مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام - ج9

- الشهيد الثاني المزيد...
537 /
405

و يصحّ البذل من الأمة، (1) فإن أذن مولاها انصرف الإطلاق إلى الافتداء بمهر المثل. و لو بذلت زيادة عنه، قيل: يصحّ، و تكون لازمة لذمّتها تتبع بها بعد العتق و اليسار، و تتبع بأصل البذل مع عدم الإذن. و لو بذلت عينا فأجاز المولى صحّ الخلع و البذل، و إلّا صحّ الخلع دون البذل، و لزمها قيمته أو مثله تتبع به بعد العتق.

____________

قوله: «و يصحّ البذل من الأمة .. إلخ».

(1) يشترط في قابل الخلع و باذل المال أن يكون مطلق التصرّف فيه صحيح الالتزام. و المحجورون أنواع ذكر المصنّف بعضها، فمنهم المحجور بسبب الرقّ، فإذا كانت الزوجة المختلعة أمة لم يخل: إما أن تختلع بغير إذن السيّد، أو بإذنه. فإن اختلعت بإذنه فإمّا أن يبيّن العوض، أو يطلق الإذن. فإن بيّنه نظر إن كان عينا من أعيان ماله نفذ الخلع، و استحقّ الزوج تلك العين. و إن قدّر دينا بأن قال: اختلعي نفسك بألف مثلا، ففعلت، تعلّق الإذن بالألف بذمّة المولى، أو بكسبها إن كان لها كسب، أو ما في يدها إن كان مأذونا لها في التجارة، كمهر العبد في النكاح المأذون فيه. و لو لم تكن ذات كسب و لا ذات يد تعلّق بذمّتها تتبع به بعد العتق و اليسار. و قد تقدّم (1) البحث فيه، و أن الأقوى تعلّقه بذمّة المولى مطلقا. و إن زادت على ما قدّر قيل: يصحّ، و تكون لازمة لذمّتها تتبع به إذا أعتقت و أيسرت، إذ لا سبيل إلى نفوذه، لكونه بغير إذن المولى، و لا إلى البطلان، لأن ذمّتها قابلة للتعلّق.

و إن أطلق فقال: اختلعي بما شئت، اختلعت بمهر المثل، و الزيادة عليه- إن

____________

(1) في ج 4: 175- 176.

406

..........

____________

فرضت- كالزيادة على المأذون فيه يتعلّق بذمّتها.

و إن اختلعت بغير إذنه نظر إن اختلعت بعين مال السيّد فالخلع على عين مستحقّة، فعلى ما اختاره المصنّف يلزمها مثله أو قيمته تتبع به. و على الآخر يبطل، و يقع الطلاق رجعيّا إن اتبع به، خصوصا مع علم الزوج أن المال للسيّد، و أنه لا إذن منه فلا يكون طامعا في شيء. و إن اختلعت على دين حصلت البينونة، و تبعت به بعد العتق و اليسار. و الفرق بين الدّين و العين المبذولة بغير إذنه:

أنه مع الدّين يكون قد أقدم على ثبوت العوض في ذمّتها و هي قابلة له و إن لم يكن معجّلا، بخلاف العين، لانحصار العوض فيها، فإذا لم تصحّ توجّه بطلانه، لخلوّه عن العوض إن لم نقل بلزوم بدله (1) لها فيلحق بالدّين. و لا يخفى ضعفه.

فرع لو اختلع السيّد أمته التي هي تحت حرّ أو مكاتب على رقبتها ففي صحّته وجهان:

أحدهما: أنه تحصل الفرقة و يرجع إلى قيمتها، لأنه خلع على بذل لم يسلم له، فإن البذل هو تملّك الرقبة، و فرقة الطلاق و تملّك الرقبة لا يجتمعان، فإذا لم يسلم البذل أشبه ما إذا خالعها على خمر أو مغصوب.

و الثاني: أنه لا يصحّ الخلع أصلا، لأنه لو حصلت الفرقة لقارنها ملك الرقبة، فإن العوضين يتساوقان. و الملك في المنكوحة يمنع وقوع الطلاق. و لعلّ هذا أجود.

____________

(1) في «ق، ط، م»: بذله.

407

و يصحّ بذل المكاتبة (1) المطلقة، و لا اعتراض للمولى. و أما المشروطة فكالقنّ.

[النظر الثالث: في الشرائط]

النظر الثالث: في الشرائط و يعتبر في الخالع شروط أربعة: البلوغ .. و كمال العقل ..

و الاختيار .. و القصد.

____________

قوله: «و يصحّ من المكاتبة .. إلخ».

(1) أما [حكم] (1) مساواة المشروطة للقنّ فواضح، لأنها لا تخلص من محض الرقّ إلّا بأداء جميع المال، فهي قبله بحكم القنّ. و أما المطلقة فقد أطلق الشيخ (2) في المبسوط بأن بذلها صحيح من غير اعتراض للمولى، و تبعه عليه المصنّف و الجماعة (3). و لا يخلو من إشكال، لما سيأتي في الكتابة (4) من أن المكاتب مطلقا ممنوع من التصرّف المنافي للاكتساب و مسوّغ فيه، من غير فرق بين المطلق و المشروط. و ما تبذله (5) من المال في مقابلة البضع إن كان اكتسابا- من حيث إنّ العائد إليها البضع- فيبقى صحّته فيهما مقيّدا بكون المبذول بقدر مهر المثل، و إن كان غير اكتساب- كما هو الظاهر- لم يصحّ فيهما. و لو قيل بأن اختلاع المكاتبة مطلقا كاختلاع الأمة كان وجها، لكن لا أعلم به قائلا من أصحابنا، فينبغي التوقّف إلى أن يظهر الحال أو وجه الفرق الذي ادّعوه.

____________

(1) من «د» و الحجريّتين.

(2) المبسوط 4: 366- 367.

(3) راجع القواعد 2: 79، و اللمعة: 127.

(4) في المسألة الثانية من أحكام المكاتب.

(5) فيما لدينا من النسخ الخطّية و الحجريّتين: يبذله، و الصحيح ما أثبتناه.

408

فلا يقع مع الصغر، و لا مع الجنون، (1) و لا مع الإكراه، (2) و لا مع السكر، و لا مع الغضب الرافع للقصد.

و لو خالع وليّ الطفل (3) بعوض صحّ إن لم يكن طلاقا، و بطل مع القول بكونه طلاقا.

____________

قوله: «و لا مع الجنون».

(1) أي: الجنون حالة إيقاعه الخلع، سواء كان مطبقا أم أدوارا. و كذا القول في غيره من الموارد. و المعتبر من الجنون ما يزول معه العقل، و يعلم باختلال نظم الكلام و مخالفة الأفعال لأفعال العقلاء.

قوله: «و لا مع الإكراه .. إلخ».

(2) قد تقدّم تحقيق الإكراه و ما يتفرّع عليه في الطلاق (1). و لو ظهرت قرينة الرضا بعد الإكراه بأن يخالف ما أكره عليه كمّيّة أو كيفيّة- بأن أكرهه على خلعها بمائة فخلعها بمائتين، أو بذهب فخلعها بفضّة، و نحو ذلك- لم يكن ذلك إكراها. و لو ادّعى الإكراه رجع إلى القرينة مع عدم البيّنة و إلّا لم تقبل، لأصالة الصحّة.

قوله: «و لو خالع وليّ الطفل .. إلخ».

(3) إذا خالع الوليّ زوجة الطفل، فإن جعلناه طلاقا أن يفتقر إلى أن يتبع بالطلاق لم يصحّ مطلقا، لما تقدّم (2) من أن الوليّ ليس له أن يطلّق عن الصبيّ و إن وجد مصلحة. و إن جعلناه فسخا روعي في صحّته المصلحة، لأنه حينئذ بمنزلة

____________

(1) في ص: 17.

(2) في ص: 11.

409

و يعتبر في المختلعة أن تكون طاهرا طهرا لم يجامعها فيه، إذا كانت مدخولا بها، غير يائسة، و كان حاضرا معها، (1) و أن تكون الكراهية (2) من المرأة.

____________

المعاوضة عنه، و هي جائزة معها. و لا فرق حينئذ بين خلعه بمهر المثل و أقلّ، لأن المصلحة هي المسوّغة للفعل، و ليس على حدّ المعاوضات المحضة الماليّة حتى يتقيّد بمهر المثل، مع احتماله، إلحاقا له بغيره من المعاوضات. و قد تقدّم (1) ما يرشد إليه.

قوله: «و يعتبر في المختلعة- إلى قوله- حاضرا معها».

(1) الضابط أنه يعتبر فيها ما يعتبر في الطلاق و إن جعلناه فسخا، لقول الصادق (عليه السلام): «لا اختلاع إلّا على طهر من غير جماع» (2). و كلّ خبر (3) دلّ على أنه طلاق لزم منه اعتبار شرائطه.

قوله: «و أن تكون الكراهية. إلخ».

(2) مذهب الأصحاب أن الخلع مشروط بكراهة المرأة له، فلو خالعها و أخلاقهما ملتئمة و لا كراهة منها لم يقع. و أخبارهم به مستفيضة، منها حسنة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لا يحلّ خلعها حتى تقول لزوجها: و اللّه لا أبرّ لك قسما، و لا أطيع لك أمرا، و لا أغتسل لك من جنابة، و لأوطئنّ فراشك، و لأوذننّ عليه بغير إذنك، و قد كان الناس يرخّصون فيما دون هذا، فإذا قالت

____________

(1) في ص: 395- 396.

(2) التهذيب 8: 100 ح 336، الوسائل 15: 497 ب «6» من أبواب الخلع و المبارأة ح 5.

(3) لاحظ الوسائل 15: 491 ب «3» من أبواب الخلع و المبارأة ح 2، 3، 4، 10، 11، و غيرها.

410

..........

____________

المرأة ذلك لزوجها حلّ له ما أخذ منها، و كانت عنده على تطليقتين» (1). و في معناها أخبار (2) كثيرة.

و في حديث جميلة بنت عبد اللّه بن أبيّ زوجة ثابت بن قيس التي كانت أصل مشروعيّة الخلع ما يدلّ على وروده في كراهتها، لكنّه لا يدلّ على انحصار صحّته في تلك الحالة، بخلاف أخبارنا. و في بعض ألفاظ (3) حديثها أنها كانت تبغضه و كان يحبّها، فأتت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) فقالت: يا رسول اللّه: لا أنا و لا ثابت لا يجمع رأسي و رأسه شيء، و اللّه ما أعتب عليه في دين و لا خلق، و لكنّي أكره الكفر في الإسلام، ما أطيقه بغضا، إنّي رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل في عدّة، فإذا هو أشدّهم سوادا، و أخصرهم قامة، و أقبحهم وجها، فنزلت الآية، و هي قوله تعالى فَإِنْ خِفْتُمْ أَلّٰا يُقِيمٰا حُدُودَ اللّٰهِ فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْهِمٰا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ (4) و كان قد أصدقها حديقة، فقال ثابت: يا رسول اللّه تردّ عليّ الحديقة، فقال: ما تقولين؟ فقالت: نعم و أزيده، قال: لا، حديقته فقط، فاختلعت منه بها. و قوله (صلى اللّه عليه و آله و سلّم): «لا، حديقته فقط» موافقة لمطلوب الزوج لا للنهي عن بذل الزيادة.

____________

(1) الكافي 6: 139 ح 1، الفقيه 3: 338 ح 1631، التهذيب 8: 95 ح 322، الاستبصار 3:

315 ح 1121، الوسائل 15: 487 ب (1) من أبواب الخلع و المبارأة ح 3، و ذيله في ص:

491 ب «3» ح 2.

(2) لاحظ الوسائل 15: 487 ب «1» من أبواب الخلع و المبارأة.

(3) أنظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 3: 139، مجمع البيان 1: 329 ذيل آية 228 من سورة البقرة.

(4) البقرة: 229.

411

و لو قالت: لأدخلنّ (1) عليك من تكرهه، لم يجب [عليه] خلعها، بل يستحبّ. و فيه رواية بالوجوب.

____________

قوله: «و لو قالت: لأدخلنّ .. إلخ».

(1) الأصحّ أن الخلع لا يجب على الزوج مطلقا للأصل، و لأن اللّه تعالى رفع فيه الجناح الموهم لكونه محرّما، و رفع الجناح يرفع التحريم، و لا يدلّ على ما سواه، بل يشعر بعدم رجحانه. و في حسنة الحلبي السابقة (1) و نظائرها دلالة على إثبات حلّه مع كراهتها خاصّة.

و القول بوجوبه إذا قالت له ذلك للشيخ في النهاية (2)، و تبعه تلميذه القاضي (3) و جماعة (4)، استنادا إلى أن ذلك منها منكر، و النهي عن المنكر واجب، و إنما يتمّ بالخلع، فيجب.

و جوابه: منع انحصار النهي في الخلع، بل تأدّيه بالطلاق المجرّد عن البذل أقرب إليه و أنسب بمقام الغيرة و النخوة من مراجعتها على بذل المال الحقير.

و يمكن أيضا تأدّيه بالضرب و غيره ممّا يدفع به المنكر. و الأقوى حينئذ استحباب فراقها، أما كونه بطريق الخلع فغير واضح إلّا من حيث جعله بعض أفراد الفرقة.

