الشافي في العقائد و الأخلاق و الأحكام - ج1

- الفيض الكاشاني المزيد...
928 /
455

من الملائكة ليردّوها إلى الجسد الذي خرجت منه لتسكن فيه.

و اللّه إنّ حاجّكم و عمّاركم لخاصّة اللّه تعالى، و إن فقراءكم لأهل الغنى، و إن أغنياءكم لأهل القناعة، و إنكم كلّكم لأهل دعوته و أهل إجابته.

ألا و إنّ لكلّ شيء جوهرا، و جوهر ولد آدم محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و نحن و شيعتنا بعدنا، حبّذا شيعتنا، ما أقربهم من عرش اللّه و أحسن صنع اللّه إليهم يوم القيامة! و اللّه لو لا أن يتعاظم الناس ذلك أو يدخلهم زهو لسلّمت عليهم الملائكة قبلا.

و اللّه ما من عبد من شيعتنا يتلو القرآن في صلاته قائما إلّا و له بكلّ حرف مائة حسنة، و لا قرأ في صلاته جالسا إلّا و له بكلّ حرف خمسون حسنة، و لا في غير صلاة إلّا و له بكلّ حرف عشر حسنات، و إنّ للصّامت من شيعتنا لأجر من قرأ القرآن ممّن خالفه، أنتم و اللّه على فرشكم نيام لكم أجر المجاهدين، و أنتم و اللّه في صلاتكم لكم أجر الصافّين في سبيله، أنتم و اللّه الذين قال اللّه تعالى: وَ نَزَعْنٰا مٰا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوٰاناً عَلىٰ سُرُرٍ مُتَقٰابِلِينَ (1) إنما شيعتنا أصحاب الأربعة الأعين: عينان في الرأس، و عينان في القلب، ألا و الخلائق كلّهم كذلك إلّا أنّ اللّه تعالى فتح أبصاركم و أعمى أبصارهم» (2).

و في رواية: «و ما من شيعتنا أحد يقوم إلى الصلاة إلّا اكتنفه فيها عدد من خالفه من الملائكة يصلّون عليه جماعة حتى يفرغ من صلاته، و إنّ الصائم منكم ليرتع في رياض الجنّة، تدعو له الملائكة حتى يفطر».

و سمعته يقول: «أنتم أهل تحيّة اللّه بسلامه، و أهل أثرة اللّه برحمته، و أهل توفيق اللّه بعصمته، و أهل دعوة اللّه بطاعته، لا حساب عليكم و لا خوف و لا حزن، أنتم للجنة و الجنة لكم، أسماؤكم عندنا الصالحون و المصلحون، و أنتم أهل الرضا عن اللّه برضاه عنكم، و الملائكة إخوانكم في الخير، فإذا اجتهدتم ادعوا، و إذا غفلتم اجتهدوا، و أنتم خير البريّة، دياركم لكم جنّة، و قبوركم لكم جنّة، للجنة خلقتم، و في الجنّة نعيمكم،

____________

(1). الحجر (15): 47.

(2). الكافي 8: 212/ 259 و 260.

456

و إلى الجنّة تصيرون» (1).

[755] 4. الكافي: عنه (عليه السلام): «أنتم و اللّه نور في ظلمات الأرض، و اللّه إنّ أهل السماء لينظرون إليكم في ظلمات الأرض كما تنظرون أنتم إلى الكوكب الدرّي في السماء، و إنّ بعضهم ليقول لبعض: يا فلان، عجبا لفلان كيف أصاب هذا الأمر؟ و هو قول أبي (عليه السلام): و اللّه ما أعجب ممّن هلك كيف هلك، و لكن أعجب ممّن نجا كيف نجا» (2).

[756] 5. الكافي: عنه (عليه السلام): «إذا بلغ المؤمن أربعين سنة أمنه اللّه من الأدواء الثلاثة: البرص، و الجذام، و الجنون، فإذا بلغ الخمسين خفّف اللّه تعالى حسابه، فإذا بلغ الستّين سنة رزقه اللّه الإنابة إليه، فإذا بلغ السبعين أحبّه أهل السماء، فإذا بلغ الثمانين أمر اللّه بإثبات حسناته و إلقاء سيّئاته، فإذا بلغ التسعين غفر اللّه تعالى له ما تقدّم من ذنبه و ما تأخّر، و كتب: أسير اللّه في أرضه» (3).

و في رواية أخرى: «فإذا بلغ المائة، فذلك أرذل العمر» (4).

[757] 6. الفقيه: عن الباقر (عليه السلام) قيل له: ما بال المؤمن أحدّ شيء؟ فقال: «لأن عزّ القرآن في قلبه، و محض الإيمان في صدره، و هو بعد مطيع للّه و لرسوله مصدّق».

قيل له: فما بال المؤمن قد يكون أشحّ شيء؟ قال: «لأنه يكسب الرّزق من حلّه، و مطلب الحلال عزيز، فلا يحبّ أن يفارقه شيئه لما يعلم من عسر مطلبه، و إن هو سخت نفسه لم يضعه إلّا في موضعه».

قيل: فما بال المؤمن قد يكون أنكح شيء؟ قال: «لحفظ فرجه عن فروج لا تحلّ له، و لكيلا تميل به شهوته هكذا و لا هكذا، فإذا ظفر بالحلال اكتفى به و استغنى به عن غيره».

و قال (عليه السلام): «إنّ قوة المؤمن في قلبه، ألا ترون أنّكم تجدونه ضعيف البدن نحيف

____________

(1). الكافي 8: 365/ 556.

(2). الكافي 8: 275/ 415.

(3). الكافي 8: 107/ 8/ 83.

(4). الكافي 8: 107/ 83.

457

الجسم و هو يقوم الليل و يصوم النهار؟» (1).

[758] 7. الكافي: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) لرجل: «ما الفتى عندكم؟». فقال له: الشاب، فقال: «ألا الفتى:

المؤمن، إنّ أصحاب الكهف كانوا شيوخا فسمّاهم اللّه فتية بإيمانهم» (2).

باب بدو خلق المؤمن و صونه من الشرّ

[المتن]

[759] 1. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «إنّ في الجنة لشجرة تسمّى المزن، فإذا أراد اللّه تعالى أن يخلق مؤمنا أقطر منها قطرة فلا تصيب بقلة و لا ثمرة أكل منها مؤمن أو كافر إلّا أخرج اللّه من صلبه مؤمنا» (3).

[760] 2. الكافي: عنه (عليه السلام): «إنّ نطفة المؤمن لتكون في صلب المشرك فلا يصيبه من الشرّ شيء، حتى إذا صار في رحم المشركة لم يصبه من الشرّ شيء حتى تضعه، فإذا وضعته لم يصبه من الشر شيء حتى يجري عليه القلم» (4).

* بيان

و ذلك لأنّ اللّه سبحانه يحفظ من أن يصيبه آفة و اللّه خير حافظا و هو أرحم الراحمين.

[المتن]

[761] 3. الكافي: عن الكاظم (عليه السلام): «إنما المؤمن في صلب الكافر بمنزلة الحصاة في اللبنة يجيء المطر فيغسل اللبنة و لا يضرّ الحصاة شيئا» (5).

____________

(1). الفقيه 3: 560/ 4924.

(2). الكافي 8: 395/ 595.

(3). الكافي 2: 14/ 1.

(4). الكافي 2: 13/ 1.

(5). الكافي 2: 13/ 2.

458

باب طينة المؤمن و الكافر

[المتن]

[762] 1. الكافي: عن السجّاد (عليه السلام): «إنّ اللّه عزّ و جلّ خلق النبيّين من طينة علّيين قلوبهم و أبدانهم، و خلق قلوب المؤمنين من تلك الطينة، و جعل خلق أبدان المؤمنين من دون ذلك، و خلق الكفّار من طينة سجّين، قلوبهم و أبدانهم فخلط بين الطينتين، فمن ذلك يلد المؤمن الكافر و يلد الكافر المؤمن، و من هاهنا يصيب المؤمن السيئة و من هاهنا يصيب الكافر الحسنة، فقلوب المؤمنين تحنّ إلى ما خلقوا منه و قلوب الكافرين تحنّ إلى ما خلقوا منه» (1).

* بيان

«الطينة» الخلقة الجبلّة و «علّيين» يقال للجنة و للسماء السابعة، و لعلّه كناية عن عالم الملكوت المجرد عن المادّة، فإن خلق قلوب النبيّين من الملكوت الأعلى، أعني عالم العقول و الأرواح و خلق أبدانهم من الملكوت الأسفل، أعني عالم النفوس و الأشباح، و إنّما خلق أبدانهم منه لأنّ أبدانهم الحقيقيّة هي التي لهم في باطن هذه الأبدان من الملكوت التي هي مدبّرة لهذه الأبدان، و إنّما أبدانهم العنصرية أبدان أبدانهم لا علاقة لهم بها، فكأنهم و هم في جلابيب من هذه الأبدان قد نفضوها و تجرّدوا عنها لعدم ركونهم إليها و شدّة شوقهم إلى النشأة الأخرى، و لهذا نعموا بالوصول إلى الآخرة و مفارقة هذا الأدنى، و من هنا ورد في الحديث: «الدنيا سجن المؤمن و جنّة الكافر» (2).

و تصديق هذا ما قاله أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصف الزّهاد: «كانوا قوما من أهل الدّنيا و ليسوا من أهلها، فكانوا فيها كمن ليس منها، عملوا فيها بما يبصرون، و بادروا فيها ما يحذرون، تقلّب أبدانهم بين ظهراني أهل الآخرة، يرون أهل الدنيا يعظّمون موت أجسادهم و هم أشدّ إعظاما لموت قلوب أحيائهم» (3).

و إنّما نسب خلق أبدان المؤمنين إلى ما دون ذلك لأنها مركّبة من هذه و هذه،

____________

(1). الكافي 2: 2/ 1.

(2). الكافي 2: 250/ 6.

(3). نهج البلاغة، الخطبة 228.

459

لتعلّقهم بهذه الأبدان العنصرية أيضا ما داموا فيها.

و «سجّين» من السجن، و يقال للنار و للأرض السفلى، و يشبه أن يكون المراد به حقيقة الدنيا و باطنها التي هي مخبوءة تحت عالم الملك، أعني هذا العالم العنصري، فإنّ الأرواح مسجونة فيه، و لهذا ورد في الحديث: «المسجون من سجنته الدنيا عن الآخرة» (1).

و خلق أبدان الكفّار من هذا العالم ظاهر، و إنّما نسب خلق قلوبهم إليه لشدّة ركونهم إليه، و إخلادهم إلى الأرض، و تثاقلهم إليها، فكأنه ليس لهم من الملكوت نصيب لاستغراقهم في الملك، و الخلط بين الطينتين إشارة إلى تعلّق الأرواح الملكوتية بالأبدان العنصرية، بل نشؤها منها شيئا فشيئا، فكلّ من النشأتين غلبت عليه صار من أهلها، فيصير مؤمنا حقيقيا، أو كافرا حقيقيا، أو بين الأمرين على حسب مراتب الإيمان و الكفر.

[المتن]

[763] 2. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «إنّ اللّه تعالى خلق المؤمن من طينة الجنّة، و خلق الكافر من طينة النار».

و قال: «إذا أراد اللّه بعبد خيرا طيّب روحه و جسده، فلا يسمع شيئا من الخير إلّا عرفه، و لا يسمع شيئا من المنكر إلّا أنكره».

ثم قال: «الطينات ثلاثة: طينة الأنبياء و المؤمن من تلك الطينة إلّا أنّ الأنبياء من صفوتها، هم الأصل و لهم فضلهم، و المؤمنون الفرع من طين لازب كذلك، لا يفرّق اللّه تعالى بينهم و بين شيعتهم».

و قال: «طينة الناس من حمأ مسنون، و أمّا المستضعفون فمن تراب لا يتحوّل مؤمن عن إيمانه، و لا ناصب عن نصبه، و للّه المشيئة فيهم» (2).

* بيان

إنما كانت طينة المؤمنين لازبة للزومها لطينة أئمّتهم، و لصوقها بها لخلطها بها و تركّبها من العالمين جميعا، ألا ترى إلى شوقهم إلى أئمّتهم و حنينهم إليهم، و كما أنّ الأمر كذلك، كذلك لا يفرّق اللّه بين أئمّتهم و بينهم.

____________

(1). الكافي 2: 455/ 9.

(2). الكافي 2: 3/ 2.

460

«و الحمأ» الطين الأسود «و المسنون» المنتن، و هو كناية عن باطن الدنيا و حقيقة تلك العجوزة الشوهاء، و أمّا خلق المستضعفين من التراب، أعني ما له قبول الأشكال المختلفة و حفظها، فذلك لعدم لزومهم لطريقة أهل الإيمان و لا لطريقة أهل الكفر، و عدم تقيّدهم بعقيدة لا حقّ و لا باطل، ليس لهم نور الملكوت و لا ظلمة باطن الملك، بل لهم قبول كلّ من الأمرين، بخلاف الآخرين فإنّهما لا يتحولان عمّا خلقوا له.

و أمّا قوله: «و للّه المشيئة فيهم» فهو ردّ لتوهّم الايجاب في فعله سبحانه، و فيه إشارة إلى قوله عزّ و جلّ: وَ لَوْ شٰاءَ لَهَدٰاكُمْ أَجْمَعِينَ (1).

[المتن]

[764] 3. الكافي: عن الباقر (عليه السلام): «إنّ اللّه تعالى خلقنا من أعلى علّيين، و خلق قلوب شيعتنا ممّا خلقنا منه، و خلق أبدانهم من دون ذلك، و قلوبهم تهوى إلينا لأنّها خلقت ممّا خلقنا».

ثم تلا هذه الآية: كَلّٰا إِنَّ كِتٰابَ الْأَبْرٰارِ لَفِي عِلِّيِّينَ. وَ مٰا أَدْرٰاكَ مٰا عِلِّيُّونَ. كِتٰابٌ مَرْقُومٌ.

يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (2) و خلق عدوّنا من سجّين، و خلق قلوب شيعتهم ممّا خلقهم منه، و أبدانهم من دون ذلك، فقلوبهم تهوي إليهم لأنّها خلقت ممّا خلقوا منه، ثم تلا هذه الآية: كَلّٰا إِنَّ كِتٰابَ الفُجّٰارِ لَفِي سِجِّينٍ. وَ مٰا أَدْرٰاكَ مٰا سِجِّينٌ. كِتٰابٌ مَرْقُومٌ، وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ» (3).

* بيان

«الكتاب» كناية عن النفوس الإنسانية التي هي بمنزلة الألواح، و يقال لها صحائف الأعمال، لأنّها يكتب فيها كلّ خير و شرّ من الأفاعيل المتكرّرة و الاعتقادات الراسخة التي هي بمنزلة النفوس الكتابية، فما خلق من علّيين فكتابه في عليين، و ما خلق من سجّين فكتابه في سجّين.

[المتن]

[765] 4. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «إنّ اللّه أخذ طينة من الجنّة و طينة من النار فخلطهما جميعا، ثم نزع هذه من هذه، و هذه من هذه، فما رأيت في أولئك من الأمانة و حسن

____________

(1). النحل (16): 9.

(2). المطففين (83): 18- 21.

(3). الكافي 1: 390/ 4؛ و الآية من سورة المطففين (83): 7- 10.

461

الخلق و حسن السّمت فما مسّهم من طينة الجنّة، و هم يعودون إلى ما خلقوا منه، و ما رأيت من هؤلاء من قلّة الأمانة و سوء الخلق و الزّعارة فما مسّهم من طينة النار، و هم يعودون إلى ما خلقوا منه» (1).

* بيان

معنى قوله (عليه السلام): «ثم نزع هذه من هذه، و هذه من هذه» إنّه نزع طينة الجنّة من طينة النار و طينة النّار من طينة الجنّة، بعد ما مسّت إحداهما الأخرى، فخلق أهل الجنّة من طينة الجنّة، و خلق أهل النار من طينة النار «و أولئك» إشارة إلى الأعداء «و هؤلاء» إلى الأولياء «و ما خلقوا منه» في الأوّل طينة النار، و في الثاني طينة الجنّة «و الزعارة» سوء الخلق.

و مما يناسب ذكره في هذا المقام ما رواه أبو إسحاق الليثي، عن الباقر (عليه السلام) في حديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة قال: قال (عليه السلام): «يا إبراهيم، اقرأ هذه الآية:

الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبٰائِرَ الْإِثْمِ وَ الْفَوٰاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وٰاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ (2) أ تدري ما هذه الأرض؟». قلت: لا؟ قال (عليه السلام): «اعلم أنّ اللّه عزّ و جلّ خلق أرضا طيّبة طاهرة، و فجّر فيها ماء عذبا زلالا فراتا سائغا، فعرض عليها ولايتنا أهل البيت فقبلتها، فأجرى عليها ذلك الماء سبعة أيام، ثم نضب عنها ذلك الماء بعد السابع، فأخذ من صفوة ذلك الطين طينا، فجعله طين الأئمّة (عليهم السلام)، ثم أخذ جلّ جلاله ثفل ذلك الطين، فخلق منه شيعتنا و محبّونا من فضل طينتنا، فلو ترك طينتكم- يا إبراهيم كما ترك طينتنا لكنتم أنتم و نحن سواء».

قلت: يا ابن رسول اللّه، ما صنع بطينتنا؟ قال: «مزج طينتكم و لم يمزج طينتنا».

قلت: يا ابن رسول اللّه، و بما ذا مزج طينتنا؟ قال (عليه السلام): «خلق اللّه عزّ و جلّ أيضا أرضا سبخة خبيثة منتنة، و فجّر منها ماء اجاجا مالحا آسنا، ثم عرض عليها جلّت عظمته ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) فلم تقبلها، و أجرى ذلك الماء عليها سبعة أيام، ثم نضب ذلك الماء عنها، ثمّ أخذ من كدورة ذلك الطين المنتن الخبيث و خلق منه أئمّة الكفر و الطغاة و الفجرة، ثم عمد إلى بقيّة ذلك الطين فمزجه بطينتكم، و لو ترك طينتهم على حالها و لم يمزج بطينتكم، ما عملوا أبدا عملا صالحا، و لا أدّوا أمانة إلى أحد، و لا شهدوا الشهادتين، و لا صاموا و لا صلّوا و لا زكّوا و لا حجّوا، و لا أشبهوكم في الصور أيضا.

____________

(1). الكافي 2: 4/ 5.

(2). النجم (53): 32.

462

يا إبراهيم، ليس شيء أعظم على المؤمن من أن يرى صورة حسنة في عدوّ من أعداء اللّه عزّ و جلّ، و المؤمن لا يعلم أنّ تلك الصورة من طين المؤمن و مزاجه.

يا إبراهيم، ثم مزج الطينتان بالماء الأول و الماء الثاني، فما تراه من شيعتنا و محبّينا من ربا و زنا و لواطة و خيانة و شرب خمر و ترك صلاة و صيام و زكاة و حج و جهاد، فهي كلّها من عدوّنا الناصب و سنخه و مزاجه الذي مزج بطينته، و ما رأيته في هذا العدوّ الناصب من الزهد و العبادة و المواظبة على الصلاة و أداء الزكاة و الصوم و الحج و الجهاد و أعمال البرّ و الخير، فذلك كلّه من طين المؤمن و سنخه و مزاجه، فإذا عرض أعمال المؤمن و أعمال الناصب على اللّه عزّ و جلّ يقول اللّه جلّ و عزّ: أنا عدل لا أجور، و منصف لا أظلم، و عزّتي و جلالي و ارتفاع مكاني ما أظلم مؤمنا بذنب مرتكب من سنخ الناصب و طينته و مزاجه، هذه الأعمال الصالحة كلّها من طين المؤمن و مزاجه، و الأعمال الرديّة التي كانت من المؤمن من طين العدو الناصب، و يلزم اللّه تعالى كلّ واحد منهم ما هو من أصله و جوهره و طينته، و هو أعلم بعباده من الخلائق كلّهم، أ فترى هاهنا- يا إبراهيم- ظلما أو جورا أو عدوانا؟!» ثم قرأ (عليه السلام): مَعٰاذَ اللّٰهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلّٰا مَنْ وَجَدْنٰا مَتٰاعَنٰا عِنْدَهُ إِنّٰا إِذاً لَظٰالِمُونَ (1).

يا إبراهيم، إنّ الشمس إذا طلعت فبدا شعاعها في البلدان كلّها، أ هو بائن من القرصة أم هو متّصل بها؟ شعاعها يبلغ في الدنيا في المشرق و المغرب حتى إذا غابت يعود الشعاع و يرجع إليها، أ ليس ذلك كذلك؟». قلت: بلى يا ابن رسول اللّه، قال: «فكذلك كلّ شيء يرجع إلى أصله و جوهره و عنصره، فإذا كان يوم القيامة ينزع اللّه من العدوّ الناصب سنخ المؤمن و مزاجه و طينته و جوهره و عنصره مع جميع أعماله الصالحة و يردّه إلى المؤمن، و ينزع اللّه تعالى من المؤمن سنخ الناصت و مزاجه و طينته و جوهره و عنصره مع جميع أعماله السيّئة الردية و يردّه إلى الناصب عدلا منه جلّ جلاله و تقدّست أسماؤه، و يقول للناصب: لا ظلم عليك، هذه الأعمال الخبيثة من طينك و مزاجك و أنت أولى بها، و هذه الأعمال الصالحة من طين المؤمن و مزاجه و هو أولى بها الْيَوْمَ تُجْزىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمٰا كَسَبَتْ لٰا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللّٰهَ سَرِيعُ الْحِسٰابِ (2) أ فترى هاهنا ظلما و جورا؟». قلت: لا يا ابن رسول اللّه، بل أرى حكمة بالغة فاضلة، و عدلا بيّنا واضحا.

____________

(1). يوسف (12): 79.

(2). غافر (40): 17.

463

ثم قال (عليه السلام): «أزيدك بيانا في هذا المعنى من القرآن؟» قلت: بلى يا ابن رسول اللّه، قال (عليه السلام): «أ ليس اللّه عزّ و جلّ يقول: الْخَبِيثٰاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَ الْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثٰاتِ وَ الطَّيِّبٰاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَ الطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبٰاتِ أُولٰئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمّٰا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ (1) و قال عزّ و جلّ: وَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ* لِيَمِيزَ اللّٰهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَ يَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولٰئِكَ هُمُ الْخٰاسِرُونَ (2)».

فقلت: سبحان اللّه العظيم، ما أوضح ذلك لمن فهمه و ما أعمى قلوب هذا الخلق المنكوس عن معرفته!

فقال (عليه السلام): «يا إبراهيم، من هذا قال اللّه تعالى: إِنْ هُمْ إِلّٰا كَالْأَنْعٰامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (3) ما رضي اللّه تعالى أن يشبههم بالحمير و البقر و الكلاب و الدوابّ حتى زادهم، فقال: بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا يا إبراهيم، قال اللّه تعالى في أعدائنا الناصبة: وَ قَدِمْنٰا إِلىٰ مٰا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنٰاهُ هَبٰاءً مَنْثُوراً (4) و قال عزّ و جلّ: يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (5) و قال جلّ جلاله: يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلىٰ شَيْءٍ أَلٰا إِنَّهُمْ هُمُ الْكٰاذِبُونَ (6) و قال جلّ و عزّ: وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمٰالُهُمْ كَسَرٰابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مٰاءً حَتّٰى إِذٰا جٰاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً (7) كذلك الناصب يحسب ما قدّم من عمله نافعه حتى إذا جاءه لم يجده شيئا، ثم ضرب مثلا آخر: أَوْ كَظُلُمٰاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشٰاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحٰابٌ* ظُلُمٰاتٌ بَعْضُهٰا فَوْقَ بَعْضٍ إِذٰا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرٰاهٰا وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللّٰهُ لَهُ نُوراً فَمٰا لَهُ مِنْ نُورٍ (8)».

ثمّ قال (عليه السلام): «يا إبراهيم، أزيدك في هذا المعنى من القرآن؟» قلت: بلى يا ابن رسول اللّه، قال (عليه السلام): «قال اللّه تعالى: يُبَدِّلُ اللّٰهُ سَيِّئٰاتِهِمْ حَسَنٰاتٍ وَ كٰانَ اللّٰهُ غَفُوراً رَحِيماً (9) يبدّل اللّه سيّئات شيعتنا حسنات، و حسنات أعدائنا سيّئات، يفعل اللّه ما يشاء، و يحكم

____________

(1). النور (24): 26.

(2). الأنفال (8): 36- 37.

(3). الفرقان (25): 44.

(4). الفرقان (25): 23.

(5). الكهف (18): 104.

(6). المجادلة (58): 18.

(7). النور (23): 39.

(8). النور (23): 40.

(9). الفرقان (25): 70.

464

ما يريد، لا معقّب لحكمه، و لا رادّ لقضائه لٰا يُسْئَلُ عَمّٰا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ (1) هذا- يا إبراهيم- من باطن علم اللّه المكنون، و من سرّه المخزون» (2).

أقول: السرّ في ذلك أنّ الناصب و الكافر بحسب مقتضى طبيعته الخبيثة، إنما يحنّ و ينزع إلى المعاصي بطبعه و سجيّته، و ضميره معقود على فعلها دائما إن تيسّر له لأنّه من أهلها، كما قال اللّه تعالى في مثله: وَ لَوْ رُدُّوا لَعٰادُوا لِمٰا نُهُوا عَنْهُ (3) و الأفعال الحسنة غريبة منه، ليس صدورها من طينته الأصلية، و هذا بخلاف المؤمن، فإنّه بحسب مقتضى طينته الطيّبة إنّما يرتكب القبيح بكره من عقله و وجل من قلبه و خوف من ربّه، لأنّ صدوره منه غريب من سجيّته و طبعه الأصلي، إذ ليس هو من أهله، و لهذا لا يعاقب عليه، بل يثاب بما لم يفعل من الخيرات لحنينه إليها، و حرصه عليها، و عقد ضميره على فعلها دائما إن تيسّر له «فإنّ الأعمال بالنيّات، و إنّما لكلّ امرئ ما نوى» و إنما نوى كلّ ما يناسب طينته الأصلية، و تقتضيه جبلّته التي خلق عليها، قال اللّه تعالى: قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلىٰ شٰاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدىٰ سَبِيلًا (4) و لهذا ورد في الحديث: «إنّ كلّا من أهل الجنّة و النار إنّما يخلّدون فيما يخلّدون على نياتهم» (5).

____________

(1). الأنبياء (21): 23.

(2). الوافي: 3/ 45.

(3). الأنعام (6): 28.

(4). الاسراء: 83.

(5). بحار الانوار 64: 109/ 3.

465

أبواب ما يقابل الإيمان

باب وجوه الكفر و أدناه

[المتن]

[766] 1. الكافي: قيل للصادق (عليه السلام): أخبرني عن وجوه الكفر في كتاب اللّه، قال: «الكفر في كتاب اللّه تعالى على خمسة أوجه؛ فمنها كفر الجحود، و الجحود على وجهين؛ و الكفر بترك ما أمر اللّه، و كفر البراءة، و كفر النعمة، فأمّا كفر الجحود فهو الجحود بالربوبية، و هو قول من يقول: لا ربّ و لا جنّة و لا نار، و هو قول صنفين من الزنادقة، يقال لهم الدهريّة، و هم الذين يقولون: وَ مٰا يُهْلِكُنٰا إِلَّا الدَّهْرُ (1) و هو دين وضعوه لأنفسهم بالاستحسان منهم على غير تثبّت منهم و لا تحقيق لشيء ممّا يقولون، قال اللّه تعالى: إِنْ هُمْ إِلّٰا يَظُنُّونَ (2) أنّ ذلك كما يقولون، و قال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوٰاءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لٰا يُؤْمِنُونَ (3) يعني بتوحيد اللّه تعالى، فهذا أحد وجوه الكفر، و أمّا الوجه الاخر من الجحود على معرفة؛ و هو أن يجحد الجاحد و هو يعلم أنه حقّ قد استيقن عنده، و قد قال اللّه تعالى: وَ جَحَدُوا بِهٰا وَ اسْتَيْقَنَتْهٰا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَ عُلُوًّا (4) و قال اللّه عزّ و جلّ: وَ كٰانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّٰا جٰاءَهُمْ مٰا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللّٰهِ عَلَى الْكٰافِرِينَ (5).

