّة عليها من موت مولاها، لأنها ليست زوجة، و حكم العدّة مختصّ بالزوجة، و الأصل براءة الذمّة من التكليف بذلك.

و نفى عنه في المختلف (5) البأس.

و لو كانت الأمة موطوءة للمولى ثمَّ مات عنها فظاهر الأكثر هنا أنه لا عدّة عليها، بل تستبرئ بحيضة كغيرها من الإماء المنتقلة من مالك إلى آخر. و ذهب الشيخ في كتابي (6) الأخبار إلى أنها تعتدّ من موت المولى كالحرّة، سواء كانت أم ولد أم لا. و استدلّ عليه برواية زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): «في الأمة إذا غشيها سيّدها ثمَّ أعتقها فإن عدّتها ثلاث حيض، فإن مات عنها فأربعة أشهر و عشرا» (7) و بموثّقة إسحاق بن عمّار السابقة، و بحسنة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «قلت له: يكون الرجل تحته السرّية فيعتقها، فقال: لا يصلح أن تنكح حتى تنقضي ثلاثة أشهر، و إن توفّي عنها مولاها فعدّتها أربعة أشهر

____________

(1) اللمعة الدمشقيّة: 125.

(2) المختلف: 611.

(3) الكافي 6: 171 ح 2، التهذيب 8: 155 ح 539، الاستبصار 3: 349 ح 1249، الوسائل 15:

472 ب (42) من أبواب العدد ح 4.

(4) السرائر 3: 735.

(5) المختلف: 611.

(6) التهذيب 8: 155 ذيل ح 537، الاستبصار 3: 350 ذيل ح 1250.

(7) الكافي 6: 171 ح 1، التهذيب 8: 155 ح 538، الاستبصار 3: 349 ح 1248، الوسائل 15:

475 ب (43) من أبواب العدد ح 5.

307

و لو طلّقها الزوج (1) رجعيّة، ثمَّ مات و هي في العدّة، استأنفت عدّة الحرّة. و لو لم تكن أم ولد استأنفت للوفاة عدّة الأمة. و لو كان الطلاق بائنا أتمّت عدّة الطلاق حسب.

____________

و عشرا» (1).

و العجب مع كثرة هذه الأخبار و جودة أسنادها أنه لم يوافق الشيخ على مضمونها أحد، و خصّوا أم الولد بالحكم، مع أنه لا دليل عليها بخصوصها.

و أعجب منه تخصيصه في المختلف الاستدلال على حكم أم الولد بموثّقة إسحاق، مع أنها تدلّ على أن حكم الأمة الموطوءة مطلقا كذلك، و مع هذا فغيرها من الأخبار التي ذكرناها يوافقها في الدلالة، مع أن فيها ما هو أجود سندا.

و سيأتي (2) أن المصنّف و غيره أوجبوا عدّة الحرّة على الأمة المدبّرة بما هو أقلّ مستندا (3) ممّا ذكرناه هنا.

قوله: «و لو طلّقها الزوج. إلخ».

(1) هذا متفرّع (4) على الحكم السابق، و هو أن أم الولد تعتدّ لوفاة زوجها عدّة الحرّة. و لا يتغيّر هذا الحكم بطلاقها رجعيّا إذا مات في العدّة الرجعيّة، لأنها بمنزلة الزوجة، كما لو مات زوج الحرّة المطلّقة و هي في العدّة الرجعيّة، فإنها تستأنف عدّة الوفاة. و لو لم تكن الأمة المزوّجة أم ولد و قد طلّقها، فشرعت في عدّة الأمة للطلاق، ثمَّ مات الزوج في العدّة، استأنفت عدّة الوفاة المقرّرة للأمة كما لو مات و هي في عصمته. و لو كان الطلاق بائنا أتمّت عدّة الطلاق خاصّة كالحرّة إذا

____________

(1) الكافي 6: 171 ح 3، التهذيب 8: 156 ح 540، الاستبصار 3: 349 ح 1250، الوسائل 15:

475 ب (43) من أبواب العدد ح 1.

(2) في الصفحة التالية.

(3) في الحجريّتين: سندا.

(4) في «ط»: تفريع.

308

و لو مات زوج (1) الأمة، ثمَّ أعتقت، أتمّت عدّة الحرّة، تغليبا لجانب الحرّية.

و لو كان المولى (2) يطؤها، ثمَّ دبّرها، اعتدّت بعد وفاته بأربعة أشهر و عشرة أيّام.

و لو أعتقها في حياته اعتدّت بثلاثة أقراء.

____________

طلّقت بائنا ثمَّ مات في العدّة، لانقطاع العصمة بينهما. و هو واضح.

قوله: «و لو مات زوج. إلخ».

(1) هذا الحكم ذكره الشيخ (1) و أتباعه (2) و منهم المصنّف من بعده. و توجيهه:

أنها بعد العتق مأمورة بإكمال عدّة الوفاة، و قد صارت حرّة فلا تكون مخاطبة بحكم الأمة، فيجب عليها إكمال عدّة الحرّة نظرا إلى حالها حين الخطاب، و لا ينظر إلى ابتداء الخطاب بالعدّة، فإنها كلّ يوم مخاطبة بحكمها، و هو معنى قوله:

«تغليبا لجانب الحرّية».

قوله: «و لو كان المولى .. إلخ».

(2) مستند الحكم رواية داود الرقّي عن الصادق (عليه السلام): «في الأمة المدبّرة إذا مات مولاها أن عدّتها أربعة أشهر و عشرا من يوم يموت سيّدها إذا كان سيّدها يطؤها. قيل له: فالرجل يعتق مملوكته قبل موته بساعة أو بيوم ثمَّ يموت، فقال: هذه تعتدّ بثلاث حيض أو ثلاثة قروء من يوم أعتقها سيّدها» (3). و روى

____________

(1) النهاية: 536.

(2) الكافي في الفقه: 313، إصباح الشيعة (ضمن سلسلة الينابيع الفقهيّة) 20: 294.

(3) الكافي 6: 172 ح 8، التهذيب 8: 156 ح 542، الاستبصار 3: 349 ح 1247، الوسائل 15: 475 ب (43) من أبواب العدد ح 7.

309

..........

____________

الحلبي في الحسن عنه (عليه السلام) قال: «قلت له: الرجل يكون تحته السرّية فيعتقها، فقال، لا يصلح لها أن تنكح حتى تنقضي عدّتها ثلاثة أشهر، و إن توفّي عنها مولاها فعدّتها أربعة أشهر و عشرا» (1).

و نازع ابن إدريس (2) في الأمرين:

أما الأول فلأن من جعل عتقها بعد موته لا يصدق عليها أنها زوجة، و العدّة مختصّة بها كما تدلّ عليه الآية. (3).

و أما الثاني فلأن المعتقة غير مطلّقة فلا يلزمها عدّة المطلّقة، و العدّة أمر شرعي يحتاج في إثباته إلى دليل شرعي، و هو منتف.

و جوابه أنه منتف على أصله، و أما على أصول الأصحاب فقد عرفت المستند. و داود الرقّي و إن كان فيه كلام إلّا أن توثيقه أرجح كما حقّق في فنّه، فالرواية صحيحة. و هي مشتملة على الحكمين. و الأخرى مؤيّدة للثاني، و دالّة على حكم ذات الشهور، كما دلّت الأولى على حكم ذات الأقراء. و قد تقدّم في الأخبار (4) السابقة ما يدلّ على الحكم الثاني أيضا. و يؤيّدهما معا أنها لا يمكنها أن تتزوّج في الحال، لوجوب مراعاة جانب المائز للحرّة و الأمة، فلا بدّ لها من مدّة، و ليست أمة حتى يلحقها حكم الاستبراء، و إنما هي حرّة فألحقت بالحرائر، و عدّتهنّ في الأمرين ما ذكر.

____________

(1) تقدّم ذكر مصادره في ص: 307، هامش (1).

(2) السرائر 2: 744.

(3) البقرة: 234.

(4) كرواية زرارة المذكورة في ص: 306.

310

و كلّ من يجب (1) استبراؤها إذا ملكت بالبيع، يجب استبراؤها لو ملكت بغيره، من استغنام أو صلح أو ميراث أو غير ذلك. و من يسقط استبراؤها هناك يسقط في الأقسام الأخر.

و لو كان الإنسان (2) زوجة فابتاعها بطل نكاحه، و حلّ وطؤها من غير استبراء.

____________

قوله: «و كلّ من يجب. إلخ».

(1) قد تقدّم البحث في هذه المسألة مستوفى في النكاح (1) و البيع (2)، و من يفتقر إلى الاستبراء و من لا يفتقر إليه، و تحقيق الخلاف في ذلك، و في اختصاصه بالبيع أو عمومه لكلّ ملك زائل أو حادث، فلا وجه للإعادة في الإفادة.

قوله: «و لو كان للإنسان. إلخ».

(2) أما بطلان النكاح فلأنها قد صارت مملوكة و هي تستباح بملك اليمين فيبطل العقد، لأن البضع لا يستباح بسببين، لأن التفصيل في الآية (3) يقطع الاشتراك. و قد تقدّم البحث فيه أيضا في النكاح (4). و أما عدم وجوب استبرائها فلأن المقصود منه مراعاة حقّ الماءين الزائل و الحادث و هما لواحد.

و نبّه بذلك على خلاف بعض العامّة (5) حيث أوجب الاستبراء، لتبدّل جهة الحلّ و تجدّد الملك، و ليتميّز الولد في النكاح عن الولد بملك اليمين، لأنه في النكاح ينعقد مملوكا ثمَّ يعتق بالملك و في ملك اليمين ينعقد حرّا. و هذا الأصل

____________

(1) في ج 8: 78- 86.

(2) في ج 3: 385- 387.

(3) المؤمنون: 6.

(4) في ج 8: 29.

(5) الوجيز 2: 103، روضة الطالبين 6: 405.

311

و لو ابتاع المملوك (1) أمة و استبرأها كفى ذلك في حقّ المولى لو أراد وطأها.

و إذا كاتب الإنسان (2) أمته حرم عليه وطؤها، فإن انفسخت الكتابة حلّت، و لا يجب الاستبراء. و كذا لو ارتدّ المولى أو المملوكة، ثمَّ عاد المرتدّ، لم يجب الاستبراء.

و لو طلّقت الأمة بعد الدخول لم يجز للمولى الوطء إلّا بعد الاعتداد، و تكفي العدّة عن الاستبراء.

و لو ابتاع حربيّة فاستبرأها، فأسلمت، لم يجب استبراء ثان.

و كذا لو ابتاعها و استبرأها محرما بالحجّ كفى ذلك في استحلال وطئها إذا أحلّ.

____________

عندنا ممنوع، و مطلق تبدّل الملك غير موجب له.

قوله: «و لو ابتاع المملوك. إلخ».

(1) لمّا كان المعتبر من الاستبراء ترك وطئها في المدّة المعتبرة ليحصل الفرق بين الماءين لم يفترق الحال بين استبراء المالك لها و غيره، و من ثمَّ لو أخبر البائع باستبرائها و كان ثقة قبل، و استبراء المملوك من هذا القبيل.

و يشترط علم المولى به، أو كون المملوك ثقة ليقبل خبره كغيره من المخبرين به.

قوله: «و إذا كاتب الإنسان .. إلخ».

(2) هنا مسائل تتعلّق بتبدّل الملك و يترتّب عليه حكم الاستبراء:

الاولى: لو كاتب جاريته حرم عليه وطؤها، لأن الكتابة تقتضي نقلها عن

312

..........

____________

ملكه و إن كان متزلزلا، سواء جعلناها بيعا للمملوك من نفسه أم عتقا بشرط. فإذا فسخت الكتابة لعجزها لم يلزمها الاستبراء، لما ذكرناه من أن الغرض الفرق بين الماءين المحترمين و هما من واحد هنا، لأنه لا يحلّ لها التزويج بغيره زمن الكتابة كما سيأتي (1)، و المفروض عدم وطئها حالها لغيره. و لبعض العامّة (2) هنا قول بوجوب استبرائها، لأنه زال ملك الاستمتاع بها و صارت إلى حالة لو وطئها لاستحقّت المهر ثمَّ عاد الملك، فأشبه ما إذا باعها ثمَّ اشتراها. و الفرق بين الأمرين واضح، لأنها بالبيع تباح للمشتري، بخلاف الكتابة. و مطلق تبدّل الملك لا يوجب الاستبراء.

الثانية: إذا حرمت على السيّد بارتداده أو ارتدادها ثمَّ أسلم أو أسلمت لم يجب الاستبراء، لما ذكرناه من الوجه [في] (3) السابق من عدم تعدّد الماء الموجب للاستبراء، خلافا لبعض الشافعيّة (4) حيث أوجبه بناء على زوال ملكه بالردّة ثمَّ عوده إليه بالإسلام، فعليه الاستبراء. و الأصل هنا كالسابق. و لا بدّ من تقييد ارتداده بكونه عن ملّة ليتصوّر عود ملكها إليه بعوده إلى الإسلام، فلو كان عن فطرة انتقل ملكها إلى الوارث. و يأتي في عودها إليه- على تقدير قبول توبته- ما يعتبر في نقل الملك عنه ثمَّ عوده إليه من اشتراط عدم وطء غيره و لو

____________

(1) في كتاب المكاتبة المسألة الثانية من أحكام المكاتب.

