الشافي في العقائد و الأخلاق و الأحكام - ج1

- الفيض الكاشاني المزيد...
928 /
155

«أوهام القلوب أدقّ من أبصار العيون، أنت قد تدرك بوهمك السّند و الهند و البلدان التي لم تدخلها، و لا تدركها ببصرك، و أوهام القلوب لا تدركه، فكيف أبصار العيون؟!» (1).

باب نفي التشبيه

[المتن]

[213] 1. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «سبحان من لا يعلم أحد كيف هو إلّا هو، ليس كمثله شيء و هو السميع البصير، لا يحدّ و لا يحسّ و لا يجسّ، و لا تدركه الأبصار و لا الحواس، و لا يحيط به شيء و لا جسم و لا صورة و لا تخطيط و لا تحديد» (2).

[214] 2. الكافي: عن الكاظم (عليه السلام)، ذكر عنده قوم يزعمون أنّ اللّه ينزل إلى سماء الدنيا، فقال: «إنّ اللّه لا ينزل و لا يحتاج إلى أن ينزل، إنّما منظره في القرب و البعد سواء، لم يبعد منه قريب، و لم يقرب منه بعيد، و لم يحتج إلى شيء بل يحتاج إليه، و هو ذو الطّول لا إله إلّا هو العزيز الحكيم، أمّا قول الواصفين: إنّه ينزل تبارك و تعالى، فإنّما يقول ذلك من ينسبه إلى نقص أو زيادة، و كلّ متحرك محتاج إلى من يحرّكه أو يتحرّك به، فمن ظنّ باللّه الظنون هلك، فاحذروا في صفاته من أن تقفوا له على حدّ تحدّونه بنقص، أو زيادة، أو تحريك، أو تحرّك، أو زوال، أو استنزال، أو نهوض، أو قعود، فإنّ اللّه جلّ و عزّ عن صفة الواصفين و نعت الناعتين و توهّم المتوهّمين وَ تَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ. الَّذِي يَرٰاكَ حِينَ تَقُومُ. وَ تَقَلُّبَكَ فِي السّٰاجِدِينَ» (3).

و في رواية اخرى: «و اعلم أنّه إذا كان في السماء الدنيا فهو كما هو على العرش، و الأشياء كلّها له سواء علما و قدرة و ملكا و إحاطة» (4).

____________

(1). الكافي 1: 99/ 11.

(2). الكافي 1: 104/ 1.

(3). الكافي 1: 125/ 1، و الآية من سورة الشعراء (26): 217- 219.

(4). الكافي 1: 126/ 4.

156

[215] 3. الكافي: عن الصادق (عليه السلام) قال له ابن أبي العوجاء في بعض ما كان يحاوره: ذكرت اللّه فأحلت على غائب، فقال (عليه السلام): «ويلك كيف يكون غائبا من هو مع خلقه شاهد، و إليهم أقرب من حبل الوريد، يسمع كلامهم، و يرى أشخاصهم، و يعلم أسرارهم؟»

فقال ابن أبي العوجاء: أ هو في كل مكان؟ أ ليس إذا كان في السماء كيف يكون في الأرض، و إذا كان في الأرض كيف يكون في السماء؟ فقال (عليه السلام): «إنما وصفت المخلوق الذي إذا انتقل من مكان اشتغل به مكان و خلا منه مكان، فلا يدري في المكان الذي صار إليه ما يحدث في المكان الذي كان فيه، فأمّا اللّه العظيم الشأن الملك الديّان، فلا يخلو منه مكان، و لا يشتغل به مكان، و لا يكون إلى مكان أقرب منه إلى مكان» (1).

باب النهي عن الصفة بغير ما وصف به نفسه

[المتن]

[216] 1. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «إنّ المذهب الصحيح في التوحيد ما نزل به القرآن من صفات اللّه تعالى، فانف عن اللّه تعالى البطلان و التشبيه، فلا نفي و لا تشبيه، هو اللّه الثابت الموجود، تعالى اللّه عمّا يصفه الواصفون، و لا تعدوا القرآن فتضلّوا بعد البيان» (2).

و في رواية أخرى: «لا تجاوز ما في القرآن» (3).

[217] 2. الكافي: عن الكاظم (عليه السلام): «إنّ اللّه أعلى و أجلّ و أعظم من أن يبلغ كنه صفته، فصفوه بما وصف به نفسه، و كفّوا عمّا سوى ذلك» (4).

[218] 3. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «إن اللّه لا يوصف، و كيف يوصف و قد قال اللّه في كتابه:

____________

(1). الكافي 1: 125/ 3.

(2). الكافي 1: 100/ 1.

(3). الكافي 1: 102/ 7.

(4). الكافي 1: 102/ 6.

157

وَ مٰا قَدَرُوا اللّٰهَ حَقَّ قَدْرِهِ (1)، فلا يوصف بقدر إلّا كان أعظم من ذلك» (2).

[219] 4. الكافي: عن السجاد (عليه السلام): «لو اجتمع أهل السماء و الأرض أن يصفوا اللّه بعظمته لم يقدروا» (3).

* بيان

يعني أن يصفوه على ما هو عليه من العظمة.

باب تأويل ما يوهم التّشبيه

[المتن]

[220] 1. الكافي: عن الصادق (عليه السلام) في قول اللّه تعالى: الرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوىٰ (4) قال:

«استوى على كلّ شيء، فليس شيء أقرب إليه من شيء» (5).

و في رواية «استوى من كلّ شيء» (6).

و في اخرى: «لم يبعد منه بعيد، و لم يقرب منه قريب، استوى في كلّ شيء» (7).

* بيان

فسّر (عليه السلام) الاستواء باستواء النسبة، و العرش بمجموع الأشياء، إذ هو عبارة عن الجسم المحيط بجميع الأجسام مع كلّ ما فيها كما يأتي تفسيره، و ضمّن الاستواء ما يتعدّى بعلى، كالاستيلاء، و الإشراف و نحوهما لموافقة الآية، فيصير المعنى:

استوى نسبته إلى كلّ شيء حال كونه مستوليا على الكلّ، ففي الآية دلالة على نفي المكان الخاصّ عنه سبحانه، خلاف ما يفهمه الجمهور منها، و فيها أيضا إشارة

____________

(1). الأنعام (6): 91، الزمر (39): 67.

(2). الكافي 1: 103/ 11.

(3). الكافي 1: 102/ 4.

(4). طه (20): 5.

(5). الكافي 1: 127/ 6.

(6). الكافي 1: 128/ 7.

(7). الكافي 1: 128/ 8.

158

إلى معيّته القيوميّة و اتّصاله المعنويّ بكلّ شيء على السواء على الوجه الذي لا ينافي أحديّته و قدس جلاله، و إفاضة الرحمة على الجميع على نسبة واحدة، و إحاطة علمه بالكلّ بنحو واحد، و قربه من كلّ شيء على نهج سواء.

و أتى بلفظة «من» في الحديث الثاني تحقيقا لمعنى الاستواء في القرب و البعد و بلفظة «في» في الثالث تحقيقا لمعنى ما يستوي فيه.

و أما اختلاف المقرّبين مع البعداء في القرب و البعد، فليس ذلك من قبله سبحانه، بل من جهة تفاوت نفوسهم في ذواتها، و إنّما نسب الاستواء إلى الرحمن، لأنه إنما استوى بالنسبة إلى الكلّ بالرحمة العامة الشاملة المدلول عليها بهذه اللفظة دون غيرها.

[المتن]

[221] 2. الكافي: عنه (عليه السلام) في قول اللّه تعالى: وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي (1) كيف هذا النفخ؟ قال:

«إنّ الروح متحرّك كالريح، و إنّما سمّي روحا لأنّه اشتق اسمه من الريح، و إنما أخرجه على لفظة الرّيح لأنّ الأرواح مجانس للريح، و إنّما أضافه إلى نفسه لأنه اصطفاه على سائر الأرواح، كما قال لبيت من البيوت: بيتي، و لرسول من الرسل: خليلي، و أشباه ذلك، و كلّ ذلك مخلوق مصنوع محدث مربوب مدبّر» (2).

* بيان

«الروح» و إن لم يكن في أصل جوهره من هذا العالم إلّا أنّ له مظاهر و مجالي في الجسد، و أول مظهر له فيه بخار لطيف دخاني شبيه في لطافته و اعتداله بالجرم السماوي، و يقال له الروح الحيواني، و هو مستوى الروح الأمري الرباني و مركبه و مطية قواه، فعبّر (عليه السلام) عن الروح بمظهره تقريبا له إلى الأفهام، لأنها قاصرة عن فهم حقيقته، كما اشير إليه بقوله تعالى: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَ مٰا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلّٰا قَلِيلًا (3) و لأن مظهره هذا هو المنفوخ حقيقة دون أصله.

[المتن]

[222] 3. الكافي: عنه (عليه السلام) في قول اللّه تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هٰالِكٌ إِلّٰا وَجْهَهُ (4) قال: «ما يقولون فيه»؟

قيل: يقولون يهلك كلّ شيء إلّا وجه اللّه، فقال: «سبحان اللّه! لقد قالوا قولا عظيما، إنّما عنى

____________

(1). الحجر (15): 29 و ص (38): 72.

(2). الكافي 1: 133/ 3.

(3). الاسراء (17): 85.

(4). القصص (28): 88.

159

بذلك وجه اللّه الذي يؤتى منه» (1).

* بيان

إنما تعجّب (عليه السلام) من قولهم و استعظمه؛ لأنّ إطلاق الوجه بظاهره عليه تشبيه له سبحانه و تجسيم إياه، و يعني بوجه اللّه الذي يؤتى منه الذي يهدي العباد إلى اللّه و إلى معرفته من نبي أو وصي أو عقل كامل بذلك وفّى، فإنّه وجه اللّه الذي يؤتى اللّه منه، و ذلك لأنّ الوجه ما يواجه به، و اللّه سبحانه إنّما يواجه عباده و يخاطبهم بواسطة نبي أو وصي أو عقل كامل.

و في حديث آخر جعل الضمير في (وجهه) راجعا إلى الشيء، (2) و وجه الشيء ما يقابل منه إلى اللّه سبحانه و هو روحه و حقيقته و ملكوته و محلّ معرفة اللّه منه التي تبقى بعد فناء جسمه و شخصه، و المعنيان متقاربان. و ربّما يفسّر الوجه بالذات.

[المتن]

[223] 4. الكافي: عنه (عليه السلام): «إنّ اللّه خلقنا فأحسن خلقنا، و صوّرنا فأحسن صورنا، و جعلنا عينه في عباده، و لسانه الناطق في خلقه، و يده المبسوطة على عباده بالرأفة، و الرحمة، و وجهه الذي يؤتى منه، و بابه الذي يدلّ عليه، و خزّانه في سمائه و أرضه، بنا أثمرت الأشجار، و أينعت الثمار، و جرت الأنهار، و بنا ينزل غيث السماء، و ينبت عشب الأرض، و بعبادتنا عبد اللّه، و لو لا نحن ما عبد اللّه» (3).

[224] 5. الكافي: عنه (عليه السلام) في قول اللّه تعالى فَلَمّٰا آسَفُونٰا انْتَقَمْنٰا مِنْهُمْ (4) قال: «إنّ اللّه لا يأسف كأسفنا، و لكنّه خلق أولياء لنفسه يأسفون و يرضون، و هم مخلوقون مربوبون، فجعل رضاهم رضا نفسه، و سخطهم سخط نفسه؛ لأنّه جعلهم الدعاة إليه و الأدلّاء عليه، فلذلك صاروا كذلك، و ليس أنّ ذلك يصل إلى اللّه كما يصل إلى خلقه، لكن هذا معنى ما قال من ذلك، و قد قال: من أهان لي وليّا فقد

____________

(1). الكافي 1: 143/ 1.

(2). راجع حديث: 223.

(3). الكافي 1: 144/ 5.

(4). الزخرف (43): 55.

160

بارزني بالمحاربة و دعاني إليها. و قال: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطٰاعَ اللّٰهَ (1) و قال: إِنَّ الَّذِينَ يُبٰايِعُونَكَ إِنَّمٰا يُبٰايِعُونَ اللّٰهَ يَدُ اللّٰهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ (2)، فكلّ هذا و شبهه على ما ذكرت لك، و هكذا الرضاء و الغضب و غيرهما من الأشياء ممّا يشاكل ذلك، و لو كان يصل إلى اللّه الأسف و الضّجر، و هو الذي خلقهما و أشباههما (3) لجاز لقائل هذا أن يقول:

إنّ الخالق يبيد يوما، لأنه إذا دخله الغضب و الضجر دخله التغيير، و إذا دخله التغيير لم يؤمن عليه بالإبادة، ثم لم يعرف المكوّن من المكوّن، و لا القادر من المقدور عليه، و لا الخالق من المخلوق، تعالى اللّه عن هذا القول علوّا كبيرا، بل هو الخالق للأشياء لا، فإذا كان لا لحاجة استحال الحدّ و الكيف فيه، فافهم إن شاء اللّه تعالى» (4).

[225] 6. الكافي: عن الباقر (عليه السلام) في قول اللّه تعالى: وَ مٰا ظَلَمُونٰا وَ لٰكِنْ كٰانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (5) قال: «إنّ اللّه أعظم و أعزّ و أجلّ و أمنع من أن يظلم، و لكنّه خلطنا بنفسه، و جعل ظلمنا ظلمه، و ولايتنا ولايته حيث يقول: إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا (6) يعني الأئمة منّا» (7).

[226] 7. الكافي: عنه (عليه السلام) في قول اللّه تعالى: وَ مَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوىٰ (8) ما ذلك الغضب؟

قال: «هو العقاب، إنّه من زعم أنّ اللّه قد زال من شيء إلى شيء فقد وصفه صفة مخلوق، إنّ اللّه لا يستفزّه شيء فيغيّره» (9).

____________

(1). النساء (4): 79.

(2). الفتح (48): 10.

(3). في نسخة: و أنشأهما.

(4). الكافي 1: 144/ 6.

(5). البقرة (2): 57- الأعراف (7): 160.

(6). المائدة (5): 55.

(7). الكافي 1: 146/ 11.

(8). طه (20): 84.

(9). الكافي 1: 110/ 5.

161

باب الصفات

[المتن]

[227] 1. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «لم يزل اللّه تعالى ربنا و العلم ذاته و لا معلوم، و السمع ذاته و لا مسموع، و البصر ذاته و لا مبصر، و القدرة ذاته و لا مقدور، فلمّا أحدث الأشياء و كان المعلوم، وقع العلم منه على المعلوم و السمع على المسموع، و البصر على المبصر، و القدرة على المقدور».

قيل: فلم يزل اللّه متحرّكا؟ قال: «تعالى اللّه إنّ الحركة صفة محدثة بالفعل».

قيل: فلم يزل اللّه متكلّما؟ قال: «إنّ الكلام صفة محدثة ليست بأزليّة، كان اللّه عزّ و جلّ و لا متكلّم» (1).

* بيان

اعلم أنّ من صفات اللّه ما هو ثابت له جلّ و عزّ في الأزل، و هو كمال في نفسه و على الإطلاق و ضدّه نقص، و يسمّى بصفة الذات، و هو على قسمين: قسم لا إضافة له إلى غيره جلّ ذكره أصلا، بل له وجه واحد كالحياة و البقاء، و قسم له إضافة إلى غيره، و لكن تتأخّر إضافته عنه كالعلم و السمع و البصر، فإنها عبارة عن انكشاف الأشياء له في الأزل كلّياتها و جزئياتها، كلّ في وقته و بحسب مرتبته، و على ما هو عليه فيما لا يزال مع حصول الأوقات، و المراتب له سبحانه في الأزل مجتمعة، و إن لم يحصل بعد لأنفسها، و بقياس بعضها إلى بعض متفرّقة، على ما يأتي تحقيقه إن شاء اللّه تعالى.