و قال في المختلف: «الظاهر أن مراد الشيخ بذلك شدّة الاستحباب» (5). و فيه نظر لا يخفى.

____________

(1) في ص: 409، و لاحظ أيضا الوسائل 15: 488 ب «1» من أبواب الخلع و المبارأة ح 5 و 6 و غيرهما.

(2) النهاية: 529.

(3) نقله عن كامله العلّامة في المختلف: 594.

(4) راجع الكافي في الفقه: 307، فقه القرآن 2: 193- 194، الغنية و إصباح الشيعة (ضمن سلسلة الينابيع الفقهيّة» 20: 250 و 290.

(5) مختلف الشيعة: 594.

412

و يصحّ خلع الحامل (1) مع رؤية الدم كما يصحّ طلاقها و لو قيل: إنها تحيض. و كذا التي لم يدخل بها و لو كانت حائضا. و تخلع اليائسة و إن وطئها في طهر المخالعة.

و يعتبر في العقد (2) حضور شاهدين دفعة، و لو افترقا لم يقع.

____________

قوله: «و يصحّ خلع الحامل .. إلخ».

(1) إذا جعلنا الخلع طلاقا فما يعتبر في الطلاق و يرخّص فيه من طلاق الحائض في المواضع الثالثة آت هنا. و إن جعلناه فسخا يستتبع الطلاق فكذلك بطريق أولى، و إن لم نقل بافتقاره إلى الطلاق فغايته إلحاقه به أما زيادته عليه في الشرائط فلا، إذ لا دليل عليه.

و خالف في ذلك بعض الأصحاب (1) فحكم بعدم جواز خلع الحامل إن قلنا إنها تحيض إلّا في طهر آخر غير طهر المواقعة، بخلاف الطلاق. و يمكن الاحتجاج له بعموم الخبر (2) السابق، مع القول بأنه فسخ لا طلاق فلا يلحقه ما دلّ على استثناء الحامل في الطلاق.

و كيف كان فالمذهب هو المشهور، و رجحان كونه طلاقا كاف في مشاركته له في الحكم.

قوله: «و يعتبر في العقد .. إلخ».

(2) المراد سماعهما صيغة العقد، سواء، حضرا دفعة أم لا، و إن كانت العبارة غير مساعدة. و التعبير بالعقد يشمل استدعاء المرأة و خلع الزوج. و بناؤه على القول بكونه طلاقا واضح. و على القول الآخر يمكن استفادته من عموم الأخبار (3)

____________

(1) لم نعثر عليه، و في نهاية المرام للعاملي (2: 137): أنه مجهول القائل.

(2) في ص: 409، هامش (2).

(3) لاحظ الهامش (1) في الصفحة التالية.

413

و تجريده عن شرط. (1)

____________

الدالّة على اعتبار الشاهدين فيه. و لمّا كانت ماهيّته لا تتحقّق بدون الإيجاب الواقع منه و الاستدعاء منها أو القبول تناولهما الاشتراط.

و اعلم أن إثبات هذا المطلوب من النصوص على القول بكونه فسخا لا يخلو من إشكال [1]، و لعلّ الاستناد إلى الإجماع أسهل.

قوله: «و تجريده عن شرط».

(1) الكلام في اشتراط تجريده عن الشرط كالكلام في الطلاق من أنه مذهب الأصحاب و دليله غير صالح. و عموم الأدلّة (2) الدالّة على مشروعيّته يتناول المشروط. و ورود النصّ (3) بجواز تعليق الظهار على الشرط يؤنس بكونه غير مناف للصحّة في الجملة، إلّا أن الخلاف هنا غير متحقّق، فإن تمَّ فهو الدليل.

____________

[1] في هامش «ق، ط، و»: «وجه الإشكال أن التعرّض للشاهدين موجود في أخبار منها صحيحة ابن بزيع عن الرضا (عليه السلام) قال: «سألته عن المرأة تباري الرجل أو تختلع منه بشهادة شاهدين على طهر هل تبين منه؟ قال: تبين منه». و ليس فيها دلالة على عدم الصحّة بدون الشاهدين إلّا من حيث المفهوم الضعيف. و رواية حمران عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لا يكون خلع و لا تخيير و لا مباراة إلّا على طهر من غير جماع و شاهدين».

و دلالتها جيّدة، و لكن في سندها من لا يثبت عدالته، و فيها إضافة التخيير و الأصحاب لا يقولون به. و منها رواية زرارة: «الخلع لا يكون إلّا على مثل موضع الطلاق إمّا طاهر و إمّا حامل بشهود». و هي موقوفة على زرارة. بخطّه (قدس سرّه)».

لاحظ الكافي 6: 143 ح 7، التهذيب 8: 98 ح 332 و 334 و 338، الاستبصار 3:

317 ح 1128 و 1132، الوسائل 15: 492 ب «3» من أبواب الخلع و المبارأة ح 9، و ص: 497 ب «6» ح 4 و 6.

____________

(2) البقرة: 229، و لاحظ الوسائل 15: 487 ب «1» من أبواب الخلع و المبارأة.

(3) الوسائل 15: 529 ب «16» من أبواب الظهار ح 1، 7، 12 و غيرها.

414

و يصحّ الخلع (1) من المحجور عليه لتبذير أو فلس.

____________

قوله: «و يصحّ الخلع .. إلخ».

(1) المعتبر في المخالع كونه ممّن ينفذ طلاقه، فلا يصحّ خلع الصبيّ و المجنون، و يصحّ [1] من المحجور عليه للسفه و الفلس، سواء أذن الوليّ أم لم يأذن، و سواء كان العوض بقدر مهر المثل أم دونه، فإن ذلك لا يزيد على الطلاق مجّانا، و طلاقهما مجّانا نافذ. و لكن لا يجوز للمختلع تسليم المال إلى السفيه، بل إلى الوليّ. فإن سلّمه إلى السفيه و كان الخلع على عين أخذها الوليّ من يده. فإن تلفت في يد السفيه قبل علم الوليّ بالحال رجع على المختلع بمثلها أو قيمتها، لحصول التلف قبل قبض المستحقّ للقبض. و لو علم فتركها في يده حتى تلفت مع تمكّنه من قبضها ففي ضمان الوليّ أو الدافع وجهان، أجودهما الثاني، و إن أثم الوليّ بتركها في يده.

و إن كان الخلع على دين رجع الوليّ على المختلع بمثله، لأنه لم يجر قبض صحيح تحصل به البراءة، و يستردّ المختلع من السفيه ما سلّمه إليه. فإن تلف قبل ردّه ففي ضمانه له وجهان تقدّما في بابه (2). و لا ضمان هنا على الوليّ و إن أمكنه انتزاعه منه بغير إشكال، لأنّه ليس عين الحقّ.

هذا كلّه إذا كان التسليم إلى السفيه بغير إذن الولي. فإن كان بإذنه ففي الاعتداد به وجهان، من أنه تسليم مأذون فيه ممّن له الولاية فكان مبرئا، و من الشكّ في نفوذ مثل هذه الإذن، إذ ليس للولي أن يفوّض إلى السفيه الأمر في ماله،

____________

[1] في هامش «و»: «في القواعد قيّد الصحّة بخلعه بعوض المثل، و هو يؤذن بعدم صحّة ما دونه. و ما ذكرناه أوضح. بخطّه (قدس سرّه)». لاحظ القواعد 2: 78.

____________

(2) في ج 4: 159- 160.

415

و من الذمّي (1) و الحربي. و لو كان البذل خمرا أو خنزيرا صحّ. و لو أسلما أو أحدهما قبل الإقباض ضمنت القيمة عند مستحلّيه.

____________

إلّا أن يفرض مراعاته له بحيث لا يخرج عن يده، فيتّجه البراءة. و هذا التفصيل حسن. و أطلق في القواعد (1) البراءة مع إذنه. و لا يخلو من إشكال.

قوله: «و من الذمّي .. إلخ».

(1) المعتبر في العوض كونه قابلا لملك المتعاوضين، فلا عبرة بعدم قبول ملكيّة غيرهما. فلو كان الزوجان ذمّيين صحّ بذلها له خمرا أو خنزيرا، لصحّة ملكهما عندهما. و أولى منهما الحربيّان.

ثمَّ إن تقابضا كافرين فلا كلام. و إن أسلما أو أحدهما قبل التقابض ضمنت قيمته عند مستحلّيه، لأنها أقرب شيء إليه، كما لو جرى العقد على عين فتعذّر تسليمها. و ينزّل التعذّر الشرعي منزلة الحسّي، إذ لو كانت هي المسلمة امتنع منها إقباضه، و إن كان هو المسلم امتنع منه قبضه، و زالت ماليّته، لكن له أخذ قيمته منها إلزاما لها بما تنتحله، فينزّل تعذّر قبضه منزلة المعدوم. و يحتمل سقوط حقّه منه لو كان هو المسلم. و قد تقدّم (2) نقل المصنّف له قولا فيما لو أسلمت قبل قبض المهر و كان خمرا.

و لو كان الإسلام قبل قبض البعض لحق كلّ جزء حكمه، فيجب بقدر الباقي من القيمة. و لو ترافعا إلينا قبل الإسلام و التقابض ألزمها (3) الحاكم القيمة أيضا، لتعذّر حكم الحاكم بالأصل، كما تعذّر إقباض المسلم له و قبضه.

____________

(1) قواعد الأحكام 2: 78.

(2) في ج 8: 387، و لكن فيما لو أسلم الزوج قبل قبضها المهر.

(3) في «ق، م» و الحجريّتين: ألزمهما.

416

و الشرط إنما يبطل (1) إذا لم يقتضه العقد، فلو قال: فإن رجعت رجعت، لم يبطل بهذا الشرط، لأنه [من] مقتضى الخلع. و كذا لو شرطت هي الرجوع في الفدية.

____________

قوله: «و الشرط إنما يبطل .. إلخ».

(1) الضابط في كلّ شرط لا يصحّ تعليق العقد عليه هو الشرط الخارج عن مقتضى العقد، فلو شرط ما هو مقتضاه- بمعنى أن مضمونه يتناوله العقد و إن لم يشرط- لم يضرّ، و كان ذلك بصورة الشرط لا بمعناه، كقوله:

إن رجعت في البذل رجعت في الطلاق، فإن ذلك أمر ثابت مترتّب على صحّة الخلع شرط أم لم يشرط. و كذا قولها: على أن لي الرجوع فيه في العدّة، و نحو ذلك.

و قد يشكل الحكم في كلّ منهما من حيث اشتمالهما- للاشتراط المذكور- على تخلّل كلام بين الإيجاب و القبول في الأول على تقدير تأخّر القبول، و تخلّله بين الاستدعاء و الإيجاب في الثاني على تقدير تقدّم الاستدعاء، و قد تقدّم (1) اعتبار الفوريّة بينهما، إلّا أن يدّعى اغتفار مثل ذلك إما لقلّته أو لكونه من مقتضيات العقد و لوازمه، فلا يضرّ ذكره و إن أوجب الفصل بين المقصود بالذات من اللفظين. و هذا الأخير هو الوجه. و كذا القول في تخلّل الكلام الواقع من هذا القبيل بين الإيجاب و القبول و قد قدّمنا الإشارة إلى مثله في النكاح (2).

____________

(1) في ص: 384.

(2) في ج 7: 91 و 100- 101.

417

أما لو قال: خالعتك (1) إن شئت، لم يصحّ و لو شاءت، لأنه شرط ليس من مقتضاه. و كذا لو قال: [خالعتك] إن ضمنت لي ألفا، أو إن أعطيتني [ألفا] و ما شاكله. و كذا: متى، أو: مهما، أو: أيّ وقت، أو: أيّ حين.

____________

قوله: «أما لو قال: خالعتك .. إلخ».

(1) هذه جملة من أمثلة الشرط المقتضي للبطلان عند الأصحاب. و ضابطه: أن يكون أمرا متوقّعا بعد الصيغة علّقت عليه يمكن وجوده و عدمه و إن أمكن وجوده بعدها بغير فصل، كما في قوله: إن شئت، فقالت: شئت، مقارنا للإيجاب، أو: إن ضمنت لي ألفا، فقالت: ضمنتها، كذلك. و كذا في تعلّقه (1) على إعطائها بجميع تلك الأدوات.

و الفرق بينها و بين قوله: خالعتك بألف، من غير أن يتقدّم سؤالها- مع كونه في المعنى مشروطا بقبولها الذي هو بمعنى الضمان على ما قرّر سابقا-: أن الصيغة في نفسها هنا جازمة و إن توقّفت على شرط آخر، كتوقّف الإيجاب الجازم على القبول، و ذلك لا يقتضي جعله في نفس اللفظ معلّقا عليه، حتى لو قال في البيع: بعتك بكذا، فقبل صحّ و إن كانت صحّته في نفسه موقوفة على القبول، بخلاف ما لو قال: بعتك بكذا إن قبلت، فقال: قبلت، لوجود التعليق المنافي للجزم بالصيغة.

و في هذه التعاليق أمر آخر زائد على تعليقه على القبول، و هو أن المشيّة المعلّق عليها قد تقع مقارنة و قد تقع متأخّرة، فيكون قد علّق اللفظ على أمر قد يقع مطابقا و قد لا يقع، فيرجع إلى تعليقه على أمر مبطل من حيث هو كلّي و إن كان بالنظر إلى بعض أفراده موافقا.