(2) الحاوي الكبير 11: 352، الوجيز 2: 103، روضة الطالبين 6: 404، جواهر العقود 2:

196.

(3) سقطت من «و، م».

(4) الحاوي الكبير 11: 352، حلية العلماء 7: 361، روضة الطالبين 6: 404، جواهر العقود 2: 196.

313

..........

____________

بإخبار الثقة.

الثالثة: لو زوّج المولى أمته ثمَّ طلّقها الزوج بعد الدخول لم تحلّ للمولى إلّا بعد الاعتداد، للفرق بين الماءين المحترمين، و إن كان الملك بالنسبة إلى المولى لم يتبدّل. لكن هنا تكفي العدّة عن الاستبراء، لحصول الغرض منها و زيادة، فيدخل الأقلّ تحت الأكثر. و لو طلّقها الزوج قبل الدخول حلّت للمولى من غير استبراء، خلافا لبعض العامّة (1) حيث أوجبه، لزوال ملك الاستمتاع ثمَّ عوده فكان كزوال الملك و عوده (2).

الرابعة: لا يشترط في صحّة الاستبراء كون الأمة محلّلة للمولى لو لا الاستبراء، بل يكتفى به و إن كانت محرّمة عليه بسبب آخر، لحصول الغرض المقصود منه و هو الفرق بين الماءين، فإذا زال ذلك السبب المحرّم الموجود حال الاستبراء حلّت للمولى بالاستبراء السابق. و تظهر الفائدة فيما لو اشترى مجوسيّة أو مرتدّة فمرّت بها حيضة ثمَّ أسلمت لم يجب استبراء ثان، و اعتدّ بما وقع في حالة كفرها، لحصول الغرض المقصود منه. و كذا لو استبرأها و هي محرّمة عليه بسبب الإحرام فأحلّ، خلافا لبعض الشافعيّة (3) حيث أوجب الاستبراء ثانيا، محتجّا بأن الاستبراء لاستباحة الاستمتاع، و إنّما تعتدّ (4) منه بما يستعقب حلّ الاستمتاع و لم يحصل هنا.

____________

(1) الحاوي الكبير 11: 351، حلية العلماء 7: 361، المغني لابن قدامة 9: 162- 163.

(2) في «ح، و»: ثمَّ عوده.

(3) المغني لابن قدامة 9: 162، روضة الطالبين 6: 408، جواهر العقود 2: 197.

(4) كذا في النسخ الخطّية، و لعلّ الصحيح: يعتدّ.

314

[الفصل السابع في اللواحق]

الفصل السابع في اللواحق و فيه مسائل:

[الاولى: لا يجوز لمن طلّق رجعيّا أن يخرج الزوجة من بيته]

الاولى: لا يجوز لمن طلّق (1) رجعيّا أن يخرج الزوجة من بيته إلّا أن تأتي بفاحشة، و هي أن تفعل ما يجب به الحدّ، فتخرج لإقامته. و أدنى ما تخرج له أن تؤذي أهله.

و يحرم عليها الخروج ما لم تضطرّ. و لو اضطرّت إلى الخروج خرجت بعد انتصاف الليل، و عادت قبل الفجر.

____________

قوله: «لا يجوز لمن طلّق. إلخ».

(1) المطلّقة رجعيّة تستحقّ السكنى كما تستحقّ النفقة زمن العدّة، لقوله تعالى:

أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ (1) و قال تعالى لٰا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَ لٰا يَخْرُجْنَ إِلّٰا أَنْ يَأْتِينَ بِفٰاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ (2). و المراد بيوت أزواجهنّ، و أضافه إليهنّ بملابسة السكنى. و إنما تستحقّ السكنى إذا استحقّت النفقة، فلو كانت صغيرة أو أمة غير مسلمة طول المدّة أو ناشزا زمن الزوجيّة أو في أثناء العدّة فلا سكنى لها، كما لا نفقة لها. و لو عادت إلى الطاعة في العدّة عاد حقّ السكنى.

و كما يحرم عليه إخراجها من المسكن يحرم عليها هي الخروج أيضا و إن اتّفقا عليه، لدلالة الآية على تحريمه من كلّ منهما، فلو اتّفقا على الخروج منعهما الحاكم منه، لأنّ فيه حقّا للّه تعالى، كما أن في العدّة حقّا له تعالى، بخلاف السكنى المستحقّة بالنكاح، فإن حقّها مختصّ بالزوجين.

____________

(1) الطلاق: 6، 1.

(2) الطلاق: 6، 1.

315

..........

____________

و ذهب جماعة من الأصحاب- منهم أبو الصلاح (1) و العلّامة في التحرير (2)- إلى تقييد التحريم بعدم اتّفاقهما عليه، فلو خرجت بإذنه جاز. و يدلّ عليه حسنة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لا ينبغي للمطلّقة أن تخرج إلّا بإذن زوجها حتى تنقضي عدّتها ثلاثة قروء أو ثلاثة أشهر» (3).

و الأجود التحريم مطلقا عملا بظاهر الآية. و يستثنى منه ما دلّت الآية على استثنائه، و هو أن تأتي بفاحشة مبيّنة فيجوز إخراجها حينئذ. و قد اختلف في تفسير الفاحشة، فقيل: هي أن تفعل ما تستحقّ فيه الحدّ كالزنا. و هو الظاهر من إطلاق الفاحشة عرفا. و قيل: هي أعمّ من ذلك، حتى لو آذت أهل الزوج و استطالت عليهم بلسانها فهو فاحشة يجوز إخراجها لأجله. و هو المرويّ عن ابن عبّاس (4) في تفسير الآية. و رواه الأصحاب عن الرضا (عليه السلام) بسندين (5) مقطوعين. و احتجّ عليه الشيخ في الخلاف (6) بإجماع الفرقة، مع أنه في النهاية (7) اختار الأول و نسب الثاني إلى الرواية. و احتجّ أيضا بأن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) أخرج فاطمة بنت قيس لمّا بذت على بيت أحمائها و شتمتهم، فوردت

____________

(1) الكافي في الفقه: 312.

(2) التحرير 2: 75.

(3) الكافي 6: 89 ح 1، التهذيب 8: 116 ح 402 و 130 ح 449، الاستبصار 3: 333 ح 1184، الوسائل 15: 434 ب (18) من أبواب العدد ح 1.

(4) مجمع البيان 5: 304، الدرّ المنثور 8: 193، ذيل الآية 1 من سورة الطلاق.

(5) الكافي 6: 97 ح 1 و 2، التهذيب 8: 131 ح 455 و 456، الوسائل 15: 439 ب (23) من أبواب العدد ح 1 و 2.

(6) الخلاف 2: 309 مسألة (23).

(7) النهاية: 534.

316

..........

____________

الآية في ذلك. و فيه: أن المروي أن فاطمة بنت قيس كان زوجها قد بتّ طلاقها و لم يكن رجعيّا (1)، و بها احتجّ الجمهور (2) على استحقاق البائن السكنى كالرجعيّة.

إذا تقرّر ذلك فنقول: حيث تخرج لإقامة الحدّ قيل: تعاد إلى المسكن بعد الفراغ، وقوفا فيما خالف الأصل على محلّ الضرورة، فلا يثبت (3) إلّا فيه. و قيل:

لا يجب ردّها إليه، لأن إخراجها مستثنى من النهي، فوجوب ردّها يحتاج إلى دليل. و لأن إخراجها لو كان لمجرّد الحدّ لفرّق فيه بين البرزة و المخدّرة، فتخرج الأولى دون الثانية، كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى في بابه (4). و في هذا قوّة.

و حيث تخرج لأذى أحمائها، أو لم نوجب في الأول إعادتها، ينقلها الزوج إلى منزل آخر، مراعيا للأقرب إلى مسكن العدّة فالأقرب. و موضع النقل في الثاني ما إذا كانت الأحماء معها في دار واحدة تسع لجميعهم، فلو كانت ضيّقة لا تسع لهم و لها نقل الزوج الأحماء و ترك الدار لها. و لو كانت الأحماء في دار أخرى لم تنقل المعتدّة من دارها بالبذاة عليهم. و ربما قيل بجواز إخراجها بأذاها لهم و إن كانوا جيرانا، لإطلاق الآية (5). و لو كانت في دار أبويها- لكون الزوج ساكنا معها- فطلّقها فيها فبذت على الأبوين، ففي جواز نقلها عنهم وجهان، من عموم الآية (6)

____________

(1) مسند الشافعي: 302، مسند الحميدي 1: 176 ح 363، سنن سعيد بن منصور 1: 320 ح 1357، مسند أحمد 6: 415.

(2) راجع الحاوي الكبير 11: 247- 248، المغني لابن قدامة 9: 289.

(3) في «و»: تبيت.

(4) في المسألة السابعة عشر من النظر الثاني من كتاب القضاء.

(5) الطلاق: 1.

(6) الطلاق: 1.

317

و لا تخرج في حجّة (1) مندوبة إلّا بإذنه. و تخرج في الواجب و إن لم يأذن. و كذا فيما تضطرّ إليه و لا وصلة لها إلّا بالخروج.

____________

المتناول لذلك حيث نقول بتفسيرها بالأعمّ، و من أن الوحشة لا تطول بينهم كما هي بينهما و بين الأحماء. نعم، لو كان أحماؤها في دار أبويها أيضا و بذت عليهم اخرجوا دونها، لأنها أحقّ بدار الأبوين، مع احتمال جواز إخراجها حينئذ، للعموم.

هذا، و تحريم إخراجها و خروجها مشروط بحالة الاختيار، فلو اضطرّت إلى الخروج جاز، و وجب كونه بعد انتصاف الليل و تعود قبل الفجر، على ما ذكره المصنّف و جماعة (1). و هو في موقوفة سماعة قال: «سألته عن المطلّقة أين تعتدّ؟

قال: في بيتها لا تخرج، فإن أرادت زيارة خرجت بعد نصف الليل و لا تخرج نهارا» (2). و إنما يعتبر ذلك حيث تتأدّى الضرورة به، و إلّا جاز الخروج مقدار ما تتأدّى الضرورة من غير تقييد بالليل.

قوله: «و لا تخرج في حجّة .. إلخ».

(1) لمّا كان جواز الخروج مقصورا على الضرورة و لا ضرورة إلى الحجّة المندوبة لم يجز لها الخروج إليها. و كذا ما أشبهها من الزيارات. و في معناها الحجّ الواجب الموسّع كالنذر المطلق. و أما حجّة الإسلام فيجوز لها أن تخرج إليها بناء على مذهبنا من أنها واجبة على الفور، و من جعلها على التراخي منعها من المبادرة إليها فيها. و كذا يجوز لها الخروج لما تضطرّ إليه من حفظ المال و النفس

____________

(1) راجع المهذّب 2: 318، الجامع للشرائع: 472، قواعد الأحكام 2: 76.

(2) الكافي 6: 90 ح 3، الفقيه 3: 322 ح 1564 و روايته مسندة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) و فيه: خرجت قبل نصف. و رجعت بعد نصف، التهذيب 8: 130 ح 450، الاستبصار 3: 333 ح 1185، الوسائل 15: 435 ب (19) من أبواب العدد ح 1.

318

و تخرج في العدّة (1) البائنة أين شاءت.

____________

و نحوهما، كما لو لم تكن الدار حصينة و كانت تخاف من اللصوص، أو كانت بين قوم فسقة تخاف على نفسها منهم و لو على العرض، أو كانت تتأذّى من الجيران أو من الأحماء تأذّيا شديدا و لم يمكن إخراجهم عنها بأن كانوا في مسكن يملكونه و نحو ذلك.

و اعلم أنه يستفاد من قوله: «و لا تخرج في حجّة مندوبة إلّا بإذنه» أن المنع من خروجها مقيّد بكونه بغير إذنه كما هو أحد القولين، أو يختصّ الحكم بالحجّ.

و يدلّ على جوازه بالإذن رواية معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

«سمعته يقول: المطلّقة تحجّ في عدّتها إن طابت نفس زوجها» (1). و في رواية سماعة السالفة (2): «ليس لها أن تحجّ حتى تنقضي عدّتها». و طريق الجمع حمل النهي على ما لو لم يأذن.

قوله: «و تخرج في العدّة. إلخ».

(1) مذهب أصحابنا أن حقّ السكنى للمطلّقة مختصّ بالرجعيّة دون البائن، للأصل، و لقوله تعالى بعد قوله لٰا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَ لٰا يَخْرُجْنَ:. لَعَلَّ اللّٰهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذٰلِكَ أَمْراً (3) يعني الرجعة، و لأنه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) لم يجعل لفاطمة بنت قيس لمّا بتّها زوجها نفقة و لا سكنى و قال: «إنما النفقة و السكنى لمن يملك زوجها رجعتها بفرقة» (4).

