مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام - ج9

- الشهيد الثاني المزيد...
537 /
355

[السادسة: إذا طلّقها بعد الدخول، ثمَّ راجع في العدّة]

السادسة: إذا طلّقها بعد الدخول (1)، ثمَّ راجع في العدّة، ثمَّ طلّق قبل المسيس، لزمها استئناف عدّة، لبطلان الأولى بالرجعة.

و لو خالعها بعد الرجعة قال الشيخ (1) هنا: الأقوى أنه لا عدّة. و هو بعيد، لأنه خلع عن عقد تعقّبه الدخول.

أما لو خالعها بعد الدخول و تزوّجها في العدّة و طلّقها قبل الدخول لم تلزمها العدّة، لأن العدّة الأولى بطلت بالفراش، و العقد الثاني لم يحصل معه دخول. و قيل: تلزمها العدّة، لأنها لم تكمل العدّة الأولى. و الأول أشبه.

____________

هذه الرواية ما ذكرناه من التقييد، لأن من كان زوجها بعيدا عنها بمسافة تعلم تقدّم الطلاق عن بعض الأيّام و الشهور و إن جهلت يوم وقوعه أو شهرة في الجملة، و الرواية مقيّدة بعدم العلم بذلك أصلا.

قوله: «إذا طلّقها بعد الدخول. إلخ».

(1) إذا طلّقها طلاقا رجعيّا ثمَّ راجعها انقضت العدّة بالرجعة و عادت إلى النكاح الأول المجامع للدخول، و صارت كأنّها لم تطلّق بالنسبة إلى كونها الآن منكوحة و مدخولا بها، و إن بقي للطلاق السابق أثر ما من حيث عدّة في الطلقات الثلاث المحرّمة. فإذا طلّقها بعد هذه الرجعة قبل المسيس لزمها استئناف العدّة، لأنها بالرجعة عادت إلى النكاح الذي مسّها فيه، فالطلاق الثاني طلاق عن نكاح وجد فيه المسيس، سواء كان الطلاق الثاني بائنا أم رجعيّا، لاشتراكهما في المقتضي للعدّة و هو كونه طلاقا عن نكاح وجد فيه الوطء. و في معنى الطلاق البائن الخلع، سواء جعلناه طلاقا أم لا، لمشاركته للطلاق في اعتبار العدّة إذا وقع بمدخول بها.

____________

(1) انظر الهامش (1) في الصفحة التالية.

356

..........

____________

و في هذا الأخير قول للشيخ في المبسوط [1] بعدم العدّة للخلع بناء على أن الطلاق بطل إيجابه العدّة بالرجعة، و لم يمسّها في النكاح المستجدّ و الحلّ المستحدث، فأشبه ما إذا أبانها ثمَّ جدّد نكاحها و طلاقها.

و هو يضعف بأن الرجعة إنما أبطلت العدّة المسبّبة عن الطلاق بسبب عود الفراش السابق، و هو مقتضي لصيرورتها مدخولا بها، و خلع المدخول بها يوجب العدّة، و لم يتجدّد نكاح آخر لم يمسّها فيه، و إنما عاد النكاح الممسوس فيه، بخلاف ما إذا أبانها ثمَّ جدّد نكاحها، لارتفاع حكم النكاح الأول بالبينونة، و النكاح بعده غير الأول، فإذا طلّقها بعده فقد وقع بغير مدخول بها في ذلك النكاح.

هذا كلّه إذا كان الطلاق الأول رجعيّا. أما إذا كان بائنا- كما إذا خالعها بعد الدخول ثمَّ تزوّجها في العدّة ثمَّ طلّقها قبل الدخول- لم تلزمها هنا العدّة، لأن العقد الثاني لم يعد الفراش الأول و إنما أحدث فراشا آخر، و العدّة الأولى بطلت بالفراش المتجدّد و لم يحصل فيه دخول، فإذا طلّقها حينئذ فقد صدق أنها مطلّقة عن نكاح غير مدخول بها فيه، فتدخل تحت عموم قوله تعالى ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمٰا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهٰا (2).

و القول بلزوم العدّة للقاضي في المهذّب (3) محتجّا بما أشار إليه المصنّف

____________

[1] المبسوط 5: 250. و لكن فرضه فيما إذا خالعها ثمَّ تزوّجها ثمَّ طلّقها- و هو الفرض الأخير في المتن، و سيأتي في كلام الشارح بعد أسطر و الفرض الثاني في المتن بالعكس من ذلك، و لم نجده في غيره.

____________

(2) الأحزاب: 49.

(3) المهذّب 2: 322.

357

[السابعة: وطء الشبهة يسقط معه الحدّ]

السابعة: وطء الشبهة (1) يسقط معه الحدّ، و تجب العدّة. و لو كانت المرأة عالمة بالتحريم و جهل الواطئ لحق به النسب، و وجبت له العدّة، و تحدّ المرأة، و لا مهر.

و لو كانت الموطوءة أمة لحق [به] الولد، و على الواطئ قيمته لمولاه حين سقط و مهر الأمة. و قيل: العشر إن كانت بكرا، و نصف العشر إن كانت ثيّبا. و هو المرويّ.

____________

من أنها لم تكمل العدّة الأولى و قد انقطعت بالفراش الثاني فيجب العود إليها بعد الطلاق.

و ضعفه واضح ممّا بيّنّاه، و إنما يجب تجديد [العدّة لو وطئ بعد تجديد] (1) العقد عليها ثانيا، لأن هذا نكاح جديد لا يرتبط بحكم السابق.

قوله: «وطء الشبهة .. إلخ».

(1) الشبهة في الوطء إن وقعت من الطرفين فالولد لهما، و عليها العدّة، و لها مهر المثل إن كانت حرّة. و إن اختصّت بأحدهما لحق به النسب و وجبت العدّة عليها، سواء كانت هي المختصّة بالشبهة أم هو، مراعاة لحقّ الوطء الصحيح من طرف المشتبه عليه، و يختصّ الحدّ بالعالم منهما. ثمَّ إن كانت هي العالمة فلا مهر لها و إلّا ثبت.

و لو كانت الموطوءة أمة و كانا جاهلين لحق به الولد، و عليه قيمته لمولاها حين سقط حيّا، لأنه عوض منفعتها الفائتة بالحمل و عقر الأمة. و إن كانت عالمة دونه فكذلك، إلّا أن في ثبوت المهر لمولاها هنا خلافا من حيث إنها بغيّ، و كونه

____________

(1) سقط من «ش، م».

358

[الثامنة: إذا طلّقها بائنا ثمَّ وطئها لشبهة]

الثامنة: إذا طلّقها بائنا (1) ثمَّ وطئها لشبهة قيل: تتداخل العدّتان، لأنهما لواحد. و هو حسن، حاملا كانت أو حائلا.

____________

لمولاها وَ لٰا تَزِرُ وٰازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرىٰ (1). و قد تقدّم (2) البحث فيه مرارا.

و إن كان هو العالم دونها فعليه الحدّ، و الولد رقّ لمولاها، و عليه العقر (3).

و حيث يثبت لها المهر فهل هو مهر المثل، لأنّه عوض البضع شرعا حيث لا مقدّر، أم هو عشر قيمتها إن كانت بكرا و نصفه إن كانت ثيّبا؟ قولان المرويّ (4) منهما صحيحا هو الثاني. و قد تقدّم البحث في هذا كلّه في نكاح (5) الإماء.

قوله: «إذا طلّقها بائنا .. إلخ».

(1) إذا اجتمعت على المرأة عدّتان، فإما أن تكونا لشخص واحد أو لشخصين.

و الثاني تقدّم (6) البحث في بعض أقسامه، و سيأتي (7) بعض آخر. و الأول إن كانتا من جنس واحد- بأن طلّق زوجته و شرعت في العدّة بالأقراء أو بالأشهر ثمَّ وطئها في العدّة جاهلا- تداخلت العدّتان على أصحّ القولين، لأنهما لواحد. و قال الشيخ (8) و ابن إدريس (9): لا تتداخل العدّتان عليها مطلقا بل تأتي بكلّ منهما على

____________

(1) الأنعام: 164.

(2) في ج 8: 13- 15.

(3) في «م»: المهر.

(4) الكافي 5: 404 ح 1، التهذيب 7: 422 ح 1690 و 349 ح 1426، الاستبصار 3: 216 ح 787، الوسائل 14: 577 ب (67) من أبواب نكاح العبيد و الإماء ح 1.

(5) في ج 8: 13- 15.

(6) في ص: 341 و 344.

(7) في ص: 360.

(8) الخلاف (طبعة كوشانپور) 2: 311 مسألة (31).

(9) السرائر 2: 748.

359

..........

____________

الكمال، لأنهما حقّان مختلفان. و هو حقّ مع تحقّق الاختلاف، و هو منتف مع كونهما لواحد، لحصول الغرض بالواحدة. و قد تقدّم (1) في الأخبار الصحيحة ما يدلّ على تداخلهما مع اختلاف الشخص فمع اتّحاده أولى.

و معنى التداخل أنه يدخل الأقلّ منهما تحت الأكثر، فلو كانتا بالأقراء أو الأشهر استأنفت العدّة من حين الوطء و دخل باقي العدّة الأولى في الثانية. و على تقدير كون الأولى رجعيّة يجوز له الرجعة في تلك البقيّة لا بعدها. و يجوز تجديد النكاح في تلك البقيّة و بعدها إذا لم يكن عدد الطلاق مستوفى.

و إن كانت العدّتان من جنسين بأن كانت إحداهما بالحمل و الأخرى بالأقراء- إما بأن طلّقها و هي حائل ثمَّ وطئها في الأقراء و أحبلها، أو بأن طلّقها و هي حامل ثمَّ وطئها قبل أن تضع- فعلى ما اختاره المصنّف من التداخل تدخل العدّة الأخرى في الحمل، لأنهما من شخص واحد فأشبها المتجانسين، فتنقضي العدّتان جميعا بالوضع. و له الرجعة في الطلاق الرجعي إلى أن تضع إن كانت عدّة الطلاق بالحمل و طرأ الوطء. و إن كانت عدّة الطلاق بالأقراء و حدث الحمل من الوطء ففي الاكتفاء بالوضع عنهما نظر، من أنها في عدّة الطلاق و إن وجبت عدّة أخرى، و الوضع يوجب براءة الرحم من ماء الواطئ و الزوج مطلقا، و من أن مقتضى القواعد الماضية حيث ابتدأت عدّة الطلاق بالأقراء أن لا تكمل بغيرها (2)، فتكون حينئذ العدّة بالأقراء هي الأكثر، فتدخل عدّة الحمل فيها لا بالعكس. هذا إذا قلنا إن الحامل لا تحيض أو اتّفق لها ذلك، فيتوقّف الانقضاء على إكمال الأقراء

____________

(1) في ص: 342- 343.

(2) في «ش، ط»: لغيرها.

360

[التاسعة: إذا نكحت في العدّة الرجعيّة و حملت من الثاني]

التاسعة: إذا نكحت في العدّة (1) الرجعيّة و حملت من الثاني اعتدّت بالوضع من الثاني و أكملت عدّة الأول بعد الوضع، و كان للأول الرجوع في تلك العدّة دون زمان الحمل.

____________

بعد الوضع كما لو لم يحكم بالتداخل. و مثله ما لو كان وطء الشبهة عارضا على عدّة الحمل و قد بقي للوضع أقلّ من ثلاثة أشهر، لأن الأكثر حينئذ هو عدّة الشبهة. و لو فرض رؤيتها الدم زمن الحمل أمكن الجمع بين العدّتين و الاكتفاء بالوضع عنهما على تقدير مضيّ الأقراء حالة الحمل. و بالجملة لا بدّ من مراعاة أكثر العدّتين عند اجتماعهما حيث نحكم بالتداخل.

قوله: «إذا نكحت في العدّة .. إلخ».

(1) هذا من جملة أقسام ما لو اجتمعت عدّتان من شخصين و كانت إحداهما عدّة طلاق و الأخرى عدّة وطء شبهة. و قد تقدّم (1) منه حكم ما لو كان المتقدّم وطء الشبهة، و هذا حكم ما لو كان المتقدّم عدّة الطلاق. و الحكم فيهما واحد، و هو عدم تداخل العدّتين على أصحّ القولين.

