الشافي في العقائد و الأخلاق و الأحكام - ج1

- الفيض الكاشاني المزيد...
928 /
55

فيها و رغب فيما عند اللّه و كان اللّه، آنسه في الوحشة، و صاحبه في الوحدة، و غناه في العيلة، و معزّه من غير عشيرة.

يا هشام، نصب الحقّ لطاعة اللّه، و لا نجاة إلّا بالطاعة، و الطاعة بالعلم، و العلم بالتعلّم، و التعلّم بالعقل يعتقد، و لا علم إلّا من عالم ربّاني، و معرفة العلم بالعقل.

يا هشام، قليل العمل من العالم مقبول مضاعف، و كثير العمل من أهل الهوى و الجهل مردود.

يا هشام، إنّ العاقل رضي بالدّون من الدنيا مع الحكمة، و لم يرض بالدّون من الحكمة مع الدنيا، فلذلك ربحت تجارتهم.

يا هشام، إنّ العقلاء تركوا فضول الدنيا فكيف الذنوب، و ترك الدنيا من الفضل و ترك الذنوب من الفرض.

يا هشام، إنّ العاقل نظر إلى الدنيا و إلى أهلها فعلم أنها لا تنال إلّا بالمشقّة، و نظر إلى الآخرة فعلم أنها لا تنال إلّا بالمشقّة، فطلب بالمشقّة أبقاهما.

يا هشام، إنّ العقلاء زهدوا في الدنيا، و رغبوا في الآخرة، لأنّهم علموا أنّ الدنيا طالبة مطلوبة، و أن الآخرة طالبة مطلوبة، فمن طلب الآخرة طلبته الدنيا حتى يستوفي منها رزقه، و من طلب الدنيا طلبته الآخرة، فيأتيه الموت فيفسد عليه دنياه و آخرته.

يا هشام، من أراد الغنى بلا مال، و راحة القلب من الحسد، و السلامة في الدّين فليتضرّع إلى اللّه في مسألته بأن يكمل عقله، فمن عقل قنع بما يكفيه، و من قنع بما يكفيه استغنى، و من لم يقنع بما يكفيه لم يدرك الغنى أبدا.

يا هشام، إنّ اللّه تعالى حكى عن قوم صالحين أنّهم قالوا: رَبَّنٰا لٰا تُزِغْ قُلُوبَنٰا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنٰا وَ هَبْ لَنٰا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّٰابُ (1). حين علموا أنّ القلوب تزيغ و تعود إلى عماها و رداها، إنّه لم يخف اللّه من لم يعقل عن اللّه، و من لم يعقل عن اللّه لم يعقد قلبه على معرفة ثابتة يبصرها و يجد حقيقتها في قلبه، و لا يكون أحد كذلك إلّا من كان قوله لفعله مصدّقا، و سرّه لعلانيته موافقا، لأنّ اللّه تبارك اسمه لم يدلّ على الباطن

____________

(1). آل عمران (3): 8.

56

الخفي من العقل إلّا بظاهر منه و ناطق عنه.

يا هشام، كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: ما عبد اللّه بشيء أفضل من العقل و ما تمّ عقل امرئ حتى يكون فيه خصال شتى: الكفر و الشرّ منه مأمونان، و الرشد و الخير منه مأمولان، و فضل ماله مبذول، و فضل قوله مكفوف، نصيبه من الدنيا القوت، لا يشبع من العلم دهره، الذلّ أحبّ إليه مع اللّه من العزّ مع غيره، و التواضع أحبّ إليه من الشرف، يستكثر قليل المعروف من غيره، و يستقلّ كثير المعروف من نفسه، و يرى الناس كلّهم خيرا منه و أنّه شرّهم في نفسه، و هو تمام الأمر.

يا هشام، إنّ العاقل لا يكذب و إن كان فيه هواه.

يا هشام، لا دين لمن لا مروّة له، و لا مروّة لمن لا عقل له، و إنّ أعظم الناس قدرا الذي لا يرى الدنيا لنفسه خطرا. أمّا إنّ أبدانكم ليس لها ثمن إلّا الجنة فلا تبيعوها بغيرها.

يا هشام، إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يقول: إنّ من علامة العاقل أن يكون فيه ثلاث خصال: يجيب إذا سئل، و ينطق إذا عجز القوم عن الكلام، و يشير بالرأي الذي يكون فيه صلاح أهله، فمن لم يكن فيه من هذه الخصال الثلاث شيء فهو أحمق.

إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: لا يجلس في صدر المجلس إلّا رجل فيه هذه الخصال الثلاث أو واحدة منهن، فمن لم يكن فيه شيء منهنّ فجلس، فهو أحمق. و قال الحسن بن علي (عليهما السلام): إذا طلبتم الحوائج فاطلبوها من أهلها، قيل: يا ابن رسول اللّه، و من أهلها؟

قال: الذين قصّ اللّه في كتابه و ذكرهم فقال: إِنَّمٰا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبٰابِ (1) قال: هم أولو العقول.

و قال علي بن الحسين (عليهما السلام): مجالسة الصالحين داعية إلى الصلاح، و آداب العلماء زيادة في العقل، و طاعة ولاة العدل تمام العزّ، و استثمار المال تمام المروّة، و إرشاد المستشير قضاء لحقّ النعمة، و كفّ الأذى من كمال العقل، و فيه راحة البدن عاجلا و آجلا.

يا هشام، إنّ العاقل لا يحدّث من يخاف تكذيبه، و لا يسأل من يخاف منعه، و لا يعد

____________

(1). الرعد (13): 19.

57

من لا يقدر عليه، و لا يرجو ما يعنف برجائه، و لا يتقدّم على ما يخاف فوته بالعجز عنه» (1).

* بيان

«فيتّبعون أحسنه» مثلما يستمعون أنّ إله العالم واحد لا شريك له، و أنّه عالم قادر حكيم، إلى غير ذلك من صفات الكمال، ثم يستمعون ما يخالف ذلك كلّه، فيتّبعون الأول دون الثاني، لأن الأول هو الأحسن عند ذوي البصائر و العقول السليمة.

و مثلما يستمعون أنّ إله العالم أرسل رسولا إلى عباده ليهديهم إلى الحق و إلى طريق مستقيم، ثم يستمعون أنّه و كلهم إلى عقولهم المتباينة، فيتّبعون الأول دون الثاني، و مثلما يستمعون أنّ الرسول أوصى إلى معصوم من أهل بيته بأن يخلفه في أمّته بعد رحلته، ثم يستمعون أنّه أهمل ذلك و ترك الامة في ضلالة و حيرة فيتّبعون الأول دون الثاني، إلى غير ذلك من نظائره و هي كثيرة، و قد ذكرنا منها أكثر من أربعين في كتاب «بشارة الشيعة» و من هذا القبيل ما يأتي في تفسيرها في الحديث.

و «انّ الكيّس (2) لدى الحق يسير» إن قرئ الكيس بالتخفيف فمعناه أنّ الفطانة لا قدر لها عند اللّه، و إنّما القدر عنده بالتواضع و المسكنة، و إن قرئ بالتشديد، فمعناه أنّ الفطن عند اللّه أو عند فهم الحق و العلوم اللدنيّة الكلية قليل، فإنّ أكثر الأكياس إنّما هم أكياس عند الناس و عند أنفسهم، أو كياستهم مقصورة على فهم الامور الجزئية الفانية الزائلة.

«بحر عميق» وجه الشّبه تغيّرها و استحالتها و إهلاكها و الكائنات فيها كالأمواج، و ما من صورة فيها إلّا و لا بدّ أن تفسد. و أيضا الناس يعبرون عليها إلى دار اخرى بسفن أخلاقهم الحسنة، و السفينة الناجية هي التقوى المحشوّة بالايمان.

و «شراع السفينة» بالكسر: ما يرفع فوقها من ثوب ليدخل فيه الريح فتجريها. و «قيّم السفينة» ربّانها الذي نسبته إليها نسبة النفس إلى البدن. و «سكّانها» بالضم و التشديد: ذنبها لأنها به تقوم و تسكن.

«لكلّ شيء دليلا» يوصله إلى مطلوبه، فإنّ العاقل يصل إلى مطلوبه بالتفكّر،

____________

(1). الكافي 1: 19/ 12.

(2). ربما يقال: أن المراد أنّ الكيّس إذا ظهر له الحق فهو «يسير» أي منقاد له غير صعب و لا عسير، منه (رحمه اللّه).

58

و التفكّر يتمّ بالصمت، أو الدليل بمعنى العلامة، فإنّ علامة كون الإنسان عاقلا كونه دائم التفكّر في خلق اللّه، و علامة التفكّر الصمت.

«مطيّة» حامل يركب عليه في حركته إلى غايته التي خلق لها، فإنّ المطيّة الناقة التي يركب مطاها أي ظهرها. و «مطيّة العقل التواضع» أي التذلّل و الانقياد للأوامر و النواهي و الغناء عن النفس، ليعقلوا عن اللّه، و ليكتسبوا العلوم الدينية عن اللّه سبحانه بواسطة متابعة الأنبياء و الرسل الذين هم أولو العقول الكاملة، فيهتدوا إلى الحقّ و يتوافقوا عليه، و لا يتّكلوا على عقولهم الجزئية الناقصة المتباينة، فيضلّوا و يختلفوا.

«فأحسنهم استجابة» لقبول الدعوة و انقياد الرسالة «أحسنهم معرفة» باللّه و آياته و كلماته «و أعلمهم بأمر اللّه» بأحكامه و شرائعه أو بأفعاله سبحانه. «أحسنهم عقلا» لأنّ حسن العقل إنّما يكون بالعلم و العمل، و قبول العمل إنّما يكون بإصابة السنّة، و هي إنّما تكون بالعلم بالسنّة، و هو العلم بأمر اللّه بالمعنى الأول، أو نقول: إنّ حسن العقل إنّما يكون بتعلّم الحكمة، و هي العلم بأفعال اللّه تعالى على ما هي عليه، و هو العلم بأمر اللّه بالمعنى الثاني.

«بطول أمله» فإنّ طول الأمل في الدنيا يمنع التفكّر في الامور الإلهية النوريّة، لأنه يحمل النفس على التفكّر في الامور العاجلة و تحصيل أسبابها الظلمانية، فمن بدّل تفكّره في الأنوار الأخروية و الباقيات الصالحات بتفكّره في الظلمات الدنيوية الناشئة عن طول أمله و حبّه للفانيات، فقد أظلم نور تفكّره بطول أمله.

«بفضول كلامه» لأنّ للكلام حلاوة و لذّة و سكرا يشغل النفس عن جهة الباطل، و يجعل همّها مصروفا إلى تحسين العبارات و تحريك القلوب بالنّكات و الإشارات، فيمحو به طرائف الحكمة عن قلبه.

«بشهوات نفسه» لأن حبّ الشيء يعمي و يصمّ عن إدراك غيره، فحبّ الشهوات يعمي القلب و يذهب بنور عبرته* «كيف يزكو» يظهر و يخلص و ينمو.

«و أنت قد شغلت» بالامور الثلاثة المذكورة في الخطاب المتقدّم أو ببعضها.

«فمن عقل عن اللّه» بلغ عقله إلى حدّ يأخذ العلم عن اللّه من غير تعليم بشر في كلّ أمر أمر «اعتزل أهل الدنيا» إذ لم يبق له رغبة في الدنيا و أهلها، و إنّما يرغب في ما عند اللّه من الخيرات الحقيقية و الأنوار الإلهيّة و الإشراقات العقلية و الابتهاجات

____________

(1)*. بصيرته. خ ل.

59

الذوقية و السكينات الروحية.

«كان اللّه آنسه»: مؤنسه، إذ موجب الوحشة فقد المألوف، و خلوّ الذات من الفضيلة، و اللّه تعالى مألوفه، و هو منبع كلّ خير و فضيلة.

«في العيلة» في الفاقة «نصب الحق» على البناء للمفعول، و يعني بالحقّ دين الحقّ، أي اقيم الدّين بإرسال الرّسل و إنزال الكتب ليطاع اللّه في أوامره و نواهيه.

«و الطاعة بالعلم» أي العلم بكيفية الطاعة و «التعلّم» بالعلم «يعتقد» على البناء للمفعول، أي يذعن و يتعرّف محصوله «و لا علم» أي بكيفية الطاعة «إلّا من عالم ربّاني» أي بالتعلّم منه دون الاجتهاد و الرأي.

«و معرفة العلم بالعقل» أي معرفة كونه علما، و في بعض النسخ: «العالم» و هو الأظهر.

«قليل العلم من العالم مقبول» لأنه يؤثّر في صفاء قلبه و ارتفاع الحجاب عنه ما لا يؤثّر أضعافه في قلوب أهل الهوى و الجهل، لممارسته العلوم و الأفكار المجلية لقلبه و المصقلة له عن الرّين و الغين، و المعدّة له لاستفاضة النور عليه بسبب قليل من العمل، و قسوة قلوب أهل الهوى و الجهل و غلظ حجبهم و حرمانية نفوسهم و بعدها عن قبول التصفية، فلا يؤثر فيها كثير العمل.

«رضي بالدّون من الدنيا» و هو قدر البلغة مع الدنيا و إن كانت وافية و لذّتها كاملة «ربحت تجارتهم» إذ بدّلوا أمرا خسيسا فانيا بأمر شريف باق. و عن أمير المؤمنين (عليه السلام) «لو كانت الدنيا من ذهب و الآخرة من خزف، لاختار العاقل الخزف الباقي على الذهب الفاني» (1) كيف و الأمر بالعكس من ذلك!

«تركوا فضول الدنيا» و إن كانت مباحة لأنها تمنع عن مزيد الكرامة و كمال القرب من اللّه سبحانه. «فكيف الذنوب» المورثة لاستحقاق المقت و العقوبة.

«إنّ الدنيا طالبة» طالبية الدنيا عبارة عن إيصالها الرّزق المقدّر إلى من هو فيها ليكونوا فيها إلى الأجل المقرّر، و مطلوبيّتها عبارة عن سعي أبنائها لها ليكونوا على أحسن أحوالها، و طالبيّة الآخرة عبارة عن بلوغ الأجل و حلول الموت لمن هو في الدنيا ليكونوا فيها، و مطلوبيتها عبارة عن سعي أبنائها لها ليكونوا على أحسن أحوالها.