____________

(1) في «م» و الحجريّتين: تعليقه.

418

..........

____________

و في التعليق على الإعطاء مانع آخر، و هو أنه غير مشروط بكونه عوضا في الخلع، بل متى حصل الإعطاء المملّك كفى في تأدّي الشرط و إن لم يكن على وجه العوض، بل على قصد عدمه، و المال المعلّق عليه صحّة الخلع هو المجعول عوضا، و من ثمَّ صحّحوا قوله: خالعتك بألف، دون:

و عليك ألف، و نحوه.

و في الحقيقة هذه الأحكام كلّها راجعة إلى صور الشروط المرتبطة بالألفاظ، و إلّا فالمعنى متّحد. و إثبات الأحكام بمثل هذه الاعتبارات لا يخلو من تكلّف.

و بقي البحث في تعليق الاستدعاء على الشرط، و قد تقدّم (1) القول بجوازه.

و في التحرير: «لو قالت: إن طلّقتني واحدة فلك عليّ ألف، فطلّقها فالأقرب ثبوت الفدية» (2). و هو تعليق محض، إلّا أن يقال: بأن الاستدعاء يتوسّع فيه، و من ثمَّ لم يختصّ بلفظ، بخلاف الخلع الواقع من الزوج، و في الحقيقة كلّ لفظ يتقدّم منهما فهو معلّق على الآخر، و من ثمَّ قلنا إنه مع تأخير القبول من جانبها يكون في الخلع شائبة الشرط، إلّا أنهم اعتبروا في نفس الخلع- الذي هو عبارة عن اللفظ الواقع من الزوج- تجرّده عن صورة الشرط، بخلاف اللفظ الواقع منها. و لو جعلنا الخلع عبارة عن العقد المركّب منهما أشكل الفرق. و على ما ذكره في تعريف الخلع في التحرير (3) من أنه عبارة عن بذل المرأة المال للزوج فدية لنفسها يقوى الإشكال، خصوصا في حكمه الذي حكيناه عنه.

____________

(1) في ص: 416.

(2) تحرير الأحكام 2: 59، و فيه: فالوجه ثبوت.

(3) تحرير الأحكام 2: 57.

419

[النظر الرابع: في الأحكام]

النظر الرابع: في الأحكام.

[و هي مسائل]

و هي مسائل:

[الأولى: لو أكرهها على الفدية]

الأولى: لو أكرهها على الفدية (1) فعل حراما. و لو طلّق به صحّ الطلاق، و لم تسلّم له الفدية، و كان له الرجعة.

[الثانية: لو خالعها و الأخلاق ملتئمة لم يصحّ الخلع]

الثانية: لو خالعها و الأخلاق (2) ملتئمة لم يصحّ الخلع، و لا يملك الفدية.

و لو طلّقها و الحال هذه بعوض لم يملك العوض، و صحّ الطلاق، و له الرجعة.

____________

قوله: «لو أكرهها على الفدية .. إلخ».

(1) يتحقّق إكراهه عليها بتوعّده إيّاها إن لم تبذلها بما لا تحتمله أو لا يليق بجانبها من ضرب و شتم و نحوه، لا بتقصيره في حقوقها الواجبة لها من القسم و النفقة فافتدت منه لذلك على الأقوى، إلّا أن يظهر لها أن ذلك طلبا لبذلها فيكون إكراها، لصدق تعريفه عليه حينئذ. و قد تقدّم البحث في ذلك في باب الشقاق من النكاح (1). و لو حملها على ذلك بفعل ما لا يحرم عليه- كإغارتها- أو ترك ما لا يجب فعله لم يعدّ ذلك إكراها إجماعا. و حيث يتحقّق الإكراه على البذل، فإن كان الواقع خلعا بطل و إن قلنا إنه طلاق، فلا يكون رجعيّا، لأن ماهيّته لا تتحقّق بدون صحّة البذل عندنا. و إن كان طلاقا بعوض وقع رجعيّا من حيث فساد البذل. و لو كان بائنا من حيثيّة أخرى بانت منه بغير عوض، و كان التقصير من جانبه.

قوله: «لو خالعها و الأخلاق .. إلخ».

(2) أما بطلان الخلع فلما تقدّم من اشتراط صحّته بكراهتها له، فبدون الكراهة

____________

(1) انظر ج 8: 372.

420

..........

____________

يقع باطلا، لفقد شرطه. و التئام أخلاقهما كناية عن عدم [ظهور] (1) الكراهة، و إلّا فإنها أمر نفسي يمكن مجامعتها لالتئام الأخلاق ظاهرا، بأن تكتم الكراهة و تحسن معه الخلق، و لكن لمّا كان ذلك على خلاف الغالب لم يعتبره، إذ ما يضمره الإنسان يظهر على فلتأت لسانة و صفحات وجهه. و لو فرض عدم ظهور كراهتها مع وقوعها في نفس الأمر لوجب الحكم بفساده، لأن العبرة بظهور الشرط لا بحصوله في نفس الأمر. و أما بالنسبة إليه فيما بينها و بين اللّه تعالى فيحتمل وقوعه فيلحقها حكم المطلّقة بالنسبة إليها و إن كانت بالنسبة إليه زوجة. لكن الأقوى فساده مطلقا، لما تقرّر من دلالة النصوص (2) على أن المعتبر إظهارها الكراهة بالقول.

هذا بالنسبة إلى الخلع. و أما الطلاق بعوض فمقتضى كلام المصنّف و الجماعة (3) كونه كذلك، لاشتراكهما في المعنى، بل عدّه في المبسوط (4) خلعا صريحا حيث قسّمه إلى واقع بصريح الطلاق و إلى واقع بغيره، و جعل الأول طلاقا و خلعا، و جعل الخلاف في الثاني هل هو طلاق أم لا؟ و هذا إن كان إجماعا فهو الحجّة في حكمه و إلّا فلا يخلو من إشكال، لأن النصوص (5) إنما دلّت على توقّف الخلع على الكراهة، و ظاهر حال الطلاق بعوض أنه مغاير له و إن شاركه في بعض الأحكام.

____________

(1) من «ط» و هامش «ق» و الحجريّتين فقط.

(2) الوسائل 15: 487 ب (1) من كتاب الخلع و المبارأة.

(3) راجع الجامع للشرائع: 476، الإرشاد 2: 52.

(4) المبسوط 4: 344.

(5) الوسائل 15: 487 ب (1) من كتاب الخلع و المبارأة.

421

[الثالثة: إذا أتت بالفاحشة جاز عضلها لتفدي نفسها]

الثالثة: إذا أتت بالفاحشة (1) جاز عضلها لتفدي نفسها. و قيل: هو منسوخ. و لم يثبت.

____________

قوله: «إذا أتت بالفاحشة .. إلخ».

(1) الأصل في هذه المسألة قوله تعالى وَ لٰا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مٰا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلّٰا أَنْ يَأْتِينَ بِفٰاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ (1). و قضيّة الاستثناء جواز عضلهنّ مع إتيانهنّ بفاحشة مبيّنة ليفتدين أنفسهنّ. و أصل العضل التضييق و المنع، تقول:

أردت أمرا فعضلتني عنه أي: منعتني و ضيّقت عليّ، و أعضل بي الأمر: إذا ضاق، قاله الهروي (2) و غيره (3). و المراد هنا مضارّة الزوجة المذكورة و سوء العشرة معها ليضطرّها إلى الافتداء منه بمالها. و اختلف في الفاحشة المستثناة بسببها، فقيل:

هي الزنا، و قيل: ما يوجب الحدّ مطلقا، و قيل: كلّ معصية. و كون الحكم على خلاف الأصل ينبغي معه الاقتصار على محلّ الوفاق و هو الأول، لأنه ثابت على جميع الأقوال. و هذا العضل للافتداء في معنى الإكراه عليه كما تقدّم، فلذلك كان حكمها على خلاف الأصل.

و قيل: إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى الزّٰانِيَةُ وَ الزّٰانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وٰاحِدٍ مِنْهُمٰا مِائَةَ جَلْدَةٍ (4). و إنه كان قبل نزول الحدود للرجل أن يعضل الزانية لتفتدي نفسها، فلمّا نزلت الحدود حرم أخذ المال بالإكراه.

و يضعّف بعدم المنافاة بين الأمرين. و الأصل عدم النسخ، و الأكثر على عدمه.

____________

(1) النساء: 19.

(2) غريب الحديث للهروي 2: 44- 45.

(3) النهاية لابن الأثير 3: 253- 254.

(4) النور: 2.

422

..........

____________

و على القول الأول فهل يتقيّد جواز العضل ببذل قدر مخصوص كمقدار ما وصل إليها؟ ظاهر المصنّف و الأكثر عدمه، لإطلاقهم الجواز إلى أن تفتدي نفسها، لإطلاق الآية، و لعدّهم هذا خلعا و هو غير مقيّد.

و رجّح الشهيد في بعض تحقيقاته تقييده بما وصل إليها منه من مهر و غيره، حذرا من الضرر العظيم، و استنادا إلى قوله (1) (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) لجميلة بنت عبد اللّه بن أبيّ- و قد قالت: و أزيده-: «لا، حديقته فقط» و في بعض ألفاظ الرواية (2): «أما الزيادة فلا، و لكن حديقته». و حمل كلام الأصحاب على غير صورة العضل، أو على ما إذا بذلت الزائد من قبل نفسها.

و في الاحتجاج من الجانبين معا نظر، لأن الاستثناء في الآية وقع من إذهاب الأزواج لبعض ما آتوهنّ لا بجميعه، و الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل في اللفظ، و الجميع غير داخل فيه، فإطلاق الاستثناء لا يفيد، فلا حجّة فيها للفريقين.

و أما الخبر فلا دلالة فيه أيضا على موضع النزاع، لأن المرأة المذكورة ليست من هذا الباب، و لا عضلها زوجها، و إنما كان يودّ لو رضيت عنه، و إنما هي الكارهة له على أصل قاعدة الخلع كما أشرنا إليه سابقا. و تقييده (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) بالحديقة لكون الزوج طلبها و إلّا لجازت الزيادة إجماعا.

و أما حمله كلام الأصحاب بجواز أخذ الزيادة في غير صورة العضل ففيه أنهم أطلقوا جواز أخذ الفدية مع العضل الشامل لأخذ الزائد، مع أنك قد عرفت أن التقييد بقدر ما أخذت منه لا دليل عليه من الآية، و هو ظاهر، و لا من الخبر،

____________

(1) مجمع البيان 1: 329 ذيل آية 228 من سورة البقرة.

(2) سنن البيهقي 7: 314.

423

[الرابعة: إذا صحّ الخلع فلا رجعة له]

الرابعة: إذا صحّ الخلع (1) فلا رجعة له، و لها الرجوع في الفدية ما دامت في العدّة، و مع رجوعها يرجع إن شاء.

____________

لخروجه عن محلّ النزاع، و ليس ذلك من باب الخلع و لا المبارأة ليبحث عن تقييده بذلك و شبهه.

و أما حديث الإضرار فحسن لكنّه غير مقيّد بكون البذل بمقدار ما وصل إليها، بل بما يحصل معه الإضرار و عدمه.

و الأظهر الاقتصار في تقدير العضل على بعض ما وصل إليها مطلقا، عملا بظاهر الآية، و وقوفا فيما خالف الأصل على محلّ اليقين.

و اعلم أن القول الذي حكاه المصنّف من كون الآية منسوخة تبع فيه الشيخ في المبسوط (1)، و هو قول بعض العامّة (2)، و أما أصحابنا فلا نعرف ذلك لهم، و لم ينقله أحد من الأصحاب عنهم، و لكن الشيخ يحكي في المبسوط أقوالهم و يختار منها ما ترجّح عنده، و قد نقل القول بكونها منسوخة بقوله: «و قيل» و هو ضعيف المستند.

قوله: «إذا صحّ الخلع .. إلخ».

(1) متى صحّ الخلع فهو فرقة بائنة، سواء جعلناه طلاقا أم فسخا، لأنها بذلت المال لتملك البضع، فلا يكون للزوج ولاية الرجوع إليه، كما أن الزوج إذا بذل المال صداقا ليملك البضع لا يكون للمرأة ولاية الرجوع إلى البضع بغير سبب عارض يوجبه كالعيب (3). و قد صرّح به في أخبار كثيرة، منها صحيحة ابن بزيع

____________

(1) المبسوط 4: 343.

(2) جامع البيان للطبري 4: 211، الحاوي الكبير 10: 7، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 5: 96.

(3) في «و» و نسخة بدل «ق، د»: كالعنن.

424

..........

____________

قال: «تبين منه و إن شاءت أن يردّ إليها ما أخذ منها و تكون امرأته فعلت» (1). و هي دالّة على الأمرين معا، أعني: كونه بائنا و جواز رجوعها في البذل، فيرجع هو حينئذ في الطلاق. و المراد بقوله: «و تكون امرأته» أن طلاقها حينئذ يصير رجعيّا، و الرجعيّة بمنزلة الزوجة، للإجماع على أنها لا تصير امرأته بمجرّد رجوعها.

و يؤيّده رواية أبي العبّاس عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «المختلعة إن رجعت في شيء من الصلح يقول: لأرجعنّ في بضعك» (2). فهذه صريحة في صيرورتها بعد رجوعها رجعيّة.