و هذا الانكشاف حاصل له بذاته من ذاته قبل خلق الأشياء، بل هو عين ذاته، كما أشار إليه الإمام (عليه السلام) بقوله: «لم يزل اللّه تعالى ربّنا و العلم ذاته و لا معلوم، و السمع ذاته و لا مسموع، و البصر ذاته و لا مبصر» و إن تأخّرت إضافتها إلى الأشياء على حسب تأخّرها و تفرّقها في أنفسها، و بقياس بعضها إلى بعض، كما أشار إليه بقوله (عليه السلام): «فلمّا أحدث الأشياء و كان المعلوم وقع العلم منه على المعلوم، و السمع على المسموع، و البصر على المبصر» و كالقدرة، فإنّها عبارة عن كون ذاته في الأزل بحيث يصحّ عنها خلق الأشياء فيما لا يزال على وفق علمه بها، و هذا المعنى أيضا

____________

(1). الكافي 1: 107/ 1.

162

ثابت له بذاته من ذاته قبل أن يخلق شيئا، بل هو عين ذاته كما قال (عليه السلام): «و القدرة ذاته و لا مقدور» و إن تأخرت الإضافة عنه، كما قال (عليه السلام): «و القدرة على المقدور».

و من الصفات ما يحدث بحدوث الخلق بحسب المصالح، و هو ما يكون كمالا من وجه دون وجه، و قد يكون ضدّه كمالا، و يسمى بصفة الفعل، و هو أيضا على قسمين: قسم هو إضافة محضة خارجة عن ذاته سبحانه، ليس لها معنى في ذاته زائد على العلم و القدرة و الإرادة و المشيئة كالخالقيّة و الرازقيّة و التكلّم و نحوها.

و قسم له معنى سوى الإضافة، إلّا أنّه لا تنفكّ عنه الإضافة و المضاف إليه كالمشيئة و الإرادة، فإنّهما في اللّه سبحانه لا يتخلّف عنهما المشاء و المراد بوجه، بل إِنَّمٰا أَمْرُهُ إِذٰا أَرٰادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (1) و ما شاء اللّه كان، فلا توجد الصفتان إلّا بوجود متعلّقيهما، إلّا أنّ الإرادة جزئيّة و مقارنة، و المشيئة كليّة و متقدّمة، و هذا القسمان إنّما يكونان كمالا إذا تعلّقا بالخير و بما ينبغي كما ينبغي لا مطلقا، و لهذا قد يخلق و قد لا يخلق، و قد يريد و قد لا يريد إلى غير ذلك، كما قال عزّ و جلّ: يُرِيدُ اللّٰهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لٰا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ (2).

فإن قيل: إن كانت الصفات المحدثة المتعلّقة بالخير كمالا للّه سبحانه، فما بالها لم تثبت للّه عزّ و جلّ في الأزل؟

قلنا: إنّ لها مبدأ و منشأ في ذاته تعالى هو كمال في الحقيقة، و هو كون ذاته بذاته في الأزل بحيث يخلق ما يخلق، و يرزق ما يرزق، و يتكلّم مع من يتكلّم، و يريد ما يريد، و يشاء كما يشاء فيما لا يزال، و هو من صفات الذات، ثابت لها في الأزل، و إنّما هذه الإضافات فروع لها مترتّبة عليها فيما لا يزال على وفق المصلحة و بحسب ما لا يسعه الإمكان، فلا بأس بتأخّرها عن الذات إذا كان مبدأها الذاتي و منشأها الكمالي قديما.

بل نقول: إنّ الإرادة و المشيّة أيضا لهما معنى ثابت في الأزل من وجه زائد على ما ذكرناه، و هو كون ذاته تعالى بذاته في الأزل بحيث يكفي علمه بالخير في خلقه إياه على حسب القدرة و الاختيار فيما لا يزال و هو من صفات الذات.

فإن قيل: فما الفرق بين الإرادة و المشيئة، بل سائر ما يعدّ من صفات الفعل، و بين نحو العلم و القدرة ممّا يعدّ من صفات الذات حيث جعل الأول محدثا فعليا، و الثاني أزليا ذاتيا مع اشتراك الكلّ في كونه صفة ثابتة ذات إضافة، لها وجه

____________

(1). يس (36): 82.

(2). البقرة (2): 185.

163

أزلي و آخر حادث؟

قلنا: لمّا كان العلم و القدرة و السمع و البصر جهة الثبات فيها أدلّ على المجد و الكمال من جهة التجدّد و أظهر حيث لا يقدح تخلّف متعلّقاتها عنها في كماليتها، بل يزيد، عدّت من صفات الذات، بخلاف الإرادة و المشيئة و نحوهما، فإنّ جهة التجدّد في أمثالها أدلّ على العزّ و الجلال و أظهر من جهة الثبات حيث لا تتخلّف متعلّقاتها عنها، و لذا عدّت من صفات الفعل، و ذلك لأن خطاب الشارع مع الجماهير، و ينبغي أن يذكر معهم في نعته سبحانه ما هو أدلّ على الكمال و أظهر في العزّ و الجلال، و إلّا فلا فرق بين هذه الصفات في هذا المعنى بحسب التحقيق.

إن قيل: فما معنى قوله (عليه السلام): «و العلم ذاته» و كيف يكون العلم عين الذات، مع أنّ مفهومه غير ما يفهم من الذات، و كذلك القول في نظائره، و أيضا فإنّ مفهوم كلّ صفة غير مفهوم صفة اخرى، فكيف يكون الكلّ متحدة مع الذات؟

قلنا: تكون المفهومات المتعدّدة موجودة بوجود واحد، فالصفات بحسب المفهوم، و إن كانت غير الذات، و بعضها يغاير البعض، إلّا أنّها بحسب الوجود ليست أمرا وراء الذات، أعني ذاته الأحديّة تعالى مجده هي بعينها صفاته الذاتية- بمعنى أنّ ذاته بذاته وجود و علم و قدرة و حياة و إرادة و سمع و بصر هي أيضا موجود عالم قادر حي مريد سميع بصير- يترتب عليها آثار جميع الكمالات، و يكون هو من حيث ذاته مبدأ لها من غير افتقار إلى معان اخر قائمة به تسمّى صفات تكون مصدرا للآثار، لمنافاته الوحدة و الغنى الذاتيين، و الاختصاص بالقدم، فذاته صفاته، و صفاته ذاته.

فإن قلت: الموجود ما قام به الوجود و العالم ما قام به العلم و كذا في سائر المشتقّات.

قلنا: ليس كذلك، بل الموجود ما ثبت له الوجود، و العالم ما ثبت له العلم، و الأبيض ما ثبت له البياض سواء كان بثبوت عينه أو بثبوت غيره، فإنّا لو فرضنا بياضا قائما بنفسه لقلنا: إنّه مفرّق للبصر، و انّه أبيض، و كذا الحال فيما سواه.

فإن قلت: ذاته مجهول الكنه لنا، و مفهوم العلم معلوم لنا، فكيف يكون أحدهما عين الاخر؟

قلنا: المعلوم من العلم مفهومه الكلّي المشترك المقول بالتشكيك على أفراده، الموجود بوجودات مختلفة، و هو الذي هو ذات الباري فرد خاصّ منه، و ذلك الفرد لشدة نوريّته و فرط ظهوره مجهول لنا محتجب عن عقولنا و أبصارنا، و كذا

164

الكلام في سائر الصفات.

و أمّا ما ورد في كلام أمير المؤمنين (عليه السلام): «و كمال الاخلاص له نفي الصفات عنه (1)» فالمراد به نفي الصفة الموجودة بوجود غير وجود الذات، كالبياض في الأبيض، لا كالناطق للإنسان، و لمّا كان أكثر ما يطلق عليه اسم الصفة هو الذي يكون أمرا عارضا، و لا يقال للمعاني الذاتية للشيء أنّها صفات له، نفى عنه الصفة، ألا ترى إلى قوله (عليه السلام) بعد ذلك: «فمن وصف اللّه سبحانه فقد قرنه، و من قرنه فقد ثنّاه»؟ فعلم أنّه أراد بالصفة ما قارن الذات الموجب للاثنينيّة فيها، فالعلم في غيره سبحانه صفة زائدة، و فيه نفسه سبحانه، فهو علم باعتبار و عالم باعتبار، و هكذا في سائر الصفات، و هذه الاعتبارات العقلية لا توجب تكثّرا في ذاته بوجه من الوجوه، و لا تخلّ بوحدانيّته الصرفة الخالصة أصلا، بل تزيده وحدة، لأنّه لو فرض أنّه لم يكن في ذاته شيء منها لما كان واحدا حقيقيا، مثلا لو فرض أنّه علم و ليس بقدرة، أو أنّه علم و ليس بعالم، لكان فيه جهة من غير جهة الوجوب و الوجود و هي جهة الإمكان و العدم، فيلزم تركّبه من جهتين، و هو محال.

[المتن]

[228] 2. الكافي: عن الباقر (عليه السلام): «كان اللّه و لا شيء غيره، و لم يزل عالما بما يكون، فعلمه به قبل كونه كعلمه به بعد كونه» (2).

* بيان

شرح ذلك أنّ اللّه تعالى أدرك الأشياء جميعا إدراكا تامّا، و أحاط بها إحاطة كاملة، فهو عالم بأنّ أيّ حادث يوجد في أيّ زمان من الأزمنة، و كم يكون بينه و بين الحادث الذي بعده أو قبله من المدّة، و لا يحكم بالعدم على شيء من ذلك، بل يدلّ ما نحكم بأن الماضي ليس بموجود في الحال، يحكم هو بأنّ كلّ موجود في زمان معيّن لا يكون موجودا في غير ذلك الزمان من الأزمنة التي تكون قبله أو بعده، و هو عالم بأنّ كلّ شخص في أيّ جزء يوجد من المكان، و أيّ نسبة تكون بينه و بين ما عداه ممّا يقع في جميع جهاته، و كم الأبعاد بينهما على الوجه المطابق للحكم، و لا يحكم على شيء بأنه موجود الآن أو معدوم أو موجود هناك أو معدوم أو حاضر أو غائب؛ لأنه عزّ و جلّ ليس بزماني و لا مكانيّ، بل هو بكلّ شيء محيط

____________

(1). نهج البلاغة: خ 39 ص 41.

(2). الكافي 1: 107/ 2.

165

أزلا و أبدا يَعْلَمُ مٰا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ مٰا خَلْفَهُمْ وَ لٰا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلّٰا بِمٰا شٰاءَ (1) و إليه أشار أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) بقوله: «لم يسبق له حال حالا، فيكون أولا قبل أن يكون آخرا، و يكون ظاهرا قبل أن يكون باطنا» (2) و قال (عليه السلام):

«علمه بالأموات الماضين كعلمه بالأحياء الباقين، و علمه بما في السموات العلى كعلمه بما في الأرضين السفلى» (3).

[المتن]

[229] 3. الكافي: عنه (عليه السلام) في صفة القديم: «إنّه واحد صمد أحديّ المعنى ليس بمعاني كثيرة مختلفة».

قيل: جعلت فداك، يزعم قوم من أهل العراق أنّه يسمع بغير الذي يبصر، و يبصر بغير الذي يسمع؟ قال: «كذبوا و لحدوا و شبّهوا، تعالى اللّه عن ذلك، إنّه سميع بصير، يسمع بما يبصر، و يبصر بما يسمع».

قيل: يزعمون إنّه بصير على ما يعقلونه؟ قال: «تعالى اللّه، إنّما يعقل ما كان بصفة المخلوق، ليس اللّه كذلك» (4).

* بيان

روى الصدوق في توحيده بإسناده عن محمّد بن عروة، قال: قلت للرضا (عليه السلام): خلق اللّه الأشياء بقدرة أم بغير قدرة؟ فقال: «لا يجوز أن يكون خلق الأشياء بالقدرة، لأنك إذا قلت: خلق الأشياء بالقدرة، فكأنّك قد جعلت القدرة شيئا غيره، و جعلتها آلة له بها خلق الأشياء، و هذا شرك، و إذا قلت: خلق الأشياء بقدرة فإنّما تصفه أنّه جعلها باقتدار عليها و قدرة، و لكن ليس هو بضعيف و لا عاجز و لا محتاج إلى غيره» (5).

و بإسناده عن هشام بن سالم، قال: دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال لي: «أتنعت اللّه؟» قلت: نعم، قال: «هات» فقلت: هو السميع البصير، قال: «هذه صفة يشترك فيها المخلوقون» قلت: فكيف تنعته؟ فقال: «هو نور لا ظلمة فيه، و حياة لا موت فيه، و علم لا

____________

(1). البقرة (2): 255.

(2). البحار 57: 285/ 1.

(3). البحار 4: 306/ 35.

(4). الكافي 1: 108/ 1.

(5). التوحيد: 130/ 12.

166

جهل فيه، و حقّ لا باطل فيه» فخرجت من عنده و أنا أعلم الناس بالتوحيد (1).

[المتن]

[230] 4. الكافي: قيل للصادق (عليه السلام): لم يزل اللّه تعالى مريدا؟ فقال: «إنّ المريد لا يكون إلّا لمراد معه، لم يزل [اللّه] عالما قادرا ثمّ أراد» (2).

* بيان

المراد بالإرادة هاهنا الإحداث، كما نصّ عليه في الخبر الآتي، لا التي هي عين ذاته الأحديّة.

[المتن]

[231] 5. الكافي: سئل أبو الحسن (عليه السلام) عن الإرادة من اللّه و من الخلق؟ قال: «الإرادة من الخلق الضمير و ما يبدو لهم بعد ذلك من الفعل، و أمّا من اللّه سبحانه فإرادته إحداثه لا غير ذلك، لأنه لا يروّي و لا يهمّ و لا يتفكّر، و هذه الصفات منفيّة عنه، و هي صفات الخلق، فإرادة اللّه الفعل لا غير ذلك، يقول له: كُنْ فَيَكُونُ بلا لفظ و لا نطق بلسان و لا همّة و لا تفكّر، و لا كيف لذلك، كما أنّه لا كيف له» (3).

[232] 6. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «المشيئة محدثة» (4).

* بيان

أراد بهذه المشيئة الإحداث و الإيجاد، لا كون ذاته بحيث يختار ما يختار.

باب الأسماء

[المتن]

[233]- 1 الكافي: سئل (عليه السلام) عن الاسم ما هو؟ قال: «صفة لموصوف» (5).

و في رواية: «ليس يحتاج أن يسمّي نفسه، و لكنه اختار لنفسه أسماء لغيره يدعوه بها؛

____________

(1). التوحيد: 146/ 14.

(2). الكافي 1: 109/ 1.

(3). الكافي 1: 109/ 3.

(4). الكافي 1: 110/ 7.

(5). الكافي 1: 113/ 3.

167

لأنه إذا لم يدع باسمه لم يعرف» (1).

[234] 2. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «من عبد اللّه بالتوهّم فقد كفر، و من عبد الاسم دون المعنى فقد كفر، و من عبد الاسم و المعنى فقد أشرك، و من عبد المعنى بإيقاع الأسماء عليه بصفاته التي وصف بها نفسه، فعقد عليه قلبه، و نطق به لسانه في سرّ أمره و علانيته، فأولئك أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) حقا» (2).

و في حديث آخر: «اولئك هم المؤمنون حقا» (3).