و لا يخفى أنّ الدنيا طالبة بالمعنى المذكور، لأنّ الرزق فيها مقدّر مضمون

____________

(1). مجموعة ورام 1: 135.

60

يصل إلى الإنسان لا محالة، طلبه أم لا وَ مٰا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلّٰا عَلَى اللّٰهِ رِزْقُهٰا (1)، و أنّ الآخرة طالبة أيضا، لأن الأجل مقدّر كالرزق مكتوب قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرٰارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَ إِذاً لٰا تُمَتَّعُونَ إِلّٰا قَلِيلًا (2).

«لا تزغ قلوبنا» الزيغ هو العدول عن الطريق «و رداها» أي هلاكها «لم يخف اللّه من لم يعقل عن اللّه» أي من لم يأخذ علمه عن اللّه كالأنبياء و الأوصياء و كلّ من اقتبس من أنوارهم، و ذلك لأنّ غيرهم إمّا مقلّد محض كالعامّي، أو جدلي ظانّ كالكلاميّ، و كلّ منهما لم يعرف أنّ الذي يصل إليه يوم القيامة إنّما هو من نتائج أخلاقه و تبعات أعماله التي لا ينفكّ عنها للعلاقة الذاتية بين الأشياء و أسبابها، فلم يخش من اللّه حقّ خشيته و إِنَّمٰا يَخْشَى اللّٰهَ مِنْ عِبٰادِهِ الْعُلَمٰاءُ (3) أهل اليقين و البرهان، و أهل الكشف و العيان، فإنهم العارفون بأنّ الآخرة إنّما تنشأ من الدنيا على الإيجاب و اللزوم علما قطعيّا من غير تخمين و جزاف، فهؤلاء هم الذين عقدت قلوبهم على معرفة ثابتة غير قابلة للزوال.

«و لا يكون أحد كذلك» أي عالما ربّانيا عاقلا عن اللّه «إلّا من كان قوله لفعله مصدّقا» أي لا يدلّ قوله على خلاف ما يدلّ عليه فعله إلّا بظاهر منه كالفعل، و ناطق عنه كالقول.

«أفضل من العقل» أي أفضل ما يتقرّب به العبد إلى اللّه هو تكميل العقل باكتساب العلوم الحقيقية الأخروية و المعارف اليقينية الباقية المأخوذة من اللّه سبحانه دون غيره من الطاعات و العبادات البدنية و المالية و النفسية، كما ورد عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) «يا عليّ، إذا تقرّب الناس إلى خالقهم بأنواع البرّ، فتقرّب أنت إليه بالعقل حتى تسبقهم» (4).

«لا يشبع من العلم دهره» إذ لا نهاية له، و فيه إشارة إلى أنّ العلم غذاء الروح، به يتقوّى و يكمل، و به حياته.

«الذلّ أحبّ إليه مع اللّه من العزّ مع غيره» لعلمه بأنّ العزة للّه جميعا بالذات، و لما سواه بالعرض، فالعزيز من أعزّه اللّه، فمن كان مع اللّه بالفناء عن نفسه

____________

(1). هود (11): 6.

(2). الأحزاب (33): 16.

(3). فاطر (35): 28.

(4). مشكاة الانوار: 251.

61

كان عزيزا بعزّة اللّه فضلا عن كونه عزيزا بإعزازه، و من كان مع غيره فكان (1) ذليلا مثله.

و «التواضع أحب إليه من الشرف» لأنه أنسب إلى العبودية، و أدخل في تصحيح تلك النسبة و التحقق بها.

«يستكثر قليل المعروف من غيره» تخلّقا بأخلاق اللّه في تضعيفه لحسنات العباد «و يستقلّ كثير المعروف من نفسه» لكرامة نفسه و اتّصاله بمنبع الجود و الخير. «و يرى الناس كلّهم خيرا منه» لحسن ظنّه بعباد اللّه، و حمله ما صدر منهم على المحمل الصحيح، لسلامة صدره، و لما رأى من محاسن ظواهرهم دون ما خفي من بواطنهم، فيراهم أحسن أحوالا منه «و أنه شرّهم في نفسه» لاطّلاعه على دقائق عيوب نفسه.

«و هو تمام الأمر» أي رؤية الناس خيرا و نفسه شرّا تمام الأمر، لأنها موجبة للاستكانة و التضرّع التام إلى اللّه تعالى، و الخروج إليه بالفناء عن هذا الوجود المجازي الذي كلّه ذنب و شرّ، كما قيل: وجودك ذنب لا يقاس به ذنب، أو اتصافه بهذه الخصال تمام الأمر.

«و استثمار المال تمام المروّة» و ذلك لأنه به يتمكن من أن يأتي بما يليق به من الانسانية «و لا يرجو ما يعنف برجائه» أي لا يرجو فوق ما يستحقّه، و لا يتطلع إلى ما لا يستعدّه، فيوبّخ عليه «و لا يتقدّم على ما يخاف فوته» أي لا يفعل فعلا قبل أوانه مبادرا إليه خوفا من أن يفوته في وقته بسبب عجزه عنه، بل يفوّض أمره إلى اللّه تعالى.

[المتن]

[4] 2. الكافي: عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «ما قسّم اللّه تعالى للعباد شيئا أفضل من العقل، فنوم العاقل أفضل من سهر الجاهل، و إقامة العاقل أفضل من شخوص الجاهل. و لا بعث اللّه نبيّا و لا رسولا حتى يستكمل العقل و يكون عقله أفضل من جميع عقول أمّته، و ما يضمر النبي في نفسه أفضل من اجتهاد المجتهدين، و ما أدّى العبد فرائض اللّه حتى عقل عنه، و لا بلغ جميع العابدين في فضل عبادتهم ما بلغ العاقل و العقلاء، هم أولو الألباب الذين قال اللّه تعالى: وَ مٰا يَذَّكَّرُ إِلّٰا أُولُوا الْأَلْبٰابِ (2).

____________

(1). فيكون. خ ل.

(2). الكافي 1: 12/ 11 و الآية: البقرة (2): 269 و آل عمران (3): 7.

62

* بيان

«من شخوص الجاهل» أي خروجه من بلده طلبا للخير و الثواب كجهاد أو حجّ أو تحصيل للعلم أو نحو ذلك، و إنّما كان نوم العاقل و إقامته أفضل من سهر الجاهل و شخوصه، لأنّ العاقل إنّما ينام ليسكن به من حركات التعب و نهضات النّصب، فيكون ذلك له جماما على الطاعات و قوّة على العبادات، و كذلك يقيم إذا رأى الإقامة أنفع له في دينه و أعظم أجرا، و إنّما فضيلة الأعمال بالنيّات، و روحها التقرّب بها إلى اللّه سبحانه، و ذلك إنّما يتصوّر بعد المعرفة و اليقين و الجاهل بمعزل عنهما. «و ما يضمر النبي في نفسه» هو العلوم اللدنية التحقيقية النورية التي أخذها عن اللّه عز و جل بلا واسطة تعليم بشر، كما قال سبحانه لنبينا (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):

وَ عَلَّمَكَ مٰا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَ كٰانَ فَضْلُ اللّٰهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (1).

«من اجتهاد المجتهدين» من أجر شدة عبادة العابدين، من الجهد بمعنى المشقّة و الكلفة، أي ثواب معرفته الموهبية فحسب من دون إضافة ثواب سائر عباداته و معارفه المكتسبة إليه أفضل من ثواب عباداتهم الشاقّة و مكتسباتهم المبذول فيها غاية جهدهم من العلوم النظرية.

«و ما أدّى العبد فرائض اللّه» أي جميعها، و كما هو حقّ الأداء «حتى عقل عنه» أي أخذ العلم عن اللّه و فهم حقائق الأشياء من قبله سبحانه بلا واسطة بشر و تقليد أحدكما للأنبياء (عليهم السلام)، أو ببركة متابعة الأنبياء كما للعلماء.

[المتن]

[5] 3. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «دعامة الإنسان العقل، و العقل منه الفطنة و الفهم و الحفظ و العلم، و بالعقل يكمل، و هو دليله و مبصره و مفتاح أمره، فإذا كان تأييد عقله من النور كان عالما حافظا ذاكرا فطنا فهما، فعلم بذلك كيف و لم و حيث، و عرف من نصحه و من غشّه، فإذا عرف ذلك عرف مجراه و موصوله و مفصوله، و أخلص الوحدانية للّه و الإقرار بالطاعة، فإذا فعل ذلك كان مستدركا لما فات و واردا على ما هو آت، و يعرف ما هو فيه، و لأيّ شيء هو هاهنا، و من أين يأتيه، و إلى ما هو صائر، و ذلك كلّه من تأييد العقل» (2).

____________

(1). النساء (4): 113.

(2). الكافي 1: 25/ 23.

63

* بيان

«الدعامة» العماد و ما يعتمد عليه، و الأصل الذي ينشأ منه الفروع و الأحوال.

«و مبصره» من أبصره إذا جعله بصيرة «من النور» أي نور البصيرة العلمية، أو أول المخلوقات الذي خلقه اللّه من نوره، و ذلك التأييد بكمال إشراقه عليها «كيف» أي صفته المستقرة فيه «و لم» أي سبب وجوده «و حيث» أي جهته و سمته أو مرتبته و مقامه «مجراه» مسلكه أ مستقيم أم معوّج، و إلى سمت المطلوب أو معدول عنه «و موصوله و مفصوله» ما يصل إليه و ما يفصل عنه.

«مستدركا لما فات» أي مستدركا لما فرّط في جنب اللّه بالتوبة و التلافي «على ما هو آت» من الموت و البعث و ما بعدهما قبل أن يرد ذلك عليه «و يعرف ما هو فيه» أي حقيقة هذه النشأة «و لأيّ شيء» أي العلّة التي بها هبط إلى هذا المنزل الأدنى «و من أين يأتيه» أي من أيّ مرتبة و عالم يأتي هذا العالم الذي هو فيه اليوم، أو من أين يأتيه ما يأتيه «و إلى ما هو صائر» و إلى أيّ مقام و مسير سيرجع من هذا العالم، أشار بذلك إلى العلم بأحوال المبدأ و المعاد و ما بينهما، و النظر إليها حق النظر، و الاعتبار بها حق الاعتبار على طبق ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) حيث قال: «رحم اللّه امرأ أعدّ لنفسه، و استعدّ لرمسه، و علم من أين و في أين و إلى أين» (1).

[المتن]

[6] 4. الكافي: عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «بالعقل استخرج غور الحكمة، و بالحكمة استخرج غور العقل، و بحسن السياسة يكون الأدب الصالح»

و قال: «التفكّر حياة قلب البصير، كما يمشي الماشي في الظلمات بالنور بحسن التخلّص و قلّة التربّص» (2).

* بيان

«بالعقل» أي باستعمال العقل النظري و العملي معا «استخرج غور الحكمة» أي غوامض المعارف الحكمية و العلوم الإلهية «و بالحكمة استخرج غور العقل» أي بإدراك الحقائق العقلية و تحصيل المعارف الحكمية استخرج النفس من حدّ القوة إلى الفعل، و من حدّ النقص إلى الكمال، في باب العقل و المعقول، و في التأدّب بالآداب الصالحة و التخلّق بالأخلاق الحميدة، فيصير عقلا كاملا بالفعل، و هو

____________

(1). نهج البلاغة: خ 74 و 101 و 203.

(2). الكافي 1: 28/ 34.

64

المراد من غور العقل، يعني غايته و كماله الأقصى.

و الحاصل أنّ كلّ مرتبة من العقل تقتضي استعداد الوصول إلى مرتبة من الحكمة، إذا حصلت للنفس تجعلها مستعدّة لفيضان مرتبة اخرى فوقها من العقل و بالعكس، و هكذا يتدرّجان في الاشتداد و الازدياد إلى أن يبلغا إلى الغاية القصوى و الدرجة العليا، فبكلّ منهما يقع الوصول إلى غور الاخر و غايته.

«و بحسن السياسة» أي باستعمال العقل العملي و تهذيب الأخلاق، سواء كان السائس من خارج كالسلطان، أو من داخل كحسن تدبير النفس «التفكّر حياة قلب البصير» إشارة إلى كيفية استخراج الحكمة و السير في عالم الملكوت، و شبّه التفكّر في ظلمات النفس بالنور في ظلمات الأرض ضربا للمثل «بحسن التخلّص» أي من الورطات «و قلّة التربّص» أي بسرعة الوصول إلى المطلوب.

[المتن]

[7] 5. الكافي، و الفقيه: عنه (عليه السلام) قال: «هبط جبرئيل (عليه السلام) على آدم (عليه السلام) فقال: يا آدم إني امرت أن أخيّرك واحدة من ثلاث فاخترها ودع اثنتين، فقال له آدم: يا جبرئيل، و ما الثلاث؟

فقال: العقل، و الحياء، و الدين. فقال آدم: إنّي قد اخترت العقل. فقال جبرئيل للحياء و الدين: انصرفا و دعاه، فقالا: يا جبرئيل، إنّا امرنا أن نكون مع العقل حيث كان. قال:

فشأنكما، و عرج» (1).

[8] 6. الكافي: عنه (عليه السلام): «من استحكمت لي فيه خصلة من خصال الخير، احتملته عليها و اغتفرت فقد ما سواها، و لا أغتفر فقد عقل و لا دين، لأن مفارقة الدين مفارقة الأمن، فلا يتهنّأ بحياة مع مخافة، و فقد العقل فقد الحياة، و لا يقاس إلّا بالأموات» (2).

* بيان

«استحكمت لي فيه» اثبتت في نفسه بحيث يصير خلقا له و ملكة راسخة فيه «خصلة» واحدة أيّة خصلة كانت «من خصال الخير» من جنود العقل الخمسة و السبعين التي مرّ ذكرها «احتملته عليها» قبلته و رحمته على تلك الخصلة في الدنيا، و شفعت له و لا أدعه يعذّب بالنار في الآخرة. «و اغتفرت فقد ما سواها» إلّا فقد العقل و الدّين، فإنّ فقد شيء منهما غير مغتفر أصلا، و لو تحقق معه ألف حسنة،

____________

(1). الكافي 1: 10/ 2، و الفقيه 4: 416/ 5906.

