الشافي في العقائد و الأخلاق و الأحكام - ج1

- الفيض الكاشاني المزيد...
928 /
105

كتمانه، كما أنّ منه ما يحرم كتمانه، بل زبدة العلم في الحقيقة ليس إلّا ما يكتم، كما قال سيد العابدين (عليه السلام):

«إني لأكتم من علمي جواهره * * * كيلا يرى الحقّ ذو جهل فيفتتنا»

و إليه الإشارة بقوله (عليه السلام): «فو اللّه ما يوجد العلم إلّا هاهنا» (1) يعني أنّ ما هو الحقيق بأن يسمّى علما ليس إلّا ما هو المخزون عندنا.

باب رواية الحديث

[المتن]

[118] 1. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «اعرفوا منازل الناس على قدر روايتهم عنّا» (2).

[119] 2. الكافي: عنه (عليه السلام) في قول اللّه تعالى: الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ (3) قال:

«هو الرجل يسمع الحديث فيحدّث به كما سمعه لا يزيد فيه و لا ينقص منه» (4).

[120] 3. الكافي: عنه (عليه السلام)، قيل له: أسمع الحديث منك فأزيد و أنقص؟ قال: «إن كنت تريد معانيه، فلا بأس» (5).

[121] 4. الكافي: عنه (عليه السلام)، قيل له: إني أسمع الكلام منك فاريد أن أرويه كما سمعته منك فلا يجيء؟

قال: «فتعمّد (6) ذلك؟» قيل: لا. فقال: «تريد المعاني؟» قيل: نعم. قال: «فلا بأس» (7).

* بيان

يعني تتعمّد ترك حفظ الألفاظ بعدم المبالاة بضبطها، أو إنّك نسيّ، و في الخبرين

____________

(1). الكافي 1: 51/ 48.

(2). الكافي 1: 50/ 13.

(3). الزمر (39): 18.

(4). الكافي 1: 51/ 1.

(5). الكافي 1: 51/ 2.

(6). فى بعض نسخ المصدر: فتتعمّد.

(7). الكافي 1: 51/ 3.

106

دلالة على جواز نقل الحديث بالمعنى، و إن كان نقله بألفاظه أحسن.

[المتن]

[122] 5. الكافي: عنه (عليه السلام) قيل له: الحديث أسمعه منك أرويه عن أبيك أو أسمعه من أبيك أرويه عنك؟

قال: «سواء، إلّا أنّك ترويه عن أبي أحبّ إليّ» (1).

* بيان

إنما كان سواء؛ لأن علومهم كلّها من معدن واحد، بل ذواتهم من نور واحد، كما ورد في كثير من الأخبار، و في بعضها: «خلقنا واحد، و علمنا واحد، و فضلنا واحد، و كلّنا واحد عند اللّه» (2) و أمّا أحبّية الرواية عن الأب، فلعلّ الوجه فيه التقية، فإنّ ذلك أبعد من الشهرة و الإنكار، و أيضا فإنّ قول الماضي أقرب إلى القبول من قول الشاهد عند الجماهير لأنه أبعد من أن يحسد و يبغض.

[المتن]

[123] 6. الكافي: عنه (عليه السلام): «حديثي حديث أبي، و حديث أبي حديث جدّي، و حديث جدّي حديث الحسين، و حديث الحسين حديث الحسن، و حديث الحسن حديث أمير المؤمنين، و حديث أمير المؤمنين حديث رسول اللّه، و حديث رسول اللّه قول اللّه تعالى» (3).

[124] 7. الكافي: قيل للرضا (عليه السلام): الرجل من أصحابنا يعطيني الكتاب و لا يقول: اروه عنّي، يجوز لي أن أرويه عنه؟ فقال: «إذا علمت أنّ الكتاب له فاروه عنه» (4).

[125] 8. الكافي: عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «إذا حدّثتم بحديث فأسندوه إلى الذي حدّثكم، فإن كان حقّا فلكم، و إن كان كذبا فعليه» (5).

[126] 9. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «أعربوا حديثنا، فإنّا قوم فصحاء» (6).

* بيان

أي لا تلحنوا في إعراب الكلمات، بل أعطوا حقّها من الإعراب و التبيين حين التكلّم

____________

(1). الكافي 1: 51/ 4.

(2). بحار الأنوار 25: 363/ 12.

(3). غيبة النعمانى: 85/ 4.

(4). الكافي 1: 52/ 6.

(5). الكافي 1: 52/ 7.

(6). الكافي 1: 52/ 12.

107

بها، فإنّ كلامنا فصيح، فإذا لحنتم فيه اختلّت فصاحته.

باب فضل الكتابة و التمسّك بالكتب

[المتن]

[127] 1. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «القلب يتّكل على الكتابة» (1).

* بيان

الاتّكال: الاعتماد، يعني إذا كتبتم الحديث الذي سمعتموه جمعت قلوبكم و اطمأنت نفوسكم، لتمكّنكم حينئذ من الرجوع إلى الكتاب إذا نسيتم، و فيه حثّ على كتابة الحديث.

[المتن]

[128] 2. الكافي: عنه (عليه السلام): «اكتبوا، فإنّكم لا تحفظون حتى تكتبوا» (2).

[129] 3. الكافي: عنه (عليه السلام): «احتفظوا بكتبكم، فإنّكم سوف تحتاجون إليها» (3).

[130] 4. الكافي: عنه (عليه السلام): «اكتب و بثّ علمك في إخوانك، فإن متّ فأورث كتبك بنيك، فإنّه يأتي على الناس زمان هرج لا يأنسون فيه إلّا بكتبهم» (4).

[131] 5. الكافي: قيل للجواد (عليه السلام): جعلت فداك، إنّ مشايخنا رووا عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السلام) و كانت التقيّة شديدة، فكتموا كتبهم، فلم يرووا عنهم، فلمّا ماتوا صارت الكتب إلينا؟ فقال: «حدّثوا بها، فإنّها حقّ» (5).

* بيان

في هذه الأخبار دلالة على صحة الاعتماد على الكتب و العمل بما فيها من الأحكام إن كانت صحيحة.

____________

(1). الكافي 1: 52/ 8.

(2). الكافي 1: 52/ 9.

(3). الكافي 1: 52/ 10.

(4). الكافي 1: 52/ 11.

(5). الكافي 1: 53/ 15.

108

باب البدعة و الرأي

[المتن]

[132] 1. الكافي: عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «كلّ بدعة ضلالة و كلّ ضلالة، في النار» (1).

[133] 2. الكافي: عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «أيّها الناس، إنّما بدء وقوع الفتن أهواء تتّبع، و أحكام تبتدع، يخالف فيها كتاب اللّه، يتولّى فيها رجال رجالا، فلو أنّ الباطل خلص لم يخف على ذي حجى، و لو أنّ الحقّ خلص لم يكن اختلاف، و لكن يؤخذ من هذا ضغث و من هذا ضغث فيمزجان فيجيئان معا، فهنالك استحوذ الشيطان على أوليائه، و نجا الذين سبقت لهم من اللّه الحسنى» (2).

[134] 3. الكافي: عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «إنّ من أبغض الخلق إلى اللّه لرجلين: رجل و كله اللّه تعالى إلى نفسه فهو جائر عن قصد السبيل مشعوف (3) بكلام بدعة، قد لهج بالصوم و الصلاة، فهو فتنة لمن افتتن به، ضالّ عن هدى من كان قبله، مضلّ لمن اقتدى به في حياته و بعد موته، حمّال خطايا غيره، رهن بخطيئته، و رجل قمش جهلا في جهّال الناس، غان (4) بأغباش الفتنة، قد سمّاه أشباه الناس عالما و لم يغن فيه يوما سالما، بكّر فاستكثر، ما قلّ منه خير ممّا كثر، حتى إذا ارتوى من آجن، و اكتنز من غير طائل، جلس بين الناس قاضيا ضامنا، لتخليص ما التبس على غيره، و إن خالف قاضيا سبقه، لم يأمن من أن ينقض حكمه من يأتي بعده، كفعله بمن كان قبله، و إن نزلت به إحدى المبهمات المعضلات، هيّأ لها حشوا من رأيه، ثم قطع به، فهو من لبس الشبهات في مثل غزل العنكبوت لا يدري أصاب أم أخطأ، لا يحسب العلم في شيء مما أنكر، و لا يرى أن وراء ما بلغ فيه مذهبا، إن قاس شيئا بشيء لم يكذّب نظره، و إن أظلم عليه

____________

(1). الكافي 1: 56/ 8.

(2). الكافي 1: 54/ 1.

(3). في بعض نسخ المصدر: مشغوف.

(4). في بعض نسخ المصدر: عان.

109

أمر اكتتم به، لما يعلم من جهل نفسه، لكيلا يقال له لا يعلم، ثم جسر فقضى، فهو مفتاح عشوات، ركّاب شبهات، خبّاط جهالات، لا يعتذر ممّا لا يعلم فيسلم، و لا يعضّ في العلم بضرس قاطع فيغنم، يذري الروايات ذرو الريح الهشيم، تبكي منه المواريث، و تصرخ منه الدماء، يستحلّ بقضائه الفرج الحرام، و يحرّم بقضائه الفرج الحلال، لا مليء بإصدار ما عليه ورد، و لا هو أهل لما منه فرط، من ادّعائه علم الحق» (1).

* بيان

كأنّ الرجل الأول هو المبتدع في الاصول، و الثاني هو المبتدع في الفروع، كما قاله ابن أبي الحديد (2)، و إنما صارا من أبغض الخلائق، لأنّ شرّهما متعدّ، و لأنه شرّ في الدّين، و لأنّه يبقى بعدهما «عن قصد السبيل» أي السبيل العدل المستقيم المستوي.

و «المشغوف» بالمعجمة و المهملة، و على الأول معناه: دخل حبّ كلام البدعة شغاف قلبه، أي حجابه حتى وصل إلى فؤاده، و على الثاني: غلبه حبّه و أحرقه، فإنّ الشعف شدّة الحبّ و إحراقه القلب.

و اللهج بالشيء: الولوع فيه و الحرص عليه «عن هدى من كان قبله» أي عن سيرته و طريقته و القمش: الجمع «غان باغباش الفتنة» أي مقيم في ظلماتها أسير بها «و أشباه الناس» كناية عن الجهّال و العوام، لخلوّهم عن معنى الانسانية و حقيقتها «و لم يغن فيه يوما سالما» لم يلبث في العلم يوما تامّا، و لم يعش «بكّر» من البكور، يعني أنّه و إن لم يصرف يوما في طلب العلم، و لكن خرج في أول الصباح في كسب الدنيا و متاعها و شهواتها، أو في كسب الجهالات التي زعمتها الجهّال علما، و أحدهما هو المعني بقوله: «ما قلّ منه خير ممّا كثر». و في «نهج البلاغة»: «فاستكثر من جمع ما قلّ» (3) و هو أوضح.

و الارتواء من الشراب: كالشبع من الطعام، شبّه علمه الباطل بالماء المتعفّن «ثم قطع» أي جزم «لبس الشبهات» إما بفتح اللام بمعنى الاختلاط و أصله اختلاط الظلام، و إما بالضم بمعنى الإلباس «في مثل غزل العنكبوت» في عجزه عن

____________

(1). الكافي 1: 54/ 6.

(2). نهج البلاغة: خطبه 59، ذم اهل الرأى ص 60.

(3). نهج البلاغة: كلام 17.

110

التخلّص عنها كالذباب الواقع فيه، و في وهنه و عدم ابتنائه على أصل ثابت «ثم جسر» أي اجترأ «و العشوة» الظلمة و الأمر الملتبس «و الخبط» الضرب على غير استواء «و لا يعضّ في العلم بضرس قاطع» كناية عن قصور حظّه في باب العلم و «ذرته الريح» و أذرته: إذا سقته و أطارته، و إذراؤه للروايات تصفّحها و قراءتها و سردها و درسها مع عدم فهمها و «المليء» بالهمزة: الثقة الغني، أي ليس له من العلم و الثقة قدر ما يمكنه أن يصدر عنه انحلال ما ورد عليه من الاشكالات و الشبهات «فرط» سبق و تقدم.

[المتن]

[135] 4. الكافي: عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «إذا ظهرت البدع في امتي فليظهر العالم علمه، فمن لم يفعل فعليه لعنة اللّه» (1).

[136] 5. الكافي: عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «من أتى ذا بدعة فعظّمه، فإنّما يسعى في هدم الإسلام» (2).

[137] 6. الكافي: عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «إذا رأيتم أهل البدع و الرّيب من بعدي فأظهروا البراءة منهم، و أكثروا من سبّهم و القول فيهم و الوقيعة، و باهتوهم حتى لا يطمعوا في الفساد في الاسلام، و يحذرهم الناس و لا يتعلّمون من بدعهم، يكتب اللّه لكم بذلك الحسنات، و يرفع لكم به الدرجات في الآخرة» (3).

* بيان

و «القول فيهم» يعني بما يشينهم و «الوقيعة» الغيبة «باهتوهم» أي جادلوهم و أسكتوهم و اقطعوا الكلام عليهم.

[المتن]

[138] 7. الكافي: عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «أبى اللّه لصاحب البدعة بالتوبة» قيل: يا رسول اللّه و كيف ذلك؟ قال:

«إنّه قد اشرب قلبه حبّها» (4).

[139] 8. الكافي: عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «إنّ عند كلّ بدعة تكون من بعدي يكاد بها الإيمان وليّا من أهل بيتي موكّلا به يذبّ عنه، ينطق بإلهام من اللّه تعالى، و يعلن الحق و ينوّره، و يردّ

____________

(1). الكافي 1: 54/ 2.

(2). الكافي 1: 54/ 3.

(3). الكافي 2: 375/ 4.

(4). الكافي 1: 54/ 4.

111

كيد الكائدين، يعبّر عن الضعفاء، فاعتبروا يا اولي الأبصار، و توكّلوا على اللّه» (1).

* بيان

«يعبّر عن الضعفاء» أي يكون لسانا لهم معبّرا عنهم ما يدفع تلك البدعة.

[المتن]

[140] 9. الكافي: قيل للكاظم (عليه السلام): بما أوحّد اللّه؟ قال: «لا تكوننّ مبتدعا، من نظر برأيه هلك، و من ترك أهل بيت نبيّه ضلّ، و من ترك كتاب اللّه و قول نبيّه كفر» (2).

* بيان

«بما أوحّد اللّه؟» يعني بما أستدلّ على التوحيد، كأنّه يريد الدلائل الكلامية، فنهاه عن غير السمع.