ثمَّ إن لم يكن هناك حمل أكملت عدّة الطلاق بالأقراء أو الأشهر لتقدّمها و قوّتها ثمَّ اعتدّت للثاني بعد الفراغ منها. و إن حصل هناك حمل فإن كان من الأول فكالأوّل، و إن كان من الثاني قدّمت عدّته لأنها لا تقبل التأخّر (2) و أكملت عدّة الأول بعد الوضع، فإن كانت بالأقراء اعتدّت النفاس حيضا و أكملتها بعدها إن بقي منها شيء. و لا فرق في ذلك بين العدّة الرجعيّة و البائنة، إلّا أن الرجعيّة يجوز للزوج الرجوع فيها، سواء تقدّمت أم تأخّرت، لأن ذلك من مقتضاها شرعا.

____________

(1) في ص: 262.

(2) في «و»: التأخير.

361

..........

____________

ثمَّ إن كانت متقدّمة على عدّة الشبهة فرجع فيها ابتدأت عدّة الشبهة بعد الرجوع، و لا يجوز له الوطء إلى أن تنقضي العدّة الثانية. و قد تقدّم (1) ذلك. و إن كان المتقدّم هو عدّة الشبهة- كما لو ظهر منه حمل- فللزوج الرجوع في بقيّة عدّته بعد الوضع دون زمان الحمل، لأنها حينئذ غير معتدّة منه. و ربما قيل بجواز الرجوع في زمن الحمل أيضا، لأنها لم تخرج بعد عن عدّته الرجعيّة، لكن لا يجوز الوطء إلى أن تخرج عدّة الشبهة. و الأصحّ الأول.

و لو كانت عدّة الطلاق بائنة فالكلام في جواز تزويجها في العدّة كالقول في جواز الرجوع. و قد تقدّم (2). و سيأتي البحث في هذه المسائل في مواضع متفرّقة.

____________

(1) في ص: 264.

(2) في ص: 264.

362

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

363

[كتاب الخلع و المبارأة]

كتاب الخلع و المبارأة

364

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

365

كتاب الخلع و المبارأة (1)

..........

____________

كتاب الخلع و المبارأة

(1) الخلع بضمّ الخاء مأخوذ من الخلع بفتحها و هو النزع، لأن كلّا من الزوجين لباس الآخر قال تعالى هُنَّ لِبٰاسٌ لَكُمْ وَ أَنْتُمْ لِبٰاسٌ لَهُنَّ (1) و كأنّه بمفارقة الآخر نزع لباسه. و الأصل فيه قبل الإجماع آية فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً (2) و قوله تعالى فَإِنْ خِفْتُمْ أَلّٰا يُقِيمٰا حُدُودَ اللّٰهِ فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْهِمٰا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ (3). و من السنّة ما روي عن ابن عباس- رضي اللّه عنه- قال: «جاءت امرأة ثابت بن قيس بن شماس إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) فقالت: يا رسول اللّه ما أنقم على ثابت في دين و لا خلق إلّا أنّي أخاف الكفر، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم): تردّين عليه حديقته؟ قالت: نعم، فردّت عليه الحديقة و طلّقها تطليقة» (4). و في رواية: «فتخالعا (5) عليها». و نقل أنه أول خلع جرى في الإسلام (6).

و المبارأة بالهمز، و قد تقلب ألفا، و أصلها المفارقة، قال الجوهري: «تقول:

بارأت شريكي إذا فارقته، و بارأ الرجل امرأته» (7).

____________

(1) البقرة: 187.

(2) النساء: 4.

(3) البقرة: 229.

(4) صحيح البخاري 7: 60، سنن النسائي 6: 169، سنن البيهقي 7: 312- 313، مصابيح السنّة للبغوي 2: 453 ح 2443.

(5) كذا في النسخ الخطّية، و في الحجريّتين: فخالعها، و لم نجدها باللفظ الأول، راجع تلخيص الحبير 3: 204.

(6) مجمع البيان 1: 329 ذيل آية 228 من سورة البقرة، و راجع مسند أحمد 4: 3، تلخيص الحبير 3:

204.

(7) الصحاح 1: 36.

366

[كتاب الخلع]

كتاب الخلع و النظر في الصيغة و الفدية و الشرائط و الأحكام.

[أمّا الصيغة]

أمّا الصيغة (1) فأن يقول: خلعتك على كذا، أو فلانة مختلعة على كذا.

و هل يقع بمجرّده؟ المرويّ: نعم. و قال الشيخ: لا يقع حتى يتبع بالطلاق.

____________

و المراد [منهما] (1) هنا إبانتها بعوض مقصود لازم لجهة الزوج. و يفترقان باختصاص الخلع بكراهتها له خاصّة، و المبارأة باشتراكهما في الكراهة و في أمور أخر تأتي.

و اعلم أن الفرقة الحاصلة على العوض تارة تكون بلفظ الخلع أو المبارأة فيلحقها حكمها، و تارة تكون بلفظ الطلاق فتكون طلاقا بعوض ليس بخلع، لكن جرت العادة بالبحث عنه في كتاب الخلع، لمناسبته له في كونه إبانة بعوض لكنّه يخالفه في بعض الأحكام، فإنه طلاق محض تلحقه أحكام الطلاق بأسرها و يزيد عليه العوض، و له أحكام تخصّه زيادة على أصل الطلاق سيأتي (2) إن شاء اللّه تعالى بيانها.

ثمَّ الخلع يجري بين اثنين، و فيه عوض و معوّض، و له صيغة خاصّة يعقد بها. و هو معاوضة، لاشتماله على افتدائها البضع بالمال، فيلحقه أحكامها من اشتراط وقوعها بين اثنين و لو بالقوّة و صيغة صريحة فيه و أحكام تترتّب عليه، و قد عقدها المصنّف في أربعة مباحث.

قوله: «أما الصيغة. إلخ».

(1) لمّا كان الخلع من العقود أو الإيقاعات المفيدة لإبانة الزوجة على وجه مخصوص فلا بدّ له من صيغة تدلّ عليه مفيدة للإنشاء كنظائره من العقود أو

____________

(1) من «د» و الحجريّتين.

(2) في ص: 374.

367

..........

____________

الإيقاعات. و اللفظ الصريح فيه قوله: خلعتك أو خالعتك على كذا، أو: أنت أو فلانة مختلعة على كذا. أما الأولان فواقعان بصيغة الماضي التي هي صريحة في الإنشاء على ما تقرّر و تكرّر. و أما الأخيران فلأنهما و إن لم يكونا باللفظ الماضي لكنّهما يفيدان الإنشاء، بل هما أصرح فيه من الماضي المفتقر في دلالته على الإنشاء إلى النقل إليه. و لكن مثل هذا لم يلتزمه الأصحاب في جميع العقود اللازمة، بل أمرهم فيه مضطرب من غير قاعدة يرجع إليها و لا دلالة عليه من النصوص توجبها. و قد تقدّم (1) في النكاح و الطلاق ما يخالف هذا و أنه لا يقع بقوله: «أنت مطلّقة» و نحوه، و اعتمدوا في التزامه على خبر لا يوجب ذلك الحصر كما بيّنّاه، و لو جوّزوا في جميع الأبواب الألفاظ المفيدة للمطلوب صريحا من غير حصر كان أولى.

إذا تقرّر ذلك فهل يكفي في وقوعه من جانب الزوج الإتيان بهذه الصيغة و نحوها، أم لا بدّ من إتباعه بلفظ يفيد الطلاق كقوله بعد ذلك: فأنت طالق، أو فهي طالق؟ قولان مشهوران للأصحاب منشؤهما اختلاف الروايات ظاهرا، و الذي دلّت عليه الأخبار (2) الصحيحة و النصوص الكثيرة و ذهب إليه محقّقوا الأصحاب- كالمرتضى (3)، و شيخه المفيد (4)، و شيخ الصدوق (5)، و أكثر المتقدّمين و المتأخّرين- هو الأول.

____________

(1) في ج 7: 87، و هنا ص: 63.

(2) لاحظ الوسائل 15: 491 ب (3) من أبواب الخلع و المبارأة ح 2، 3، 4، 8، 9، 10.

(3) الناصريّات ضمن الجوامع الفقهيّة: 250.

(4) المقنعة: 528- 529.

(5) المقنع: 117.

368

..........

____________

و يدلّ عليه من الروايات صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع قال: «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن المرأة تفادي زوجها أو تخلع منه بشهادة شاهدين على طهر من غير جماع هل تبين منه بذلك، أو هي امرأته ما لم يتبعها بطلاق؟ فقال: تبين منه و إن شاءت أن يردّ إليها ما أخذ منها و تكون امرأته فعلت.

فقلت: إنه قد روي أنها لا تبين منه حتى يتبعها بطلاق، قال: ليس ذلك إذا خلع.

فقلت: تبين منه؟ فقال: نعم» (1). و صحيحة الحلبي أن الصادق (عليه السلام) قال:

«خلعها طلاقها» (2). و حسنة الحلبي أيضا عنه (عليه السلام) إلى أن قال: «و كان الخلع تطليقة» (3). و حسنة محمد بن مسلم عنه (عليه السلام) و فيه: «و كانت تطليقة بغير طلاق يتبعها، و كانت بائنا بذلك» (4). و غيرها من الأخبار.

و قال الشيخ- (رحمه الله)-: لا يقع بمجرّده، و نقله عن جماعة من المتقدّمين (5). و احتجّ على ذلك برواية في طريقها ابن فضّال و إبراهيم بن أبي سمال و موسى بن بكر عن الكاظم (عليه السلام) قال: «المختلعة يتبعها الطلاق ما دامت في عدّة» (6).

____________

(1) الكافي 6: 143 ح 7، التهذيب 8: 98 ح 332، الاستبصار 3: 318 ح 1132، الوسائل 15: 492 ب (3) من أبواب الخلع و المبارأة ح 9.

(2) الفقيه 3: 338 ح 1631، الوسائل الباب المتقدّم ح 4.

(3) الكافي 6: 139 ح 1، التهذيب 8: 95 ح 322، الاستبصار 3: 315 ح 1121، الوسائل الباب المتقدّم ح 2.

(4) الكافي 6: 140 ح 3، التهذيب 8: 95 ح 324، الاستبصار 3: 315 ح 1123، الوسائل الباب المتقدّم ح 3.

(5) الخلاف 4: 422 مسألة (3)، المبسوط 4: 344.

(6) التهذيب 8: 97 ح 329، الاستبصار 3: 317 ح 1129.

369

..........

____________

و لا يخفى أن الراوي الأول فطحي و الآخران واقفيّان ضعيفان، فكيف تعارض الأخبار الصحيحة الكثيرة؟! و مع ذلك فما تدلّ عليه من جواز إتباعها الطلاق ما دامت في العدّة لا يقولون به، لأنهم يعتبرون إتباعه له بغير فصل، فما تدلّ عليه لا يقولون به و ما يقولون به لا تدلّ عليه. و أيضا ليس فيها أن إتباعه بالطلاق متعيّن بحيث يقع بدونه لاغيا، و جاز حمل إتباعه به على وجه الأكمليّة.

و ينبّه على ذلك قوله (عليه السلام) في عدّة أخبار: «و لو كان الأمر إلينا لم يكن الطلاق إلّا للعدّة» (1) فإن ذلك محمول على الأكمليّة، للإجماع على جواز الطلاق لغير العدّة.

و الشيخ (2)- (رحمه الله)- حمل تلك الأخبار على التقيّة، و استشهد عليه بقوله (عليه السلام): «و لو كان الأمر إلينا. إلخ». و هذا الحمل إنما يتّجه لو وجد لها معارض يصلح للاعتماد، و هو منتف من ذلك الجانب كما علمت. و من العجب أن تطرح تلك الأخبار الكثيرة الصريحة الدلالة [على ذلك] (3) لأجل هذا الخبر الضعيف الذي لا يدلّ على المطلوب. و أعجب منه موافقة الشهيد- (رحمه الله)- له في اللمعة (4) مع جلالته و اطّلاعه على نقد الأحاديث و سير الأدلّة، مضافا إلى ذهاب محقّقي الأصحاب إليه.

ثمَّ تنبّه لأمور:

____________

(1) التهذيب 8: 96 ذيل ح 326، الاستبصار 3: 316 ذيل ح 1125، الوسائل 15: 491 ب (3) من أبواب الخلع و المبارأة ح 2، 6، 8.

(2) التهذيب 8: 98 ذيل ح 330، الاستبصار 3: 318 ذيل ح 1132.

(3) من الحجريّتين.

(4) اللمعة الدمشقيّة: 127.

370

..........

____________

الأول: جعل المصنّف صيغة الخلع «خلعتك. إلخ» من غير أن يذكر ما يدلّ على طلبها ذلك أو قبولها يقتضي أن الخلع منحصر في لفظه و لا مدخل للفظها في حقيقته و إن كان مشروطا، فيكون الخلع حينئذ من باب الإيقاعات حيث تتمّ صيغته بواحد.