____________

(1) الكافي 6: 91 ح 12، التهذيب 8: 131 ح 452، الاستبصار 3: 333 ح 1187، الوسائل 15: 439 ب (22) من أبواب العدد ح 2.

(2) في الصفحة السابقة.

(3) الطلاق: 1.

(4) مسند الحميدي 1: 176 ح 363، سنن سعيد بن منصور 1: 320 ح 1358، مسند أحمد 6: 415، شرح معاني الآثار للطحاوي 3: 69.

319

..........

____________

و المعتمد من الدلالة على ذلك النقل المستفيض عن الأئمة (عليهم السلام)، منها صحيحة سعد بن أبي خلف قال: «سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن شيء من الطلاق، فقال: إذا طلّق الرجل امرأته طلاقا لا يملك فيه الرجعة فقد بانت منه ساعة طلّقها و ملكت نفسها و لا سبيل له عليها و تذهب حيث شاءت و لا نفقة لها. قال: قلت له: أ ليس اللّه يقول لٰا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَ لٰا يَخْرُجْنَ؟

قال: فقال: إنما عنى بذلك التي تطلّق تطليقة بعد تطليقة فتلك التي لا تخرج و لا تخرج حتى تطلّق الثالثة، فإذا طلّقت الثالثة فقد بانت منه و لا نفقة لها» (1). و منها صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «أنه سئل عن المطلّقة ثلاثا إلها النفقة و السكنى؟ قال: أ حبلى هي؟ قلت: لا، قال: فلا» (2). و غيرهما من الأخبار الكثيرة.

و أما الآية المذكورة فإنها و إن كانت محتملة لهما (3) إلّا أنها مخصوصة بالسنّة، و بقرينة آخرها كما ذكرناه. و كذلك قوله تعالى أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ (4). و أما قصّة فاطمة بنت قيس فقد روى الجمهور أن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) أمرها أن تعتدّ في بيت ابن أمّ مكتوم لمّا آذت أحماءها بلسانها و استطالت عليهم، فدلالتها مرتفعة من البين، لاختلاف النقل فيها بالنسبة إلى

____________

(1) الكافي 6: 90 ح 5، التهذيب 8: 132 ح 458، الوسائل 15: 436 ب (20) من أبواب العدد ح 1.

(2) التهذيب 8: 133 ح 462، الاستبصار 3: 334 ح 1191، الوسائل 15: 233 ب (8) من أبواب النفقات ح 7.

(3) كذا في «ح، و» و في «ش، ط، م»: لها.

(4) الطلاق: 6.

320

[الثانية: نفقة الرجعيّة لازمة في زمان العدّة]

الثانية: نفقة الرجعيّة لازمة (1) في زمان العدّة و كسوتها و مسكنها يوما فيوما، مسلمة كانت أو ذمّية. أما الأمة، فإن أرسلها مولاها ليلا و نهارا فلها النفقة و السكنى، لوجود التمكين التام. و لو منعها ليلا أو نهارا فلا نفقة، لعدم التمكين [التامّ].

____________

الحجّة على الخصم.

قوله: «نفقة الرجعيّة لازمة. إلخ».

(1) ما تقدّم كان حكم الإسكان، و بيّن في هذه المسألة وجوب الإنفاق على الرجعيّة مطلقا الذي من جملته الإسكان و الكسوة. و إنما خصّ الإسكان بالذكر للأمر فيه بخصوصه في الآية (1)، و من ثمَّ قال بعض العامّة (2) بوجوب الإسكان خاصّة للبائن، بخلاف النفقة، فإنها مختصّة بالرجعيّة إجماعا. و شرط وجوبها لها اجتماع الشرائط المعتبرة فيها حال الزوجيّة من الصلاحيّة للاستمتاع و تسليم نفسها و غيره، لأن المطلّقة رجعيّة تبقى بحكم الزوجة، فيعتبر فيما يجب لها ما يعتبر في الزوجة. فلو كانت صغيرة لا تحتمل الجماع لم تستحقّ النفقة في العدّة، كما لا تستحقها في النكاح. و كذا لو طلّقها و هي ناشزة لم تستحقّ النفقة و السكنى في العدّة، كما لا تستحقّها في صلب النكاح، لتعدّيها. و كذا لو نشزت في العدّة و لو بالخروج من مسكنها بغير إذنه تسقط نفقتها و سكناها. و لو عادت إلى الطاعة عاد الاستحقاق.

و لو كانت أمة فقد مرّ (3) أنه ليس على السيّد أن يسلّمها ليلا و نهارا، بل له

____________

(1) الطلاق: 6.

(2) اختلاف العلماء: 146- 147، الوجيز للغزالي 2: 113، حلية العلماء 7: 411.

(3) في ج 8: 335.

321

و لا نفقة للبائن (1) و لا سكنى إلّا أن تكون حاملا، فلها النفقة و السكنى حتى تضع.

____________

أن يستخدمها نهارا و عليه أن يسلّمها ليلا. و كذلك الحال في زمان العدّة. فإن سلّمها ليلا و نهارا و رفع اليد عنها فلها النفقة و السكنى كما تستحقّها و الحال هذه في صلب النكاح، و إن كان يستخدمها نهارا لم تستحقّ نفقة و لا سكنى، لكن لو سلّمها ليلا فللزوج أن يسكنها حالة فراغها من خدمة السيّد لتحصينها، و يجب عليها حينئذ الاستقرار فيما يسكنها فيه إلى الصباح إلّا مع الضرورة كالحرّة.

قوله: «و لا نفقة للبائن. إلخ».

(1) قد تقدّم (1) القول في عدم وجوب النفقة للبائن، و في معناها أو من جملتها السكنى. و الغرض هنا استثناء الحامل من الحكم، فيجب الإنفاق عليها و إسكانها إلى أن تضع، لعموم قوله تعالى وَ إِنْ كُنَّ أُولٰاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّٰى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ (2) الشامل للبائن و الرجعي، و صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل يطلّق امرأته و هي حبلى، قال: «أجلها أن تضع حملها، و عليه نفقتها حتى تضع حملها» (3). و في حسنة الحلبي السابقة (4) حيث سأله عن نفقة البائن و سكناها فقال: «أ حبلى هي؟ قلت: لا، قال: فلا» ما ينبّه على ذلك.

و قد تقدّم (5) البحث في أن النفقة هل هي للحمل أو للحامل؟ و ما يترتّب على

____________

(1) في ج 8: 449- 451.

(2) الطلاق: 6.

(3) الكافي 6: 103 ح 4، التهذيب 8: 134 ح 464، الوسائل 15: 230 ب (7) من أبواب النفقات ح 1.

(4) في ص: 319.

(5) في ج 8: 449- 451.

322

و تثبت العدّة (1) مع الوطء بالشبهة. و هل تثبت النفقة لو كانت حاملا؟

قال الشيخ: نعم. و فيه إشكال ينشأ من توهّم اختصاص النفقة بالمطلّقة الحامل دون غيرها من البائنات.

____________

الأمرين من الأحكام.

قوله: «و تثبت العدّة. إلخ».

(1) هذه المسألة متفرّعة على أن النفقة على الحامل هل هي لها أو للحمل؟

فقال الشيخ (1): هي للحمل، فيجب على غير المطلّقة إذا كانت حاملا حيث يلحق الولد بالواطئ، لأن نفقة ولده واجبة عليه و إن لم تكن أمّه زوجة. و على القول بأنها للحامل فلا نفقة هنا، لأن الموطوءة للشبهة ليست زوجة. و قد تقدّم (2) الكلام في توجيه القولين.

و المصنّف- (رحمه الله)- استشكل وجوب النفقة هنا تفريعا على كونها للحمل. و منشأ الاشكال ممّا ذكر، و من إمكان أن يقال: إن وجوب نفقة البائن على خلاف الأصل فيقتصر فيها على مورد النصّ (3) و هو المطلّقة الحامل، فلا يتعدّى إلى غيرها. و كون النفقة للحمل ليس المراد منه أنها عليه حقيقة، لأنه لا يحتاج إلى هذا الغذاء المخصوص و الكسوة و المسكن الخاص، و إنما المراد أنها تجب للحامل لأجله. و حينئذ فيختصّ بمورد النصّ و هو المطلّقة، و قد تقدّم (4) بعضه.

____________

(1) المبسوط 6: 28.

(2) في ج 8: 451.

(3) في الصفحة السابقة.

(4) في الصفحة السابقة.

323

[فروع في سكنى المطلّقة]

فروع في سكنى المطلّقة:

[الأول: لو انهدم المسكن أو كان مستعارا أو مستأجرا]

الأول: لو انهدم المسكن (1) أو كان مستعارا أو مستأجرا فانقضت المدّة جاز له إخراجها، و لها الخروج، لأنه إسكان غير سائغ. و لو طلّقت في مسكن دون مستحقّها جاز لها الخروج عند الطلاق إلى مسكن يناسبها. و فيه تردّد.

____________

قوله: «لو انهدم المسكن. إلخ».

(1) قد عرفت أن على المطلّقة ملازمة مسكن الطلاق مع الاختيار، فلو عرض له انهدام لا يقبل الإصلاح و هي ساكنة فيه جاز إخراجها إلى غيره. و كذا لو كان مستعارا و رجع المعير فيها، أو مستأجرا و انقضت مدّة الإجارة. لكن في هذين يجب على الزوج أن يطلبه من المالك و لو بأجرة توصّلا إلى تحصيل الواجب بحسب الإمكان، فإن امتنع أو طلب أزيد من أجرة المثل نقلها إلى مسكن آخر.

و أوجب جماعة (1) تحرّي الأقرب إلى المسكن المنتقل عنه فالأقرب اقتصارا في الخروج المشروط بالضرورة على موردها. و هو حسن.

و متى نقلها ثمَّ بذلك المنزل الأول مالكه ففي وجوب ردّها إليه وجهان، من أن جواز الخروج عنه مشروط بالضرورة و قد زالت، و من سقوط اعتباره حيث أذن في الخروج منه. و الغرض الذاتي منه ملازمة المرأة للمسكن من غير أن تخرج، و هو حاصل في الثاني، و في عودها إلى الأول منافاة للمقصود كانتقالها عنه. و المتّجه عدم وجوب إعادتها إليه.

و إنما يجب عليها الإقامة في المسكن الذي طلّقت فيه إذا كان لائقا بها عادة، فلو كان دون مستحقّها و كانت راضية به زمن الزوجيّة لم يجب عليها الرضا

____________

(1) راجع المبسوط 5: 255، و المهذّب 2: 324.

مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام، ج9، ص: 324

..........

____________

به بعد الطلاق، بل لها المطالبة بمسكن يليق بها، كما أنه لو كان قد أسكنها زمن الزوجيّة في منزل رحب يزيد عن عادتها فله نقلها منه بعد الطلاق إلى منزل يليق بها. و على القول بوجوب تحرّي الأقرب فالأقرب لو كان المسكن خسيسا دون مسكن مثلها و أمكن جبره- بأن يضمّ إليه حجرة من الدار أو مرفقا بحيث يصير به صالحا لمثلها- لم يجز إخراجها منه إلى غيره، لأن هذه الضميمة مع بقائها فيه أقرب إلى المقصود من مراعاة عدم الخروج.

و المصنّف تردّد في جواز خروجها إلى مسكن يليق بها إذا كانت وقت الطلاق في الأدون راضية به. و وجه التردّد: ممّا ذكر، و من عموم (1) النهي عن إخراجهنّ من بيوتهنّ و عن خروجهنّ منه الشامل لموضع النزاع. و الوجه هو الأول.

و المعتبر فيما يليق بها منه ما تقدّم (2) بحثه في باب النفقات، لكن يزيد هنا اعتبار انفرادها عن الزوج، فلو كان بيتا واحدا يليق بها لكن الزوج كان ساكنا معها قبل الطلاق وجب عليه الخروج عنها إن كان الطلاق بائنا حيث تجب لها السكنى، لتحريم الخلوة بالأجنبيّة. و إن كان الطلاق رجعيّا فظاهر الأصحاب عدم وجوب انفرادها، لأنّها بمنزلة الزوجة. و يشكل بأن التمتّع بها بالنظر و غيره إنما يجوز بنيّة الرجعة لا مطلقا، فهي بمنزلة الأجنبيّة في أصل تحريمه و إن كان حكمه أضعف، فتكون الخلوة بها محرّمة كغيرها. و الأصل في تحريم الخلوة بالأجنبيّة قول النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلّم): «لا يخلونّ رجل بامرأة فإن

____________

(1) الطلاق: 1.

(2) في ج 8: 460.

324

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

325

[الثاني: لو طلّقها ثمَّ باع المنزل]

الثاني: لو طلّقها ثمَّ باع (1) المنزل، فإن كانت معتدّة بالأقراء لم يصحّ البيع، لأنها تستحقّ سكنى غير معلومة، فتتحقّق الجهالة. و لو كانت معتدّة بالشهور صحّ، لارتفاع الجهالة.