[المتن]

[141] 10. الكافي: عن الباقر (عليه السلام): «من أفتى الناس برأيه فقد دان اللّه بما لا يعلم، و من دان اللّه بما لا يعلم فقد ضادّ اللّه حيث أحلّ و حرّم فيما لا يعلم» (3).

[142] 11. الكافي، و التهذيب: عن الصادق (عليه السلام): «سألني ابن شبرمة: ما تقول في القسامة في الدم؟ فأجبته بما صنع النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقال: أ رأيت لو أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لم يصنع هذا، كيف كان القول فيه؟» قال: «فقلت له: أمّا ما صنع النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقد أخبرتك، و أمّا ما لم يصنع فلا علم لي به» (4).

و في رواية اخرى: «و لسنا من أ رأيت (5) في شيء» (6).

[143] 12. الكافي: عنه (عليه السلام) سئل عن الحلال و الحرام، فقال: «حلال محمّد حلال أبدا إلى يوم القيامة، و حرامه حرام أبدا إلى يوم القيامة، لا يكون غيره، و لا يجيء غيره، و قال: «قال علي (عليه السلام): «ما ابتدع أحد بدعة إلّا ترك بها سنّة» (7).

____________

(1). الكافي 1: 54/ 5.

(2). الكافي 1: 56/ 10.

(3). الكافي 1: 57/ 16.

(4). الكافي 7: 362/ 7، التهذيب 10: 168/ 4.

(5). لما كان مراده أخبرني عن رأيك الذي تختاره بالظن و الاجتهاد نهاه (عليه السلام) عن هذا الظن، و بيّن له أنهم لا يقولون شيئا إلّا بالجزم و اليقين و بما وصل إليهم من سيد المرسلين (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

(6). الكافي 1: 58/ 21.

(7). الكافي 1: 58/ 19.

112

* بيان

يعني أنّ الأحكام التي بقيت عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بعد نسخ ما نسخ منها مستمرّة إلى يوم القيامة، لا يعارضها نسخ و لا اجتهاد، و لا يبطلها رأي و لا قياس، ردّ بذلك على أصحاب الرأي و الاجتهاد، فإنّ آراءهم تتغيّر، و إنّما كان كلّ بدعة مستلزما لترك سنّة لقيامها، مقامها و لأنّ من طلب ما لا يعنيه فاته ما يعنيه.

[المتن]

[144] 13. التهذيب: عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «لو قضيت بين رجلين بقضية ثم عادا إلي من قابل، لم أزدهما على القول الأول، لأنّ الحقّ لا يتغيّر» (1).

[145] 14. الكافي: عن الصادق (عليه السلام) في قوله تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبٰارَهُمْ وَ رُهْبٰانَهُمْ أَرْبٰاباً مِنْ دُونِ اللّٰهِ (2) قال: «أما و اللّه ما دعوهم إلى عبادة أنفسهم، و لو دعوهم ما أجابوهم، و لكن أحلّوا لهم حراما، و حرّموا عليهم حلالا، فعبدوهم من حيث لا يشعرون» (3).

* بيان

«الأحبار» العلماء و «الرهبان» العبّاد، و معنى الحديث أنّ من أطاع أحدا فيما يأمر به و ينهى عنه خلاف ما أمر اللّه به و ينهى؛ فقد اتّخذه ربّا و عبده من حيث لا يشعر.

باب القياس

[المتن]

[146] 1. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «إنّ أصحاب المقاييس، طلبوا العلم بالمقاييس فلم تزدهم المقاييس من الحق إلّا بعدا، و إنّ دين اللّه لا يصاب بالمقاييس» (4).

[147] 2. الكافي: سماعة، عن الكاظم (عليه السلام) قال: قلت: أصلحك اللّه، إنّا نجتمع فنتذاكر ما عندنا، فلا يرد علينا شيء إلّا و عندنا فيه شيء مستطرف، و ذلك ممّا أنعم اللّه به علينا بكم، ثم يرد علينا الشيء الصغير

____________

(1). التهذيب 6: 296/ 92.

(2). التوبة/ 31.

(3). الكافي 2: 398/ 7.

(4). الكافي 1: 56/ 7.

113

ليس عندنا فيه شيء، فينظر بعضنا إلى بعض و عندنا ما يشبهه، فنقيس على أحسنه؟ فقال: «ما لكم و للقياس! إنّما هلك من هلك من قبلكم بالقياس»، ثم قال: «إذا جاءكم ما تعلمون فقولوا به، و إن جاءكم ما لا تعلمون فها- و أهوى بيده إلى فيه، ثم قال:- لعن اللّه أبا حنيفة، كان يقول:

قال عليّ، و قلت أنا، و قالت الصحابة و قلت». ثم قال: «أكنت تجلس إليه؟» فقلت: لا، و لكن هذا كلامه. فقلت: أصلحك اللّه أتى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الناس بما يكتفون به في عهده؟ قال: «نعم، و ما يحتاجون إليه إلى يوم القيامة»، فقلت: فضاع من ذلك شيء؟ فقال: «لا، هو عند أهله» (1).

* بيان

«قال عليّ، و قلت» يعني و قلت خلاف قوله، أراد أنّه كان يرى في المسألة رأيا و أنا رأيت فيها رأيا آخر بخلافه، قال الزمخشري في «ربيع الأبرار»: قال يوسف بن أسباط: ردّ أبو حنيفة على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أربعمائة حديث و أكثر، قيل: مثل ما ذا؟

قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «للفرس سهمان، و للرجل سهم» (2) قال أبو حنيفة: لا أجعل سهم بهيمة أكثر من سهم المؤمن، و أشعر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أصحابه البدن، و قال أبو حنيفة: الإشعار مثله، و قال: «البيّعان بالخيار ما لم يتفرّقا»، و قال أبو حنيفة: إذا وجب البيع فلا خيار، و كان (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يقرع بين نسائه إذا أراد سفرا، و أقرع أصحابه، و قال أبو حنيفة: القرعة قمار (3).

[المتن]

[148] 3. الكافي: قيل للصادق (عليه السلام): تردّ علينا أشياء لا نعرفها في كتاب و لا سنّة، فننظر فيها؟

قال: «لا، أما إنّك إن أصبت لم تؤجر، و إن أخطأت كذبت على اللّه عزّ و جلّ» (4).

[149] 4. الكافي: عنه (عليه السلام): «إنّ السنّة لا تقاس، ألا ترى أنّ المرأة تقضي صومها و لا تقضي صلاتها، إنّ السنّة إذا قيست محق الدين» (5).

* بيان

«المحق» ذهاب الشيء حتى لا يرى منه أثر، و إنّما يمحق الدين بالقياس؛ لأنّ لكلّ

____________

(1). الكافي 1: 57/ 13.

(2). مجموعة ورام 1: 81/ 57/ باب العتاب.

(3). الصراط المستقيم 3: 153/ 15/ باب في تخطئة كلّ من الإربة.

(4). الكافي 1: 56/ 11.

(5). الكافي 1: 57/ 15.

114

أحد أن يرى بعقله أو هواه مناسبة بين الشيء و ما أراد أن يقيسه عليه فيحكم عليه بحكمه، و ما من شيء إلّا و بينه و بين شيء آخر مجانسة أو مشاركة في كمّ أو كيف أو نسبة، فإذا قيس بعض الأشياء على بعض في الأحكام صار الحلال حراما و الحرام حلالا حتى لم يبق شيء من الدين.

[المتن]

[150] 5. الكافي: عنه (عليه السلام): «إنّ إبليس قاس نفسه بآدم، فقال: خلقتني من نار و خلقته من طين، فلو قاس الجوهر الذي خلق اللّه منه آدم بالنار، كان ذلك أكثر نورا و ضياء من النار» (1).

* بيان

أراد «بالجوهر الذي خلق اللّه منه آدم» روحه المقدسة التي هي أمر من أمر اللّه و كلمة من كلماته و نور من أنواره التي بها صار آدم مكرّما مستحقّا لمسجودية الملائكة، و هو نور معنوي عقلاني لا نسبة له إلى الأنوار الحسّية كنور الشمس و القمر فضلا عن نور النار الذي يضمحل في النهار، و آدم في الحقيقة عبارة عنه لا عن الجسد، و لمّا لم يكن لإبليس منه نصيب لم يره من آدم و لم يعرفه، و هو مختصّ بالأنبياء فالأولياء و أهل السعادة الكاملة من العلماء، و أمّا الأرواح التي لسائر أفراد البشر فلإبليس في مثلها مشاركة.

باب أنّه ليس شيء ممّا يحتاج إليه الناس إلّا و قد جاء فيه كتاب أو سنّة

[المتن]

[151] 1. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «إنّ اللّه تعالى أنزل في القرآن تبيان كلّ شيء، حتى و اللّه ما ترك اللّه شيئا يحتاج إليه العباد حتى لا يستطيع عبد يقول: لو كان هذا أنزل في القرآن، إلّا و قد أنزله اللّه تعالى فيه» (2).

____________

(1). الكافي 1: 58/ 18.

(2). الكافي 1: 59/ 1.

115

[152] 2. الكافي: عن الباقر (عليه السلام): «إنّ اللّه لم يدع شيئا يحتاج إليه الامّة إلّا أنزله في كتابه، و بيّنه لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و جعل لكلّ شيء حدّا، و جعل عليه، دليلا يدلّ عليه و جعل على من تعدّى ذلك الحدّ حدّا» (1).

* بيان

ما أنزله اللّه سبحانه في كتابه من الأشياء على قسمين: أحدهما ما ذكره فيه بعينه، و الاخر ما ذكر فيه أصلا كلّيا يمكن للنبي أو وصي النبي أن يستنبط منه ذلك، كما قال اللّه سبحانه: وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ (2) و ليس لكلّ أحد هذا الاستنباط لقصور عقول الرجال عنه إلّا من كان أهله، و من هذا القبيل قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «علّمني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ألف باب من العلم، يفتح لي من كلّ باب ألف باب» (3) و يدلّ على ما قلناه الأخبار الآتية.

[المتن]

[153] 3. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «ما من أمر يختلف فيه اثنان إلّا و له أصل في كتاب اللّه، و لكن لا تبلغه عقول الرجال» (4).

[154] 4. الكافي، و التهذيب: عن الباقر (عليه السلام): «إذا حدّثتكم بشيء فاسألوني أين هو من كتاب اللّه». ثم قال في بعض حديثه: «إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) نهى عن القيل و القال، و فساد المال، و كثرة السؤال».

فقيل له: يا ابن رسول اللّه أين هذا من كتاب اللّه؟ قال: «إنّ اللّه تعالى يقول: لٰا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوٰاهُمْ إِلّٰا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلٰاحٍ بَيْنَ النّٰاسِ (5) و قال: وَ لٰا تُؤْتُوا السُّفَهٰاءَ أَمْوٰالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّٰهُ لَكُمْ قِيٰاماً (6) و قال: لٰا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْيٰاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ (7)».

[155] 5. الكافي: عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «أيها الناس، إنّ اللّه تعالى أرسل إليكم الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)

____________

(1). الكافي 1: 59/ 2.

(2). النساء 4: 83.

(3). البحار 72: 183/ 10.

(4). الكافي 1: 60/ 6.

(5). النساء (4): 114.

(6). النساء (4): 5.

(7). الكافي 1: 60/ 5، و الآية من سورة المائدة (5): 101.

116

و أنزل إليه الكتاب بالحق و أنتم أمّيون عن الكتاب و من أنزله، و عن الرسول و من أرسله، على حين فترة من الرسل، و طول هجعة من الامم، و انبساط من الجهل، و اعتراض من الفتنة، و انتقاض من المبرم، و عمى عن الحق، و اعتساف من الجور، و امتحاق من الدين، و تلظّى من الحروب على حين اصفرار من رياض جنّات الدنيا، و يبس من أغصانها، و انتثار من ورقها، و يأس من ثمرها، و اغورار من مائها. قد درست أعلام الهدى، و ظهرت أعلام الردى، فالدنيا متهجّمة في وجه أهلها، مكفهرّة، مدبرة غير مقبلة، ثمرتها الفتنة، و طعامها الجيفة، و شعارها الخوف، و دثارها السيف، مزّقتم كلّ ممزّق، و قد أعمت عيون أهلها، و أظلمت عليها أيامها، قد قطعوا أرحامهم، و سفكوا دماءهم، و دفنوا في التراب الموؤدة بينهم من أولادهم، يجتاز دونهم طيب العيش، و رفاهية خفوض الدنيا، لا يرجون من اللّه ثوابا، و لا يخافون- و اللّه- منه عقابا، حيّهم أعمى نجس، و ميّتهم في النار مبلس، فجاءهم بنسخة ما في الصحف الاولى، و تصديق الذي بين يديه، و تفصيل الحلال من ريب الحرام. ذلك القرآن فاستنطقوه و لن ينطق لكم، اخبركم عنه، أنّ فيه علم ما مضى و علم ما يأتي إلى يوم القيامة، و حكم ما بينكم، و بيان ما أصبحتم فيه تختلفون، فلو سألتموني عنه لعلّمتكم» (1).

* بيان

«الامّي» من لا يكتب و لا يقرأ، ضمّنه ما يعدّى بعن، و «الفترة» الزمان الذي بين الرسولين، و «الهجعة» النوم، كنّى بها عن الغافلة، و «الفتنة» الضلال عن سبيل الحق و الحيرة و «المبرم» المحكم، أشار بانتقاضه إلى زوال ما كان الناس عليه قبلهم من نظام أحوالهم بسبب الشرائع السابقة و «الاعتساف» الظلم و «الامتحاق» المحو و «التلظّي» اشتعال النار و «اغورار الماء» ذهابه في باطن الأرض و «الدّرس» المحو، و «الردى» الهلاك، و «التهجّم» التهدّم، و «الاكفهرار» العبوس و «الشّعار» ما يلي شعر الجسد من الثياب و «الدّثار» ما فوق الشّعار منها و «التمزيق» الخرق و «الموؤدة» المدفونة في التراب حيّة من البنات، كان إذا ولدت لأحدهم في الجاهلية بنت دفنها في التراب حيّة «يجتاز دونهم» بالجيم و الزاي، أي يزول عنهم

____________

(1). الكافي 1: 60/ 7.

117

و «الخفوض» جمع الخفض، و هو الدعة و الراحة و «العمى» كناية عن الجهل و «النجاسة» عن الكفر و «الإبلاس» الغمّ و الانكسار و الإياس من رحمة اللّه و «الصحف الاولى» الكتب المنزلة من قبل، و هي المراد بالذي بين يديه، و كلّ أمر تقدّم أمرا منتظرا قريبا منه يقال أنّه جاء بين يديه و «ريب الحرام» شبهته، يعني فضلا عن صريحه «فاستنطقوه» أي استعلموا عنه الأخبار و الأحكام.