و ظاهر الخبرين تلازم الحكمين، فلو كانت العدّة بائنة- كما لو كانت الطلقة ثالثة- لم يجز لها الرجوع في البذل، لعدم إمكان رجوعه في البضع. و يؤيّده أن الخلع عقد معاوضة كما سلف (3)، و الأصل في عقود المعاوضات أن لا يرجع أحدهما في عوضه مع عدم رجوع الآخر، سواء كان ذلك مفوّضا إليهما أم إلى أحدهما، لأنه على تقدير اختصاصه بأحدهما يترتّب على رجوعه في عوضه رجوع العوض الآخر إلى صاحبه، فلو جوّزنا رجوعها هنا من دون أن نجوّز رجوعه كان ذلك على خلاف الأصول الممهّدة. و أيضا فالدليل على رجوعها هو الخبران المتقدّمان، و هما دالّان على إمكان رجوعه في البضع.

و إلى مثل هذا نظر ابن حمزة (4)، فاشترط في جواز رجوعها تراضيهما معا

____________

(1) التهذيب 8: 98 ح 332، الاستبصار 3: 318 ح 1132، الوسائل 15: 492 ب «3» من أبواب الخلع و المبارأة ح 9.

(2) التهذيب 8: 100 ح 337، الوسائل 15: 499 ب «7» من أبواب الخلع و المبارأة ح 3.

(3) في ص: 374- 375.

(4) الوسيلة: 332.

425

..........

____________

عليه، بناء على أنه عقد معاوضة فيعتبر في فسخه رضاهما. و نفى عن قوله في المختلف (1) البأس.

و الوجه اشتراط إمكان رجوعه في صحّة رجوعها و إن لم يعتبر رضاه، إذ لا دليل على جواز رجوعها مطلقا. و دعوى الشهيد في الشرح (2) الاتّفاق على أن البذل غير لازم من جهتها في زمان العدّة إن تمَّ فهو مقيّد بذلك، لأن جواز رجوعها مع عدم جواز رجوعه موضع الخلاف فكيف يدّعى الإجماع عليه؟!.

و ظاهر الشيخ (3) و صريح العلّامة (4) التلازم بين صحّة رجوعها و جواز رجوعه. و يتفرّع على ذلك ما لو رجعت و لم يعلم حتى انقضت العدّة، فيحتمل صحّة رجوعها حينئذ على القولين. أما على القول بعدم التلازم بين الرجوعين فظاهر. و أما على الآخر فلأن الشرط ثبوت رجوعه شرعا أعمّ من أن يرجع (5) أم لا، و متى كانت العدّة رجعيّة كان رجوعه جائزا، سواء (6) علم أم لم يعلم، كما لو طلّق رجعيّا و لم يعلم بجواز الرجوع فيها فترك إلى أن انقضت العدّة، فإن ذلك لا يخرج العدّة عن كونها رجعيّة. و لأن رجعتها شرط في جواز رجوعه، و الشرط لا يتوقّف وجوده على وجود المشروط بالفعل و إلّا دار.

و وجه الاشتراط أنه لو صحّ رجوعها من غير علمه لزم الإضرار به بالعود

____________

(1) المختلف: 595.

(2) غاية المراد: 223.

(3) النهاية: 529.

(4) إرشاد الأذهان 2: 53.

(5) في «ط، و»: ترجع.

(6) في «و» بدل «سواء»: شرعا.

426

..........

____________

عليه بالبذل مع فوات البضع، و هو منفيّ بقوله (صلى اللّه عليه و آله): «لا ضرر و لا ضرار» (1). و لأنها معاوضة يعتبر فيها علم المتعاوضين كسائر المعاوضات.

و في الاستدلال من الجانبين نظر، أما الأول فلأن ظاهر الخبرين الدالّين على جواز رجوعها كون الزوج عالما به خصوصا الثاني. و الدور إنما يلزم لو توقّف رجوعها على رجوعه بالفعل، أما إذا توقّف على جوازه بالقوّة بمعنى تمكّنه من الرجوع بعد رجوعها فلا، لأن مرجع الشرط حينئذ إلى كون العدّة رجعيّة و الزوج عالما بالحال، و هذا لا يقدح تقدّمه في الوجود على صحّة رجعتها (2).

و يجوز أن نجعلهما مقترنين بالزمان، فيكون دور معيّة، و هو غير محال.

و أما الضرر فيندفع بأنه قادر على دفعه بالرجعة في الأوقات المحتملة إلى آخر زمان العدّة. و بتقدير جهله بآخرها لا يمنع رجوعه في أوقات احتمالها، فإن طابق العدّة و سبق رجوعها صحّ و إلّا لغا، مع أن الضرر إذا حصل من قبل منّ يتوجّه عليه لا يقدح، و هو هنا كذلك حيث دخل على جواز رجوعها على هذا الوجه.

و أما حديث المعاوضة فلا يقدح، إذ ليست على قاعدة واحدة يجب اطّرادها. و لأنه لو اختار عدم الرجوع بعد رجوعها وقعت المعاوضة خالية من العوض الآخر.

____________

(1) الكافي 5: 292 ح 2 و 6 و 8، معاني الأخبار: 281، الفقيه 3: 147 ح 648، التهذيب 7:

146 ح 651، الوسائل 17: 341 ب «12» من أبواب إحياء الموات ح 3 و 4، و انظر مسند الشافعي:

224، المعجم الكبير للطبراني 2: 80 ح 1387، سنن الدارقطني 3: 77 ح 288، المستدرك للحاكم 2: 58.

(2) في «د، م»: رجوعها.

427

..........

____________

إذا تقرّر ذلك فنقول: حيث ترجع المرأة في العوض تصير العدّة رجعيّة، سواء رجع أم لا. و هل يترتّب عليها أحكام الرجعيّة مطلقا، كوجوب النفقة و الإسكان و تجديد عدّة الوفاة لو مات فيها و نحو ذلك؟ وجهان، من أن جواز رجوعه يقتضي ذلك، إذ لا نعني بالعدّة الرجعيّة إلّا ما يجوز للزوج الرجوع فيها، و من أنها ابتدأت على البينونة و سقوط هذه الأحكام، فعودها بعد ذلك يحتاج إلى دليل، و الأصل يقتضي استصحاب الحكم السابق، و لا يلزم من جواز رجوعه على هذا الوجه كونها رجعيّة مطلقا، لجواز أن يراد بالرجعيّة ما يجوز للزوج الرجوع فيها مطلقا كما هو الظاهر، و أما قبل رجوعها فلا شبهة في انتفاء أحكام الرجعيّة عنها.

و ممّا يتفرّع على ذلك جواز تزويجه أختها و رابعة، فأما بعد رجوعها فهو منتف، لأنها صارت حينئذ في حكم الزوجة كما صرّح به في الخبر الصحيح (1).

و أما قبله ففي جوازه وجهان، من تحقّق البينونة حينئذ، و من أنه بتزلزله في حكم الرجعي، و لأنه على تقدير تقدّم ذلك ثمَّ رجوعها يصير جامعا بين الأختين و أزيد من العدد الشرعي. فإن جوّزنا له فعل ذلك فهل لها الرجوع بعده؟ وجهان، من أنه حينئذ لا يمكنه الرجوع، و هو شرط في جواز رجوعها على ما مرّ (2)، و من وجود المقتضي لرجوعها، و هو كونها في عدّة خلع، و المانع إنما جاء من قبله، و لم يثبت ذلك في حقّها، و لأن هذا العارض من قبله يمكنه إزالته بأن يطلّق الأخت و الرابعة بائنة، فله الرجوع حينئذ، لزوال المانع.

____________

(1) الوسائل 15: 492 ب «3» من أبواب الخلع و المبارأة ح 9.

(2) في ص: 424- 425.

428

..........

____________

و القول بجواز تزويجه في الموضعين قبل رجوعها لا يخلو من قوّة. و يدلّ عليه- مضافا إلى ما سلف- صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

«سألته عن رجل اختلعت منه امرأته أ يحلّ له أن يخطب أختها من قبل أن تنقضي عدّة المختلعة؟ قال: نعم، قد برئت عصمتها منه، و ليس له عليها رجعة» (1). و هذه الرواية و إن لم تكن صريحة في تزويجها بالفعل، لأن الخطبة لا تستلزم العقد، إلّا أنها ظاهرة فيه، و تعليلها مرشد إليه. و يترتّب على الجواز حكم رجوعها قبل أن يطلّقها بائنا و عدمه، و من اعتبر التلازم بين الأمرين لم يجوّز رجوعها حينئذ إلّا أن يبينهما (2) في العدّة. و كذا على قول ابن حمزة (3) من اشتراط تراضيهما في جواز رجوعها.

بقي في المسألة بحث آخر، و هو أنها لو رجعت في البعض خاصّة هل يصحّ الرجوع، و يترتّب عليه صحّة رجوعه؟ لم أقف فيه على شيء يعتدّ به. و فيه أوجه كلّ منها محتمل.

أحدها: جواز الرجوع، و يترتّب عليه رجوعه. أما الأول فلما اتّفق عليه الأصحاب من أن البذل غير لازم من جهتها، فكما يصحّ لها الرجوع في الجميع يصحّ في البعض، لأن الحقّ لها فلها إسقاط بعضه كما لها إسقاط الجميع، فإن عدم الرجوع في قوّة الإسقاط، إذ لا يلزم منه رجوع [إلى] (4) العوض الآخر، بل جوازه.

____________

(1) الكافي 6: 144 ح 9، التهذيب 8: 137 ح 477، الوسائل 15: 504 ب «12» من أبواب الخلع و المبارأة ح 1.

(2) في «ط»: يبتّهما، و في «م» و إحدى الحجريّتين: يبينها، و في الثانية: يبتّها.

(3) انظر ص: 424.

(4) من «د، م» و إحدى الحجريّتين.

429

..........

____________

و أما الثاني فلأنه مترتّب على رجوعها و قد حصل. و في رواية أبي العبّاس ما يرشد إليهما، لأنه قال: «المختلعة إن رجعت في شيء من الصلح يقول: لأرجعنّ في بضعك» (1). و هو صريح في الاكتفاء بالبعض و ترتّب رجوعه عليه.

و الثاني: المنع فيهما. أما الأول فلأن جوازه يقتضي صيرورة الطلاق رجعيّا، و إنما يصير رجعيّا إذا لم يشتمل على عوض، و العوض باق في الجملة، إذ لا فرق فيه بين القليل و الكثير، و من ثمَّ لو جعل ابتداء ذلك القدر الباقي بل أقلّ منه كفى في البينونة، فالجمع بين كون الطلاق رجعيّا و بقاء العوض في مقابله متنافيان. و في صحيحة ابن بزيع ما يرشد إليه، لأنه قال: «و إن شاءت أن يردّ إليها ما أخذ منها و تكون امرأته فعلت» (2). و هي العمدة في الباب، لصحّتها، و ظاهرها اعتبار ردّ الجميع، لأن «ما» من صيغ العموم فلا يترتّب الحكم بالبعض.

و ثالثها: جواز رجوعها دونه. أما الأول فلما تقرّر من أن البذل من جهتها جائز، فتتخيّر في الرجوع. و أما الثاني فلأن بقاء شيء من العوض مانع من رجوعه، و هو حاصل هنا.

و أضعفها الأخير، لما يظهر من تلازم الأمرين حيث لا يكون المانع من قبله، و هو هنا ليس كذلك. و لأن هذا لو صحّ لزم الإضرار به، بأن ترجع في أكثر البذل و تبقى منه شيئا يسيرا لتمنعه من الرجوع، و هو منفيّ (3)، و لا وسيلة له إلى إسقاطه، بخلاف ما تقدّم. و الوسط لا يخلو من قوّة.

____________

(1) تقدّم ذكر مصادرها في ص: 424، هامش (2).

(2) تقدّم ذكر مصادرها في ص: 424، هامش (1).

(3) في حديث نفي الضرر، و مرّ ذكر مصادره في ص: 426، هامش (1).

430

[الخامسة: لو خالعها و شرط (1) الرجعة لم يصحّ]

الخامسة: لو خالعها و شرط (1) الرجعة لم يصحّ. و كذا لو طلّق بعوض.

[السادسة: المختلعة لا يلحقها طلاق بعد الخلع]

السادسة: المختلعة لا يلحقها (2) طلاق بعد الخلع، لأن الثاني مشروط بالرجعة. نعم، لو رجعت في الفدية فرجع جاز استئناف الطلاق.

____________

قوله: «لو خالعها و شرط .. إلخ».

(1) لأن ذلك شرط مناف لمقتضى العقد و للمشروع، فإن من حكم الخلع و الطلاق بعوض أن يكون بائنا، فاشتراط الرجعة فيه ينافي موضوعه الشرعي، فلا يكون اشتراطه سائغا، فيبطل و يترتّب عليه بطلان الخلع. و أما الطلاق فينبغي أن يقع رجعيّا إن خلا من موجبات البينونة، و إلّا اتّجه بطلانه أيضا. و كذا لو اتبع الخلع بالطلاق.

و خالف في ذلك بعض الشافعيّة (1)، فأبطل الشرط و حكم بالبينونة بمهر المثل، لأن الشرط جزء من العوض، فيفسد العوض، و تحصل البينونة بمهر المثل.

و لهم قول (2) آخر بعدم الصحّة و وقوع الطلاق رجعيّا، كما أشرنا إليه.