و صرّح العلّامة (1) و غيره (2) باعتبار قبولها أو سبق سؤالها ذلك، و أنّه يشترط التطابق بينهما و عدم تخلّل زمان معتدّ به كما يعتبر ذلك بين الإيجاب و القبول.

و هذا هو الأجود. و حينئذ فيلحق بباب العقود، إلّا أن ما يعتبر من جانبها لا ينحصر في لفظ بل ما دلّ على طلب الإبانة بعوض معلوم، و لا وقوعه بلفظ الماضي و ما في معناه، بل لو وقع بصيغة الأمر كقولها: اخلعني بكذا، أو طلّقني بكذا، أو نحو ذلك، كفى. و لعلّ مثل ذلك هو الموجب لجعل المصنّف الخلع عبارة عن قول الزوج ذلك، لأنه هو اللفظ الذي يعتبر مراعاته بما يعتبر في ألفاظ العقود و الإيقاعات اللازمة. و لا يخفى ما فيه. و لعلّ السّر في الفرق بين الصيغتين منه و منها أنه من جانبه لازم فلا بدّ له من صيغة خاصّة كنظائره من العقود و الإيقاعات اللازمة، و من جانبها جائز، لأن الواقع من جانبها هو بذل المال، و يجوز لها الرجوع فيه، فيلحقه من طرفها حكم العقود الجائزة من عدم افتقارها إلى لفظ مخصوص. و ما يعرض للزومه من جانبه من الجواز بعد رجوعها فهو حكم متأخّر عن وقت إيقاع الصيغة، فلا يعتبر ما كان لازما حينئذ.

الثاني: قد علم ممّا قرّرناه أن حقيقة الخلع هو قول الزوج ذلك، لأنه هو

____________

(1) قواعد الأحكام 2: 79.

(2) راجع الوسيلة: 331، رسالة صيغ العقود و الإيقاعات ضمن رسائل المحقّق الكركي 1: 201. و ربما يظهر أيضا من المراسم: 162.

371

..........

____________

الموجب لبينونتها، أو هو مع سؤال المرأة أو قبولها كما سيأتي (1) تحقيقه، لأن السبب لا يتمّ إلّا بهما فيكون مركّبا منهما. و يمكن مع ذلك أن يجعل سؤالها شرطا في صحّته، و ماهيّته منحصرة في لفظ الزوج، لأنه هو الخالع للباسها حقيقة. و أما جعل الخلع هو بذل المرأة لزوجها مالا فدية لنفسها- كما عرّفه به في التحرير (2)- ففي غاية الرداءة كما لا يخفى. و على تقدير جعله مركّبا من اللفظين يعرّف بأنه إزالة قيد النكاح بعوض مقصود لازم لجهة الزوج مستند إلى كراهة المرأة للزوج دونه، فإن الإبانة المذكورة لا تتحقّق إلّا باللفظين منهما. و يمكن أن يكون وجه جعل المصنّف الخلع هو قول الزوج ذلك ما في الأخبار (3) السابقة و غيرها أنه طلاق و الطلاق منحصر في لفظ الزوج، و إن توقّف على أمر آخر من جهتها يجعل شرطا فيه لا جزءا منه. و لعلّ هذا أجود.

الثالث: وقع في عبارة الرواية الصحيحة ما حكيناه من قوله: «ليس ذلك إذا خلع» بضمّ العين، و هو الموجود في نسخ التهذيب (4). و الصواب إثبات الألف، لأنه خبر «ليس» فيكون منصوبا. و أما ما تكلّف لها شيخنا الشهيد في شرح الإرشاد (5) من كون اسم «ليس» ضمير الشأن فلا يناسب التركيب و لا يدفع الفساد، إذ لا يصلح الباقي للخبريّة مفردا و لا جملة. و ذكر أنه وجده بخطّ بعض الأفاضل

____________

(1) في ص: 376.

(2) تحرير الأحكام 2: 57.

(3) في ص: 368، و لاحظ أيضا الوسائل 15: 492 ب «3» من أبواب الخلع و المبارأة ح 8، 10، 11.

(4) التهذيب 8: 98 ح 332.

(5) غاية المراد: 221.

372

و لا يقع ب: فاديتك، (1) مجرّدا عن لفظ الطلاق، و لا فاسختك، و لا أبنتك، و لا بتتّك، و لا بالتقايل.

____________

مضبوطا «إذا خلع» بفتح الخاء و اللام و العين بجعله فعلا ماضيا، و استحسنه.

و ليس بشيء أيضا، لأن المسؤول عنه هو الخلع و أنه هل يتبع بطلاق أم لا؟ فيبقى التقدير: ليس ذلك الخلع الذي يتبع بالطلاق إذا خلع، و هو تركيب رديء. و نقل عن بعض نسخ التهذيب أن فيها «خلعا» بالألف على القانون العربي. و هو الصواب. و مثل هذا السهو وقع في التهذيب كثيرا في نسخة الأصل، فلا وجه لمثل هذا الالتزام و التكلّف.

قوله: «و لا يقع ب: فاديتك .. إلخ».

(1) إنما لم يقع بهذه الألفاظ لأنها ليست صريحة فيه، و إنما هي كنايات عنه و هو لا يقع عندنا بالكنايات كالطلاق، تمسّكا بالزوجيّة إلى أن يرد دليل يثبت به زوالها شرعا.

و خالف في ذلك العامّة (1) فأوقعوه بجميع ذلك، و جعلوها كنايات تتوقّف على النيّة. و بعضهم (2) جعل اللفظتين الأوّلتين صريحتين فيه، لورود الأولى في قوله تعالى فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْهِمٰا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ (3). و لأن الثانية أشدّ دلالة على حقيقته من لفظ الخلع بناء على أنه فسخ لا طلاق، و على تقدير كونه طلاقا فهو كناية قطعا.

و يضعّف الأول بأن مجرّد وروده في القرآن أعمّ من كونه صريحا، و لأنه لم

____________

(1) حلية العلماء 6: 542، الحاوي الكبير 10: 32- 33، الوجيز 2: 41.

(2) الحاوي الكبير 10: 33، المغني لابن قدامة 8: 182.

(3) البقرة: 229.

373

و بتقدير الاجتزاء (1) بلفظ الخلع هل يكون فسخا أو طلاقا؟ قال المرتضى: هو طلاق. و هو المرويّ. و قال الشيخ- (رحمه الله)-: الأولى أن يقال: فسخ. و هو تخريج. فمن قال هو فسخ لم يعتدّ به في عدد الطلقات.

____________

يتكرّر و لا شاع في لسان حملة الشرع، فلم يلحق بالصريح. و مثله ورود الإمساك (1) في الرجعة و التسريح (2) في الطلاق و فكّ الرقبة (3) في العتق، فإنها إطلاقات خفيّة لا تظهر في تلك المعاني إلّا بانضمام القرائن.

قوله: «و بتقدير الاجتزاء .. إلخ».

(1) هذا الخلاف متفرّع على الخلاف السابق، فإنّا إن اعتبرنا إتباعه بالطلاق فالمعتبر في رفع النكاح هو الطلاق و إضافة الخلع إليه قليلة الفائدة، لأن تملّك المال يحصل بالطلاق في مقابلة العوض، بل بنيّته مع سؤال المرأة. و إن قلنا بوقوعه مجرّدا فهل يكون فسخا، أو طلاقا بمعنى عدّه في الطلقات؟ قال المرتضى (4) و ابن الجنيد (5) و أكثر المتأخّرين هو طلاق، لما روي أن النبي (صلى اللّه عليه و آله) لمّا خلع عنده ثابت بن قيس امرأته قال: «هي واحدة» (6). و للتصريح به في الأخبار السابقة (7) التي استدللنا بها على عدم اشتراط إتباعه بالطلاق حيث جعله نفسه طلاقا. و في رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «و كانت- يعني المختلعة- على تطليقتين باقيتين، و كان الخلع تطليقة» (8). و لأن الفسخ لا

____________

(1) البقرة: 229.

(2) البقرة: 229.

(3) البلد: 13.

(4) الناصريّات (ضمن الجوامع الفقهيّة): 250.

(5) حكاه عنه العلّامة في المختلف: 595.

(6) المراسيل لأبي داود السجستاني: 200 ح 236.

(7) في ص: 368.

(8) الكافي 6: 141 ح 5، التهذيب 8: 96 ح 326، الاستبصار 3: 316 ح 125، الوسائل 15: 491 ب «3» من أبواب الخلع و المبارأة ذيل ح 2.

374

و يقع الطلاق مع الفدية (1) بائنا، و إن انفرد عن لفظ الخلع.

____________

يملكه الزوجان بالتراضي، بخلاف الطلاق، إذ ليس هناك قسم آخر. و لأنه فرقة لا يملكها غير الزوج، و الفسخ يملكه كلّ منهما.

و قال الشيخ (1) تخريجا على القول بتجرّده: إنه فسخ، لأنه ليس بلفظ الطلاق، و هو لا يقع عندنا بالكنايات. و لأنه لو كان طلاقا لكان رابعا في قوله تعالى فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْهِمٰا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ (2) لأن قبله الطَّلٰاقُ مَرَّتٰانِ و بعده فَإِنْ طَلَّقَهٰا فَلٰا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّٰى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ (3) فذكر تطليقتين و الخلع و تطليقة بعدها. و لأنه فرقة خلت عن صريح الطلاق و نيّته فكان فسخا كسائر الفسوخ.

و الأصحّ الأول، للنصوص (4) الصحيحة الصريحة فيه مؤيّدة بغيرها. و يتفرّع على ذلك عدّه في الطلقات الثلاثة المحرّمة، فعلى القول بأنه فسخ لا يعدّ فيها، و يجوز تجديد النكاح و الخلع من غير حصر و لا احتياج إلى محلّل في الثالث، و بخلاف ذلك لو قيل إنه طلاق.

قوله: «و يقع الطّلاق مع الفدية .. إلخ».

(1) إذا وقع الطلاق مع الفدية- سواء كان بلفظ الخلع و قلنا إنه طلاق أو اتبع به، أم بلفظ الطلاق و جعله بعوض- فإنه يقع بائنا لا رجعيّا، للنصوص (5) الدالّة عليه.

و قد تقدّم (6) بعضها. و وجهه- وراء النصّ- أنه حينئذ معاوضة محضة من الجانبين

____________

(1) الخلاف 4: 422- 424 مسألة (3).

(2) البقرة: 229.

(3) البقرة: 230.

(4) الوسائل 15: 490 ب «3» من كتاب الخلع و المبارأة.

(5) لاحظ الوسائل 15: 490 ب (3) من كتاب الخلع و المبارأة.

(6) في ص: 368.

375

[فروع]

فروع

[الأول: لو طلبت منه طلاقا بعوض فخلعها]

الأول: لو طلبت منه طلاقا (1) بعوض فخلعها مجرّدا عن لفظ الطلاق لم يقع على القولين.

و لو طلبت خلعا بعوض فطلّق به لم يلزم البذل على القول بوقوع الخلع بمجرّده فسخا، و يلزم على القول بأنه طلاق أو أنه يفتقر إلى الطلاق.

____________

أو شبيهة بها كالبيع و النكاح، و من ثمَّ اشترط وروده على عوض النكاح أو عوض جديد، و اشترط فيه قبولها باللفظ من غير فصل و تطابق اللفظين، فلو قالت:

خالعني بخمسين، فخلعها بمائة لم يصحّ، كما لو باعه بمائة فقبل بخمسين.

و الأصل في عقود المعاوضات اللزوم، لعموم الآية (1) و قوله (صلى اللّه عليه و آله و سلّم): «المؤمنون عند شروطهم» (2). و يستثنى من ذلك ما إذا رجعت في البذل، فإنه ينقلب رجعيّا. و سيأتي (3) البحث فيه.

و اعلم أنه مع اشتراك الخلع و الطلاق بعوض في هذا الحكم يفترقان بأن الخلع مختصّ بحالة كراهة الزوجة له خاصّة، كما انفردت المبارأة بكون الكراهة منهما و اشتراط كون العوض بقدر ما وصل إليها منه، بخلاف الطلاق بالعوض، فإنه لا يشترط فيه شيء من ذلك، فكان التعبير به مع إفادته المقصود من الخلع أولى، خصوصا مع اشتباه حالهما في الكراهة أو اختلافهما فيها.

قوله: «لو طلبت منه طلاقا .. إلخ».

(1) إنما لم يقع في الأول لأنّه لم يأت بما طلبت فلا يستحقّ بما بذلك لأجله،

____________

(1) المائدة: 1.