ثم أشار إلى أن ليس كلّ أحد ممّن ينطق له القرآن، إذ لا يفهم لسانه إلّا أهل اللّه خاصّة، لعدم الاذن الباطني و السمع القلبي لغيرهم، ثم بيّن أنّه لسان اللّه الناطق عن كتبه للخلق المخبر عن أسرار القرآن، فقال: أخبركم عنه. و في نهج البلاغة: «و لكن اخبركم عنه» (1). و نبّه على أن في نفسه القدسية العلوم التي ذكرها، و أشار بإيراد كلمة «لو» دون «إذا» إلى فقد من يسأله عن غوامض مقاصد القرآن و أسرار علومه، كما دلّ عليه بقوله: «إنّ هاهنا لعلوما جمّة لو وجدت لها حملة» (2).

[المتن]

[156] 6. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «قد ولدني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أنا أعلم كتاب اللّه، و فيه بدو الخلق، و ما هو كائن إلى يوم القيامة، و فيه خبر السماء و خبر الأرض، و خبر الجنة و خبر النار، و خبر ما كان و ما هو كائن، أعلم ذلك كما أنظر إلى كفّي، إنّ اللّه يقول:

تِبْيٰاناً لِكُلِّ شَيْءٍ» (3).

[157] 7. الكافي: عنه (عليه السلام): «كتاب اللّه، فيه نبأ ما قبلكم، و خبر ما بعدكم، و فصل ما بينكم، و نحن نعلمه» (4).

[158] 8. الكافي: قيل للكاظم (عليه السلام): كلّ شيء في كتاب اللّه و سنّة نبيّه؟ أو تقولون فيه؟ قال: «بل كلّ شيء في كتاب اللّه و سنّة نبيه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)» (5).

* بيان

«أو تقولون فيه» بالخطاب، أي تحكمون فيه بما ترون.

____________

(1). نهج البلاغة: خ 159/ 223.

(2). بحار الأنوار 65: 224/ 23.

(3). الكافي 1: 61/ 8؛ و الآية من سورة النحل (16): 89.

(4). الكافي 1: 61/ 9.

(5). الكافي 1: 62/ 10.

118

[المتن]

[159] 9. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «ما من شيء إلّا و فيه كتاب أو سنّة» (1).

[160] 10. الكافي: عنه (عليه السلام): «ما خلق اللّه حلالا و لا حراما إلّا و له حدّ كحدّ الدار، فما كان من الطريق فهو من الطريق، و ما كان من الدار فهو من الدار، حتى أرش الخدش فما سواه، و الجلدة و نصف الجلدة» (2).

* بيان

«الخدش» تقشير الجلد بعود و نحوه و «أرشه» ما يجبر نقصه من الدية و «الجلدة» الضربة بالسوط و «نصفها» أن يؤخذ بنصف السوط فيضرب، و لا يخفى أنّ هذه الأخبار صريحة في أنّه ليس لأحد التصرّف في أحكام اللّه برأيه، و أنّ الحلال حلال دائما و الحرام حرام أبدا، و لكلّ منهما حدّ معيّن و دليل معيّن أبدا.

[المتن]

[161] 11. الفقيه، و التهذيب: عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «الحمد للّه الذي لم يخرجني من الدنيا حتى بيّنت للامّة جميع ما تحتاج إليه» (3).

باب اختلاف الحديث و الحكم

[المتن]

[162] 1. الكافي: سليم بن قيس الهلالي، قال: قلت لأمير المؤمنين (عليه السلام): إنّي سمعت من سلمان و المقداد و أبي ذر شيئا من تفسير القرآن و أحاديث عن نبي اللّه غير ما في أيدي الناس، ثم سمعت منك تصديق ما سمعت منهم، و رأيت في أيدي الناس أشياء كثيرة من تفسير القرآن و من الأحاديث عن نبي اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنتم تخالفونهم فيها و تزعمون أن ذلك كلّه باطل، أ فترى الناس يكذبون على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) متعمّدين و يفسّرون القرآن بآرائهم؟ قال: فأقبل (عليه السلام) عليّ فقال: «قد سألت فافهم الجواب، إنّ في أيدي الناس حقّا و باطلا، و صدقا و كذبا، و ناسخا و منسوخا، و عاما و خاصا، و محكما و متشابها، و حفظا و وهما، و قد كذّب على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) على

____________

(1). الكافي 1: 59/ 4.

(2). الكافي 1: 59/ 3.

(3). الفقيه 3: 112/ 3432، التهذيب 6: 319/ 879.

119

عهده حتى قام خطيبا، فقال: أيها الناس، قد كثرت عليّ الكذّابة، فمن كذب عليّ متعمدا فليتبوّأ مقعده من النار، ثم كذب عليه من بعده، و إنّما أتاكم الحديث من أربعة ليس لهم خامس: رجل منافق يظهر الايمان متصنّع بالاسلام لا يتأثّم و لا يتحرّج أن يكذّب على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) متعمّدا، فلو علم الناس أنّه منافق كذّاب لم يقبلوا منه و لم يصدّقوه، و لكنّهم قالوا: هذا قد صحب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و رآه و سمع منه، فيأخذون عنه و هم لا يعرفون حاله، و قد أخبر اللّه عن المنافقين بما أخبره و وصفهم بما وصفهم، فقال تعالى: وَ إِذٰا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسٰامُهُمْ وَ إِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ (1)، ثم بقوا بعده فتقرّبوا إلى أئمّة الضلال و الدعاة إلى النار بالزور و الكذب و البهتان، فولّوهم الأعمال و حملوهم على رقاب الناس و أكلوا بهم الدنيا، و إنّما الناس مع الملوك و الدنيا إلّا من عصم اللّه، فهذا أحد الأربعة.

و رجل سمع من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) شيئا لم يحمله على وجهه، و وهم فيه و لم يتعمّد كذبا، فهو في يده يقول به و يعمل به و يرويه، فيقول: أنا سمعته من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فلو علم المسلمون أنّه و هم لم يقبلوه، و لو علم هو أنّه و هم لرفضه هو.

و رجل ثالث سمع من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) شيئا أمر به ثم نهى عنه و هو لا يعلم، أو سمعه ينهى عن شيء ثم أمر به و هو لا يعلم، فحفظ منسوخه و لم يحفظ الناسخ، فلو علم أنّه منسوخ لرفضه، و لو علم المسلمون إذ سمعوه منه أنّه منسوخ لرفضوه.

و آخر رابع لم يكذب على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، مبغض للكذب خوفا من اللّه و تعظيما لرسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، لم ينسه، بل حفظ ما سمع على وجهه، فجاء به كما سمع، لم يزد فيه و لم ينقص منه، و علم الناسخ و المنسوخ، و عمل بالناسخ و رفض المنسوخ، فإنّ أمر النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مثل القرآن ناسخ و منسوخ، و خاص و عام، و محكم و متشابه، قد كان يكون من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الكلام له وجهان، و كلام عام و كلام خاص مثل القرآن، و قال اللّه في كتابه: مٰا آتٰاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مٰا نَهٰاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (2) فيشتبه على من لم يعرف و لم يدر ما عنى اللّه به و رسوله.

____________

(1). المنافقون (63): 4.

(2). الحشر (59): 7.

120

و ليس كلّ أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان يسأله عن الشيء فيفهم، و كان منهم من يسأله و لا يستفهمه، حتى أن كانوا ليحبّون أن يجيء الأعرابي و الطارئ فيسأل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حتى يسمعوا.

و قد كنت أدخل على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كلّ يوم دخلة، و كلّ ليلة دخلة، فيخلّيني فيها أدور معه حيث دار، و قد علم أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّه لم يصنع ذلك بأحد من الناس غيري، فربّما كان في بيتي، يأتيني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أكثر ذلك في بيتي، و كنت إذا دخلت عليه بعض منازله أخلى بي و أقام عنّي نساءه، فلا يبقى عنده غيري، و إذا أتاني للخلوة معي في منزلي لم يقم عنّي فاطمة و لا أحدا من بنيّ، و كنت إذا سألته أجابني، و إذا سكت عنه و فنيت مسائلي ابتدأني، فما نزلت على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) آية من القرآن إلّا أقرأنيها و أملاها عليّ فكتبتها بخطّي و علّمني تأويلها و تفسيرها، و ناسخها و منسوخها، و محكمها و متشابهها، و خاصّها و عامّها، و دعا اللّه أن يعطيني فهمها و حفظها، فما نسيت آية من كتاب اللّه و لا علما أملاه عليّ و كتبته منذ دعا اللّه لي بما دعا، و ما ترك شيئا علّمه اللّه من حلال و لا حرام و لا أمر و لا نهي كان أو يكون و لا كتاب منزل على أحد قبله من طاعة أو معصية إلّا علّمنيه و حفظته، فلم أنس حرفا واحدا، ثم وضع يده على صدري و دعا اللّه لي أن يملأ قلبي علما و فهما و حكما و نورا، فقلت: يا رسول اللّه، بأبي أنت و امي منذ دعوت اللّه لي بما دعوت لم أنس شيئا و لم يفتني شيء لم أكتبه، أ فتتخوّف عليّ النسيان فيما بعد؟ فقال: لا لست أتخوّف عليك النسيان و الجهل» (1).

* بيان

«المحكم» هو الدال على معنى لا يحتمل غيره، و المتشابه بخلافه و «الوهم» أن لا يحفظ الشيء كما هو، و قد ذكر العلماء دليلا على وقوع الكذب على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقالوا: قد نقل عنه هذا الخبر و ما في معناه، فإن كان صدقا فهو المطلوب و إن كان كذبا فقد كذب عليه.

روى العتائقي في شرحه لنهج البلاغة: أنّ رجلا سرق رداء النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و خرج

____________

(1). الكافي 1: 62/ 1.

121

إلى قوم، فقال: هذا رداء محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أعطانيه لتمكّنوني من تلك المرأة، فاستنكروا ذلك، فبعثوا من سأله عنه، فقام فشرب ماء فلدغته الحيّة فمات، و لما سمع النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال لعليّ: «انطلق فإن وجدته و قد كفيت فأحرقه بالنار» فجاء و أمر بإحراقه، فكان ذلك سبب الخبر المذكور.

و «المتصنّع بالإسلام» المتزيّن به، المتحلّي في عيون أهله «لا يتأثّم» أي لا يعتقد الإثم إثما «و لا يتحرّج» أي لا يضيق صدره، و أراد بأئمة الضلالة الثلاثة و من يحذو حذوهم من بني امية و أشباههم.

«مٰا آتٰاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ» أشار بذكر هذه الآية إلى وجوب اتّباع حديث الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ليترتّب عليه الاشتباه في الحديث، كيلا يتوهّم أحد جواز رفض الحديث إذ لم يتبيّن معناه، و عدم الاستفهام لعلّه للاحترام و الإجلال لغاية عظمته في قلوبهم و «الطارئ» الذي يأتي من مكان بعيد «فيخليني فيها» إمّا من الإخلاء، أي يجتمع بي في خلوة، أو يتفرّغ لي عن كلّ شغل، أو من التخلية من قولهم: خلّيت سبيله يفعل ما يشاء، أمّا قوله: «أخلانى» فيحتمل الأول، و إن يكون بالموحدة، من أخليت به: إذا انفردت به و «الحكم» بالضمّ: الحكمة، و إنما نبّه على غاية قربه من الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و نهاية اختصاصه فيما يتعلّق بالعلم و الحفظ و الدراية و الإحاطة بجميع الكتب الإلهية، ليرجع الناس في امور دينهم إليه، و يقتبسوا من مشكاة علمه، و يستضيئوا بأنواره، و يقتدوا بهداه، صلوات اللّه و سلامه عليه و على من تقرّب إليه.

[المتن]

[163] 2. الكافي: قيل للصادق (عليه السلام): ما بال أقوام يروون عن فلان و فلان عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لا يتّهمون بالكذب، فيجيء منكم خلافه؟ قال: «إنّ الحديث ينسخ كما ينسخ القرآن» (1).

* بيان

يعني أنّ حديث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ربّما ينسخ و لا يعلم الراوي نسخه، فيرويه ظنّا منه بقاء حكمه من غير كذب، فيجيء غيره بالناسخ فيقع الاختلاف.

[المتن]

[164] 3. الكافي: زرارة عن الباقر (عليه السلام) قال: سألته عن مسألة فأجابني، ثم جاء رجل فسأله عنها فأجابه بخلاف ما أجابني، ثم جاء آخر فأجابه بخلاف ما أجابني، و أجاب صاحبي، فلمّا خرج الرجلان، قلت:

____________

(1). الكافي 1: 64/ 2.

122

يا ابن رسول اللّه، رجلان من أهل العراق من شيعتكم قدما يسألان، فأجبت كلّ واحد منهما بغير ما أجبت به صاحبه، فقال: «يا زرارة، إنّ هذا خير لنا و أبقى لنا و لكم، و لو اجتمعوا على أمر واحد لصدّقكم الناس علينا، و لكان أقلّ لبقائنا و لبقائكم» (1).

[165] 4. الكافي: الحذّاء عن الباقر (عليه السلام) قال: قال لي: «يا زياد، ما تقول لو أفتينا رجلا ممّن يتولّانا بشيء من التقية؟». قال: قلت له: أنت أعلم جعلت فداك، قال: «إن أخذ به فهو خير له و أعظم أجرا» (2).

و في رواية أخرى: «إن أخذ به أوجر، و إن تركه- و اللّه- أثم» (3).

[166] 5. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «من عرف أنّا لا نقول إلّا حقّا فليكتف بما يعلم منّا، فإن سمع منّا خلاف ما يعلم فليعلم أنّ ذلك دفاع منّا عنه» (4).

* بيان

يعني دفاعا للفتنة و الضرر، يعني لا يريبكم في أمرنا اختلافنا في الأجوبة، فإنّما ذلك للمصلحة.

[المتن]

[167] 6. الكافي: عنه (عليه السلام): سئل عن رجل اختلف عليه رجلان من أهل دينه في أمر كلاهما يرويه، أحدهما يأمره بأخذه، و الاخر ينهاه عنه، كيف يصنع؟ قال: «يرجئه حتى يلقى من يخبره، فهو في سعة حتى يلقاه» (5).

و في رواية: «بأيّهما أخذت من باب التسليم وسعك» (6).