فهذا تفسير وجهي الجحود، و الوجه الثالث من الكفر؛ كفر النعمة، و ذلك قول اللّه تعالى يحكي قول سليمان (عليه السلام): هٰذٰا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَ مَنْ شَكَرَ فَإِنَّمٰا

____________

(1). الجاثية (45): 23.

(2). الجاثية (45): 24.

(3). البقرة (2): 6.

(4). النمل (27): 14.

(5). البقرة (2): 89.

466

يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (1) و قال: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذٰابِي لَشَدِيدٌ (2) و قال: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَ اشْكُرُوا لِي وَ لٰا تَكْفُرُونِ (3).

و الوجه الرابع من الكفر؛ ترك ما أمر اللّه تعالى به، و هو قول اللّه تعالى: وَ إِذْ أَخَذْنٰا مِيثٰاقَكُمْ لٰا تَسْفِكُونَ دِمٰاءَكُمْ وَ لٰا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيٰارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَ أَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ثُمَّ أَنْتُمْ هٰؤُلٰاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَ تُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيٰارِهِمْ إلى قوله تعالى: وَ تَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ (4) فكفّرهم بترك ما أمر اللّه تعالى به و نسبهم إلى الإيمان و لم يقبله منهم و لم ينفعهم عنده، فقال: فَمٰا جَزٰاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذٰلِكَ مِنْكُمْ إِلّٰا خِزْيٌ فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا وَ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ يُرَدُّونَ إِلىٰ أَشَدِّ الْعَذٰابِ وَ مَا اللّٰهُ بِغٰافِلٍ عَمّٰا تَعْمَلُونَ (5).

و الوجه الخامس من الكفر، كفر البراءة، و ذلك قوله تعالى يحكي قول إبراهيم (عليه السلام):

كَفَرْنٰا بِكُمْ وَ بَدٰا بَيْنَنٰا وَ بَيْنَكُمُ الْعَدٰاوَةُ وَ الْبَغْضٰاءُ أَبَداً حَتّٰى تُؤْمِنُوا بِاللّٰهِ وَحْدَهُ (6) يعني تبرّأنا منكم، و قال يذكر إبليس و تبرّيه من أوليائه من الإنس يوم القيامة: إِنِّي كَفَرْتُ بِمٰا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ (7) و قال: إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللّٰهِ أَوْثٰاناً إلى قوله: وَ يَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً (8) يعني يتبرّأ بعضكم من بعض» (9).

[767] 2. الكافي: عنه (عليه السلام) سئل: سنن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كفرائض اللّه تعالى؟ فقال: «إنّ اللّه تعالى فرض فرائض موجبات على العباد، فمن ترك فريضة من الموجبات فلم يعمل بها و جحدها كان كافرا، و أمر اللّه تعالى بأمور كلّها حسنة، فليس من ترك بعض ما أمر اللّه به عباده من الطاعة بكافر، و لكنّه تارك للفضل منقوص من الخير» (10).

____________

(1). النمل (27): 40.

(2). إبراهيم (14): 7.

(3). البقرة (2): 152.

(4). البقرة (2): 84.

(5). البقرة (2): 85.

(6). الممتحنة (60): 4.

(7). إبراهيم (14): 22.

(8). العنكبوت (29): 25.

(9). الكافي 2: 389/ 1.

(10). الكافي 2: 383/ 1.

467

[768] 3. الكافي: عنه (عليه السلام) سئل: ما بال الزاني لا تسمّيه كافرا، و تارك الصلاة قد سمّيته كافرا، و ما الحجّة في ذلك؟ فقال: «إنّ الزاني إنّما يفعل ذلك لمكان الشهوة لأنها تغلبه، و تارك الصلاة لا يتركها إلّا استخفافا بها، و ذلك أنّ الزاني لا يأتي المرأة إلّا و هو مستلذّ لإتيانه إيّاها قاصدا إليها، و كلّ من ترك الصلاة قاصدا إليها فليس يكون قصده بتركها اللّذة، فإذا نفيت اللذة وقع الاستخفاف، فإذا وقع الاستخفاف وقع الكفر» (1).

[769] 4. الكافي: عن الباقر (عليه السلام): «و اللّه إنّ الكفر أقدم من الشرك و أخبث و أعظم، ثم ذكر كفر إبليس حين قال اللّه تعالى له: أسجد لآدم، فأبى أن يسجد، فالكفر أعظم من الشرك، فمن اختار على اللّه و أبى الطاعة و أقام على الكبائر فهو كافر، و من نصب دينا غير دين المؤمنين فهو مشرك» (2).

و في رواية: «فمن اجترى على اللّه و أبى الطاعة و أقام على الكبائر فهو كافر» يعني مستخفا كافرا (3).

[770] 5. الكافي: عنه (عليه السلام): «إنّ اللّه تعالى نصب عليّا (عليه السلام) علما بينه و بين خلقه، فمن عرفه كان مؤمنا، و من أنكره كان كافرا، و من جهله كان ضالّا، و من نصب معه شيئا كان مشركا، و من جاء بولايته دخل الجنّة، و من جاء بعداوته دخل النار» (4).

[771] 6. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «لو أنّ العباد إذا جهلوا وقفوا و لم يجحدوا لم يكفروا» (5).

[772] 7. الكافي: عنه (عليه السلام)، قيل له: رجل على هذا الأمر إن حدّث كذب، و إن وعد أخلف، و إن ائتمن خان، ما منزلته؟ قال: «هي أدنى المنازل من الكفر و ليس بكافر» (6).

____________

(1). الكافي 2: 386/ 9.

(2). الكافي 2: 383/ 2.

(3). الكافي 2: 384/ 3.

(4). الكافي 2: 388/ 20.

(5). الكافي 2: 388/ 19.

(6). الكافي 2: 290/ 5.

468

باب وجوه الشرك و أدناه

[المتن]

[773] 1. الكافي: عن الصادق (عليه السلام) في قول اللّه تعالى: وَ مٰا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّٰهِ إِلّٰا وَ هُمْ مُشْرِكُونَ قال: «يطيع الشيطان من حيث لا يعلم، فيشرك» (1).

و في رواية، قال: «شرك طاعة و ليس بشرك عبادة» (2).

* بيان

«شرك العبادة» أن يعبد غير اللّه و «شرك الطاعة» أن يطيع غير اللّه فيما لا يرضى اللّه.

[المتن]

[774] 2. الكافي: عنه (عليه السلام): «لو أنّ قوما عبدوا اللّه تعالى وحده لا شريك له و أقاموا الصلاة و آتوا الزكاة و حجّوا البيت و صاموا شهر رمضان، ثم قالوا لشيء صنعه اللّه أو صنعه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): ألا صنع بخلاف الذي صنع؟ أو وجدوا ذلك في قلوبهم؛ لكانوا بذلك مشركين» ثم تلا هذه الآية: فَلٰا وَ رَبِّكَ لٰا يُؤْمِنُونَ حَتّٰى يُحَكِّمُوكَ فِيمٰا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لٰا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّٰا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (3)، ثم قال: «فعليكم بالتسليم» (4).

[775] 3. الكافي: عنه (عليه السلام): «امر الناس بمعرفتنا و الرّد إلينا و التسليم لنا» ثم قال: «و إن صاموا و صلّوا و شهدوا ألا إله إلّا اللّه و جعلوا في أنفسهم ألّا يردّوا إلينا كانوا بذلك مشركين (5).

[776] 4. الكافي: عنه (عليه السلام): «من أطاع رجلا في معصية فقد عبده» (6).

[777] 5. الكافي: عن الباقر (عليه السلام): «من أصغى إلى ناطق فقد عبده، فإن كان الناطق يروي عن

____________

(1). الكافي 2: 397/ 3.

(2) الكافي 2: 397/ 4.

(3). النساء (4): 64.

(4). الكافي 2: 398/ 6.

(5). الكافي 2: 398/ 5.

(6). الكافي 2: 398/ 8.

469

اللّه فقد عبد اللّه عزّ و جلّ، و إن كان الناطق يروي عن الشيطان فقد عبد الشيطان» (1).

[778] 6. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «سئل عن أدنى ما يكون به العبد مشركا، فقال: «من ابتدع رأيا فأحبّ عليه أو أبغض» (2).

و في رواية: «من قال للنواة أنّها حصاة، و للحصاة هي نواة ثم دان به» (3).

[779] 7. الكافي: عنه (عليه السلام): «إنّ بني أمية أطلقوا للناس تعليم الإيمان، و لم يطلقوا تعليم الشرك، لكي إذا حملوهم عليه لم يعرفوه» (4).

* بيان

يعني أنّهم لحرصهم على إطاعة النّاس إيّاهم اقتصروا لهم على تعريف الإيمان، و لم يعرّفوهم معنى الشرك لكي إذا حملوهم على إطاعتهم إيّاهم لم يعرفوا أنّها من الشرك، فإنّهم إذا عرفوا أنّ إطاعتهم شرك لم يطيعوهم.

باب وجوه الضلال و أدناه و أصناف الناس

[المتن]

[780] 1. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «الناس على ستّ فرق، يؤولون كلّهم إلى ثلاث فرق:

الإيمان، و الكفر، و الضلال، و هم أهل الوعدين اللذين وعدهم اللّه تعالى الجنة و النار:

المؤمنون و الكافرون و المستضعفون، و المرجون لأمر اللّه إمّا يعذبهم و إمّا يتوب عليهم، و المعترفون بذنوبهم خلطوا عملا صالحا و آخر سيّئا، و أهل الأعراف» (5).

* بيان

يعني أنّ الناس ينقسمون أوّلا إلى ثلاث فرق بحسب الإيمان و الكفر و الضلال، ثم

____________

(1). الكافي 6: 434/ 24.

(2). الكافي 2: 397/ 2.

(3). الكافي 2: 397/ 1.

(4). الكافي 2: 415/ 1.

(5). الكافي 2: 381/ 2.

470

أهل الضلال ينقسمون إلى أربع، فيصير المجموع ستّ فرق:

الأولى: أهل الوعد بالجنة، و هم المؤمنون، و اريد بهم من آمن باللّه و بالرسول و بجميع ما جاء به الرسول بلسانه و قلبه و أطاع اللّه بجوارحه.

و الثانية: أهل الوعيد بالنار، و هم الكافرون، و اريد بهم من كفر باللّه أو برسوله أو بشيء ممّا جاء به الرسول إمّا بقلبه أو بلسانه، أو خالف اللّه في شيء من كبائر الفرائض استخفافا.

و الثالثة: المستضعفون، و هم الذين لا يهتدون إلى الإيمان سبيلا لعدم استطاعتهم كالصبيان و المجانين و البله، و من لم تصل الدعوة إليه.

و الرابعة: المرجون لأمر اللّه، و هم المؤخّر حكمهم إلى يوم القيامة، من الإرجاء بمعنى التأخير، يعني لم يأت لهم وعد و لا وعيد في الدنيا، و إنّما أخّر أمرهم إلى مشيئة اللّه، فهم إمّا يعذبهم و إمّا يتوب عليهم، و هم الذين تابوا من الكفر و دخلوا في الإسلام، إلّا أنّ الإسلام لم يتقرّر في قلوبهم و لم يطمئنّوا إليه بعد، و منهم المؤلّفة قلوبهم و من يعبد اللّه على حرف قبل أن يستقرّوا على الإيمان أو الكفر، و هذا التفسير للمرجين بحسب هذا التقسيم الذي في هذا الحديث، و إلّا فأهل الضلال كلّهم مرجون لأمر اللّه، كما يأتي الإشارة إليه في حديث آخر.

و الخامسة: فسّاق المؤمنين الذين خلطوا عملا صالحا و آخر سيّئا، ثم اعترفوا بذنوبهم، فعسى اللّه أن يتوب عليهم.

و السادسة: أصحاب الأعراف، و هم قوم استوت حسناتهم و سيّئاتهم، لا ترجح إحداهما على الأخرى ليدخلوا به الجنة أو النار، فيكونون في الأعراف حتى يرجح أحد الأمرين بمشيئة اللّه سبحانه، و هذا التفسير و التفصيل يظهر من الأخبار الآتية إن شاء اللّه تعالى.

[المتن]

[781] 2. الكافي: سئل الباقر (عليه السلام) عن المستضعف، قال: «هو الذي لا يستطيع حيلة إلى الكفر فيكفر، و لا يهتدي سبيلا إلى الإيمان، لا يستطيع أن يؤمن و لا يستطيع أن يكفر، فيهم الصبيان و من كان من الرجال و النساء على مثل عقول الصبيان مرفوع عنهم القلم» (1).

و في رواية: «لا يستطيع حيلة يدفع عنه بها الكفر، و لا يهتدي بها إلى سبيل الإيمان» (2).

____________

(1). الكافي 2: 404/ 1.

(2). الكافي 2: 404/ 3.

471

و في أخرى، قيل من هم؟ قال: «نساؤكم و أولادكم» ثم قال: «أ رأيت أمّ أيمن، فإنّي أشهد أنها من أهل الجنّة و ما كانت تعرف ما أنتم عليه» (1).

و في أخرى: «من عرف اختلاف الناس فليس بمستضعف» (2).

[782] 2. الكافي: عنه (عليه السلام) في قول اللّه تعالى: وَ آخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللّٰهِ (3) قال: «قوم كانوا مشركين فقتلوا مثل حمزة و جعفر و أشباههما من المؤمنين رحمة اللّه عليهم، ثم إنّهم دخلوا في الإسلام فوحّدوا اللّه و تركوا الشرك، و لم يعرفوا الإيمان بقلوبهم فيكونوا من المؤمنين فتجب لهم الجنّة، و لم يكونوا على جحودهم فيكفروا فتجب لهم النار، و هم على تلك الحال إمّا يعذّبهم و إمّا يتوب عليهم» (4).