(2) التهذيب 7: 371 ح 1503، الاستبصار 3: 232 ح 835، الوسائل 15: 30 ب «20» من أبواب المهور ح 4.

(3) في ص: 423.

376

[الثاني: لو ابتدأ فقال: أنت طالق بألف]

الثاني: لو ابتدأ فقال: (1) أنت طالق بألف، أو: عليك ألف، صحّ الطلاق رجعيّا، و لم يلزمها الألف و لو تبرّعت بعد ذلك بضمانها، لأنه ضمان ما لم يجب. و لو دفعتها إليه كانت هبة مستأنفة، و لا تصير الطلقة بدفعها بائنة.

____________

لأنها إنما طلبت الطلاق و هو أمر تقع به البينونة و ترتفع به الزوجيّة إجماعا، و يقع به نقصان الطلاق فيكون جزءا من المحرّم، بخلاف الخلع، لما قد عرفت من الخلاف فيه، فإنّا إن قلنا إنه فسخ فكونه خلاف ما طلبته واضح، و إن جعلناه طلاقا فهو طلاق مختلف فيه و ما طلبته لا خلاف فيه، فظهر أنه خلاف مطلوبها على القولين.

و أما في الثاني- و هو ما لو طلبت منه خلعا فطلّق به- فإن جعلنا الخلع فسخا فطلّق لم يلزم البذل، لأنه لم يأت بما طلبت، و يقع الطلاق رجعيّا، إذ لا مانع من صحّته كذلك، فإنه غير مشروط بالعوض و لا بالتماسها أو رضاها. و إن جعلنا الخلع طلاقا أو مفتقرا إلى الطلاق و أتبعه به لزم البذل، لإتيانه بما التمسته و زيادة كما علم من السابقة.

و اعلم أن الخلع لا يتحقّق عندنا إلّا بعوض، فقوله: «لو طلبت منه خلعا بعوض» أراد به عوضا معيّنا ذكرته كألف- مثلا- احترازا ممّا لو أطلقت فقالت:

«خالعني» و لم تذكر العوض، فإنه لا يستحقّ عليها عوضا بإيقاعه الخلع إلّا إذا عيّن فيه عوضا و قبلته بعد ذلك إن قلنا بالاكتفاء بقبولها.

قوله: «لو ابتدأ فقال. إلخ».

(1) يعتبر في صيغة الخلع وقوعها على وجه المعاوضة بينة و بين الزوجة، و يتحقّق ذلك بأحد أمرين:

تقدّم سؤالها ذلك بعوض معيّن كقولها: طلّقني بألف، أو اخلعني بألف،

377

..........

____________

فيجيبها على ذلك. و يكفي في ظهور المعاوضة حينئذ إتيانه بالطلاق أو الخلع مقرونا بذلك العوض و مجرّدا عنه مع نيّته، كقوله: أنت طالق بالألف، أو عليها، أو على العوض المذكور، أو خلعتك عليها، أو بها، أو أنت طالق، أو مختلعة مجرّدا ناويا به كونه بذلك العوض، لظهور المعاوضة [فيه] (1) مع تقدّم ذكره من جانب الزوجة، كما لو قال: بعني كذا بكذا فقال: بعتك.

و الثاني: ابتداؤه به مصرّحا بذكر العوض كقوله: أنت طالق بألف، أو خلعتك بألف، أو عليها، و نحو ذلك، مع قبولها بعده بغير فصل يعتدّ به كغيره من المعاوضات.

فلو تخلّف الأمران معا- بأن ابتدأت السؤال بغير عوض كقولها: طلّقني، أو خالعني، فأجابها كذلك، أو أجابها بعوض و لم يجدّد القبول في محلّة، أو ابتدأ ذاكرا للعوض صريحا و لم يحصل منها القبول كذلك، أو أتى بلفظ لا يدلّ على العوض مع عدم تقدّم سؤالها به و إن قبلت- لم يلزم العوض، بل إن كان قد أتى بلفظ الطلاق وقع رجعيّا و إن أتى بالخلع بطل.

إذا تقرّر ذلك فنقول: إذا ابتدأ الزوج فقال: أنت طالق و عليك ألف، أو: ولي عليك ألف، وقع الطلاق بغير عوض و لم تلزم الألف، لأنها صيغة إخبار لا صيغة التزام، إذ لم يسبقه استيجاب يدلّ عليه، و لم يجعله عوضا، بل جعله جملة معطوفة على الطلاق فلا يتأثّر بها و تلغو في نفسها، كما لو قال: أنت طالق و عليك حجّ، و إن قبلت، لأنّ قبولها إنما وقع رضى بما فعل و لم يقع منه ما يقتضي المعاوضة، بخلاف ما إذا كانت قد قالت: طلّقني و لك عليّ ألف، أو: و عليّ ألف، فأجابها

____________

(1) من «ق» فقط.

378

..........

____________

بذلك، لوقوع الالتزام منها و هو الذي يتعلّق بها و الزوج ينفرد بالطلاق، فإذا لم يأت بصيغة المعاوضة حمل كلامه على ما ينفرد به و كفاه نيّته، حتى لو أطلق و قال:

أنت طالق، عقيب سؤالها بالعوض كفى ذلك و لزمها المال، لتحقّق المعاوضة و وقوعها من جانب من وظيفته التزامه فيها (1)، و وقوع الجزاء منه به.

و لو ابتدأ فقال: أنت طالق بألف، أو على ألف، أو خالعتك على ألف، أو بألف، فقد وقعت صيغة المعاوضة من جانبه، فإن لحقها القبول منها في محلّه صحّ و لزم المال، و إن تقدّم مع ذلك سؤالها به فقد تمّت المعاوضة من الجانبين.

و ممّا قرّرناه يظهر الفرق بين الصيغتين اللّتين أتى بهما المصنّف و جعلهما غير ملزمتين للمال، فإن عدم لزومه في الأولى مشروط بعدم لحوق القبول منها، إذ الفرض كونها غير ملتمسة منه ذلك، بخلاف الثانية، فإنها لا توجب التزام المال، سواء قبلت أم لا، لعدم دلالتها على المعاوضة وضعا و إن قصده، إذ لا بدّ من التعبير باللفظ الدالّ على المعنى المطلوب كغيره من المعاوضات.

و على هذا فقوله: «لم يلزمها الألف و إن تبرّعت بعد ذلك بضمانها» يتمّ في الأمرين على تقدير عدم قبولها ذلك كما هو ظاهر العبارة، لأنه لم يذكر ما يدلّ على قبولها لذلك، و تبرّعها بالمال أمر آخر غير القبول المعتبر. و لا فرق حينئذ بين أن لا يقع قبول أصلا أو يقع متراخيا عن لفظ الزوج. و لو فرض أنها قبلت صحّ في الأولى دون الثانية.

و الشيخ في المبسوط (2) فرّق بين العبارتين، فحكم في الثانية بما ذكره

____________

(1) في «ط»: منها.

(2) المبسوط 4: 359.

379

..........

____________

المصنّف معلّلا بما ذكره، و حكم في الأولى بصحّته مع قبولها. و هو حسن.

و العلّامة تبع المصنّف في العبارتين و أجمل الحكم في الأمرين، مع أنه قال في القواعد قبل ذكر ذلك: «و لو قال: خالعتك على كذا فلا بدّ من القبول إن لم يسبق السؤال» (1) و ذلك يدلّ على صحّة البذل في الأولى هنا إذا لحقها القبول، إذ لا فرق بين قوله: «عليّ كذا» و «بكذا» بل الباء أقعد في تحقيق المعاوضة، فإنها هنا باء العوض. و الوجه في عدم الصحّة في الأولى من المذكور ثانيا ما ذكرناه من عدم وقوع القبول المعتبر من جانب المرأة و إن وقع منها لفظ الضمان، فإنه لا يعدّ قبولا بل إتيانا بلفظ فاسد الوضع هنا حيث إنه ضمان ما لم يجب.

و بهذا يندفع ما أورده شيخنا الشهيد في بعض حواشيه على القواعد من استشكاله الجمع بين عبارتيه، حيث دلّت الأولى على صحّة الخلع إذا ابتدأ الزوج بقوله: خلعتك على كذا، و لحقه القبول، و دلّت الثانية على عدم الصحّة حيث قال:

«لو ابتدأ فقال: أنت طالق بألف، صحّ الطلاق رجعيّا و لم يلزمها الألف و إن تبرّعت بعد ذلك بضمانها» (2). قال: «إلّا أن يراد بالثاني التراخي فالإشكال أقلّ».

و لا يخفى عليك أنه ليس في عبارته الثانية ما يدلّ على وقوع القبول منها لا على الفور و لا على التراخي، و إنما ذكر تبرّعها بدفع الألف أو بضمانها و هو أمر مباين للقبول.

نعم، قد يتوهّم من عدم حكمهم بصحّة البذل في المسألتين كون الوجه فيه عدم تقدّم طلبها على إيقاعه الصيغة، و يجعل تقدّمه شرطا على كلّ حال، نظرا إلى أن الخلع أو الطلاق إذا تقدّم على طلبها بالعوض تكون فيه شائبة التعليق، من

____________

(1) قواعد الأحكام 2: 79.

(2) قواعد الأحكام 2: 80.

380

..........

____________

حيث إن وقوع الطلاق يترتّب على قبول المال أو بذله، كما يترتّب الطلاق المعلّق بالشرط عليه، بخلاف ما إذا تقدّم طلبها، فإن الواقع حينئذ يصير معاوضة منجّزة تشبه الجعالة، لأنها تبذل المال في مقابلة ما يستقلّ (1) به الزوج و هو الطلاق، فإذا أتى به وقع موقعه و حصل غرضها، كما أن في الجعالة يبذل الجاعل المال في مقابلة ما يستقلّ (2) به، فإذا فعله وقع موقعه و حصل الغرض من غير تعليق.

و جوابه: أن الصيغة الأولى و إن اشتملت على شائبة التعليق لكن لفظها خال عنه، و مجرّد المعنى إنما هو مقتضى المعاوضة فلا يقدح، كما يقال ذلك في كلّ معاوضة، فإن من ابتدأ البيع فقال: بعتك بكذا، معناه: أنّك إن أعطيتني العوض المعيّن ملّكتك المعوّض، و ذلك لا يقدح في صحّة البيع، بخلاف ما لو صرّح بالشرط المذكور في متن العقد. و بالجملة فهذا الشرط المفهوم من اللفظ هو مقتضى الخلع أو الطلاق بالعوض و غير مصرّح به، فلا يقدح بحال.

بقي في المسألة مباحث:

الأول: قول المصنّف: «و لو تبرّعت بعد ذلك بضمانها» تبع فيه الشيخ في المبسوط (3)، و إطلاق الضمان على التزامها ذلك متجوّز (4)، لأن حقيقة الضمان التزام ما في ذمّة الغير، و هنا الألف غير ثابتة في ذمّة أحد، و لو ثبتت لثبتت في ذمّتها، فلا معنى لضمانها لها. و إنما المراد من الضمان هنا غايته و هو التزامها لها في الذمّة في الجملة، و ذلك لا يصحّ أيضا شرعا، لا لأنه ضمان ما لم يجب كما علّل. فإن ضمان ما لم يجب المانع من صحّة الضمان المراد به ضمان شخص مالا عن آخر

____________

(1) في «م» و الحجريّتين: يستقبل.

(2) في «م» و الحجريّتين: يستقبل.

(3) المبسوط 4: 358.

(4) في «م»: تجوّز.

381

..........

____________

لم يجب المال في ذمّة ذلك المضمون، و الضامن هنا هو المضمون، بل المراد أن التزامها لها بعد قوله ذلك على الوجه الذي فصّلناه لا يوجب لزومها لها، لأن ضمانها كذلك ليس من الأسباب المشغلة للذمّة بما ليس فيها، و لو فرض دفعها إليه على هذا الوجه كان ابتداء عطيّة يعتبر في صحّتها و لزومها ما يعتبر في العطيّة.

و يظهر من المبسوط (1) أن المراد بضمانها في هذه الصورة قبولها، و جعله ضمانا من حيث اشتماله على الرضا بالتزام المال. و عبّر في المسألة الأولى- و هي قوله: أنت طالق على ألف- بأنها إذا ضمنت وقع الطلاق، و علّله بأن ضمانها وقع جوابا لكلامه. و توجيه عدم صحّة الضمان على هذا في الصيغة الثانية أنها لم تشتمل على جعل الألف عوضا، بل جعلها كلاما مستأنفا كما مرّ (2)، فإذا قبلتها على هذا الوجه كان قبول ما ليس بلازم و لا مرتبط بالطلاق الذي شرّع جعله بعوض، فكان قبولها لذلك التزاما لما لم يجب و إن وقع مقارنا، بخلاف ضمانها في الأولى يعني (3) قبولها، فإنها دالّة على جعل الألف عوضا و شرطا في الطلاق، فإذا قبلته على هذا الوجه لزم.