* بيان

«يرجئه» أي يؤخّره، و الجمع بين الروايتين بأن يخصّ التأخير بمن يمكنه الإرجاء و يرجو اللقاء و التخيير بغيره، ثم التخيير إنّما يكون فيما يتعلّق بالعمل

____________

(1). الكافي 1: 65/ 5.

(2). الكافي 1: 65/ 4.

(3). الكافي 1: 65/ ذيل 4.

(4). الكافي 1: 65/ 6.

(5). الكافي 1: 66/ 7.

(6). الكافي 1: 66/ ذيل 7.

123

دون الاعتقاد.

فإن قلت: كيف أذن (عليه السلام) بالتخيير مع أنّ حكم اللّه تعالى واحد في كلّ قضية؟

قلنا: إنّ مع الجهل بالحكم يسقط الأخذ به للاضطرار دفعا لتكليف ما لا يطاق، و لهذا جاز العمل بالتقيّة أيضا، فالحكم في مثله اضطراريّ، قال اللّه تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلٰامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجٰانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللّٰهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1) على أنّا لا نمنع أن يكون الحكم في بعض المسائل التخيير، و كانوا قد أتوا في كلّ خبر بأحد فردي المخيّر فيه كما يستفاد من بعض الروايات.

[المتن]

[168] 7. الكافي: عنه (عليه السلام): «أ رأيتك لو حدّثتك بحديث العام، ثم جئتني من قابل فحدثتك بخلافه، بأيّهما كنت تأخذ»؟ قال: كنت آخذ بالأخير، فقال لي: «رحمك اللّه» (2).

* بيان

وجه الأخذ بالأخير أنّ بعض الأزمنة يقتضي الحكم بالتقيّة للخوف الذي فيه، و بعضها لا يقتضيه لعدمه، فالإمام (عليه السلام) في كلّ زمان يحكم ما يراه المصلحة في ذلك الزمان، فليس لأحد أن يأخذ في العام بما حكم به في عام أول، و هذا معنى قوله (عليه السلام) في حديث آخر: «انّا و اللّه لا ندخلكم إلّا فيما يسعكم» (3).

[المتن]

[169] 8. الكافي، و التهذيب: عنه (عليه السلام) سئل عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث، فتحاكما إلى السلطان و إلى القضاة، أ يحلّ ذلك؟ قال: «من تحاكم إليهم في حقّ أو باطل فإنّما تحاكم إلى الطاغوت، و ما يحكم له فإنّما يأخذ سحتا و إن كان حقّا ثابتا له، لأنه أخذه بحكم الطاغوت، و قد أمر اللّه أن يكفر به، قال اللّه تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحٰاكَمُوا إِلَى الطّٰاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ (4)».

قيل: فكيف يصنعان؟ قال: «ينظران من كان منكم قد روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا فليرضوا به حكما، فإنّي قد جعلته عليكم حاكما، فإذا حكم

____________

(1). المائدة (5) 3.

(2). الكافي 1: 67/ 8.

(3). الكافي 1: 67/ 9.

(4). النساء (4) 60.

124

بحكمنا فلم يقبله منه فإنّما استخفّ بحكم اللّه، و علينا ردّ، و الرادّ علينا الرادّ على اللّه، و هو على حدّ الشرك باللّه».

قيل: فإن كان كلّ رجل اختار رجلا من أصحابنا، فرضيا أن يكونا الناظرين في حقّهما، و اختلفا فيما حكما، و كلاهما اختلفا في حديثكم؟ قال: «الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما و أصدقهما في الحديث و أورعهما، و لا يلتفت إلى ما يحكم به الاخر».

قيل: فإنّهما عدلان مرضيّان عند أصحابنا لا يفضل واحد منهما على الاخر؟

قال: «ينظر إلى ما كان من روايتهم عنّا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه من أصحابك فيؤخذ به من حكمنا، و يترك الشاذّ الذي ليس بمشهور عند أصحابك، فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه، و إنّما الامور ثلاثة: أمر بيّن رشده فيتّبع، و أمر بيّن غيّه فيجتنب، و أمر مشكل يرد علمه إلى اللّه و إلى رسوله، قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): حلال بيّن، و حرام بيّن، و شبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرّمات، و من أخذ بالشبهات ارتكب المحرّمات، و هلك من حيث لا يعلم».

قيل: فإن كان الخبران عنكما مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟

قال: «ينظر، فما وافق حكمه حكم الكتاب و السنّة و خالف العامة فيؤخذ به، و يترك ما خالف حكمه حكم الكتاب و السنّة و وافق العامة».

قيل: جعلت فداك، أ رأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب و السنّة، و وجدنا أحد الخبرين موافقا للعامة و الاخر مخالفا لهم، بأيّ الخبرين يؤخذ؟

قال: «ما خالف العامّة ففيه الرشاد».

فقيل: جعلت فداك، فإن وافقها الخبران جميعا؟

قال: «ينظر إلى ما هم إليه أميل، حكّامهم و قضاتهم، فيترك و يؤخذ بالآخر».

قيل: فإن وافق حكّامهم الخبرين جميعا؟

قال: «إذا كان ذلك فأرجه حتى تلقى إمامك، فإنّ الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات» (1).

____________

(1). الكافي 1: 67/ 10، التهذيب 6: 301/ 845، الفقيه 3: 9/ 2.

125

* بيان

«دين» بفتح الدال و «الطاغوت» الشيطان، مبالغة من الطغيان، و المراد به هنا من يحكم بغير الحق لفرط طغيانه، أو لتشبيهه بالشيطان، أو لأنّ التحاكم إليه تحاكم إلى الشيطان من حيث أنّه الحامل له على الحكم، كما نبّه عليه تتمة الآية وَ يُرِيدُ الشَّيْطٰانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلٰالًا بَعِيداً (1). و عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «كلّ حكم حكم بغير قولنا أهل البيت فهو طاغوت» (2)، ثم قرأ هذه الآية، «و السّحت» الحرام، و «الكفر بالطاغوت» أن يعتقد أنّه ليس أهلا للتحاكم، فمن اعتقد ذلك ثم أراد التحاكم إليه فهو خائن، فإن لم يرد لكن اضطر إليه، كما إذا لم يوجد هناك عدل، أو كان خصمه لا يرضى بالتحاكم إلى العدل؛ فحينئذ يحتمل حلّ ما أخذ إذا كان حقّا له ثابتا، لأنه كافر به و قد اضطر إلى التحاكم إليه من غير إرادة منه، و لعلّ ذلك هو السرّ في قوله تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحٰاكَمُوا (3) دون يتحاكمون.

ثم ظاهر هذا الخبر عدم الفرق في حرمة ما أخذ بحكم الطاغوت بين ما لو تحاكما فيه إلى العدل لم يحكم له بذلك، و بين ما حكم له بذلك، لأنّ الأخذ في كليهما بحكم الطاغوت، و أمّا في صورة الاضطرار فالظاهر الفرق، هذا كلّه إذا كان الحاكم هو الطاغوت، فأمّا إذا كان الحاكم هو العدل، و إنّما أخذ حقّه منه بقوة سلطان الطاغوت، لتوقّف أخذ حقّه على الاستعانة به، فليس ممّا نحن فيه من شيء، بل ذلك حديث آخر، و الظاهر أنّه لم يحرّم الحق بذلك.

ثم ظاهر هذا الخبر و ما في معناه وروده في سلطان المخالفين و قضائهم، و في حكمهم فسّاق قضاة الشيعة و حكّامهم الذين يأخذون الرشا على الأحكام و توابعها، و يحكمون بغير حكم أهل البيت (عليهم السلام)، لدخولهم في الطاغوت، سواء كانوا عارفين بأحكام أهل البيت أم لا، أمّا إذا لم يحكموا بين الخصمين، و إنّما حملوهما على الصلح و أخذ البعض و الإبراء عن الباقي، فلذلك حديث آخر.

«من كان منكم» أي من الشيعة الإمامية «و عرف أحكامنا» أي من أحاديثنا المحكمات، لا من اجتهاده في المتشابهات و استنباط الرأي منها بالظنون و الخيالات باستعانة الاصول المخترعات «المجمع عليه» أي المتّفق على نقله المشهور بينهم، و ليس المراد به الإجماع المصطلح عليه بين أصحابنا اليوم، كيف

____________

(1). النساء (4): 60.

(2). دعائم الاسلام 2: 530/ 1883.

(3). النساء 4: 60.

126

و الكلام في الحديث و روايته لا القول و الإفتاء به، و لهذا قال: «و يترك الشاذّ الذي ليس بمشهور» فالمراد بالمجمع عليه بين الأصحاب في هذا الحديث هو بعينه ما عبّر عنه بالمشهور بينهم في رواية زرارة عن الباقر (عليه السلام) قال: سألته فقلت: جعلت فداك يأتي عنكم الخبران أو الحديثان المتعارضان، فبأيهما آخذ؟ فقال (عليه السلام):

«يا زرارة خذ بما اشتهر بين أصحابك ودع الشّاذ النادر».

فقلت: يا سيدي، إنهما معا مشهوران مرويان مأثوران عنكم؟ فقال: «خذ بما يقول أعدلهما عندك و أوثقهما في نفسك».

فقلت: إنهما معا عدلان مرضيّان موثّقان؟ فقال: «انظر إلى ما وافق منهما مذهب العامة فاتركه و خذ بما خالفهم، فإنّ الحقّ فيما خالفهم».

قلت: ربّما كانا معا موافقين لها أو مخالفين، فكيف أصنع؟ فقال: «إذن فخذ (1) الحائطة لدينك، و اترك ما خالف الاحتياط».

فقلت: إنهما معا موافقان للاحتياط أو مخالفان له فكيف أصنع؟ فقال: «إذن فتخيّر أحدهما فتأخذ به و تدع الاخر».

و هذه الرواية رواها محمّد بن علي بن إبراهيم بن أبي جمهور الاحسائي في كتاب (عوالي اللآلي) (2) عن العلّامة الحلّي مرفوعا إلى زرارة.

و الأخبار في هذا المعنى كثيرة، و قد أوردنا شطرا منها في كتابنا المسمى ب«سفينة النجاة» و في كتابنا الموسوم ب«الاصول الأصيلة» و في بعضها: «و ما لم تجدوه في شيء من هذه الوجوه فردّوا إلينا علمه، فنحن أولى بذلك، و لا تقولوا فيه بآرائكم، و عليكم بالكفّ و التثبّت و الوقوف و أنتم طالبون باحثون حتى يأتيكم البيان من عندنا» (3).

و لا يخفى أن ردّ علمه إليهم لا ينافي التخيير في العمل من باب التسليم، فلا يجوز الفتوى بأنه حكم اللّه في الواقع، و إن جاز الفتوى بجواز العمل به و جاز العمل به.

و المراد بالشهرة في الخبرين شهرة الحديث الكائنة بين قدماء أصحابنا الأخباريين الذين لا يتعدّون النصّ في شيء من الأحكام دون شهرة القول الحادثة بين المتأخرين، فانّها لا اعتماد عليها أصلا، كما حقّقه الشهيد الثاني في

____________

(1). فيه خ ل.

(2). عوالي اللآلي 4: 133/ 229.

(3). راجع بحار الأنوار 2: 233/ 2.

127

شرح درايته.

قوله «الخبران عنكما» أي عن الاثنين منكم، و في نسخة: «عنهما» و هو أوضح.

فإن قيل: يستفاد من الأخبار السابقة وجوب الأخذ بما ورد عنهم (عليهم السلام) على التقيّة، و يظهر من هذين الخبرين و أشباههما وجوب ترك ما وافق القوم، فكيف التوفيق؟

قلنا: إنّ ذلك إنما هو في العمل، و هذا في العلم، و الاعتقاد بأنه حقّ و إن كان قد يجب العمل بخلافه، كما إذا كان محلّ الخوف، و بهذا يظهر وجه أمرهم (عليهم السلام) بالأخذ بالأخير، أي العمل به حقّا كان أو تقيّة، كما أشرنا إليه سابقا.

باب الأخذ بشواهد الكتاب و السنّة

[المتن]

[170] 1. الكافي: عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «إنّ على كل حقّ حقيقة، و على كلّ صواب نورا، فما وافق كتاب اللّه فخذوه، و من خالف كتاب اللّه فدعوه» (1).

* بيان

«حقيقة» أي أصلا ثابتا و مستندا متينا يمكن أن يفهم منه حقيّته «نورا» أي برهانا واضحا يتبيّن به و يظهر منه أنّه صواب، و القرآن أصل كلّ حديث حقّ، و برهان كلّ قول، و مستند كل أمر، و علم لمن يمكنه أن يستفهم عنه بقدر فهمه و علمه.

[المتن]

[171] 2. الكافي: عن الصادق (عليه السلام)، سئل عن اختلاف الحديث يرويه من نثق به و منهم من لا نثق به؟

قال: «إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهدا من كتاب اللّه أو من قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و إلّا فالذي جاءكم به أولى به» (2).

و في رواية: «إذا جاءكم عنّا حديث فوجدتم شاهدا عليه أو شاهدين من كتاب اللّه فخذوا به، و إلّا فقفوا عنده، ثم ردّوه إلينا حتى يستبين لكم» (3).

____________

(1). الكافي 1: 69/ 1.

(2). الكافي 1: 69/ 2.

(3). الكافي 2: 176/ 4.

128

* بيان

«أولى به» أي ردّوه عليه و لا تقبلوه منه.

[المتن]

[172] 3. الكافي: عنه (عليه السلام): «كلّ شيء مردود إلى الكتاب و السنّة، و كلّ حديث لا يوافق كتاب اللّه فهو زخرف» (1).

* بيان

أي مموّه مزوّر.

[المتن]

[173] 4. الكافي: عن الباقر (عليه السلام): «كلّ من تعدّى السنّة ردّ إلى السنّة» (2).

[174] 5. الكافي: عن السجاد (عليه السلام): «إنّ أفضل الأعمال عند اللّه ما عمل بالسنّة و إن قلّ» (3).

* بيان

الوجه فيه أنّ الأعمال الجسمانية لا قدر لها عند اللّه إلّا بالنيّات القلبية كما ورد في الحديث المشهور: «إنّما الأعمال بالنيّات» (4) و من يعمل بالسنّة فإنما يعمل بها طاعة للّه و انقيادا للرسول، فيكون عمله مشتملا على نيّة التقرّب و هيئة التسليم و الخضوع الناشئين من القلب، فلا محالة ثوابه كثير و أجره عظيم و إن قلّ عدده أو صغر مقداره، و إليه اشير بقوله سبحانه: لَنْ يَنٰالَ اللّٰهَ لُحُومُهٰا وَ لٰا دِمٰاؤُهٰا وَ لٰكِنْ يَنٰالُهُ التَّقْوىٰ مِنْكُمْ (5).