[783] 3. الكافي: عنه (عليه السلام): «المؤلّفة قلوبهم قوم وحّدوا اللّه تعالى و خلعوا عبادة من دون اللّه، و لم تدخل المعرفة في قلوبهم أنّ محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) نبيّ، فكان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يتألفهم و يعرّفهم لكيما يعرفوا» (5).

و في رواية: «و يؤلّفهم المؤمنون بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لكيما يعرفوا» (6).

[784] 4. الكافي: عنه (عليه السلام): «المؤلّفة قلوبهم لم يكونوا قطّ أكثر منهم اليوم» (7).

و في رواية: «هم أكثر من ثلثي الناس» (8).

* بيان

و ذلك لأنّ أكثر المسلمين في أكثر الأزمنة و البلاد دينهم مبتن على دنياهم، إن أعطوا منها رضوا، و إن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون.

[المتن]

[785] 5. الكافي: عنه (عليه السلام) في قول اللّه تعالى: وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللّٰهَ عَلىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصٰابَهُ خَيْرٌ

____________

(1). الكافي 2: 405/ 6.

(2). الكافي 2: 405/ 7.

(3). التوبة (9): 107.

(4). الكافي 2: 407/ 1.

(5). الكافي 2: 411/ 2.

(6). الكافي 2: 412/ 5.

(7). الكافي 2: 411/ 3.

(8). الكافي 2: 412/ 4.

472

اطْمَأَنَّ بِهِ وَ إِنْ أَصٰابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيٰا وَ الْآخِرَةَ ذٰلِكَ هُوَ الْخُسْرٰانُ الْمُبِينُ (1) قال: «هؤلاء قوم عبدوا اللّه و خلعوا عبادة من يعبد من دون اللّه، و شكّوا في محمّد و ما جاء به، فتكلّموا بالإسلام، و شهدوا ألا إله إلّا اللّه، و أنّ محمّدا رسول اللّه، و أقرّوا بالقرآن، و هم في ذلك شاكّون في محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و ما جاء به، فليسوا شكّاكا في اللّه، قال اللّه تعالى: وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللّٰهَ عَلىٰ حَرْفٍ يعني على شكّ في محمّد و ما جاء به فَإِنْ أَصٰابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ يعني عافية في نفسه و ماله و ولده اطمأنّ به و رضي، وَ إِنْ أَصٰابَتْهُ فِتْنَةٌ بلاء في جسده أو ماله تطيّر و كره المقام على الإقرار بالنبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فرجع إلى الوقوف و الشكّ و نصب العداوة للّه و لرسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و الجحود بالنبي و ما جاء به (2).

و في رواية: يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللّٰهِ مٰا لٰا يَضُرُّهُ وَ مٰا لٰا يَنْفَعُهُ (3) قال: «ينقلب مشركا، يدعو غير اللّه و يعبد غيره، فمنهم من يعرف فيدخل الإيمان قلبه فيؤمن و يصدّق و يزول عن منزلته من الشكّ إلى الإيمان، و منهم من يثبت على شكّه، و منهم من ينقلب على الشرك» (4).

[786] 6. الكافي: عنه (عليه السلام): «الذين خلطوا عملا صالحا و آخر سيّئا فأولئك قوم مؤمنون، يحدثون في إيمانهم من الذنوب التي يعيها المؤمنون و يكرهونها، فأولئك عسى اللّه أن يتوب عليهم» (5).

[787] 7. الكافي: سئل الصادق (عليه السلام): و ما أصحاب الأعراف؟ قال: «قوم استوت حسناتهم و سيّئاتهم، فإن أدخلهم النّار فبذنوبهم، و إن أدخلهم الجنة فبرحمته» (6).

و في رواية، قال: «و اللّه ما هم بمؤمنين و لا كافرين، و لو كانوا مؤمنين لدخلوا الجنّة كما دخلها المؤمنون، و لو كانوا كافرين لدخلوا النار كما دخلها الكافرون، و لكنهم قوم

____________

(1). الحج (22): 11.

(2). الكافي 2: 413/ 1.

(3). الحج (22): 12.

(4). الكافي 2: 413/ 2.

(5). الكافي 2: 408/ 2.

(6). الكافي 2: 381/ 1.

473

استوت حسناتهم و سيّئاتهم، فقصرت بهم الأعمال، و إنّهم لكما قال اللّه تعالى» (1).

و في رواية: «حقّا على اللّه أن يدخل الضّلال الجنة» (2).

[788] 8. الكافي: عنه (عليه السلام) سئل: بين الضّلال و الكفر منزلة؟ قال: «ما أكثر عرى الإيمان» (3).

* بيان

أراد السائل: هل يوجد ضالّ ليس بكافر، أو كلّ من كان ضالّا فهو كافر؟ فأشار (عليه السلام) في جوابه باختيار الشقّ الأول، و بيّن ذلك بأن عرى الإيمان كثيرة، منها ما هو بحيث من يتركها يصير كافرا، و منها ما هو بحيث من يتركها لا يصير كافرا، بل يصير ضالّا، فقد تحقّق المنزلة بينهما بتحقق بعض عرى الإيمان دون بعض.

[المتن]

[789] 9. الكافي: سئل أمير المؤمنين (عليه السلام): ما أدنى ما يكون به العبد مؤمنا، و أدنى ما يكون به العبد كافرا، و أدنى ما يكون به العبد ضالّا؟ فقال: «أمّا أدنى ما يكون به العبد مؤمنا أن يعرّفه اللّه نفسه فيقرّ له بالطاعة، و يعرّفه نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فيقرّ له بالطاعة، و يعرّفه إمامه و حجّته في أرضه و شاهده على خلقه فيقرّ له بالطاعة».

قيل: يا أمير المؤمنين، و إن جهل جميع الأشياء إلّا ما وصفت؟ قال: «نعم، إذا امر أطاع، و إذا نهي انتهى، و أدنى ما يكون العبد به كافرا من زعم أن شيئا نهى اللّه تعالى عنه أنّ اللّه أمر به و نصبه دينا يتولى عليه، و يزعم أنّه يعبد الذي أمره به، و إنّما يعبد الشيطان، و أدنى ما يكون به العبد ضالّا ألا يعرف حجة اللّه و شاهده على عباده الذي أمر اللّه بطاعته و فرض ولايته».

قيل: يا أمير المؤمنين، صفهم لي، فقال: «الذين قرنهم اللّه بنفسه و نبيّه، فقال: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ (4)».

قيل: يا أمير المؤمنين، جعلني اللّه فداك، أوضح لي، قال: «الذين قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في آخر خطبته يوم قبضه اللّه إليه: إنّي قد تركت فيكم أمرين لن تضلّوا بعدي ما إن

____________

(1). الكافي 2: 403/ 2.

(2). الكافي 2: 383/ 3.

(3). الكافي 2: 278/ 7.

(4). المائدة (5): 95.

474

تمسّكتم بهما؛ كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي، فإنّ اللطيف الخبير قد عهد إلي أنّهما لن يفترقا حتّى يردا علي الحوض- و جمع بين مسبّحتيه، و لا أقول كهاتين، و جمع بين المسبّحة و الوسطى فتسبق إحداهما الأخرى- فتمسّكوا بهما لا تزلّوا و لا تضلّوا و لا تقدّموهم فتضلّوا» (1).

* بيان

أريد بالكافر في هذا الحديث ما يعمّ المشرك كما يظهر من الجواب.

[المتن]

[790] 10. الكافي: قيل للصادق (عليه السلام): إنّا نخاف أن ننزل بذنوبنا منازل المستضعفين، قال: «لا و اللّه لا يفعل اللّه ذلك بكم أبدا» (2).

* بيان

و ذلك لأنّ منازل المؤمنين في الجنّة أرفع من منازل المستضعفين، و إن كانوا جميعا يدخلونها، و كان مذنبو المؤمنين إنّما يدخلونها بعد التمحيص و التطهير.

باب الشكّ

[المتن]

[791] 1. الكافي: سئل الكاظم (عليه السلام) إني شاكّ، و قد قال إبراهيم (عليه السلام): رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتىٰ (3) و إنّي أريد أن تريني شيئا، فكتب (عليه السلام) إليه: «إنّ إبراهيم كان مؤمنا و أحبّ أن يزداد إيمانا، و أنت شاكّ، و الشاكّ لا خير فيه».

و كتب (عليه السلام): «إنما الشكّ ما لم يأت اليقين، فإذا جاء اليقين لم يجز الشكّ، إنّ اللّه تعالى يقول: وَ مٰا وَجَدْنٰا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَ إِنْ وَجَدْنٰا أَكْثَرَهُمْ لَفٰاسِقِينَ (4)». قال: «نزلت

____________

(1). الكافي 2: 414/ 1.

(2). الكافي 2: 406/ 9.

(3). البقرة (2): 260.

(4). الأعراف (7): 101.

475

في الشكّاك» (1).

* بيان

«ما لم يأت اليقين» يعني ما يوجب اليقين، فإنّ الشكّ بعد ذلك تشاكك.

[المتن]

[792] 2. الكافي: عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبته: «لا ترتابوا فتشكّوا، و لا تشكّوا فتكفروا» (2).

[793] 3. الكافي: عن الصادق (عليه السلام) في قول اللّه تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمٰانَهُمْ بِظُلْمٍ (3) قال: «بشكّ» (4).

[794] 4. الكافي: عنه (عليه السلام): «إنّ الشكّ و المعصية في النار ليسا منّا و لا إلينا» (5).

[795] 5. الكافي: عنه (عليه السلام): «من شكّ في اللّه تعالى بعد مولده على الفطرة لم يفئ إلى خير أبدا» (6).

[796] 6. الكافي: عنه (عليه السلام): «من شكّ أو ظنّ فأقام على إحداهما أحبط اللّه عمله، إنّ حجّة اللّه تعالى هي الحجّة الواضحة» (7).

[797] 7. الكافي: عن الباقر (عليه السلام): «لا ينفع مع الشكّ و الجحود عمل» (8).

باب النّفاق

[المتن]

[798] 1. الكافي: عن أبي الحسن (عليه السلام): إِنَّ الْمُنٰافِقِينَ يُخٰادِعُونَ اللّٰهَ وَ هُوَ خٰادِعُهُمْ وَ إِذٰا قٰامُوا إِلَى

____________

(1). الكافي 2: 399/ 1.

(2). الكافي 2: 399/ 2.

(3). الأنعام (6): 82.

(4). الكافي 2: 399/ 4.

(5). الكافي 2: 400/ 5.

(6). الكافي 2: 400/ 6.

(7). الكافي 2: 400/ 8.

(8). الكافي 2: 400/ 7.

476

الصَّلٰاةِ قٰامُوا كُسٰالىٰ (1) إلى آخر الآيتين: «ليسوا من الكافرين، و ليسوا من المؤمنين، و ليسوا من المسلمين، يظهرون الإيمان و يصيرون إلى الكفر و التكذيب، لعنهم اللّه» (2).

* بيان

إنّما لم يكونوا من الكافرين لإظهارهم الشهادتين و الإيمان، و إنّما لم يكونوا من المؤمنين و المسلمين لإنكار قلوبهم.

[المتن]

[799] 2. الكافي: عن السجّاد (عليه السلام): «إنّ المنافق ينهى و لا ينتهي، و يأمر بما لا يأتي، و إذا قام إلى الصلاة اعترض» قيل: يا ابن رسول اللّه، و ما الاعتراض؟ قال: «الالتفاف، فإذا ركع ربض، يمسي و همّه العشاء و هو مفطر، و يصبح و همّه النوم و لم يسهر، إن حدّثك كذّبك، و إن ائتمنته خانك، و إن غبت اغتابك، و إن وعدك أخلفك» (3).

و في رواية: «إذا ركع ربض، و إذا سجد نقر، و إذا جلس شغر» (4).

* بيان

«الربوض» استقرار الغنم و شبهه على الأرض، و كأنّ المراد به أنه يسقط نفسه على الأرض من قبل أن يرفع رأسه من الركوع كإسقاط الغنم عند ربوضها «و النقر» التقاط الطائر الحبّ بمنقاره «و الشغر» بالغين المعجمة: رفع عند الرجلين، و كأنّ المراد أنّه يجلس مستوفزا ليس على الأرض إلّا إحدى رجليه.

[المتن]

[800] 3. الكافي: عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «ما زاد خشوع الجسد على ما في القلب فهو عندنا نفاق» (5).

[801] 4. الكافي: عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «ثلاث من كنّ فيه كان منافقا و إن صام و صلّى و زعم أنّه مسلم:

من إذا ائتمن خان، و إذا حدّث كذّب، و إذا وعد أخلف، إنّ اللّه تعالى قال في كتابه: إِنَّ اللّٰهَ لٰا يُحِبُّ الْخٰائِنِينَ (6) و قال: أَنَّ لَعْنَتَ اللّٰهِ عَلَيْهِ إِنْ كٰانَ مِنَ الْكٰاذِبِينَ (7) و في قوله: وَ اذْكُرْ فِي

____________

(1). النساء (4): 142.

(2). الكافي 2: 395/ 2.

(3). الكافي 2: 396/ 3.

(4). الكافي 2: 396/ 4.

(5). الكافي 2: 396/ 6.

(6). الانفال (8): 58.

(7). النور (24): 7.

477

الْكِتٰابِ إِسْمٰاعِيلَ إِنَّهُ كٰانَ صٰادِقَ الْوَعْدِ وَ كٰانَ رَسُولًا نَبِيًّا» (8).

[802] 5. الكافي: عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «مثل المنافق مثل جذع النخل، أراد صاحبه أن ينتفع به في بعض بنائه فلم يستقم له في الموضع الذي أراد، فحوّله في موضع آخر فلم يستقم له، و كان آخر ذلك أن أحرقه بالنار» (9).

باب المستودع و المعاد

[المتن]

[803] 1. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «إنّ اللّه تعالى جبل النبيّين على نبوّتهم فلا يرتدّون أبدا، و جبل الأوصياء على وصاياهم فلا يرتدّون أبدا، و جبل بعض المؤمنين على الإيمان فلا يرتدّون أبدا، و منهم من اعير الإيمان عارية فإذا هو دعا و ألحّ في الدعاء مات على الإيمان» (10).