الثاني: قد عرفت من تعليل المسألتين أن المانع من صحّة العبارة الأولى- و هي قوله: أنت طالق بألف- إما عدم تقدّم سؤالها أو عدم القبول بعده، و أن المانع من صحّة الثانية- و هي قوله: و عليك ألف- عدم تقدّم سؤالها، لكونها غير صالحة بنفسها للمعاوضة.

و يتفرّع على ذلك ما لو قال الرجل بعد قبولها: قصدت في الثاني العوض،

____________

(1) المبسوط 4: 358.

(2) في ص: 377.

(3) في «ق، م» و الحجريّتين: بغير.

382

..........

____________

و أردت بقولي: و لي عليك ألف، ما يعنيه القائل بقوله: طلّقتك على ألف، فإنه لا يصدّق، لأنّ ذلك خلاف مدلول اللفظ، فلا يكفي قصده في لزوم العوض. و لو وافقته المرأة فوجهان، من أن اللفظ لا يصلح للالتزام، فلا يؤثّر مصادقتها على قصده، و من أن الحقّ عليها، و من الجائز أن يريد: لي عليك ألف عوضا عنه، و نحو ذلك. و الأجود الأول. و يتفرّع على الوجهين ما لو أنكرت، فإنها تحلف على نفي العلم بقصده ذلك على الثاني دون الأول، لأنها لو أقرّت لم يؤثّر.

و لو ادّعى أنه كان جوابا لاستدعائها و قولها: طلّقني بألف، فإن وافقته لزمها الألف لا من حيث قوله: «و عليك ألف» بل لسبق الاستدعاء، فإنه لو اقتصر معه على قوله: «أنت طالق» لزمها الألف. و إن أنكرت فالقول قولها، فإن حلفت فلا شيء عليها و وقع الطلاق بائنا، لاعترافه بذلك، و إنما أضاف إليه دعواه عليها العوض.

الثالث: لو قال: أنت طالق على أن عليك ألف، فإن كان قد سبق منها التماسه بذلك وقع، لأنه أدلّ على الالتزام بالعوض من الثاني. و إن لم يسبق التماس و قبلت ففي إلحاقه بالأولى أو الثانية وجهان، من توهّم ظهورها في إرادة العوض، و من كونها صيغة شرط في الطلاق، بمعنى كونه قد علّق طلاقها على شرط و هو أن يكون عليها ألف لا على وجه المعاوضة. و الأقوى الأول، لما ذكرناه من ظهور إرادة العوض، و كون الشرط أن يكون عليها ألف إذا التزمتها عوضا عن الطلاق، فإذا قبلت وقع الطلاق و لزم العوض.

و في المبسوط (1) ساوى بين هذه الصيغة و الصيغة الأولى، و حكم بصحّة

____________

(1) المبسوط 4: 358.

383

..........

____________

الطلاق و لزوم المال مع قبولها، و جعل ضمانها كناية عنه. و علّل الصحّة بأنه قد علّق طلاقها بشرط أن يكون عليها ألف، و إنما يكون عليها ألف لضمانها ذلك، فإذا ضمن وقع الطلاق، لأن الصفة قد وجدت إذا كان ضمانها جوابا لكلامه.

و محصّل كلامه: أن هذا الشرط لا يقدح في الصحّة، و إنما هو بمنزلة القيد و الصفة لإيقاع الطلاق، فهو- كما أشرنا إليه سابقا (1)- صيغة منجّزة فيها شائبة الشرط من حيث تقييده الطلاق بقصد العوض. و يظهر منه أنها إذا لم تقبل لا يقع الطلاق رجعيّا، فإنه قال: «فإذا ضمنت وقع الطلاق» و مقتضى الشرط أنه لا يقع بدون الضمان أعني القبول. قال: «و الفرق بين قوله: أنت طالق على أن عليك ألفا، و بين قوله: أنت طالق و عليك ألف، هو أنه إذا قال: و عليك ألف، لم يجعل الطلاق معلّقا به، و إنما عطف به بعد وقوع الطلاق مجرّدا عن عوض، فلهذا وقع الطلاق و لم يجب عليها شيء، و ليس كذلك قوله: على أن لي عليك ألفا، لأنه ربط الطلاق بالألف و علّقه به، و جعل الصفة فيه حصول الألف عليها، فلهذا لم يقع الطلاق إلّا بضمانها» انتهى. و هذا أيضا صريح في أن الطلاق لا يقع بدون ضمانها رجعيّا في هذه الصورة، و جعل الحكم فيما إذا قال: «أنت طالق على ألف» مثل ذلك.

الرابع: المراد بقوله: «صحّ الطلاق رجعيّا» حيث لا يلزم العوض على تقدير كونها ذات عدّة تقبل الرجعة، فلو كانت المطلّقة كذلك غير مدخول بها أو صغيرة أو يائسة لم يكن الطلاق رجعيّا كما لا يخفى. و كذا لو كان هذا الطلاق ثالثا، فإنه لا يلزم من عدم لزوم البذل كونه رجعيّا. و قد عبّر بوقوع الطلاق على هذا التقدير

____________

(1) في ص: 379.

384

[الثالث: إذا قالت: طلّقني بألف]

الثالث: إذا قالت: طلّقني بألف (1)، كان الجواب على الفور، فإن تأخّر لم يستحقّ عوضا، و كان الطلاق رجعيّا.

____________

رجعيّا الشيخ (1)، و تبعه عليه المصنّف و غيره (2). و ليس على إطلاقه كما لا يخفى.

و من هنا يتوجّه أيضا الفرق بين الصيغتين المذكورتين، و أن الحكم بكون الطلاق يقع رجعيّا لا يتمّ إلّا على تقدير قوله: و عليك ألف، حيث لم يربط العوض بالطلاق، أما إذا ربطه به و جعله عوضا بقوله: على ألف، أو على أن عليك ألفا، أشكل- مع عدم قبولها- وقوع الطلاق حيث لم يقصده مجرّدا خصوصا مع كونه غير رجعي، فإن الحكم بصحّته يوجب لزومه له مع كونه لم يقصده أصلا بدون العوض، فالحكم ببطلانه لو لم تقبل المرأة المال و تلتزمه- كما ذكره الشيخ (3)- في غاية القوّة، بخلاف قوله: و عليك ألف، فإنه قد قدم على الطلاق مجرّدا و عطف عليه التزام ما لا يلزم، فلا يقدح فواته في صحّته كما قد تقرّر.

قوله: «إذا قالت: طلّقني بألف. إلخ».

(1) قد تقرّر أنّ الخلع يشبه عقود المعاوضات أو هو من جملتها، لاشتمالها على افتداء البضع بعوض مخصوص، و هو يقتضي لفظا دالّا على إرادتها بذل ما تجعله عوضا، و لفظا منه يدلّ على إبانتها بذلك، فكان ذلك كالإيجاب و القبول في العقود اللازمة و لو من طرف واحد، فإن ذلك لازم من طرفه إلى أن ترجع في البذل. فلا بدّ من وقوعها متعاقبين بحيث يدلّ على أن أحدهما جواب للآخر و التزام به. فإن تقدّم التماسها فقالت: طلّقني بألف مثلا، اعتبر كون جوابه لها على الفور بحيث لا يتخلّلهما زمان طويل و لا كلام أجنبي يوجب رفع ارتباط

____________

(1) المبسوط 4: 359.

(2) راجع الجامع للشرائع: 477، قواعد الأحكام 2: 79- 80.

(3) المبسوط 4: 359.

385

..........

____________

أحدهما بالآخر. و إن تقدّم لفظه فقال: خالعتك على ألف مثلا، اعتبر التزامها للألف و قبولها لها عقيب كلامه كذلك. و متى حصل التراخي بينهما طويلا على الوجه الذي بيّنّاه لم يستحقّ عوضا، و وقع الطلاق رجعيّا، بمعنى كونه صحيحا خاليا عن العوض. فإن كانت ذات عدّة يجوز الرجوع فيها كان رجعيّا و إلّا فلا كما قرّرناه سابقا. و على تقدير كونه بائنا فالتقصير مستند إليه حيث أوقع الطلاق باختياره على وجه لا يسلم له العوض.

و ظاهر كلامه- كغيره- أنه لا فرق في ذلك بين العالم بالحال و الجاهل.

و هو يتمّ بغير إشكال على تقدير كون الطلاق رجعيّا كما أطلقه. أما لو كان بائنا- كطلاق غير المدخول بها مع تصريحه بقصد العوض و لم يتعقّبه قبولها على الفور- فالحكم بصحّة الطلاق على هذا الوجه بغير عوض لا يخلو من إشكال، لعدم القصد إليه. نعم، يتّجه كلامه على إطلاقه على تقدير أن تقول: طلّقني بألف، فتراخى ثمَّ يقول: أنت طالق، و لا يذكر العوض، فإنه حينئذ طلاق مجرّد عن العوض، فلا يبعد القول بنفوذه كذلك. أما مع تصريحه بالعوض و جهله بالحال و تعذّر الرجعة فهو محلّ إشكال. و ما وقفت هنا لأحد من المعتمدين على شيء يعتدّ به.

و اعلم أنه لا فرق مع تقدّم سؤالها بين قولها: طلّقني أو خالعني بكذا، أو على كذا، أو على أن عليّ كذا، أو على أن أعطيك كذا. و في معناها: إن طلّقتني، أو: إذا طلّقتني، أو: متى ما طلّقتني فلك كذا، بخلاف قول الرجل: متى (1) ما أعطيتني كذا، أو: إن أعطيتني، أو غير ذلك من أدوات الشرط، فإنه لا يقع. و لا فرق

____________

(1) في الحجريّتين: مهما.

386

[النظر الثاني في الفدية]

النظر الثاني في الفدية كلّ ما صحّ (1) أن يكون مهرا صحّ [أن يكون] فداء في الخلع. و لا تقدير فيه، بل يجوز و لو كان زائدا عمّا وصل إليها من مهر و غيره.

____________

في جميع ذلك بين أن يعيد الرجل ذكر المال بعد صيغة الخلع أو الطلاق و عدمه، لانصراف الجواب إلى السؤال، كما إذا قال البائع: بعت بكذا، فقال: اشتريت، و اقتصر عليه، فإنه يكفي.

و لو قالت: طلّقني و لك عليّ ألف، فقال: أنت طالق، صحّ ذلك و لزمها الألف، لأن هذه الصيغة تصلح للالتزام كما قال تعالى وَ لِمَنْ جٰاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ (1) و الإتيان بها عقيب سؤال الطلاق قرينة دالّة عليه، بخلاف ما إذا قال الزوج: أنت طالق و لي عليك كذا، فإنه لا يصلح لالتزام المال كما مرّ. و يحتمل تساويهما في عدم الالتزام، نظرا إلى أن قولها: «و لك عليّ كذا» بالوعد أشبه منه بالالتزام. و على هذا فإن اقتصر على قوله: أنت طالق، وقع الطلاق رجعيّا بشرطه. و إن قال: أنت طالق على ألف، أو بها، و نحوه، افتقر إلى قبولها بعده. و هذا أحوط و إن كان الأول أقوى.

قوله: «كلّ ما صحّ .. إلخ».

(1) عوض الخلع سبيله سبيل المهر فلا يتقدّر، و يجوز أن يكون قليلا و كثيرا، عينا و دينا، بعد أن يكون متموّلا مع سائر شروط الأعواض كالقدرة على التسليم و استقرار الملك و غيرهما. و لا يتقدّر في جانب الكثرة بما وصل إليها من مهر و غيره، بخلاف عوض المبارأة. و الأصل في الفرق- قبل الإجماع- عموم قوله

____________

(1) يوسف: 72.

387

و إذا كان غائبا (1) فلا بدّ من ذكر جنسه و وصفه و قدره. و يكفي في الحاضر المشاهدة. و ينصرف الإطلاق إلى غالب نقد البلد، و مع التعيين إلى ما عيّن. و لو خالعها على ألف و لم يذكر المراد و لا قصد فسد الخلع.

____________

تعالى فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْهِمٰا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ (1) و حسنة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) إلى أن قال: «فإذا فعلت ذلك حلّ له ما أخذ منها» (2). و في رواية سماعة: «فإذا هي اختلعت فهي بائن، و له أن يأخذ من مالها ما قدر عليه» (3).