[المتن]

[175] 6. الكافي: عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لا قول إلّا بعمل، و لا قول و لا عمل إلّا بنيّة، و لا قول و لا عمل و لا نيّة إلّا باصابة السنّة» (6).

[176] 7. الكافي: عن الباقر (عليه السلام): «ما من أحد إلّا و له شرّة و فترة، فمن كانت فترته إلى سنّة فقد اهتدى، و من كانت فترته إلى بدعة فقد غوى» (7).

____________

(1). الكافي 1: 69/ 4.

(2). الكافي 1: 70/ 11.

(3). الكافي 1: 70/ 7.

(4). التهذيب 1: 83/ 67.

(5). الحج (22): 37.

(6). الكافي 1: 70/ 9.

(7). الكافي 1: 70/ 10.

129

* بيان

«الشرّة» إمّا بالكسر و تشديد الراء و التاء بمعنى النشاط و الرغبة، أو بالفتح و التخفيف و الهاء بمعنى غلبة الحرص على الشيء. و «الفترة» في مقابلها، يعني أنّ كلّ واحد من أفراد الناس له قوّة و نشأة و حرص على تحصيل كماله اللائق به في وقت من أوقات عمره، كما يكون للأكثرين في أيام شبابهم، و له ضعف و فتور و تقاعد عن ذلك في وقت آخر، كما يكون للأكثرين في أوان شيخوختهم، فمن كان فتوره و اطمئنانه و ختام أمره في عبادته إلى سنّة فقد اهتدى، و من كان فتوره و ختام أمره إلى بدعة فقد غوى.

[المتن]

[177] 8. الكافي: عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «ألا إنّ لكل عبادة شرّة ثم يصير إلى فترة، فمن كانت شرّة عبادته إلى سنّتي فقد اهتدى، و من خالف سنتي فقد ضلّ و كان عمله في تباب، أما إنّي أصلّي و أنام و أصوم و أفطر و أضحك و أبكي، فمن رغب عن منهاجي و سنّتي فليس منّي».

و قال: «كفى بالموت موعظة، و كفى باليقين غنى، و كفى بالعبادة شغلا» (1).

* بيان

المراد بهذا الحديث أنّ المهتدي من لا يتجاوز شرّة عبادته سنّة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و إن كان ناشطا لها، فلا يصلّي دائما و لا يصوم دائما و لا يبكي دائما بل قد و قد، و «التّباب» الخسار.

[المتن]

[178] 9. الكافي: عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «السنّة سنّتان: سنّة في فريضة الأخذ بها هدى و تركها ضلالة، و سنّة في غير فريضة الأخذ بها فضيلة و تركها إلى غير خطيئة» (2).

باب الترويح بالحكمة و اغتنامها

[المتن]

[179] 1. الكافي: كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: «روّحوا أنفسكم ببديع الحكمة، فإنّها تكلّ كما

____________

(1). الكافي 2: 85/ 1.

(2). الكافي 1: 71/ 12.

130

تكلّ الأبدان» (1).

* بيان

كأنّ الخطاب منه إلى تلامذته الذين كانوا لا يفرحون إلّا بذكر اللّه، و لا يتلذّذون إلّا بالعلم و الحكمة دون سائر الناس الذين لذّاتهم مقصورة على الشهوات الحيوانية، فإنّ قلوب هؤلاء تشمئزّ من استماع بدائع الحكمة و طرائف العرفان.

[المتن]

[180] 2. الكافي: عن الباقر (عليه السلام): «الحكمة ضالة المؤمن، فحيثما وجد أحدكم ضالّته فليأخذها» (2).

* بيان

يعني لا يأنف أخذها عمّن هو دونه في العلم، فربّما يوجد عند الأدنى ما لا يوجد عند الأعلى، و في التعبير عن الحكمة بالضالّة إشارة إلى أنّها مركوزة في فطرة المؤمن، فإذا جهلها فكأنّها ضلّت عنه.

[المتن]

[181] 2. الفقيه: عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «كلمتان غريبتان احتملوهما: كلمة حكمة من سفيه فاقبلوها، و كلمة سفه من حكيم (3) فاغفروها» (4).

[182] 3. الكافي: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في بعض خطبه: «أيها الناس، اعلموا أنّه ليس بعاقل من انزعج من قول الزور فيه، و لا بحكيم من رضي بثناء الجاهل عليه، الناس أبناء ما يحسنون، و قدر كلّ امرئ ما يحسن، فتكلّموا في العلم تبين أقداركم» (5).

* بيان

«الانزعاج» الانقلاع من المكان و عدم الاستقرار فيه و «الزور» الكذب و الباطل و التهمة «ما يحسنون» من الإحسان بمعنى العلم، و الوجه فيه أنّ العاقل يعلم أنّ الافتراء عليه لا ينقص من كماله شيئا «و الحكيم» يتيقّن أنّ الثناء عليه لا يزيده

____________

(1). الكافي 1: 48/ 1.

(2). الكافي 8: 167/ 186.

(3). حليم (خ ل).

(4). الفقيه 4: 406/ 5879.

(5). الكافي 1: 50/ 14.

131

كمالا، و كلاهما يعلمان أنّ نقص الإنسان و كماله ليس إلّا بالجهل و العلم، و كل امرئ كأنه ولد علمه و قدره و شرفه و فضله و كماله بقدر علمه كما قال (عليه السلام) في أبيات تنسب إليه:

الناس من جهة التّمثال أكفاء * * * أبوهم آدم و الامّ حوّاء

لا فضل إلّا لأهل العلم إنّهم * * * على الهدى لمن استهدى أدلّاء

و قيمة المرء ما قد كان يحسنه * * * و الجاهلون لأهل العلم أعداء

نقم بعلم و لا نبغي له بدلا * * * فالناس موتى و أهل العلم أحياء

(1) آخر كتاب العلم و الفقه و الحمد للّه أولا و آخرا

____________

(1). ديوان الامام امير المؤمنين (ع): 24.

132

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

133

كتاب التوحيد و التمجيد

134

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

135

باب حدوث العالم و إثبات المحدث

[المتن]

[183] 1. الكافي: عن ابن أبي العوجاء قال: جلست إليه- يعني إلى الصادق (عليه السلام)- في المسجد الحرام، فلما لم يبق عنده غيري، ابتدأني فقال: «إن يكن الأمر على ما يقول هؤلاء و هو على ما يقولون- يعني أهل الطواف- فقد سلموا و عطبتم، و إن يكن الأمر على ما تقولون و ليس كما تقولون فقد استويتم و هم».

فقلت له: يرحمك اللّه و أيّ شيء نقول؟ و أي شيء يقولون؟ ما قولي و قولهم إلّا واحدا؟ فقال:

«و كيف يكون قولك و قولهم واحدا و هم يقولون أنّ لهم معادا و ثوابا و عقابا، و يدينون بأنّ في السماء إلها و أنّها عمران، و أنتم تزعمون أنّ السّماء خراب ليس فيها أحد؟»

قال: فاغتنمتها منه فقلت له: ما منعه إن كان الأمر كما يقولون أن يظهر لخلقه و يدعوهم إلى عبادته حتى لا يختلف منهم اثنان، و لم احتجب عنهم و أرسل إليهم الرسل، و لو باشرهم بنفسه كان أقرب إلى الإيمان به؟ فقال لي: «ويلك، و كيف احتجب عنك من أراك قدرته في نفسك نشوءك و لم تكن، و كبرك بعد صغرك، و قوتك بعد ضعفك، و ضعفك بعد قوتك، و سقمك بعد صحّتك، و صحّتك بعد سقمك، و رضاك بعد غضبك، و غضبك بعد رضاك، و حزنك بعد فرحك، و فرحك بعد حزنك، و حبّك بعد بغضك، و بغضك بعد حبّك، و عزمك بعد أنائك (1)، و أناءك بعد عزمك، و شهوتك بعد كراهيتك، و كراهيتك بعد شهوتك، و رغبتك بعد رهبتك، و رهبتك بعد رغبتك، و رجاءك بعد يأسك، و يأسك بعد رجائك، و خاطرك بما لم يكن في وهمك، و عزوب ما أنت معتقده عن ذهنك» و ما زال يعدّد علي قدرته التي هي في نفسي التي لا أدفعها، حتى ظننت أنّه سيظهر فيما بيني و بينه (2).

____________

(1). في بعض نسخ المصدر: أناتك، من التأنّي، و في بعضها: إبائك، بمعنى امتناع.

(2). الكافي 1: 74/ 2.

136

* بيان

«عطبتم» هلكتم «و أنّها عمران» بصنوف من الملائكة الموكّلين عليها «أراك قدرته في نفسك» بأحوالك المتقابلة و هيئتك المتضادّة التي ليست بقدرتك و اختيارك، لا تملك لنفسك نفعا و لا ضرّا، و لا موتا و لا حياة و لا نشورا، بل تريد أن تعلم فتجهل، و تريد أن تذكر فتنسى، و تريد أن تنسى فتغافل، عن الشيء فلا تغافل فلا يملك قلبك قلبك، و لا نفسك نفسك، فتتغير عليك الأحوال من غير اختيار لك و «الاناء» بالنون الفتور و الإبطاء.

[المتن]

[184] 2. الكافي: عن الرضا (عليه السلام) قال لرجل من الزنادقة: «أيّها الرجل، أ رأيت إن كان القول قولكم، و ليس كما تقولون، ألسنا و إياكم شرعا سواء لا يضرّنا ما صلّينا و صمنا و زكّينا و أقررنا؟» فسكت الرجل، ثم قال (عليه السلام): «و إن كان القول قولنا و هو قولنا أ لستم قد هلكتم و نجونا؟»

فقال: رحمك اللّه، أوجدني كيف هو، و أين هو؟ فقال: «ويلك إن الذي ذهبت إليه غلط، هو أيّن الأين بلا أين، و كيّف الكيف بلا كيف، فلا يعرف بكيفوفيّة و لا بأينونيّة، و لا يدرك بحاسّة، و لا يقاس بشيء».

فقال الرجل: فإذن إنّه لا شيء إذا لم يدرك بحاسّة من الحواس؟ فقال (عليه السلام): «ويلك لما عجزت حواسّك عن إدراكه أنكرت ربوبيته، و نحن إذا عجزت حواسّنا عن إدراكه أيقنّا أنّه ربّنا بخلاف شيء من الأشياء».

قال الرجل: فأخبرني متى كان؟ قال (عليه السلام): «أخبرني متى لم يكن، فأخبرك متى كان».

قال الرجل: «فما الدليل عليه؟ قال (عليه السلام): «إني لما نظرت إلى جسدي و لم يمكنّي فيه زيادة و لا نقصان في العرض و الطول و دفع المكاره عنه و جرّ المنفعة إليه، علمت أنّ لهذا البنيان بانيا، و أقررت به، مع ما أرى من دوران الفلك بقدرته، و إنشاء السّحاب، و تصريف الرياح، و مجرى الشمس و القمر و النجوم و غير ذلك من الآيات العجيبات المبيّنات، علمت أنّ لهذا مقدّرا و منشئا» (1).

____________

(1). الكافي 1: 78/ 3.

137

* بيان

«أخبرني متى لم يكن» و ذلك لما تحقق في الحكمة الإلهية أنّه لا يكون لوجود شيء متى إلّا إذا كان لعدمه متى، و بالجملة لا يدخل الشيء في مقولة متى بوجوده فقط، بل بوجوده و عدمه جميعا، فإذا لم يصحّ أن يقال لشيء: متى لم يكن وجوده، لم يصح أن يقال متى كان وجوده.

[المتن]

[185] 3. الكافي: عبد اللّه الديصاني، سأل هشام بن الحكم فقال له: أ لك ربّ؟ فقال: بلى، قال: أ قادر هو؟

قال: نعم، قادر قاهر. قال: يقدر أن يدخل الدنيا كلّها البيضة، لا تكبر البيضة، و لا تصغر الدنيا؟ قال هشام: النّظرة، فقال له: قد أنظرتك حولا، ثم خرج عنه.

فركب هشام إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) فاستأذن عليه فأذن له فقال له: يا ابن رسول اللّه أتاني عبد اللّه الديصاني بمسألة ليس المعوّل فيها إلّا على اللّه و عليك، فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): «عمّا ذا سألك؟» فقال: قال لي: كيت و كيت، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «يا هشام كم حواسّك»؟ قال: خمس، قال: «أيها أصغر؟» قال: الناظر، قال: «و كم قدر الناظر؟» قال: مثل العدسة أو أقلّ منها؟ فقال له: «يا هشام، فانظر أمامك و فوقك و أخبرني بما ترى؟» فقال: أرى سماء و أرضا و دورا و قصورا و براري و جبالا و أنهارا، فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): «إنّ الذي قدر أن يدخل الذي تراه العدسة أو أقلّ منها قادر أن يدخل الدنيا كلّها البيضة، لا تصغر الدنيا، و لا تكبر البيضة»، فأكبّ هشام عليه و قبّل يديه و رأسه و رجليه، و قال: حسبي يا ابن رسول اللّه.

و انصرف إلى منزله، و غدا عليه الديصاني، فقال: يا هشام إني جئتك مسلّما و لم أجئك متقاضيا للجواب، فقال له هشام: إن كنت جئت متقاضيا فهاك الجواب، فخرج الديصاني عنه حتى أتى باب أبي عبد اللّه (عليه السلام) فاستأذن عليه فاذن له، فلمّا قعد قال له: يا جعفر بن محمّد، دلّني على معبودي، فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): «ما اسمك»، فخرج عنه و لم يخبره باسمه، فقال له أصحابه: كيف لم تخبر باسمك؟ قال:

لو كنت قلت له عبد اللّه، كان يقول: من هذا الذي أنت له عبد، فقالوا له: عد إليه، و قل له يدلّك على معبودك، و لا يسألك عن اسمك.

فرجع إليه و قال: يا جعفر ابن محمّد دلّني على معبودي و لا تسألني عن اسمي. فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): «اجلس» فإذا غلام له صغير في كفّه بيضة يلعب بها، فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): «ناولني

138

البيضة» فناوله إياها، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «يا ديصاني، هذا حصن مكنون، له جلد غليظ، و تحت الجلد الغليظ جلد رقيق، و تحت الجلد الرقيق ذهبة مائعة و فضّة ذائبة، فلا الذهبة المائعة تختلط بالفضّة الذائبة، و لا الفضّة الذائبة تختلط بالذهبة المائعة، فهي على حالها لم يخرج منها خارج مصلح، فيخبر عن صلاحها، و لا دخل فيها مفسد فيخبر عن فسادها، لا يدرى أ للذّكر خلقت أم للانثى، تنفلق عن مثل ألوان الطواويس أ ترى لها مدبّرا؟».