(2). الكافي 1: 27/ 30.

65

لأن أحدهما بمنزلة الأمن الذي بدونه لا يتهنّأ بالحياة، و الاخر بمنزلة الحياة التي من فقدها فهو من الأموات، و ذلك لأن من لا دين له فهو لا يزال في مخافة أن تنزل به نقمة من اللّه، و من لا عقل له فهو لا يزال يتعاطى ما ضرّه أقرب من نفعه، فحياته كلا حياة، و لا يقاس إلّا بالأموات.

[المتن]

[9] 7. الكافي: عنه (عليه السلام): «العقل غطاء ستير، و الفضل جمال ظاهر، فاستر خلل خلقك بفضلك، و قاتل هواك بعقلك، تسلم لك المودّة، و تظهر لك الحجّة» (1).

* بيان

«العقل» أي النظري «ستير» ساتر للعيوب الباطنة و غافر للذنوب الإمكانية، أو مستور عن الحواس «و الفضل» أي الزائد على العقل النظري من حسن الخلق و الكرم و اللطف و المودّة و سائر الأخلاق الحميدة و العلوم المتعلّقة بها التي هي كمالات للقوة العملية «جمال ظاهر» لظهور آثارها «فاستر خلل خلقك» أي فاجبر مساوئ أخلاقك «بفضلك» أي بفضائلها و كمالاتها، فإن من الأخلاق الرذيلة ما لا يمكن إزالته بالكلية لكونه معجونا في جبلّة صاحبه و خلقه- بفتح الخاء- فالمجبول على صفة الجبن مثلا لا يصير شجاعا مقداما في الحروب، سيّما إذا تأكّدت في نفسه بالنشو عليها مدّة من العمر، فغاية سعيه في معالجتها أن يمنعها عن الظهور بمقتضاها، و لا يمهلها أن تمضي أفعالها، و لهذا أمر بالستر.

«و قاتل هواك» جهلك و جحودك الحق «بعقلك» بعلمك و حكمتك، و إدراكك ما من شأنك أن تدركه، و تركك الجحود لما لم تدركه بعد، و دفعك العناد و اللجاج و الاستكبار، و هذا كلّه مقدور لمن سبقت له العناية بالحسنى، و لهذا أمر بالمقاتلة «تسلم لك» أي بالستر «المودّة» يعني مودّة الناس و محبّتهم لك «و تظهر لك» أي بالمقاتلة «الحجّة» يعني حجّتك على الناس و فضلك عليهم، فيطيعوك في الحق و يتّبعوك، فتفوز بسعادتي الصلاح و الإصلاح و الرشاد و الإرشاد.

و في «نهج البلاغة» هكذا: «الحلم غطاء ساتر، و العقل حسام باتر، فاستر خلل خلقك بحلمك، و قاتل هواك بعقلك» (2) و هو أوضح.

و في بعض النسخ «المحبة» بدل «الحجة» يعني محبتك للناس، و يحتمل أن يراد

____________

(1). الكافي 1: 20/ 13.

(2). نهج البلاغة: ب الحكم/ 424.

66

بالعقل ما يشمل النظري و العملي جميعا، و بالفضل ما يعدّه الناس من المحاسن و المحامد، و إن لم يكن كمالا أخرويا، كما في قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في حديث قسمة العلم: «و ما خلاهنّ فهو فضل» (1) و قس عليه شرح تمام الحديث.

[المتن]

[10] 8. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «أكمل الناس عقلا أحسنهم خلقا» (2).

[11] 9. الكافي: عنه (عليه السلام): «العقل دليل المؤمن» (3).

[12] 10. الكافي: عن الرضا (عليه السلام): «صديق كل امرئ عقله، و عدوّه جهله» (4).

[13] 11. الكافي: عنه (عليه السلام): «العقل حياء من اللّه، و الأدب كلفة، فمن تكلّف الأدب قدر عليه، و من تكلّف العقل لم يزدد بذلك إلّا جهلا» (5).

[14] 12. الكافي: عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لا فقر أشدّ من الجهل، و لا مال أعود من العقل» (6).

* بيان

«أعود» أنفع و الوجه فيه أنّ الرجل ينال بالعقل من المنافع و الخيرات ما لا ينال بالمال، و بالجهل يفوته من ذلك ما لا يفوته بالفقر، و أيضا بالعقل يمكن الوصول إلى المال و لا عكس.

[المتن]

[15] 13. الكافي: عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «إنّ قلوب الجهال تستفزّها الأطماع، و ترتهنها المنى، و تستغلقها الخدائع» (7).

* بيان

«تستفزّها» تستخفّها و تخرجها من مقرّها، فإنّك ترى أحدهم كثيرا ما ينزعج من مكانه بطمع فاسد لا أصل له و لا طائل تحته «ترتهنها» تقيّدها، و «المنى» جمع المنية بمعنى التشهّي و إرادة ما لا يتوقّع حصوله من أحاديث النفس و تسويلات

____________

(1). الكافي 1: 32/ باب صفة العلم و فضله ....

(2). الكافي 1: 23/ 17.

(3). الكافي 1: 25/ 24.

(4). الكافي 1: 11/ 4.

(5). الكافي 1: 23/ 18.

(6). الكافي 1: 25/ 25.

(7). الكافي 1: 23/ 16.

67

الشيطان، فإنّك تراهم كثيرا يفرحون بالأماني الباطلة و الامال الكاذبة و تطمئنّ قلوبهم إليها «و تستغلقها» تستسخرها و تستعبدها، و لهذا يعدهم الشيطان و يمنّيهم وَ مٰا يَعِدُهُمُ الشَّيْطٰانُ إِلّٰا غُرُوراً (1). و في بعض النسخ بإهمال العين، أي تربطها بالحبال كالصيد. و في بعضها بالقافين من القلق بمعنى الانزعاج.

باب صفة العقل و درجاته

[المتن]

[16] 1. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «العقل ما عبد به الرحمن، و اكتسب به الجنان» قيل: فالذي كان في معاوية؟ فقال: «تلك النكراء، تلك الشيطنة، و هي شبيهة بالعقل و ليست بالعقل» (2).

* بيان

«ما عبد به الرحمن» هذا تفسير للعقل بمعناه الثاني من معنييه اللّذين مرّ ذكرهما، و هو العقل المكتسب، ثمّ إن جعلنا العبادة عبارة عن العبادة الناشئة عن المعرفة المترتّبة عليها؛ كانت إشارة إلى كمال القوّة النظرية، و اكتساب الجنان إلى كمال القوة العملية و «النكراء» هي الفطنة المجاوزة عن حدّ الاعتدال إلى الإفراط، الباعثة لصاحبها على المكر و الحيل و الاستبداد بالرأي و طلب الفضول في الدنيا، و يسمّى بالجربزة و الدهاء.

[المتن]

[17] 2. الكافي: عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «من اتّقى اللّه عقل» (3).

[18] 3. الكافي: عبد اللّه بن سنان، قال: ذكرت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) رجلا مبتلى بالوضوء و الصلاة، و قلت:

هو رجل عاقل. فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «و أيّ عقل له و هو يطيع الشيطان» فقلت له: و كيف يطيع الشيطان؟ فقال: «سله، هذا الذي يأتيه من أيّ شيء هو؟ فإنّه يقول لك: من عمل الشيطان» (4).

____________

(1). النساء (4): 120.

(2). الكافي 1: 11/ 3.

(3). الكافي 8: 241/ 331.

(4). الكافي 1: 12/ 10.

68

* بيان

«مبتلى بالوضوء و الصلاة» أي بالوسواس في نيّتهما أو أفعالهما أو غير ذلك من شرائطهما، و سبب الوسواس إمّا فساد في العقل أو جهل بالشرع، لأن امتثال أوامر اللّه تعالى كغيره من الأفعال، فيما يتعلق بالقصد، فمن دخل عليه عالم فقام تعظيما له، فلو قال: انتصب قائما تعظيما لدخول هذا الفاضل لأجل فضله مقبلا عليه بوجهي، لعدّ سفيها، لأن هذه المعاني محظورة بالبال إجمالا، بل هي الباعثة على تلك الحركة، و ذلك كاف في القصد و لا يستدعي فكرا فيها و إحضارا تفصيليا لها، و فرق بين حضور الشيء في النفس إجمالا و بين إحضاره فيها تفصيلا، و النية عبارة عن الأول دون الثاني، ثم الوسواس في غير النيّة أشنع و أقبح.

«يقول لك من عمل الشيطان» هذا قول منه باللسان من غير أن يؤمن به قلبه، إذ لو عرف على وجه البصيرة أنّ الذي يأتيه من عمل الشيطان لكان رجلا عاقلا لا موسوسا، و إنّما يقوله تقليدا و اضطرارا، حيث لا يجد له مستندا في الشرع و لا في العقل، نظيره ما حكى اللّه تعالى عن الكفّار بقوله: وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللّٰهُ (1).

[المتن]

[19] 4. الكافي: عن الرضا (عليه السلام): «لا يعبأ بأهل الدين ممّن لا عقل له» قيل: جعلت فداك، إنّ ممّن يصف هذا الأمر قوما لا بأس بهم عندنا و ليست لهم تلك العقول، فقال: «ليس هؤلاء ممّن خاطب اللّه، إنّ اللّه خلق العقل فقال له: أقبل فأقبل، و قال له: أدبر فأدبر، فقال: و عزتي ما خلقت شيئا أحسن منك، أو أحبّ إلي منك، بك آخذ و بك اعطي» (2).

و روي: «ليس اولئك ممّن عاتب اللّه، إنّما قال اللّه: «فَاعْتَبِرُوا يٰا أُولِي الْأَبْصٰارِ» (3).

* بيان

«لا يعبأ بأهل الدين» لا يبالي بهم و لا يلتفت إليهم «يصف هذا الأمر» أي يقول بإمامة أئمة الحق «تلك العقول» أي العقول الكاملة «ممّن خاطب اللّه» ممّن كلّفهم بالمعرفة، إذ ليست لهم قوة عقلية و نور شعشعاني، يمكنهم بها الارتقاء إلى درجة العرفان

____________

(1). لقمان (31): 25 و الزمر (39): 38.

(2). الكافي 1: 27/ 32.

(3). الكافي 1: 11/ 5. و الآية من سورة الحشر (59): 2.

69

و الإقبال على اللّه، و التكليف إنّما يكون بقدر تلك القوة و ذلك النور، و هؤلاء هم الذين ورد فيهم: أنه يلهى عنهم بعد موتهم، و تعدم أنفسهم عند فساد أجسادهم، فلا يشعرون بشيء حتى يبعثوا لأنهم لم يمحضوا الإيمان محضا، و لا الكفر محضا، كما رواه شيخنا المفيد (رحمه اللّه) في «شرح اعتقادات الصدوق (رحمه اللّه)» (1).

[المتن]

[20] 5. الكافي: عن الباقر (عليه السلام): «إنما يداقّ اللّه العباد في الحساب يوم القيامة على قدر ما آتاهم من العقول في الدنيا» (2).

* بيان

«يداقّ اللّه» من الدقّة في الحساب، أي يناقشهم فيه لمّا كانت العقول متفاوتة كمالا و نقصا، و التكاليف إنّما تقع على مراتب العقول، فالأقوى عقلا أشدّ تكليفا، فيناقش في الحساب يوم القيامة مع أهل الفطانة ما لا يناقش به ضعفاء العقول.

[المتن]

[21] 6. الكافي: عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «إذا بلغكم عن رجل حسن حال، فانظروا في حسن عقله، فإنما يجازى بعقله» (3).

[22] 7. الكافي: عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «إذا رأيتم الرجل كثير الصلاة كثير الصوم فلا تباهوا به حتى تنظروا كيف عقله» (4).

[23] 8. الكافي: عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّه ما كلّم العباد بكنه عقله قطّ و قال: «إنّا معاشر الأنبياء امرنا أن نكلّم الناس على قدر عقولهم» (5).

[24] 9. الكافي: عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «إعجاب المرء بنفسه دليل على ضعف عقله» (6).

[25] 10. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «ليس بين الإيمان و الكفر إلّا قلّة العقل» قيل: و كيف ذاك

____________

(1). تصحيح الاعتقاد بصواب الانتقاد أو شرح عقائد الصدوق: 70.

(2). الكافي 1: 11/ 7.

(3). الكافي 1: 12/ 9.

(4). الكافي 1: 26/ 28.

(5). الكافي 1: 23/ 15.

(6). الكافي 1: 27/ 31.

70

يا ابن رسول اللّه؟ قال: «إن العبد يرفع رغبته إلى مخلوق، فلو أخلص نيّته للّه لأتاه الذي يريد في أسرع من ذلك» (1).

* بيان

يعني أن قلّة العقل تحمل صاحبها على أن يرفع حاجته إلى مخلوق و يعرض عن اللّه تعالى، و ذلك هو الشرك الذي هو من أنواع الكفر، فلو أخلص نيّته للّه بأن علم و آمن بأن لا مؤثر في الوجود و لا معطي للجود إلّا اللّه سبحانه، لم يرفع حاجته إلى مخلوق، بل رفعها إلى اللّه وحده، فانجح في أسرع من ذلك، و فيه تنبيه على أنّ كلّ ما يقع من العبد من زلّة فهو من قلّة عقله.

آخر كتاب العقل و الجهل و الحمد للّه أولا و آخرا.

*

____________

(1). الكافي 1: 28/ 33.

71

كتاب العلم و الفقه

72

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

73

باب فرض طلب العلم و الفقه و الحثّ عليهما

[المتن]

[26] 1. الكافي: عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «طلب العلم فريضة على كلّ مسلم، ألا إنّ اللّه يحبّ بغاة العلم» (1).