____________

ثالثهما الشيطان» (1). و هذه المسألة من المهمّات، و لم يذكرها الأصحاب في باب النكاح، و أشاروا إليها في هذا الباب.

و المعتبر من الخلوة المحرّمة أن لا يكون معهما ثالث من ذكر أو أنثى بحيث يحتشم جانبه و لو زوجة أخرى أو جارية أو محرم له. و ألحق بعضهم بخلوة الرجل بالمرأة خلوة الاثنين فصاعدا بها دون خلوة الواحد بنسوة. و فرّقوا بين الأمرين بأن استحياء المرأة من المرأة أكثر من استحياء الرجل من الرجل.

و لا يخلو ذلك من نظر.

و حيث يحرم عليه مساكنتها و الخلوة بها يزول التحريم بسكنى كلّ واحد منهما في بيت في الدار الواحدة بشرط تعدّد المرافق، فلو كانت مرافق حجرتها- كالمطبخ و المستراح و البئر و المرقى إلى السطح- متّحدة في الدار لم يجز بدون الثالث، لأن التوارد على المرافق يفضي إلى الخلوة. و حكم السفل و العلوّ حكم الدار و الحجرة. و لو كان البيت متّحدا لكنّه واسع فبنى بينهما حائلا جاز إن كان ما يبقى لها سكنى مثلها. ثمَّ إن جعل باب ما يسكنه خارجا عن مسكنها لم يفتقر إلى ثالث، و إن جعله في مسكنها لم يجز إلّا به، لإفضائه إلى الخلوة بها وقت المرور.

قوله: «لو طلّقها ثمَّ باع .. إلخ».

(1) إذا باع الزوج الدار التي استحقّت المطلّقة سكناها، فإن كانت معتدّة

____________

(1) مسند الطيالسي: 7، مسند الحميدي 1: 20 ح 32، مسند أحمد 1: 26، مسند عبد بن حميد: 37 ح 23، مسند الشهاب للقضاعي 2: 90 ح 946، سنن البيهقي 7: 91.

326

..........

____________

بالأقراء أو بوضع الحمل لم يصحّ البيع ما لم تنقض العدّة، لأن مدّة الأقراء و الحمل مجهولة و إن كان لها عادة مستقيمة في الأقراء و الحمل، لأن تغيّر العادة أمر ممكن، فهو كما لو باع دارا و استثنى منفعتها مدّة مجهولة. و لو كانت تعتدّ بالأشهر فقد قطع المصنّف بجواز البيع معلّلا بارتفاع الجهالة، كما لو باع الدار الموجودة مدّة معيّنة، لتعلّق حقّ الغير بالمنفعة مدّة مضبوطة. هذا حاصل ما ذكروه من الفرق بين الأمرين.

و يشكل الحكم في كلّ منهما:

أما الأول فلأن الاختلاف الحاصل أو الممكن مع اعتيادها استقامة الحيض قدر يسير قد لا تضرّ جهالته حيث تكون المنفعة في زمانه تابعة للمعلوم، كما جوّزوا تبعيّة المجهول للمعلوم في البيع حيث يكون المجهول تابعا. نعم، هذا يجري على يقول من لا يصحّح بيع المجهول مطلقا، و المصنّف منهم كما نبّه عليه في بابه (1)، فلذا أطلق هنا.

و أما الثاني فيمكن مساواته للأول في احتمال الجهالة، لأن المعتدّة بالأشهر قد تتوقّع الحيض في أثنائها فينتقل إليها كما سبق (2)، فيكون تقيّد عدّتها بالأشهر غير معلوم. و هذا الاحتمال لا يزول عندنا، لأن الصغيرة و اليائسة لا عدّة عليهما، و من هي في سنّ المحيض- بأن بلغت التسع و لم تكن يائسة- يمكن في كلّ وقت حيضها و إن لم يكن غالبا. و مع ذلك فيمكن طروّ الموت في أثناء العدّة فتبطل و ترجع المنفعة إلى ملك الزوج إن كانت هي الميّتة أو إلى ورثته إن كان

____________

(1) في ج 3: 175.

(2) في ص: 237.

327

..........

____________

الميّت هو، فلا وثوق بخروج المنفعة عن ملكه مدّة العدّة. و بهذا يفرّق بين بيع العين المؤجرة مدّة معلومة و بين بيع هذه الدار، لأن منافع العين المؤجرة ملك للمستأجر، ألا ترى أنه لو مات كانت لورثته، بخلاف المعتدّة، فإنها لا تملك منفعة الدار، و لهذا لو ماتت كانت منافعها بقيّة المدّة للزوج. و يمكن أن يلتزم هنا عود المنفعة إلى الزوج دون المشتري، و تكون المنفعة زمن العدّة مستثناة عن المشتري مطلقا. و يبقى الإشكال الأول.

و لو قلنا بصحّة البيع لذات الأشهر فحاضت في أثنائها و انتقلت عدّتها إلى الأقراء، فإن انقضت عدّتها بها في مقدار الأشهر أو أقلّ فلا اعتراض للمشتري.

و كان البحث في بقيّة الأشهر- هل تنتقل منفعتها إلى المشتري أو إلى البائع؟- كما لو ماتت في أثنائها. و الأظهر انتقالها إلى البائع، لأنها كالمستثناة له مدّة معلومة.

و لو انقضت (1) العدّة بالأقراء أكثر من الأشهر قدّمت الزوجة بالباقي، لسبق حقّها. و في تخيير المشتري في الفسخ و الإمضاء حينئذ وجهان، من فوات بعض حقّه فكان كتبعّض الصفقة، و من قدومه على ذلك، فإنه كما يمكن بقاء استحقاقها طول المدّة باستمرارها على عدم الحيض يحتمل نقصانه عنها و زيادته بالتغيّر الطارئ. و تصحيح البيع للبناء على الغالب أو على أصالة عدم التغيّر لا يوجب تعيّنه.

و الأقوى الفرق بين من يعلم بالحكم و غيره، فيتخيّر الثاني دون الأول، لأن خيار تبعّض الصفقة مشروط بجهل ذي الخيار بما يقتضي التبعّض.

و ربما استثني من عدم صحّة بيع المسكن- حيث لا نصحّحه- ما لو بيع

____________

(1) في «ح، ش»: اتّفقت.

328

[الثالث: لو طلّقها ثمَّ حجر عليه الحاكم]

الثالث: لو طلّقها ثمَّ حجر عليه الحاكم (1) قيل: هي أحقّ بالسكنى، لتقدّم حقّها على الغرماء. و قيل: تضرب مع الغرماء بمستحقّها من أجرة المثل. [و الأول أشبه]. أما لو حجر عليه ثمَّ طلّق كانت أسوة مع الغرماء، إذا لا مزيّة [لها].

____________

على المطلّقة، لاستحقاقها حينئذ جميع المنفعة من حين الشراء و إن كان بعضه بالشراء و بعضه بالزوجيّة، فإن ذلك لا يقدح، كما لو باع ما يملك و ما لا يملك مع الجهل بقسط ما صحّ فيه البيع حالته. و قد تقدّم البحث في نظير المسألة في كتاب السكنى (1) إذا بيع المسكن مدّة معلومة أو مجهولة كالمقترن بالعمر، و حقّقنا القول فيه، فليراجع ثمَّ.

قوله: «لو طلّقها ثمَّ حجر عليه الحاكم. إلخ».

(1) إذا طلّقها و هي في مسكن مملوك للزوج ثمَّ أفلس و حجر عليه، فإن كان المسكن هو المستثنى له في الدّين فلا اعتراض عليها بوجه، بل تبقى فيه إلى انقضاء العدّة ثمَّ ترجع منفعته إلى الزوج. و إن كان فاضلا عنه بحيث يباع في الدّين بقي لها فيه حقّ السكنى مقدّما على الغرماء، لتقدّم حقّها في العين عليهم، لأن حقّهم لم يتعلّق بأعيان أمواله إلّا بعد الحجر. و كذا لو مات و عليه ديون، فتقدّم به على الورثة، لأن حقّها متعلّق بعين المسكن كحقّ المكتري و المرتهن. و يأتي في جواز بيع الحاكم رقبته لأجل الدّين ما مرّ (2) من التفصيل في بيع المطلّق له.

____________

(1) في ج 5: 427.

(2) في ص: 325.

329

..........

____________

و القول بتقديمها على الغرماء هو المشهور بين الأصحاب و غيرهم، لم ينقل أحد فيه خلافا، و لكن المصنّف نقل عن بعضهم أنها تضرب مع الغرماء بأجرة المثل. و وجهه: أن حقّها في السكنى تابع للزوجيّة السابقة، و لهذا كان مشروطا بشروطها من بقائها على الطاعة و التمكين و غيره من الشرائط، فلا يكون حقّها أزيد من حقّ الزوجة، و الزوجة إنما تستحقّ السكنى يوما فيوما، و على تقدير الحجر عليه لا تستحقّ السكنى إلّا يوم القسمة خاصّة، فإذا بقي من استحقاقها في السكنى شيء ضربت به مع الغرماء (1) كالدّين، لأنه متعلّق بذمّة الزوج و إن اختصّ برقبة المسكن الخاص.

و جوابه: أن حقّ الزوجة في الإسكان و النفقة في مقابلة الاستمتاع، فكان متجدّدا بتجدّده، بخلاف حقّ المطلّقة، فإنه ثابت بالطلاق لمجموع العدّة لا في مقابلة شيء و إن كان مشروطا بشرائط نفقة الزوجة، و من ثمَّ وجب لها في البائن على بعض الوجوه.

هذا كلّه إذا تقدّم الطلاق على الحجر. أما لو حجر عليه أولا ثمَّ طلّقها ضاربت بأجرة المثل مع الغرماء، إذ لا مزيّة لها عليهم. و ليس ذلك كدين يحدث بعد الحجر لا يزاحم صاحبه الغرماء، لأن حقّها و إن كان حادثا فهو مستند إلى سبب متقدّم و هو النكاح. و أيضا فإنه حقّ يثبت لها بالطلاق من غير اختيارها، فأشبه ما إذا أتلف المفلس مالا على إنسان، فإنه يزاحم الغرماء.

____________

(1) كذا في هامش «و» بعنوان «ظاهرا» و هو الصحيح، و فيما لدينا من النسخ و الحجريّتين: مع الورثة.

330

[الرابع: لو طلّقها في مسكن لغيره]

الرابع: لو طلّقها في مسكن (1) لغيره استحقّت السكنى في ذمّته، فإن كان له غرماء ضربت مع الغرماء بأجرة مثل سكناها. فإن كانت معتدّة بالأشهر فالقدر معلوم. و إن كانت معتدّة بالأقراء أو بالحمل ضربت مع الغرماء بأجرة سكنى أقلّ الحمل أو أقلّ الأقراء، فإن اتّفق و إلّا أخذت نصيب الزائد. و كذا لو فسد الحمل قبل أقلّ المدّة رجع عليها بالتفاوت.

____________

قوله: «لو طلّقها في مسكن. إلخ».

(1) ما سبق حكم ما إذا كان المسكن ملكا للزوج. أما لو طلّقها و هي في مسكن لغيره بعارية أو بأجرة ضاربت بالأجرة، سواء كان الطلاق قبل الحجر أم بعده، لأن حقّها هنا مرسل غير متعلّق بعين، بخلاف ما إذا كان المسكن له، فإنها تستحقّه بخصوصه فتقدّم به. و هذا الفرق يتمّ مع كون المسكن بإعارة مطلقا أو بأجرة المثل من غير عقد، أما لو كان قد استأجره مدّة معيّنة و أسكنها فيه لم يظهر الفرق بينه و بين ما يملك رقبته. و ما يقال من تقديمها هنا بأقلّ المدّة أو غيره مشترك. و اللائح من الفرق الذي ذكروه- من كون السكنى في ذمّته لا تتعلّق بعين مخصوصة- اختصاصه بما لو لم يكن المسكن موجرا مدّة معيّنة، لأنه لو كان كذلك فطلّقها فيه اختصّت به و لم يجز إخراجها منه، لعدم المقتضي.

إذا تقرّر ذلك فمتى وقعت الحاجة إلى المضاربة بالحصّة، فإن كانت ممّن تعتدّ بالأشهر فالقدر الذي تضارب به معلوم، لأنه أجرة تمام ثلاثة أشهر. و إن كانت ممّن تعتدّ بالأقراء أو بوضع الحمل نظر إن لم يكن لها عادة في الأقراء أو في مدّة الحمل أخذت باليقين، فتضارب بأجرة أقلّ مدّة يمكن انقضاء الأقراء فيها. و قد تقدّم (1) ما يعلم به الأقلّ. و الحامل تضارب بأجرة ما بقي من أقلّ مدّة

____________

(1) في ص: 225.

331

..........