و لأن الكراهة لمّا كانت منها ناسب أن يجوز طلب ما شاء عوضا عن الخلع، بخلاف ما إذا اشتركا في الكراهة.

قوله: «و إذا كان غائبا .. إلخ».

(1) هنا مسائل:

الأولى: يشترط العلم بالعوض لا من كلّ وجه بل كونه بحيث يمكن تسليمه و يرفع معظم الغرر. فإن كان غائبا فلا بدّ من ذكر جنسه، ككونه فضّة أو ذهبا أو ثوب قطن أو كتّان، و وصفه إن اختلفت أوصافه و اختلفت قيمته باختلافها، و قدره كقفيز حنطة موصوفة بصفاتها التي يختلف بها الثمن، و نحو ذلك. و إن كان حاضرا اعتبر ضبطه إما بالوصف و القدر أو بالمشاهدة و إن لم يعلم مقدار وزنه أو كيله أو ذرعه، لاغتفار ذلك في المهر، فيكتفى به فيما ناسبه في المعنى. و على هذا فلو بذلت له مالها في ذمّتها من المهر أو الأعمّ منه و من غيره و لم يعلم قدره لم يصحّ، لأن هذا من الغائب الذي يعتبر معرفة مقداره. و لو

____________

(1) البقرة: 229.

(2) الكافي 6: 140 ح 3، التهذيب 8: 95 ح 324، الاستبصار 3: 315 ح 1123، الوسائل 15: 488 ب «1» من أبواب الخلع و المبارأة ح 4، و ص: 494 ب «4» ح 4.

(3) الكافي 6: 140 ح 2، التهذيب 8: 95 ح 323، الاستبصار 3: 315 ح 1122، الوسائل 15: 488 ب «1» من أبواب الخلع و المبارأة ح 4، و ص: 494 ب «4» ح 4.

388

..........

____________

أحضرت له أمتعة مشاهدة لهما و بذلتها له صحّ و إن لم يعلم مقدار قيمتها. و حيث يعتبر العلم بالقدر أو الوصف أو المشاهدة فالمعتبر فيه علمهما معا، فلا تكفي معرفة أحدهما دون الآخر، لأن المعاملة واقعة من الطرفين.

الثانية: إذا بذلت له مائة دينار أو مائة درهم صحّ و انصرف إلى الموجود في نقد البلد ذلك الوقت إن اتّحد. و لو تعدّد و كان هناك نقد غالب حمل عليه، لأن المعاملات تنزّل على النقد الغالب، و الخلع فيما يرجع إلى المال كسائر المعاملات.

و لا فرق [1] في الغالب بين كونه ناقص الوزن عن الدراهم الشرعيّة و زائدة، و لا بين كونه مغشوشا و خالصا. و لو تعدّد و لم يكن فيها غالب وجب التعيين، و بطل مع الإطلاق كغيره من المعاوضات، لاستحالة الترجيح من غير مرجّح. و لو كان هناك غالب أو نقد متّحد فعيّنا غيره صحّ، لأن المرجع في ذلك إليهما كما لو بذلت غير النقد.

الثالثة: لو خالعها على ألف و أطلق و لم يذكر المراد منها جنسا و لا وصفا و لا قصده في النيّة لم يصحّ، للجهالة، و للاشتراك المانع من الحمل على بعضها دون بعض. و إن قصدت بها معيّنا جنسا و وصفا كمائة دينار و وافقها على قصدها صحّ و لزمها ما قصداه، و إن لم يجز ذلك في غيره من المعاوضات كالبيع، لأن المقصود أن يكون العوض معلوما عند المتعاقدين، فإذا توافقا على شيء بالنيّة كان كما لو توافقا بالنطق. هذا هو الذي اختاره المصنّف و العلّامة (2) و قبلهما الشيخ في

____________

[1] في هامش «ط، و»: «نبّه به على خلاف بعض الشافعيّة حيث ذهب إلى أن الغالب لو كان ناقصا أو مغشوشا لا ينصرف الإطلاق إليه، بل يحمل على الفضّة الخالصة. بخطّه (رحمه الله)».

لاحظ الوجيز 2: 46، روضة الطالبين 5: 710.

____________

(2) قواعد الأحكام 2: 80.

389

و لو كان الفداء (1) ممّا لا يملكه المسلم- كالخمر- فسد الخلع. و قيل:

يكون رجعيّا. و هو حقّ إن اتبع بالطلاق، و إلّا كان البطلان أحقّ.

و لو خالعها على خلّ فبان خمرا صحّ، و كان له بقدره خلّ.

____________

المبسوط (1)، و هو الذي يقتضيه قوله: «و لا قصد بطل الخلع» فإن مفهومه صحّته مع قصده. و سيأتي (2) في مسائل النزاع ما ينبّه عليه أيضا.

و يحتمل فساد الخلع بإهمال ذكر الجنس و الوصف و إن قصداه، كما لا يصحّ ذلك في غيره من عقود المعاوضات.

و على المشهور فلو قالت: بذلت لك مالي في ذمّتك، أو ما عندي، أو ما أعطيتني من الأسباب، و نحو ذلك، مع علمهما بقدره و وصفه صحّ، و لو وقع البيع على مثل ذلك لم يصحّ، بل لا بدّ فيه من التلفّظ بما يعتبر تعيينه من الجنس و الوصف و القدر، و هذا من الأمور المحتملة في هذا الباب من الغرر دون غيره من المعاوضات المحضة. و قد سبق (3) في باب المهر ما ينبّه على لمّيته.

قوله: «و لو كان الفداء .. إلخ».

(1) قد تقدّم (4) أن شرط الفدية أن يكون مالا مملوكا للمرأة، لأنه عوض عن حقّ البضع فلا بدّ من صلاحيّته للمعاوضة. فلو بذلت له خمرا أو خنزيرا، فإن كان عالما بالحال فسد الخلع، لأن العوض جزء ماهيّته عندنا، فلا يتحقّق بدون العوض، و هو منتف هنا.

____________

(1) المبسوط 4: 349.

(2) في ص: 447.

(3) في ج 8: 170.

(4) في ص: 386.

390

..........

____________

قال الشيخ (1): و يقع طلاقا رجعيّا، لاشتماله على أمرين: الطلاق و العوض، فإذا بطل أحدهما يبقى الآخر كما لو اختلّت إحدى الشرائط كما سبق.

و ردّه المصنّف بأنه مع الاقتصار على الخلع لا يتحقّق صحّة الطلاق مع فساد العوض، لأن الخلع الذي يقوم مقام الطلاق أو هو الطلاق ليس إلّا اللفظ الدالّ على الإبانة بالعوض، فبدونه لا يكون خلعا، فلا يتحقّق رفع الزوجيّة بائنا و لا رجعيّا، و إنما يتمّ إذا أتبعه بالطلاق ليكونا أمرين متغايرين لا يلزم من فساد أحدهما فساد الآخر، فيفسد حينئذ الخلع، لفوات العوض، و يبقى الطلاق المتعقّب له رجعيّا، لبطلان العوض الموجب لكونه بائنا. و هذا أقوى (2).

و إن كان جاهلا بعدم ماليّته- كما لو ظنّه خلّلا فبان خمرا، أو عبدا فظهر حرّا- فقد حكم المصنّف بصحّته كما لو أمهرها ذلك فظهر كذلك، لأن تراضيهما على المقدار من الجزئي المعيّن الذي يظنّان كونه متموّلا يقتضي الرضا بالكلّي المنطبق عليه، لأن الجزئي مستلزم له، فالرضا به يستلزم الرضا بالكلّي، فإذا فات الجزئي لمانع صلاحيّته للملك بقي الكلّي. و لأنه أقرب إلى المعقود عليه.

و لم ينقلوا هنا قولا في فساده، و لا وجوب قيمته عند مستحلّيه كما ذكروه في المهر، مع أن الاحتمال قائم فيه، أما الأول فلفقد شرط صحّته و هو كونه مملوكا. و الجهل به لا يقتضي الصحّة كما لو تبيّن فقد شرطه (3) في بعض أركان العقد. و أما الثاني فلأن قيمة الشيء أقرب إليه عند تعذّره. و لأن المقصود من المعيّن ماليّته، فمع تعذّرها يصار إلى القيمة، لأنه لا مثل له في شرع الإسلام، فكان

____________

(1) المبسوط 4: 358.

(2) في «و»: قويّ.

(3) في «و»: شرط.

391

و لو خالع على حمل (1) الدابّة أو الجارية لم يصحّ.

____________

كتعذّر المثل في المثلي حيث يجب، فإنه ينتقل إلى قيمته. و لو ظهر مستحقّا لغيره فالحكم فيه مع العلم و الجهل كما فصّل.

قوله: «و لو خالع على حمل .. إلخ».

(1) لا فرق في ذلك بين كونه موجودا في بطنها بالفعل و عدمه، كما لو خالعها على ما تحمله في المستقبل، لاشتراكهما في الجهالة المانعة، و زيادة الثاني بكونه معدوما.

و خالف في ذلك بعض العامّة (1) فجوّز الخلع في الموضعين، و اغتفر الجهالة في الأول، و جعل الثاني كالوصيّة. و الأول محتمل، لاحتمال هذا العقد من الغرر بما يقارب ذلك. أما الثاني فلا، إذ لا عوض أصلا، و لا وثوق بالمتجدّد، بخلاف الموجود، فإن له ماليّة تقبل المعاوضة و لو بالتبعيّة في عقد يحتمل الغرر.

و مثله ما لو خالعها على ما في كفّها، فإنه لا يصحّ عندنا، سواء علم أن في كفّها شيئا متموّلا و جهل مقداره أو عينه أو لم يعلم. و من أجاز الأول صحّحه هنا مع العلم بوجود شيء في كفّها يصلح للعوض، أو ظهور وجوده فيه. فإن لم يظهر فيه شيء ففي وجوب مهر المثل كما لو ظهر فساد العوض، أو وقوع الطلاق رجعيّا، أو لزوم ثلاثة دراهم، لأن المقبوض في الكفّ ثلاثة أصابع، و هي ما عدا الإبهام و المسبّحة، فيجب قدره من النقد الغالب، أوجه أبعدها الأخير.

____________

(1) حلية العلماء 6: 552، المغني لابن قدامة 8: 190، روضة الطالبين 5: 693، كفاية الأخيار 2: 50.

392

و يصحّ بذل الفداء (1) منها، و من وكيلها، و ممّن يضمنه بإذنها. و هل يصحّ من المتبرّع؟ فيه تردّد. و الأشبه المنع.

____________

قوله: «و يصحّ بذل الفداء .. إلخ».

(1) الأصل في الفداء المبذول في هذا الباب أن يكون من المرأة لنسبته إليها في قوله تعالى فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْهِمٰا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ (1). و بذل وكيلها في معنى بذلها، لأنه يبذله من مالها بإذنها. و كذا بذله ممّن يضمنه في ذمّته بإذنها، فيقول للزوج:

طلّق زوجتك على مائة و عليّ ضمانها. و الفرق بينه و بين الوكيل: أن الوكيل يبذل من مالها بإذنها، و هذا يبذل من ماله بإذنها ليرجع عليها بما يبذله بعد ذلك، فهو في معنى الوكيل الذي يدفع العوض عن الموكّل من ماله ليرجع به عليه، فدفعه له بمنزلة إقراضه لها و إن كان بصورة الضمان.

و أما بذله من المتبرّع عنها بأن يقول للزوج: طلّق امرأتك بمائه من مالي بحيث يكون عوضا للخلع، ففي صحّته قولان أظهرهما بين الأصحاب- و هو الذي اختاره المصنّف و الشهيد (2) و غيرهما (3) من الأصحاب- العدم، فلا يملك الزوج البذل، و لا يقع الطلاق إن لم يتبع به، لأن الخلع من عقود المعاوضات، فلا يجوز لزوم العوض لغير صاحب المعوّض، كالبيع لو قال: بعتك كذا بمائة في ذمّة فلان. و لأنه تعالى أضاف الفدية إليها في الآية المتقدّمة، و ألحق بها بذل الوكيل و الضامن بإذنها، فبقي المتبرّع على أصل المنع. و لأصالة بقاء النكاح إلى أن يثبت المزيل. و القول بالصحّة لا يعلم قائله من الأصحاب، لكنّه مذهب جميع من

____________

(1) البقرة: 229.

(2) اللمعة الدمشقيّة: 127.

(3) راجع المبسوط 4: 365، إرشاد الأذهان 2: 52، إيضاح الفوائد 3: 387.

393

..........

____________

خالفنا (1) من الفقهاء إلّا من شذّ منهم.