* بيان

العلم الذي طلبه فريضة على كلّ مسلم هو العلم الذي يستكمل به الإنسان بحسب نشأته الأخروية، و يحتاج إليه في معرفة نفسه و معرفة ربّه و معرفة أنبيائه و رسله و حججه و آياته و اليوم الاخر، و معرفة العمل بما يسعده و يقرّبه إلى اللّه تعالى، و بما يشقيه و يبعّده عنه عز و جل.

و تختلف مراتب هذا العلم حسب اختلاف استعدادات أفراد الناس و اختلاف حالات شخص واحد بحسب استكمالاته يوما فيوما، فكلّما حصّل الإنسان مرتبة من العلم وجب عليه تحصيل مرتبة أخرى فوقها إلى ما لا نهاية له بحسب طاقته و حوصلته. و لهذا قيل لأعلم الخلائق: وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً (2) و قيل: وقت الطلب «من المهد إلى اللحد» هذا أقوم ما قيل فيه و «بغاة العلم» طلّابه.

[المتن]

[27] 2. الكافي: عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «أيها الناس: اعلموا أنّ كمال الدين طلب العلم و العمل به، ألا و إنّ طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال، إنّ المال مقسوم مضمون لكم قد قسّمه عادل بينكم و ضمنه و سيفي لكم، و العلم مخزون عند أهله، و قد امرتم بطلبه من أهله فاطلبوه» (3).

____________

(1). الكافي 1: 31/ 5.

(2). طه: 114.

(3). الكافي 1: 30/ 4.

74

* بيان

«مقسوم» إشارة إلى قوله سبحانه: نَحْنُ قَسَمْنٰا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا (1) «مضمون لكم» إشارة إلى قوله سبحانه: وَ مٰا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلّٰا عَلَى اللّٰهِ رِزْقُهٰا (2) «عند أهله» و هم علماء أهل البيت الذين هم أوصياء النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و خلفاء اللّه في أرضه و حججه على خلقه، ثم من أخذ عنهم و استفاد من محكمات كلامهم من غير تصرّف فيه.

[المتن]

[28] 3. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «تفقّهوا في الدين، فإنّه من لم يتفقّه منكم في الدّين فهو أعرابي، إنّ اللّه يقول في كتابه: لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذٰا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ» (3).

و روي: «من لم يتفقّه في دين اللّه لم ينظر اللّه إليه يوم القيامة، و لم يزكّ له عملا» (4)

* بيان

«تفقّهوا في الدين» حصّلوا لأنفسكم البصيرة في علم الدين، و الفقه أكثر ما يستعمل في القرآن و الحديث يكون بهذا المعنى، و الفقيه هو صاحب هذه البصيرة، و علم الدين هو العلم الأخروي الذي أشرنا إليه آنفا، و يدخل فيه معرفة آفات النفوس و مفسدات الأعمال، و الإحاطة بحقارة الدنيا و التطلّع إلى نعيم الآخرة، و استيلاء الخوف على القلب، كما يدلّ عليه قوله سبحانه: وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ و معرفة مهمات الحلال و الحرام و شرائع الأحكام على ما جاء به النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و بلّغ عنه أهل البيت (عليهم السلام) في محكماتهم دون ما يستنبط من المتشابهات و تستكثر به المسائل و التفريعات، كما اصطلح عليه القوم اليوم.

«أعرابي» عامّي جاهل بأمر الدين- بفتح الهمزة- منسوب إلى الأعراب، و هم سكّان البوادي الذين لا يدخلون الأمصار إلّا لحاجة دنيوية، و يكونون جهلة لا يعرفون مناهج الشريعة و الدين، قال اللّه تعالى: الْأَعْرٰابُ أَشَدُّ كُفْراً وَ نِفٰاقاً وَ أَجْدَرُ أَلّٰا يَعْلَمُوا حُدُودَ مٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ (5) و يقابله المهاجر، و هو الذي هجر وطنه و فارقه لأجل

____________

(1). الزخرف: 32.

(2). هود (11): 6.

(3). الكافي 1: 31/ 6. و الآية من سورة التوبة (9): 97.

(4). الكافي 1: 31/ 7.

(5). التوبة (9): 122.

75

اكتساب البصيرة في الدّين و تعلّم الفقه و اليقين «لم ينظر اللّه إليه» و ذلك لأنّ قلبه مظلم لا يصلح لأن يقع موقع نظر اللّه «و لم يزكّ له عملا» لأنّ ما يفسد أكثر ممّا يصلح.

[المتن]

[29] 4. الكافي: عنه (عليه السلام)، قيل له: رجل عرف هذا الأمر لزم بيته و لم يتعرف إلى أحد من إخوانه فقال: «كيف يتفقّه هذا في دينه» (1).

* بيان

المراد بهذا الأمر التشيع و معرفة حجيّة أهل البيت (عليهم السلام). و في الحديث دلالة على أنّ اعتزال العامّي الجاهل بأمر الدّين لا خير له، بل هو حرام لاستلزامه فوت الفريضة التي هي التعلّم و التفقّه.

[المتن]

[30] 5. الكافي: سئل أبو الحسن (عليه السلام): هل يسع الناس ترك المسألة عما يحتاجون إليه؟

فقال: «لا» (2).

[31] 6. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «لا خير فيمن لا يتفقّه من أصحابنا، إنّ الرجل منهم إذا لم يستغن بفقهه احتاج إليهم، فإذا احتاج إليهم أدخلوه في باب ضلالتهم و هو لا يعلم» (3).

[32] 7. الكافي: عن الباقر (عليه السلام): «الكمال كلّ الكمال التفقّه في الدين، و الصبر على النائبة، و تقدير المعيشة» (4).

* بيان

«النائبة» المصيبة و «تقدير المعيشة» تعديلها و تقويمها بحيث لا يميل إلى طرفي الإسراف و التقتير، كما قال اللّه سبحانه: وَ الَّذِينَ إِذٰا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا وَ كٰانَ بَيْنَ ذٰلِكَ قَوٰاماً (5).

____________

(1). الكافي 1: 31/ 9.

(2). الكافي 1: 30/ 1.

(3). الكافي 1: 33/ 6.

(4). الكافي 1: 32/ 4.

(5). الفرقان (25): 67.

76

[المتن]

[33] 8. الكافي: عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لا خير في العيش إلّا لرجلين، عالم مطاع، أو مستمع واع» (1).

باب صفة العلم

[المتن]

[34] 1. الكافي: عن الكاظم (عليه السلام): «دخل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) المسجد، فإذا جماعة قد أطافوا برجل فقال: ما هذا؟ فقيل: علّامة، فقال: و ما العلّامة؟ فقالوا له: أعلم الناس بأنساب العرب و وقائعها و أيام الجاهلية و الأشعار و العربية، قال: فقال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): ذاك علم لا يضرّ من جهله و لا ينفع من علمه، ثم قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): إنّما العلم ثلاثة: آية محكمة، أو فريضة عادلة، أو سنّة قائمة، و ما خلاهنّ فهو فضل» (2).

* بيان

«لا يضرّ من جهله» نبّههم على أنّه ليس بعلم في الحقيقة، إذ العلم في الحقيقة هو الذي يضرّ جهله في المعاد، و ينفع اقتناؤه يوم التناد، لا الذي يستحسنه العوامّ، و يكون مصيدة للحطام، ثم بيّن لهم العلم النافع المحثوث عليه في الشرع و حصره في ثلاثة، و كأنّ الآية المحكمة إشارة إلى اصول العقائد، فإنّ براهينها الآيات المحكمات من العالم أو من القرآن، و في القرآن في غير موضع: إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيٰاتٍ أو (لآية) حيث يذكر دلائل المبدأ و المعاد و الفريضة العادلة إشارة إلى علوم الأخلاق التي محاسنها من جنود العقل و مساوئها من جنود الجهل، فإنّ التحلّي بالأوّل و التخلّي عن الثاني فريضة، و عدالتها كناية عن توسّطها بين طرفي الإفراط و التفريط، و السنّة القائمة إشارة إلى شرائع الأحكام و مسائل الحلال و الحرام، و انحصار العلوم الدينية في هذه الثلاثة معلوم، و هي التي جمعها هذا الكتاب، و هي مطابقة على النشئات الثلاث الانسانية، فالأول على عقله، و الثاني على نفسه، و الثالث على

____________

(1). الكافي 1: 33/ 7.

(2). الكافي 1: 32/ 1.

77

بدنه، بل على العوالم الثلاثة الوجودية التي هي عالم العقل و الخيال و الحسّ. «فهو فضل» زائد لا حاجة إليه، أو فضيلة و ليس بذاك.

[المتن]

[35] 2. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «وجدت علم الناس كلّه في أربع: أوّلها أن تعرف ربّك، و الثاني: أن تعرف ما صنع بك، و الثالث: أن تعرف ما أراد منك، و الرابع: أن تعرف ما يخرجك من دينك» (1).

* بيان

«في أربع» لأن الغاية فيه إمّا مجرّد العلم، أو العمل بموجبه، و الأول إما متعلّق بأحوال المبدأ أو المعاد، و الثاني إمّا المطلوب فيه اقتناء فضيلة، أو اجتناب رذيلة، فهذه أربعة أقسام:

«أن تعرف ربّك» إشارة إلى القسم الأول، و يندرج فيه معرفة ذات اللّه و وحدانيته، و معرفة صفاته العليا و أسمائه الحسنى، و معرفة آثاره و أفعاله و قضائه و قدره و عدله و حكمته.

«ما صنع بك» إشارة إلى معرفة النفس و أحوالها و مقاماتها، و معرفة ما تعود إليه و تنشأ منه، و كيفية نشوء الآخرة من الدنيا، و معرفة الموت و البعث و الصراط و الحساب و الميزان و الثواب و العقاب و الجنة و النار، فإنّ جميع هذه الامور ممّا صنعه اللّه بالنفس الإنسانية و فيها و منها، و ليس شيء منها خارجا عن ذات النفس.

«ما أراد منك» إشارة إلى معرفة الفضائل النفسانية ليمكن اكتسابها، و هي الأخلاق الحسنة و الملكات الحميدة التي هي من جنود العقل، و يندرج فيها العلم بالأوامر و ما يتعلّق بها من المعاملات التي يؤتى بها.

«ما يخرجك من دينك» إشارة إلى معرفة الرذائل النفسانية ليمكن اجتنابها، و هي الأخلاق السيّئة و الملكات المذمومة التي هي من جنود الجهل، و يندرج فيها العلم بالنواهي و ما يتعلّق بها من المعاملات التي ينتهى عنها، و القسمان الأوّلان من هذه الأربعة يندرجان في الأول من الثلاثة المذكورة في الخبر السابق، و الآخران يقتسمان الآخرين، فالخبران متوافقان.

____________

(1). الكافي 1: 50/ 11.

78

باب فضل العلماء

[المتن]

[36] 1. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «إنّ العلماء ورثة الأنبياء، و ذاك أنّ الأنبياء لم يورثوا درهما و لا دينارا، و إنّما أورثوا أحاديث من أحاديثهم، فمن أخذ بشيء منها فقد أخذ حظّا وافرا، فانظروا علمكم هذا عمّن تأخذونه، فإنّ فينا أهل البيت في كلّ خلف عدولا ينفون عنه تحريف الغالين و انتحال المبطلين و تأويل الجاهلين» (1).

[37] 2. الكافي: عنه (عليه السلام): «العلماء أمناء، و الأتقياء حصون، و الأوصياء سادة» (2)

[38] 3. الكافي: عن الباقر (عليه السلام): «عالم ينتفع بعلمه أفضل من سبعين ألف عابد» (3).

[39] 4. الكافي: قيل للصادق (عليه السلام): رجل راوية لحديثكم، يبثّ ذلك في الناس و يشدّده في قلوبهم و قلوب شيعتكم، و لعلّ عابدا من شيعتكم ليست له هذه الرواية، أيّهما أفضل؟

قال: «الرواية لحديثنا يشدّ به قلوب شيعتنا أفضل من ألف عابد» (4).

* بيان

«راوية» أي كثير الرواية و التاء للمبالغة «و يشدّده» أي يقوّي بنشر الحديث عقيدة قلوبهم و يزيد في إيمانهم، و إنّما فضّل العالم على السبعين ألف، و الراوي على الألف، لأنّ الراوي لا يعتبر فيه أن يكون عالما، فربّ حامل فقه ليس بفقيه، و إنّما كان أفضل من العابد لأنّه وسيلة لحصول العلم و استفادة المعرفة و اليقين لنفسه و لغيره، بخلاف العابد فإنّه لا تعدية لخيره، و لو تعدّى بالاقتداء صار وسيلة للعمل دون العلم، و فرقان ما بين الوسيلتين كما بين أصليهما.

[المتن]

[40] 5. الفقيه: عنه (عليه السلام): «إذا كان يوم القيامة جمع اللّه جلّ و عزّ الناس في صعيد واحد

____________

(1). الكافي 1: 32/ 2.

(2). الكافي 1: 33/ 5.

(3). الكافي 1: 33/ 8.

(4). الكافي 1: 33/ 9.

79

و وضعت الموازين، فتوزن دماء الشهداء مع مداد العلماء، فيرجح مداد العلماء على دماء الشهداء» (1).

* بيان

السرّ في رجحان مداد العلماء على دماء الشهداء أنّ الأوّل وسيلة لحفظ الأديان عن الكفر و الضلال الموجبين للخلود في النار، و الثاني وسيلة لحفظ الأبدان و الأموال عن القتل و النهب في هذه الدار، و أين ذا من ذاك!

[المتن]

[41] 6. الفقيه: عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «اللهم ارحم خلفائي» قيل: يا رسول اللّه، و من خلفاؤك؟

قال: «الذين يأتون بعدي، و يروون حديثي و سنّتي» (2).

باب صفة العلماء

[المتن]

[42] 1. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «اطلبوا العلم و تزيّنوا معه بالحلم و الوقار و تواضعوا لمن تعلّمونه العلم، و تواضعوا لمن طلبتم منه العلم، و لا تكونوا علماء جبّارين فيذهب باطلكم بحقّكم» (3).

[43] 2. الكافي: عنه (عليه السلام)، في قول اللّه تعالى إِنَّمٰا يَخْشَى اللّٰهَ مِنْ عِبٰادِهِ الْعُلَمٰاءُ (4)، قال: «يعني بالعلماء من صدّق فعله قوله، و من لم يصدّق فعله قوله فليس بعالم» (5).