____________

للحمل و هي ستّة أشهر من يوم العلوق، لأن استحقاق الزيادة مشكوك فيه. و إن كان لها عادة غالبة فالأشهر أن حكمها كذلك. و لو قيل هنا بجواز الضرب بمقدار العادة الغالبة- و هي ما بقي من ثلاثة أشهر لذات الأقراء و تسعة أشهر للحامل- كان وجها، لأن الأصل و الظاهر استمرار عادتها.

و الفرق بين ما نحن فيه حيث بنينا المضاربة على الأخذ بالأقلّ أو بغالب العادة و لم نبن الأمر في بيع المسكن على ذلك- بل قطع بالبطلان إذا كانت تعتدّ بالأقراء أو بوضع الحمل- أنّا و إن أخذنا بالظاهر هناك، فإن استحقاقها لجميع مدّة العدّة ثابت، و احتمال الزيادة و النقصان قائم، و بذلك تطرّق الجهل إلى المبيع، إذ لا يدري المشتري متى يستحقّ المنفعة، و الجهالة تمنع صحّة البيع، و هنا الجهالة تقع في القسمة، فلا يدرى أن ما أخذه كلّ واحد هو قدر حصّته أم لا، و هي لا تمنع صحّة القسمة، و لهذا لو قسّم مال المفلّس بين غرمائه فظهر غريم آخر لا تستأنف القسمة بل يرجع على كلّ واحد بالحصّة.

و إذا ضاربت بأجرة مدّة و انقضت المدّة على وفق تلك المضاربة رجعت على المفلّس بالباقي من الأجرة عند يساره كباقي ديون الغرماء بعد المضاربة.

و لو امتدّت العدّة و زادت على مدّة المضاربة رجعت على الغرماء بأجرتها، لأنه تبيّن استحقاقها الزيادة، فأشبه ما إذا ظهر غريم آخر. و لها أن ترجع به على المفلّس إذا أيسر. و يحتمل عدم رجوعها على الغرماء بل على المفلّس خاصّة، لأنّا قدّرنا حقّها بما أعطيناها مع تجويز استحقاق الزيادة فلا يتغيّر الحكم، و يخالف الغريم الذي ظهر، فإنّا لم نشعر بحاله أصلا. و ربما فرّق بعضهم بين الحامل و ذات الأقراء، فإن الحمل محسوس تقوم البيّنة عليه، و الأقراء لا تعرف

332

[الخامس: لو مات فورث المسكن جماعة]

الخامس: لو مات فورث المسكن (1) جماعة لم يكن لهم قسمته إذا كان بقدر مسكنها إلّا بإذنها أو مع انقضاء عدّتها، لأنها استحقّت السكنى فيه على صفته.

و الوجه أنه لا سكنى لها بعد الوفاة ما لم تكن حاملا.

____________

إلّا من قولها، فلو مكّنت من الرجوع لم يؤمن أن تدّعي تباعد الحيض طلبا للزيادة. و وجه المشهور: أنها مصدّقة في ذلك شرعا، فيكون قولها كقيام البيّنة.

و متى ضاربت بالأجرة استوجر بحصّتها المنزل الذي وجبت فيه العدّة، فإن تعذّر اعتبر القرب كما تقدّم (1).

و لو فرض انقضاء العدّة قبل تمام المدّة التي بنت (2) عليها المضاربة، لفساد الحمل حيث أجّلها بالأقلّ أو عجّلت الأقراء حيث يعتبر الأغلب، ردّت الفضل على الغرماء و رجعت على الزوج المفلّس بما تقتضيه المحاصّة للمدّة التي انقضت العدّة فيها كما مرّ.

و اعلم أنه لا فرق في هذه المسائل بين أجرة المسكن و النفقة، فتضارب الغرماء عند إفلاس الزوج بالنفقة و السكنى جميعا. بل المضاربة بالنفقة ثابتة على كلّ حال، بخلاف المسكن، فإنها قد تختصّ به، فلذلك أفردوه بالذكر. و القول في كيفيّة المضاربة و الرجوع على ما مضى.

قوله: «لو مات فورث المسكن. إلخ».

(1) إذا مات الزوج في خلال العدّة و قلنا بعدم سقوط حقّها من السكنى بموته،

____________

(1) في ص: 323.

(2) في «ح»: تثبت، و في «م»: ثبت.

333

..........

____________

إما مطلقا على ما يقتضيه كلام الشيخ (1)، أو مع كونها حاملا على قول، و كانت في مسكن مملوك للزوج، لم تقسّمه الورثة حتى تنقضي العدّة إلّا بإذنها أو مع انقضاء عدّتها، لسبق استحقاقها السكنى فيه على صفته من غير أن يقسم، كالدار التي آجرها جماعة من إنسان. هذا إذا ترتّب على قسمتها تغيير صورتها بإقامة الحدود و الجدران. أما لو أرادوا التمييز بخطوط ترسم من غير نقض و بناء فلا مانع منه بناء على جعل القسمة إفراز حقّ، و أما من جعلها بيعا جاء فيه الحكم في بيع مسكن العدّة على ما مرّ (2). و لو لم تكن حاملا أو قلنا إن المتوفّى عنها لا سكنى لها مطلقا فلا مانع من قسمتها كغيرها من أمواله.

و اعلم أن تنزيل هذه المسألة على أصولنا على القولين مشكل. أما على القول بعدم استحقاق المتوفّى عنها مطلقا فظاهر، لأن حقّ المطلّقة بموت الزوج يسقط من السكنى و النفقة. و أما على القول بوجوب نفقتها إذا كانت حاملا- كما ذهب إليه الشيخ (3)- فإنما يجب من نصيب الحمل على ما صرّح به الشيخ و الرواية (4) التي هي مستند الحكم لا من مال الميّت مطلقا، و الفرض في المسألة تعدّد الوارث، و حينئذ فلا تتقدّم بحقّ السكنى على إرثهم من المسكن، إذ لا حقّ لها في نصيبهم بل في نصيب الحمل منه خاصّة، فلا يتمّ تقديمها بالمسكن مطلقا، و لا تفريع عدم جواز القسمة، بل غايته أن تطلب السكنى من حقّ ولدها كما تطلب النفقة، و ذلك لا ينحصر في مسكن الطلاق، و إنما هذا حكم مختصّ

____________

(1) المبسوط 5: 256.

(2) في ص: 325.

(3) النهاية: 537.

(4) لاحظ الوسائل 15: 236 ب (10) من أبواب النفقات ح 1.

334

[السادس: لو أمرها بالانتقال فنقلت رحلها و عيالها]

السادس: لو أمرها بالانتقال (1) فنقلت رحلها و عيالها، ثمَّ طلّقت و هي في الأول، اعتدّت فيه.

و لو انتقلت و بقي عيالها و رحلها، ثمَّ طلّقت، اعتدّت في الثاني.

و لو انتقلت إلى الثاني، ثمَّ رجعت إلى الأول لنقل متاعها، ثمَّ طلّقت، اعتدّت في الثاني، لأنه صار منزلها.

و لو خرجت من الأول فطلّقت قبل الوصول إلى الثاني، اعتدّت في الثاني، لأنها مأمورة بالانتقال إليه.

____________

بالمطلّقة حيث تستحقّ ذلك على الزوج.

و الأصل في هذه المسألة أن مذهب بعض الشافعيّة (1) وجوب السكنى في عدّة الوفاة كما تجب في غيرها من العدد البائنة و الرجعيّة، و لا يخصّون الحكم بالرجعيّة كما يذهب إليه أصحابنا، و جعلوا حقّ السكنى من التركة، و عليه يتفرّع ما ذكر هنا. فتابعهم الشيخ في العبارة من غير تقييد بما يناسب مذهبه. و قيّدها المصنّف و العلّامة (2) بكونها حاملا. و ذلك يتمّ في استحقاق أصل السكنى لا في صفتها، للفرق بين سكنى المطلّقة و المتوفّى عنها الحامل على ما رأيت.

قوله: «لو أمرها بالانتقال .. إلخ».

(1) قد عرفت أن من استحقّت السكنى من المعتدّات تسكن في المسكن الذي كانت فيه عند الطلاق إلّا أن يمنع منه مانع. فلو انتقلت من مسكن إلى آخر ثمَّ طلّقها الزوج، فإن كان الانتقال بغير إذنه فعليها أن تعود إلى الأول مطلقا. و لو أذن

____________

(1) الحاوي الكبير 11: 258.

(2) راجع تحرير الأحكام 2: 76.

335

..........

____________

لها بعد الانتقال في أن تقيم في المنتقلة إليه كان كما لو انتقلت إليه بعد الطلاق بإذنه فإن جوّزناه جاز هنا و إلّا فلا. و لو انتقلت بإذنه ثمَّ طلّق (1) اعتدّت في المنتقلة إليه، فإنّه المسكن عند الفراق. و إن خرجت من الأول و لم تصل إلى الثاني فطلّقها فالأصحّ أنها تعتدّ في الثاني، لأنها مأمورة بالمقام فيه ممنوعة من غيره.

و لا فرق بين كونه بعد الطلاق أقرب إليها من الأول و عدمه.

و الاعتبار في الانتقال بالبدن لا بالأمتعة و الخدم، حتى لو كانت قد انتقلت إلى المسكن الثاني بنفسها و لم تنقل الرحل و الأمتعة فمسكنها الثاني، و لو نقلت الأمتعة و لم تنتقل هي فالمسكن الأول، كما أن حاضر المسجد من هو بمكّة لا من رحله و أمتعته بمكّة. و عند أبي حنيفة (2) الاعتبار بالأمتعة لا بالبدن، فالحكم عنده على العكس.

و لو أذن لها في الانتقال ثمَّ طلّقها قبل أن تخرج من المسكن لم يجز لها الخروج، لأنّ العدّة وجبت فيه. و لو انتقلت إلى المسكن الثاني ثمَّ عادت إلى الأول لنقل متاع و غيره فطلّقها فالمسكن الثاني و تعتدّ فيه، و هو كما لو خرجت عن المسكن لحاجة فطلّقها و هي خارجة. هذا إذا كانت قد دخلت الثاني دخول قرار.

أما إذا لم تدخله على وجه القرار بل كانت متردّدة بينهما و تنقل أمتعتها، فإن طلّقها و هي في المسكن الثاني اعتدّت فيه. و إن طلّقها و هي في الأول ففيه وجهان، و ظاهر العبارة اعتدادها في الثاني مطلقا، إذ لم يقيّد الحكم بكون الانتقال على وجه القرار.

____________

(1) في «و»: طلّقت.

(2) راجع الحاوي الكبير 11: 259- 260.

336

[السابع: البدويّة تعتدّ في المنزل الذي طلّقت فيه]

السابع: البدويّة تعتدّ (1) في المنزل الذي طلّقت فيه، فلو ارتحل النازلون به رحلت معهم، دفعا لضرر الانفراد. و إن بقي أهلها فيه أقامت معهم ما لم يتغلّب الخوف بالإقامة. و لو رحل أهلها و بقي من فيه منعة، فالأشبه جواز النقلة، دفعا لضرر الوحشة بالانفراد.

[الثامن: لو طلّقها في السفينة]

الثامن: لو طلّقها في السفينة (2)، فإن لم تكن مسكنا أسكنها حيث شاء، و إن كانت مسكنا اعتدّت فيها.

____________

قوله: «البدويّة تعتدّ .. إلخ».

(1) منزل البدويّة و بيتها من صوف و شعر كمنزل الحضريّة من طين و حجر، فإذا لزمتها العدّة فيه فعليها ملازمته.

ثمَّ إن كانت البدويّة من حيّ نازلين على ماء لا ينتقلون عنه و لا يظعنون إلّا لحاجة فهي كالحضريّة من كلّ وجه. و إن كانت من حيّ ينتقلون عنه، فإن ارتحلوا جميعا ارتحلت معهم للضرورة. و إن ارتحل بعضهم نظر إن كان أهله ممّن.

لم يرتحل و في الذين لم يرتحلوا قوّة و عدد فليس لها الارتحال. و إن كان أهلها ممّن يرتحل و في الباقين قوّة و عدد فوجهان: أحدهما أنه ليس لها الارتحال و تعتدّ هناك، لتيسّره، فتدخل في عموم قوله تعالى لٰا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَ لٰا يَخْرُجْنَ (1). و أصحّهما أنها تتخيّر بين أن تقيم و بين أن ترتحل، لأن مفارقة الأهل عسرة موحشة، فتكون ضررا يستثنى معه المفارقة للمنزل.

قوله: «لو طلّقها في السفينة. إلخ».

(2) إذا طلّقها و هي في السفينة، فإن ركبتها مسافرة و لم تكن منزل أمثالها فهو كما لو طلّقها مسافرة، فيسكنها حيث شاء بعد قضاء وطرها الضروري من السفر.

____________

(1) الطلاق: 1.

337

[التاسع: إذا سكنت في منزلها و لم تطالب بمسكن]

التاسع: إذا سكنت في منزلها (1) و لم تطالب بمسكن فليس لها المطالبة بالأجرة، لأن الظاهر منها المتطوّع بالأجرة. و كذا لو استأجرت مسكنا فسكنت فيه، لأنها تستحقّ السكنى حيث يسكنها لا حيث تتخيّر.