قوله: «المختلعة لا يلحقها .. إلخ».

(2) عدم صحّة طلاق المختلعة على أصولنا واضح، لأن شرطه أن يقع بالزوجة و هي بعد الخلع بائنة، سواء جعلناه طلاقا أم فسخا. نعم، لو رجعت في البذل فرجع في الخلع أو الطلاق فلا شبهة في جواز طلاقها حينئذ، لأنها صارت زوجة.

و نبّه بأصل الحكم على خلاف [1] بعض العامّة حيث جوّز طلاق

____________

[1] في هامش «ط، و»: «المخالف في ذلك أبو حنيفة، لكنّه شرط أن يخالعها بصريح الطلاق دون الكنايات، و إن صحّ الطلاق بالكناية في غيرها، بخطّه (قدس سرّه)». لاحظ الإشراف على مذاهب العلماء 4: 219، الحاوي الكبير 10: 16، حلية العلماء 6: 554، شرح السنة للبغوي 9: 197.

____________

(1) الحاوي الكبير 10: 14، الوجيز 2: 44، روضة الطالبين 5: 699- 700، كفاية الأخيار 2: 51.

(2) الحاوي الكبير 10: 14، الوجيز 2: 44، روضة الطالبين 5: 699- 700، كفاية الأخيار 2: 51.

431

[السابعة: إذا قالت: طلّقني ثلاثا بألف، فطلّقها]

السابعة: إذا قالت: طلّقني (1) ثلاثا بألف، فطلّقها قال الشيخ: لا يصحّ، لأنه طلاق بشرط. و الوجه أنه طلاق في مقابلة بذل، فلا يعدّ شرطا.

فإن قصدت الثلاث ولاء لم يصحّ البذل و إن طلّقها ثلاثا مرسلا، لأنه لم يفعل ما سألته. و قيل: يكون له الثلث، لوقوع الواحدة.

أما لو قصدت الثلاث التي يتخلّلها رجعتان صحّ. فإن طلّق ثلاثا فله الألف. و إن طلّق واحدة قيل: له ثلث الألف، لأنها جعلته في مقابلة الثلاث، فاقتضى تقسيط المقدار على الطلقات بالسويّة. و فيه تردّد، منشؤه جعل الجملة في مقابلة الثلاث بما هي، فلا يقتضي التقسيط مع الانفراد.

____________

المختلعة ما دامت في العدّة. و وافقنا أكثرهم على ما ذكرناه.

و كما لا يصحّ طلاقها فكذا ظهارها و الإيلاء منها، لاشتراك الجميع في المقتضي و هو خروجها عن الزوجيّة، و هذه الأحكام معلّقة عليها.

قوله: «إذا قالت: طلّقني .. إلخ».

(1) إذا قالت له: طلّقني ثلاثا بألف، أو على ألف، فلا يخلو: إما أن تريد الثلاث على الولاء، بمعنى أن يأتي بصيغة الطلاق ثلاث مرّات من غير أن يتخلّلها رجعة، أو تريد بها المرسلة، و هي أن يقول لها: أنت طالق ثلاثا، أو تريد بها الثلاث التي يتخلّل بينها رجعتان. فإن أرادت أحد المعنيين الأوّلين لم يصحّ، إذ لا يقع الثلاث الولاء شرعا، و لا المرسلة كما سلف (1)، فيكون طلبا لباطل شرعا، و لا ينصرف إلى الواحدة، لأن المقصود غيرها. و ربما احتمله بعضهم، حملا للبذل على الصحيح، فيكون له الألف. و هو ضعيف جدّا. لكن إن قلنا بوقوع واحدة فيهما فهل يستحقّ

____________

(1) في ص: 92.

432

..........

____________

عليها شيئا؟ الأظهر العدم، لأنه لم يحصل ما طلبت، فلا يستحقّ ما بذلت. و اختلف كلام الشيخ في المبسوط (1)، ففي موضعين منه أنه لا يستحقّ بالواحدة شيئا، و في موضعين آخرين أنه يستحقّ الثلث.

و إن أرادت الثلاث التي يتخلّلها رجعتان قصدا أو صرّحت بذلك فقد قال المصنّف- (رحمه الله)-: يصحّ، و تبعه العلّامة (2) في كتبه.

و فيه إشكال من حيث إن وقوع الثلاث على هذا الوجه يستدعي تأخّر الطلقتين الأخيرتين عن استدعائها بتخلّل الأول بينهما و بتخلّل الرجعتين، و ذلك مناف لعقد الخلع كما سلف (3). و لأن البذل في مقابل الطلقات الثلاث، و رجوعه في كلّ واحدة يتوقّف على رجوعها قبله في البذل، فإن لم يحصل لم تصحّ الطلقات، لكونها بائنة يتوقّف على رجوعها ثمَّ رجوعه ليصحّ الطلاق المتعقّب، و إن حصل لم يتحقّق استحقاقه الألف، لأن رجوعها في البذل يرفع استحقاقه له فلا يكمل له الألف في الثالثة. و لو قيل بأن البذل في مقابلة الثالثة خاصّة ليسلم من توقّفه على رجوعها لم تحصل الفوريّة بين طلبها و جوابه أصلا.

و قد اختلفوا في الجواب عن هذين الإشكالين، فمنهم من اعتبر الفوريّة في الطلاق الأول خاصّة و جعل الباقي من تتمّة المقصود، و اعتبر رجوعها في البذل بين الطلقات، لتوقّف ما طلبته عليه، و التزم توقّف ملكه للألف على الثالثة، لأن بها حصل ما طلبته فاستحقّ ما بذلته، فتكون الأوّلتان شرطا في استحقاق البذل على الثالثة لا جزءا من المطلوب.

____________

(1) المبسوط 4: 347 و 361 و 352.

(2) قواعد الأحكام 2: 81، إرشاد الأذهان 2: 53، تحرير الأحكام 2: 59.

(3) في ص: 384.

433

..........

____________

و منهم من جعل شرطها ذلك إذنا له و توكيلا في الرجوع عنها في البذل، لاستلزام وقوع الثلاث على هذا الوجه تخلّل الرجوع، فإذا بذلك عليه العوض فقد أذنت له في فعل ما تتوقّف عليه صحّتها، فإذا طلّق واحدة جاز له الرجوع عنها في البذل لتصير رجعيّة، ثمَّ يرجع و يطلّق، ثمَّ يرجع في البذل كذلك ثمَّ يرجع هو و يطلّق.

و كلّ واحد من هذين الجوابين فاسد:

أما الأول فلأن رجوعها يمنع من ملكه للعوض المفروض في مقابلة الطلقة المرجوع في عوضها، فلا يمكن الجمع بين كون الألف مبذولة في مقابلة الثلاث ثمَّ ثبوتها في مقابلة الأخيرة، لأن ثبوتها في مقابلة الأخيرة خاصّة يقتضي كون الأوّلتين رجعيّتين، فلا يفتقر إلى رجوعها في العوض. و أيضا فإن مقتضى لفظها كون العوض في مقابلة المجموع لا الثالثة خاصّة.

و أما الثاني فلأن صريح لفظها إنما هو بذل الألف في مقابلة طلاقه لها، أما فعل ما يتوقّف عليه من رجوعها فلا. و لا يلزم من عدم صحّة طلاقه بدون رجعتها إذنها له في الرجعة، لجواز أن يوقع هو الطلاق ثمَّ يتوقّف على رجوعها بنفسها في العوض. و أيضا فالمحذور اللازم من السابق من جعل البذل في مقابلة الجميع و سقوط ما قابل المرجوع فيه آت هنا.

و الحقّ في الجواب عنهما أن نقول: إن البذل إنما وقع في مقابلة المجموع من حيث هو مجموع، لا في مقابلة كلّ واحدة من الثلاث على وجه التوزيع، و لا في مقابلة الثالثة خاصّة. و حينئذ فلا يتحقّق استحقاقه العوض إلّا بتمام الطلقات الثلاث، فالأوّلتان تقعان رجعيّتين محضا، فله الرجوع فيهما من غير أن يتخلّل رجوعها في العوض، فإذا تمّت الثلاث استحقّ العوض بتمامه، لا في مقابلة الثالثة

434

..........

____________

كما قيل، بل في مقابلة المجموع من حيث هو مجموع. و صارت حينئذ بائنة بوجهين: كونها في مقابلة عوض و كونها ثالثة، و الأوّلتان رجعيّتان، لعدم بذل عوض في مقابلهما من حيث إنهما مفردتان، بل من حيث إنهما جزء من المجموع، و ذلك لا يقتضي استحقاق شيء في مقابلتهما، فارتفع الإشكال الثاني.

و أما الأول فيرتفع بفوريّة الطلاق الأول لاستدعائها و إتباعه بالباقي مع تخلّل الرجعتين على الفور، لأن مجموع ذلك مطلوب [واحد] (1) و عقد واحد، فيكفي ترتّب أوّله على استدعائها و إن بعد الجزء الأخير، كما لا يقدح بعد الجزء الأخير من [صيغة] (2) الطلاق الواحد عن الاستدعاء، و هما مشتركان هنا في الوحدة من حيث اتّحاد المطلوب و كون البذل في مقابله، و إن افترقا بتعدّد أحدهما في نفسه، فإن ذلك أمر آخر.

و هذا البحث كلّه إنما يتأتّى على القول بجواز اجتماع الطلقات الثلاث في الطهر الواحد، فلو أوجبنا تفريقها على الأطهار سقط التفريع. و في حكمه ما لو فرّق الطلقات على الأوقات و جعل بينها تراخيا مخرجا عمّا يعتبر في عقد الخلع، فلا يستحقّ شيئا و إن حصلت البينونة، كما لا يستحقّ شيئا لو بذلت له شيئا في مقابلة طلقة واحدة فأوقعها متراخية عن الاستدعاء بما يقدح فيه.

فهذا ما يتعلّق بحكم المسألة على تقدير إيقاعه ثلاث طلقات على وفق ملتمسها، فأما إذا طلّق واحدة خاصّة فهل يستحقّ في مقابلتها شيئا من الألف؟

قال في موضع من المبسوط (3): إنه يستحقّ ثلث الألف، لأن جعل الألف في

____________

(1) من «ط، م» و الحجريّتين فقط.

(2) من هامش «ق، و» فقط.

(3) المبسوط 4: 352 و 361.

435

..........

____________

مقابلة عدد يقتضي تفريقه على آحاد ذلك العدد، و قد حصل ثلثه فيكون له ثلث الألف. و قال في موضعين (1) آخرين: إنه لا يستحقّ شيئا، و هو الذي يرشد إليه تردّد المصنّف في الحكم الأول، لأن البذل في مقابلة المجموع من حيث هو كما حقّقناه سابقا (2). و للمجموع حالة- و هي البينونة- لا تحصل لكلّ واحد من آحاده، فلا يستحقّ شيئا. و هذا هو الأقوى. و عليهما يتفرّع ما لو طلّق اثنتين، فيستحقّ الثلاثين على الأول دون الثاني، و لكنّهم لم يذكروا حكم هذا القسم.

بقي في المسألة بحث يتعلّق بتحقيق محلّ النزاع فيما ادّعى الشيخ فيه أنه طلاق بشرط و بيان شرطيّته. و تحريره: أن المصنّف نقل عن الشيخ أنها إذا قالت:

طلّقني ثلاثا بألف، فطلّقها لا يصحّ، لأنه طلاق بشرط. و تبعه على هذا النقل تلميذة العلّامة في التحرير (3). و الذي رأيناه من كلام الشيخ خلاف ذلك، و أنه نقل البطلان معلّلا بالشرط في كلام آخر يخالف ما نقله المصنّف في اللفظ و المعنى، و هو أنه جعل مورد الشرط ما لو قالت: طلّقني على أن لك عليّ ألفا، و هذا اللفظ هو المحتمل للشرط دون ما عبّر به المصنّف، لأن الباء صريحة في العوض.

و لننقل عبارة الشيخ في ذلك ثمَّ نبيّن وجه الشرط فيما ذكر.

قال في موضع من المبسوط (4): «إذا قالت لزوجها: طلّقني ثلاثا بألف درهم، فقال لها: قد طلّقتك ثلاثا بألف درهم، صحّ عند المخالف، و عندنا لا يصحّ، لأن الطلاق الثلاث لا يقع عندنا بلفظ واحد، و لا يجب أن نقول هاهنا إنها تقع واحدة، لأنها إنما بذلت العوض في الثلاث، فإذا لم تصحّ الثلاث وجب أن تبطل

____________

(1) راجع الهامش (3) في الصفحة السابقة.

(2) في ص: 433.

(3) تحرير الأحكام 2: 59.

(4) المبسوط 4: 347.

436

..........

____________

من أصله». ثمَّ قال: «إذا قالت له: طلّقني ثلاثا على أن لك عليّ ألفا، فطلّقها صحّ الخلع و لزمها الألف و انقطعت الرجعة، و عندنا لا يصحّ، لما قلناه، و لأنه طلاق بشرط».