و في رواية: «و أعار قوما إيمانا، فإن شاء تمّمه لهم، و إن شاء سلبهم إيّاه» قال: «و فيهم جرت فَمُسْتَقَرٌّ وَ مُسْتَوْدَعٌ (11).

[804] 2. الكافي: عنه (عليه السلام): «إنّ العبد يصبح مؤمنا و يمسي كافرا، و يصبح كافرا و يمسي مؤمنا، و قوم يعارون الإيمان ثم يسلبونه و يسمّون المعارين» (12).

[805] 3. الكافي: عنه (عليه السلام): «إنّ الحسرة و الندامة و الويل كلّه لمن لم ينتفع بما أبصره، و لم يدر ما الأمر الذي هو عليه مقيم أنفع له أم ضرّ».

قيل: فبم يعرف الناجي من هؤلاء؟ قال: «من كان فعله لقوله موافقا فأثبت له الشهادة

____________

(8). الكافي 2: 29/ باب في اصول الكفر.

(9). الكافي 2: 396/ 5.

(10). الكافي 2: 419/ 5.

(11). الكافي 2: 418/ 4؛ و الآية من سورة الأنعام (6): 98.

(12). الكافي 2: 418/ 5.

478

بالنجاة، و من لم يكن فعله لقوله موافقا فإنما ذلك مستودع» (1).

باب سهو القلب و أصناف القلوب

[المتن]

[806] 1. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «إنّ القلب ليكون في الساعة من الليل و النهار ليس فيه إيمان و لا كفر كالثوب الخلق» ثم قال: «أ ما تجد ذلك من نفسك؟» قال: «ثمّ تكون النكتة (2) من اللّه في القلب بما شاء اللّه من كفر و إيمان» (3).

و في رواية: «شبه الخرقة البالية أو العظم النخر» قال: «ليس يعرى منه أحد» قال: «فإذا كان ذلك فاذكروا اللّه» (4).

[807] 2. الكافي: عنه (عليه السلام): «إنّ القلب ليترجّج فيما بين الصدر و الحنجرة حتى يعقد على الإيمان، فإذا عقد على الإيمان قرّ، و ذلك قول اللّه تعالى: وَ مَنْ يُؤْمِنْ بِاللّٰهِ يَهْدِ قَلْبَهُ» (5).

و في رواية: «إنّ القلب ليتجلجل في الجوف بطلب الحقّ، فإذا أصابه اطمأنّ و قرّ، ثم تلا (عليه السلام): فَمَنْ يُرِدِ اللّٰهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلٰامِ إلى قوله: كَأَنَّمٰا يَصَّعَّدُ فِي السَّمٰاءِ» (6).

* بيان

«يترجّج» بالجيمين أي يضطرب و يتحرّك، و يقرب منه «يتجلجل» بالجيمين و الخاءين المعجمتين.

[المتن]

[808] 3. الكافي: عنه (عليه السلام): «إنّ اللّه تعالى خلق قلوب المؤمنين مبهمة على الإيمان، فإذا

____________

(1). الكافي 2: 419/ 1.

(2). النكت: أن تنكت في الأرض بقضيب و نحوه أي تضرب فتؤثر فيها.

(3). الكافي 2: 420/ 1.

(4). الكافي 8: 167/ 188.

(5). الكافي 2: 421/ 4؛ و الآية من سورة التغابن (64): 11.

(6). الكافي 2: 421/ 5؛ و الآية من سورة الأنعام (6): 125.

479

أراد استنارة ما فيها فتحها بالحكمة و زرعها بالعلم، و الزّارع لها و القيّم ربّ العالمين» (1).

[809] 4. الكافي: عنه (عليه السلام): «تجد الرجل لا يخطئ بلام و لا واو خطيبا مسقعا، و لقلبه أشدّ ظلمة من الليل المظلم، و تجد الرجل لا يستطيع تعبيرا عمّا في قلبه بلسانه و قلبه يزهر كما يزهر المصباح» (2).

* بيان

«المسقع» بالسّين و الصاد: البليغ، أو العالي الصوت، أو من لم يرتجّ عليه في كلامه و لا يتتعتع.

[المتن]

[810] 5. الكافي: عن الباقر (عليه السلام): «القلوب ثلاثة: قلب منكوس لا يعي شيئا من الخير و هو قلب الكافر، و قلب فيه نكتة سوداء فالخير و الشرّ فيه يعتلجان، فأيّهما كانت منه غلب عليه، و قلب مفتوح فيه مصابيح يزهر لا يطفى نوره إلى يوم القيامة و هو قلب المؤمن» (3).

* بيان

«الاعتلاج» المصارعة و ما يشبهها.

[المتن]

[811] 6. الكافي: عنه (عليه السلام) قيل له: إنّا نأتيك فما نخرج من عندك حتى ترقّ قلوبنا، و تسلو أنفسنا عن الدّنيا، و يهون علينا ما في أيدي النّاس من هذه الأموال، ثم نخرج من عندك فإذا صرنا مع النّاس و التجّار أحببنا الدنيا.

فقال (عليه السلام): «إنّما هي القلوب، مرّة تصعب و مرّة تسهل» ثم قال: «أما إنّ أصحاب محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قالوا: يا رسول اللّه، نخاف علينا النّفاق» قال: «فقال لهم: و لم تخافون ذلك؟

قالوا: إذا كنّا عندك فذكّرتنا و رغّبتنا، وجلنا و نسينا الدنيا و زهدنا حتى كأنّا نعاين الآخرة و الجنّة و النار و نحن عندك، و إذا خرجنا من عندك و دخلنا هذه البيوت و شممنا الأولاد و رأينا العيال و الأهل، نكاد أن نحوّل عن الحال التي كنّا عليها عندك، و حتى كأنّا لم

____________

(1). الكافي 2: 422/ 7.

(2). الكافي 2: 422/ 1.

(3). الكافي 2: 423/ 3.

480

نكن على شيء، أ فتخاف علينا أن يكون ذلك نفاقا؟

فقال لهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): كلّا، إنّ هذه خطوات الشيطان فيرغّبكم في الدنيا، و اللّه لو تدومون على الحال التي وصفتم أنفسكم بها لصافحتكم الملائكة و مشيتم على الماء، و لو لا أنكم تذنبون فتستغفرون اللّه تعالى لأتى اللّه تعالى بخلق يذنبون و يستغفرون فيغفر لهم، إنّ المؤمن مفتّن توّاب، أ ما سمعت قول اللّه: إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ التَّوّٰابِينَ (1) و قال:

اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ (2).

* بيان

المفتّن: الواقع في الإثم.

باب الوسوسة و حديث النفس

[المتن]

[812] 1. الكافي: عن الباقر (عليه السلام): «إنّ رجلا أتى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقال: يا رسول اللّه، إنّي نافقت، فقال: و اللّه ما نافقت، و لو نافقت لما أتيتني تعلمني، ما الذي رابك؟ أظنّ العدو الحاضر إيّاك، فقال: من خلقك؟ فقلت: اللّه خلقني، فقال لك: من خلق اللّه! فقال: إي و الذي بعثك بالحقّ لكان كذا، فقال: إنّ الشيطان أتاكم من قبل الأعمال فلم يقو عليكم، فأتاكم من هذا الوجه لكي يستزلّكم، فإذا كان كذلك فليذكر أحدكم اللّه تعالى وحده» (3).

و في رواية: «فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): ذاك و اللّه محض الإيمان» (4).

و عن الصادق (عليه السلام): «إنّما عنى بقوله: ذاك و اللّه محض الإيمان، خوفه أن يكون قد هلك حيث عرض ذلك في قلبه» (5).

____________

(1). البقرة (2): 222.

(2). الكافي 2: 423/ 1؛ و الآية من سورة هود (11): 3.

(3). الكافي 2: 425/ 5.

(4). الكافي 2: 425/ 3.

(5). الكافي 2: 425/ ذيل 3.

481

[813] 2. الكافي: عنه (عليه السلام) كتب إليه رجل يشكو إليه لمما يخطر على باله، فأجابه في بعض كلامه: «إنّ اللّه إن شاء ثبّتك فلا تجعل لإبليس عليك طريقا، قد شكا قوم النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لمما يعرض لهم لأن تهوي بهم الريح أو تقطّعوا أحبّ إليهم من أن يتكلّموا به، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): أ تجدون ذلك؟ قالوا: نعم، قال: و الذي نفسي بيده إنّ ذلك لصريح الإيمان، فإذا وجدتموه فقولوا: آمنّا باللّه و رسوله و لا حول و لا قوّة إلّا باللّه» (1).

باب دعائم الكفر و النفاق و شعبهما

[المتن]

[814] 1. الكافي: عن أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه): «بني الكفر على أربع دعائم: الفسق، و الغلوّ، و الشكّ، و الشبهة، و الفسق على أربع شعب: الجفاء، و العمى، و الغافلة، و العتوّ، فمن جفا احتقر الحقّ، و مقت الفقهاء، و أصرّ على الحنث العظيم، و من عمي نسي الذكر، و اتّبع الظنّ، و بارز خالقه، و ألحّ عليه الشيطان، و طلب المغفرة بلا توبة و لا استكانة، و من غفل جنى على نفسه، و انقلب على ظهره، و حسب غيّه رشده، و غرّته الأمانيّ، و أخذته الحسرة و الندامة إذا قضي الأمر و انكشف عنه الغطاء و بدا له ما لم يكن يحتسب، و من عتا عن أمر اللّه شكّ، و من شكّ تعالى اللّه عليه فأذلّه بسلطانه و صغّره بجلاله كما اغترّ بربّه الكريم ففرّط في أمره.

و الغلوّ على أربع شعب: على التعمّق في الرأي، و التنازع فيه، و الزّيغ و الشقاق، فمن تعمّق لم ينب إلى الحقّ، و لم يزدد إلّا غرقا في الغمرات، و لم تنحسر عنه فتنة إلّا غشيته أخرى و انخرق دينه فهو يهوي في أمر مريج، و من نازع في الرأي و خاصم، شهر بالفشل من طول اللّجاج، و من زاغ قبحت عنده الحسنة و حسنت عنده السيّئة، و من شاقّ أوعرت عليه طرقه، و اعترض عليه أمره، فضاق عليه مخرجه، و لم يتّبع سبيل المؤمنين.

____________

(1). الكافي 2: 425/ 4.

482

و الشكّ على أربع شعب: على المرية، و الهوى، و التردّد، و الاستسلام، و هو قول اللّه تعالى: فَبِأَيِّ آلٰاءِ رَبِّكَ تَتَمٰارىٰ» (1).

و في رواية أخرى: «على المرية، و الهول من الحق، و التردّد، و الاستسلام للجهل و أهله.

فمن هاله ما بين يديه نكص على عقبيه، و من امترى في الدّين تردّد في الرّيب، و سبقه الأوّلون من المؤمنين و أدركه الآخرون، و وطئته سنابك الشيطان، و من استسلم لهلكة الدنيا و الآخرة هلك فيهما، و من نجا من ذلك فمن فضل اليقين، و لم يخلق اللّه خلقا أقلّ من اليقين.

و الشبهة على أربع شعب: إعجاب بالزينة، و تسويل النفس، و تأوّل المعوّج (2)، و لبس الحقّ بالباطل، و ذلك بأن الزينة تصدف عن البيّنة، و أنّ تسويل النفس يقحم على الشهوة، و أنّ العوج يميل بصاحبه ميلا عظيما، و أنّ اللبس ظلمات بعضها فوق بعض، فذلك الكفر و دعائمه و شعبه».

قال: «و النفاق على أربع دعائم: الهوى، و الهوينا، و الحفيظة، و الطمع. فالهوى على أربع شعب: على البغي، و العدوان، و الشهوة، و الطغيان، فمن بغى كثرت غوائله و تخلّي منه و نصر (3) عليه، و من اعتدى لم يؤمن بوائقه، و لم يسلم قلبه، و لم يملك نفسه عن الشهوات، و من لم يعذل (4) نفسه في الشهوات، خاض في الخبيثات، و من طغى ضلّ على عمد بلا حجّة.

و الهوينا على أربع شعب: على الغرّة، و الأمل، و الهيبة، و المماطلة، و ذلك بأنّ الهيبة تردّ عن الحقّ، و المماطلة تفرط في العمل حتى يقدم عليه الأجل، و لو لا الأمل علم الإنسان حسب ما هو فيه، و لو علم حسب ما هو فيه مات خفاتا من الهول و الوجل، و الغزّة تقصر بالمرء عن العمل.

____________

(1). النجم (53): 55.

(2). في المصدر: العوج.

(3). في المصدر: و قصّر.

(4). في نسخة و المصدر: يعدل.

483

و الحفيظة على أربع شعب: على الكبر، و الفخر، و الحميّة، و العصبيّة، فمن استكبر أدبر عن الحقّ، و من فخر فجر، و من حمى أصرّ على الذنب، و من أخذته العصبيّة جار عن الصراط، فشرّ الأمور أمر بين إدبار و فجور و إصرار و جور على الصراط.

و الطمع على أربع شعب: الفرح، و المرح، و اللجاجة، و التكاثر، و الفرح مكروه عند اللّه، و المرح خيلاء، و اللجاجة بلاء لمن اضطرّته إلى حمل الآثام، و التكاثر لهو و لعب و شغل و استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير، فذلك النفاق و دعائمه و شعبه.

و اللّه قاهر فوق عباده، تعالى ذكره، و جلّ وجهه، و أحسن كلّ شيء خلقه، و انبسطت يداه، و وسعت كلّ شيء رحمته، و ظهر أمره، و أشرق نوره، و فاضت بركته، و استضاءت حكمته، و هيمن كتابه، و فلجت حجّته، و خلص دينه، و استظهر سلطانه، و حقّت كلمته، و أقسطت موازينه، و بلّغت رسله، فجعل السيئة ذنبا، و الذنب فتنة، و الفتنة دنسا، و جعل الحسنى عتبى، و العتبى توبة، و التوبة طهورا، فمن تاب اهتدى، و من افتتن غوى، ما لم يتب إلى اللّه و يعترف بذنبه، و لا يهلك على اللّه إلّا هالك.