____________

و إن كان مسكنا لها- بأن كان ملّاحا و لا منزل له سوى السفينة- كانت السفينة في حقّه بمنزلة الدار للحضري. فإن اشتملت على بيوت متميّزة المرافق اعتدّت في بيت منها معتزلة عن الزوج، و سكن الزوج بيتا آخر، و كانت كدار فيها حجر منفردة المرافق. و إن كانت صغيرة نظر إن كان معها محترم (1) يدفع الخلوة المحرّمة اعتدّت فيها. و لو أمكن خروجه منها مع انتفاء الضرر بخروجه- بحيث يبقى فيها من يمكنه معالجتها- وجب، كما تقدّم (2) في البيت الواحد. و حيث تعتدّ خارجها يجب تحرّي أقرب المنازل الصالحة لها إلى الشطّ، كما تقدّم (3) في ضرورة الخروج من منزل الطلاق.

قوله: «إذا سكنت في منزلها. إلخ».

(1) إذا طلّقها و وجب عليه السكنى، فإن كانت في منزله فخرجت منه إلى مسكنها بغير إذنه فلا إشكال في عدم استحقاقها عليه أجرة المسكن، نوت الرجوع أم لم تنو. و إن كانت ساكنة من قبل في مسكنها- مسامحة له حال الزوجيّة في المسكن، أو غير مسامحة- فطلّقها و استمرّت في مسكنها، فإن نوت التبرّع فلا شبهة في عدم جواز رجوعها عليه بالأجرة فيما بينها و بين اللّه تعالى.

و إن نوت الرجوع أو لم تنو شيئا ففي صيرورة حقّ السكنى في ذمّته كنفقة

____________

(1) في إحدى الحجريّتين: محرم.

(2) في ص: 324.

(3) في ص: 323.

338

..........

____________

الزوجة و جواز مطالبتها بها، أو عدمه نظرا إلى ظاهر حالها من كونها متطوّعة بها، فلا يقبل منها دعوى نيّة الرجوع، إذ لا رجوع لها لو لم تنو، و يحمل الإطلاق على التبرّع، وجهان جزم المصنّف بعدم رجوعها عملا بالظاهر.

و علّل أيضا بأنها بسكناها في منزلها و عدم مطالبته مع تمكّنها من المطالبة تكون قاضية لدينه بغير إذنه فلا ترجع، كمن قضى دين غيره بغير إذنه و لا إذن شرعي.

و يشكل بأن سكناها من جملة النفقات الواجبة، و هي على حدّ نفقة الزوجة التي تستقرّ في الذمّة بفواتها و يجب قضاؤها، و لا يلزم من سكوتها أن تكون قاضية دينه بغير إذنه، و إلّا لم تستحقّ نفقة إذا امتنع من الإنفاق عليها و هي زوجة فأنفقت على نفسها، فإنها حينئذ تكون قاضية دينه بغير إذنه مع وجوب قضائها إجماعا. و دعوى كون الظاهر من حالها التبرّع متخلّف فيما إذا صرّحت بقصد الرجوع، اللهم إلّا أن يجعل ذلك من قبيل نفقة الأقارب لا نفقة الزوجة، لخروجها عن الزوجيّة، و أن الغرض من سكناها تحصين مائه على موجب نظره و احتياطه و لم يتحقّق، فكانت بذلك مشبهة لنفقة الأقارب التي غايتها المعونة لا المعاوضة.

و قد يفرّق أيضا بين السكنى و النفقة بأن السكنى لكفاية الوقت و قد مضى، و المرأة لا تتملّك المسكن و لها تملّك الانتفاع به، و النفقة عين تملك و تثبت في الذمّة.

و ينتقض هذا الفرق بكسوة الزوجة على القول الأصحّ من أنه إمتاع، و بسكناها، فإنه لا يستلزم عدم قضائهما لها.

339

[المسألة الثالثة: لا نفقة للمتوفّى عنها زوجها]

المسألة الثالثة: لا نفقة للمتوفّى عنها [زوجها] (1) و لو كانت حاملا.

و روي أنه ينفق عليها من نصيب الحمل. و في الرواية بعد. و لها أن تبيت حيث شاءت.

____________

و الأقوى ثبوت الأجرة عليه ما لم تتبرّع، لأن حقّها ثابت لها فلا يسقط إلّا بأدائه إليها أو إسقاطها صريحا أو علم التبرّع. و كذا القول فيما لو استأجرت مسكنا فسكنت فيه، إلّا أن اللازم هنا أجرة مثل مسكن يصلح لها عادة لا أجرة ما استأجرته. كلّ ذلك مع عدم خروجها بغير إذنه حيث يكون باذلا لها السكنى. و لو رجعت مع امتناعه إلى الحاكم فأمرها بالاستئجار، أو تعذّر و امتنع الزوج، فلا إشكال في الثبوت.

و تعليله عدم الاستحقاق بأنها إنما تستحقّ حيث يسكنها لا حيث تتخيّر لا يتمّ إلّا مع بذله لها السكنى، أما مع سكوته عنها فلا، و مع ذلك لا (1) يردّ الأمر إلى تخييرها بل إلى حقّها الكلّي المستقرّ في ذمّته بفواته و إن لم تطالب به، و تخيّرها في المسكن على هذه الحالة لا يسقط حقّها. نعم، لا يوجب أجرة المسكن المعيّن، و نحن نقول بموجبة.

قوله: «لا نفقة للمتوفّى عنها زوجها .. إلخ».

(1) المشهور بين الأصحاب أن نفقة المعتدّة مختصّة بالرجعيّة و البائن الحامل. و أما المتوفّى عنها فإن كانت حائلا فلا نفقة لها إجماعا. و إن كانت حاملا فلا نفقة لها في مال المتوفّى أيضا كذلك. و هل تجب في نصيب الولد؟

اختلف الأصحاب في ذلك بسبب اختلاف الروايات، فذهب الشيخ في النهاية (2)

____________

(1) في «ش» و الحجريّتين: فلا.

(2) النهاية: 537.

340

..........

____________

و جماعة (1) من المتقدّمين إلى الوجوب. و للشيخ (2) قول آخر بعدمه، و هو مذهب المتأخّرين (3)، للأصل، و قوله (صلى اللّه عليه و آله): «إنما النفقة للتي يملك زوجها رجعتها» (4). و الحق بها المطلّقة البائن بدليل خارجي فيبقى الباقي. و لحسنة الحلبي عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: «الحبلى المتوفّى عنها زوجها لا نفقة لها» (5). و رواية أبي الصبّاح الكناني عن الصادق (عليه السلام) قال: «في المرأة الحامل المتوفّى عنها زوجها هل لها نفقة؟ قال: لا» (6). و رواية زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «في المرأة الحامل المتوفّى عنها زوجها هل لها نفقة؟ قال: لا» (7) و غيرها من الأخبار.

و احتجّ الأوّلون بصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال:

«المتوفّى عنها زوجها ينفق عليها من ماله» (8) قال الشيخ (9)- (رحمه الله)-:

____________

(1) راجع الكافي في الفقه: 313، المهذّب 2: 319، الوسيلة: 329.

(2) الخلاف (طبعة كوشانپور) 2: 308 مسألة (20)، المبسوط 5: 251.

(3) راجع السرائر 2: 738، قواعد الأحكام 2: 75، إيضاح الفوائد 3: 368- 369.

(4) تقدّم ذكر مصادره في ص: 318، هامش (4).

(5) الكافي 6: 114 ح 3، التهذيب 8: 151 ح 522، الاستبصار 3: 345 ح 1229، الوسائل 15: 234 ب (9) من أبواب النفقات ح 1.

(6) الكافي 6: 115 ح 8، التهذيب 8: 150 ح 521، الاستبصار 3: 344 ح 1228، الوسائل الباب المتقدّم ح 2.

(7) الكافي 6: 115 ح 9، التهذيب 8: 151 ح 523، الاستبصار 3: 345 ح 1230، الوسائل الباب المتقدّم ح 3.

(8) الكافي 6: 120 ح 4، التهذيب 8: 151 ح 525، الاستبصار 3: 345 ح 1232، الوسائل 15:

235 ب (9) من أبواب النفقات ح 4.

(9) التهذيب 8: 151 ذيل ح 525، الاستبصار 3: 345 ذيل ح 1232.

341

[المسألة الرابعة: لو تزوّجت في العدّة لم يصحّ]

المسألة الرابعة: لو تزوّجت في العدّة (1) لم يصحّ، و لم تنقطع عدّة الأول.

فإن لم يدخل [بها] الثاني فهي في عدّة الأول. و أو وطئها الثاني عالما بالتحريم فالحكم كذلك، حملت أو لم تحمل. و لو كان جاهلا و لم تحمل أتمّت عدّة الأول، لأنها أسبق، و استأنفت أخرى للثاني على أشهر الروايتين.

____________

الضمير في «ماله» راجع إلى الولد، لأن الحائل لا نفقة لها إجماعا، فالمراد الحامل، و إنما قلنا برجوع الضمير إلى الولد لما رواه أبو الصبّاح الكناني عن الصادق (عليه السلام) قال: «المرأة الحبلى المتوفّى عنها زوجها ينفق عليها من مال ولدها الذي في بطنها» (1).

و المصنّف- (رحمه الله)- استبعد هذه الرواية من غير أن يستضعفها، لأن طريقها صحيح. و وجه البعد: أن ملك الحمل مشروط بانفصاله حيّا، فقبله لا مال له في الميراث و لا في غيره. مع أنها معارضة بصحيحة محمد بن مسلم أيضا عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «سألته عن المتوفّى عنها زوجها إلها نفقة؟ قال: لا، ينفق عليها من مالها» (2). و ترك الاستفصال يفيد العموم.

و نبّه بقوله: «و لها أن تبيت حيث شاءت» على خلاف بعض العامّة (3) حيث جعل سكناها من التركة و تعيينها إلى الوارث، حتى لو لم تكن تركة فعيّن الوارث لها مسكنا لم يكن لها الامتناع.

قوله: «و لو تزوّجت في العدّة. إلخ».

(1) لمّا كان العقد على ذات العدّة باطلا، سواء علم بالحكم أم لم يعلم، فلا عدّة

____________

(1) الكافي 6: 115 ح 10، التهذيب 8: 152 ح 526، الاستبصار 3: 345 ح 1233، الوسائل 15: 236 ب (9) من أبواب النفقات ح 1.

(2) التهذيب 8: 152 ح 527، الاستبصار 3: 346 ح 1234، الوسائل الباب المتقدّم ح 6.

(3) الحاوي الكبير 11: 257- 258، الوجيز 2: 102.

342

..........

____________

له من حيث العقد، لفساده. ثمَّ إن وطئ العاقد و كان عالما فلا عدّة أيضا، لأنه زان و لا حرمة لمائه، فيكتفى بإكمال العدّة الأولى، سواء كانت عدّة طلاق أم وفاة أم غيرهما من أسبابها. و لو كان جاهلا فهو وطء شبهة يوجب العدّة أيضا، فتجتمع عليها عدّتان، فلا تتداخلان على أصحّ القولين، للأصل، و لأنهما حقّان مقصودان كالدّينين، فإن لم تحمل أتمّت عدّة الأول لسبقها و استأنفت أخرى لوطء الشبهة بعد الفراغ من الأولى (1).

و الروايتان اللتان أشار إلى تعارضهما:

إحداهما رواية محمد بن مسلم قال: «قلت: المرأة الحبلى يتوفّى عنها زوجها فتضع و تزوّج قبل أن تعتدّ أربعة أشهر و عشرا، فقال: إن كان الذي تزوّجها دخل بها فرّق بينهما و لم تحلّ له أبدا، و اعتدّت بما بقي عليها من عدّة الأول، و استقبلت عدّة أرى من الآخر ثلاثة قروء، و إن لم يكن دخل بها فرّق بينهما و أتمّت باقي عدّتها، و هو خاطب من الخطّاب» (2). و هذه تؤيّد الحكم بعدم التداخل و إن كانت موقوفة (3).

و الرواية الأخرى الدالّة على تداخل العدّتين و الاكتفاء بواحدة تامّة بعد وطء الأول رواها زرارة في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) في امرأة تزوّجت

____________

(1) كذا في «م» و هو الصحيح، و في سائر النسخ الخطّية و الحجريّتين: الثانية، و في هامش «و»:

السابقة، بعنوان (ظاهرا).

(2) الكافي 5: 427 ح 5، التهذيب 7: 307 ح 1277، الاستبصار 3: 187 ح 680، الوسائل 14: 344 ب (17) من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 2.

(3) هي موقوفة في التهذيبين دون الكافي.

343

..........

____________

قبل أن تنقضي عدّتها، قال: «يفرّق بينهما و تعتدّ عدّة واحدة منهما جميعا» (1).