و قال في موضع (1) آخر: «إن قالت له: طلّقني ثلاثا بألف، فطلّقها ثلاثا فعليها الألف، و إن طلّقها واحدة أو اثنتين فعليها بالحصّة، و عندنا أنه لا يصحّ الطلاق أصلا، و قد مضى. و إن قالت له: طلّقني ثلاثا على ألف، فالحكم فيه كما لو قالت: بألف. و قال قوم في هذه: إن طلّقها ثلاثا فله ألف، و إن طلّقها أقلّ من ثلاث وقع الطلاق و لم يجب عليها ما سمّي. و فصّل بينهما بأن قال: إذا قالت: «بألف» فهذه «باء» البدل، و البدل يقتضي أن يقسّط على المبدل، كما لو باعه ثلاثة أعبد بألف، و إذا قال: «على ألف» علّق الطلاق الثلاث بشرط هي الألف، فإذا لم يوقع الثلاث لم يوجد الشرط، فلم يستحقّ شيئا». فهذا ما يتعلّق الغرض بنقله من عبارته.

و محصّلها: أن التعليل للبطلان بالشرط إنما هو على تقدير قولها «على أن» لا على تقدير قولها «بألف» لأن الباء للعوض و البدل لا للشرط بغير إشكال.

و مقتضى كلامه الأخير أن لفظة «على» مجرّدة عن «أن» للعوض أيضا، و لكنّه نقل عن بعضهم أنها للشرط. فظهر أن ما نقله عنه المصنّف غير مطابق لعبارته. و قد تنبّه لذلك العلّامة في القواعد (2)، فنقل فيها عن الشيخ أنها لو قالت: طلّقني على أنّ لك عليّ ألفا، لا يصحّ، لأنّه طلاق بشرط، ثمَّ قال: «و الوجه أنه طلاق في مقابلة عوض، فلا يعدّ شرطا». و هذا هو الصواب.

____________

(1) المبسوط 4: 361- 362.

(2) قواعد الأحكام 2: 81، و لكن بلفظ «قيل» و لم يصرّح باسم الشيخ «قده».

437

..........

____________

و ملخّص النزاع في أن قولها «على أن» يفيد الشرط أو لا: أنها استعملت في الشرط لغة حتى في القرآن في قوله تعالى قٰالَ لَهُ مُوسىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلىٰ أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمّٰا عُلِّمْتَ رُشْداً (1) و الأصل في الاستعمال الحقيقة. و بهذا أخذ الشيخ (2) (رحمه الله).

و أجيب بمنع كونها فيما ذكر للشرط أيضا، بل للعوض. و المراد: على أن تجعل تعويضي عن اتّباعي لك تعليمي. و أوضح منه قوله تعالى فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلىٰ أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنٰا وَ بَيْنَهُمْ سَدًّا (3) و قوله تعالى إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هٰاتَيْنِ عَلىٰ أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمٰانِيَ حِجَجٍ (4) فجعلها عوض البضع. و كثرة استعمالها في ذلك دليل الحقيقة، و الآخر محمول عليه حذرا من الاشتراك، أو محمول على المجاز، لأنه خير منه. و لأن أهل اللغة عدّوا أدوات الشرط و لم يذكروا «على أن» فيها. و مثله القول في «على» مجرّدة عن «أن». و هذا القول هو الأصحّ.

و قد ظهر من ذلك أيضا أن موضع توهّم الشرط هو ما لو قالت: «على» أو «على أن» لا ما إذا أتت بالباء، لأنها للعوض بغير إشكال.

و اعلم أنه لا فرق على قول الشيخ بين تعلّق سؤالها بثلاث طلقات أو بواحدة، و إن كان قد ذكر في التمثيل التماس الثلاث، لأن المقتضي للشرط دخول ما ادّعاه من أداته و هو «على أن» لا دخوله على الثلاث. و على هذا فلو قالت:

____________

(1) الكهف: 66.

(2) المبسوط 4: 347.

(3) الكهف: 94.

(4) القصص: 27.

438

و لو كانت معه (1) على طلقة فقالت: طلّقني ثلاثا بألف، فطلّق واحدة كان له ثلث الألف.

و قيل: له الألف إن كانت عالمة، و الثلث إن كانت جاهلة. و فيه إشكال.

____________

طلّقني واحدة على أنّ لك عليّ ألفا، فطلّقها واحدة جرى الخلاف في صحّته و فساده من حيث الشرط، و إن كان صحيحا من حيث الوحدة. و قد أسلفنا في أول الكتاب (1) ما يفيد أن شائبة الشرط في إيجابه الخلع إنما يظهر مع تأخّر قبولها، أما مع تقدّمه ففيه شائبة الجعالة لا الشرط، إلّا مع الإتيان بالشرط الصريح، و هو نافع في هذا المبحث.

قوله: «و لو كانت مع .. إلخ».

(1) إذا كان قد طلّقها طلقتين و بقيت معه على طلقة واحدة ثمَّ تبين منه فقالت:

طلّقني ثلاثا بألف، فطلّقها واحدة بألف، ففي أصل استحقاقه عليها و مقداره أوجه:

أحدها: أن له ثلث الألف، لأنها جعلت الألف في مقابلة عدد فيكون موزّعا على آحاده، لما تقدّم (2) من أنه مع تقدّم استدعائها تكون في المعاوضة شائبة الجعالة، و ذلك هو مقتضاها، كما لو كان يملك الثلاث فطلّق واحدة.

و ثانيها: التفصيل: فإن كانت عالمة بأنه لم يبق إلّا واحدة استحقّ تمام الألف، لأنها إذا علمت الحال لا تبذل الألف إلّا في مقابلة تلك الواحدة، و يكون غرضها تحقيق (3) الحرمة الكبرى، و تعني بقولها «طلّقني ثلاثا»: كمّل لي الثلاث.

و إن لم تعلم فله الثلث، لأنها لم تبذل الألف إلّا في مقابلة الثلاث، فوجب أن

____________

(1) في ص: 379.

(2) في ص: 380.

(3) في هامش «و»: تحقّق ظ «أي ظاهرا».

439

..........

____________

يوزّع. و هذا اختيار الشيخ في المبسوط (1).

و ثالثها: أنه يستحقّ الألف مطلقا، لأنه حصل بتلك التطليقة مقصود الثلاث و هو الحرمة الكبرى، فكأنّها قالت: ابنّي بالثلاث طلقات.

و رابعها: أنه لا يستحقّ شيئا مطلقا، لأنها إنما التمست الثلاث بألف و لم تحصل، بل هو لا يملكها، فلا يمكنه إيقاعها عقيب طلبها. و التوزيع قد عرفت ضعفه. و اقتضاء الجعالة ذلك ممنوع. و كونها مع العلم بالحال قاصدة للواحدة ممنوع أيضا. نعم، لو فرض قصدها ذلك فلا إشكال في لزوم الألف في مقابلة الواحدة، إلّا أن ذلك خارج عن موضوع النزاع. و هذا الأخير هو الأقوى، إلّا مع فرض قصدها تكميل الثلاث.

و لو سألت الثلاث على هذا الوجه و هو يملك طلقتين فطلّقها واحدة فله ثلث الألف على الأول. و كذا على الثاني مع جهلها، و مع علمها فالنصف توزيعا للألف على الطلقتين. و لا شيء له على الرابع. و الثالث منتف هنا. و إن طلّقها تطليقتين فعلى الأول يستحقّ ثلثي الألف. و على الثاني كذلك مع جهلها، و تمام الألف مع علمها. و على الثالث يستحقّ بهما الألف مطلقا. و على الرابع لا يستحقّ شيئا. و هو الأقوى.

و اعلم أن موضع النزاع ما إذا طلّقها في الصورتين بنيّة أن الطلقة أو الطلقتين في مقابلة الألف، أو صرّح بذلك، أو لم ينو شيئا، أما لو نوى بها أقلّ منها (2) فلا إشكال في عدم استحقاقه تمام الألف، إلّا على الاحتمال الذي يأتي في المسألة التالية.

____________

(1) المبسوط 4: 352.

(2) في «ط»: منهما.

440

[الثامنة: لو قالت: طلّقني واحدة بألف، فطلّق ثلاثا ولاء]

الثامنة: لو قالت: طلّقني (1) واحدة بألف، فطلّق ثلاثا ولاء، وقعت واحدة و له الألف.

و لو قالت: طلّقني واحدة بألف، فقال: أنت طالق فطالق فطالق، طلّقت بالأولى و لغا الباقي.

فإن قال: الألف في مقابلة الأولى فالألف له، و كانت الطلقة بائنة.

و لو قال: في مقابلة الثانية، كانت الأولى رجعيّة، و بطلت الثانية و الفدية.

و لو قال: في مقابلة الكلّ، قال الشيخ: وقعت الأولى، و له ثلث الألف. و فيه إشكال من حيث إيقاعه ما التمسته.

____________

قوله: «لو قالت: طلّقني .. إلخ».

(1) إذا قالت: طلّقني واحدة، فطلّقها ثلاثا فلا يخلو: إما أن يوقعها مرسلة، أو ولاء، أو متخلّلة برجعتين. ففي الأول يستحقّ الألف مطلقا بناء على صحّة واحدة بقوله: أنت طالق، و إلغاء قوله: ثلاثا، فكأنّه لم يطلّق إلّا واحدة وفق ما التمست. و لم يفرّق الأصحاب هنا بين الجاهل بحكم الثلاث على هذا الوجه و أنه لا يقع إلا واحدة و بين العالم. و لو قيل بالفرق و تخصيص الحكم المذكور بالعالم كان وجها. و يبقى الكلام في الجاهل الذي يجوّز وقوع الثلاث، فإن قصد الألف في مقابلة الأولى فكذلك. و إن قصدها في مقابلة غيرها أو مقابلة الجميع توجّه عدم لزوم الألف، لأنه لم يقصد تملّكها في مقابلة الطلاق الصحيح، بل علّق تملّكها على أمر لم يتمّ له، كما لو طلّقها ثلاثا ولاء و قصدها في مقابلة غير الأولى.

441

..........

____________

و إن طلّقها ثلاثا ولاء فعندنا تقع الأولى خاصّة. ثمَّ إن قصد كون الألف في مقابلتها استحقّها و لغا الباقي.

و إن قصد كونها في مقابلة الثانية أو الثالثة وقعت الأولى رجعيّة، لخلوّها عن العوض، و لم يستحقّ شيئا من الألف، لجعلها في مقابلة عمل باطل. و عند من صحّح وقوع الجميع تكون السابقة على التي نوى العوض في مقابلتها رجعيّة، و المقابلة بالعوض بائنة. فإن كانت الثانية لغت الثالثة، لا من حيث عدم الرجعة، بل لأن الطلاق لا يقع بالبائن. و إن نواه في مقابلة الثالثة فالأوّلتان رجعيّتان، و الثالثة بائنة. و منهم من وافقنا على عدم استحقاقه الألف متى لم ينوها في مقابلة الأولى، بناء على أن الخلع لا يقع بالرجعيّة.

و إن قصد كونها في مقابلة الكلّ قال الشيخ في المبسوط (1): وقعت الأولى بثلث الألف بناء على التوزيع على ما نواه، و تبطل الثانية و الثالثة.

و استشكل المصنّف ذلك من حيث إنه قد أوقع ما التمسته- و هو الطلقة الصحيحة- فينبغي أن يستحقّ ما بذلته في مقابلتها و إن نوى كونها في مقابلة الجميع، لأن الخلع ليس معاوضة محضة حتى يبطل باختلاف الإيجاب و القبول في العوض، كما لو قال: بعتك هذه العبيد الثلاثة بألف، فقال: قبلت واحدا معيّنا منها بالألف، فإنه لا يصحّ قولا واحدا.

و فيه: أنه و إن لم يكن معاوضة محضة لكنّه لمّا قصد كون الألف في مقابلة الجميع فقد نوى فعل الأول بثلث الألف فلا يستحقّ الجميع، لأن هذا الاستدعاء

____________

(1) المبسوط 4: 353.

442

..........

____________

يشبه الجعالة كما بيّناه سابقا (1)، و مع بذل الجاعل عوضا معيّنا فعمل العامل بنيّة التبرّع أو بنيّة الأقلّ لا يستحقّ الجميع، فكذا هنا. نعم، هذا يتمّ إذا لم ينو شيئا، فإنه حينئذ يكون قد فعل ما التمسته فيستحقّ ما بذلته، و يجعل جوابه بقوله: «أنت طالق» أولا مطابقا لملتمسها، أما مع نيّة جعله في مقابل الكلّ فلا.

و في المسألة وجه آخر يقابل ما استوجهه المصنّف، و هو عدم استحقاقه شيئا، لعدم مطابقة الجواب للسؤال، فإن بذلها الألف في مقابلة طلقة و جوابه بجعلها في مقابلة ثلاث كقولها: طلّقني واحدة بألف، فقال: أنت طالق بخمسمائة. و مثله ما لو قال: أنت طالق بألف، فقبلت بخمسمائة.

و الوجه هنا ما اختاره الشيخ، لأنه زاد خيرا، و لأنه قادر على إيقاعه بغير عوض فأولى أن يقدر على إيقاعه ببعض العوض المبذول.