* بيان

و ذلك لأن تركه العمل بعلمه دليل على أنّه ليس بمستيقن في علمه، و أنّ العلم عنده مستعار و مستودع و سيسلب عنه.

____________

(1). الفقيه 4: 398/ 5853.

(2). الفقيه 4: 420/ 5919.

(3). الكافي 1: 36/ 1.

(4). فاطر (35): 28.

(5). الكافي 1: 36/ 2.

80

[المتن]

[44] 3. الكافي: عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «ألا أخبركم بالفقيه حقّ الفقيه، من لم يقنّط الناس من رحمة اللّه، و لم يؤمنهم من عذاب اللّه، و لم يرخّص لهم في معاصي اللّه، و لم يترك القرآن رغبة عنه إلى غيره، ألا لا خير في علم ليس فيه تفهّم، ألا لا خير في قراءة ليس فيها تدبّر، ألا لا خير في عبادة ليس فيها تفكّر» (1).

و في رواية: «لا فقه فيها» (2).

* بيان

يعني أنّ الفقيه حقيقة ليس إلّا من يكون عالما بالمراد من الوعد و الوعيد جمعا، عارفا بالمقصود من الأوامر و النواهي جملة بملاحظة بعضها إلى بعض، و إنّما عرّف الفقيه بهذه العلامات السلبية لأنّ أكثر من يسمّى عند الجمهور بهذا الاسم في كلّ زمان يكون موصوفا بأضدادها، فكأنّه (عليه السلام) عرّض بالعلماء السوء و الفقهاء الزور، و قد أبطل بكلّ علامة مذهبا من المذاهب الباطلة أو أكثر في الاصول و الفروع، فبالاولى أبطل مذهب المعتزلة القائلة بإيجاب الوعيد و تخليد صاحب الكبيرة في النار، و مذهب الخوارج المضيّقين في التكاليف الشرعيّة، و بالثانية مذهب المرجئة و من يجري مجراهم من المغترّين بالشفاعة و صحة الاعتقاد، و بالثالثة مذهب الحنابلة و الأشاعرة و من يشبههم كأكثر المتصوّفة، و بالرابعة مذهب المتفلسفة الذين أعرضوا عن القرآن و أهله و حاولوا اكتساب العلم و العرفان من كتب قدماء الفلاسفة، و مذهب الحنفيّة الذين عملوا بالقياس و تركوا القرآن، و العلم الذي ليس فيه تفهّم كالعلم الظنّي و التقليدي و مجرد حفظ الأقوال و الروايات، فإنّها ليست بعلم في الحقيقة.

[المتن]

[45] 5. الكافي: سئل الباقر (عليه السلام) عن مسألة فأجاب فيها، فقيل: إنّ الفقهاء لا يقولون هذا. فقال:

«يا ويحك، و هل رأيت فقيها قطّ، إنّ الفقيه حقّ الفقيه الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، المتمسّك بسنّة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)» (3).

____________

(1). الكافي 1: 36/ 3.

(2). الكافي 1: 36/ ذيل 3.

(3). الكافي 1: 70/ 8.

81

* بيان

إنّما جعل هذه الصفات الثلاث علامة للفقيه الحقيقي لأنّ الأوليين دليل على معرفته باللّه و اليوم الاخر، و الأخيرة على معرفته بالأخلاق السنيّة النبويّة و الشرائع المصطفويّة، و هي تمام معنى الفقه.

[المتن]

[46] 6. الكافي: عن الرضا (عليه السلام): «إنّ من علامات الفقه الحلم و الصمت» (1).

[47] 7. الكافي: عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «لا يكون السفه و الغرّة في قلب العالم» (2).

* بيان

«السفه» الخفّة و الطيش، ضد الحلم، و «الغرّة» الغافلة عن لوازم الشيء و الشرّ الذي تحته.

[المتن]

[48] 8. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «طلبة العلم ثلاثة فاعرفهم بأعيانهم و صفاتهم: صنف يطلبه للجهل و المراء، و صنف يطلبه للاستطالة و الختل، و صنف يطلبه للفقه و العقل، فصاحب الجهل و المراء موذ ممار متعرّض للمقال في أندية الرجال بتذاكر العلم، و صفة الحلم، قد تسربل بالخشوع و تخلّى من الورع، فدقّ اللّه من هذا خيشومه، و قطع منه حيزومه، و صاحب الاستطالة و الختل ذو خبّ و ملق يستطيل على مثله من أشباهه، و يتواضع للأغنياء من دونه، فهو لحلوائهم هاضم، و لدينه حاطم، فأعمى اللّه على هذا خبره، و قطع من آثار العلماء أثره، و صاحب الفقه و العقل ذو كآبة و حزن و سهر، قد تحنّك في برنسه، و قام الليل في حندسه، يعمل و يخشى وجلا داعيا مشفقا مقبلا على شأنه، عارفا بأهل زمانه، مستوحشا من أوثق إخوانه، فشدّ اللّه من هذا أركانه، و أعطاه يوم القيامة أمانه» (3).

* بيان

اريد بالجهل هنا مثل الأنفة و الغضب و الشتم و نحوها الذي يصدر من أهل الجاهلية «و المراء» المجادلة و الاعتراض على كلام الغير من غير غرض ديني

____________

(1). الكافي 1: 36/ 4.

(2). الكافي 1: 36/ 5.

(3). الكافي 1: 49/ 5.

82

«و الاستطالة» العلوّ و الترفع و «الختل» بالمعجمة و المثناة الفوقانية: الخدعة و كأنه أراد «بالفقه» المعرفة و «بالعقل» التخلّق بالأخلاق الحسنة.

«مؤذ ممار» لخبث باطنه و قدرته على التكلّم «متعرّض للمقال» لأن غرضه إظهار التفوق و الغلبة و «الأندية» جمع النادي، و هو مجلس القوم و متحدّثهم ما داموا فيه مجتمعين.

و «التسربل» تفعلل من السربال و هو القميص، أي أظهر الخشوع بالتشبّه بالخاشعين و الترائي بزيّهم مع خلوّه منه، لخلوّه من الورع اللازم له و «الخيشوم» أقصى الأنف، و «الحيزوم» بالمهملة و الزاي: وسط الصدر.

و «الخبّ» بالكسر: الخدعة و الجربزة و «الملق» الودّ و اللطف الشديد، و رجل ملق يعطي بلسانه ما ليس في قلبه.

«فهو لحلوائهم هاضم، و لدينه حاطم» يعني يأكل من مطعوماتهم، و يعطيهم من دينه، فوق ما يأخذ من مالهم، فلا جرم يحطم دينه و يهدم إيمانه و يقينه، أو أنه يحلّ لهم بفتواه ما يشتهون، و يحطم دينه بما يدهن فيدهنون، ثم دعا عليه بالاستئصال بحيث لم يبق له خبر و لا أثر «عمي عليه الخبر» أي خفي، تجوّز من عمي البصر، و إنما دعا على الصنفين للحوق ضررهما على العلماء المحقّين أكثر من ضرر الكفّار المتمرّدين.

«ذو كآبة» سوء حال و انكسار قلب لكثرة خوفه من أمر الآخرة و خشيته للّه، و لما يرى من مقاساة الزمان و شدائد الدوران، و جفاء الأقران، و نفاق الإخوان، و ترفّع الجهلة و الأراذل، و رثاثة حال الأفاضل و الأماثل. «و التحنّك» إدارة العمامة و نحوها تحت الحنك «و البرنس» بضم الموحدة و النون و المهملتين: قلنسوة طويلة كان النّسّاك يلبسونها في صدر الاسلام، و قيل: كل ثوب رأسه منه ملتزق به درّاعة كانت أو جبّة أو غيرهما «و الحندس» الليل الشديد الظلمة.

«يعمل و يخشى» بخلاف الصنفين الآخرين حيث لا يعملون و يأمنون «وجلا داعيا مشفقا» أي خائفا من عذاب القيامة، متضرّعا إلى اللّه في طلب المغفرة، حذرا من سوء العاقبة «مقبلا على شأنه» لإصلاح نفسه و تهذيب باطنه بخلاف الآخرين المقبلين على الناس و قد أهملا أمر أنفسهما و إصلاح بواطنهما و قد تلطّخت بالرذائل و الآثام، و اعتلّت بالأمراض المهلكة و الأسقام.

«عارفا بأهل زمانه» أي بأحوال نفوسهم و أغراض بواطنهم لما شاهد من

83

أفعالهم و أقوالهم. و في الحديث النبويّ «اتقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور اللّه» (1) مستوحشا «من أوثق إخوانه» لعرفانه بحاله «فشدّ اللّه» دعاء له بالتثبّت على العلم و اليقين و إحكام أركان الإيمان و الدين، و إعطاء الأمن له و الأمان يَوْمَ يَقُومُ النّٰاسُ لِرَبِّ الْعٰالَمِينَ.

[المتن]

[49] 9. الكافي: عن أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: «يا طالب العلم، إنّ العلم ذو فضائل كثيرة، فرأسه التواضع، و عينه البراءة من الحسد، و اذنه الفهم، و لسانه الصدق، و حفظه الفحص، و قلبه حسن النيّة، و عقله معرفة الأشياء و الامور، و يده الرحمة، و رجله زيارة العلماء، و همّته السلامة، و حكمته الورع، و مستقرّه النجاة، و قائده العافية، و مركبه الوفاء، و سلاحه لين الكلمة، و سيفه الرضا، و قوسه المداراة، و جيشه مجاورة العلماء، و ماله الأدب، و ذخيرته اجتناب الذنوب، و زاده المعروف، و مأواه الموادعة، و دليله الهدى، و رفيقه محبّة الأخيار» (2).

* بيان

شبّه العلم بشخص كامل فاضل روحاني، له أعضاء و قوى و مستقرّ و قائد و مركب و سلاح و غير ذلك كلّها روحانية معنوية، فاستعار هذه الألفاظ لتلك الفضائل، كلّ لما يشابهه أو يناسبه، فجعل الرأس للتواضع، لأن الأصل و المبدأ في تحصيل العلم التواضع و المذلّة و ترك العلوّ، و العين للبراءة من الحسد، لأن الحسد يصير غشاوة على بصر الحاسد، فلا يرى العلم عند أهله لينتفع بعلمه، و الاذن للفهم لأنه غايتها و على هذا القياس، و نبّه بذلك على أنه من اجتمعت فيه هذه الفضائل و الحسنات فهو العالم بالحقيقة، و من اتّصف بأضدادها فهو جاهل، و ما بين المنزلتين مراتب و منازل و مال كلّ إلى ما هو الغالب عليه من المحاسن و المساوئ «و الموادعة» المصالحة و السكون.

[المتن]

[50] 10. الكافي: عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «نعم وزير الإيمان العلم، و نعم وزير العلم الحلم، و نعم وزير الحلم الرفق، و نعم وزير الرفق الصبر» (3).

____________

(1). أمالي الطوسي 1: 300.

(2). الكافي 1: 48/ 2.

(3). الكافي 1: 48/ 3.

84

* بيان

أريد بالوزير المعين أو شبّه الايمان و أخواته بالسلطان.

باب فقد العلماء

[المتن]

[51] 1. الكافي، و الفقيه: عن الصادق (عليه السلام): «ما من أحد يموت من المؤمنين أحبّ إلى إبليس من موت فقيه» (1).

* بيان

ذلك لأنّ شأن الفقيه إفادة العلم و تعليم الحق و إرشاد السبيل، و الحثّ على الطاعة، و الزجر عن المعصية، و شأن إبليس إلقاء الشك و الوسوسة في النفوس، و إراءة الباطل في صورة الحقّ، و الإضلال و الحثّ على المعاصي، فإذا كان منه على طرف الضدّ فلا محالة أحبّ فقده، و ليس موت سائر المؤمنين عنده بهذه المنزلة.

[المتن]

[52] 2. الكافي: عن الكاظم (عليه السلام): «إذا مات المؤمن بكت عليه الملائكة و بقاع الأرض التي كان يعبد اللّه عليها، و أبواب السماء التي كان يصعد فيها بأعماله، و ثلم في الاسلام ثلمة لا يسدّها شيء، لأنّ المؤمنين الفقهاء حصون الإسلام كحصن سور المدينة لها» (2).

* بيان

سبب بكاء الملائكة و الأرض و السماء على المؤمن أنّ المقصد الأقصى من خلق العالم إنّما هو الإيمان الحقيقي المنبعث عن العلم و العبادة و وجود المؤمن العالم فيه، فإذا فقد المؤمن العالم عن العالم أو نقص من أفراده ساء حال العالم لا محالة و حال أجزائه سيّما ما يتعلق منه بالمؤمن نفسه من الملائكة التي كانت مسرورة بحفظه و خدماته، و البقاع التي كانت معمورة بحركاته و سكناته، و أبواب السماء التي كانت مفتوحة لصعود أعماله و حسناته و «الثّلمة» الخلل في الحائط و نحوه.

[المتن]

[53] 3. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «إنّ أبي كان يقول: إنّ اللّه تعالى لا يقبض العلم بعد ما

____________

(1). الكافي 1: 38/ 1، و الفقيه 1: 186/ 559.

(2). الكافي 1: 38/ 3.

85

يهبطه، و لكن يموت العالم فيذهب بما يعلم، فتليهم الجفاة فيضلّون و يضلّون، و لا خير في شيء ليس له أصل» (1).

[54] 4. الفقيه: عنه (عليه السلام) في قول اللّه تعالى: أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنّٰا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهٰا مِنْ أَطْرٰافِهٰا (2) فقال: «فقد العلماء» (3).

* بيان

أطراف الأرض: نهاياتها، و إنّما عبّر عن العلماء بنهايات الأرض، لأن غاية الحركات الأرضية و نهاية الكمالات المترتبة عليها من لدن حصول المعادن منها ثم النباتات ثم الحيوانات إلى الوصول إلى الدرجة الإنسانية و ما فوقها، إنّما هو وجود العلم و العلماء فالأرض و الأرضيّات بهم تنتهي إلى سماء العلم و العقل، فهم بمنزلة نهاياتها، و أيضا فإنهم وسائط بين أهل الأرض و أهل السماء، فكأنّهم أطراف الأرض و أكناف السماء.