و روى زرارة أيضا عن أبي جعفر (عليه السلام) في امرأة فقدت زوجها أو نعي إليها فتزوّجت ثمَّ قدم زوجها بعد ذلك فطلّقها قال: «تعتدّ منهما جميعا ثلاثة أشهر عدّة واحدة، و ليس للآخر أن يتزوّجها أبدا» (2). و روى أبو العبّاس عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في المرأة تتزوّج في عدّتها قال: «يفرّق بينهما و تعتدّ عدّة واحدة منهما جميعا» (3).

فهذه الروايات كلّها دالّة على تداخل العدّتين، و هي أوضح إسنادا من السابقة، لكن عمل أكثر الأصحاب على عدم التداخل، فمن ثمَّ جعلها المصنّف- (رحمه الله)- أشهر الروايتين. و الشيخ (4)- (رحمه الله)- جمع بين الروايات (5) بحمل هذه على عدم دخول الثاني، إذ ليس فيها تصريح بأنه دخل، بخلاف الأولى، فإنها صريحة فيه. و حكمه بتحريمها على الثاني مؤبّدا لا يدلّ على دخوله أيضا، لجواز استناد التحريم إلى علمه بالحال، فإنه يوجب التحريم و إن لم يدخل.

و فيه نظر، لأن قوله: «تعتدّ منهما جميعا» يدلّ على الدخول، إذ لولاه لكانت عدّتها من الأول خاصّة. و قد تقدّم البحث في هذه المسألة في أسباب

____________

(1) التهذيب 7: 308 ح 1278، الاستبصار 3: 188 ح 681، الوسائل الباب المتقدّم ح 11.

(2) التهذيب 7: 308 ح 1279، الاستبصار 3: 188 ح 682، الوسائل 14: 341 ب (16) من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 2.

(3) التهذيب 7: 308 ح 1280، الاستبصار 3: 188 ح 683، الوسائل 14: 347 ب (17) من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ح 12.

(4) التهذيب 7: 308 ذيل ح 1280، الاستبصار 3: 188 ذيل ح 683.

(5) في «ح»: الروايتين.

344

و لو حملت و كان (1) [هناك] ما يدلّ على أنه للأول اعتدّت بوضعه له، و للثاني بثلاثة أقراء بعد وضعه. و إن كان هناك ما يدلّ على أنه للثاني اعتدّت بوضعه له، و أكملت عدّة الأول بعد الوضع. و لو كان ما يدلّ على انتفائه عنهما أتمّت بعد وضعه عدّة الأول، و استأنفت عدّة للأخير. و لو احتمل أن يكون منهما قيل: يقرع بينهما، و يكون الوضع عدّة لمن يلحق به. و فيه إشكال ينشأ من كونها فراشا للثاني بوطء الشبهة، فيكون أحقّ به.

____________

التحريم من كتاب النكاح (1)، و تقدّمت (2) الإشارة إليها في هذا الكتاب مرّة أخرى، فليراجع بحثها فيهما.

قوله: «و لو حملت و كان. إلخ».

(1) ما تقدّم من تقديم عدّة الأول حكم ما إذا لم تحمل، أما إذا حملت قدّمت عدّة الحمل منه، سابقا كان الحمل أم لاحقا، فإن عدّة الحمل لا تقبل التأخير. فإن كان الحمل من الأول ثمَّ وطئت بالشبهة، فإذا وضعت انقضت العدّة الأولى، و تعتدّ بالأقراء للثاني إن اتّفقت و إلّا فبالأشهر. و إن كان الحمل للثاني- و يعلم بوضعه لما زاد عن أكثر الحمل من وطء الأول، و لما بينه و بين الأقلّ من وطء الثاني- اعتدّت بوضعه للثاني، و أكملت عدّة الأول بعد ذلك.

ثمَّ إن كانت الأولى بالأشهر فواضح. و إن كانت بالأقراء و عرض وطء الثاني في أثناء القرء لم يحتسب قرءا، بل تكمله بعد الوضع إلى أن يبتدئ النفاس إن تأخّر عن الولادة. و لو اتّصل بها سقط اعتبار ما سبق من الطهر

____________

(1) في ج 7: 338.

(2) في ص: 313.

345

..........

____________

و احتسب بما بعد النفاس و إن طال زمانه، لأنها قد ابتدأت العدّة بالأقراء فلا ترجع إلى الأشهر لو فرض مضيّ ثلاثة بعد النفاس طهرا بسبب الرضاعة. نعم، لو فرض بلوغها بعد الولادة سنّ اليأس أتمّت العدّة الأولى بالأشهر كما سبق (1) نظيره.

و لو فرض انتفاء الحمل عنهما- بأن ولدته لأكثر من مدّة الحمل من وطء الأول، و لأقلّ من ستّة أشهر من وطء الثاني- لم يعتبر زمن الحمل من العدّتين، و أكملت الأولى بعد الوضع بالأقراء أو الأشهر على حسبها (2)، و اعتدّت بعدها للأخير كذلك.

و لو احتمل أن يكون منهما- كما لو ولدته فيما بين أقلّ الحمل و أقصاه بالنسبة إليهما- انقضت إحدى العدّتين بوضعه على كلّ حال، و اعتدّت بعد ذلك للآخر. ثمَّ إن الحق بالأول استأنفت عدّة كاملة للثاني بعد الوضع، و إن الحق بالثاني أكملت عدّة الأول كما لو كان الحمل للثاني ابتداء. و لكن إذا احتمل كونه منهما بمن يلحق منهما قولان:

أحدهما: أنه يقرع بينهما فيه، لأنها فراش لكلّ منهما في وقت إمكان حمله، فأشكل أمره، و القرعة لكلّ أمر مشكل. و لا فرق في ذلك بين أن يتداعياه و عدمه. و هذا القول للشيخ (3) (رحمه الله).

و الثاني- و هو الذي اختاره الأكثر-: أنه للثاني، لأنها فراش له بالفعل، و الأول فراشه قد انقضى، و صاحب الفراش الثابت بالفعل حال الحمل أولى، لقوله

____________

(1) في ص: 246.

(2) في «م» و إحدى الحجريّتين: حسبهما.

(3) المبسوط 5: 246- 247.

346

..........

____________

(صلى اللّه عليه و آله و سلّم): «الولد للفراش» (1). و هذا أقوى.

ثمَّ تنبّه لأمور:

الأول: قول المصنّف: «لو تزوّجت في العدّة. إلخ» يشمل عدّة الطلاق و الوفاة و غيرهما، حتى عدّة الوطء للشبهة فتجتمع عدّتان لها. و الحكم في الجميع صحيح، لكن مع الحمل لا يتمّ قوله: «إنها تعتدّ بوضعه للأول» في عدّة الوفاة، لما عرفت من أن المعتبر فيها أبعد الأجلين، فيحتاج مع ذلك إلى تأويل كون الوضع سببا ناقصا في الانقضاء، أو على تقدير كونه أبعد الأجلين، أو يحتاج معه إلى اعتبار تمام الأمرين بضرب من النظر.

الثاني: يفهم من قوله: «و لم تنقطع عدّة الأول .. إلخ» أن زمن زوجيّة الثاني ظاهرا و وطئه محسوب من عدّة الأول و إن كانت فراشا للثاني. و لا يخلو من إشكال، لأن الفراش ينافي الاعتداد المعتبر لبراءة الرحم، خصوصا زمن الوطء بالفعل. و لو قيل بأن مدّة كونها فراشا للثاني- و هو من حين العقد إلى حين العلم بالحال- لا يعتبر من عدّة الأول كان وجها. و لو فرض كون وطء الشبهة بغير عقد فالمستثنى من العدّة على هذا الوجه زمن الوطء فيبنى على العدّة السابقة كما عرفت من ذلك الأمر. و يظهر كونها فراشا للثاني مع جهله- و إن كان العقد فاسدا- من تعليل إلحاق الولد به، بل من ترجيحه على الأول بكونه فراشا بالفعل. نعم، لو قيل بأنها لا تصير فراشا إلّا بالوطء خاصّة و إن وقع عقد- لفساده شرعا- اتّجه

____________

(1) الكافي 5: 491 ح 2 و 3، الخصال 1: 213 ح 35، الفقيه 3: 285 ح 1358، الاستبصار 3: 367 ح 1315، الوسائل 14: 568 ب (58) من أبواب نكاح العبيد و الإماء ح 3، و انظر سنن أبي داود 2: 282 ح 2273، سنن سعيد بن منصور 1: 125 ح 427.

347

..........

____________

أيضا. أما نفي فراشيّتها مطلقا كما ذكره في التحرير (1) معلّلا به عدم قطع العدّة مطلقا فغير واضح.

الثالث: حيث تكون عدّة الأول رجعيّة فله الرجعة في عدّته، سواء اتّصلت أم انقطعت. فلو تخلّلها الحمل من الثاني فله الرجعة في زمان إكمالها [العدّة] (2) بعد الحمل لا زمان الحمل، لأنها حينئذ ليست في عدّة رجعيّة. و على تقدير اتّصالها و تأخّر عدّة وطء الشبهة يجوز له الرجوع و لا يمنع (3) من عدّة الشبهة، بل تعجّلها، لأنها تشرع فيها من حين رجوعه، لانقطاع العدّة، الأولى التي كانت هي المانعة من اعتدادها للثاني. و قد تقدّم (4) تحقيق ذلك فليراجع ثمَّ.

الرابع: قد تكون إحدى العدّتين بالأقراء و الأخرى بالأشهر، كما لو طلّقها الأول و مضى عليها (5) قرءان- مثلا- ثمَّ وطئت بالشبهة و لم تحمل، فإنها تكمل الأولى بالأقراء، فلو فرض انقطاع دمها في زمن الثانية ثلاثة أشهر اعتبرت بالأشهر.

و لو فرض بلوغها سنّ اليأس بعد الحكم عليها بالاعتداد من الثاني و قبل الفراغ من عدّة الأول- بأن بقي لها منها قرء- أكملت عدّة الأول بشهر، و اعتدّت للثاني بثلاثة أشهر و إن كانت يائسة في جميع وقتها، لسبق وجوبها قبل اليأس كما سبق وجوب إكمال الأولى قبله. و لا يأتي عندنا اعتداد اليائسة بجميع العدّة في

____________

(1) تحرير الأحكام 2: 72.

(2) من إحدى الحجريّتين.

(3) في «ح»: تمتنع، و في «و»: تمنع.

(4) في ص: 263- 265.

(5) في «و»: عليه.

348

..........

____________

زمن اليأس إلّا هنا. و لو اعتبرنا زمن استفراش الثاني لها قاطعا لعدّة الأول فاستدام فراشه إلى أن بلغت سنّ اليأس ثمَّ فرّق بينهما أكملت عدّة الأول بالأشهر أيضا ثمَّ اعتدّت للثاني بها.

الخامس: لو كان الطلاق رجعيّا فمات أحدهما في زمن العدّة ورثه الآخر و إن كان في المدّة المتأخّرة منها. فلو كان الميّت هو المطلّق وجبت عليها عدّة الوفاة. و في تقديمها على عدّة الشبهة لو كانت متأخّرة عن عدّة الطلاق وجهان، من قوّة عدّة الوفاة بكونها للزوج فهي مستندة إلى عقد لازم، بخلاف عدّة الشبهة، و من سبق سببيّة عدّة الشبهة على عدّة الوفاة.

و لو مات في عدّة الواطئ و لمّا تكمل عدّة المطلّق ففي ثبوت التوارث بينهما نظر، و من أنها حينئذ بمنزلة الأجنبيّة، و من عدم تخلّصها من عدّته حتى قيل بجواز رجعتها في زمن الحمل لو كان عدّة للثاني حيث يكون الطلاق رجعيّا، لبقاء العدّة الرجعيّة و إن انقطعت بالحمل، و لكن لا يجوز له الوطء إلى أن تضع.

و بالجملة: فصيرورتها أجنبيّة من المطلّق مطلقا ممنوع. و القول بثبوت التوارث و عدّة الوفاة لا يخلو من قوّة، فتعتدّ للوفاة بعد وضع الولد الملحق بالواطئ، و تنقطع العدّة الرجعيّة كما لو مات في أثنائها.

السادس: قد عرفت أن الرجعيّة تستحقّ النفقة في العدّة، و أن البائنة لا تستحقّها إلّا إذا كانت حاملا، و أن تلك النفقة هل هي للحامل أو للحمل؟ و أن المعتدّة عن وطء الشبهة لا نفقة لها على الواطئ إلّا إذا كانت حاملا و قلنا إن النفقة للحمل، و كذا المتوفّى عنها زوجها، على الخلاف فيهما.

إذا تقرّرت هذه الجمل فنفقتها في زمن الحمل على المطلّق مطلقا و في غير

349

[الخامسة: تعتدّ زوجة الحاضر من حين الطلاق أو الوفاة]

الخامسة: تعتدّ زوجة الحاضر (1) من حين الطلاق أو الوفاة. و تعتدّ من الغائب في الطلاق من وقت الوقوع، و في الوفاة من حين البلوغ، و لو أخبر غير العدل، لكن لا تنكح إلّا مع الثبوت، و فائدته الاجتزاء بتلك العدّة.