و اعلم أن الحكم بتوزيع الألف و ثبوت ثلثها في مقابلة الأولى لا ينافي عدم الحكم به في المسائل السابقة (2)، للفرق بين الأمرين، فإن التوزيع الذي استضعفناه فيما لو أتى ببعض ما التمسته فإنه لا يوافق غرضها، بخلاف ما هنا، فإنه قد أتى بملتمسها، و إنما نوى به عوضا أقلّ ممّا بذلت فلذلك جعلنا له أقلّ بمقتضى التوزيع على مقصده، لأن ذلك في قوّة التبرّع بالزائد عن الثلث. و ليس كلّما فعل ما التمسته يستحقّ عليها ما بذلته، فإنّه لو نوى التبرّع بالطلاق الملتمس بغير عوض لا على وجه الجواب المطابق لم يستحقّ شيئا، فكذا هنا بالنسبة إلى بعض العوض.

____________

(1) انظر ص: 379- 380.

(2) انظر ص: 431.

443

[التاسعة: إذا قال أبوها: طلّقها و أنت برئ من صداقها، فطلّق]

التاسعة: إذا قال أبوها: (1) طلّقها و أنت برئ من صداقها، فطلّق، صحّ الطلاق رجعيّا، و لم يلزمها الإبراء، و لا يضمنه الأب.

____________

قوله: «إذا قال أبوها .. إلخ».

(1) أبو الزوجة في اختلاعها و طلاقها بعوض كالأجنبي، فإن اختلع بمال نفسه جاء فيه الخلاف السابق (1) في المتبرّع. و لا فرق بين أن تكون صغيرة أو كبيرة.

و إن اختلع بمالها و صرّح بالاستقلال فهو كالاختلاع بالمال المغصوب و الطلاق به.

و إن اختلعها بالصداق، أو قال: طلّقها و أنت برئ من صداقها، فطلّقها، طلّقت رجعيّا، و لم يبرأ من صداقها. و إن وقع خلعا بطل إن لم يتبع بالطلاق، و إلا وقع رجعيّا أيضا، لأنّها إن كانت رشيدة لم يملك أبوها التصرّف في مالها بغير إذنها، و إن كان يلي عليها بصغر أو سفه أو جنون لم يصحّ أيضا، لأنه إنما يملك التصرّف فيما لها فيه غبطة و حظّ و لا حظّ لها في هذا، كما لو كان لها دين فأسقطه، و كإبراء الزوج من الصداق فلا ضمان على أبيها، لأنه لم يضمن على نفسه شيئا، و يقع الطلاق رجعيّا، لأنه لم يسلم له العوض.

و لا فرق في ذلك بين إبرائه من جميع صداقها أو من بعضه و إن جوّزنا له العفو عن بعضه، لأن العفو أمر آخر غير جعله عوضا عن الطلاق. و أيضا فإن العفو عن البعض مشروط بوقوعه بعد الطلاق كما تشعر به الآية (2)، و البراءة هنا تكون بنفس الطلاق فلا يقع.

____________

(1) انظر ص: 392.

(2) البقرة: 237.

444

[العاشرة: إذا وكّلت في خلعها مطلقا اقتضى خلعها بمهر المثل]

العاشرة: إذا وكّلت في خلعها (1) مطلقا اقتضى خلعها بمهر المثل، نقدا بنقد البلد. و كذا الزوج إذا وكّل في الخلع فأطلق.

فإن بذل وكيلها زيادة عن مهر المثل بطل البذل، و وقع الطلاق رجعيّا، و لا يضمن الوكيل.

و لو خلعها وكيل الزوج بأقلّ من مهر المثل بطل الخلع. و لو طلّق بذلك البذل لم يقع، لأنه فعل غير مأذون فيه.

____________

قوله: «إذا وكّلت في خلعها .. إلخ».

(1) عقد الخلع ممّا يجوز الوكالة فيه من طرف كلّ واحد من الزوج و الزوجة، كما يجوز التوكيل في البيع و النكاح و غيرهما، لأن غرض الشارع لا يتعلّق بإيقاعه من الزوجين مباشرة. ثمَّ إما أن يقدّر الموكّل قدرا، أو يطلق. فإن قدّر اقتصر الوكيل عليه. و لو زاد وكيل الزوج فقد زاد خيرا. و كذا إن نقص وكيلها عنه. و إن أطلق التوكيل فعلى وكيل الزوج أن يخالع بمهر المثل أو أكثر، و يعتبر كونه نقدا بنقد البلد، فإن خالف في القدر فنقصه أو جعله مؤجّلا أو بغير النقد بطل البذل، و تبعه الخلع و الطلاق. و على وكيل الزوجة أن يخالع به أو بأنقص منه نقدا بنقد البلد، فإن نقص أو جعله مؤجّلا فقد زاد خيرا، إلا أن يتعلّق غرضها بالحال. و إن خالف فخلعها بزيادة عن مهر المثل بطل، و تبعه الخلع إن لم يتبعه الزوج بالطلاق أو كان طلاقا بعوض، و إلا صحّ و وقع رجعيّا.

و الفرق بين الطلاق الواقع من الزوج مع مخالفة وكيل الزوجة و من وكيل الزوج مع مخالفته- حيث صحّ الأول رجعيّا دون الثاني-: أن الطلاق من الزوج وقع من مالك الطلاق، و له أن يطلّق بعوض و غيره، فإن صحّ العوض كان بائنا، و إلا فهو رجعي من هذا الوجه، بخلاف طلاق وكيل الزوج حيث يخالف ما قيّده

445

[و يلحق بالأحكام مسائل النزاع]

و يلحق بالأحكام مسائل النزاع، و هي ثلاث:

[الأولى: إذا اتّفقا في القدر، و اختلفا في الجنس]

الأولى: إذا اتّفقا في القدر، (1) و اختلفا في الجنس، فالقول قول المرأة.

____________

له أو دلّ عليه الإطلاق شرعا، لأنه حينئذ طلاق غير مأذون فيه، لأن تصرّف الوكيل مقصور على الإذن، فإذا خالف وقع بغير الإذن، فكان باطلا.

و اعلم أن قول المصنّف فيما لو بذلك وكيلها زيادة عن مهر المثل: «بطل البذل و وقع الطلاق رجعيّا»- مع أنه فرضه في الخلع لا في الطلاق بعوض- مبنيّ على ما لو أتبعه بالطلاق أو أراد بالخلع ما يشمل الطلاق بعوض، لما تقدّم (1) من جواز إطلاق الخلع عليه أيضا، و إلا فلو كان قد اقتصر على الخلع بالزائد- كما تقتضيه العبارة- لوجب أن يقع باطلا و لا يكون الطلاق رجعيّا و إن جعلنا الخلع طلاقا، لأن فساد الخلع يستلزم عدم تأثيره في الطلاق، بخلاف ما لو اتبع به أو كان طلاقا بعوض، فإنه لا يلزم من فساد العوض فساد الطلاق على أصحّ القولين. و ربما قيل هنا بفساد الطلاق أيضا بناء على أن العوض لم يسلم له، و إنما قصده بالعوض لا مجرّدا. و أما قوله في مخالفة وكيل الزوج بأقلّ من مهر المثل: «بطل الخلع، و لو طلّق لم يقع» فعبارته فيه جيّدة وافية بالمطلوب.

قوله: «إذا اتّفقا في القدر .. إلخ».

(1) إذا اتّفقا على وقوع الطلاق بعوض مبذول من جانبها و لكن اختلفا في جنسه مع اتّفاقهما على قدره، أو أنهما اتّفقا على جنس مخصوص و تلفّظا به و إنما وقع الاختلاف فيما عيّناه منه، فقالت: هو مائة درهم، فقال: بل مائة دينار

____________

(1) لم يصرّح بذلك فيما تقدّم، راجع ص: 366 و 370.

446

..........

____________

مثلا، فقد قال المصنّف و قبله الشيخ (1) و الأكثر: إن القول قول المرأة، لأنها منكرة لما يدّعيه، و الأصل عدم استحقاقه إيّاه. و هو مدّع فعليه البيّنة، و عليها اليمين، فتحلف يمينا جامعة بين نفي ما يدّعيه و إثبات ما تدّعيه، فينتفي مدّعاه. و ليس له أخذ ما تدّعيه، لاعترافه بعدم استحقاقه إيّاه. نعم، لو أخذه على وجه المقاصّة اتّجه جوازه.

و يشكل هذا القول من رأس، لأن كلّا منهما مدّع و مدّعى عليه و الآخر ينكر ما يدّعيه، و هذه قاعدة التحالف في نظائره من عوض البيع و الإجارة و غيرهما. و إنما يتّجه تقديم قول أحدهما إذا اتّفق قولهما على قدر و ادّعى الآخر الزيادة عليه و أنكرها الآخر، ليكون (2) منكر الزيادة منكرا بكلّ وجه و مدّعيها مدّعيا، بخلاف صورة النزاع، لأن دعوى الذهب لا يجامع دعوى الفضّة، و الإنكار من كلّ منهما لما يدّعيه الآخر متحقّق، فلو قيل- بأنهما يتحالفان و يسقط ما يدّعيانه بالفسخ أو الانفساخ، و يثبت مهر المثل إلا أن يزيد عمّا يدّعيه الزوج- كان حسنا. و لا يتوجّه هنا بطلان الخلع، لاتّفاقهما على صحّته، و إنما يرجع اختلافهما إلى ما يثبت من العوض. و يحتمل أن يثبت مع تحالفهما مهر المثل مطلقا، لتساقط الدعويين بالتحالف، خصوصا إذا كان الواجب منه مغايرا لما يدّعيه الزوج حتى لا يدخل في ضمن دعواه.

و لو انعكس الفرض بأن اتّفقا على الجنس و اختلفا في قدره- كما لو قال:

إنها بذلت ألف درهم، فقال: بل مائة درهم- قدّم قولها هنا قطعا، لأن المائة

____________

(1) الخلاف 4: 441 مسألة: 27.

(2) كذا في «و» و في سائر النسخ: فيكون.

447

[الثانية: لو اتّفقا على ذكر القدر دون الجنس، و اختلفا في الإرادة]

الثانية: لو اتّفقا على (1) ذكر القدر دون الجنس، و اختلفا في الإرادة، قيل: يبطل. و قيل: على الرجل البيّنة. و هو أشبه.

____________

قدر يتّفقان على ثبوته و إنما يختلفان في الزائد و هي تنكره فيقدّم قولها في نفيه.

قوله: «لو اتّفقا على .. إلخ».

(1) المراد أنهما اتّفقا على ذكر القدر، و على عدم ذكر الجنس لفظا، و على أنهما أرادا جنسا معيّنا اتّفقت إرادتهما عليه، و لكن الآن اختلفا في ذلك الجنس الذي أراداه حالة العقد، بأن قالت له: طلّقني بمائة فطلّقها بها ثمَّ قال: أردنا بها مائة دينار فقالت: بل مائة درهم، فقال المصنّف و جماعة (1): القول قولها أيضا، لأن العقد صحيح في نفسه حيث اتّفقا على إرادة جنس معيّن، و الإرادة كافية في صحّته و إن لم يتلفّظ بها. و حينئذ فيرجع الاختلاف في الإرادة إلى الاختلاف في الجنس المعيّن، فيرجع إليها فيه كالسابق. و لأنّ الاختلاف في إرادتها، و لا يطّلع عليها إلّا من قبلها.

و يشكل الأول بما ذكر في الأول من أن الاختلاف في الجنس لا يقتضي تقديم قولها، بل التحالف. و الثاني بأن الاختلاف يرجع إلى تعيين ما اتّفقا عليه من الإرادة لا إلى إرادتها وحدها، فإن المعتبر إرادتهما معا، و لا يكفي إرادتها وحدها، و إرادة كلّ منهما لا يطّلع عليها إلا من قبله، فلو قيل بالتحالف هنا أيضا- لأن كلّا منهما منكر لما يدّعيه الآخر- كان وجها.

و قال الشيخ في المبسوط (2): يبطل الخلع هنا، مع موافقته على تقديم

____________

(1) راجع قواعد الأحكام 2: 82، إيضاح الفوائد 3: 396، اللمعة الدمشقيّة: 127.

(2) المبسوط 4: 349.

448

..........

____________

قولها في السابق. و الفرق غير واضح. و ليس البطلان على قوله معلّلا بعدم ذكر الجنس لفظا، لأنه صرّح في المبسوط بعدم اشتراط ذكره لفظا، بل يكفي اتّفاقهما على إرادته. فقال فيه: «إذا ذكرت القدر دون الجنس و النقد، فقالت: خالعني بألف، فقال: خالعتك بألف، فإن اتّفقا على الإرادة و أنهما أرادا الدراهم أو الدنانير لزم الألف من غالب نقد البلد» (1). فبقي أن وجه البطلان في هذه المسألة من جهة أخرى، و لعلّه صيرورة البذل حينئذ مجهولا، و هو يقتضي الفساد عندنا.

لكن فيه أن المجهوليّة المانعة هي الواقعة حالة العقد، و هما متّفقان على عدمها، و إنما حصلت الجهالة بتنازعهما في المراد، كما لو حصلت مع تنازعهما فيما عيّناه باللفظ، فإنه لا يقتضي البطلان عنده.

و لو اتّفقا على أنهما لم يريدا جنسا من الأجناس حالة العقد بطل الخلع عندنا اتّفاقا.

و لو كان اختلافهما في أصل الإرادة مع اتّفاقهما على عدم ذكر الجنس، فقال أحدهما: أردنا جنسا معيّنا، و قال الآخر: إنّا لم نرد بل أطلقنا، رجع النزاع إلى دعوى الصحّة و الفساد، و مقتضى القاعدة المشهورة تقديم مدّعي الصحّة مع يمينه. و اختار في التحرير (2) تقديم قول المرأة هنا، سواء كانت دعواها الإرادة أم عدمها. و هو يتمّ مع دعواها التعيين، أما مع دعواها الإطلاق فمشكل، لأنها تدّعي بطلان البذل، و إن كان أصل عدم التعيين موافقا لقولها.