اللّه اللّه، فما أوسع ما لديه من التوبة و الرحمة و البشرى و الحلم العظيم! و ما انكل ما عنده من الأنكال و الجحيم و البطش الشديد، فمن ظفر بطاعته اجتلب كرامته، و من دخل في معصيته ذاق وبال نقمته، و عمّا قليل ليصبحنّ نادمين» (1).

* بيان

«الجفاء» الغلظة «و الذكر» ما جاء في الكتاب و السنّة «و الزّيغ» الميل و الرجوع عن الحق «و الشقاق» الخلاف و العداوة «و الانحسار» الانكشاف و «أمر مريج» أي مختلط «و الفشل» الضعف و الجبن، و إنّما شهر بالفشل لأنّ خصمه المبطل لا ينقاد للحقّ، بل لا يزال يجادل بالباطل ليدحض به الحقّ، فيظهر ضعف هذا المحقّ فيشهر، «و الوغر» ضدّ السهل «و الاعتراض» المنع.

____________

(1). الكافي 2: 391/ 1.

484

«نكص على عقبيه» أي رجع القهقرى عمّا كان عليه من خير «و السنبك» كقنفذ:

طرف الحافر «و التسويل» التزيين «و تأوّل المعوّج» أي التأويل غير المستقيم «و الصدف» عن البيّنة: الصرف عنها «و قحم في الأمر قحوما» رمى بنفسه فيه فجأة بلا رويّة «و الهوينا» تصغير الهوناء، تأنيث أهون «و الحفيظة» الغضب «و الغوائل» الدواهي، و كذا البوائق «و العذل» اللوم «و الهيبة» أريد بها من غير اللّه «و المماطلة» التسويف «حسب ما هو فيه» محركة: أي عدده و قدره، و قد يسكّن «و خفت خفاتا» مات.

«و المرح» الأشر و البطر و الاختيال و النشاط و التبختر «و التكاثر» يعني في الأموال و الأولاد و فضول المعاش، و يعني «بالذي هو أدنى الدنيا» و «بالذي هو خير» الآخرة «هيمن كتابه» أي جعله شاهدا و رقيبا و مؤتمنا «و فلجت حجّته» أي قامت و ظهرت «و العتبى» الرجوع عن الذنب و الإساءة «و جعل الحسنى عتبى» ناظر إلى قوله تعالى: إِنَّ الْحَسَنٰاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئٰاتِ (1).

و «على» في قوله: «لا يهلك على اللّه» للإصرار، أو على تضمين معنى الاجتراء و نحوه، أي حين كونه خصما له جلّ جلاله و مضادا له في طاعته غير معترف بذنبه و إساءته «إلّا هالك» لا ترجى نجاته، و ذلك يسر التكليف و تمام الحجّة و قرب الأمر و دنوّ المسافة و سهولة الوصول و العناية البالغة و الرأفة السابغة و الفضل العظيم و الرحمة الواسعة.

[المتن]

[815] 2. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «أصول الكفر ثلاثة: الحرص، و الاستكبار، و الحسد، فأمّا الحرص فإنّ آدم حين نهي عن الشجرة حمله الحرص على أن أكل منها. و أما الاستكبار فإبليس حين امر بالسجود لآدم فأبى، و أمّا الحسد فابنا آدم حيث قتل أحدهما صاحبه» (2).

[816] 3. الكافي: عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «أركان الكفر أربعة: الرغبة، و الرهبة، و السخط، و الغضب» (3).

____________

(1). هود (11): 114.

(2). الكافي 2: 289/ 1.

(3). الكافي 2: 289/ 2.

485

* بيان

لعلّ المراد «بالرغبة» الرغبة في فضول الشهوات، «و بالرهبة» الرهبة من الناس في مخالفتهم في النواميس و العادات، «و بالسخط» السخط لقضاء اللّه فيما يخالف الهوى، «و بالغضب» الغضب لغير اللّه فيما لا يرضى.

قال بعض الحكماء: رؤساء الشياطين ثلاثة: شوائب الطبيعة، و نواميس العامّة، و وساوس العادة.

[المتن]

[817] 4. الكافي: عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «خمسة لعنتهم و كلّ نبي مجاب: الزائد في كتاب اللّه، و التارك لسنّتي، و المكذّب بقدر اللّه، و المستحلّ من عترتي ما حرّم اللّه، و المستأثر بالفيء المستحلّ له» (1).

آخر كتاب الإيمان و ما يقابله و الحمد للّه أوّلا و آخرا

*

____________

(1). الكافي 2: 293/ 14.

486

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

487

كتاب الفضائل و الرذائل

488

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

489

باب جوامع الفضائل

[المتن]

[818] 1. الفقيه: سئل الصادق (عليه السلام) عن الفرائض التي فرض اللّه على العباد، ما هي؟ قال: «شهادة أن لا إله إلّا اللّه، و أنّ محمّدا رسول اللّه، و إقام الصلاة، و الخمس، و إيتاء الزكاة، و حجّ البيت، و صيام شهر رمضان، و الولاية، فمن أقامهنّ و سدّد و قارب و اجتنب كلّ مسكر دخل الجنّة.

و كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: إنّ أفضل ما يتوسّل به المتوسّلون؛ الإيمان باللّه و الرسول، و الجهاد في سبيل اللّه، و كلمة الإخلاص، فإنها الفطرة، و إقام الصلاة فإنّها الملّة، و إيتاء الزكاة فإنّها من فرائض اللّه تعالى، و الصوم فإنّه جنّة من عذابه، و حجّ البيت فإنّه منفاة للفقر و مدحضة للذنب، و صلة الرّحم فإنّها مثراة في المال و منسأة في الأجل، و صدقة السرّ فإنها تطفئ الخطيئة و تطفئ غضب الربّ عزّ و جلّ، و صنائع المعروف فإنها تدفع ميتة السوء و تقي مصارع الهوان، ألا فاصدقوا فإنّ اللّه مع الصادقين، و جانبوا الكذب فإنّه يجانب الإيمان، ألّا إنّ الصادق على شفا منجاة و كرامة، ألا إنّ الكاذب على شفا مخزاة و هلكة، ألا و قولوا خيرا تعرفوا به، و اعملوا به تكونوا من أهله، و أدّوا الأمانة إلى من ائتمنكم، و صلوا أرحام من قطعكم، و عودوا بالفضل على من حرمكم» (1).

* بيان

«سدّد و قارب» أي اقتصد في أموره كلّها، و ترك الغلوّ و التقصير.

[المتن]

[819] 2. الكافي: عنه (عليه السلام): «إنّا لنحبّ من كان عاقلا فهما فقيها حليما مداريا صبورا

____________

(1). الفقيه 1: 204/ 612.

490

صدوقا وفيا، إنّ اللّه خصّ الأنبياء بمكارم الأخلاق، فمن كانت فيه فليحمد اللّه على ذلك، و من لم تكن فيه فليتضرّع إلى اللّه و ليسأله إيّاها».

قيل: و ما هنّ؟ قال: «هنّ الورع، و القناعة، و الصبر، و الشكر، و الحلم، و الحياء، و السخاء، و الشجاعة، و الغيرة و البرّ، و صدق الحديث، و أداء الأمانة» (1).

[820] 3. الكافي: عنه (عليه السلام): «المكارم عشر، فإن استطعت أن تكون فيك فلتكن، فإنّها تكون في الرجل و لا تكون في ولده، و تكون في الولد و لا تكون في أبيه، و تكون في العبد و لا تكون في الحرّ.

قيل: و ما هنّ؟ قال: «صدق البأس (2)، و صدق اللسان، و أداء الأمانة، و صلة الرحم، و إقراء الضيف، و إطعام السائل، و المكافاة على الصنائع و التذمّم للجار، و التذمّم للصاحب، و رأسهنّ الحياء» (3).

* بيان

أريد «بصدق البأس» موافقة خشوع ظاهره لخشوع باطنه و «الأمانة» تعمّ المال و العرض و السرّ و غيرها و «إقراء الضيف» طلبه الضيافة و «الصنيعة» العطيّة و الكرامة و الإحسان و «التذمّم» الاستنكاف.

[المتن]

[821] 4. الكافي: عنه (عليه السلام): «أربع من كنّ فيه كمل إيمانه، و إن كان من قرنه إلى قدمه ذنوبا لم ينقصه ذلك» قال: «و هو: الصدق، و أداء الأمانة، و الحياء، و حسن الخلق» (4).

و في رواية: «الشكر» (5) بدل «أداء الأمانة».

[822] 5. الكافي، الفقيه: عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «كانت الفقهاء و العلماء إذا كتب بعضهم إلى بعض كتبوا بثلاث ليس معهنّ رابعة: من كان همّته آخرته كفاه اللّه همّه من الدنيا، و من

____________

(1). الكافي 2: 56/ 3.

(2). البأس: الشجاعة الحسنة الصادقة في الجهاد في سبيل اللّه و إظهار الحق و النهي عن المنكر، و في الكافي:

«اليأس».

(3). الكافي 2: 55/ 1.

(4). الكافي 2: 99/ 3.

(5). الكافي 2: 107/ 7.

491

أصلح سريرته أصلح اللّه علانيته، و من أصلح فيما بينه و بين اللّه تعالى أصلح اللّه تعالى فيما بينه و بين الناس» (1).

و في رواية الفقيه: «الحكماء» (2) مكان «العلماء».

[823] 6. الفقيه: عنه (عليه السلام): «جمع الخير كلّه في ثلاث خصال: النظر، و السكوت، و الكلام، فكلّ نظر ليس فيه اعتبار فهو سهو، و كلّ سكوت ليس فيه فكرة فهو غفلة، و كلّ كلام ليس فيه ذكر فهو لغو، طوبى لمن كان نظره عبرا، و سكوته فكرا، و كلامه ذكرا، و بكى على خطيئته، و أمن الناس شرّه» (3).

[824] 7. الكافي: سئل النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عن خيار العباد، فقال: «الذين إذا أحسنوا استبشروا، و إذا أساءوا استغفروا، و إذا اعطوا شكروا، و إذا ابتلوا صبروا، و إذا غضبوا غفروا» (4).

[825] 8. الكافي: عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «ألا اخبركم بخير رجالكم؟» قيل: بلى يا رسول اللّه، قال: «إنّ من خير رجالكم التقي النقيّ، السمح الكفّين، النقي الطرفين، البرّ بوالديه، و لا يلجئ عياله إلى غيره» (5).

* بيان

«السماحة» الجود و «طرفا الإنسان» لسانه و ذكره.

[المتن]

[826] 9. الكافي: سئل الصادق (عليه السلام): أيّ الخصال بالمرء أجمل؟ قال: «وقار بلا مهابة، و سماح بلا طلب مكافاة، و تشاغل بغير متاع الدنيا» (6).

____________

(1). الكافي 8: 307/ 477؛ و الفقيه 4: 175/ 396/ 5845.

(2). الفقيه 4: 396/ 5845.

(3). الفقيه 4: 405/ 5876.

(4). الكافي 2: 240/ 31.

(5). الكافي 2: 57/ 7.

(6). الكافي 2: 240/ 33.

492

باب اليقين

[المتن]

[827] 1. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «ليس شيء إلّا و له حدّ» قيل: فما حدّ التوكّل؟ قال: «اليقين».

قيل: فما حدّ اليقين؟ قال: «ألا تخاف مع اللّه شيئا» (1).

[828] 2. الكافي: عنه (عليه السلام): «من صحّة يقين المرء المسلم ألا يرضي الناس بسخط اللّه، و لا يلومهم على ما لم يؤته اللّه، فإنّ الرزق لا يسوقه حرص حريص، و لا يردّه كراهية كاره، و لو أنّ أحدكم فرّ من رزقه كما يفرّ من الموت، لأدركه رزقه كما يدركه الموت» ثم قال: «إنّ اللّه تعالى بعدله و قسطه جعل الروح و الراحة في اليقين و الرضا، و جعل الهمّ و الحزن في الشكّ و السّخط» (2).

* بيان

لعلّ المراد بقوله: «و لا يلومهم» على ما لم يؤته اللّه ألا يشكوهم على ترك صلتهم إياه بالمال و نحوه، فإنّ ذلك شيء لم يقدّر اللّه له و لا يرزقه إيّاه، و من كان من أهل اليقين عرف أنّ ذلك كذلك فلا يلوم أحدا بذلك، و عرف أنّ ذلك ممّا اقتضته ذاته بحسب استحقاقه، و ممّا أوجبته حكمة اللّه تعالى في أمره.

[المتن]

[829] 3. الكافي: عنه (عليه السلام): «إنّ العمل الدائم القليل على اليقين أفضل عند اللّه تعالى من العمل الكثير على غير يقين» (3).

[830] 4. الكافي: عنه (عليه السلام): «كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: لا يجد عبد طعم الإيمان حتى يعلم أنّ ما أصابه لم يكن ليخطئه، و أن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، و أنّ الضارّ النافع هو اللّه تعالى» (4).

[831] 5. الكافي: عنه (عليه السلام): «إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) جلس إلى حائط مائل يقضي بين الناس،

____________

(1). الكافي 2: 57/ 1.

(2). الكافي 2: 57/ 2.

(3). الكافي 2: 57/ 3.

(4). الكافي 2: 58/ 7.

493

فقال بعضهم: لا تقعد تحت هذا الحائط فإنّه معور، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): حرس امرأ أجله، فلمّا قام سقط الحائط.

قال: «و كان أمير المؤمنين (عليه السلام) ممّا يفعل هذا و أشباهه، و هذا اليقين» (1).

* بيان

«معور» أي ذو خلل و شقّ، من العورة.

[المتن]

[832] 6. الكافي: سعيد بن قيس الهمداني، قال: نظرت يوما في الحرب إلى رجل عليه ثوبان، فحرّكت فرسي، فإذا هو أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقلت: يا أمير المؤمنين، في مثل هذا الموضع؟ فقال: «نعم يا سعيد بن قيس، إنّه ليس من عبد إلّا و له من اللّه حافظ و واقية معه ملكان يحفظانه من أن يسقط من رأس جبل أو يقع في بئر، فإذا نزل القضاء خلّيا بينه و بين كلّ شيء» (2).