* بيان

«بالتوهّم» يعني من غير جزم بوجوده، أو بما يتوهّمه من مفهوم اللفظ، أي عبد الصورة الوهمية التي تحصل في ذهنه من مفهوم اللفظ، «و من عبد الاسم» أي اللفظ الدال على المسمّى، أو ما يفهم من اللفظ من الأمر الذهني دون المعنى، أي ما يصدق عليه اللفظ، أعني المسمّى الموجود في خارج الذهن، و الحاصل أن الاسم و ما يفهم منه غير المسمّى، فإنّ لفظ الإنسان مثلا ليس بإنسان، و كذا ما يفهم من هذا اللفظ ممّا يحصل في الذهن، فإنّه ليس له جسميّة و لا حياة و لا نطق و لا شيء من خواصّ الإنسانية.

[المتن]

[235] 3. الكافي: عنه (عليه السلام) سئل عن تفسير «بسم اللّه الرحمن الرحيم» قال: «الباء بهاء اللّه، و السين سناء اللّه، و الميم مجد اللّه» (4).

و روي «الميم ملك اللّه، و اللّه إله كلّ شيء، الرحمن بجميع خلقه، و الرحيم بالمؤمنين خاصة» (5).

* بيان

أشير بهذا التفسير إلى علم الحروف، فإنّه علم شريف يمكن أن يستنبط منه جميع العلوم و المعارف كلّياتها و جزئياتها، إلّا أنّه مكنون عند أهله، و كأنّ الرحمن إنّما

____________

(1). الكافي 1: 113/ 2.

(2). الكافي 1: 87/ 1.

(3). الكافي 1: 87/ ذيل الحديث 1.

(4). الكافي 1: 114/ 1.

(5). الكافي 1: 114/ ذيل الحديث 1.

168

هو من الرحمة التي وسعت كلّ شيء، و الرحيم من الرحمة التي يختصّ بها من يشاء من عباده.

[المتن]

[236] 4. الكافي: سئل الكاظم (عليه السلام) عن معنى اللّه، فقال: «استولى على ما دقّ و جلّ» (1).

* بيان

لما كان اللّه اسما للذّات الأحديّة القيّوميّة، فسّر بما يختصّ به الذات، و هو استيلاؤها على الدقيق و الجليل.

[المتن]

[237] 5. الكافي: عن الصادق (عليه السلام) و قد سئل عن الأول و الاخر؟ فقال: «الأول لا عن أوّل قبله، و لا عن بدء سبقه، و آخر لا عن نهاية كما يعقل من صفة المخلوقين، و لكن قديم أول آخر، لم يزل، و لا يزول، بلا بدء و لا نهاية، لا يقع عليه الحدوث، و لا يحول من حال إلى حال، خالق كلّ شيء» (2).

* بيان

في قوله (عليه السلام): «أول آخر» بدون العطف إشارة إلى أنّ أوّليّته عين آخريّته، ليدلّ على أنّ كونه قديما ليس بمعنى القدم الزماني، أي الامتداد الكمّي بلا نهاية، إذ وجوده ليس بزماني، بل هو فوق الزمان و الدهر، نسبته إلى الأزل كنسبته إلى الأبد، فهو بما هو أزلي أبدي، و بما هو أبدي أزلي، فهو و إن كان مع الأزل و الأبد، لكن ليس في الأزل و لا في الأبد حتى تتغيّر ذاته، و إليه الاشارة بقوله: «لا يقع عليه الحدوث».

[المتن]

[238] 6. الكافي: قيل للجواد (عليه السلام): جعلت فداك ما الصمد؟ قال: «السيد المصمود إليه في القليل و الكثير» (3).

* بيان

المصمود إليه: المقصود، و قد مرّ حاصل ما قيل في معنى الصمد.

[المتن]

[239] 7. الكافي: عن الصادق (عليه السلام) قال رجل عنده: اللّه أكبر، فقال: «اللّه أكبر من أي شيء؟» فقال: من

____________

(1). الكافي 1: 114/ 3.

(2). الكافي 1: 116/ 6.

(3). الكافي 1: 123/ 1.

169

كلّ شيء، فقال (عليه السلام) «حدّدته؟» فقال الرجل: كيف أقول؟ قال: «قل: اللّه أكبر من أن يوصف» (1).

و في رواية قال: «و كان ثمّ شيء فيكون أكبر منه؟» فقال: فما هو؟ قال: «اللّه أكبر من أن يوصف» (2).

* بيان

«حدّدته» من التحديد، أي جعلت له حدّا محدودا، و ذلك لأنه جعله في مقابلة الأشياء، و وضعه في حدّ، و الأشياء في حدّ آخر، و وازن بينهما، مع أنّه محيط بكلّ شيء، لا يخرج عن معيّته و قيوميّته شيء، كما أشار إليه بقوله (عليه السلام): «و كان ثمّ شيء» يعني مع ملاحظة ذاته الواسعة و إحاطته بكلّ شيء و معيّته للكلّ، لم يبق شيء تنسبه إليه بالأكبريّة، بل كلّ شيء هالك عند وجهه الكريم، و كلّ وجود و كمال وجود مضمحلّ في مرتبة ذاته و وجوده القديم.

[المتن]

[240] 8. الكافي: عنه (عليه السلام) سئل عن قول اللّه سبحانه: «سبحان اللّه» ما يعني به؟ قال: «تنزيه» (3).

[241] 9. الكافي: عنه (عليه السلام): «إنّ اللّه تعالى خلق اسما بالحروف غير متصوّت، و باللفظ غير منطق، و بالشخص غير مجسّد، و بالتشبيه غير موصوف، و باللون غير مصبوغ، منفي عنه الأقطار، مبعد عنه الحدود، محجوب عنه حسّ كلّ متوهّم، مستتر غير مستّر (4)، فجعله كلمة تامّة على أربعة أجزاء معا، ليس منها واحد قبل الاخر، فأظهر منها ثلاثة أسماء لفاقة الخلق إليها، و حجب واحدا منها، و هو الاسم المكنون المخزون بهذه (5) الأسماء التي ظهرت، فالظاهر هو اللّه تعالى، و سخّر سبحانه لكلّ اسم من هذه الأسماء أربعة أركان، فذلك اثنا عشر ركنا، ثم خلق لكلّ ركن منها ثلاثين اسما فعلا منسوبا إليها، فهو الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، الخالق، البارئ، المصوّر، الحيّ، القيّوم، لا تأخذه سنة و لا نوم، العليم، الخبير، السميع، البصير، الحكيم، العزيز، الجبّار، المتكبّر، العليّ، العظيم، المقتدر، القادر، السلام، المؤمن، المهيمن، البارئ، المنشئ،

____________

(1). الكافي 1: 117/ 8.

(2). الكافي 1: 118/ 9.

(3). الكافي 1: 118/ 11 و في المصدر: «تنزيهه».

(4). في المصدر غير مستور.

(5). في المصدر: فهذه.

170

البديع، الرفيع، الجليل، الكريم، الرزّاق، المحيي، المميت، الباعث، الوارث، فهذه الأسماء و ما كان من الأسماء الحسنى حتى تتمّ ثلاثمائة و ستّين اسما، فهي نسبة لهذه الأسماء الثلاثة، و هذه الأسماء الثلاثة، أركان و حجب الاسم الواحد المكنون المخزون بهذه الأسماء الثلاثة و ذلك قوله تعالى: قُلِ ادْعُوا اللّٰهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمٰنَ أَيًّا مٰا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمٰاءُ الْحُسْنىٰ» (1).

* بيان

الاسم: ما دلّ على الذات الموصوفة بصفة معينة سواء كان لفظا أو حقيقة من الحقائق الموجودة في الأعيان، فإنّ الدلالة كما تكون في الألفاظ كذلك تكون بالذوات من غير فرق بينهما فيما يؤول إلى المعنى، بل كلّ موجود بمنزلة كلام صادر عنه تعالى، دالّ على توحيده و تمجيده، بل كلّ منها عند اولي البصائر لسان ناطق بوحدانيّته، يسبّح بحمده، و يقدّسه عمّا لا يليق بجنابه، كما قال تعالى: وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلّٰا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ (2) بل كلّ من الموجودات ذكر و تسبيح له تعالى، إذ يفهم منه وحدانيّته و علمه و اتّصافه بسائر صفات الكمال و تقدّسه عن صفات النقص و الزوال.

قوله (عليه السلام): «مستتر» من الاستتار «غير مستّر» من التستير على البناء للمفعول، إشارة إلى أنّ خفاءه و عدم نيله، إنّما هو لضعف البصائر و الأبصار، و لا أنه جعل عليه ستر أخفاه، و كان الاسم الموصوف بالصفات المذكورة إشارة إلى أوّل ما خلق اللّه الذي مرّ ذكره في باب العقل، أعني النون المحمّدي، و الروح الأحمدي، و العقل الكلّي، و أجزاؤه الأربعة إشارة إلى جهته الإلهية، و العوالم الثلاثة التي يشتمل عليها؛ أعني عالم العقول المجردة عن المواد و الصور، و عالم الخيال المجرّد عن المواد دون الصور، و عالم الأجسام المقارنة للمواد.

و بعبارة اخرى إلى الحسّ و الخيال و العقل و السرّ، و بثالثة إلى الشهادة و الغيب و غيب الغيب و غيب الغيوب، و برابعة إلى الملك و الملكوت و الجبروت و اللاهوت، و معية الأجزاء عبارة عن لزوم كلّ منها الاخر و توقّفه عليه في تماميّة

____________

(1). الكافي 1: 112/ 1؛ و الآية من سورة الاسراء 17: 110.

(2). الاسراء (17): 44.

171

الكلمة، و جزؤه المكنون السرّ الإلهي و الغيب اللاهوتي.

قوله: «فالظاهر هو اللّه» يعني به أنّ الظاهر بهذه الأسماء الثلاثة هو اللّه، فإنّ المسمّى يظهر بالاسم و يعرف به، و الأركان الأربعة: الحياة و الموت و الرزق و العلم التي وكّل بها أربعة أملاك هي إسرافيل و عزرائيل و ميكائيل و جبرئيل.

و فعل الأول نفخ الصور و الأرواح في قوالب المواد و الأجساد و إعطاء قوة الحسّ و الحركة لانبعاث الشوق و الطلب، و له ارتباط مع المفكّرة، و لو لم يكن هو لم ينبعث الشوق و الحركة لتحصيل الكمال في أحد.

و فعل الثاني تجريد الأرواح و الصور عن الأجساد و المواد، و إخراج النفوس من الأبدان، و له ارتباط مع المصوّرة، و لو لم يكن هو لم يمكن الاستحالات و الانقلابات في الأجسام، و لا الاستكمالات و الانتقالات الفكرية في النفوس، و لا الخروج من الدنيا و القيام عند اللّه تعالى للأرواح، بل كانت الأشياء كلّها واقفة في منزل واحد و مقام أوّل.

و فعل الثالث إعطاء الغذاء و الأمواء (1) على قدر لائق و ميزان معلوم لكلّ شيء بحسبه، و له ارتباط مع الحفظ و الإمساك، و لو لم يكن هو لم يحصل النشوء و النّماء في الأبدان، و لا التطوّر في أطوار الملكوت في الأرواح، و لا العلوم الجمّة للفطرة.

و فعل الرابع الوحي و التعليم و تأدية الكلام من اللّه سبحانه إلى عباده، و له ارتباط مع القوة النطقية، و لو لم يكن هو لم يستفد أحد معنى من المعاني بالبيان و القول، و لم يقبل قلب أحد إلهام الحق و إلقاءه في الروع.

[المتن]

[242] 10. الكافي: عنه (عليه السلام) في قول اللّه تعالى: وَ لِلّٰهِ الْأَسْمٰاءُ الْحُسْنىٰ فَادْعُوهُ بِهٰا (2) قال: «نحن و اللّه الأسماء الحسنى التي لا يقبل اللّه من العباد عملا إلّا بمعرفتنا».

* بيان

و ذلك لأنه كما أن الاسم يدلّ على المسمّى و يكون علامة له، كذلك هم (عليهم السلام) أدلّاء على اللّه يدلّون الناس عليه سبحانه، و هم علامة لمحاسن صفاته و أفعاله و آثاره «فأدعوه بها» أي فادعوا اللّه و أطلبوا التقرب إليه بسبب معرفتها، فإنّ معرفته تعالى

____________

(1). في الأصل: و الإيماء، و جمع الماء: مياه، أو أمواه، أو أمواء.

(2). الأعراف (7): 180.

172

منوطة بمعرفتهم (عليهم السلام)، و العبادة غير مقبولة إلّا بمعرفة المعبود المتوقفة على معرفتهم (سلام اللّه عليهم).

باب جوامع التوحيد و التمجيد

[المتن]

[243] 1. الكافي: عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبة له: «الحمد للّه الواحد الأحد، الصمد المتفرّد، الذي لا من شيء كان، و لا من شيء خلق ما كان، قدرة بان بها من الأشياء و بانت الأشياء منه، فليست له صفة تنال و لا حدّ تضرب له فيه الأمثال، كلّ دون صفاته تحبير اللغات، و ضلّ هناك تصاريف الصفات، و حار في ملكوته عميقات مذاهب التفكير، و انقطع دون الرسوخ في علمه جوامع التفسير، و حال دون غيبه المكنون حجب من الغيوب، تاهت في أدنى أدانيها طامحات العقول في لطيفات الامور.

فتبارك الذي لا يبلغه بعد الهمم، و لا يناله غوص الفطن، و تعالى الذي ليس له وقت معدود، و لا أجل ممدود، و لا نعت محدود، و سبحان الذي ليس له أوّل مبتدأ، و لا غاية منتهى، و لا آخر يفنى، سبحانه هو كما وصف به نفسه، و الواصفون لا يبلغون نعته، حدّ الأشياء كلّها عند خلقه إبانة لها من شبهه، و إبانة له من شبهها، فلم يحلل فيها فيقال: هو فيها كائن، و لم ينأ عنها فيقال: هو منها بائن، و لم يخل منها فيقال له: أين، لكنّه سبحانه أحاط بها علمه، و أتقنها صنعه، و أحصاها حفظه، لم يعزب عنه خفيّات غيوب الهواء، و لا غوامض مكنون ظلم الدجى، و لا ما في السموات العلى إلى الأرضين السفلى، لكلّ شيء منها حافظ و رقيب، و كلّ شيء منها بشيء محيط، و المحيط بما أحاط منها.

الواحد الأحد الصمد الذي لا تغيّره صروف الأزمان، و لا يتكأدّه صنع شيء كان، إنما قال لما شاء كن فكان، ابتدع ما خلق بلا مثال سبق و لا تعب و لا نصب، و كلّ صانع شيء، فمن شيء صنع، و اللّه لا من شيء صنع ما خلق، و كلّ عالم فمن بعد جهل تعلّم،

173

و اللّه لم يجهل و لم يتعلّم، أحاط بالأشياء علما قبل كونها، فلم يزدد بكونها علما، علمه بها قبل أن يكوّنها كعلمه بعد تكوينها لو يكوّنها لتشديد سلطان، و لا خوف من زوال و لا نقصان، و لا استعانة على ضدّ مناو، و لا ندّ مكاثر، و لا شريك مكابر، لكن خلائق مربوبون، و عباد داخرون.