و لو علمت الطلاق و لم تعلم الوقت اعتدّت عند البلوغ.

____________

زمانه من عدّته الرجعيّة، سواء اتّصلت أم تفرّقت. و أما عدّة الشبهة، فإن كانت بغير حمل فلا نفقة لها فيها على الزوج و لا على الواطئ، لأنها على تقدير عدم الحمل تكون متأخّرة عن عدّة الزوج، فتكون بائنة من الزوج فلا نفقة عليه، و هي منفيّة عن الواطئ لما تقدّم (1).

و أما مع الحمل من الواطئ الموجب لقطع عدّة الزوج و تأخّر باقيها إلى بعد الوضع ففي وجوبها على الزوج، لأنها لم تخرج عن عدّته الرجعيّة، لأنّا نفرضها كذلك، أو وجوبها عليه حيث يجوز له الرجعة في زمان الحمل و إن لم نجوّز الوطء، لأنها حينئذ في حكم الرجعيّة، أو على الواطئ بناء على وجوبها للحمل، أو عليهما بمعنى أنه يجب على كلّ واحد نفقة تامّة، لوجود السبب في كلّ منهما، أو انتفائها عنهما معا، لأنها ليست حينئذ في عدّة رجعيّة، و واطئ الشبهة لا زوجيّة له توجب النفقة، و لا نقول إنها للحمل، أو نقول إنها له بشرط كون الحامل زوجة، خمسة أوجه أجودها الأخير.

قوله: «تعتدّ زوجة الحاضر. إلخ».

(1) ما ذكره من الفرق بين المطلّق و المتوفّى بالنسبة إلى وقت اعتداد الزوجة هو المشهور بين الأصحاب، ذهب إليه الشيخان (2) و أكثر المتقدّمين و جميع

____________

(1) في الصفحة السابقة، و انظر أيضا ص: 322.

(2) المقنعة: 535، الخلاف (طبعة كوشانپور) 2: 305 مسألة (11).

350

..........

____________

المتأخّرين.

و مستنده الأخبار المستفيضة الصحيحة الدالّة على ذلك، كصحيحة محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) قال: «إذا طلّق الرجل المرأة و هو غائب فلا تعلم إلّا بعد ذلك بسنة أو أكثر أو أقلّ، فإذا علمت تزوّجت و لم تعتدّ، و المتوفّى عنها زوجها و هو غائب تعتدّ يوم يبلغها و هو كان قد مات قبل ذلك بسنة أو سنتين» (1).

و صحيحة زرارة عن الباقر (عليه السلام) قال: «إن مات عنها- يعني: و هو غائب- فقامت البيّنة على موته فعدّتها من يوم يأتيها الخبر أربعة أشهر و عشرا، لأن عليها أن تحدّ عليه في الموت» (2) الحديث. و صحيحة محمد بن مسلم عن الصادق (عليه السلام) قال: «إذا طلّق الرجل و هو غائب فليشهد على ذلك، فإذا مضى ثلاثة أقراء من ذلك اليوم فقد انقضت عدّتها» (3). و في معناها حسنة البزنطي عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «المتوفّى عنها زوجها تعتدّ حين يبلغها، لأنها تريد أن تحدّ له» (4) و غيرها من الأخبار. و فيه إشارة إلى الفرق بينهما بأن المتوفّى عنها زوجها عليها الحداد و هو لا يحصل قبل بلوغ الخبر، بخلاف المطلّقة، فإن المقصود منها

____________

(1) التهذيب 8: 164 ح 569، الاستبصار 3: 355 ح 1272، الوسائل 15: 445 ب «27» من أبواب العدد ح 1، و ذيله في ب «28» ح 8.

(2) الكافي 6: 112 ح 6، التهذيب 8: 163 ح 566، الاستبصار 3: 354 ح 1269، الوسائل 15: 449 ب (29) من أبواب العدد ح 1.

(3) الكافي 6: 111 ح 5، التهذيب 8: 162 ح 561، الاستبصار 3: 353 ح 1264، الوسائل 15: 443 ب (26) من أبواب العدد ح 1، و في المصادر: قال لي أبو جعفر (عليه السلام).

(4) الكافي 6: 113 ح 7، التهذيب 8: 163 ح 565، الاستبصار 3: 354 ح 1268، الوسائل 15: 447 ب (28) من أبواب العدد ح 4.

351

..........

____________

براءة الرحم و هو يحصل بمضيّ المدّة علمت بالحال أم لم تعلم.

و يشكل الحكم على هذا التعليل في الأمة حيث لا نوجب عليها الحداد، فإن مقتضاه مساواتها للمطلّقة، لعدم المقتضي لجعل عدّتها من حين بلوغ الخبر.

و يمكن القول بمساواتها للحرّة هنا نظرا إلى إطلاق كثير من الأخبار (1) اعتداد المتوفّى عنها زوجها من حين بلوغ الخبر الشامل لها. و التعليل في الأحكام الشرعيّة ضبطا للقواعد الكلّية لا يعتبر فيه وجوده في جميع أفرادها الجزئيّة كحكمة العدّة و غيرها من الأحكام. و قد نبّهنا على هذا البحث غير مرّة. و يمكن أن يكون من حكمة جعل العدّة من حين بلوغ الخبر- وراء الإحداد- إظهار التفجّع لموت الزوج و الحزن، و هو يتحقّق في الحرّة و الأمة. و أيضا فإنّا و إن لم نوجب إحداد الأمة لكن نقول باستحبابه، و ذلك كاف في الأمر بالعدّة عند بلوغ الخبر.

و وراء هذا القول المشهور للأصحاب أقوال أخر:

منها: قول ابن الجنيد (2) بالتسوية بينهما في الاعتداد من حين الموت و الطلاق إن علمت الوقت، و إلّا حين يبلغها فيهما. و حجّته: عموم قوله تعالى:

وَ الْمُطَلَّقٰاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلٰاثَةَ قُرُوءٍ (3) و قوله تعالى فَعِدَّتُهُنَّ ثَلٰاثَةُ أَشْهُرٍ (4) و قوله تعالى وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْوٰاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَ عَشْراً (5) الدالّ بظاهره على التسوية بينهما في التربّص و كونه من حين الطلاق و الوفاة، لتعليق الحكم على وصفهنّ بالتطليق و الوفاة عنهنّ

____________

(1) لاحظ الوسائل 15: 446 ب (28) من أبواب العدد ح 2، 3، 4، 6 و غيرها.

(2) حكاه عنه العلامة في المختلف: 614.

(3) البقرة: 228 و 234.

(4) الطلاق: 4.

(5) البقرة: 228 و 234.

352

..........

____________

الحاصل من حينهما. و خصوص صحيحة الحلبي عن الصادق (عليه السلام) قال:

«قلت له: امرأة بلغها في زوجها بعد سنة أو نحو ذلك، قال: فقال: إن كانت حبلى فأجلها أن تضع حملها، فإن كانت ليست بحبلى فقد مضت عدّتها إذا قامت لها البيّنة أنه مات في يوم كذا و كذا، و إن لم يكن لها بيّنة فلتعتدّ من يوم سمعت» (1).

و رواية الحسن بن زياد قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المطلّقة يطلّقها زوجها فلا تعلم إلّا بعد سنة، و المتوفّى عنها زوجها فلا تعلم بموته إلّا بعد سنة، قال: إن جاء شاهدان عدلان فلا تعتدّان و إلّا تعتدّان» (2).

و يمكن على هذا [القول] (3) أن يجمع بين الأخبار بحمل السابقة على الاستحباب حذرا من اطّراح هذين و فيهما الصحيح. و يؤيّده ورود خبر آخر بالفرق بين المدّة القليلة و الكثيرة على تقدير الوفاة، فتعتدّ من حين الوفاة في الأول دون الثاني، و هو صحيحة منصور بن حازم قال: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول في المرأة يموت زوجها أو يطلّقها و هو غائب، قال: إن كان مسيرة أيّام فمن يوم يموت زوجها تعتدّ، و إن كان من بعد فمن يوم يأتيها الخبر، لأنها لا بدّ من أن تحدّ له» (4). و بمضمونه أفتى الشيخ في التهذيب (5). و هو القول الثالث في المسألة.

____________

(1) التهذيب 8: 164 ح 571، الاستبصار 3: 355 ح 1274، الوسائل 15: 448 ب (28) من أبواب العدد ح 10.

(2) التهذيب 8: 164 ح 570، الاستبصار 3: 355 ح 1273، الوسائل الباب المتقدّم ح 9.

(3) من «ش» فقط.

(4) التهذيب 8: 165 ح 572، الاستبصار 3: 356 ح 1275، الوسائل الباب المتقدّم ح 12.

(5) التهذيب 8: 165.

353

..........

____________

و اختلاف هذه الأخبار المعتبرة الأسناد يؤذن بجواز العمل بكلّ منها- و ذلك فيما يقتضي التحديد- على وجه الاستحباب و الاحتياط. و هذا أجود من جواب الشيخ عن الخبرين الأخيرين بشذوذهما و مخالفتهما لتلك الأخبار الكثيرة فيطرحان، أو على أن الراوي و هم فسمع حكم المطلّقة فظنّ أنه حكم المتوفّى عنها زوجها. نعم، لو تحقّق التعارض و لم يمكن الجمع أمكن ترجيح الأخبار السابقة بكثرتها و كون بعضها معلّلا و المعلّل مقدّم على غيره عند التعارض كما حقّق في محلّه.

و بقي في المسألة قول رابع لأبي الصلاح (1)، و هو أنها تعتدّ حين بلوغ الخبر مطلقا، محتجّاً بأن العدّة من عبادات النساء، و افتقار العبادة إلى نيّة تتعلّق بابتدائها.

و في هذا القول- مع شذوذه- اطّراح الأخبار من جميع الجهات. و نمنع كون مثل هذا من العبادات المتوقّفة على النيّة، بل من العبادات مطلقا.

بقي في المسألة أمور:

الأول: لا فرق في جواز الاعتداد بعدّة الوفاة مع بلوغها خبر موته بين كون المخبر ممّا (2) يفيد قوله ظنّ الموت و عدمه، و لا بين الصغير و الكبير، و الذكر و الاثنى، لصدق كونه مخبرا و مبلغا للخبر و نحو ذلك ممّا ذكر في الأخبار. فإذا اعتدّت على هذا الوجه توقّف جواز تزويجها على ثبوت موته بالبيّنة أو الشياع و إن تأخّر عن العدّة زمانا طويلا. و أما الطلاق فالمعتبر في خبره ما يثبت به في أيّ وقت اتّفق. ثمَّ إن مضت مدّة بقدر العدّة من حين ثبوت الطلاق جاز لها النكاح

____________

(1) الكافي في الفقه: 313.

(2) كذا في النسخ الخطّية، و لعلّ الأولى: ممّن.

354

..........

____________

و إلّا انتظرت تمامها.

الثاني: لو بادرت فنكحت بالخبر قبل ثبوته وقع العقد باطلا ظاهرا. ثمَّ إن تبيّن بعد ذلك موته قبل العقد و تمام العدّة قبله ظهر صحّته في نفس الأمر، و لم يفتقر إلى تجديده. و لا فرق مع ظهور وقوعه بعد العدّة بين كونه عالما بتحريم الفعل قبله و عدمه، و إن أثم في الأول. و لو فرض دخول الزوج الثاني قبل العلم بالحال و الحكم بالتحريم ظاهرا ثمَّ انكشف وقوعه بعد الموت و الطلاق و تمام العدّة لم تحرم عليه بذلك و إن كان قد سبق الحكم به ظاهرا، لتبيّن فساد السبب المقتضي للتحريم.

الثالث: إنما تعتدّ عند بلوغ خبر الطلاق- حيث تجهل وقته- على تقدير الجهل به بكلّ وجه بحيث يحتمل وقوعه قبل الخبر بغير فصل، أما لو فرض العلم بتقدّمه مدّة- كما لو كان الزوج في بلاد بعيدة يتوقّف بلوغ الخبر على قطع المسافة بينها و بينه- حكم بتقدّمه في أقلّ زمان يمكن فيه مجيء الخبر، و يختلف ذلك بقرب البلاد و بعدها و سرعة حركة المخبر و بطئها. و بالجملة فكلّ وقت يعلم تقدّم الطلاق عليه يحتسب من العدّة. و إنما أطلق المصنّف مع الجهل بالوقت الاعتداد من وقت الطلاق لإطلاق الحكم به في حسنة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يطلّق امرأته و هو غائب عنها من أيّ يوم تعتدّ؟ فقال: إن قامت لها بيّنة عدل أنها طلّقت في يوم معلوم فلتعتدّ من يوم طلّقت، و إن لم تحفظ في أيّ يوم و أيّ شهر فلتعتدّ من يوم يبلغها» (1). و لا تنافي

____________

(1) الكافي 6: 110 ح 1، التهذيب 8: 162 ح 562، الاستبصار 3: 354 ح 1265، الوسائل 15: 444 ب (26) من أبواب العدد ح 2.