[833] 7. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «كان قنبر غلام علي (عليه السلام) يحبّ عليّا (عليه السلام) حبّا شديدا، فإذا خرج علي (عليه السلام) خرج على أثره بالسّيف، فرآه ذات ليلة، فقال: يا قنبر، ما لك؟ قال: جئت لأمشي خلفك يا أمير المؤمنين، قال: ويحك أ من أهل السماء تحرسني أو من أهل الأرض؟ قال: لا، بل من أهل الأرض، قال: إنّ من أهل الأرض لا يستطيعون لي شيئا إلّا بإذن اللّه من السماء، فارجع، فرجع» (3).

[834] 8. الكافي: قيل للرضا (عليه السلام): إنّك تتكلّم بهذا الكلام و السيف يقطر دما، فقال: «إنّ للّه تعالى واديا من ذهب، حماه بأضعف خلقه: النّمل، فلو رامه البخاتي (4) لم تصل إليه» (5).

* بيان

يعني بالسيف سيف السلطان.

[المتن]

[835] 9. الكافي: عنه (عليه السلام): «كان في الكنز الذي قال اللّه تعالى: وَ كٰانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمٰا (6) كان

____________

(1). الكافي 2: 58/ 5.

(2). الكافي 2: 58/ 8.

(3). الكافي 2: 59/ 10.

(4). البخت، بالضمّ: الإبل الخراسانية.

(5). الكافي 2: 59/ 11.

(6). الكهف (18): 82.

494

فيه: بسم اللّه الرحمن الرحيم، عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح، و عجبت لمن أيقن بالقدر كيف يحزن، و عجبت لمن رأى الدنيا و تقلّبها بأهلها كيف يركن إليها» (1).

باب الرّضا بالقضاء

[المتن]

[836] 1. الكافي: عن السجّاد (عليه السلام): «الصبر و الرضا عن اللّه رأس طاعة اللّه، و من صبر و رضي عن اللّه فيما قضى عليه فيما أحبّ أو كره لم يقض اللّه فيما أحبّ أو كره إلّا ما هو خير له» (2).

[837] 2. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «إنّ أعلم الناس باللّه أرضاهم بقضاء اللّه تعالى» (3).

[838] 3. الكافي: عن الكاظم (عليه السلام): «ينبغي لمن عقل عن اللّه ألا يستبطئه في رزقه، و لا يتّهمه في قضائه» (4).

[839] 4. الكافي: عن الباقر (عليه السلام): «أحقّ خلق اللّه أن يسلّم لما قضى اللّه تعالى، من عرف اللّه تعالى و من رضي بالقضاء أتى عليه القضاء و عظّم اللّه أجره، و من سخط القضاء مضى عليه القضاء و أحبط اللّه أجره» (5).

[840] 5. الكافي: عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «قال اللّه تبارك و تعالى: إنّ من عبادي المؤمنين عبادا لا يصلح لهم أمر دينهم إلّا بالغنى و السعة و الصحة في البدن، فابلوهم بالغنى و السعة و صحة البدن فيصلح عليهم أمر دينهم، و إنّ من عبادي المؤمنين لعبادا لا يصلح لهم أمر دينهم إلّا بالفاقة و المسكنة و السّقم في أبدانهم، فابلوهم بالفاقة و المسكنة و السقم،

____________

(1). الكافي 2: 59/ 9.

(2). الكافي 2: 60/ 3.

(3). الكافي 2: 60/ 2.

(4). الكافي 2: 62/ 9.

(5). الكافي 2: 62/ 5.

495

فيصلح عليهم أمر دينهم، و أنا أعلم بما يصلح عليه أمر دين عبادي المؤمنين.

و أنّ من عبادي المؤمنين لمن يجتهد في عبادتي، فيقوم من رقاده، و لذيذ و ساده، فيتهجّد لي الليالي، فيتعب نفسه في عبادتي، فاضربه بالنعاس الليلة و الليلتين نظرا منّي له و ابقاء عليه، فينام حتى يصبح، فيقوم و هو ماقت لنفسه زارئ عليها، و لو اخلي بينه و بين ما يريد من عبادتي لدخله العجب من ذلك، فيصيّره العجب إلى الفتنة بأعماله، فيأتيه من ذلك ما فيه هلاكه، لعجبه بأعماله، و رضاه عن نفسه حتى يظنّ أنّه قد فاق العابدين، و جاز في عبادته حدّ التقصير، فيتباعد منّي عند ذلك، و هو يظنّ أنّه يتقرّب إليّ، فلا يتّكل العاملون لي على أعمالهم التي يعملونها لثوابي، فإنّهم لو اجتهدوا و أتعبوا أنفسهم و أفنوا أعمارهم في عبادتي، كانوا مقصّرين غير بالغين في عبادتهم كنه عبادتي فيما يطلبون عندي من كرامتي و النعيم في جنّاتي و رفيع درجات العلى في جواري، و لكن فبرحمتي فليثقوا، و بفضلي فليفرحوا، و إلى حسن الظنّ باللّه فليطمئنّوا، فإنّ رحمتي عند ذلك تدّاركهم، و منّي يبلغهم رضواني و مغفرتي، و يلبسهم عفوي، فإنّي أنا اللّه الرحمن الرحيم، و بذلك تسمّيت» (1).

[841] 6. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «إنّ فيما أوحى اللّه تعالى إلى موسى بن عمران، يا موسى بن عمران؛ ما خلقت خلقا أحبّ إلي من عبدي المؤمن، و إنّي إنّما ابتلاه لما هو خير له، و أزوي عنه لما هو خير له، و أنا أعلم بما يصلح عليه عبدي، فليصبر على بلائي، و ليشكر نعمائي، و ليرض بقضائي، أكتبه في الصّديقين عندي إذا عمل برضاي و أطاع أمري» (2).

[842] 7. الكافي: عنه (عليه السلام): «عجبت للمرء المسلم لا يقضي اللّه عليه بقضاء إلّا كان خيرا له، إن قرض بالمقاريض كان خيرا له، و إن ملك مشارق الأرض و مغاربها كان خيرا له» (3).

[843] 8. الكافي: عن السجّاد (عليه السلام): «الزهد عشرة أجزاء، أعلى درجة الزهد أدنى

____________

(1). الكافي 2: 60/ 4.

(2). الكافي 2: 61/ 7.

(3). الكافي 2: 62/ 8.

496

درجة الورع، و أعلى درجة الورع أدنى درجة اليقين، و أعلى درجة اليقين أدنى درجة الرضا» (1).

[844] 9. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «لقي الحسن بن علي عبد اللّه بن جعفر فقال: يا عبد اللّه، كيف يكون المؤمن مؤمنا و هو يسخط قسمه و يحقر منزلته و الحاكم عليه اللّه! و أنا الضامن لمن لم يهجس في قلبه إلّا الرضا أن يدعو اللّه فيستجاب له» (2).

* بيان

«القسم» بالكسر: الحظّ و النصيب، و العائد فيه و في منزلته للمؤمن «لم يهجس» لم يخطر. و قد مرّ أنّ التسليم للّه و الرّضا من علامات الإيمان و أركانه.

[المتن]

[845] 10. الكافي: عنه (عليه السلام): «لم يكن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يقول لشيء قد مضى: لو كان غيره» (3).

باب التفويض إلى اللّه و التوكّل عليه

[المتن]

[846] 1. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «أوحى اللّه تعالى إلى داود: ما اعتصم بي عبد من عبادي دون أحد من خلقي؛ عرفت ذلك من نيّته، ثم تكيده السموات و الأرض و من فيهنّ إلّا جعلت له المخرج من بينهنّ، و ما اعتصم عبد من عبادي بأحد من خلقي عرفت ذلك من نيّته، إلّا قطعت أسباب السموات من يديه، و أسخت الأرض من تحته، و لم أبال بأيّ واد هلك» (4).

* بيان

«أسخت» من الإساخة بمعنى الخسف.

____________

(1). الكافي 2: 62/ 10.

(2). الكافي 2: 62/ 11.

(3). الكافي 2: 63/ 13.

(4). الكافي 2: 63/ 1.

497

[المتن]

[847] 2. الكافي: عن السجّاد (عليه السلام) قال: «خرجت حتى انتهيت إلى هذا الحائط فاتّكيت عليه، فإذا رجل عليه ثوبان أبيضان ينظر في تجاه وجهي، ثم قال: يا علي بن الحسين، ما لي أراك كئيبا حزينا؟ أعلى الدنيا؛ فرزق اللّه حاضر للبرّ و الفاجر؟! قلت: ما على هذا أحزن و إنّه لكما تقول. قال: فعلى الآخرة؟ فوعد صادق يحكم فيه ملك قاهر- أو قال: قادر، قلت: ما على هذا أحزن، و إنّه لكما تقول، فقال: فممّ حزنك؟ قلت: ممّا نتخوّف من فتنة ابن الزبير و ما فيه الناس، قال: فضحك، ثم قال: يا علي بن الحسين؛ هل رأيت أحدا دعا اللّه فلم يجبه؟ قلت: لا، قال: فهل رأيت أحدا توكّل على اللّه فلم يكفه؟ قلت:

لا، قال: فهل رأيت أحدا سأل اللّه فلم يعطه؟ قلت: لا، ثم غاب عنّي» (1).

[848] 3. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «إنّ الغنى و العزّ يجولان، فإذا ظفرا بمواضع التوكّل أوطنا» (2).

[849] 4. الكافي: عن الكاظم (عليه السلام) في قول اللّه عزّ و جلّ: وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللّٰهِ فَهُوَ حَسْبُهُ (3) فقال:

«التوكّل على اللّه درجات منها أن تتوكّل على اللّه في أمورك كلّها، فما فعل بك كنت عنه راضيا، تعلم أنّه لا يألوك خيرا و فضلا، و تعلم أنّ الحكم في ذلك له، فتوكّل على اللّه بتفويض ذلك إليه، وثق به فيها و في غيرها» (4).

* بيان

لعلّ سائر درجات التوكّل أن يتوكّل على اللّه في بعض أموره دون بعض و تعدّدها بحسب كثرة الأمور المتوكّل فيها و قلّتها.

[المتن]

[850] 5. الكافي: عن الصادق (عليه السلام) أنّه قرأ في بعض الكتب: «إنّ اللّه تعالى يقول: و عزّتي و جلالي و مجدي و ارتفاعي على عرشي، لأقطّعنّ أمل كلّ مؤمّل غيري باليأس، و لأكسونّه ثوب المذلّة عند الناس، و لانحّينّه من قربي، و لابعدنّه من وصلي، أ يؤمّل غيري في الشدائد و الشدائد بيدي، و يرجو غيري، و يقرع بالفكر باب غيري، و بيدي مفاتيح الأبواب

____________

(1). الكافي 2: 63/ 2.

(2). الكافي 2: 64/ 3.

(3). الطلاق (65): 3.

(4). الكافي 2: 65/ 5.

498

و هي مغلقة و بابي مفتوح لمن دعاني؟! فمن ذا الذي أمّلني لنوائبه فقطعته دونها! و من ذا الذي رجاني لعظيمة قطعت رجاه منّي!

جعلت آمال عبادي عندي محفوظة فلم يرضوا بحفظي، و ملأت سماواتي ممّن لا يملّ من تسبيحي، و أمرتهم ألا يغلقوا الأبواب بيني و بين عبادي، فلم يثقوا بقولي، أ لم يعلم من طرقته نائبة من نوائبي أنّه لا يملك كشفها أحد غيري إلّا من بعد إذني؟

و ما لي أراه لاهيا عنّي، أعطيته بجودي ما لم يسألني ثم انتزعته منه فلم يسألني ردّه و سأل غيري، أ فيراني أبدأ بالعطاء قبل المسألة، ثم اسأل فلا أجيب سائلي، أ بخيل أنا فيبخّلني عبدي؟ أ و ليس الجود و الكرم لي؟ أ و ليس العفو و الرحمة بيدي؟ أ و ليس أنا محلّ الامال؟ فمن يقطعها دوني، أ فلا يخشى المؤمّلون أن يؤمّلوا غيري؟

فلو أنّ أهل سماواتي و أهل أرضي أمّلوا جميعا، ثم أعطيت كلّ واحد منهم مثل ما أمّل الجميع ما انتقص من ملكي مثل عضو ذرّة، و كيف ينقص ملك أنا قيّمه! فيا بؤسا للقانطين من رحمتي، و يا بؤسا لمن عصاني و لم يراقبني» (1).

باب الخوف و الرّجاء

[المتن]

[851] 1. الكافي: عن الصادق (عليه السلام) قيل له: ما كان في وصيّة لقمان؟ قال: «كان فيها الأعاجيب، و كان أعجب ما كان فيها أن قال لابنه: خف اللّه تعالى خيفة لو جئته ببرّ الثقلين لعذّبك، و ارج اللّه رجاء لو جئته بذنوب الثقلين لرحمك».

ثم قال (عليه السلام): «كان أبي يقول: إنّه ليس من عبد مؤمن إلّا و في قلبه نوران: نور خيفة، و نور رجاء، لو وزن هذا لم يزد على هذا، و لو وزن هذا لم يزد على هذا» (2).

[852] 2. الكافي: عنه (عليه السلام): «ينبغي للمؤمن أن يخاف اللّه خوفا كأنّه مشرف على النّار،

____________

(1). الكافي 2: 66/ 7.

(2). الكافي 2: 67/ 1.

499

و يرجو رجاء كأنّه من أهل الجنّة». ثم قال: «إنّ اللّه تعالى عند ظنّ عبده، إن خيرا فخيرا، و إن شرّا فشرّا» (1).

[853] 3. الكافي: عنه (عليه السلام): «خف اللّه كأنّك تراه، و إن كنت لا تراه فانه يراك، و ان كنت ترى أنه لا يراك فقد كفرت، و إن كنت تعلم أنه يراك ثم برزت له بالمعصية فقد جعلته من أهون الناظرين إليك» (2).

[854] 4. الكافي: عنه (عليه السلام): «من خاف اللّه تعالى أخاف اللّه تعالى منه كلّ شيء، و من لم يخف اللّه أخافه اللّه من كلّ شيء» (3).

[855] 5. الكافي: عنه (عليه السلام): «من عرف اللّه خاف اللّه و من خاف اللّه سخت نفسه عن الدنيا» (4).