فسبحان الذي لا يؤده خلق ما ابتدأ و لا تدبير ما برأ، و لا من عجز و لا من فترة بما خلق اكتفى، علم ما خلق و خلق ما علم، لا بالتّفكير في علم حادث أصاب ما خلق، و لا شبهة دخلت عليه فيما لم يخلق، لكن قضاء مبرم، و علم محكم، و أمر متقن، توحّد بالربوبيّة، و خصّ نفسه بالوحدانية، و استخلص بالمجد و الثناء، و تفرّد بالتوحيد و المجد و السناء، و توحّد بالتحميد، و تمجّد بالتمجيد، و علا عن اتخاذ الأبناء، و تطهّر و تقدّس عن ملامسة النساء، و عزّ و جلّ عن مجاورة الشركاء، فليس له فيما خلق ضدّ، و لا له فيما ملك ندّ، و لم يشركه في ملكه أحد، الواحد الأحد الصمد، المبيد للأبد، و الوارث للأمد، الذي لم يزل و لا يزال وحدانيا أزليا قبل بدو الدهور و بعد صروف الامور، الذي لا يبيد و لا ينفد، بذلك أصف ربّي، فلا إله إلّا اللّه، من عظيم ما أعظمه؟ و من جليل ما أجلّه؟ و من عزيز ما أعزّه؟ و تعالى عمّا يقول الظالمون علوّا كبيرا» (1).

* بيان

«دون صفاته» قبل الوصول إليها «و التحبير» التزيين «و ضلّ هناك تصاريف الصفات» أي لم يهتد إليه وصف الواصفين بأنحاء تصاريفهم الصفات، و الضمير في «أدانيها» للحجب «طامحات العقول» المرتفعة «بعد الهمم» الهمم البعيدة «غوص الفطن» الفطن الغائصة «لكلّ شيء منها حافظ و رقيب» إشارة إلى أنّ لكلّ ظاهر باطنا و لكلّ ملك ملكوتا «و كلّ شيء منها بشيء محيط» إشارة إلى ترتّب الموجودات و كون بعضها سببا للبعض، و أنّه سبحانه مسبّب الأسباب «لا يتكأدّه» لا يثقله «فلم يزدد بكونها علما» لأنه لا يعلم الأشياء من الأشياء و لا في الأزمنة «مناو» معاد «و لا من عجز» أي ليس اكتفاؤه بما خلق من عجز و لا من فتور، بل إنما هو لعدم إمكان الزائد عليه و نقص قابليّة ما خلق لأزيد، فالنقصان في جانب القابل لا من جهة

____________

(1). الكافي 1: 134/ 1.

174

الفاعل تعالى شأنه «المبيد للأبد» إمّا من الإبادة بمعنى الإهلاك أي المجاوز عنه، أو من التأبيد أي هو الذي أبّد الأبد حتى صار الأبد أبدا.

[المتن]

[244] 2. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «بينا أمير المؤمنين (عليه السلام) يخطب على منبر الكوفة، إذ قام إليه رجل يقال له ذعلب، ذو لسان بليغ في الخطب، شجاع القلب، فقال: يا أمير المؤمنين: هل رأيت ربّك؟ قال: ويلك يا ذعلب ما كنت أعبد ربّا لم أره، فقال: يا أمير المؤمنين كيف رأيته؟ قال: ويلك يا ذعلب لم تره العيون بمشاهدة الأبصار، و لكن رأته القلوب بحقائق الإيمان. ويلك يا ذعلب، إنّ ربي لطيف اللطافة لا يوصف باللطف، عظيم العظمة لا يوصف بالعظم، كبير الكبرياء لا يوصف بالكبر، جليل الجلالة لا يوصف بالغلظ، قبل كلّ شيء لا يقال شيء قبله، و بعد كلّ شيء لا يقال له بعد، شاء الأشياء لا بهمّة، درّاك لا بخديعة في الأشياء كلّها غير متمازج بها، و لا بائن منها، ظاهر لا بتأويل المباشرة، متجلّ لا باستهلال رؤية، نأء لا بمسافة، قريب لا بمداناة، لطيف لا بتجسّم، موجود لا بعد عدم، فاعل لا باضطرار، مقدّر لا بحركة، مريد لا بهمامة، سميع لا بآلة، بصير لا بأداة، لا تحويه الأماكن، و لا تضمّنه الأوقات، و لا تحدّه الصفات، و لا تأخذه السّنات.

سبق الأوقات كونه، و العدم وجوده، و الابتداء أزله، بتشعيره المشاعر عرف أن لا مشعر له، و بتجهيره الجواهر عرف ألا جوهر له، و بمضادّته بين الأشياء عرف أن لا ضدّ له، و بمقارنته بين الأشياء عرف ألا قرين له، ضادّ النور بالظلمة، و اليبس بالبلل، و الخشن باللين، و الصرد بالحرور، مؤلّف بين متعادياتها، مفرّق بين متدانياتها، دالّة بتفريقها على مفرّقها، و بتأليفها على مؤلفها، و ذلك قول اللّه تعالى: وَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنٰا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (1) ففرّق بين قبل و بعد، ليعلم ألا قبل له و لا بعد، شاهدة بغرائزها ألا غريزة لمغرزها، مخبرة بتوقيتها ألا وقت لموقّتها، حجب بعضها عن بعض، ليعلم ألا حجاب بينه و بين خلقه، كان ربّا إذ لا مربوب، و إلها إذ لا مألوه، و عالما إذ لا معلوم، و سميعا إذ لا مسموع» (2).

____________

(1). الذاريات/ 49.

(2). الكافي 1: 138/ 4.

175

* بيان

«لطيف اللطافة» اللطيف: النافذ في الأشياء الممتنع من أن يدرك، كما ورد في كلام الرضا (عليه السلام) (1)، و اللطيف أيضا: العالم بدقائق المصالح و غوامضها، السالك في إيصالها إلى المستصلح سبيل الرفق دون العنف، و إضافته إلى اللطافة مبالغة في اللطف «لا يوصف باللطف» أي اللطف الذي من صفات الأجسام، و هو الصغر و الدقّة و القلّة و النحافة و رقّة القوام و نحوها، و كذا العظم المنفي و نظائره «و الهمّة» الإرادة السانحة «درّاك لا بخديعة» كأنّه أراد به أنّه سبحانه عالم بما في الضمائر و المكامن من غير مكر و حيلة يتوسّل بهما إلى الوصول إلى ذلك «لطيف لا بتجسّم» أي برقّة قوام، فإنّه معنى اللطف في الجسم «و الاستهلال» الإبصار.

«بتشعير المشاعر عرف ألا مشعر له» إنّما عرف بتشعيره المشاعر انتفاء المشعر عنه تعالى، لأنه بتشعيره عزّ و جلّ إياها عرف أنّ المشاعر محتاجة إلى مشعر يشعرها، فلو كان له عزّ و جلّ مشعر لكان محتاجا إلى من يشعر له، إذ لا يجوز أن يفيض على نفسه المشعر من حيث هو فاقد له، فيكون محتاجا بذاته.

و كما أنّ لنا أن نستدلّ بإفاضة اللّه سبحانه العلم و القدرة و الإدراك علينا بأنه تعالى متّصف بها، فكذلك لنا أن نستدل بتعلّمنا بعد الجهل، و اكتسابنا صفة القدرة بعد العجز، و إدراكنا المحسوسات باستعانة المشاعر، و افتقارنا إليها في ذلك، على أنّ اللّه عزّ و جلّ منزّه في علمه و قدرته و إدراكه عن التعلّم و الاكتساب و المشاعر، بل عن الصفة الزائدة على الذات مطلقا؛ لأنّ حصول هذه الصفات لنا على النحو الذي اتصفنا بها إنّما هو من الغير، فلو كان اللّه سبحانه اتّصف بها على هذا النحو لافتقر هو أيضا إلى الغير كما افتقرنا، و كذلك نقول في نظائره من التجهير و المضادة و المقارنة و غيرها.

[المتن]

[245] 3. الكافي: عنه (عليه السلام): «خطب أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) الناس بالكوفة، فقال:

الحمد للّه الملهم عباده حمده، و فاطرهم على معرفة ربوبيّته، الدّال على وجوده بخلقه، و بحدوث خلقه على أزله، و باشتباههم على الأشبه له، المستشهد بآياته على قدرته، الممتنعة من الصفات ذاته، و من الأبصار رؤيته، و من الأوهام الإحاطة به، لا أمد لكونه، و لا غاية لبقائه، لا تشمله المشاعر، و لا تحجبه الحجب، و الحجاب بينه

____________

(1). راجع التوحيد: 112/ 11 و 12.

176

و بين خلقه، خلقه إيّاهم لامتناعه ممّا يمكن في ذواتهم، و لإمكان ذواتهم ممّا يمتنع منه ذاته، و لافتراق الصانع من المصنوع، و الحادّ و المحدود، و الربّ و المربوب، الواحد بلا تأويل عدد، و الخالق لا بمعنى حركة، و البصير لا بأداة، و السميع لا بتفريق آلة، و الشاهد لا بمماسّة، و الباطن لا باجتنان، و الظاهر البائن لا بتراخي مسافة، أزله نهية لمجاول الأفكار، و دوامه ردع لطامحات العقول، قد حسر كنهه نوافذ الأبصار، و قمع وجوده جوائل الأوهام، فمن وصف اللّه فقد حدّه، و من حدّه فقد عدّه، و من عدّه فقد أبطل أزله، و من قال: أين؟ فقد غيّاه، و من قال: على ما؟ (1) فقد أخلى منه، و من قال: فيم؟

فقد ضمّنه» (2).

و في رواية اخرى بعد قوله: «جوائل الأوهام»: «أول الديانة به معرفته، و كمال معرفته توحيده، و كمال توحيده نفي الصفات عنه، لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف، و شهادة الموصوف أنّه غير الصفة، و شهادتهما جميعا بالتثنية الممتنع منه الأزل، فمن وصف اللّه فقد حدّه، و من حدّه فقد عدّه، و من عدّه فقد أبطل أزله، و من قال: كيف؟

فقد استوصفه، و من قال: فيما؟ فقد ضمّنه، و من قال: على ما؟ فقد جهله، و من قال:

أين؟ فقد أخلى منه، و من قال: ما هو؟ فقد نعته، و من قال: إلى ما؟ فقد غاياه، عالم إذ لا معلوم، و خالق إذ لا مخلوق، و ربّ إذ لا مربوب، و كذلك يوصف ربّنا و فوق ما يصفه الواصفون» (3).

* بيان

«بلا تأويل عدد» إذ الوحدة العددية إنّما يتقوّم بتكرّرها الكثرة العددية، و يصحّ بحسبها أن يقال: أنّ المتّصف بهذا أحد أعداد الوجود، أو أحد آحاد الموجودات، و عزّ مجده سبحانه أن يكون كذلك، بل الوحدة العددية و الكثرة العددية التي هي في مقابلتها جميعا من صنع وحدته المحضة الحقيقية، التي هي نفس ذاته القيّومية، و هي وحدة حقّة صرفة وجوبية، قائمة بالذات لا مقابل لها، و من لوازمها نفي الكثرة «لا بتفريق آلة» أي لا بآلة مغايرة «و النهية» المنع «فقد أخلى منه» أي ذلك

____________

(1). كذا في الكافي المطبوع و في بعض النسخ من الوافي: على م؟ و المعنى واحد.

(2). الكافي 1: 139/ 5.

(3). الكافي 1: 140/ 6.

177

الشيء الذي قال أنّه عليه ضرورة أنّ المحمول يكون خارجا عن حامله، «فقد جهّله» بالتشديد و في نسخة: «فقد حمله».

[المتن]

[246] 4. الكافي: عن الباقر (عليه السلام) قيل له: أخبرني عن ربّك متى كان؟ قال: «ويلك إنّما يقال لشيء لم يكن متى كان، إنّ ربّي كان و لم يزل حيّا بلا كيف، و لم يكن له كان، و لا كان لكونه كون، كيف و لا كان له أين، و لا كان في شيء، و لا كان على شيء و لا ابتدع لمكانه مكانا، و لا قوى بعد ما كوّن الأشياء، و لا كان ضعيفا قبل أن يكوّن شيئا، و لا كان مستوحشا قبل أن يبتدع شيئا، و لا يشبه شيئا مذكورا، و لا كان خلوا من الملك قبل إنشائه، و لا يكون بعد ذهابه، لم يزل حيّا بلا حياة، و ملكا قادرا قبل أن ينشئ شيئا، و ملكا جبّارا بعد إنشائه للكون، فليس لكونه كيف، و لا له أين، و لا له حدّ، و لا يعرف بشيء يشبهه، و لا يهرم لطول البقاء، و لا يصعق لشيء، بل لخوفه تصعق الأشياء كلّها.

كان حيّا بلا حياة حادثة، و لا كون موصوف، و لا كيف محدود، و لا أين موقوف عليه، و لا مكان جاور شيئا، بل حي يعرف، و ملك لم يزل له القدرة و الملك، أنشأ ما شاء حين شاء بمشيئة، لا يحدّ و لا يبعّض و لا يفنى، كان أولا بلا كيف، و يكون آخرا بلا أين، و كلّ شيء هالك إلّا وجهه، له الخلق و الأمر، تبارك اللّه ربّ العالمين.

ويلك أيها السائل، إنّ ربي لا تغشاه الأوهام، و لا تنزل به الشبهات، و لا يجار من شيء، و لا يجاوره شيء، و لا تنزل به الأحداث، و لا يسأل عن شيء، و لا يندم على شيء، و لا تأخذه سنة و لا نوم، له ما في السموات و ما في الأرض، و ما بينهما و ما تحت الثرى» (1).

* بيان

«و لا كان لكونه كون كيف» يعني أنّ كونه كون لم يتحقق له كيف «و لا ابتدع لمكانه» أي لتمكّنه «شيئا مذكورا» المذكور ما حصل في الذكر، أي الخاطر «و لا كان خلوا من الملك قبل إنشائه، و لا يكون منه خلوا بعد ذهابه» بيان ذلك و تحقيقه أنّ المخلوقات و إن لم تكن موجودة في الأزل لأنفسها و بقياس بعضها إلى بعض، على أن

____________

(1). الكافي 1: 88/ 3.

178

يكون الأزل ظرفا لوجوداتها كذلك، إلّا أنها موجودة في الأزل للّه سبحانه وجودا جمعيّا وحدانيا غير متغيّر، بمعنى أنّ وجوداتها اللايزالية الحادثة ثابتة للّه سبحانه في الأزل كذلك، و هذا كما أنّ الموجودات الذهنية موجودة في الخارج إذا قيّدت بقيامها بالذهن، و إذا اطلقت من هذا القيد فلا وجود لها إلّا في الذهن.

فالأزل يسع القديم و الحادث و الأزمنة و ما فيها و ما خرج عنها، و ليس الأزل كالزمان و أجزائه محصورا مضيّقا يغيب بعضه عن بعض، و يتقدّم جزء و يتأخّر آخر، فإنّ الحصر و الضيّق و الغيبة من خواص الزمان و المكان و ما يتعلّق بهما، و الأزل عبارة عن اللازمان السابق على الزمان سبقا غير زماني، و ليس بين اللّه و بين العالم بعد مقدّر، لأنّه إن كان موجودا يكون من العالم و إلّا لم يكن شيئا و لا ينسب أحدهما إلى الاخر من حيث الزمان بقبلية و لا بعدية و لا معيّة لانتفاء الزمان عن الحق و عن ابتداء العالم، فسقط السؤال بمتى عن العالم، كما هو ساقط عن وجود الحق؛ لأن متى سؤال عن الزمان و لا زمان قبل العالم، فليس إلّا وجود بحت خالص ليس من العدم، و هو وجود الحق، و وجود من العدم و هو وجود العالم، فالعالم حادث في غير زمان.