باب أصناف الناس

[المتن]

[55] 1. الكافي: عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «إنّ الناس آلوا بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إلى ثلاثة: آلوا إلى عالم على هدى من اللّه قد أغناه بما علم عن علم غيره، و جاهل مدّع للعلم لا علم له معجب بما عنده قد فتنته الدنيا و فتن غيره، و متعلّم من عالم على سبيل هدى من اللّه و نجاة، ثم هلك من ادّعى و خاب من افترى» (4).

* بيان

«آلوا» رجعوا و صاروا «على هدى اللّه» بالإلهام و الإلقاء في الرّوع كالأئمة (عليهم السلام) و من يحذو حذوهم «معجب بما عنده» من ظواهر الأقوال و صور الأحاديث، أو

____________

(1). الكافي 1: 38/ 5.

(2). الرعد (13): 41.

(3). الفقيه 1: 186/ 560.

(4). الكافي 1: 33/ 1.

86

المجادلات الكلامية، أو المغالطات الفلسفية، أو الخيالات التصوّفية، أو الخطابات الشعرية التي تجلب بها نفوس العوام، كأعداء الأئمة و حسدتهم، و من يسير سيرة اولئك من أهل أي مذهب كان.

«قد فتنته الدنيا» أضلّته و أوقعته في فتنة الجاه و المال و حبّ الرئاسة. «و فتن غيره» أضلّه و أوقعه فيما وقع فيه من المهالك لاستحسانه ما رأى منه بسبب اشتهاره بالعلم في الظاهر، و إن كان باطنه مفلسا عن حقيقة العلم و الحال.

«على سبيل هدى» على طريقه سالك إليه، و إن لم يكن بالفعل عليه كشيعة الأئمة المقتبسين من أنوارهم، و إنّما لم يذكر الجاهل الغافل؛ لأنّ المقسم من له قوة الارتقاء دون أهل الضرر و الزمانات.

«هلك من ادّعى» أي القسم الثاني؛ لأن الحياة الأخروية إنما تكون للعالم بالفعل و للمتعلّم بالقوّة، و أمّا الجاهل المدّعي فقد أبطل استعداده لها، فهو هالك خائب.

[المتن]

[56] 2. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «يغدو الناس على ثلاثة أصناف: عالم و متعلّم و غثاء، فنحن العلماء، و شيعتنا المتعلّمون، و سائر الناس غثاء» (1).

* بيان

«الغثاء» ما يحمله السيل من الزبد و الوسخ، اريد به أراذل الناس و سقطهم.

[المتن]

[57] 3. الكافي: عنه (عليه السلام): «اغد عالما أو متعلّما، أو أحبّ أهل العلم، و لا تكن رابعا فتهلك ببغضهم» (2).

باب ثواب العالم و المتعلّم

[المتن]

[58] 1. الكافي: عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك اللّه به طريقا إلى الجنة، و إنّ الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا به، و إنّه يستغفر لطالب العلم من

____________

(1). الكافي 1: 34/ 4.

(2). الكافي 1: 34/ 3.

87

في السماء و من في الأرض حتى الحوت في البحر، و فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم ليلة البدر» (1).

* بيان

إنما يسلك به طريقا إلى الجنة؛ لأنّ العلم هو بعينه نعيم أهل الجنة، و هو الذي يصير هناك لصاحبه شرابا و فاكهة و ظلّا.

روى في «بصائر الدرجات» بإسناده عن نصر بن قابوس، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قول اللّه عزّ و جلّ: وَ ظِلٍّ مَمْدُودٍ وَ مٰاءٍ مَسْكُوبٍ وَ فٰاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لٰا مَقْطُوعَةٍ وَ لٰا مَمْنُوعَةٍ (2) قال: «يا نصر، إنّه و اللّه ليس حيث يذهب الناس، إنّما هو العالم و ما يخرج منه» (3).

و «الملائكة» هي الجواهر القدسيّة الغائبة عن الأبصار «و أجنحتها» هي قواها العلمية و العملية التي بها تترقّى و تتنزّل، و طالب العلم بتفكّره في المعقولات و انتقاله من معقول إلى معقول حتى ينتهي إلى معرفة اللّه و صفاته كأنّه يطأ أجنحة الملائكة بقدم عقله، أو إنه إذا أدرك المعقولات و أحاط بها علما فكأنّ الملائكة نزلت عن سماء ملكوتها و مقامها عنده و خضعت له، و بالجملة وضع أجنحتها كناية عن خضوعها له.

و الاستغفار: طلب الستر للذنب، و طالب العلم يطلب ستر ذنب جهله- الذي هو رئيس جنود، هي المعاصي- بنور العلم، و يشركه في هذا الطلب كلّ من في السماء و الأرض و ما بينهما؛ لأن عقله و فهمه و إدراكه لا يقوم إلّا ببدنه، و بدنه لا يقوم إلّا بالغذاء، و الغذاء لا يقوم إلّا بالأرض و السماء و الغيم و الهواء و غير ذلك. إذ العالم كلّه كالشخص الواحد يرتبط البعض منه بالبعض، فالكلّ مستغفر له.

و إنّما مثّل نور العابد بنور النجوم، لأنه لا يتعدّى نفسه إذ لا يبصر بنوره شيء بخلاف القمر ليلة البدر، و تمثيل نور العالم بنور القمر يشعر بأنّه أراد به من لم يكن علمه لدنيا؛ لأنّ نور القمر مستفاد من الشمس، فمن كان علمه لدنيا كالأنبياء و الأولياء ففضله على العابد كفضل الشمس على النجوم المستفاد نورها من اللّه تعالى بلا توسّط شيء آخر من نوعها أو جنسها.

____________

(1). الكافي 1: 34/ 1.

(2). الواقعة (56): 30- 33.

(3). بصائر الدرجات: 505/ 3.

88

[المتن]

[59] 2. الكافي: عن الباقر (عليه السلام): «إنّ الذي يعلّم العلم منكم له أجر مثل أجر المتعلّم، و له الفضل عليه، فتعلّموا العلم من حملة العلم، و علّموه إخوانكم كما علّمكموه العلماء» (1).

[60] 3. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «من علّم خيرا فله مثل أجر من عمل به» قيل: فإن علّمه غيره يجري ذلك له؟ قال: «إن علّمه الناس كلّهم جرى له» قيل: فإن مات؟ قال: «و إن مات» (2).

* بيان

«له» أي للأول.

[المتن]

[61] 4. الكافي: عن الباقر (عليه السلام): «من علّم باب هدى فله مثل أجر من عمل به، و لا ينقص أولئك من اجورهم شيئا، و من علّم باب ضلال كان عليه مثل أوزار من عمل به، و لا ينقص اولئك من أوزارهم شيئا» (3).

[62] 5. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «من تعلّم العلم و عمل به و علّم للّه دعي في ملكوت السموات عظيما، فقيل: تعلّم للّه و عمل للّه و علّم للّه» (4).

[63] 6. الكافي: عن السجاد (عليه السلام): «لو يعلم الناس ما في طلب العلم لطلبوه و لو بسفك المهج و خوض اللّجج، إنّ اللّه تعالى أوحى إلى دانيال: أنّ أمقت عبيدي إلي الجاهل المستخفّ بحق أهل العلم، التارك للاقتداء بهم، و أنّ أحبّ عبيدي إلي التقي الطالب للثواب الجزيل، اللازم للعلماء، التابع للحلماء، القائل عن الحكماء» (5).

* بيان

«الحلماء» العقلاء، من الحلم بمعنى العقل.

____________

(1). الكافي 1: 35/ 2.

(2). الكافي 1: 35/ 3.

(3). الكافي 1: 35/ 4.

(4). الكافي 1: 35/ 6.

(5). الكافي 1: 35/ 5.

89

[المتن]

[64] 7. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «لو يعلم الناس ما في فضل معرفة اللّه تعالى ما مدّوا أعينهم إلى ما متّع به الأعداء من زهرة الحياة الدنيا و نعيمها، و كانت دنياهم أقلّ عندهم ممّا يطئونه بأرجلهم، و لنعموا بمعرفة اللّه، و تلذّذوا بها تلذّذ من لم يزل في روضات الجنان مع أولياء اللّه، إنّ معرفة اللّه انس من كلّ وحشة، و صاحب من كلّ وحدة، و نور من كلّ ظلمة، و قوة من كلّ ضعف، و شفاء من كل سقم».

ثم قال: «قد كان قبلكم قوم يقتلون و يحرقون و ينشرون بالمناشير و تضيق عليهم الأرض برحبها، فما يردّهم عما هم عليه شيء مما هم فيه من غير ترة وتروا من فعل ذلك بهم، و لا أذى بما نقموا منهم إلّا أن يؤمنوا باللّه العزيز الحميد، فسلوا ربّكم درجاتهم، و اصبروا على نوائب دهركم، تدركوا سعيهم» (1).

* بيان

«الترة» الحقد «بما نقموا منهم» بما أنكروا منهم.

باب حقّ العالم

[المتن]

[65] 1. الكافي: عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «إنّ من حق العالم ألا تكثر عليه السؤال، و لا تأخذ بثوبه، و إذا دخلت عليه و عنده قوم فسلّم عليهم جميعا، و خصّه بالتحية دونهم، و اجلس بين يديه و لا تجلس خلفه، و لا تغمز بعينك، و لا تشر بيدك، و لا تكثر من قول: قال فلان، و قال فلان، خلافا لقوله، و لا تضجر بطول صحبته، فإنّما مثل العالم مثل النخلة تنتظرها حتى يسقط عليك منها شيء، و العالم أعظم أجرا من الصائم القائم الغازي في سبيل اللّه» (2) إن شاء اللّه تعالى.

* بيان

لعل المراد بالجلوس بين يديه جلوسه بحيث لا يحوجه إلى الالتفات حين الخطاب،

____________

(1). الكافي 8: 347/ 347.

(2). الكافي 1: 37/ 1.

90

و بالخلف ما يقابله و الغمز بالعين: الإشارة بها، و حذف المفعول لعلّه للتعميم، أي سواء تشير إليه أو إلى غيره، و ذلك لمنافاته التعظيم «و العالم أعظم أجرا» لتعدّي نفعه و أشمليّته.

باب مجالسة العلماء

[المتن]

[66] 1. الكافي: قال لقمان لابنه: «يا بني، اختر المجالس على عينك، فإن رأيت قوما يذكرون اللّه تعالى فاجلس معهم، فإن تكن عالما نفعك علمك، و إن تكن جاهلا علّموك، و لعلّ اللّه أن يظلّهم برحمته فتعمّك معهم، و إذا رأيت قوما لا يذكرون اللّه فلا تجلس معهم، فإن تكن عالما لم ينفعك علمك، و إن كنت جاهلا يزيدوك جهلا، و لعل اللّه أن يظلّهم بعقوبة فتعمّك معهم» (1).

* بيان

«على عينك» أي على بصيرة منك و معرفة لك بها «يذكرون اللّه» يتذاكرون بالعلم و يذكرون محامد اللّه و محاسن آلائه و المعارف الإلهية و مكارم أوليائه «نفعك علمك» بزيادة التمرّن و الرسوخ بالإفادة و الاستفادة.

[المتن]

[67] 2. الكافي: عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «قالت الحواريون لعيسى: يا روح اللّه، من نجالس؟ قال:

من يذكّركم اللّه رؤيته، و يزيد في علمكم منطقه، و يرغّبكم في الآخرة عمله» (2).

* بيان

الصفات المذكورة هي صفات العالم العامل ليس إلّا.

[المتن]

[68] 3. الكافي: عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «مجالسة أهل الدين شرف الدنيا و الآخرة» (3).

____________

(1). الكافي 1: 39/ 1.

(2). الكافي 1: 39/ 2.

(3). الكافي 1: 39/ 3.

91

* بيان

المراد بأهل الدين هم العلماء العارفون بأركانه العاملون بأحكامه.

[المتن]

[69] 4. الفقيه: عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «بادروا إلى رياض الجنّة». قالوا: يا رسول اللّه، و ما رياض الجنة؟ قال:

«حلق الذّكر» (1).

* بيان

اريد بحلق الذكر مجالس العلم، كما يستفاد من حديث أول الباب و غيره من الأخبار.

[المتن]

[70] 5. الكافي: عن الباقر (عليه السلام): «لمجلس أجلسه إلى من أثق به، أوثق في نفسي من عمل سنة» (2).

[71] 6. الكافي: عن الكاظم (عليه السلام): «محادثة العالم على المزابل خير من محادثة الجاهل على الزرابي» (3).

* بيان

«الزّرابي» البسط الفاخرة.

باب سؤال العلماء و تذاكر العلم

[المتن]

[72] 1. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «إنّ هذا العلم عليه قفل، و مفتاحه المسألة» (4).

[73] 2. الكافي: عنه (عليه السلام): سئل عن مجدور أصابته جنابة، فغسّلوه، فمات؟ قال: «قتلوه، ألا سألوا،

____________

(1). الفقيه 4: 409/ 5888.

(2). الكافي 1: 39/ 5.

(3). الكافي 1: 39/ 2.

(4). الكافي 1: 40/ 3.

92

فإنّ دواء العي السؤال» (1).

* بيان

إنما قتلوه لأن فرض مثله التيمّم، فمن غسّله أو أفتى بغسله فهو ضامن، و العي- بكسر المهملة- الجهل و العجز عن المراد.

[المتن]

[74] 3. الكافي: عنه (عليه السلام): «لا يسع الناس حتى يسألوا و يتفقّهوا و يعرفوا إمامهم، و يسعهم أن يأخذوا بما يقول و إن كانت تقيّة» (2).

[75] 4. الكافي: عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «افّ لرجل لا يفرّغ نفسه في كلّ جمعة لأمر دينه فيتعاهده و يسأل عن دينه» (3).

[76]- 5 الكافي: عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «إنّ اللّه تعالى يقول: تذاكر العلم بين عبادي ممّا يحيى عليه القلوب الميتة إذا هم انتهوا فيه إلى أمري» (4).