و مبنى القولين على أن الخلع فداء (2)، أو معاوضة، أو على أنه طلاق أو فسخ. فعلى الأوّلين يصحّ من الأجنبي، لجواز الافتداء منه و بذلك مال له ليطلّقها، كما يصحّ التزام المال ليعتق عبده، و قد يتعلّق به غرض بأن كان ظالما بالإمساك و تعذّر إزالة يده بالحجّة، أو كان يسيء العشرة و يمنع الحقوق فأراد المختلع تخليصها. و على تقدير كونه طلاقا فالطلاق يستقلّ به الزوج فجاز أن يسأله الأجنبي على مال، كما إذا قال: ألق متاعك في البحر و عليّ كذا. و على القول بأنه معاوضة فقد تقدّم ما يدلّ على منعه. و كذا على القول بأنه فسخ، فإن الفسخ من غير علّة لا ينفرد به الرجل، فلا يصحّ طلبه منه. و يرجّح جانب الفداء الآية (3) الدالّة عليه، إلّا أن مفهوم خطابها اختصاصها بها، لكن مفهوم الخطاب ليس بحجّة.

و موضع الخلاف ما إذا قصد الخلع بالمال المبذول ليترتّب عليه أحكام الخلع من وقوع الفراق بائنا- إلّا أن يرجع الباذل- و وقوع اللفظين متلاحقين كغيره من عقود المعاوضات، أما لو وقع ذلك من الأجنبي على وجه الجعالة فلا إشكال في الصحّة، لأنه عمل محلّل يتعلّق به غرض صحيح للعقلاء، فتصحّ الجعالة عليه، و لا يلحقها حينئذ حكم الخلع، فلا يشترط فوريّة الجواب، و لا يقع بائنا من حيث العوض، بخلاف خلع الأجنبي، فإنه كخلع الزوجة في الألفاظ و الأحكام، فله أن يرجع في البذل ما دامت في العدّة، فللزوج حينئذ أن يرجع في

____________

(1) انظر الحاوي الكبير 10: 80، المغني لابن قدامة 8: 219، روضة الطالبين 5: 724.

(2) في «و»: افتداء.

(3) البقرة: 229.

394

..........

____________

الطلاق. و ليس للزوجة هنا رجوع في البذل، لأنها لا تملكه، بخلاف ما لو كان الباذل وكيلها أو الضامن له عنها، فإن أمر الرجوع فيهما بيدها.

و يتفرّع على جوازه أيضا من الأجنبي ما لو قال الزوج: هي طالق بألف في ذمّتك فقبل، فإنه يلزم كالزوجة، بخلاف ما لو قال: هي طالق و عليك ألف.

و على تقدير كونه وكيلا من جانب الزوجة يتخيّر بين أن يخلع استقلالا و بين أن يكون نائبا عنها، فإن صرّح بالاستقلال فذلك، و إن صرّح بالوكالة فالزوج يطالب الزوجة بالمال. و إن لم يصرّح و نوى الوكالة كان الخلع لها لكن تتعلّق العهدة به ظاهرا، فيطالب بالعوض ثمَّ هو يرجع على الزوجة. و على هذا فيجوز أن يوكّل الأجنبي الزوجة حتى تختلع عنه. و حينئذ فتتخيّر الزوجة بين أن تختلع استقلالا أو بالوكالة كما لو كان هو وكيلا.

و قول الزوجة للأجنبي: «سل زوجي يطلّقني على كذا» توكيل، سواء قالت: «عليّ» أم لم تقل. و قول الأجنبي لها: «سلي زوجك يطلّقك على كذا» يحتمل الأمرين، فإن لم يقل: «عليّ» لم يكن توكيلا، فلو اختلعت كان المال عليها. و إن قال: «عليّ» كان توكيلا، فإن أضافت إليه أو نوت ثبت على الأجنبي.

و لو قال أجنبي لأجنبي: «سل فلانا يطلّق زوجته بكذا» كقوله للزوجة:

«سلي زوجك» فيفرّق بين أن يقول: «عليّ» أو لا يقول.

و لو اختلع الأجنبي و أضاف العقد إليها مصرّحا بالوكالة ثمَّ بان أنه كاذب لم يقطع الطلاق على القولين، لأنه مرتبط بالمال، و هو لم يلتزمه في نفسه، و كذب في إضافة الالتزام إليها، فأشبه ما إذا كان الخطاب معها فلم تقبل.

395

أما لو قال: طلّقها (1) على ألف من مالها و عليّ ضمانها، أو: على عبدها هذا و عليّ ضمانه، صحّ، فإن لم ترض بدفع البذل صحّ الخلع و ضمن المتبرّع. و فيه تردّد.

و لو خالعت في مرض (2) الموت صحّ، و إن بذلت أكثر من الثلث، و كان من الأصل. و فيه قول: أن الزائد عن مهر المثل من الثلث. و هو أشبه.

____________

قوله: «أما لو قال: طلّقها .. إلخ».

(1) هذه من شعوب بذل الأجنبي لكنّه يختصّ عنه بكون البذل من مالها بغير إذنها، فيشابه الأجنبي من حيث التبرّع، و يشابه الوكيل من حيث جعله ذلك من مالها، و منهما يتفرّع الإشكال، إذ يحتمل الصحّة، لأن الفدية من مالها فلم يخرج عن وضع الخلع، غاية ما في الباب أنها إذا لم تجز ذلك يلزمه الضمان نظرا إلى التزامه ذلك. و يحتمل العدم، لأن مرجعه إلى التبرّع حيث لا تجيز بذل مالها. و لأن ضمانه لذلك ضمان ما لم يجب فلا يصحّ، لكن قد ورد صحّة ضمان ما لم يجب في مواضع لمسيس الحاجة ك: ألق متاعك في البحر و عليّ ضمانه، حذرا من غرق السفينة، و قد تمسّ الحاجة هنا إلى مثل ذلك. و عدم الصحّة لا يخلو من قوّة.

قوله: «و لو خالعت في مرض .. إلخ».

(2) لمّا كان تصرّف المريض في مرض الموت مقصورا على ثلث ماله حيث يكون متبرّعا به، و كان (1) مهر المثل هو عوض البضع شرعا كقيمة المثل في المقوّمات- و من ثمَّ لو تصرّف فيه متصرّف على وجه يضمنه، كوطء الشبهة و المكره، يجب عليه مهر المثل- فبذلها فدية للطلاق يتقدّر (2) نفوذها من الأصل

____________

(1) كذا في «د» و إحدى الحجريّتين، و في سائر النسخ الخطّية: فكان.

(2) كذا في «و»، و في نسخة بدل «د»: فيتقدّر، و في سائر النسخ الخطّية و الحجريّتين: فيتعذّر.

396

..........

____________

بمهر المثل، لأن العائد إليها البضع فيعتبر قيمته شرعا، كما لو اشترت شيئا بثمن مثله، فإن بذلت أكثر من ذلك كان مقدار مهر المثل من الأصل و الزائد من الثلث.

هذا هو المشهور بين الأصحاب و المعمول به بينهم، ذكر ذلك الشيخ في المبسوط (1) و لم ينقل فيه هذا القول و تبعه الباقون (2). نعم، نقل قولا [1] أن الجميع يعتبر من الثلث، لأن العائد إليها غير متموّل بالنسبة إلى الورثة، و الحجر على المريض إنما هو لحقّ الورثة. و هو قول موجّه. و المصنّف- (رحمه الله)- نقل هنا قولا (4) أن الجميع يكون من الأصل و إن زاد عن الثلث. و هو قول نادر غير موجّه.

و الأقوى العمل على المشهور.

و عليه، فلو كان مهر مثلها أربعين دينارا فبذلت مائة مستوعبة صحّ للزوج ستّون، أربعون في مقابلة مهر المثل، و عشرون بالمحاباة هي ثلث باقي التركة، و يرجع إلى الورثة أربعون ضعف ما نفذت فيه المحاباة. هذا إذا لم تبرأ من مرضها، و لو برئت لزم الجميع كباقي المنجّزات.

و أما مرض الزوج فلا يؤثّر في الخلع، بل يصحّ خلعه في مرض الموت و إن كان بدون مهر المثل، لأن البضع لا يبقى للوارث و إن لم يجر خلع، فلا وجه للاعتبار من الثلث. و لأنه لو طلّقها بغير عوض في مرض الموت لا يعتبر فيه

____________

[1] في هامش «و»: «هذا قول أبي حنيفة و إحدى الروايتين عن مالك. بخطّه (رحمه الله)». انظر الحاوي الكبير 10: 102، حلية العلماء 6: 558، بداية المجتهد لابن رشد 2: 69.

____________

(1) المبسوط 4: 370.

(2) التحرير 2: 60، حاشية المحقّق الكركي على الشرائع: 408.

(4) راجع جواهر الفقه: 179 مسألة (635)، فقه القرآن للراوندي 2: 207.

397

و لو كان الفداء (1) رضاع ولده صحّ مشروطا بتعيين المدّة. و كذا لو طلّقها على نفقته بشرط تعيين القدر الذي يحتاج إليه من المأكل و الكسوة و المدّة. و لو مات قبل المدّة كان للمطلّق استيفاء ما بقي، فإن كان رضاعا رجع بأجرة مثله، و إن كان إنفاقا رجع بمثل ما كان يحتاج إليه في تلك المدّة مثلا أو قيمة. و لا يجب عليها دفعه دفعة، بل إدرارا في المدّة كما كان يستحقّ عليها لو بقي.

____________

البضع (1) من الثلث، فكذا إذا نقص عن مهر المثل.

قوله: «و لو كان الفداء .. إلخ».

(1) عوض الخلع كما يجوز أن يكون عينا يجوز أن يكون منفعة. و يشترط في المنفعة أن تكون معلومة مستجمعة للشرائط المذكورة في الإجارة. فإذا خالع زوجته على إرضاع ولده مدّة معلومة جاز. و كذا لو خالعها على حضانته، سواء كان الولد منها أم من غيرها. و الكلام في الجمع بينهما و استتباع أحدهما الآخر إذا أفرد كالكلام في الإجارة. و كذا يجوز جعل النفقة عوضا مضافة إلى الرضاع، كما لو جعلها بعد مدّته أو منفردة، فيعتبر تعيين ما ينفق عليه كلّ يوم من الإدام و الطعام، و ما يكسوه في كلّ فصل أو سنة، أو يضبط المؤنة في جملة السنة، و توصف بالأوصاف المشروطة في السلم. ثمَّ الزوج في الطعام و الشراب مخيّر بين أن يستوفي بنفسه و يصرفه إلى الولد و بين أن يأمرها بالصرف إليه.

ثمَّ الولد إن عاش إلى استيفاء العين و المنفعة فذاك، و إن خرج زهيدا و فضل من المقدّر شيء فهو للزوج، و إن كان رغيبا و احتاج إلى زيادة فهو على الزوج.

و إن مات قبل تمام المدّة انفسخ العقد فيما بقي منها دون ما مضى، فيستوفي الزوج

____________

(1) في «م»: الوضع.

398

و لو تلف العوض (1) قبل القبض لم يبطل استحقاقه، و لزمها مثله أو قيمته إن لم يكن مثليّا.

____________

الطعام و الكسورة لما بقي، و يرجع بأجرة مثل الرضاع و الحضانة فيها. و امتناع الولد من الارتضاع و التقام الثدي كالموت. و حيث يرجع بأجرة الرضاع أو بقيمة النفقة أو مثلها فهل يتعجّل الاستحقاق، أو يكون منجّما كما كان فيه؟ وجهان أصحّهما الثاني، لأن الواجب كان حكمه كذلك. و وجه الأول: أن التدرّج كان بحسب حالة (1) الصبي و قد زالت.

قوله: «و لو تلف العوض. إلخ».

(1) أما عدم البطلان بتلف العين (2) فلأصالة الصحّة، و بطلان البيع بذلك خرج بنصّ (3) خاصّ، فيبقى الباقي على أصل الصحّة. و أما ضمانها له بالمثل أو القيمة فلعموم قوله (صلى اللّه عليه و آله و سلّم): «على اليد ما أخذت حتى تؤدّي» (4) و يدها آخذة للعين و لم تؤدّها إلى مالكها، فتكون ضامنة لها بمثلها إن كانت مثليّة أو قيمتها يوم التلف إن كانت قيميّة. و لا فرق في ذلك بين تلفه باختيارها أو بآفة من اللّه سبحانه أو بإتلاف أجنبي، لكن في الثالث يتخيّر الزوج بين الرجوع عليها و على الأجنبي، فإن رجع عليها رجعت على الأجنبي إن أتلفه على وجه مضمون.

____________

(1) في نسخة بدل «ق»: حاجة.