و إنّما يتعسّر فهم ذلك على الأكثرين لتوهّمهم الأزل جزء من الزمان يتقدّم سائر الأجزاء و إن لم يسمّوه بالزمان، فإنّهم أثبتوا له معناه، و توهّموا أنّ اللّه سبحانه فيه و لا موجود فيه سواه، ثم أخذ يوجد الأشياء شيئا فشيئا في أجزاء اخر منه، و هذا توهّم باطل و أمر محال، فإنّ اللّه سبحانه ليس في زمان، و لا في مكان، بل هو محيط بهما و بما فيهما و بما معهما و ما تقدّمهما.

و تحقيق المقام يقتضي بسطا من الكلام، و فتح باب علم مكنون لا تسعه العقول المشوبة بالأوهام، و نحن نشير إلى لمعة منه لمن كان أهله سائلين من اللّه جلّ و عزّ أن يحفظها عن القاصرين المجادلين بالباطل ليدحضوا به الحق إن شاء اللّه. فنقول: ليعلم أن نسبة ذاته تعالى إلى مخلوقاته يمتنع أن يختلف بالمعيّة و اللامعيّة، و إلّا فيكون بالفعل مع بعض، و بالقوة مع آخرين، فيتركب ذاته سبحانه من جهتي فعل و قوة، و تتغيّر صفاته حسب تغيّر المتجدّدات المتعاقبات، تعالى عن ذلك، بل نسبة ذاته التي هي فعلية صرفة و غناء محض من جميع الوجوه إلى الجميع و إن كان من الحوادث الزمانية نسبة واحدة و معيّة قيومية ثابتة غير زمانية و لا متغيّرة أصلا، و الكل بغنائه بقدر استعداداتها مستغنيات كلّ في وقته

179

و محلّه على حسب طاقته، و إنّما فقرها و فقدها و نقصها بالقياس إلى ذواتها، و قوابل ذواتها و ليس هناك إمكان و قوّة البتّة، فالمكان و المكانيات بأسرها بالنسبة إلى اللّه تعالى كنقطة واحدة في معيّة الموجود وَ السَّمٰاوٰاتُ مَطْوِيّٰاتٌ بِيَمِينِهِ و الزمان و الزمانيات بآزالها و آبادها كان واحد عنده في ذلك.

جفّ القلم بما هو كائن، ما من نسمة كائنة إلّا و هي كائنة، و الموجودات كلّها شهادياتها و غيبيّاتها كموجود واحد في الفيضان عنه، مٰا خَلْقُكُمْ وَ لٰا بَعْثُكُمْ إِلّٰا كَنَفْسٍ وٰاحِدَةٍ (1) و إنما التقدم و التأخر و التجدّد و التصرّم و الحضور و الغيبة في هذه كلّها بقياس بعضها إلى بعض و في مدارك المحبوسين في مطمورة الزمان المسجونين في سجن المكان لا غير، و إن كان هذا لما تستغربه الأوهام و يشمئز عنه قاصر و الأفهام.

و أمّا قوله عزّ و جل كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (2) فهو كما قاله بعض أهل العلم: إنها شئون يبديها لا شئون يبتديها، و لعل من لم يفهم بعض هذه المعاني يضطرب فيصول و يرجع فيقول: كيف يكون وجود الحادث في الأزل؟ أم كيف يكون المتغيّر في نفسه ثابتا عند ربّه؟ أم كيف يكون الأمر المتكثّر المتفرّق وحدانيا جمعيّا؟ أم كيف يكون الأمر الممتدّ- أعني الزمان- واقعا في غير الممتدّ- أعني اللازمان- مع التقابل الظاهر بين هذه الامور؟ فلنمثّل له بمثال حسّي يكسر سورة استبعاده، فإن مثل هذا المعترض لم يتجاوز بعد درجة الحسّ و المحسوس، فليأخذ أمرا ممتدّا كحبل أو خشب مختلف الأجزاء في اللون، ثم ليمرّره في محاذاة نملة أو نحوها ممّا تضيق حدقته عن الإحاطة بجميع ذلك الامتداد، فإن تلك الألوان المختلفة متعاقبة في الحضور لديها، يظهر لها شيئا فشيئا، واحدا بعد واحد آخر لضيق نظرها، و متساوية في الحضور لديه يراها كلّه دفعة لقوّة إحاطة نظره وسعة حدقته، وَ فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ.

آخر كتاب التوحيد و التمجيد، و الحمد للّه أولا و آخر.

____________

(1). لقمان (31): 28.

(2). الرحمن (55): 29.

180

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

181

كتاب الصّنع و الإبداع

182

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

183

باب أول ما خلق اللّه

[المتن]

[247] 1. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «إنّ اللّه كان إذ لا كان، فخلق الكان و المكان، و خلق الأنوار و خلق نور الأنوار الذي نوّرت منه الأنوار، و أجرى فيه من نوره الذي نوّرت منه الأنوار، و هو النور الذي خلق منه محمّدا و عليا، فلم يزالا نورين أوّلين إذ لا شيء كوّن قبلهما، فلم يزالا يجريان طاهرين مطهّرين في الأصلاب الطاهرة حتى افترقا في أطهر طاهرين؛ في عبد اللّه، و أبي طالب» (1).

* بيان

قد مضى في كتاب العقل و الجهل ما يصلح لأن يكون شرحا لهذا الحديث.

[المتن]

[248] 2. الكافي: عنه (عليه السلام): «قال اللّه تعالى: يا محمّد، إني خلقتك و عليّا نورا- يعني روحا- بلا بدن قبل أن أخلق سمواتي و أرضي و عرشي و بحري، فلم تزل تهلّلني و تمجّدني، ثم جمعت روحيكما فجعلتهما واحدة، فكانت تمجّدني و تقدّسني و تهلّلني، ثمّ قسمتها ثنتين، و قسمت الثنتين اثنتين فصارت أربعة؛ محمد واحد، و علي واحد، و الحسن و الحسين ثنتان، ثم خلق اللّه فاطمة من نور، ابتداها روحا بلا بدن، ثم مسحها بيمينه، فأفضى نوره فينا» (2).

* بيان

(ثم) في قوله «ثم جمعت روحيكما» ليست للتراخي في الزمان، بل في المرتبة، كقوله تعالى: كَلّٰا سَوْفَ تَعْلَمُونَ* ثُمَّ كَلّٰا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) و قوله: «فكانت

____________

(1). الكافي 1: 441/ 9.

(2). الكافي 1: 440/ 3.

(3). التكاثر (102): 3 و 4.

184

تمجّدني و تقدسني و تهلّلني» تكرير لقوله: «فلم تزل تهلّلني و تمجدني» ليس لإفادة أمر آخر، و المعنى أني خلقتكما جميعا روحا واحدا تمجّدني تلك الروح، ثمّ قسمتها ثنتين.

[المتن]

[249]- 3 الكافي: عنه (عليه السلام) قيل له: كيف كنتم حيث كنتم في الأظلة؟ فقال: «كنّا عند ربنا، ليس عنده أحد غيرنا، في ظلّة خضراء نسبّحه و نقدّسه و نهلّله و نمجّده، و ما من ملك مقرّب و لا ذي روح غيرنا، حتى بدا له في خلق الأشياء، فخلق ما شاء كيف شاء من الملائكة و غيرهم، ثم أنهى علم ذلك إلينا» (1).

باب كيفية ابتداء الخلق و أخذ الميثاق

[المتن]

[250] 1. الكافي: عن الباقر (عليه السلام): «لو علم الناس كيف ابتدأ الخلق ما اختلف اثنان، أنّ اللّه عزّ و جلّ قبل أن يخلق الخلق قال: كن ماء عذبا، أخلق منك جنّتي و أهل طاعتي، و كن ملحا أجاجا أخلق منك ناري و أهل معصيتي، ثم أمرهما فامتزجا، فمن ذلك صار يلد المؤمن الكافر و الكافر المؤمن، ثم أخذ طينا من أديم الأرض فعركه عركا شديدا، فإذا هم كالذّر يدبّون، فقال لأصحاب اليمين: إلى الجنة بسلام، و قال لأصحاب الشمال:

إلى النار و لا أبالي، ثم أمر نارا فاسعرت، فقال لأصحاب الشمال: ادخلوها، فهابوها، و قال لأصحاب اليمين: أدخلوها فدخلوها، فقال: كوني بردا و سلاما، فكانت بردا و سلاما، فقال أصحاب الشمال: يا ربّ أقلنا، فقال: قد أقلتكم فادخلوها، فذهبوا فهابوها، فثمّ ثبتت الطاعة و المعصية، فلا يستطيع هؤلاء أن يكونوا من هؤلاء، و لا هؤلاء من هؤلاء» (2).

و في رواية: «إنّ اللّه خلق الأرض ثم أرسل عليها الماء المالح أربعين صباحا، و الماء العذب أربعين صباحا، حتى إذا التقت و اختلطت أخذ بيده قبضة فعركها عركا شديدا

____________

(1). الكافي 1: 441/ 7.

(2). الكافي 2: 6/ 1.

185

جميعا، ثم فرّقها فرقتين، فخرج من كلّ واحدة منهما عنق (1) مثل عنق الذّر، فأخذ عنق إلى الجنة و عنق إلى النار» (2).

و زاد في اخرى بعد قوله: «و لا أبالي»: «ثم قال: أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قٰالُوا بَلىٰ شَهِدْنٰا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيٰامَةِ إِنّٰا كُنّٰا عَنْ هٰذٰا غٰافِلِينَ (3)، ثم أخذ الميثاق على النبيّين، فقال: أ لست بربكم و أنّ هذا محمّد رسولي و أنّ هذا علي أمير المؤمنين؟ قالوا: بلى، فثبت لهم النبوة، و أخذ الميثاق على أولي العزم: أنني ربكم، و محمد رسولي، و علي أمير المؤمنين، و أوصياؤه من بعده ولاة أمري و خزّان علمي، و أنّ المهدي أنتصر به لديني، و أظهر به دولتي، و أنتقم به من أعدائي، و اعبد به طوعا و كرها، قالوا: أقررنا يا ربّ و شهدنا، و لم يجحد آدم و لم يقرّ، فثبتت العزيمة لهؤلاء الخمسة في المهدي، و لم يكن لآدم عزم على الإقرار به، و هو قوله عزّ و جلّ: وَ لَقَدْ عَهِدْنٰا إِلىٰ آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً (4) قال:

إنما هو: فترك، قال: ثم أمر نارا» (5) إلى آخر الحديث.

[المتن]

[251] 2. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «فكان أول من دخلها محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، ثم اتّبعه أولو العزم من الرسل و أوصياؤهم و أتباعهم، ثم قال لأصحاب الشمال: أدخلوها بإذني، فقالوا:

ربّنا خلقتنا لتحرقنا؟ فعصوا، فقال لأصحاب اليمين: اخرجوا بإذني من النار، فخرجوا لم تكلم النار منهم كلما و لم تؤثر فيهم أثرا، فلما رآهم أصحاب الشمال، قالوا: ربّنا نرى أصحابنا قد سلموا، فأقلنا و مرنا بالدخول، قال: قد أقلتكم فادخلوها، فلما دنوا و أصابهم الوهج، رجعوا فقالوا: يا ربّنا لا صبر لنا على الاحتراق، فعصوا، و أمرهم بالدخول ثالثا كلّ ذلك يعصون و يرجعون، و أمر اولئك ثالثا كلّ ذلك يطيعون و يخرجون، فقال لهم: كونوا طينا بإذني، فخلق منه آدم، قال: فمن كان من هؤلاء لا يكون من هؤلاء، و من كان من هؤلاء لا يكون من هؤلاء، و ما رأيت من نزق أصحابك و خلقهم فممّا أصابهم من لطخ أصحاب الشمال، و ما رأيت من حسن سيماء من

____________

(1). العنق: الجماعة من الناس.

(2). الكافي 8: 89/ 56.

(3). الأعراف (7): 172.

(4). طه (20): 115.

(5). الكافي 2: 8/ 1.

186

خالفكم و وقارهم فممّا أصابهم من لطخ أصحاب اليمين» (1).

و زاد في رواية: «فأعادهم طينا، و خلق منها آدم» (2).

* بيان

قد مرّ في كتاب العقل و الجهل بيان لهذا الحديث «و أديم الأرض» وجهها، و كأنه كناية عمّا ينبت منها ممّا يصلح لأن يصير غذاء للإنسان و يحصل منه النطفة أو تتربّى به و «العرك» الدلك، و لعلّ شدّته كناية عن مزجه بحيث يحصل منه المزاج المستعدّ لفيضان الحياة عليه، و هذا الخطاب إنّما كان في عالم الأمر، فإنّ الأجسام الخلقيّة الزمانية مجتمعة الوجود عنده تعالى في عالم الأمر، و إن كانت متفرّقة مبسوطة مندرجة في عالم الخلق، و لشدّة الارتباط بين الملك و الملكوت نسب المادة إليها قبل خلقها، و إنّما شبّه ماهيّات الأشخاص الجزئية الانسانية و حقائقها العلمية بالذرّ- أي النّمل الصغار الحمر- لخفاء وجوداتها الظلّية قبل إشراق نور الوجود الحسي عليها مع حياتها و شعورها، و في بعض الأخبار الآتية عبّر عنها بالظلال و الأظلّة.

و لعل معنى أخذ ميثاق ذرّية بني آدم على أنفسهم و إشهادهم عليه، استنطاق حقائقهم بألسنة قابليات جواهرها و ألسن استعدادات ذواتها عند كون نفوسهم في أصلاب آبائهم العقلية و معادنهم الأصلية، يعني شاهدهم و هم رقائق في تلك الحقائق، و عبّر عن تلك الاباء بالظهور لأنّ كلّ واحد منهم ظهرا و مظهرا لطائفة من النفوس، أو هي ظاهرة عنده لكونها هناك صورا عقلية نورية ظاهرة بذواتها.

وَ أَشْهَدَهُمْ عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ (3) أي أعطاهم في تلك النشأة الإدراكية العقلية شهود ذواتهم العقلية و هويّاتهم النورية، فكانوا بتلك القوى العقلية يسمعون خطاب:

أ لست بربكم، كما يسمعون الخطاب في دار الدنيا بهذه القوى البدنية، فقالوا بألسنة تلك العقول: بلى أنت ربنا الذي أعطيتنا وجودا قدسيّا ربّانيا سمعنا كلامك و أجبنا خطابك.

أو نقول: تصديقهم به كان بلسان طباع الإمكان قبل نصب الدلائل لهم، أو بعد نصب الدلائل، و إنّه نزّل تمكينهم من العلم به و تمكّنهم منه بمنزلة الإشهاد

____________

(1). الكافي 2: 11/ 2.

(2). الكافي 2: 7/ 3.

(3). الأعراف (7): 172.

187

و الاعتراف على طريقة التخييل، نظير ذلك قوله تعالى: إِنَّمٰا قَوْلُنٰا لِشَيْءٍ إِذٰا أَرَدْنٰاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (1) و قوله عزّ و جلّ: فَقٰالَ لَهٰا وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيٰا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قٰالَتٰا أَتَيْنٰا طٰائِعِينَ (2). و معلوم أنّه لا قول ثمّة، و إنّما هو تمثيل و تصوير للمعنى، و يحتمل أن يكون ذلك النطق باللسان الملكوتي في العالم المثالي الذي دون عالم العقل، كما نطق الحصى في كفّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و تنطق الأرض يوم القيامة يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبٰارَهٰا (3)، و تنطق الجوارح أَنْطَقَنَا اللّٰهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ (4) و كلّ شيء مفطور على التوحيد وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلّٰا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لٰكِنْ لٰا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ (5) و قوله سبحانه: أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيٰامَةِ (6) يعني فعل ذلك كراهة أن يقولوا.

و اريد بأولي العزم نوح و إبراهيم و موسى و عيسى و نبيّنا (صلوات اللّه عليهم).