* بيان

يعني أنّ مذاكرة العلم بين العباد سبب إحياء قلوبهم الميتة بشرط أن يكون اقتباسه من مشكاة الوحي و النبوّة لا من آرائهم و عقولهم.

[المتن]

[77] 6. الكافي: عن الباقر (عليه السلام): «رحم اللّه عبدا أحيى العلم» قيل: و ما إحياؤه؟ قال: «أن يذاكر به أهل الدين و أهل الورع» (5).

* بيان

إنما قيّد أهل تذاكر العلم بأن يكونوا من أهل الدّين و أهل الورع حتى يكون تذاكرهم إحياء للعلم، لأنّ العلم المحيى إنّما هو علم الدّين، و طهارة القلب بالورع و التقوى شرط لحصوله، كما قال سبحانه وَ اتَّقُوا اللّٰهَ وَ يُعَلِّمُكُمُ اللّٰهُ (6).

____________

(1). الكافي 1: 40/ 1.

(2). الكافي 1: 40/ 4.

(3). الكافي 1: 40/ 5.

(4). الكافي 1: 40/ 6.

(5). الكافي 1: 41/ 7.

(6). البقرة (2): 282.

93

[المتن]

[78] 7. الكافي: عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «تذاكروا و تلاقوا و تحدّثوا، فإنّ الحديث جلاء للقلوب، إنّ القلوب لترين كما يرين السيف، جلاؤه الحديث» (1).

* بيان

أراد بالتذاكر و التحدّث مذاكرة العلوم الدينية.

[المتن]

[79] 8. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «تزاوروا فإنّ في زيارتكم إحياء لقلوبكم و ذكرا لأحاديثنا، و أحاديثنا تعطف بعضكم على بعض، فإن أخذتم بها رشدتم و نجوتم، و إن تركتموها ضللتم و هلكتم، فخذوا بها و أنا بنجاتكم زعيم» (2).

باب بذل العلم

[المتن]

[80] 1. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «قرأت في كتاب علي (عليه السلام): إنّ اللّه لم يأخذ على الجهّال عهدا بطلب العلم حتى أخذ على العلماء عهدا ببذل العلم للجهّال، لأنّ العلم كان قبل الجهل» (3).

[81] 2. الكافي: عن الباقر (عليه السلام): «زكاة العلم أن تعلّمه عباد اللّه» (4).

[82] 3. الكافي: عن الصادق (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام): «جاء رجل إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقال: يا رسول اللّه ما العلم؟ قال: الإنصات، قال: ثم مه؟ قال: الاستماع، قال: ثم مه؟ قال: الحفظ، قال:

ثم مه؟ قال: العمل به، قال: ثم مه يا رسول اللّه؟ قال: نشره» (5).

[83] 4. التهذيب: سئل أبو الحسن (عليه السلام) عن الرجل يأتيه من يسأله عن المسألة، فتخوّف إن هو أفتى

____________

(1). الكافي 1: 41/ 8، و في بعض نسخ المصدر: [جلاؤه الحديد].

(2). الكافي 2: 186/ 2.

(3). الكافي 1: 41/ 1.

(4). الكافي 1: 41/ 3.

(5). الكافي 1: 48/ 4.

94

بها أن يشنّع عليه، يسكت عنه أو يفتيه بالحق أو يفتيه بما لا يتخوّف على نفسه؟ قال: «السكوت عنه أعظم أجرا و أفضل» (1).

[84] 5. التهذيب: قيل للصادق (عليه السلام): إني أجلس في المسجد فيأتيني الرجل، فإذا عرفت إنه يخالفكم أخبرته بقول غيركم، و إذا كان ممّن لا أدري أخبرته بقولكم و قول غيركم، فيختار لنفسه، و إذا كان ممّن يقول بقولكم أخبرتهم بقولكم فقال: «رحمك اللّه، هكذا فاصنع» (2).

[85] 6. الكافي: عنه (عليه السلام): «قام عيسى بن مريم (عليه السلام) خطيبا في بني إسرائيل فقال: يا بني إسرائيل لا تحدّثوا الجهّال بالحكمة فتظلموها، و لا تمنعوها أهلها فتظلموهم» (3).

* بيان

المراد بالجهّال من لا عقل لهم يعبدون به الرحمن و يكتسبون به الجنان، و بأهل الحكمة من يقابلهم.

باب القول بغير علم

[المتن]

[86] 1. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «أنهاك عن خصلتين فيهما هلك الرجال: أنهاك أن تدين اللّه بالباطل، و تفتي الناس بما لا تعلم» (4).

و في رواية: «أن تفتي الناس برأيك، أو تدين بما لا تعلم» (5).

[87] 2. الكافي، و التهذيب: عن الباقر (عليه السلام): «من أفتى الناس بغير علم و لا هدى من اللّه لعنته ملائكة الرحمة، و ملائكة العذاب، و لحقه وزر من عمل بفتياه» (6).

____________

(1). التهذيب 6: 225/ 538.

(2). التهذيب 6: 255/ 539.

(3). الكافي 1: 42/ 4.

(4). الكافي 1: 42/ 1.

(5). الكافي 1: 42/ 2.

(6). الكافي 1: 42/ 3، و 7: 409/ 2.

95

* بيان

«العلم» ما يستفاد من الأنوار الإلهية و الإلهامات اللّدنيّة كما هو للأئمة (عليهم السلام) «و الهدى» ما يسمع من أهل بيت النبوّة كما هو لنا «و ملائكة الرحمة» الهادون لنفوس الأخيار إلى مقاماتهم في درجات الجنان و «ملائكة العذاب» السائقون لنفوس الأشرار إلى منازلهم في دركات الجحيم و النيران.

[المتن]

[88] 3. الكافي: عنه (عليه السلام): «ما علمتم فقولوا، و ما لم تعلموا فقولوا: اللّه أعلم، إنّ الرجل لينتزع الآية من القرآن يخرّ فيها أبعد ما بين السماء و الأرض» (1).

[89] 4. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «إذا سئل الرجل منكم عمّا لا يعلم فليقل: لا أدري، و لا يقل: اللّه أعلم، فيوقع في قلب صاحبه شكّا، و إذا قال المسئول: لا أدري فلا يتّهمه السائل» (2).

* بيان

«شكّا» أي في عدم علمه، فيتّهمه بالعلم.

[المتن]

[90] 5. الكافي: عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «إنّ اللّه خصّ عباده بآيتين من كتابه، ألا يقولوا حتى يعلموا، و لا يردّوا ما لم يعلموا، و قال تعالى أَ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثٰاقُ الْكِتٰابِ أَنْ لٰا يَقُولُوا عَلَى اللّٰهِ إِلَّا الْحَقَّ (3) و قال: بَلْ كَذَّبُوا بِمٰا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَ لَمّٰا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ» (4).

[91] 6. الكافي: عنه (عليه السلام): سئل ما حقّ اللّه على خلقه؟ فقال: «أن يقولوا ما يعلمون، و يكفّوا عما لا يعلمون، فإذا فعلوا ذلك فقد أدّوا إلى اللّه تعالى حقّه» (5).

[92] 7. الكافي: عن الباقر (عليه السلام): «و اللّه إنّ أحبّ أصحابي إلي أورعهم و أفقههم و أكتمهم لحديثنا، و إنّ أسوأهم عندي حالا و أمقتهم، الذي إذا سمع الحديث ينسب إلينا و يروى عنّا، فلم يقبله و اشمأزّ منه و جحده و كفر من دان به، و لا يدري لعلّ الحديث من عندنا

____________

(1). الكافي 1: 42/ 4.

(2). الكافي 1: 42/ 6.

(3). الأعراف/ 169.

(4). الكافي 1: 43/ 8 و الآية من سورة يونس: 39.

(5). الكافي 1: 43/ 7.

96

خرج و إلينا اسند، فيكون بذلك خارجا من ولايتنا» (1).

* بيان

يستفاد من هذا الحديث أنه لا ينبغي الحكم ببطلان ما نسب إليهم (عليهم السلام) من الحديث المحتمل صدقه، و إن ضعف إسناده أو بعد مضمونه عن أفهامنا.

[المتن]

[93] 8. الكافي: عنه (عليه السلام): «الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة، و تركك حديثا لم تروه خير من روايتك حديثا لم تحصه» (2).

* بيان

المعنى أنّ تركك رواية حديث قد أحصيته فلم تروه خير من روايتك حديثا لم تحط به، فإذا تردّد الأمر بين أن تترك حديثا لم تحط به و لم تحفظه على وجهه، و بين أن ترويه، فالأولى ألا ترويه؛ لأنّ في رواية الحديث منفعة، و في رواية ما ليس بحديث على أنه حديث مفسدة، و دفع المفسدة أهمّ و أولى من جلب المنفعة.

[المتن]

[94] 9. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «لا يسعكم فيما ينزل بكم ممّا لا تعلمون إلّا الكفّ عنه و التثبّت و الردّ إلى أئمّة الهدى حتى يحكّموكم فيه على القصد و يجلوا عنكم فيه العمى، و يعرّفوكم فيه الحقّ، قال اللّه تعالى: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لٰا تَعْلَمُونَ (3).

* بيان

«يحكّموكم» على الأبنية الثلاثة يردّوكم.

[المتن]

[95] 10. الكافي: عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «من عمل بالمقاييس فقد هلك و أهلك، و من أفتى الناس و هو لا يعلم الناسخ من المنسوخ و المحكم من المتشابه، فقد هلك و أهلك» (4).

[96] 11. الكافي، و التهذيب: عن الصادق (عليه السلام): «كلّ مفت ضامن» (5).

[97] 12. الفقيه: خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) الناس فقال: «إن اللّه تعالى حدّ حدودا فلا تعتدوها،

____________

(1). الكافي 2: 223/ 7.

(2). الكافي 1: 50/ 9.

(3). الكافي 1: 50/ 10، و الآية من سورة النحل (16): 43 و الأنبياء (21): 7.

(4). الكافي 1: 43/ 9.

(5). الكافي 7: 409/ 1، التهذيب 6: 223/ 530.

97

و فرض فرائض فلا تنقصوها، و سكت عن أشياء لم يسكت عنها نسيانا لها، فلا تتكلّفوها رحمة من اللّه لكم فاقبلوها- ثم قال (عليه السلام):- حلال بيّن، و حرام بيّن، و شبهات بين ذلك، فمن ترك ما اشتبه عليه من الإثم، فهو لما استبان له أترك، و المعاصي حمى اللّه عزّ و جلّ، فمن يرتع حولها يوشك أن يدخلها» (1).

* بيان

«فلا تتكلّفوها» معناه أنّ ما لم يصل إليكم من التكاليف و لم يثبت في الشرع فليس عليكم فيه شيء، فلا تتكلّفوه على أنفسكم فإنّه رحمة من اللّه لكم، و في هذا قيل:

اسكتوا عمّا سكت اللّه عنه.

باب العمل بغير علم

[المتن]

[98] 1. الكافي: عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «من عمل على غير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح» (2).

[99] 2. الكافي، و الفقيه: عن الصادق (عليه السلام): «العامل على غير بصيرة كالسائر على غير (3) الطريق، لا يزيده سرعة (4) السير إلّا بعدا» (5).

* بيان

«على غير بصيرة» أي غير معرفة بدينه و بما يعمله.

[المتن]

[100] 3. الكافي: عنه (عليه السلام): «لا يقبل اللّه عملا إلّا بمعرفة، و لا معرفة إلّا بعمل، فمن عرف دلّته المعرفة على العمل، و من لم يعمل فلا معرفة له، ألا إنّ الايمان بعضه من بعض» (6).

____________

(1). الفقيه 4: 75/ 5149.

(2). الكافي 1: 44/ 3.

(3). كذا في الوافي، راجع ج 1: 199 ح 1.

(4). في بعض النسخ: كثرة.

(5). الكافي 1: 43/ 1، الفقيه 4: 401/ 5864.

(6). الكافي 1: 44/ 2.

98

* بيان

تحقيق المقام أنّ كلّ معرفة تثمر حالا و صفاء في النفس، و كلّ حال يحمل صاحبه على عمل و طاعة، و كلّ طاعة تثمر حالا آخر و صفاء غير الأول، و هو يثمر معرفة أخرى سوى الاولى، و هكذا يتكامل إيمان المرء بالمعرفة و الطاعة حتى بلغ الغاية، و خلص من التعب و المشقّة، و استقر في مقام الأمن و الراحة واصلا إلى عين اليقين.

باب استعمال العلم

[المتن]

[101] 1. الكافي: عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «العلماء رجلان: رجل عالم آخذ بعلمه فهذا ناج، و عالم تارك لعلمه فهذا هالك، و إنّ أهل النار ليتأذّون من ريح العالم التارك لعلمه، و إنّ أشدّ أهل النار ندامة و حسرة رجل دعا عبدا إلى اللّه تعالى فاستجاب له و قبل منه فأطاع اللّه فأدخله اللّه الجنّة، و أدخل الداعي النّار بترك علمه و اتّباعه الهوى و طول الأمل، أمّا اتّباع الهوى فيصدّ عن الحق، و طول الأمل ينسي الآخرة» (1).

* بيان

إنّما كان عذاب العالم أشدّ، لأنّ نفسه أقوى و معرفته بقبح ما صدر منه أتمّ، فتأذّيه بالمؤلم لا محالة أشدّ، و تحسّره أدوم، كما أنّ ثوابه مع العمل أكثر و أعظم «فيصدّ عن الحقّ» أي يحجب القلب عن فهم المعارف، لأنه يضادّ العلم و المعرفة كما قيل:

حبك الشيء يعمي و يصم «ينسي الآخرة» و ذلك لأنه يوجب تسويف العمل لها، فينجرّ إلى محوها عن الذكر.

[المتن]

[102] 2. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «العلم مقرون إلى العمل، فمن علم عمل، و من عمل علم، و العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه و إلّا ارتحل عنه» (2).

* بيان

و ذلك لأنّ كلّا منهما يستدعي الاخر و يتقوّى به كما عرفت، و هتافه به استدعاؤه

____________

(1). الكافي 1: 44/ 1.