قال: فأطرق ملّيا، ثم قال: أشهد ألا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، و أنّ محمّدا عبده و رسوله، و أنّك إمام و حجّة من اللّه على خلقه، و أنا تائب ممّا كنت فيه (1).

* بيان

«النّظرة» المهلة «قادر أن يدخل الدنيا كلّها البيضة» هذه مجادلة بالتي هي أحسن، و جواب جدلي مسكت يناسب فهم السائل، و قد صدر مثله عن الرضا (عليه السلام) فيما رواه الصدوق في توحيده عنه (عليه السلام) (2).

و الجواب البرهاني أن يقال: إنّ عدم تعلّق قدرته تعالى على ذلك ليس من نقصان في قدرته تعالى، و لا لقصور في عمومها و شمولها كلّ شيء، بل إنّما ذاك من نقصان المفروض فامتناعه الذاتي و بطلانه الصرف و عدم حظّه من الشيئية، كما أشار إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) فيما رواه الصدوق أيضا بإسناده عن الصادق (عليه السلام) قال: «قيل لأمير المؤمنين (عليه السلام): هل يقدر ربّك أن يدخل الدنيا في بيضة من غير تصغير الدنيا أو تكبير البيضة؟ قال: إنّ اللّه تعالى لا ينسب إلى العجز، و الذي سألتني لا يكون» (3).

و في رواية اخرى: «ويلك، إنّ اللّه لا يوصف بالعجز، و من أقدر ممّن يلطّف الأرض و يعظّم البيضة» (4).

و لنا أن نجعل الجواب الأول أيضا برهانيا على قاعدة الانطباع بأن نقول: إنّ ذلك إنّما يتصوّر و يعقل بحسب الوجود الانطباعي الارتسامي، و اللّه سبحانه قادر

____________

(1). الكافي 1: 79/ 4.

(2). راجع: التوحيد: 122/ 1.

(3). التوحيد: 130/ 9.

(4). التوحيد: 130/ 10.

139

على ذلك حيث أدخل الذي تراه جليدية ناظرتك.

«مكنون» أي مكنون ما فيه، أو على سبيل الإضافة «و الذّائب» خلاف الجامد، و هو أشد لطافة من المائع «لم يخرج منها خارج مصلح» يعني بعد ما دخل فيها «فيخبر عن فسادها» يعني بعد ما خرج منها، و إنّما اكتفى ببعض الكلام عن بعض اعتمادا على القرينة، و إنما ذكر الخروج و الإخبار بثنيها على أنّه كما لم يدخلها أحد منّا للإصلاح و الإفساد، كذلك ليس لنا خبر بذلك «لا يدرى أ للذّكر خلقت» يعني كما أنّ صلاحها و فسادها غير معلوم لنا قبل أن تفرخ أو يبين فسادها، فكذلك كونها مخلوقة للذّكر أم الانثى مجهول لنا حتى يوجد أحدهما، و هذا كلّه دليل على أنّ ذلك ليس من فعل أمثالنا لعدم دخولنا فيها، و خروجنا منها، و إصلاحنا لها، و إفسادنا إياها، و جهلنا بما هي مستعدّة له من الصلاح و الفساد، و بما هي صالحة له من الذكر و الانثى.

و الحاصل أنّ أمثال هذه الامور إذا صدرت من أمثالنا فلا بدّ فيها من مباشرة و مزاولة و علم و خبر، و لا يجوز أيضا أن تتأتّى بأنفسها، و هو ظاهر، فلا بدّ من فاعل حكيم و صانع مدبّر عليم.

«تنفلق» تنشقّ «عن مثل ألوان الطواويس» على تضمين معنى الكشف، أي كاشفة عنها «أ ترى لها مدبرا» استفهام إنكاري، أي ألا ترى لها مدبّرا من أمثالنا؟! فلا بد لها من مدبّر غير مرئي لا يكون من أمثالنا، بل يكون داخلا فيها حال خروجه عنها، مصلحا لصالحها، و مفسدا لفاسدها، معيّنا لذكرها و انثاها على وفق مشيئته، و مقتضى حكمته، تعالى شأنه و تبارك سلطانه «فأطرق» سكت ناظرا إلى الأرض «مليّا» زمانا متّسعا.

[المتن]

[186] 4. الكافي: عن الباقر (عليه السلام): «كفى لاولي الألباب بخلق الربّ المسخّر، و ملك الربّ القاهر، و جلال الربّ الظاهر، و نور الربّ الباهر، و برهان الربّ الصادق، و ما أنطق به ألسن العباد، و ما أرسل به الرسل، و ما أنزل على العباد دليلا على الربّ» (1).

____________

(1). الكافي 1: 82/ 6.

140

باب أنّ الفطرة على التوحيد

[المتن]

[187] 1. الكافي: عن الصادق (عليه السلام) في قول اللّه تعالى: فِطْرَتَ اللّٰهِ الَّتِي فَطَرَ النّٰاسَ عَلَيْهٰا (1) قال:

«فطرهم جميعا على التوحيد» (2).

[188] 2. الكافي: عن الباقر (عليه السلام) في قول اللّه سبحانه: حُنَفٰاءَ لِلّٰهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ (3) قال: «الحنيفية من الفطرة التي فطر اللّه الناس عليها لا تبديل لخلق اللّه» قال: «فطرهم على المعرفة به».

و في قول اللّه تعالى: وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قٰالُوا بَلىٰ (4) الآية، قال: «أخرج من ظهر آدم ذرّيته إلى يوم القيامة فخرجوا كالذّر، فعرفهم و أراهم نفسه، و لو لا ذلك لم يعرف أحد ربّه».

و قال: «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): كلّ مولود يولد على الفطرة- يعني على المعرفة بأنّ اللّه تعالى خالقه- كذلك قوله: وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللّٰهُ (5)» (6).

* بيان

يأتي تأويل الآية الثانية إن شاء اللّه.

[المتن]

[189] 3. الكافي: عن الصادق (عليه السلام) في قول اللّه تعالى: صِبْغَةَ اللّٰهِ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّٰهِ صِبْغَةً (7) قال:

«الصبغة هي الاسلام» (8).

* بيان

الدليل على أنّ الناس مفطورون على التوحيد مصبوغون بالإسلام أنّهم إذا أتاهم عذاب أو ابتلوا ببليّة ما يدعون إلّا اللّه سبحانه، كما قال اللّه تعالى: قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ

____________

(1). الروم (30): 30.

(2). الكافي 2: 12/ 3.

(3). الحج 22: 31.

(4). الاعراف 7: 172.

(5). لقمان 31: 25، الزمر 39: 38.

(6). الكافي 2: 13/ 4.

(7). البقرة (2): 138.

(8). الكافي 2: 14/ 2.

141

أَتٰاكُمْ عَذٰابُ اللّٰهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السّٰاعَةُ أَ غَيْرَ اللّٰهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صٰادِقِينَ بَلْ إِيّٰاهُ تَدْعُونَ (1) فيكشف ما تدعون إليه إن شاء و تنسون ما تشركون.

و في (تفسير مولانا العسكري (عليه السلام)) أنّه سئل مولانا الصادق (عليه السلام) عن اللّه، فقال للسائل: «يا عبد اللّه، هل ركبت سفينة قطّ؟ قال بلى: قال: فهل كسرت بك حيث لا سفينة تنجيك و لا سباحة تغنيك؟ قال: بلى، قال: فهل تعلّق قلبك هناك أنّ شيئا من الأشياء قادر على أن يخلّصك من ورطتك؟ قال: بلى، قال الصادق (عليه السلام): فذلك الشيء هو اللّه القادر على الإنجاء حين لا منجي، و على الإغاثة حين لا مغيث» (2).

و لهذا جعلت الناس معذورين في تركهم اكتساب المعرفة باللّه عزّ و جلّ، متروكين على ما فطروا عليه، مرضيّا عنهم بمجرّد الإقرار بالقول، و لم يكلّفوا الاستدلالات العلمية في ذلك، و إنّما التعمّق لزيادة البصيرة و لطائفة مخصوصة.

و أما الاستدلال فللردّ على أهل الضلال، و السرّ في خفائه سبحانه مع كمال ظهوره أنّ الأشياء إنّما تستبان بأضدادها، و ما عمّ وجوده حتى لا ضدّ له عسر إدراكه، مثاله نور الشمس المشرق على الأرض، فإنّا نعلم أنّه عرض من الأعراض محدث في الأرض و يزول عند غيبة الشمس، فلو كانت الشمس دائمة الإشراق لا غروب لها، لكنّا نظنّ ألا هيئة في الأجسام إلّا ألوانها و هي السواد و البياض و غيرهما، فإنّا لا نشاهد في الأسود إلّا السواد، و في الأبيض إلّا البياض، فأمّا الضوء فلا ندركه وحده، لكن لمّا غابت الشمس و أظلمت المواضع أدركت تفرقة بين الحالتين، فعلمنا أنّ الأجسام كانت قد استضاءت بضوء، و اتّصفت بصفة فارقتها عند الغروب، فعرفنا وجود النور بعدمه، و ما كنّا نطّلع عليه لو لا عدمه إلّا بعسر شديد، و ذلك لمشاهدتنا الأجسام متشابهة غير مختلفة في الظلام و النور، هذا مع أنّ النور أظهر المحسوسات، إذ به يدرك سائر المحسوسات، فما هو ظاهر في نفسه و هو مظهر لغيره، أنظر كيف تصوّر استبهام أمره بسبب ظهوره لو لا طريان ضدّه.

فإذن الربّ تعالى هو أظهر الامور، و به ظهرت الأشياء كلّها، و لو كان له عدم أو غيبة أو تغيّر لانهدّت السموات و الأرض، و بطل الملك و الملكوت، و لأدركت التفرقة بين الحالتين، و لو كان بعض الأشياء موجودا به و بعضها موجودا بغيره لأدركت التفرقة بين الشيئين في الدلالة، و لكن دلالته عامّة في الأشياء على

____________

(1). الأنعام 6: 40- 41.

(2). البحار 3: 41/ 16 عن تفسير العسكري.

142

نسق واحد و وجوده دائم في الأحوال يستحيل خلافه، فلا جرم أورث شدّة الظهور خفاء.

قال سيد الشهداء الحسين بن علي (عليهما السلام) في دعاء عرفة: «كيف يستدلّ عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك، أ يكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك، متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدلّ عليك، و متى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك، عميت عين لا تراك و لا تزال عليها رقيبا، و خسرت صفقة عبد لم تجعل له من حبّك نصيبا» (1).

و قال أيضا: «تعرّفت لكلّ شيء، فما جهلك شيء».

و قال: «تعرّفت إلي في كلّ شيء، فرأيتك ظاهرا في كلّ شيء، فأنت الظاهر لكلّ شيء» (2).

باب أنّه واحد و إطلاق القول بأنه شيء

[المتن]

[190] 1. الكافي: هشام بن الحكم، في حديث الزنديق الذي أتى أبا عبد اللّه (عليه السلام)، و كان من قول أبي عبد اللّه (عليه السلام): «لا يخلو قولك: إنّهما اثنان، من أن يكونا قديمين قويّين، أو يكونا ضعيفين، أو يكون أحدهما قويّا و الاخر ضعيفا، فإن كانا قويّين فلم لا يدفع كلّ واحد منهما صاحبه و يتفرّد بالتدبير، و إن زعمت أنّ أحدهما قوي و الاخر ضعيف يثبت أنّه واحد كما نقول للعجز الظاهر في الثاني، فإن قلت: إنّهما اثنان، لم يخل من أن يكونا متّفقين من كلّ وجه، أو مفترقين من كلّ جهة، فلمّا رأينا الخلق منتظما و الفلك جاريا و التدبير واحدا و الليل و النهار و الشمس و القمر، دلّ صحة الأمر و التدبير و ائتلاف الأمر على أنّ المدبّر واحد، ثم يلزمك إن ادّعيت اثنين فرجة ما بينهما حتى يكونا اثنين، فصارت الفرجة ثالثا بينهما قديما معهما، فيلزمك ثلاثة، فإن ادّعيت ثلاثة لزمك ما قلت في الاثنين حتى تكون بينهم فرجة، فيكونوا خمسة، ثم يتناهى في

____________

(1). بحار الأنوار: 64/ 142.

(2). المصدر نفسه.

143

العدد إلى ما لا نهاية له في الكثرة».

قال هشام: فكان من سؤال الزنديق أن قال: فما الدليل عليه؟ فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «وجود الأفاعيل دلّت على أنّ صانعا صنعها، ألا ترى أنّك إذا نظرت إلى بناء مشيّد مبنيّ علمت أن له بانيا، و إن كنت لم تر الباني و لم تشاهده؟».

قال: فما هو؟ قال: «شيء بخلاف الأشياء، أرجع بقولي إلى إثبات معنى و أنّه شيء بحقيقة الشيئيّة غير أنّه لا جسم و لا صورة، و لا يحسّ و لا يدرك بالحواس الخمس، لا تدركه الأوهام، و لا تنقصه الدهور، و لا تغيّره الأزمان».

فقال له السائل: فتقول: إنّه سميع بصير؟ قال: «هو سميع بصير، سميع بغير جارحة، و بصير بغير آلة، بل يسمع بنفسه، و يبصر بنفسه، ليس قولي إنّه سميع يسمع بنفسه و يبصر بنفسه إنّه شيء و النفس شيء آخر، و لكن أردت عبارة عن نفسي إذ كنت مسئولا، و إفهاما لك إذ كنت سائلا، فأقول: إنّه سميع بكلّه، لا أنّ الكلّ منه له بعض، و لكنّي أردت إفهامك، و التعبير عن نفسي، و ليس مرجعي في ذلك إلّا إلى أنّه السميع البصير العالم الخبير بلا اختلاف الذات و لا اختلاف المعنى».

قال له السائل: فما هو؟ قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «هو الربّ، و هو المعبود، و هو اللّه، و ليس قولي: اللّه إثبات هذه الحروف ألف و لام و هاء، و لا راء و لا باء، و لكن ارجع إلى معنى و شيء خالق الأشياء و صانعها وقعت عليه هذه الحروف، و هو المعنى سمّي به اللّه و الرحمن و الرحيم و العزيز و أشباه ذلك من أسمائه، و هو المعبود جلّ و عزّ».