____________

(1) راجع الهامش (2) في الصفحة السابقة.

(2) التحرير 2: 59.

449

[الثالثة: لو قال: خالعتك على ألف في ذمّتك]

الثالثة: لو قال: خالعتك (1) على ألف في ذمّتك، فقالت: بل في ذمّة زيد، فالبيّنة عليه، و اليمين عليها. و يسقط العوض مع يمينها، و لا يلزم زيدا.

و كذا لو قالت: بل خالعك فلان و العوض عليه.

أما لو قالت: خالعتك بكذا و ضمنه عنّي فلان، أو: يزنه عنّي فلان، لزمها الألف ما لم تكن بيّنة، لأنها دعوى محضة، و لا يثبت على فلان شيء بمجرّد دعواها.

____________

قوله: «لو قال: خالعتك .. إلخ».

(1) هذه المسألة لبيان اختلافهما فيمن عليه العوض، و البحث فيها يقع في مواضع:

الأول: لو قال: خالعتك على ألف في ذمّتك، فقالت: بل بألف في ذمّة زيد، فقد قال المصنّف و قبله الشيخ في المبسوط (1): إن القول قولها بيمينها إن لم يكن له بيّنة، لأصالة براءة ذمّتها من العوض. و لأن مرجع الدعوى إلى أنه يدّعي شغل ذمّتها و يعترف بكون الطلاق بائنا، و هي تنكر الأول، فيقبل قولها فيه، و يسقط عنها العوض بيمينها. و لا يلزم زيدا بمجرّد دعواها، بل يتوقّف على اعترافه بذلك، لأن الزوج لا يدّعي عليه. و تبين منه بمجرّد دعواه، لاستلزامه الإقرار بالبينونة على التقديرين. و على هذا القول عمل المتأخّرين.

و قال ابن البرّاج [1]: بل القول قوله، و عليها البيّنة، لأن الأصل في مال

____________

[1] نسبه إليه العلّامة في المختلف: 596، و لعلّه في كتابه الكامل و هو مفقود، و في المهذّب (2:

269): أن عليه البيّنة و عليها اليمين.

____________

(1) المبسوط 4: 349- 350.

450

..........

____________

الخلع أن يكون في ذمّة الزوجة. و القولان مطلقان غير منقّحين.

و التحقيق أن نقول: دعواها وقوع المخالعة منها على الألف في ذمّة زيد إما أن تكون بمعنى أن لها في ذمّة زيد ألفا فخالعته بها، أو بمعنى أنها خالعته بألف تثبت له في ذمّة زيد ابتداء من غير أن يكون لها عند زيد ألف. فإن أرادت المعنى الأول فلا يخلو: إما أن يوافقها الزوج على أن لها في ذمّة زيد ألفا، أو لا. و على تقدير عدم موافقته: إما أن يكون زيد مقرّا لها بالألف، أو لا.

فإن كان الزوج موافقا لها على ثبوت الألف في ذمّة زيد أو زيد مقرّا (1) بها (2) بني قبول قولها على أن العقد على دين في ذمّة الغير هل يجوز أم لا؟

و كلامهم هنا قد يؤذن بجوازه، لكن لم ينبّهوا عليه في الفدية و شرائطها. و جوازه في البيع محلّ نظر، و أما هنا فلا يبعد الجواز، للتوسّع في هذا العقد بما لا يتوسّع به في المعاوضة المحضة. فإن جوّزنا ذلك فالقول قولها، لاتّفاقهما على خلع صحيح على التقديرين، و هو مع ذلك يدّعي شغل ذمّتها بالعوض، و مجرّد الخلع أعمّ منه، و الأصل براءة ذمّتها منه. و إن لم نجوّز ذلك أو لم يكن زيد مقرّا بالحقّ و لم يعترف الزوج بثبوتها في ذمّته فالنزاع يرجع إلى صحّة الخلع و فساده، لأن دعواها يقتضي فساده حيث لم يسلم فيه العوض، و هو يدّعي صحّته، و مقتضى القاعدة المستمرّة تقديم قوله.

و إن أرادت بكونها في ذمّة زيد المعنى الثاني، و هو أنها خالعته بعوض لا يثبت في ذمّتها بل في ذمّة زيد ابتداء، فإن كان ذلك مع دعواها الوكالة عنه في

____________

(1) كذا في هامش «و» بعنوان «ظاهرا» و لعلّه الصحيح، و في النسخ و الحجريتين: مقرّ.

(2) في «ق»: لها.

451

..........

____________

الخلع و وافق بني على جواز خلع الأجنبي المتبرّع. و إن لم يدّع ذلك أو لم يوافق فدعواها يرجع إلى فساد الخلع، و هو يدّعي صحّته، فيكون قوله مقدّما. و قد ظهر بذلك أن تقديم قولها في هذه الصورة مطلقا غير جيّد.

و الظاهر أن موضوع المسألة ما إذا وقع الخلع بدين لها في ذمّة زيد ليتصوّر بناء الصحّة على التقديرين. و ربما تعارض على هذا التقدير الأصل و الظاهر، لأن الأصل براءة ذمّتها و عدم التزامها بالمال، و الظاهر من المخالعة التزام العوض.

و على كلّ حال فهذه الصورة مفروضة في اتّفاقهما على وقوع العقد بينهما لا بينه و بين الأجنبي، لأن ذلك يأتي في الصورة الثانية.

الثاني: أن يدّعي أنه خالعها بألف في ذمّتها أيضا، فأنكرت وقوع العقد معها مطلقا و قالت: بل اختلعني فلان الأجنبي و المال عليه. و قد أطلق المصنّف تبعا للشيخ (1) تقديم قولها أيضا في نفي العوض، لأصالة براءة ذمّتها منه. و لا شيء للزوج على الأجنبي، لاعترافه بأن الخلع لم يجر معه. و تحصل البينونة بقول الزوج.

و لا نقول: إنه أقرّ بعقد أنكرته المرأة و صدّقناها بيمينها فيلغو و يستمرّ النكاح، كما لو قال: بعتك هذه العين بكذا، فأنكر صاحبه و قبلنا قوله بيمينه، فإن العين تبقى للمقرّ.

و ذلك: لأن الخلع يتضمّن إتلاف المعقود عليه و هو البضع، و البيع لا يتضمّن إتلاف المعقود عليه، ألا ترى أن البيع يفسخ بتعذّر العوض، و البينونة لا ترتدّ، فإذا كان كذلك فإقراره بالخلع المتضمّن للإتلاف إقرار بالإتلاف فلا يردّ.

____________

(1) المبسوط 4: 349.

452

..........

____________

و نظيره من البيع أن يقول: بعتك عبدي هذا بكذا فأعتقته، و أنكر، فإنّا (1) نصدّقه بيمينه و نحكم بعتق العبد بإقراره. فهذا تحرير الحكم المذكور.

و هذا البحث إنما يتمّ إذا قلنا بأن خلع الأجنبي المتبرّع صحيح ليكونا متّفقين على وقوع العقد صحيحا، أما على ما يذهب إليه المصنّف (2) و الشيخ (3) بل الأكثر أشكل تقديم قولها، لأنها حينئذ تدّعي فساد الخلع و هو يدّعي صحّته، فينبغي تقديم قوله. إلا أن يقال: إن مرجع اختلافهما إلى وقوع عقد المعاوضة معها، و هي تنكر ذلك، فيقدّم قولها، لأصالة عدم التزامها ذلك، كما لو ادّعى أنه باعه شيئا فأنكر و أضاف إلى ذلك دعوى بيعه من فلان، فإنه لا يسمع في حقّ الغير، و يقدّم قوله في نفيه عنه. و لا يخلو ذلك من نظر، و لا ما بين المسألتين من الفرق. و على التقديرين يحكم عليه بالبينونة بمجرّد دعواه، لاعترافه بها، و إنما الكلام في ثبوت العوض.

الثالث: أن يدّعي عليها عوض الخلع، فتعترف بلزومه ابتداء لها و وقوع العقد معها، و لكن ادّعت أنه قد ضمنه عنها فلان، أو أنها قالت: قبلت الخلع على أن يزن الألف عنّي فلان. فهي في الصورتين مقرّة بالألف، و مدّعية في الأولى انتقالها إلى ذمّة غيرها، فلا يقبل في حقّ المخالع و إن صادقها الضامن، لاختلاف الناس في وفاء الدّين سهولة و ضدّها، فلا يلزم انتقال ماله بمجرّد تصادقهما. و لو أنكر ذلك الغير الضمان فأولى. و أما الثانية فأمرها واضح، لأنه كلام لا ينفعها، لأن مجرّد ذلك لا يقطع المطالبة عنها. و كذا في صورة الضمان لو قلنا بأنه ضمّ

____________

(1) في «ق، و» و نسخة بدل «د»: فإنما.

(2) لاحظ ص: 392.

(3) المبسوط 4: 365.

453

[و أما المبارأة]

و أما المبارأة: (1) فهو أن يقول: بارأتك على كذا فأنت طالق. و هي تترتّب على كراهية كلّ واحد من الزوجين صاحبه.

و يشترط إتباعه بلفظ الطلاق، فلو اقتصر المبارئ على لفظ المبارأة لم يقع به فرقة.

و لو قال بدلا من «بارأتك»: فاسختك، أو أبنتك، أو غيره من الألفاظ، صحّ إذا أتبعه بالطلاق، إذ المقتضي للفرقة التلفّظ بالطلاق لا غير.

____________

ذمّة إلى ذمّة.

و لا يخفي أن الحكم في جميع ذلك مع عدم البيّنة، أما معها فيثبت مقتضاها، سواء ترتّب عليه صحّة الخلع أم فساده.

قوله: «و أما المبارأة .. إلخ».

(1) المبارأة طلاق بعوض مترتّب على كراهة كلّ من الزوجين صاحبه.

و أصلها المفارقة. و لها أحكام تخصّها، و أحكام تشترك مع الخلع فيها. فشرائط المخالع و المخالعة و العوض مشتركة، فلذا اقتصروا على قليل من أحكامها. و قد دلّ على اشتراطها بكراهة كلّ من الزوجين صاحبه رواية سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) و أبي الحسن (عليه السلام) قال: «سألته عن المبارأة كيف هي؟ قال:

يكون للمرأة على زوجها شيء من صداقها أو من غيره، و يكون قد أعطاها بعضه، و يكره كلّ واحد منهما صاحبه، فتقول المرأة: ما أخذت منك فهو لي و ما بقي عليك فهو لك، و أبارئك، فيقول لها الرجل: فإن أنت رجعت في شيء ممّا تركت فأنا أحقّ ببضعك» (1). و دلّ على اشتراط كون المأخوذ بقدر المهر أو أقلّ

____________

(1) الكافي 6: 142 ح 1، التهذيب 8: 101 ح 342، الوسائل 15: 500 ب (8) من أبواب الخلع و المبارأة ح 3، و الرواية فيما عدا التهذيب مضمرة.

454

..........

____________

صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «المبارئة تقول لزوجها: لك ما عليك و اتركني، و تجعل له من قبلها شيئا فيتركها، إلا أنه يقول: إن ارتجعت في شيء فأنا أملك ببضعك، فلا يحلّ لزوجها أن يأخذ منها إلا المهر فما دونه» (1).

و أما عدم وقوعها بمجرّدها بل يشترط إتباعها بالطلاق فهو المشهور بين الأصحاب، بل قال المصنّف (2) و جماعة (3): إنه إجماعي، فإن تمَّ فهو الحجّة و إلّا ففي الأخبار (4) ما يدلّ على أنها لا تفتقر إلى الطلاق. و حملها الشيخ (5) على التقيّة، كما حمل الأخبار الدالّة على عدم افتقار الخلع إليه. و ليس بجيّد، لأن المبارأة لا تستعملها العامّة، و لا يعتبرون فيها ما يعتبره أصحابنا، بل يجعلونها من جملة كنايات الخلع أو الطلاق، فلا وجه لحمل ما ورد من أحكامها على التقيّة، مع أنه لا معارض لها يعتدّ به من الأخبار، و إنما العمدة على ما ادّعوه من الإجماع.

و حيث قلنا بافتقارها إلى الطلاق جاز أن يقع بغير لفظ المبارأة ممّا يدلّ عليه ك: فاسختك و أبنتك، و غيرهما من الألفاظ المفيدة لذلك، لأن الطلاق المتعقّب لها كاف في البينونة، و هذه الألفاظ مفيدة للفرقة بالعوض، فكلّ ما

____________

(1) الكافي 6: 143 ح 5، التهذيب 8: 100 ح 339، الوسائل 15: 500 ب (8) من أبواب الخلع و المبارأة ح 4، و في المصادر: أو تجعل.

(2) في ص: 457.

(3) راجع المبسوط 4: 373، السرائر 2: 723، القواعد 2: 83.

(4) الوسائل 15: 501 ب (9) من أبواب الخلع و المبارأة ح 3 و 4.

(5) التهذيب 8: 102 ذيل ح 346، الاستبصار 3: 319 ذيل ح 1137.