و لمّا كانوا معهودين معلومين جاز أن يشار إليهم بهؤلاء الخمسة مع عدم ذكرهم مفصّلا، و إنّما زاد على أخذ الميثاق على من زاد في رتبته و شرفه؛ لأن التكليف إنّما يكون بقدر الفهم و الاستعداد، فكلّما زاد زادوا، و إنّما يعرف مراتب الوجود من له حظّ منها، و بقدر حظّه منها.

و أمّا آدم (عليه السلام) فلمّا لم يعزم على الإقرار بالمهدي (عليه السلام) لم يعدّ من أولي العزم، و إن عزم على الإقرار بغيره من الأوصياء (عليهم السلام) «إنّما هو فترك» يعني معنى فنسي هنا ليس إلّا (فترك)، و لعل السرّ في عدم عزم آدم (عليه السلام) على الإقرار بالمهدي (عليه السلام) استبعاد أن يكون لهذا النوع الانساني اتفاق على أمر واحد.

و أمره تعالى إياهم على الجنة و النار هدايته إياهم إلى سبيلهما، ثم توفيقه أو خذلانه، و لعلّ المراد بالنار المسعّرة بعد ذلك التكاليف الشرعية المحرقة للقلوب لصعوبة المخرج عن عهدتها.

و استقالة أصحاب الشمال كناية عن تمنّيهم الإطاعة و عدم قدرتهم التامّة عليها، لغلبة الشقوة عليهم و كونهم مسخّرة تحت سلطان الهوى، كما قالوا: رَبَّنٰا غَلَبَتْ عَلَيْنٰا شِقْوَتُنٰا وَ كُنّٰا قَوْماً ضٰالِّينَ (7).

____________

(1). النحل (16): 40.

(2). فصّلت (41): 11.

(3). الزلزلة (99): 4.

(4). فصلت (41): 21.

(5). الإسراء (17): 44.

(6). الأعراف (7): 172.

(7). المؤمنون (23): 106.

188

و عبّر (عليه السلام) في الرواية الأخيرة عن إظهاره سبحانه إياهم في عالم الخلق مفصّلة مبسوطة متدرّجة بالإعادة؛ لأن هذا الوجود مباين لذاك متعقّب له.

[المتن]

[252] 3. الكافي: قيل للصادق (عليه السلام): كيف أجابوا و هم ذرّ؟ قال: «جعل فيهم ما إذا سألهم أجابوه» (1) يعني في الميثاق.

* بيان

هذا الحديث يؤيد ما شرحنا به الحديث السابق.

[المتن]

[253] 4. الكافي: عن الباقر (عليه السلام): «إنّ اللّه تعالى خلق الخلق فخلق من أحبّ ممّا أحبّ، و كان ما أحبّ أن خلقه من طينة الجنّة، و خلق من أبغض ممّا أبغض و كان ما أبغض أن خلقه من طينة النار، ثم بعثهم في الظلال».

فقيل: و أي شيء الظلال؟ فقال: «أ لم تر إلى ظلّك في الشمس شيئا و ليس بشيء، ثم بعث منهم النبيّين فدعوهم إلى الإقرار باللّه عزّ و جلّ، و هو قوله عزّ و جلّ:

وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللّٰهُ (2) ثم دعوهم إلى الإقرار بالنبيين، فأقرّ بعضهم و أنكر بعض، ثم دعوهم إلى ولايتنا فأقرّ بها و اللّه من أحبّ، و أنكرها من أبغض، و هو قوله تعالى: فَمٰا كٰانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمٰا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ (3) ثم قال (عليه السلام): كان التكذيب ثمّ» (4).

[254] 5. الكافي: عنه (عليه السلام): «إنّ اللّه تعالى أخذ ميثاق شيعتنا بالولاية لنا و هم ذرّ يوم أخذ الميثاق على الذرّ بالإقرار له بالربوبية، و لمحمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بالنبوّة، و عرض اللّه عزّ و جلّ على محمّد أمّته في الطين و هم أظلّة، و خلقهم من الطينة التي خلق منها آدم (عليه السلام)، و خلق اللّه تعالى أرواح شيعتنا قبل أبدانهم بألفي عام و عرضهم عليه، و عرّفهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و عرّفهم عليّا (عليه السلام)، و نحن نعرفهم في لحن القول» (5).

____________

(1). الكافي 2: 12/ 1.

(2). الزخرف (43): 87.

(3). الأعراف (7): 101.

(4). الكافي 2: 10/ 3.

(5). الكافي 1: 438/ 9.

189

* بيان

«لحن القول» فحواه، و إنّما خصّ في هذا الخبر أخذ ميثاق الولاية بالشيعة لاختصاص قبوله بهم.

[المتن]

[255] 6. الكافي: عنه (عليه السلام): «إنّ اللّه عزّ و جلّ لما أخرج ذرّية آدم (عليه السلام) من ظهره ليأخذ عليهم الميثاق بالربوبية له و بالنبوّة لكلّ نبيّ، فكان أول من أخذ له عليهم الميثاق بنبوّته محمّد بن عبد اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، ثم قال اللّه عزّ و جلّ لآدم (عليه السلام): انظر ما ذا ترى؟ قال: فنظر آدم (عليه السلام) إلى ذرّيته و هم ذرّ قد ملئوا السماء، قال آدم (عليه السلام): يا ربّ ما أكثر ذرّيتي و لأمر ما خلقتهم، فما تريد منهم بأخذك الميثاق عليهم؟ قال اللّه تعالى: يعبدونني لا يشركون بي شيئا و يؤمنون برسلي و يتّبعونهم.

قال آدم (عليه السلام): يا ربّ فما لي أرى بعض الذّر أعظم من بعض، و بعضهم له نور كثير، و بعضهم له نور قليل، و بعضهم ليس له نور؟ فقال اللّه جلّ و عزّ: كذلك خلقتهم لأبلوهم في كلّ حالاتهم.

قال آدم (عليه السلام): يا ربّ فتأذن لي في الكلام فأتكلّم؟ قال اللّه جلّ و عزّ: تكلّم، فإنّ روحك من روحي و طبيعتك خلاف كينونتي (1).

قال آدم: يا ربّ فلو كنت خلقتهم على كينونتي مثال واحد، و قدر واحد، و طبيعة واحدة، و جبلّة واحدة، و ألوان واحدة، و أعمار واحدة، و أرزاق سواء، لم يبغ بعضهم على بعض، و لم يكن بينهم تحاسد و لا تباغض و لا اختلاف في شيء من الأشياء؟

قال اللّه عزّ و جلّ: يا آدم، بروحي نطقت، و بضعف طبيعتك تكلّفت ما لا علم لك به، و أنا الخالق العليم بعلمي خالفت بين خلقهم، و بمشيئتي يمضي فيهم أمري، و إلى تدبيري و تقديري صائرون، و لا تبديل لخلقي، إنّما خلقت الجنّ و الإنس ليعبدوني، و خلقت الجنّة لمن عبدني و أطاعني منهم و اتبع رسلي و لا أبالي، و خلقت النار لمن كفرني و عصاني و لم يتّبع رسلي و لا أبالي، و خلقتك و خلقت ذرّيتك من غير فاقة بي

____________

(1). في نسخة: من كينونتي.

190

إليك و إليهم، و إنّما خلقتك و خلقتهم لأبلوك و أبلوهم أيّكم أحسن عملا في دار الدنيا في حياتكم و قبل مماتكم.

و لذلك خلقت الدنيا و الآخرة و الحياة و الموت و الطاعة و المعصية و الجنّة و النار، و كذلك أردت في تقديري و تدبيري، و بعلمي النافذ فيهم خالفت بين صورهم، و أجسامهم، و ألوانهم، و أعمارهم، و أرزاقهم، و طاعتهم، و معصيتهم، فجعلت منهم الشقي و السعيد، و البصير، و الأعمى، و القصير، و الطويل، و الجميل، و الدميم، و العالم، و الجاهل، و الغني، و الفقير، و المطيع، و العاصي، و الصحيح، و السقيم، و من به الزمانة، و من لا عاهة به.

فينظر الصحيح إلى الذي به العاهة، فيحمدني على عافيته، و ينظر الذي به العاهة إلى الصحيح، فيدعوني و يسألني أن اعافيه، و يصبر على بلائي فاثيبه جزيل عطائي، و ينظر الغني إلى الفقير فيحمدني و يشكرني، و ينظر الفقير إلى الغني فيدعوني و يسألني، و ينظر المؤمن إلى الكافر فيحمدني على ما هديته.

فلذلك خلقتهم لأبلوهم في السرّاء و الضرّاء، و فيما اعافيهم، و فيما أبتليهم، و فيما أعطيهم، و فيما أمنعهم، و أنا اللّه الملك القادر، و لي أن أمضي جميع ما قدّرت على ما دبّرت، ولي أن اغيّر من ذلك ما شئت إلى ما شئت، و اقدّم من ذلك ما أخّرت، و اؤخّر من ذلك ما قدّمت، و أنا اللّه الفعّال لما اريد، لا أسأل عما أفعل، و أنا أسأل خلقي عمّا هم فاعلون» (1).

* بيان

إنما «ملئوا السماء» لأن الملكوت إنّما هو في باطن السماء، و قد ملئوه و كانوا يومئذ ملكوتيّين كما عرفت، و أمّا السرّ في تفاوت الخلائق في الخيرات و الشرور و اختلافهم في السعادة و الشقاوة، فسيأتي بيانه في باب السعادة و الشقاوة إن شاء اللّه تعالى.

____________

(1). الكافي 2: 8/ 2.

191

باب العرش و الكرسي

[المتن]

[256] 1. الكافي: سأل الجاثليق (1) أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال له: أخبرني عن اللّه تعالى يحمل العرش أم العرش يحمله؟ فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «اللّه حامل العرش و السموات و الأرض و ما فيهما و ما بينهما، و ذلك قوله: إِنَّ اللّٰهَ يُمْسِكُ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ أَنْ تَزُولٰا وَ لَئِنْ زٰالَتٰا إِنْ أَمْسَكَهُمٰا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كٰانَ حَلِيماً غَفُوراً (2)».

قال فأخبرني عن قوله: وَ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمٰانِيَةٌ (3) فكيف قال ذاك، و قلت: أنّه يحمل العرش و السموات و الأرض؟

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «إنّ العرش خلقه اللّه من أنوار أربعة: نور أحمر منه احمرّت الحمرة، و نور أخضر منه اخضرّت الخضرة، و نور أصفر منه اصفرّت الصفرة، و نور أبيض منه البياض، و هو العلم الذي حمّله اللّه الحملة، و ذلك نور من عظمته، فبعظمته و نوره أبصر قلوب المؤمنين، و بعظمته و نوره عاداه الجاهلون، و بعظمته و نوره ابتغى من في و الأرض من جميع خلائقه إليه الوسيلة بالأعمال المختلفة و الأديان المشتبهة (4)، فكلّ محمول يحمله اللّه بنوره و عظمته و قدرته لا يستطيع لنفسه ضرّا و لا نفعا و لا موتا و لا حياة و لا نشورا، فكلّ شيء محمول، و اللّه تبارك و تعالى الممسك لهما أن تزولا، و المحيط بهما من شيء، و هو حياة كلّ شيء، و نور كلّ شيء، سبحانه و تعالى عمّا يقولون علوّا كبيرا».

قال له: فأخبرني عن اللّه عزّ و جلّ أين هو؟ فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «هو هاهنا و هاهنا و فوق و تحت و محيط بنا و معنا، و هو قوله: مٰا يَكُونُ مِنْ نَجْوىٰ ثَلٰاثَةٍ إِلّٰا هُوَ رٰابِعُهُمْ وَ لٰا خَمْسَةٍ إِلّٰا هُوَ سٰادِسُهُمْ وَ لٰا أَدْنىٰ مِنْ ذٰلِكَ وَ لٰا أَكْثَرَ إِلّٰا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مٰا كٰانُوا (5)، فالكرسي محيط

____________

(1). الجاثليق مقدّم الأساقفة، عند بعض الطوائف المسيحية الشرقية.

(2). الحاقة (69): 17.

(3). فاطر (35): 41.

(4). في نسخة: المتشتّتة.

(5). المجادلة (58): 7.

192

بالسماوات و الأرض و ما بينهما و ما تحت الثرى، و إن تجهر بالقول فإنّه يعلم السر و أخفى و ذلك قوله: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ وَ لٰا يَؤُدُهُ حِفْظُهُمٰا وَ هُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (1) فالذين يحملون العرش هم العلماء الذين حمّلهم اللّه علمه، و ليس يخرج عن هذه الأربعة شيء خلق اللّه في ملكوته، و هو الملكوت الذي أراه اللّه أصفياءه و أراه خليله على نبيّنا و (عليه السلام)، فقال: وَ كَذٰلِكَ نُرِي إِبْرٰاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (2) و كيف يحمل حملة العرش اللّه، و بحياته حييت قلوبهم، و بنوره اهتدوا إلى معرفته؟» (3).

* بيان

قد يراد بالعرش الجسم المحيط بجميع الأجسام، و قد يراد به ذلك الجسم مع جميع ما فيه من الأجسام- أعني العالم الجسماني بتمامه- و قد يراد ذاك المجموع مع جميع ما يتوسّط بينه و بين اللّه سبحانه من الأرواح و العقول التي لا تتقوّم الأجسام إلّا بها- أعني العوالم كلّها. بملكها و ملكوتها و جبروتها، و بالجملة ما سوى اللّه عزّ و جلّ- و قد يراد به علم اللّه تعالى المتعلّق بما سواه، و قد يراد به علم اللّه الذي أطلع عليه أنبياءه و رسله و حججه (صلوات اللّه عليهم) خاصة، و هو الذي فسّر به في هذا الحديث و ما بعده، و قد وقعت الإشارة إلى كلّ منها في كلامهم (عليهم السلام).

و عن الصادق (عليه السلام) أنّه سئل عن العرش و الكرسي ما هما؟ فقال: «العرش في وجه هو جملة الخلق، و الكرسي وعاؤه، و في وجه آخر العرش هو العلم الذي أطلع اللّه عليه أنبياءه و رسله و حججه (عليهم السلام)، و الكرسي هو العلم الذي لم يطلع عليه أحدا من أنبيائه و رسله و حججه (عليهم السلام)، و كان جملة الخلق عبارة عن مجموع العالم الجسماني، و وعاؤه عن عالمي الملكوت و الجبروت، لاستقراره عليهما و قيامه بهما» (4).

و سيأتي تمام الكلام في الكرسي إن شاء اللّه تعالى، و قد ثبت أنّ العلم و المعلوم متّحدان بالذات متغايران بالاعتبار، فمعاني العرش كلّها متقاربة، و قوائمه عبارة عن أركان العالم، أعني ما كان بناء الخلق عليه، و قد مرّ منّا الإشارة إليها و إلى الموكّلين بها في باب الأسماء، و جملته عبارة عن الأرواح الموكّلة بتدبيره على

____________

(1). البقرة (2): 255.

(2). الأنعام (6): 75.

(3). الكافي 1: 129/ 1.

(4). البحار 58: 28/ 47.

193

المعاني الأول، و عن جملة العلم على الأخيرين، و يأتي شرحها إن شاء اللّه تعالى.

و الأنوار الأربعة هي الجواهر القدسية العقليّة التي هي وسائط جوده تعالى، و ألوانها كناية عن اختلاف أنواعها الذي هو سبب اختلاف الأنواع الرباعية في هذا العالم الحسّي كالعناصر و الاخلاط و أجناس الحيوانات، أعني الانسان و البهائم و السّباع، و الصور و مراتب الانسان، أعني الطبع و النفس الحساسة و النفس المتخيّلة و العقل، و أجناس المولّدات كالمعدن و النبات و الحيوان و الإنسان.