قال له السائل: فإنّا لم نجد موهوما إلّا مخلوقا؟ قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «لو كان ذلك كما تقول، لكان التوحيد عنّا مرتفعا، لأنّا لم نكلّف أن نعتقد غير موهوم، و لكنّا نقول كلّ موهوم بالحواس مدرك به، تحدّه الحواس و تمثّله، فهو مخلوق و لا بدّ من إثبات صانع للأشياء خارج من الجهتين المذمومتين، إحداهما النّفي هو الإبطال و العدم، و الجهة الثانية التشبيه إذ كان التشبيه هو صفة المخلوق الظاهر التركيب و التأليف، فلم يكن بدّ من إثبات الصانع لوجود المصنوعين، و الاضطرار منهم إليه [أثبت] (1) أنّهم مصنوعون، و أن صانعهم غيرهم و ليس مثلهم، إذ كان مثلهم شبيها بهم في ظاهر التركيب

____________

(1). أثبتناه من التوحيد/ للصدوق: 246/ 1.

144

و التأليف، و فيما يجري عليهم من حدوثهم بعد إذ لم يكونوا، و ينقلهم من صغر إلى كبر، و سواد إلى بياض، و قوة إلى ضعف، و أحوال موجودة لا حاجة بنا إلى تفسيرها لبيانها و وجودها».

فقال السائل: فقد حدّدته إذ أثبتّ وجوده، و قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «لم أحدّه، و لكن أثبتّه إذ لم يكن بين النفي و الإثبات منزلة».

قال له السائل: فله إنيّة و مائيّة؟ قال: «نعم، لا يثبت الشيء إلّا بإنيّة و مائيّة».

قال له السائل: فله كيفية؟ قال: «لا، لأن الكيفية جهة الصفة و الإحاطة، و لكن لا بدّ من الخروج عن جهة التعطيل و التشبيه، لأن من نفاه. فقد أنكره و دفع ربوبيته و أبطله، و من شبّهه بغيره فقد أثبته بصفة المخلوقين المصنوعين الذين لا يستحقّون الربوبية، و لكن لا بدّ من إثبات أنّ له كيفية لا يستحقّها غيره، و لا يشارك فيها و لا يحاط بها و لا يعلمها غيره».

قال السائل: فيعاني الأشياء بنفسه؟ قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «هو أجلّ من أن يعاني الأشياء بمباشرة و معالجة، لأنّ ذلك صفة المخلوق الذي لا تجيء الأشياء له إلّا بالمباشرة و المعالجة، و هو متعال نافذ الإرادة و المشيئة فعّال لما يشاء» (1).

* بيان

قوله: «لا يخلو قولك» إلى قوله: «فإن قلت» برهان مبني على ثلاث مقدمات مبنية في الحكمة مضمّنة في كلامه (عليه السلام):

إحداها: أنّ صانع العالم لا بدّ أن يكون قويّا مستقلا بالإيجاد و التدبير لكلّ واحد و الجميع.

و الثانية: عدم جواز استناد حادث شخصي إلى موجدين مستقلّين بالإيجاد.

و الثالثة: استحالة ترجّح أحد الأمرين المتساويين على الاخر من غير مرجّح.

و قد وقعت الإشارة إلى الثلاث بقوله (عليه السلام): «فلم لا يدفع كلّ واحد منهما صاحبه»؟

ثم دفع كلّ واحد منهما صاحبه مع أنّه محال في نفسه مستلزم للمطلوب.

و قوله (عليه السلام): «لم يخل» برهان آخر مبني على ثلاث مقدّمات حدسيّة:

____________

(1). الكافي 1: 83/ 5.

145

إحداها: أنّ كلّ متفقين من كلّ وجه بحيث لا تمايز بينهما أصلا لا يكونان اثنين، بل هما واحد البتة، كما قيل: صرف الوجود الذي لا أتمّ منه كلّما فرضته ثانيا، فإذا نظرت فهو هو.

و الثانية: أنّ كلّ مفترقين من كلّ جهة لا يكون صنع أحدهما مرتبطا بصنع الاخر و لا تدبيره مؤتلفا بتدبيره بحيث يوجد عنهما أمر واحد شخصي.

و الثالثة: أنّ العالم أجزاءه مرتبط بعضها ببعض، كأنّ الكلّ شخص واحد.

و قوله (عليه السلام): «ثم يلزمك» إمّا برهان ثالث مستقلّ على حياله، و إمّا تنوير للثاني و تشييد له على سبيل الاستظهار بأن يكون إشارة إلى إبطال قسم ثالث، و هو أن يكونا متّفقين من وجه و مفترقين من وجه آخر، فيقال: لو كانا كذلك يكون لا محالة ما به الامتياز بينهما غير ما به الاشتراك فيهما، فيكونوا ثلاثة.

«فنقول إنّه سميع بصير؟» لعلّ السائل توهّم أنّ تنزيهه (عليه السلام) للباري سبحانه عن مشاركة غيره ينافي كونه سميعا بصيرا، فأزاح (عليه السلام) ذلك الوهم بأنّ غيره سميع بجارحة بصير بآلة و هو سبحانه يسمع و يبصر لا بجارحة و لا بآلة، و لا بصفة زائدة على ذاته، و ذلك لأنّ معنى السماع و الإبصار ليس إلّا حضور المسموع عند السامع، و انكشاف المبصر عند البصير، و ليس من شرطهما أن يكونا بآلة أو جارحة، فذاته تعالى سميع، إذ ينكشف عنده المسموعات، و سمع إذ يقع به ذلك الانكشاف، و بصير إذ ينكشف عليه المبصرات، و بصر إذ يقع به ذلك الانكشاف، و هذه الاعتبارات لا توجب له كثرة، إذ مرجع الجميع إلى الذات الأحدية المنفصلة عمّا سواه بنفسه.

«عبارة عن نفسي» أي عبارة عمّا في نفسي بما يناسب ذاتي إذ كنت مسئولا، و إفهامك الأمر بما يناسب ذاتك إذ كنت سائلا، و المرجع إلى نفي اختلاف الذات و نفي اختلاف الحيثيات و سلب المعاني المتغايرة، و في ذلك قيل: وجود كلّه، وجوب كلّه، علم كلّه، قدرة كلّه، حياة كلّه، إرادة كلّه، لا أنّ شيئا منه علم و شيئا آخر قدرة ليلزم التركيب في ذاته، و لا أنّ شيئا فيه علم و شيئا آخر فيه قدرة ليلزم التكثّر في صفاته، و تمام تحقيق هذا الكلام يأتي في باب الصفات إن شاء اللّه، و معاناة الشيء: ملابسته و معاشرته، و أصله المقاساة.

[المتن]

[191] 2. الكافي: سئل الجواد (عليه السلام): أ يجوز أن يقال للّه: إنّه شيء؟ قال: «نعم، تخرجه من الحدّين:

146

حدّ التعطيل، و حدّ التشبيه» (1).

* بيان

لمّا دلّ السؤال على أنّ السائل نفى التشبيه عن اللّه جلّ جلاله، أجاب (عليه السلام) بقوله:

«تخرجه من الحدّين» و إلّا فإطلاق الشيء عليه إخراج له من حدّ التعطيل فقط، فينبغي أن يقال: شيء لا كالأشياء.

[المتن]

[192] 3. الكافي: عنه (عليه السلام) سئل عن التوحيد فقيل: أتوهّم شيئا؟ فقال: «نعم، غير معقول و لا محدود، فما وقع وهمك عليه من شيء فهو خلافه، لا يشبهه شيء و لا تدركه الأوهام، كيف تدركه الأوهام و هو خلاف ما يعقل، و خلاف ما يتصوّر في الأوهام؟! إنّما يتوهّم شيء غير معقول و لا محدود» (2).

* بيان

«نعم غير معقول و لا محدود» أي يصدق عليه مفهوم شيء و إن لم يكن شيئا معقولا لغيره و لا محدودا بحدود، لا يشبهه شيء ممّا في المدارك و الأوهام، و ذلك للفرق بين مفهوم الأمر و ما صدق عليه، فهو ليس بمفهوم الشيء، و لا شيئا من الأشياء، و إن صدق عليه أنّه شيء.

[المتن]

[193] 4. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «إنّ اللّه خلو من خلقه، و خلقه خلو منه، و كلّ ما وقع عليه اسم شيء ما خلا اللّه فهو مخلوق، و اللّه خالق كل شيء، تبارك الذي ليس كمثله شيء و هو السميع البصير» (3).

* بيان

«الخلو» بالكسر: الخالي و السّر في خلو كل منهما عن الاخر، أنّ اللّه سبحانه وجود بحت خالص لا ماهية له سوى الإنّية، و الخلق هيّات صرفه لا إنّية لها من حيث هي، و إنّما وجدت به سبحانه و بإنّيته فافترقا.

____________

(1). الكافي 1: 82/ 2.

(2). الكافي 1: 82/ 1.

(3). الكافي 1: 82/ 3 و 4 و 5.

147

باب أنّه لا يعرف إلّا به

[المتن]

[194] 1. الكافي: عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «اعرفوا اللّه باللّه، و الرسول بالرسالة، و اولي الأمر بالمعروف و العدل و الاحسان» (1).

* بيان

أريد بمعرفة اللّه معرفته بنعته لا إثبات ذاته الذي هو فطري، فنقول في بيان الحديث: كما أنّ لكلّ شيء ماهيّة هو بها هو، و هي وجهه الذي إلى ذاته، كذلك لكلّ شيء حقيقة محيطة به، بها قوام ذاته، و بها ظهور آثاره و صفاته، و بها حوله عمّا يرديه و يضرّه، و قوّته على ما ينفعه و يسرّه، و هي وجهه الذي إلى اللّه سبحانه، و إليهما أشير بقوله عزّ و جل: إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (2)، و بقوله سبحانه: وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مٰا كُنْتُمْ (3)، و بقوله تعالى: وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (4)، و بقوله عزّ اسمه: وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَ لٰكِنْ لٰا تُبْصِرُونَ (5)، و بقوله: كُلُّ شَيْءٍ هٰالِكٌ إِلّٰا وَجْهَهُ (6)، فإنّ تلك الحقيقة هي التي تبقى بعد فناء الأشياء.

فقوله (عليه السلام): «اعرفوا اللّه باللّه» معناه: أنظروا في الأشياء إلى وجوهها التي إلى اللّه سبحانه بعد ما أثبتّم أنّ لها ربّا صانعا، فاطلبوا معرفته بآثاره فيها من حيث تدبيره لها، و قيّوميّته إيّاها و تسخيره لها و إحاطته بها، و قهره عليها حتى تعرفوا اللّه بهذه الصفات القائمة به، و لا تنظروا إلى وجوهها التي إلى أنفسها، أعني من حيث أنّها أشياء لها ماهيّات لا يمكن أن توجد بذواتها بل مفتقرة إلى موجد يوجدها، فإنّكم إذا نظرتم إليها من هذه الجهة تكونوا قد عرفتم اللّه بالأشياء، فلن تعرفوه إذن حقّ المعرفة، فإنّ معرفة مجرّد كون الشيء مفتقر إليه في وجود الأشياء ليست بمعرفة في الحقيقة، على أنّ ذلك غير محتاج

____________

(1). الكافي 1: 85/ 1.

(2). فصلت (41): 54.

(3). الحديد (57): 4.

(4). ق (50): 16.

(5). الواقعة (56): 85.

(6). القصص (28): 88.

148

إليه لما عرفت أنّها فطرية بخلاف النظر الأول، فإنّكم تنظرون في الأشياء أولا إلى اللّه عزّ و جلّ و آثاره من حيث هي آثاره، ثم إلى الأشياء و افتقارها في أنفسها، فإنّا إذا عزمنا على أمر مثلا، و سعينا في إمضائه غاية السعي، فلم يكن علمنا أنّ في الوجود شيئا غير مرئي الذات يمنعنا عن ذلك و يحول بيننا و بين ذلك، و علمنا أنّه غالب على أمره و أنّه مسخّر للأشياء على حسب مشيئته، و مدبّر لها بحسب إرادته، و أنّه منزّه عن صفات أمثالنا، و هذه صفات بها يعرف صاحبها حقّ المعرفة.

فإذا عرفنا اللّه جلّ و عزّ بهذا النظر، فقد عرفنا اللّه باللّه، و إلى مثل هذه المعرفة أشير في غير موضع من القرآن المجيد بالآيات حيث قيل: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلٰافِ اللَّيْلِ وَ النَّهٰارِ لَآيٰاتٍ لِأُولِي الْأَلْبٰابِ (1) و أمثال ذلك من نظائره.

و على هذا القياس معرفة الرسول بالرسالة، فإنّا بعد ما أثبتنا وجوب رسول من اللّه تعالى إلى عباده، و حاولنا أن نعرفه و نعيّنه من بين سائر الناس، فسبيله أن ننظر إلى من يدّعي ذلك، هل يبلّغ الرسالة كما ينبغي أن يبلّغ، و ينهج الدلالة كما ينبغي أن ينهج، فإذا نظرنا إليه من هذه الجهة فقد عرفناه بالرسالة.

و كذا القول في الإمام، فإنّ الكلّ على وتيرة واحدة، و ممّا يؤيّد ما قلناه، ما أورده الصدوق (رحمه اللّه) في توحيده في هذا الباب بإسناده عن الباقر (عليه السلام) عن أبيه عن جدّه (عليهما السلام) أنّه قال: «إنّ رجلا قام إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين، بما ذا عرفت ربّك؟

قال: بفسخ العزم و نقض الهمّ، لمّا هممت فحيل بيني و بين همّي، و عزمت فخالف القضاء و القدر عزمي، علمت أنّ المدبّر غيري» (2).

[المتن]

[195] 2. الكافي: سئل أمير المؤمنين (عليه السلام)، بم عرفت ربّك؟ قال: «بما عرّفني نفسه».

قيل: و كيف عرّفك نفسه؟ قال: «لا يشبهه صورة و لا يحسّ بالحواسّ، و لا يقاس بالناس، قريب في بعده، بعيد في قربه، فوق كلّ شيء، و لا يقال شيء فوقه، أمام كلّ شيء، و لا يقال له أمام، داخل في الأشياء لا كشيء داخل في شيء، و خارج من الأشياء لا كشيء خارج من شيء، سبحانه من هو هكذا و لا هكذا غيره، و لكلّ شيء مبتدأ» (3).

____________

(1). آل عمران (3): 190.

(2). التوحيد: 288/ 6.

(3). الكافي 1: 85/ 2.