[856] 6. الكافي: عنه (عليه السلام) قيل: إنّ قوما من مواليك يلمّون بالمعاصي و يقولون: نرجوا، فقال: «كذبوا، ليسوا لنا بموال، أولئك قوم ترجّحت بهم الأمانيّ، من رجا شيئا عمل له، و من خاف شيئا هرب منه» (5).

* بيان

الترجّح: الميل، يعني مالت بهم عن الاستقامة أمانيّهم الكاذبة.

[المتن]

[857] 7. الكافي: عنه (عليه السلام): «لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يكون خائفا راجيا، و لا يكون خائفا راجيا حتى يكون عاملا لما يخاف و يرجو» (6).

[858] 8. الكافي: عنه (عليه السلام) في قول اللّه تعالى: وَ لِمَنْ خٰافَ مَقٰامَ رَبِّهِ جَنَّتٰانِ (7) قال: «من علم أنّ اللّه يراه و يسمع ما يقول و يعلم ما يعمله من خير أو شرّ؛ فيحجزه ذلك عن القبيح من

____________

(1). الكافي 8: 302/ 462.

(2). الكافي 2: 68/ 2.

(3). الكافي 2: 68/ 3.

(4). الكافي 2: 68/ 4.

(5). الكافي 2: 68/ 6.

(6). الكافي 2: 71/ 11.

(7). الرحمن (55): 46.

500

الأعمال، فذلك الذي خاف مقام ربّه و نهى النفس عن الهوى» (1).

[859] 9. الكافي: عن السجّاد (عليه السلام): «إنّ رجلا ركب البحر بأهله فكسر بهم، فلم ينج ممّن كان في السفينة إلّا امرأة الرجل، فإنّها نجت على لوح من ألواح السفينة حتى الجئت إلى جزيرة من جزائر البحر، و كان في تلك الجزيرة رجل يقطع الطريق، و لم يدع للّه حرمة إلّا انتهكها، فلم يعلم إلّا و المرأة قائمة على رأسه، فرفع رأسه إليها، فقال: إنسيّة أم جنيّة؟ فقالت: إنسيّة، فلم يكلّمها كلمة حتى جلس منها مجلس الرجل من أهله، فلمّا أن همّ بها اضطربت، فقال لها: ما لك تضطربين؟ فقالت: أفرق من هذا- و أومأت بيدها إلى السّماء- قال: فصنعت من هذا شيئا؟ قالت: لا و عزّته، قال: فأنت تفرقين منه هذا الفرق و لم تصنعي من هذا شيئا، و إنّما استكرهتك استكراها، فأنا و اللّه أولى بهذا الفرق و الخوف و أحقّ منك».

قال: «فقام و لم يحدث شيئا و رجع إلى أهله و ليست له همّة إلّا التوبة و المراجعة، فبينا هو يمشي إذ صادفه راهب يمشي في الطريق، فحمئت عليهما الشمس، فقال الراهب للشابّ: ادع اللّه يظلّنا بغمامة فقد حمئت علينا الشمس، فقال الشاب: ما أعلم أنّ لي عند ربّي حسنة فأتجاسر على أن أسأله شيئا، قال: فأدعو أنا و تؤمّن أنت؟ قال:

نعم، فأقبل الراهب يدعو و الشاب يؤمّن، فما كان بأسرع من أن أظلّتهما غمامة فمشيا تحتها مليّا من النهار، ثم انفرجت الجادّة جادّتين، فأخذ الشاب في واحدة و أخذ الراهب في واحدة، فإذا السّحابة مع الشّاب، فقال الراهب: أنت خير منّي، لك استجيب و لم يستجب لي، فخبّرني ما قصّتك؟ فأخبره بخبر المرأة، فقال: غفر لك ما مضى حيث دخلك الخوف فانظر كيف تكون فيما تستقبل» (2).

[860] 10. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «إنّ من العبادة شدّة الخوف من اللّه تعالى، يقول اللّه تعالى: إِنَّمٰا يَخْشَى اللّٰهَ مِنْ عِبٰادِهِ الْعُلَمٰاءُ (3) و قال جلّ ثناؤه: فَلٰا تَخْشَوُا النّٰاسَ وَ اخْشَوْنِ (4)

____________

(1). الكافي 2: 70/ 10.

(2). الكافي 2: 33/ 69/ 8.

(3). فاطر (35): 28.

(4). فاطر (35): 28.

501

و قال تعالى: وَ مَنْ يَتَّقِ اللّٰهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (5)».

ثم قال (عليه السلام): «إنّ حبّ الشرف و الذكر لا يكونان في قلب الخائف الراهب» (6).

[861] 11. الكافي: عنه (عليه السلام): «المؤمن بين مخافتين: ذنب قد مضى لا يدري ما صنع اللّه فيه، و عمر قد بقي لا يدري ما يكتسب فيه من المهالك، فهو لا يصبح إلّا خائفا، و لا يصلحه إلّا الخوف» (7).

باب حسن الظنّ باللّه

[المتن]

[862] 1. الكافي: عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «و الذي لا إله إلّا هو ما أعطي مؤمن قطّ خير الدنيا و الآخرة إلّا بحسن ظنّه باللّه و رجائه له و بحسن خلقه و الكفّ عن اغتياب المؤمنين، و الذي لا إله إلّا هو لا يعذّب اللّه مؤمنا بعد التوبة و الاستغفار إلّا بسوء ظنّه باللّه و تقصيره من رجائه و سوء خلقه و اغتيابه للمؤمنين، و الذي لا إله إلّا هو لا يحسن ظنّ عبد مؤمن باللّه إلّا كان اللّه عند ظنّ عبده المؤمن، لأنّ اللّه كريم بيده الخيرات، يستحيي أن يكون عبده المؤمن قد أحسن به الظنّ، ثم يخلف ظنّه و رجاءه، فأحسنوا باللّه الظنّ و ارغبوا إليه» (8).

[863] 2. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «حسن الظنّ باللّه ألا ترجو إلّا اللّه، و لا تخاف إلّا ذنبك» (9).

____________

(5). الطلاق (65): 2.

(6). الكافي 2: 69/ 7.

(7). الكافي 2: 71/ 12.

(8). الكافي 2: 72/ 2.

(9). الكافي 2: 72/ 4.

502

باب الاعتراف بالتقصير

[المتن]

[864] 1. الكافي: عن الكاظم (عليه السلام)، قال لبعض ولده: «يا بنيّ، عليك بالجدّ، و لا تخرجنّ نفسك من حدّ التقصير في عبادة اللّه و طاعته، فإنّ اللّه لا يعبد حقّ عبادته» (1).

[865] 2. الكافي: عنه (عليه السلام): «أكثر من أن تقول: اللهم لا تجعلني من المعارين، و لا تخرجني من التقصير».

قيل: أمّا المعارون فقد عرفت أنّ الرجل يعار الدين ثم يخرج منه، فما معنى: «لا تخرجني من التقصير؟» قال: «كلّ عمل تريد به اللّه تعالى فكن فيه مقصّرا عند نفسك، فإنّ الناس كلّهم في أعمالهم فيما بينهم و بين اللّه مقصّرون إلّا من عصمه اللّه تعالى» (2).

[866] 3. الكافي: عن الباقر (عليه السلام) قال لجابر: «يا جابر، لا أخرجك اللّه من النّقص و لا التقصير» (3).

[867] 4. الكافي: عن أبي الحسن (عليه السلام): «إنّ رجلا من بني إسرائيل عبد اللّه تعالى أربعين سنة، ثم قرّب قربانا فلم يقبل منه، فقال لنفسه: ما اتيت إلّا منك و ما الذنب إلّا لك، قال:

فأوحى اللّه تعالى إليه: ذمّك لنفسك أفضل من عبادتك أربعين سنة» (4).

* بيان

«ما اتيت إلّا منك» على البناء للمفعول، أي ما دخل علي البلاء إلّا من جهتك.

باب الطاعة و التقوى

[المتن]

[868] 1. الكافي: عن الباقر (عليه السلام) قال لجابر: «يا جابر، أ يكتفي من انتحل التشيّع أن يقول بحبّنا

____________

(1). الكافي 2: 72/ 1.

(2). الكافي 2: 73/ 4.

(3). الكافي 2: 72/ 2.

(4). الكافي 2: 73/ 3.

503

أهل البيت! فو اللّه ما شيعتنا إلّا من اتّقى اللّه و أطاعه، و ما كانوا يعرفون يا جابر إلّا بالتواضع، و التخشّع، و الأمانة، و كثرة ذكر اللّه، و الصوم، و الصلاة، و البرّ بالوالدين، و التعهّد للجيران من الفقراء، و أهل المسكنة، و الغارمين، و الأيتام، و صدق الحديث، و تلاوة القرآن، و كفّ الألسن عن الناس إلّا من خير، و كانوا أمناء عشائرهم في الأشياء».

قال جابر: فقلت: يا ابن رسول اللّه، ما نعرف اليوم أحدا بهذه الصفة. فقال: «يا جابر، لا تذهبنّ بك المذاهب، حسب الرجل أن يقول احبّ عليّا و أتولّاه، ثم لا يكون مع ذلك فعّالا، فلو قال: إنّي أحبّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فرسول اللّه خير من عليّ- ثم لا يتّبع سيرته و لا يعمل بسنّته، ما نفعه حبّه إيّاه شيئا، فاتقوا اللّه و اعملوا لما عند اللّه، ليس بين اللّه و بين أحد قرابة، أحبّ العباد إلى اللّه تعالى و أكرمهم عليه أتقاهم و أعمالهم بطاعته.

يا جابر، و اللّه ما يتقرّب إلى اللّه تعالى إلّا بالطاعة، ما معنا براءة من النّار، و لا على اللّه لأحد من حجّة، من كان للّه مطيعا فهو لنا وليّ، و من كان للّه عاصيا فهو لنا عدوّ، و ما تنال ولايتنا إلّا بالعمل و الورع» (1).

[869] 2. الكافي: عنه (عليه السلام): «يا معشر الشيعة، شيعة آل محمّد، كونوا النمرقة الوسطى، يرجع إليكم الغالي، و يلحق بكم التالي».

فقال له رجل من الأنصار يقال له سعد: جعلت فداك، ما الغالي؟ قال: «قوم يقولون فينا ما لا نقوله في أنفسنا، فليس أولئك منّا و لسنا منهم».

قال: فما التالي؟ قال: «المرتاد يريد الخير يبلّغه الخير يؤجر عليه». ثم أقبل علينا، فقال:

«و اللّه ما معنا براءة، و لا بيننا و بين اللّه قرابة، و لا لنا على اللّه حجّة، و لا نتقرّب إلى اللّه إلّا بالطاعة، فمن كان منكم مطيعا للّه تنفعه ولايتنا، و من كان منكم عاصيا للّه لم تنفعه ولايتنا، ويحكم لا تغترّوا، ويحكم لا تغترّوا» (2).

* بيان

«النمرقة» الوسادة الصغيرة، و المراد أنّه كما كانت الوسادة التي يتوسّد عليها

____________

(1). الكافي 2: 74/ 3.

(2). الكافي 2: 75/ 6.

504

الرجل، إذا كانت رفيعة جدّا أو خفيضة جدّا لا تصلح للتوسّد، بل لا بدّ لها من حدّ من الارتفاع و الانخفاض حتى تصلح لذلك، كذلك أنتم في دينكم و أئمّتكم لا تكونوا غالين تجاوزون بهم عن مرتبتهم التي أقامهم اللّه عليها و جعلهم أهلا لها- و هي الإمامة و الوصاية النازلتان عن الألوهية و النبوّة- كالنصارى الغالين في المسيح، المعتقدين فيه الألوهية أو البنوّة للإله، و لا تكونوا أيضا مقصّرين فيهم تنزلونهم عن مرتبتهم، و تجعلونهم كسائر الناس أو أنزل، كاليهود المقصّرين في المسيح المنزلين له عن مرتبته، بل كونوا كالنمرقة الوسطى، و هي المقتصدة للتوسّد، يرجع إليكم الغالي، و يلحق بكم التالي.

قوله (عليه السلام): «يقولون فينا ما لا نقوله في أنفسنا» يعني ما يزيد عن مرتبتنا من الربوبية أو النبوّة أو نحو ذلك «و المرتاد» الطالب للاهتداء الذي لا يعرف الإمام و مراسم الدّين بعد، يريد التعلّم و نيل الحق «يبلغه الخير» بدل من الخير، يعني يريد أن يبلغه الخير ليؤجر عليه.

[المتن]

[870] 3. الكافي: عنه (عليه السلام): «قام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) على الصفّ فقال: يا بني هاشم، يا بني عبد المطّلب، إنّي رسول اللّه إليكم، و إنّي شفيق عليكم، و إنّ لي عملي، و لكلّ رجل منكم عمله، و لا تقولوا: إنّ محمّدا منّا، و سندخل مدخله، فلا و اللّه ما أوليائي منكم و لا من غيركم- يا بني عبد المطلب- إلّا المتّقون، ألا فلا أعرفكم يوم القيامة تأتون تحملون الدّنيا على ظهوركم، و يأتيني الناس يحملون الآخرة، ألا إنّي قد أعذرت إليكم فيما بيني و بينكم و فيما بيني و بين اللّه تعالى فيكم» (1).

[871] 4. الكافي: عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «لا يقلّ عمل مع تقوى، و كيف يقلّ ما يتقبّل!» (2).

[872] 5. الكافي: عن الصادق (عليه السلام) كتب إلى رجل من أصحابه: «أمّا بعد، فإنّي اوصيك بتقوى اللّه، فإنّ اللّه قد ضمن لمن اتّقاه أن يحوّله عمّا يكره إلى ما يحبّ، و يرزقه من حيث لا يحتسب، فإيّاك أن تكون ممّن يخاف على العباد ذنوبهم، و يأمن العقوبة من ذنبه، فإنّ اللّه لا يخدع عن جنّته، و لا ينال ما عنده إلّا بطاعته إن شاء تعالى» (3).

____________

(1). الكافي 8: 182/ 205.

(2). الكافي 2: 75/ 5.

(3). الكافي 8: 49/ 9.