و ضمير (هو) في قوله (عليه السلام): «و هو العلم» راجع إلى العرش، فبعظمته و نوره أبصر قلوب المؤمنين؛ لأن بنور العقل يكون إبصار القلوب، و بهما عاداه الجاهلون؛ لأن الجهل منشؤه الظلمة التي هي ضدّ النور، و المعاداة إنما تكون بين الضدّين، و بهما تبتغي الوسيلة إلى اللّه؛ لأنّ كلّ شيء يرجع إلى أصله و غايته اللذين منهما نشوؤه و يطلبهما و يتوسل بهما إلى اللّه، عزّ و جلّ و منشأ كلّ شيء النور المخلوق أولا من نور العظمة، كما مرّ بيانه.

[المتن]

[257] 2. الكافي: عن الصادق (عليه السلام) في قول اللّه تعالى: وَ كٰانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمٰاءِ (1) قال: «ما يقولون؟» قيل: يقولون: إن العرش كان على الماء، و الربّ فوقه، فقال: «كذبوا، من زعم هذا فقد صيّر اللّه تعالى محمولا، و وصفه بصفة المخلوق، و لزمه أنّ الشيء الذي يحمله أقوى منه».

قيل: بيّن لي جعلت فداك فقال: «إن اللّه حمّل دينه و علمه الماء قبل أن تكون أرض أو سماء أو جنّ أو إنس أو شمس أو قمر، فلما أراد أن يخلق الخلق نثرهم بين يديه، فقال لهم: من ربّكم؟ فأوّل من نطق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أمير المؤمنين و الأئمة (صلوات اللّه عليهم)، فقالوا: أنت ربّنا، فحمّلهم العلم و الدين، ثمّ قال للملائكة: هؤلاء حملة ديني (2) في خلقي و هو المسئولون، ثم قال لبني آدم: أقرّوا للّه بالربوبية و علمي و امنائي و لهؤلاء النّفر بالولاية و الطاعة، فقالوا: نعم ربّنا أقررنا، فقال اللّه للملائكة: اشهدوا، فقالت الملائكة: شهدنا على ألا يقولوا غدا: إِنّٰا كُنّٰا عَنْ هٰذٰا غٰافِلِينَ، أو يقولوا: إِنَّمٰا أَشْرَكَ آبٰاؤُنٰا مِنْ قَبْلُ وَ كُنّٰا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَ فَتُهْلِكُنٰا بِمٰا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ» ثم قال: «ولايتنا مؤكّدة عليهم في الميثاق» (3).

____________

(1). هود (11): 8.

(2). في نسخة: أمانتي.

(3). الكافي 1: 133/ 7.

194

* بيان

قد يراد بالماء المادة الجسمانية التي خلق منها الجهل و جنوده و النار، و يوصف بالاجاج كما مرّ في كتاب العقل و الجهل، و كما مرّ في الباب السابق: «و كن ملحا اجاجا أخلق منك ناري و أهل معصيتي»، و قد يراد به ما خلق منه الأصفياء و الجنة باعتبار قبوله الكمالات من اللّه سبحانه بإفاضته عليه، و يوصف بالعذب كما مرّ في الباب السابق: «كن ماء عذبا أخلق منك جنتي و أهل طاعتي» و هو المراد به هاهنا، و قبليّة حمل الدين و العلم إياه على الموجودات المذكورة قبليّة بالذات و المرتبة لا بالزمان، و هي أقوى و أشدّ لأنها بعلاقة ذاتية.

«نثرهم» أي نثر ماهياتهم و حقائقهم بين يدي علمه، فاستنطق الحقائق بألسنة قابليات جواهرها و ألسن استعدادات ذواتها، كما مرّ بيانه في الباب السابق.

[المتن]

[258] 3. الكافي: عنه (عليه السلام): «حملة العرش- و العرش العلم- ثمانية: أربعة منّا، و أربعة ممّن شاء اللّه» (1).

* بيان

«منّا» أي من أهل البيت (عليهم السلام) «ممّن شاء اللّه» كنّي به عمّن تقدّمهم من الأنبياء (عليهم السلام).

و عن الكاظم (عليه السلام) قال: «إذا كان يوم القيامة كان حملة العرش ثمانية، أربعة من الأولين: نوح، و إبراهيم، و موسى، و عيسى (عليهم السلام)، و أربعة من الآخرين: محمّد، و عليّ، و الحسن، و الحسين (عليهم السلام)» (2).

و في (اعتقادات الشيخ الصدوق (رحمه اللّه)) فأمّا العرش الذي هو جملة الخلق فحملته أربعة من الملائكة، لكلّ واحد منهم ثماني أعين، كلّ عين طباق الدنيا، واحد منهم على صورة بني آدم يسترزق اللّه لولد آدم، و الاخر على صورة الثور يسترزق اللّه للبهائم كلّها، و الاخر على صورة الأسد يسترزق اللّه للسباع، و الاخر على صورة الديك يسترزق اللّه للطيور، فهم اليوم هؤلاء الأربعة، و إذا كان يوم القيامة صاروا ثمانية، و أمّا العرش الذي هو العلم؛ فحملته أربعة من الأولين، و أربعة من الآخرين، فأمّا الأربعة من الأولين: فنوح، و إبراهيم، و موسى، و عيسى (عليهم السلام)، و أمّا الأربعة من الآخرين: فمحمّد، و علي، و الحسن، و الحسين (عليهم السلام). هكذا روي

____________

(1). الكافي 1: 132/ 6.

(2). الخصال (2): 407.

195

بالأسانيد الصحيحة عن الأئمة (عليهم السلام) في العرش و حملته، (1) انتهى كلامه طاب ثراه.

و يشبه أن يكون الملائكة كناية عن أرباب الأنواع العقلية على ما رآه طائفة من الحكماء، و تكون أربعة في جانب البدو و النشأة الاولى، و هي التي ذكر تفصيلها، و أنها على صور تلك الأنواع، تربّيها و تفيض عليها ما تحتاج إليه، و تصير ثمانية في جانب العود و النشأة الأخرى التي يصير إليها الأنواع بعد تحصيل كمالاتها في هذه النشأة، و هي هناك حملة العلم، و أعينها كناية عن أصناف علومها بما تحتاج إليه في تربية الأنواع، فإنّ بالعلم يبصر العالم، كما أنّ بالعين يبصر الرائي، و عددها مطابق لعدد حملة العلم، كأنها تبصر بعلومهم، إذ لكلّ منهم علم و كمال خاصّ يقتضيها المزاج الخاص و «طباقها الدنيا» عبارة عن شمول علمها و تدبيرها جميع جزئيات تلك الأنواع.

[المتن]

[259] 4. الكافي: عنه (عليه السلام) سئل عن قول اللّه سبحانه: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ (2)، السموات و الأرض وسعن الكرسيّ، أم الكرسي وسع السموات و الأرض؟ فقال: «بل الكرسي وسع السموات و الأرض و العرش، و كلّ شيء وسع الكرسيّ» (3).

و في رواية: «كلّ شيء في الكرسيّ» (4).

* بيان

كأنّ المراد بالكرسي في هذا الحديث هو العلم، و يؤيّد هذا ما رواه الصدوق طاب ثراه في توحيده» بإسناده عن الصادق (عليه السلام) في قول اللّه عزّ و جلّ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ (5) قال: «علمه» (6).

و قد يراد بالكرسي: الجسم الذي تحت العرش بالمعنى الأول الذي دونه السموات و الأرض لاحتوائه عليهما، كأنّه مستقرّهما، و العرش فوقه كأنّه سقفه، و في الحديث: «ما السموات و الأرضون السبع مع الكرسي إلّا كحلقة ملقاة في

____________

(1). الاعتقادات: 13/ 45.

(2). البقرة (2): 255.

(3). الكافي 1: 132/ 4.

(4). الكافي 1: 132/ 3.

(5). البقرة (2): 255.

(6). التوحيد: 327/ 1.

196

فلاة، و فضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة» (1).

و قد يراد به وعاء العرش، كما مرّ في الحديث، و كأنه اشير به إلى العلم، أو إلى عالمي الملكوت و الجبروت، لاستقرار مجموع العالم الجسماني الذي يعبّر عنه بالعرش عليهما و قيامه بهما، و قد يراد به العلم الذي لم يطلع عليه سوى اللّه سبحانه، و قد مضى أيضا في الحديث.

و قد يجعل الكرسي كناية عن الملك لأنه مستقرّ الملك، و قد يقال إنّه تصوير لعظمته تعالى، و تخييل بتمثيل حسيّ، و لا كرسي و لا قعود و لا قاعد، كقوله سبحانه: وَ الْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ وَ السَّمٰاوٰاتُ مَطْوِيّٰاتٌ بِيَمِينِهِ (2) و هذا مسلك الظاهريين، و ما قلناه أولا مسلك الراسخين في العلم.

باب بدء خلق الأجسام و ترتيبه

[المتن]

[260] 1. الكافي: جاء إلى أبي جعفر (عليه السلام) رجل من أهل الشام من علمائهم، فقال: يا أبا جعفر، جئتك أسألك عن مسألة قد أعيت علي أن أجد أحدا يفسّرها، و قد سألت عنها ثلاثة أصناف من الناس، فقال كلّ صنف منهم شيئا غير الذي قال الصنف الاخر. فقال له أبو جعفر (عليه السلام): «ما ذاك؟» قال: فاني أسألك عن أول ما خلق اللّه من خلقه، فإنّ بعض من سألته قال: القدر، و قال بعضهم: القلم، و قال بعضهم:

الروح. فقال أبو جعفر (عليه السلام): «ما قالوا شيئا، أخبرك أنّ اللّه تعالى كان و لا شيء غيره، و كان عزيزا و لا أحد كان قبل عزّه، و ذلك قوله سبحانه: سُبْحٰانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمّٰا يَصِفُونَ (3) و كان الخالق قبل المخلوق، و لو كان أول ما خلق من خلقه الشيء من الشيء إذن لم يكن له انقطاع أبدا، و لم يزل اللّه إذا و معه شيء ليس هو يتقدّمه، و لكنّه كان إذ لا شيء غيره، و خلق الشيء الذي جميع الأشياء منه، و هو الماء الذي خلق الأشياء منه، فجعل نسب كلّ شيء إلى الماء، و لم يجعل للماء نسبا يضاف إليه.

____________

(1). تفسير العياشي 1: 158/ 456.

(2). الزمر (39): 67.

(3). الصافات (27): 180.

197

و خلق الريح على الماء، فشقّقت الريح متن الماء حتى ثار من الماء زبد على قدر ما شاء أن يثور، فخلق من ذلك الزّبد أرضا بيضاء نقيّة ليس فيها صدع و لا نقب و لا صعود و لا هبوط و لا شجرة، ثم طواها فوضعها فوق الماء.

ثم خلق اللّه النار من الماء، فشققت النار متن الماء حتى ثار من الماء دخان على قدر ما شاء اللّه أن يثور، فخلق من ذلك الدخان سماء صافية نقية ليس فيها صدع و لا نقب، و ذلك قوله: السَّمٰاءُ بَنٰاهٰا* رَفَعَ سَمْكَهٰا فَسَوّٰاهٰا* وَ أَغْطَشَ لَيْلَهٰا وَ أَخْرَجَ ضُحٰاهٰا (1) قال: و لا شمس و لا قمر و لا نجوم و لا سحاب، ثم طواها فوضعها فوق الأرض، ثم نسب الخليقتين فرفع السماء قبل الأرض، فذلك قوله عزّ ذكره: وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذٰلِكَ دَحٰاهٰا (2) يقول: بسطها».

فقال له: الشامي: يا أبا جعفر، قول اللّه تعالى: أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ كٰانَتٰا رَتْقاً فَفَتَقْنٰاهُمٰا (3)؟ فقال له أبو جعفر (عليه السلام): «فلعلّك تزعم أنهما كانتا رتقا ملتزقتان ملتصقتان، ففتقت إحداهما من الاخرى؟» فقال: نعم. فقال أبو جعفر (عليه السلام): «استغفر ربّك، فإنّ قول اللّه عزّ و جلّ (كانتا رتقا) يقول: كانت السماء رتقا لا تنزل المطر، و كانت الأرض رتقا لا تنبت الحبّ، فلمّا خلق اللّه سبحانه الخلق و بثّ فيها من كلّ دابّة، فتق السماء بالمطر، و الأرض بنبات الحبّ». فقال الشامي: أشهد أنّك من ولد الأنبياء و أنّ علمك علمهم (4).

* بيان

لعلّه أشار بالماء الذي خلق الأشياء منه إلى المادة التي خلق منها الأشياء بإفاضة الصور عليها، و إنّما سمّاها الماء لقبولها التشكيلات (5) بسهولة، و إنّما جعلها أوّل ما خلق مع أنّها متأخّرة عن الصورة في الوجود لثباتها على حالها مع توارد الصور عليها، فهي من هذا الوجه متقدّمة على جميع الصور، و إنّما جعلها أولا مع أنّ خلق الأرواح متقدّم على خلق الأجسام؛ لأن السائل إنّما سأل عن أوّل ما خلق من عالم الخلق دون الأمر، كما كان ظاهرا من حاله و مبلغ علمه و سؤاله.

____________

(1). النازعات (79): 27- 29.

(2). النازعات (79): 30.

(3). الأنبياء (21): 29.

(4). الكافي 8: 94/ 67.

(5). في نسخة: التشكّلات.

198

قوله: «فجعل نسب كل شيء إلى الماء» ناظر إلى قوله عزّ و جلّ: وَ جَعَلْنٰا مِنَ الْمٰاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ (1) و الريح إشارة إلى ما يفيض من عالم الأمر إلى عالم الخلق آنا فانا، و إنما سمّاه ريحا لوقوعه دفعة من غير زمان، فكان أنسب ممّا يشبّه به من الأجسام في السرعة و النفوذ هو الريح لكونها أسرع الأجسام حركة.

و لك أن تحمل الماء و الريح على معنييهما المتعارف من دون تأويل؛ لأنّ المادة لا تخلو قطّ من صورة، إلّا أنه ينبغي أن تعلم أنّ القابل من الماء لأن يخلق منه شيء آخر إنّما هو مادّته دون صورته، فتدبر.

و على هذا فالوجه في اختيار الماء و الريح للتقديم من بين العناصر توسطهما بينها، فهما أشدّ قبولا لأن يخلق منهما الطرفان جميعا من أحد الطرفين لأن يخلق منه الاخر، و كذا القول في تقديم الماء على الريح، و تقديم الأربعة على السماء.

[المتن]

[261] 2. الكافي: عنه (عليه السلام): «كان كلّ شيء ماء، و كان عرشه على الماء، فأمر اللّه تعالى الماء فاضطرم نارا، ثم أمر النار فخمدت، فارتفع من خمودها دخان، فخلق اللّه السموات من ذلك الدخان، و خلق الأرض من الرماد، ثم اختصم الماء و النار و الريح، فقال الماء:

أنا جند اللّه الأكبر، و قالت الريح: أنا جند اللّه الأكبر، و قالت النار: أنا جند اللّه الأكبر، فأوحى اللّه إلى الريح: أنت جندي الأكبر» (2).

* بيان

اريد بالعرش هنا مجموع العالم، و لا يخفى بناؤه على المخلوق الأول.