(2) في «و»: المعيّن.

(3) الكافي 5: 171 ح 12، التهذيب 7: 21 ح 89 و 230 ح 1003، الوسائل 12: 358 ب «10» من أبواب الخيار ح 1.

(4) عوالي اللئالي 1: 224، مستدرك الوسائل 14: 7 ب «1» من كتاب الوديعة ح 12.

مسند أحمد 5: 12، سنن أبي داود 3: 296 ح 3561.

399

و لو خالعها بعوض (1) موصوف، فإن وجود ما دفعته على الوصف، و إلّا كان له ردّه و المطالبة بما وصف.

و لو كان معيّنا (2) فبان معيبا ردّه و طالب بمثله أو قيمته، و إن شاء أمسكه مع الأرش.

و كذا لو خالعها على عبد على أنه حبشيّ فبان زنجيّا، أو ثوب على أنه نقيّ فبان أسمر.

أما لو خالعها على أنه إبريسم فبان كتّانا صحّ الخلع، و له قيمة الإبريسم، و ليس له إمساك الكتّان، لاختلاف الجنس.

____________

قوله: «و لو خالعها بعوض .. إلخ».

(1) و ذلك لأن الموصوف أمر كلّي لا ينحصر فيما دفعته، و إنما يتأدّى به الأمر الكلّي الثابت في الذمّة على تقدير مطابقته له، فإذا ظهر بخلافه فله ردّه و المطالبة بما وصف، لأنّه حقّه. و يفهم من قوله: «فله ردّه» أن له الرضا به أيضا. و هو يتمّ مع كونه موافقا في الجنس و ناقصا في الوصف ليكون الفائت متمحّضا لحقّه، أو مع كونها عالمة بحاله، أما لو كانت جاهلة به و هو زائد عن الموصوف و لو من وجه أو مغاير له لم يملكه بقبوله بدون رضاها، لأنه غير الحقّ، فيتوقّف تعيّنه عوضا على تراضيهما به.

قوله: «و لو كان معيّنا .. إلخ».

(2) إذا كان العوض معيّنا فظهر معيبا فله الأرش، لأنه نقص حدث قبل القبض فكان مضمونا عليها كما تضمن الجملة. و ذكر المصنّف و غيره أن له ردّه و المطالبة بمثله إن كان مثليّا أو قيمته إن كان قيميّا، لأن فوات الجزء الموجب للعيب أو

400

..........

____________

الوصف (1) كتبعّض الصفقة، فيتخيّر بين ردّه و أخذ عوضه و بين إبقائه مع أرشه.

و هذا بخلاف البيع، فإنه مع ردّه لا يرجع إلى عوضه، بل يوجب انفساخ البيع.

و الفرق أن الطلاق المترتّب على العوض قد وقع قبل الردّ، و الأصل فيه اللزوم، و ليس هو كغيره من عقود المعاوضات القابلة للتفاسخ مطلقا، بل يقف فسخه على أمور خاصّة بدليل خاصّ لا مطلقا، فلا وسيلة إلّا إلى تحصيل المطلوب من العوض بما ذكر.

و مثله ما لو خالعها على عبد معيّن على أنه من جنس خاصّ فبان من غيره، لأن الفائت الوصف الموجب للعيب على تقدير كونه أنقص، و أما الجنس و هو كونه عبدا فواحد. و كذا لو خالعها على ثوب على أنه نقيّ اللون فظهر أسمر، لاشتراك الجميع في أصل الجنس، و الاختلاف في الأوصاف الموجبة لاختلاف القيمة، فينجبر بالأرش أو البدل.

أما لو بذلت له شيئا فظهر من خلاف جنس المعيّن- كما لو خالعها على أن الثوب إبريسم فظهر قطنا أو كتّانا- لم يثبت الأرش، لفوات الحقيقة بأسرها، بل له قيمة ما عيّناه، لأنها أقرب إلى حقيقته. و لا يبطل الخلع، لوجود العوض فيه في الجملة. و ليس للزوج إمساك الثوب المخالف لجنس ما عيّناه، كما لو عقد (2) على عين فبانت غيرها، لأن اختلاف الأجناس كاختلاف الأعيان، مع احتمال البطلان هنا، لتبيّن عدم وجود العوض الذي عيّناه، بخلاف ما لو فاتت صفته خاصّة، و لكنّهم نظروا إلى وجود الماليّة للمبذول في الجملة، و فوات الجنس يجبر بالقيمة

____________

(1) في «ط، و»: للوصف.

(2) في الحجريتين: عقدت.

401

و لو دفعت ألفا (1) و قالت: طلّقني بها متى شئت، لم يصحّ البذل. و لو طلّق كان رجعيّا، و الألف لها.

____________

كما يجبر بها فوات الوصف. و للنظر في هذه المطالب مجال إن لم تكن إجماعيّة، إذ لا نصّ فيها، و إنما هي أحكام اجتهاديّة. و لو قيل في فوات الوصف يتعيّن أخذه بالأرش كان حسنا.

قوله: «و لو دفعت ألفا .. إلخ».

(1) وجه البطلان أن المعتبر في البذل الصحيح كونه في مقابلة الطلاق الواقع على الفور، فإذا جعلته في مقابلة الواقع مطلقا فكأنّها قد جعلته في مقابلة طلاق باطل، فيبطل البذل. و علّله الشيخ في المبسوط (1) بأنه سلف في طلاق، و بأنه عوض على مجهول.

و في الكلّ نظر، لأن هذه الصيغة كما تناولت الطلاق الباطل مع التراخي تناولت الفوري بعد هذه الصيغة، فلا يلزم من بطلان التراخي و لا من اشتمالها على الباطل و غيره بطلان مدلولها أجمع. و كذا القول في كونه سلفا في طلاق، لأن المشيئة تشمل ما لو أوقعه في الحال. و أما كونه عوضا على مجهول فظاهر المنع.

نعم، لو قيل- بأن اللفظ يتمّ بقولها مع دفع الألف: طلّقني بها، و يكون قولها: «متى شئت» مانعا من الفوريّة المعتبرة في الجواب، فيكون البطلان مستندا إلى تخلّل كلام لا يتعلّق بالعقد- أمكن، إلّا أن منع مثل هذا لا يخلو من نظر.

ثمَّ على تقدير بطلان البذل إن كان الواقع خلعا بطل من رأس. و إن كان طلاقا وقع رجعيّا من حيث خلوّه من البذل. و يأتي فيه ما تقدّم (2) من الإشكال

____________

(1) المبسوط 4: 361.

(2) في ص: 385.

402

و لو خالع اثنتين (1) بفدية واحدة صحّ، و كانت بينهما بالسويّة. و لو قالتا: طلّقنا بألف، فطلّق واحدة، كان له النصف. و لو عقّب بطلاق الأخرى كان رجعيّا، و لا عوض له، لتأخّر الجواب عن الاستدعاء المقتضي للتعجيل.

____________

على تقدير كونه بائنا بغير هذا الاعتبار و جهل المطلّق بالحال.

قوله: «و لو خالع اثنتين .. إلخ».

(1) إذا خالع اثنتين فصاعدا على عوض معيّن فالأظهر عندنا الصحّة، لأن العوض- و هو المجموع- معلوم في مقابلة جملة معلومة. و لا عبرة بجهالة ما يخصّ كلّ واحدة على تقدير التقسيط، لأن ذلك أمر متجدّد وراء الصفقة الواقعة في العقد، كما لا يقدح في الصحّة بيع جملة من الأمتعة بثمن واحد معلوم و إن جوّز ظهور بعضها مستحقّا، فلو فرض عروض ذلك و احتيج إلى التقسيط لا يقدح في صحّة البيع السابق.

و هل يقسّط في الخلع على رؤوسها أو على مهر المثل؟ وجهان اختار الشيخ (1) و المصنّف و الأكثر الأول، لأن البذل ذكر في مقابلتهما.

و وجه توزيعه على مهر أمثالهما أن ذلك هو الملحوظ في قيمة البضع حيث يفتقر إلى تقويمه، و من ثمَّ اعتبر في خلع المريضة مهر مثلها، كما إذا باع عبيدا صفقة واحدة، فإن الثمن يوزّع على قيمة العبيد حيث يحتاج إلى التوزيع، فإن استوت المهور استوين فيه، و إن تفاوتت تفاوتن.

و توقّف في المختلف (2) بين الوجهين. و له وجه. و أغرب القاضي (3) ابن

____________

(1) المبسوط 4: 363.

(2) المختلف: 596.

(3) المهذّب 2: 272.

403

..........

____________

البرّاج حيث جعل العوض مقسوما عليهما على قدر ما تزوّجهما به من المهر.

و لعلّه تجوّز به في اعتبار مهر المثل، كما أطلق المتقدّمون الأرش أنه تفاوت ما بين قيمة العين صحيحة و معيبة، و أرادوا نسبة ذلك من الثمن لا نفس التفاوت حذرا من اجتماع العوض و المعوّض لواحد، بل الزيادة عليهما.

هذا إذا قالتا: طلّقنا بألف أو خالعنا بها، ففعل ذلك بهما. و مثله ما لو ابتدأهما بذلك فقبلتا. أمّا لو قالتا: طلّقنا بألف، فطلّق واحدة خاصّة كان له النصف بناء على قسمة المال بينهما بالسويّة. و على القول الآخر يلزمها حصّتها من المسمّى إذا وزّع على مهر مثلهما. و لا يضرّ اختلاف السؤال و الإيقاع، لأن كلّ واحدة مقصودة بنفسها منفردة، كما لو قال رجلان: ردّ عبدينا بكذا، فردّ أحدهما دون الآخر. و هذا بخلاف ما لو قالت الواحدة: طلّقني ثلاثا بألف مثلا، فطلّق واحدة، لأنّ المرأة الواحدة يتعلّق غرضها بالعدد. و قد ينقدح إرادة كلّ واحدة طلاقهما معا و لا تريد الانفراد، فلا يكون الاقتصار على إحداهما مطابقا للسؤال، لكن ظاهرهم عدم الالتفات إلى هذا الاحتمال، لأنه خلاف الظاهر.

و في التحرير (1) استشكل في ثبوت النصف لو اقتصر على طلاق الواحدة.

و وجهه ما ذكرناه.

و فرّق بعضهم (2) بين هذه الصورة و بين ما لو ابتدأهما فقال: خالعتكما بألف، أو: أنتما طالقتان بكذا، فقبلت إحداهما وحدها، فإنه لا يقع هنا شيء، لأن القبول لم يوافق الجواب، كما لو قال: بعتكما هذا العبد بألف، فقال أحدهما: قبلت.

____________

(1) تحرير الأحكام 2: 60.

(2) راجع الوجيز 2: 42- 43، روضة الطالبين 5: 688.

404

و لو خلعها على عين (1) فبانت مستحقّة، قيل: يبطل الخلع. و لو قيل:

يصحّ و تكون له القيمة أو المثل إن كان مثليّا، كان حسنا.

____________

و الفرق لا يخلو من نظر.

ثمَّ على تقدير وقوعه على واحدة منهما لو عقّب بطلاق الأخرى لم يستحقّ العوض، لتأخّر الجواب عن الاستدعاء، و وقع الطلاق رجعيّا من هذه الحيثيّة، كما تقدّم (1).

قوله: «و لو خالعها على عين .. إلخ».

(1) القول ببطلان الخلع للشيخ في المبسوط (2)، نظرا إلى أن العوض لازم لماهيّته، و بطلان اللازم يستلزم بطلان الملزوم. و لأن الطلاق بغير عوض غير مقصود، و بالعوض غير صحيح، و القيمة غير مرادة.

و وجه ما اختاره المصنّف من الصحّة و لزوم المثل أو القيمة: أن المعاوضة هنا ليست حقيقيّة كما في البيع، و الأصل في العقود الصحّة، فلا يؤثّر بطلان [غير] (3) العوض في بطلانه، و فواته ينجبر بضمانها مثله إن كان مثليّا و قيمته إن لم يكن كذلك. و الأقوى الأول.

و نبّه بقوله: «فبانت مستحقّة» على أنه لو كان عالما باستحقاقها ابتداء بطل الخلع، لأنه لم يقصد إلى عقد صحيح، بخلاف ما إذا جهل. و على التقديرين فلو أتبعه بالطلاق وقع رجعيّا كما سلف (4) غير مرّة.

____________

(1) في ص: 401.

(2) المبسوط 4: 344.

(3) من «ق، ط، م» و الحجريّتين، و شطب عليها في «د، و» و لعلّها تصحيف: عين، راجع إيضاح الفوائد 3: 386.

(4) في ص: 401 و 402.