(2). الكافي 1: 44/ 2.

99

له، و ارتحاله عنه نسيانه و انمحاؤه عنه.

[المتن]

[103] 3. الكافي: عن السجاد (عليه السلام): «مكتوب في الإنجيل: لا تطلبوا علم ما لا تعلمون و لمّا تعملوا بما علمتم، فإنّ العلم إذا لم يعمل به لم يزدد صاحبه إلّا كفرا، و لم يزدد من اللّه إلّا بعدا» (1).

* بيان

إنّما لم يزدد صاحبه إلّا كفرا و بعدا، لأنّ العلم المتعلّق بالعمل حجاب عن الحق و اشتغال بما سواه و صدّ عن الرجوع إلى جانب القدس و نسيان للآخرة، و إنّما الضرورة دعت إليه، فلمّا لم يستعمل في الضرورة، و اهتمّ به لا بقصد العمل بقي و باله عليه، إذ ينشعب منه آثار رديئة، و ينبعث منه عادات ممرضة للنفس مميتة للقلب، و يصير حجة عليه.

[المتن]

[104] 4. الكافي: عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «أيها الناس، إذا علمتم فاعملوا بما علمتم لعلّكم تهتدون، إنّ العالم العامل بغيره كالجاهل الحائر الذي لا يستفيق عن جهله، بل قد رأيت الحجّة عليه أعظم و الحسرة أدوم على هذا العالم المنسلخ عن علمه منها على هذا الجاهل المتحيّر في جهله، و كلاهما حائر بائر، لا ترتابوا فتشكّوا، و لا تشكّوا فتكفروا و لا ترخّصوا لأنفسكم فتدهنوا، و لا تدهنوا في الحقّ فتخسروا، و إنّ من الحق أن تفقّهوا، و من الفقه ألا تغترّوا، و إنّ أنصحكم لنفسه أطوعكم لربّه، و أغشّكم لنفسه أعصاكم لربّه، و من يطع اللّه يأمن و يستبشر، و من يعص اللّه يخب و يندم» (2).

* بيان

في قوله «لعلّكم تهتدون» تنبيه على أنّ العمل بمقتضى العلم يؤدّي إلى الاهتداء بهدى اللّه، و هو نور اليقين الذي هو غاية كلّ سعي، و في قوله: «لا يستفيق عن جهله» إشعار بأن الجهل كالسكر أو المرض، فإنّ الاستفاقة بمعنى الخلاص من أحدهما، «و كلاهما حائر بائر» يقال: رجل حائر بائر إذا لم يتّجه لشيء، و لا يأتمر رشدا، و لا يطيع مرشدا «لا ترتابوا» أي لا تمكّنوا الرّيب و الشكّ من قلوبكم، بل ادفعوا عن

____________

(1). الكافي 1: 44/ 4.

(2). الكافي 1: 45/ 6.

100

أنفسكم كيلا تعتادوا به، فتصيروا من أهل الشك و الوسواس، فتكونوا من الكافرين، هذا في باب العلم «و لا ترخصوا لأنفسكم» أي اعزموا على الطاعات و ترك المعاصي، و لا تساهلوا في ارتكاب الشهوات فتقعوا في المداهنة في أمر الدين، و المساهلة في باب الحق و اليقين، فتكونوا من الخاسرين، و هذا في باب العمل «يأمن» أي من العقوبات «و يستبشر» أي بالمثوبات «يخب» أي من الدرجات العلى و «يندم» أي على تفويت الفرصة و تضييع العمر.

[المتن]

[105] 5. الكافي: قيل للصادق (عليه السلام): بم يعرف الناجي؟ قال: «من كان فعله لقوله موافقا، فاثبت له الشهادة، و من لم يكن فعله لقوله موافقا فإنّما ذلك مستودع» (1).

* بيان

أريد «بالشهادة» الشهادة بالنجاة، كما يأتي في باب المستودع و المعان من كتاب الإيمان و ما يقابله «فإنّما ذلك مستودع» أي إيمانه غير مثبت في قلبه، بل يزول بأدنى شبهة، فهو في مشيئة اللّه، إن شاء تمّمه له، و إن شاء سلبه عنه.

[المتن]

[106] 6. الكافي: عنه (عليه السلام): «إنّ العالم إذا لم يعمل بعلمه زلّت موعظته عن القلوب كما يزلّ المطر عن الصفا» (2).

* بيان

شبّه العلم و الموعظة بماء المطر، و عدم تأثيره و ثباته في القلوب بعدم استقرار المطر في الحجر الأملس، و ما أحسنه تشبيها!

باب المستأكل (3) بعلمه و المباهي به

[المتن]

[107] 1. الكافي، و التهذيب: عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «منهومان لا يشبعان: طالب دنيا، و طالب علم،

____________

(1). الكافي 1: 45/ 5.

(2). الكافي 1: 44/ 3.

(3). المراد به من يتخذ رأس مال يأكل منه و يتوسع في معاشه يقال: فلان يستأكل الضعفاء، أي يأخذ أموالهم، و المأكل: المكسب يقال: فلان ذو اكل أي ذو حظ من الدنيا برزق واسع (منه (رحمه اللّه)).

101

فمن اقتصر من الدنيا على ما أحلّ اللّه له سلم، و من تناولها من غير حلّها هلك، إلّا أن يتوب أو يراجع، و من أخذ العلم من أهله و عمل بعلمه نجا، و من أراد به الدنيا فهي حظّه» (1).

* بيان

«المنهوم» الحريص، و المراد من صدر الحديث أنّ من خاصيّة الدنيا و العلم أنّ من ذاق طعمهما لم يشبع منهما بل يحرص عليهما، ثم بيّن الممدوح من ذلك و المذموم منه، و ليس فيه دلالة على أنّ الحرص في تحصيل العلم و الإكثار منه مذموم، و إنّ المراد به غير علم الآخرة كما ظنّ.

[المتن]

[108] 2. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «من أراد الحديث لمنفعة الدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب و من أراد به خير الآخرة أعطاه اللّه خير الدنيا و الآخرة» (2).

* بيان

في «معاني الأخبار»: عن الصادق (عليه السلام): «من استأكل بعلمه افتقر». قيل له: جعلت فداك، إنّ في شيعتك و مواليك قوما يتحمّلون علومكم و يبثّونها في شيعتكم و لا يعدمون على ذلك منهم البرّ و الصلة و الإكرام؟ فقال (عليه السلام): «ليس اولئك المستأكلين، إنّما المستأكل بعلمه الذي يفتي بغير علم و لا هدى من اللّه عزّ و جلّ ليبطل به الحقوق طمعا في حطام الدنيا» (3).

[109] 3. الكافي: عنه (عليه السلام): «إذا رأيتم العالم محبّا لدنياه فاتّهموه على دينكم، فإنّ كلّ محبّ يحوط ما أحبّ» و قال (عليه السلام): «أوحى اللّه تعالى إلى داود (عليه السلام): لا تجعل بيني و بينك عالما مفتونا بالدنيا فيصدّك عن طريق محبّتي، فإنّ اولئك قطّاع طريق عبادي المريدين، إنّ أدنى ما أنا صانع بهم أن انزع حلاوة مناجاتي من قلوبهم» (4).

* بيان

«فاتّهموه» أي اعتقدوه متّهما في قوله و فعله صونا على دينكم، فإنّه ليس على

____________

(1). الكافي 1: 46/ 1، التهذيب 6: 328/ 906.

(2). الكافي 1: 46/ 2.

(3). معاني الأخبار: 175.

(4). الكافي 1: 46/ 4.

102

حقيقة في علمه، و ذلك لأن حبّ الدين و الدنيا لا يجتمعان في قلب واحد و «الحوط» الحفظ و الصيانة «لا تجعل بيني و بينك عالما» أي لا تجعله وسيلة إلى التقرّب إليّ بالاستفادة منه و الاسترشاد، و المناجاة المنزوع حلاوتها من قلبه تشمل ما يكون منها باللسان على نحو الخطاب و الدعاء، و ما يكون بالعقل من الإلهامات العلمية و المكالمات الروحية التي كان قابلا لها في أوائل فطرته قبل فساد قريحته.

[المتن]

[110] 4. الكافي: عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «الفقهاء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا»، قيل:

يا رسول اللّه، و ما دخولهم في الدنيا؟ قال: «اتّباع السلطان، فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم» (1).

* بيان

«أمناء الرسل» لأنهم مستودعو علومهم «و اتّباع السلطان» يشمل قبول الولاية منهم على القضاء و نحوه و الخلطة بهم و المعاشرة معهم اختيارا.

[المتن]

[111] 5. الكافي: عن الباقر (عليه السلام): «من طلب العلم ليباهي به العلماء أو يماري به السفهاء أو يصرف به وجوه الناس إليه فليتبوأ مقعده من النار، إنّ الرئاسة لا تصلح إلّا لأهلها» (2).

باب لزوم الحجّة على العالم و تشديد الأمر عليه

[المتن]

[112] 1. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «يغفر للجاهل سبعون ذنبا قبل أن يغفر للعالم ذنب واحد» (3).

* بيان

و ذلك لأنّ إدراك العالم لقبح الذنب أقوى و أتمّ، و إنّما يغفر لمن كان الأمر عليه مستورا أو مشتبها غير واضح.

____________

(1). الكافي 1: 46/ 5.

(2). الكافي 1: 47/ 6.

(3). الكافي 1: 47/ 1.

103

[المتن]

[113] 2. الكافي: عنه (عليه السلام): «قال عيسى بن مريم: ويل للعلماء السوء كيف تلظّى عليهم النار» (1).

* بيان

«تلظّى» تتلهّب و تضطرم، و ذلك لحسرتهم على ما صدر منهم حين كونهم بصراء بقبحه.

[المتن]

[114] 3. الكافي: عنه (عليه السلام): «إذا بلغت النفس هاهنا- و أشار بيده إلى حلقه- لم يكن للعالم توبة» ثم قرأ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّٰهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهٰالَةٍ (2).

* بيان

«النفس» بسكون الفاء: الروح، و بلوغ الروح «الحلق» هو الزمان المتصل بزمان الاحتضار و معاينة الغيب، أعني قبيل حدّ المعاينة، و هو آخر وقت قبول توبة الجاهل، و أمّا عند المعاينة و ما بعدها فلا تأثير للتوبة أصلا، لا من الجاهل و لا من العالم، لحصول اليأس التام من الحياة، و سقوط التكليف، و هو منصوص عليه في القرآن و الأخبار، و لعل السبب في عدم قبول التوبة من العالم في ذلك الوقت حصول يأسه من الحياة بأمارات الموت، بخلاف الجاهل فإنّه لا ييأس إلّا بعد المعاينة.

[المتن]

[115] 4. الكافي: عن الباقر (عليه السلام) في قول اللّه تعالى: فَكُبْكِبُوا فِيهٰا هُمْ وَ الْغٰاوُونَ (3) قال: «هم وصفوا عدلا بألسنتهم ثم خالفوا إلى غيره» (4).

* بيان

كبّه على وجهه: صرعه، و الكبكبة: تكرير الكبّ، و الغيّ: الضلال «عدلا» صفة عدالة «ثم خالفوا» أي لم يعملوا بموجبه معرضين عنه إلى غيره، فغوت و ضلّت مقلّدتهم بما رأوا منهم من هذا الصنيع الشّنيع.

____________

(1). الكافي 1: 47/ 2.

(2). الكافي 1: 47/ 3، و الآية من سورة النساء (4): 17.

(3). الشعراء (26): 94.

(4). الكافي 1: 47/ 4.

104

باب أنّه لا علم إلّا ما يؤخذ عن أهله

[المتن]

[116] 1. الكافي: عن الباقر (عليه السلام) في قول اللّه تعالى: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسٰانُ إِلىٰ طَعٰامِهِ (1) قال: «علمه الذي يأخذه عمّن يأخذه» (2).

* بيان

لمّا كان تفسير الآية ظاهرا لم يتعرّض له، و إنّما تعرّض لتأويلها، بل التحقيق أنّ كلا المعنيين مراد من اللفظ بإطلاق واحد، فإنّ الطعام يشمل طعام البدن و طعام الروح جميعا، كما أنّ الإنسان يشمل البدن و الروح معا، فلا تأويل بل هما معنى واحد بلا تعدد، و بيانه أنّ المراد أنّ الانسان كما أنّه مأمور بأن ينظر إلى غذائه الجسماني، ليعلم أنّه نزل من السّماء من عند اللّه تعالى بأن صبّ اللّه الماء صبّا، ثم شقّ الأرض شقّا إلى آخر الآيات، فكذلك مأمور بأن ينظر إلى غذائه الروحاني الذي هو العلم، ليعلم أنّه نزل من السماء من عند اللّه بأن صبّ اللّه الأمطار الوحي إلى أرض النبوّة و شجرة الرسالة و ينبوع الحكمة، فأخرج منها حبوب الحقائق و فواكه المعارف ليغتذي بها أرواح القابلين للتربية، فقوله:

«علمه الذي يأخذه عمّن يأخذه» أي ينبغي له أن يأخذ علمه عن أهل بيت النبوّة- الذين هم مهابط الوحي و ينابيع الحكمة- الاخذين علومهم عن اللّه تعالى، حتى يصلح لأن يصير غذاء لروحه، دون غيرهم ممّن لا رابطة بينه و بين اللّه من حيث الوحي و الإلهام.

[المتن]

[117] 2. الكافي: قيل للباقر (عليه السلام): إنّ الحسن البصري يزعم أنّ الذين يكتمون العلم يؤذي ريح بطونهم أهل النار، فقال (عليه السلام): «فهلك إذن مؤمن آل فرعون، ما زال العلم مكتوما منذ بعث اللّه تعالى نوحا، فليذهب الحسن يمينا و شمالا، فو اللّه ما يوجد العلم إلّا هاهنا» (3).

* بيان

لمّا لم يكن عند الحسن من العلوم الحقيقية شيء لم يدر أنّ من العلم ما يجب

____________

(1). عبس (80): 24.

(2). الكافي 1: 49/ 8.

(3). الكافي 1: 51/ 15.