149

* بيان

يعني و هو مبتدأ كل شيء، فكلّما ننظر إلى شيء فإنما يقع الابتداء به و بأثره من حيث هو أثره، كما نبّهنا عليه.

باب حدّ المعرفة

[المتن]

[196] 1. الكافي: سئل أبو الحسن (عليه السلام) عن أدنى المعرفة، فقال: «الإقرار بأنّه لا إله غيره، و لا شبه له و لا نظير، و أنّه قديم مثبت موجود غير فقيد، و أنّه ليس كمثله شيء» (1).

[197] 2. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «جاء حبر من الأحبار إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين، متى كان ربّك؟ فقال له: ثكلتك أمّك، و متى لم يكن حتى يقال متى كان، كان ربّي قبل القبل بلا قبل، و بعد البعد بلا بعد، و لا غاية و لا منتهى لغايته، انقطت الغايات عنده، فهو منتهى كلّ غاية. فقال: يا أمير المؤمنين، فنبي أنت؟ قال: ويلك، إنّما أنا عبد من عبيد محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)» (2).

و روي: أنّه سئل (عليه السلام): أين كان ربّنا قبل أن يخلق سماء و أرضا؟ فقال (عليه السلام): «أين سؤال عن مكان، و كان اللّه و لا مكان» (3).

[198] 3. الكافي: عنه (عليه السلام): «إنّ يهوديا يقال له: سبخت، جاء إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقال:

يا رسول اللّه، جئت أسألك عن ربّك، فإن أنت أجبتني عمّا أسألك عنه و إلّا رجعت، قال: سل عمّا شئت، قال: أين ربّك؟ قال: في كلّ مكان، و ليس في شيء من المكان المحدود قال: و كيف هو؟ قال: و كيف أصف ربي بالكيف و الكيف مخلوق، و اللّه لا يوصف بخلقه، قال: فمن أين يعلم أنّك نبيّ؟ قال: فما بقي حوله حجر و لا غير ذلك إلّا تكلّم بلسان عربي مبين: يا سبخت، إنّه رسول اللّه، فقال سبخت: ما رأيت كاليوم أمرا

____________

(1). الكافي 1: 86/ 1.

(2). الكافي 1: 89/ 5.

(3). الكافي 1: 90/ ذيل 5.

150

أبين من هذا، ثم قال: أشهد ألا إله إلّا اللّه و أنّك رسول اللّه» (1).

[199] 4. الكافي: عنه (عليه السلام): «إنّ اللّه عظيم رفيع لا يقدر العباد على صفته، و لا يبلغون كنه عظمته، لا تدركه الأبصار و هو يدرك الأبصار، و هو اللطيف الخبير، و لا يوصف بكيف و لا أين و حيث، و كيف أصفه بالكيف، و هو الذي كيّف الكيف حتى صار كيفا؟! فعرفت الكيف بما كيّف لنا من الكيف، أم كيف أصفه بأين، و هو الذي أيّن الأين حتى صار أينا؟! فعرفت الأين بما أيّن لنا من الأين، أم كيف أصفه بحيث و هو الذي حيّث الحيث حتى صار حيثا؟! فعرفت الحيث بما حيّث لنا من الحيث، فاللّه تعالى داخل في كلّ مكان، و خارج من كلّ شيء، لا تدركه الأبصار و هو يدرك الأبصار، لا إله إلّا هو العلي العظيم، و هو اللطيف الخبير» (2).

[200] 5. الكافي: عن الباقر (عليه السلام): «تكلّموا في خلق اللّه و لا تتكلّموا في اللّه، فإنّ الكلام في اللّه لا يزداد صاحبه إلّا تحيّرا» (3).

[201] 6. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «إنّ اللّه يقول: وَ أَنَّ إِلىٰ رَبِّكَ الْمُنْتَهىٰ (4) فإذا انتهى الكلام إلى اللّه فأمسكوا» (5).

[202] 7. الكافي: عنه (عليه السلام): «إنّ اليهود سألوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقالوا: انسب لنا ربّك، فلبث ثلاثا لا يجيبهم، ثم نزلت قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ إلى آخرها» (6).

* بيان

قد كثر القول في تفسير الصمد، و جملتها ترجع إلى التمام و فوق التمام الذي لا يعوزه شيء، يستغني عن كلّ شيء في كلّ شيء، و يفتقر إليه كلّ شيء في كلّ شيء. و عن الباقر (عليه السلام): «لم يلد فيكون له ولد يرثه ملكه، و لم يولد فيكون له والد

____________

(1). الكافي 1: 94/ 9.

(2). الكافي 1: 103/ 12.

(3). الكافي 1: 92/ 1.

(4). النجم (53): 42.

(5). الكافي 1: 92/ 2.

(6). الكافي 1: 91/ 1، و الآية من سورة الإخلاص (112): 1.

151

يشركه في ربوبيته و ملكه، و لم يكن له كفوا أحد فيعازّه في سلطانه» (1).

[المتن]

[203] 8. الكافي: سئل السجاد (عليه السلام) عن التوحيد، فقال: «إنّ اللّه تعالى علم أنّه يكون في آخر الزمان أقوام متعمّقون، فأنزل اللّه قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ و الآيات من سورة الحديد إلى قوله:

عَلِيمٌ بِذٰاتِ الصُّدُورِ (2)، فمن رام وراء ذلك فقد هلك» (3).

[204] 9. الكافي: عن الباقر (عليه السلام): «إيّاكم و التفكّر في اللّه، و لكن إذا أردتم أن تنظروا إلى عظمته فانظروا إلى عظيم خلقه» (4).

[205] 10. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «من نظر في اللّه كيف هو هلك» (5).

[206] 11. الكافي: عنه (عليه السلام): «يا ابن آدم، لو أكل قلبك طائر لم يشبعه، و بصرك لو وضع عليه خرق إبرة لغطّاه، تريد أن تعرف بهما ملكوت السموات و الأرض؟! إن كنت صادقا فهذه الشمس خلق من خلق اللّه، فإن قدرت أن تملأ عينيك منها فهو كما تقول» (6).

* بيان

أريد «بالقلب» اللحم الصنوبري المعروف، و لهذا جعله مأكولا، و ظاهر أنّه لا يصح أن يعرف به ملكوت السموات و الأرض، كما لا يصحّ أن يعرف بالبصر، لأنهما من عالم الملك، فكيف يعرف بهما الملكوت، فالخطاب خاصّ ممن لا يتجاوز درجة الحسّ المحسوس من أفراد بني آدم المشار إليهم بقوله سبحانه: لَهُمْ قُلُوبٌ لٰا يَفْقَهُونَ بِهٰا (7).

فأمّا من جاوزها منهم، و بلغ إلى درجة العقل و المعقول، و هم أصحاب القلوب الملكوتية المشار إليهم بقوله عزّ و جلّ: إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَذِكْرىٰ لِمَنْ كٰانَ لَهُ قَلْبٌ (8) فلهم أن يعرفوا بقلوبهم ملكوت السموات و الأرض لأن قلوبهم من الملكوت، و لهذا حثّ

____________

(1). البحار 3: 225/ 15.

(2). الحديد (57): 6.

(3). الكافي 1: 91/ 3.

(4). الكافي 1: 93/ 7.

(5). الكافي 1: 93/ 5.

(6). الكافي 1: 93/ 8.

(7). الأعراف (7): 179.

(8). ق (50): 37.

152

اللّه تعالى على النظر في الملكوت في غير موضع من كتابه، قال سبحانه: أَ وَ لَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ مٰا خَلَقَ اللّٰهُ مِنْ شَيْءٍ وَ أَنْ عَسىٰ أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (1) و قال تعالى: وَ كَذٰلِكَ نُرِي إِبْرٰاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (2)، إلى غير ذلك من الآيات، بلى إنّ ذاته تعالى لا يجوز أن يكتنه بالقلب، كما لا يجوز أن يدرك بالبصر، بل إنّما يجوز أن يطّلع بالقلب على شيء من عظمته فحسب.

باب إبطال الرؤية

[المتن]

[207] 1. الكافي: عن الرضا (عليه السلام) قال له أبو قرّة المحدث: إنّا روّينا أنّ اللّه قسّم الرؤية و الكلام بين نبيّين فقسّم الكلام لموسى و لمحمّد الرؤية، فقال (عليه السلام): «فمن المبلّغ عن اللّه إلى الثقلين من الجنّ و الإنس لٰا تُدْرِكُهُ الْأَبْصٰارُ (3) و لٰا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً (4) و لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (5) أ ليس محمد؟» قال: بلى. قال: «كيف يجيء رجل إلى الخلق جميعا فيخبرهم أنّه جاء من عند اللّه و انّه يدعوهم إلى اللّه بأمر اللّه، فيقول: لٰا تُدْرِكُهُ الْأَبْصٰارُ و لٰا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً و لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ثم يقول: إنا رأيته بعيني، و أحطت به علما، و هو على صورة البشر، أ ما تستحون؟! ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا أن يكون يأتي من عند اللّه بشيء، ثم يأتي بخلافه من وجه آخر».

قال أبو قرّة: فإنّه يقول: وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرىٰ (6) فقال (عليه السلام): «إنّ بعد هذه الآية ما يدلّ على ما رأى، حيث قال: مٰا كَذَبَ الْفُؤٰادُ مٰا رَأىٰ (7) يقول: ما كذب فؤاد محمّد ما رأت عيناه، ثم

____________

(1). الأعراف (7): 185.

(2). الأنعام (6): 75.

(3). الأنعام (6): 103.

(4). النمل (27): 84.

(5). الشورى (42): 11.

(6). النجم (53): 13.

(7). النجم (53): 11.

153

أخبر بما رأى، فقال: لَقَدْ رَأىٰ مِنْ آيٰاتِ رَبِّهِ الْكُبْرىٰ (1) فآيات اللّه غير اللّه، و قد قال اللّه وَ لٰا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً (2) فإذا رأته الأبصار فقد أحاطت به العلم و وقعت المعرفة».

فقال أبو قرة: فتكذّب بالروايات؟ فقال (عليه السلام): «إذا كانت الروايات مخالفة للقرآن كذّبتها، و ما أجمع المسلمون عليه أنّه لا يحاط به علما، و لا تدركه الأبصار، و ليس كمثله شيء» (3).

و في رواية اخرى: «إنّ اللّه أرى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من نور عظمته ما أحبّ» (4).

[208] 2. الكافي: عن الهادي (عليه السلام) سئل عن الرؤية و ما اختلف فيه الناس، فكتب: «لا تجوز الرؤية ما لم يكن بين الرائي و المرئي هواء ينفذه البصر، فإذا انقطع الهواء عن الرائي و المرئي لم تصحّ الرؤية، و كان في ذلك الاشتباه، لأن الرائي متى ساوى المرئي في السبب الموجب بينهما في الرؤية وجب الاشتباه، و كان ذلك التشبيه لأنّ الأسباب لا بدّ من اتصالها بالمسبّبات» (5).

* بيان

«و كان ذلك الاشتباه» يعني أنّه متى كان كذلك كان اللّه مشتبها بخلقه، تعالى عن ذلك علوّا كبيرا.

[المتن]

[209] 3. الكافي: عن الصادق (عليه السلام) في ما يروون من الرؤية، فقال: «الشمس جزء من سبعين جزءا من نور الكرسي، و الكرسي جزء من سبعين جزءا من نور العرش، و العرش جزء من سبعين جزءا من نور الحجاب، و الحجاب جزء من سبعين جزء من نور الستر، فإن كانوا صادقين فليملئوا أعينهم من الشمس ليس دونها سحاب» (6).

[210] 4. الكافي: عن الباقر (عليه السلام) إنّه دخل عليه رجل من الخوارج فقال له: يا أبا جعفر، أي شيء تعبد؟

قال: «اللّه تعالى». قال: رأيته؟ قال: «بل لم تره العيون بمشاهدة الابصار، و لكن رأته

____________

(1). النجم (53): 18.

(2). سورة طه (20): 110.

(3). الكافي 1: 98/ 8.

(4). الكافي 1: 95/ 8.

(5). الكافي 1: 97/ 4.

(6). الكافي 1: 98/ 7.

154

القلوب بحقائق الايمان، لا يعرف بالقياس، و لا يدرك بالحواس، و لا يشبّه بالناس، موصوف بالآيات، معروف بالعلامات، لا يجور في حكمه، ذلك اللّه لا إله إلّا هو».

قال: فخرج الرجل و هو يقول: اللّه أعلم حيث يجعل رسالته (1).

* بيان

«الإبصار» بالكسر في مقابلة الإيمان و «حقائق الإيمان» أركانه من التصديق باللّه و بوحدانيّته، و اعتبارات أسمائه و صفاته تعالى، و لرؤية اللّه تعالى بالقلوب مراتب بحسب درجات الإيمان قوة و ضعفا.

[المتن]

[211] 5. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «جاء حبر إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين، هل رأيت ربّك حين عبدته؟ قال: فقال: ويلك ما كنت أعبد ربّا لم أره، قال:

و كيف رأيته؟ قال: ويلك لا تدركه العيون في مشاهدة الأبصار، و لكن رأته القلوب بحقائق الايمان» (2).

* بيان

روى الصدوق (رحمه اللّه) في كتاب «التوحيد»: بإسناده عن أبي بصير، عن الصادق (عليه السلام)، قال: قلت له: أخبرني عن اللّه جلّ و عزّ هل يراه المؤمنون يوم القيامة؟ قال: «نعم، و قد رأوه قبل يوم القيامة». فقلت: متى؟ قال: «حين قال لهم: أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قٰالُوا بَلىٰ (3)» ثم سكت ساعة، ثم قال: «و إنّ المؤمنين ليرونه في الدنيا قبل يوم القيامة، أ لست تراه في وقتك هذا؟» قال أبو بصير: فقلت له: جعلت فداك، فأحدّث بهذا عنك؟ فقال: «لا، فإنّك إذا حدّثت به فأنكره منكر جاهل بمعنى ما تقوله، ثم قدّر أنّ ذلك تشبيه، كفر، و ليست الرؤية بالقلب كالرؤية بالعين، تعالى اللّه عمّا يصفه المشبّهون و الملحدون» (4).

[212] 6. الكافي: عن الباقر (عليه السلام) في قوله تعالى: لٰا تُدْرِكُهُ الْأَبْصٰارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصٰارَ (5) قال:

____________

(1). الكافي 1: 97/ 5.

(2). الكافي 1: 97/ 6.

(3). الأعراف (7): 172.

(4). التوحيد: 117/ 20.

(5). الانعام (6): 103.