[المتن]

[262] 3. الكافي: سئل الصادق (عليه السلام) عن الأرض على أيّ شيء هي؟ قال: «هي على حوت»، قيل: فالحوت على أي شيء هي؟ قال: «على الماء»، قيل: فالماء على أي شيء هو؟ قال:

«على صخرة»، قيل: فعلى أيّ شيء الصخرة؟ قال: «على قرن ثور أملس»، قيل: فعلى أيّ شيء الثور؟ قال: «على الثرى»، قيل: فعلى أيّ شيء الثرى؟ فقال: «هيهات، عند ذلك ضلّ علم العلماء» (3).

____________

(1). الأنبياء (21): 30.

(2). الكافي 8: 95/ 68.

(3). الكافي 8: 89/ 55.

199

* بيان

في هذا الحديث رموز، و إنما يحلّها من كان من أهلها.

[المتن]

[263] 4. الكافي: عن الباقر (عليه السلام): «إنّ اللّه خلق الجنة قبل أن يخلق النار، و خلق الطاعة قبل أن يخلق المعصية؛ و خلق الرّحمة قبل الغضب، و خلق الخير قبل الشرّ، و خلق الأرض قبل السّماء، و خلق الحياة قبل الموت، و خلق الشمس قبل القمر، و خلق النور قبل الظلمة» (1).

* بيان

إنّما خلقت الجنّة قبل النار لأن الجنّة إنما خلقت من الطاعة، و النار من المعصية، و الطاعة قبل المعصية لأنّ الطاعة قبل الأمر، و المعصية ترك قبوله، فلا بدّ من قبول ليترك، و مثله القول في قبليّة الرحمة على الغضب، و الخير على الشرّ، فإنّ الغضب و الشر إنّما يرجعان إلى العدم كما حقّقناه في كتاب «عين اليقين»، و أمّا قبليّة خلق الأرض على السماء فلما مرّ، و السرّ فيه تقدّم المركز على المحيط بالطبع؛ لأنّ المحيط إنّما يتحدّد بالمركز و لاستحالة الخلاء، و أمّا قبليّة الحياة على الموت، فلأنّ الموت عدم الحياة عمّا من شأنه أن يكون حيّا، و أمّا قبليّة الشمس على القمر فلاستفادة نوره منها، و أمّا قبليّة النور على الظلمة فلأنّ الظلمة عدم النور عمّا من شأنه أن يكون منيرا.

[المتن]

[264] 5. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «إنّ اللّه خلق الخير يوم الأحد، و ما كان ليخلق الشرّ قبل الخير، و في الأحد و الاثنين خلق الأرضين، و خلق أقواتها يوم الثلاثاء، و خلق السموات يوم الأربعاء و يوم الخميس، و خلق أقواتها يوم الجمعة، و ذلك قوله تعالى:

خَلَقَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ وَ مٰا بَيْنَهُمٰا فِي سِتَّةِ أَيّٰامٍ» (2).

* بيان

إن قيل: إنّ الأيام إنّما تتقدّر و تتمايز بحركة الفلك، فكيف خلقت السموات في الأيام المتمايزة قبل تمايزها؟

____________

(1). الكافي 8: 145/ 116.

(2). الكافي 8: 145/ 117.

200

قلنا: مناط تمايز الأيام إنّما هو حركة الفلك الأعلى دون السموات السبع، و المخلوق في الأيام المتمايزة إنما هو السموات السبع و الأرض و ما بينهما دون ما فوقهما، و لا يلزم من ذلك خلاء لتقدّم الماء الذي خلق منه الجميع على الجميع.

قال بعض أهل العلم: خلق اللّه الزمان مستديرا و الأوقات فيه مقدّرة، و ذلك أنّ اللّه خلق الفلك الأطلس و دار، و لم يتعيّن اليوم، و لا ظهر له عين؛ لأنّه كماء الكوز في النهر قبل أن يكون في الكوز، فلمّا فرض اللّه فيه الاثني عشر فرضا، و وقف شخص يجري عليه ذلك الفلك، و جعل لهذا الشخص بصر، عاين به تلك الفروض و ميّز بعضها عن بعض بعلامات جعلت فيها، فلما غاب عنه ما عيّنها، ثم ما برح حتى عاد إليه مرة أخرى، علم أنّ الفلك قد دار دورة واحدة، فسمى تلك الدورة يوما، ثم بعد ذلك خلق له كوكبا نيّرا سمّاه شمسا، و طلع له في نظره من خلف حجاب الأرض، فما زال يتبع بصره حركة ذلك الكوكب إلى أن غاب عنه جرمه فسمّى ذلك نهارا، ثم ما زال في ظلمة إلى أن طلع ذلك الكوكب، فسمّى هذا ليلا، فكان اليوم مجموع الليل و النهار، فتبين أنّ الليل و النهار و اليوم و الشهر و السنة لا وجود له في عينه، و أنّ ذلك نسب و إضافات، و أنّ الموجود إنّما هو عين الكوكب و الفلك، لا عين الوقت و الزمان، فالزمان عبارة عن أمر متوهّم فرض فيه هذه الأوقات.

باب أصناف الخلق

[المتن]

[265] 1. الكافي: قيل للصادق (عليه السلام): هذه قبّة آدم (عليه السلام)؟ قال: «نعم، و للّه قباب كثيرة، ألا إن خلف مغربكم هذا تسعة و ثلاثين مغربا، أرضا بيضاء مملوءة خلقا يستضيئون بنوره، لم يعصوا اللّه عزّ و جلّ طرفة عين، ما يدرون خلق آدم أم لم يخلق، يبرءون من فلان و فلان» (1).

* بيان

كان ذلك إشارة إلى عالم المثال، فإنّه عالم نوراني نوره من نفسه، و لذا

____________

(1). الكافي 8: 231/ 301.

201

قال: «يستضيئون بنوره»، أي بنور ذلك العالم، و في حديث آخر: «أرضا بيضاء ضوؤها منها» (1).

«و فلان و فلان» كناية عن الأولين، و إنّما يبرءون منهما لأنّهم مجبولون على الخير، فلا محالة يبرءون من منبع الشرّ.

و نقل عن الحكماء الأقدمين: أنّ في الوجود عالما مقداريا غير العالم الحسي لا تتناهى عجائبه، و لا تحصى مدنه، من جملة تلك المدن جابلقا و جابرصا، و هما مدينتان عظيمتان لكلّ منهما ألف باب لا يحصى ما فيهما من الخلائق.

[المتن]

[266] 2. الكافي: عنه (عليه السلام): «ليس خلق أكثر من الملائكة، إنّه لينزل كلّ ليلة من السماء سبعون ألف ملك فيطوفون بالبيت الحرام ليلتهم و كذلك في كلّ يوم» (2).

[267] 3. الكافي: عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «الملائكة على ثلاثة أجزاء: جزء له جناحان، و جزء له ثلاثة أجنحة، و جزء له أربعة أجنحة» (3).

* بيان

لعلّه لم يرد به الحصر في هذه الأعداد، لما روي عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «أنّه رأى جبرئيل ليلة المعراج و له ستّمائة ألف جناح» (4) و كأنّه إلى ذلك اشير بقوله تعالى بعد قوله:

مَثْنىٰ وَ ثُلٰاثَ وَ رُبٰاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مٰا يَشٰاءُ (5).

[المتن]

[268] 4. الكافي: عن الباقر (عليه السلام): «إنّ في الجنة نهرا يغتمس فيه جبرئيل (عليه السلام) كلّ غداة، ثم يخرج منه فينتفض، فيخلق اللّه تعالى من كلّ قطرة تقطر منه ملكا» (6).

[269] 5. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «إنّ للّه تعالى ملكا ما بين شحمة اذنه إلى عاتقه مسيرة خمسمائة عام خفقان الطير» (7).

____________

(1). بحار الأنوار 30: 196/ 30.

(2). الكافي 8: 272/ 402.

(3). الكافي 8: 272/ 403.

(4). بحار الانوار 56: 155/ 23.

(5). فاطر (35): 1.

(6). الكافي 8: 272/ 404.

(7). الكافي 8: 272/ 405.

202

[270] 6. الكافي: عنه (عليه السلام) في قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي (1) قال:

«خلق أعظم من جبرئيل و ميكائيل، لم يكن مع أحد ممّن مضى غير محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و هو مع الأئمّة يسدّدهم، و ليس كلّما طلب وجد» (2).

[271] 7. الكافي: عن الباقر (عليه السلام): «إنّ للّه تعالى ديكا، رجلاه في الأرض السابعة، و عنقه مثبتة تحت العرش، و جناحاه في الهواء، إذا كان في نصف الليل أو الثلث الباقي من آخر الليل ضرب بجناحيه و صاح و قال: سبّوح قدّوس ربّنا اللّه الملك الحق المبين فلا إله غيره ربّ الملائكة و الروح، فتضرب الديكة بأجنحتها و تصيح» (3).

[272] 8. الكافي: سئل أمير المؤمنين (عليه السلام) عن الخلق، فقال: «خلق اللّه ألفا و مائتين في البرّ، و ألفا و مائتين في البحر، و أجناس بني آدم سبعون جنسا، و الناس ولد آدم ما خلا يأجوج و مأجوج» (4).

[273] 9. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «ما خلق اللّه تعالى خلقا أصغر من البعوض، و الجرجس أصغر من البعوض، و الذي نسمّيه [نحن] الولع أصغر من الجرجس، و ما في الفيل شيء إلّا و فيه مثله، و فضل على الفيل بالجناحين» (5).

باب سعة العالم و غلبة بعض المخلوقات على بعض

[المتن]

[274] 1. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «جاءت زينب العطّارة الحولاء إلى نساء النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و بناته و كانت تبيع منهنّ العطر، فجاء النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و هي عندهنّ، فقال: إذا أتيتنا طابت بيوتنا، فقالت: بيوتك بريحك أطيب يا رسول اللّه، قال: إذا بعت فأحسني و لا تغشّي، فإنّه أتقى و أبقى للمال.

____________

(1). الإسراء (17): 85.

(2). الكافي 1: 273/ 4.

(3). الكافي 8: 272/ 406.

(4). الكافي 8: 220/ 274.

(5). الكافي 8: 248/ 348.

203

فقالت: يا رسول اللّه، ما أتيت بشيء من بيعي، و إنّما أتيت أسألك عن عظمة اللّه، فقال: جلّ جلال اللّه، ساحدّثك عن بعض ذلك، ثم قال: إنّ هذه الأرض بمن عليها عند التي تحتها كحلقة ملقاة في فلاة قيّ (1) و هاتان بمن فيهما و من عليهما عند التي تحتهما كحلقة ملقاة في فلاة قيّ، و الثالثة، حتى انتهى إلى السابعة، و تلا هذه الآية: خَلَقَ سَبْعَ سَمٰاوٰاتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ (2) و السبع الأرضين بمن فيهنّ و من عليهنّ على ظهر الديك كحلقة ملقاة في فلاة قيّ.

و الدّيك له جناحان: جناح في المشرق، و جناح في المغرب، و رجلاه في التخوم، و السبع و الديك بمن فيه و من عليه على الصخرة كحلقة ملقاة في فلاة قيّ، و الصخرة بمن فيها و من عليها على ظهر الحوت كحلقة ملقاة في فلاة قيّ، و السبع و الديك و الصخرة و الحوت بمن فيه و من عليه على البحر المظلم كحلقة ملقاة في فلاة قيّ، و السبع و الديك و الصخرة و الحوت و البحر المظلم على الهواء الذاهب كحلقة ملقاة في فلاة قيّ، و السبع و الديك و الصخرة و الحوت و البحر المظلم و الهواء على الثرى كحلقة في فلاة قيّ، ثم تلا هذه الآية: لَهُ مٰا فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ مٰا فِي الْأَرْضِ وَ مٰا بَيْنَهُمٰا وَ مٰا تَحْتَ الثَّرىٰ (3).

ثم انقطع الخبر عند الثرى و السبع و الديك و الصخرة و الحوت و البحر المظلم و الهواء و الثرى بمن فيه و من عليه عند السماء الاولى كحلقة ملقاة في فلاة قيّ، و هذا كلّه و السماء الدنيا بمن عليها و من فيها عند التي فوقها كحلقة في فلاة قيّ، و هاتان السما آن و من فيهما و من عليهما عند التي فوقهما كحلقة في فلاة قيّ، و هذه الثلاثة بمن فيهنّ و من عليهنّ عند الرابعة كحلقة في فلاة قيّ، حتى انتهى إلى السابعة، و هنّ و من فيهنّ و من عليهن عند البحر المكفوف عند أهل الأرض كحلقة في فلاة قيّ، و هذه السبع و البحر المكفوف عند جبال البرد كحلقة في فلاة قيّ، و تلا هذه الآية:

وَ يُنَزِّلُ مِنَ السَّمٰاءِ مِنْ جِبٰالٍ فِيهٰا مِنْ بَرَدٍ (4).

____________

(1). القيّ- بالكسر و التشديد- فعل من القواء و هي الأرض القفر الخالية.

(2). الطلاق (65): 12.

(3). طه (20): 6.

(4). النور (24): 43.

204

و هذه السبع و البحر المكفوف و جبال البرد عند الهواء الذي تحار فيه القلوب كحلقة في فلاة قيّ، و هذه السبع و البحر المكفوف و جبال البرد و الهواء عند حجب النور كحلقة في فلاة قيّ، و هذه السبع و البحر المكفوف و جبال البرد و الهواء و حجب النور عند الكرسي كحلقة في فلاة قيّ، ثم تلا هذه الآية: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ وَ لٰا يَؤُدُهُ حِفْظُهُمٰا وَ هُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (1) و هذه السبع و البحر المكفوف و جبال البرد و الهواء و حجب النور و الكرسي عند العرش كحلقة في فلاة قيّ، و تلا هذه الآية:

الرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوىٰ (2)». (3)

و في رواية: «الحجب قبل الهواء الذي تحار فيه القلوب» (4).

* بيان

«القيّ» بالكسر و التشديد: الأرض القفر الخالية، و لعلّ التشبيه بالحلقة إشارة إلى كرويّتها و إحاطتها، و بالفلاة إلى سعتها، و في هذا الحديث من الرموز و الإشارات ما لا يبلغ علمنا إلى حلّه، و لعلّ اللّه يرزقنا من فضله، و ما ذلك على اللّه بعزيز.

[المتن]

[275] 2. الكافي: عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «ما خلق اللّه تعالى خلقا إلّا و قد أمر عليه آخر يغلبه فيه، و ذلك أنّ اللّه تعالى لمّا خلق البحار السفلى فخرّت و زخرت، و قالت: أيّ شيء يغلبني؟! فخلق الأرض فسطحها على ظهرها فذلّت، ثمّ إنّ الأرض فخرت: و قالت:

أيّ شيء يغلبني؟! فخلق الجبال فأثبتها على ظهرها أوتادا من أن تميد بما عليها فذلّت الأرض و استقرّت، ثم إنّ الجبال فخرت على الأرض فشمخت و استطالت، و قالت:

أي شيء يغلبني؟! فخلق الحديد فقطعها، فقرّت الجبال و ذلّت، ثم إنّ الحديد فخر على الجبال و قال: أيّ شيء يغلبني؟! فخلق النار، فأذابت الحديد، فذلّ الحديد.

ثم إنّ النار زفرت و شهقت و فخرت و قالت: أيّ شيء يغلبني؟! فخلق الماء فأطفاها فذلّت، ثم إنّ الماء فخر و زخر و قال: أي شيء يغلبني؟! فخلق الريح فحركت أمواجه و أثارت ما في قعره و حبسته عن مجاريه، فذلّ الماء، ثم إنّ الريح فخرت و عصفت

____________

(1). البقرة (2): 255.

(2). طه (20): 5.

(3). الكافي 8: 153/ 143.

(4). الكافي 8: 155/ ذيل 143.