الشافي في العقائد و الأخلاق و الأحكام - ج1

- الفيض الكاشاني المزيد...
928 /
305

اثني عشر ذكرا، فقال لهم: يا بنيّ، إنّ اللّه عزّ و جلّ قد أبى إلّا أن يجعل في سنّة من يعقوب، و إنّ يعقوب دعا ولده و كانوا اثني عشر ذكرانا، فأخبرهم بصاحبهم، ألا و إني أخبركم بصاحبكم، ألا إنّ هذين ابنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الحسن و الحسين فاسمعوا لهما و أطيعوا و وازروهما، فإني قد ائتمنتهما على ما ائتمنني عليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ممّا ائتمنه اللّه عليه من خلقه و من غيبه و من دينه الذي ارتضاه لنفسه، فأوجب اللّه لهما من علي (عليه السلام) ما أوجب لعلي (عليه السلام) من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فلم يكن لأحد منهما فضل على صاحبه إلّا بكبره، و إنّ الحسين (عليه السلام) كان إذا حضر الحسن (عليه السلام) لم ينطق في ذلك المجلس حتى يقوم، ثم إنّ الحسن (عليه السلام) حضره، الذي حضره فسلّم ذلك إلى الحسين (عليه السلام)، ثم إنّ حسينا (عليه السلام) حضره الذي حضره فدعا ابنته الكبرى فاطمة بنت الحسين فدفع إليها كتابا ملفوفا و وصيّة ظاهرة، و كان علي بن الحسين (عليه السلام) مبطونا لا يرون إلّا أنّه لما به، فدفعت فاطمة الكتاب إلى علي بن الحسين (عليه السلام)، ثمّ صار و اللّه ذلك الكتاب إلينا» (1).

* بيان

إنما كان كمال الدين بولاية علي (عليه السلام)؛ لأنه لما نصب للناس وليّا و أقيم لهم إماما، صار معوّلهم على أقواله و أفعاله في جميع ما يحتاجون إليه في أمر دينهم، ثم على خليفته من بعده، و هكذا إلى يوم القيامة، فلم يبق لهم من أمر دينهم ما لا يمكنهم الوصول إلى علمه؛ لأنّ كلّا منهم (صلوات اللّه عليهم) ملي بإصدار ما ورد عليه من أمر الدين كائنا ما كان، فكمّل الدين بهم، و تمت النعمة بوجودهم واحدا بعد واحد، (سلام اللّه عليهم)، و للّه الحمد على ما هدانا، و له الشكر على ما أولانا.

«يقول قائل و يقول قائل» يعني يعترضون علي باللم و الكيف حسدا و حميّة «عزيمة» آية حتم لا رخصة فيها «بتلة» جازمة مقطوع بها «كان و اللّه أمين اللّه» يعني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) «فلم يشرك و اللّه فيها» أي في هذه الأمانة «أحدا من الخلق» لا هواه و لا غيره «كتابا ملفوفا» كان قد كتب فيه كلّ ما يحتاج إليه الناس، كما ورد في حديث آخر «و وصية ظاهرة» (2) أي كتابا كتب فيه أنّه وصيّه و هو أولى بالأمور من غيره، كما مرّ بيانه «لا يرون إلّا أنّه لما به» أي لا يعتقدون إلّا أنّه متهيئ لما ينزل به من الموت، و هذه الكلمة كناية عن الإشراف على الموت.

____________

(1). الكافي 1: 290/ 6.

(2). الكافي 1: 290/ باب ما نص اللّه و رسوله على الأئمّة.

306

[المتن]

[446] 3. الكافي: عنه (عليه السلام): «لما أن قضى محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) نبوّته و استكمل أيّامه، أوحى اللّه عزّ و جلّ إليه: أن يا محمد قد قضيت نبوتك، و استكملت أيامك، فاجعل العلم الذي عندك و الايمان و الاسم الأكبر و ميراث العلم و آثار علم النبوة في أهل بيتك عند علي ابن أبي طالب (عليه السلام) فإنّي لن أقطع العلم و الايمان و الاسم الأكبر و ميراث العلم و آثار علم النبوة من العقب من ذريّتك، كما لم أقطعها من ذريّات الأنبياء» (1).

* بيان

يشبه أن يكون المراد بالعلم الذي عندك: المعرفة باللّه و ملائكته و كتبه و رسله و اليوم الاخر على سبيل المشاهدة و العيان، و بالايمان: التصديق بهذه الأمور مع الانقياد المقرون بالإيقان، و بالاسم الأكبر: الكتاب الذي يعلم به علم كلّ شيء الذي يكون مع الأنبياء (عليهم السلام)، كما فسّر به في حديث آخر و بميراث العلم: التخلّق بأخلاق اللّه، و بآثار علم النبوة: علم الشرائع و الأحكام (2).

[447] 4. الفقيه عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «أنا سيد النبيّين، و وصيي سيد الوصيّين، و أوصياؤه سادة الأوصياء، إنّ آدم سأل اللّه أن يجعل له وصيّا صالحا، فأوحى اللّه تعالى ذكره إليه: إني أكرمت الأنبياء بالنبوة، ثم اخترت خلقا، و جعلت خيارهم الأوصياء، فأوحى اللّه تعالى إليه: يا آدم، أوص إلى شيث، فأوصى آدم إلى شيث و هو هبة اللّه بن آدم، و أوصى شيث إلى ابنه شبان، و هو ابن بركة الحوراء التي أنزلها اللّه عزّ و جلّ على آدم (عليه السلام) من الجنّة، فزوّجها ابنه شيثا، و أوصى شبان إلى مجلث، و أوصى مجلث إلى محوق، و أوصى محوق إلى عثميشا، و أوصى عثميشا إلى أخنوخ، و هو إدريس النبي (عليه السلام)، و أوصى إدريس إلى ناخور، و دفعها ناخور إلى نوح (عليه السلام)، و أوصى نوح إلى سام، و أوصى سام إلى عثامر، و أوصى عثامر إلى برغيثاشا، و أوصى برغيثاشا إلى يافث، و أوصى يافث إلى بره، و أوصى بره إلى خفسية، و أوصى خفسية إلى عمران، و دفعها عمران إلى إبراهيم الخليل (عليه السلام)، و أوصى إبراهيم إلى ابنه إسماعيل، و أوصى إسماعيل إلى إسحاق، و أوصى إسحاق إلى يعقوب، و أوصى يعقوب إلى يوسف، و أوصى يوسف إلى بثريا، و أوصى

____________

(1). الكافي 1: 293/ 2.

(2). راجع الكافي 1: 295/ باب الاشارة و النص على امير المؤمنين (عليه السلام).

307

بثريا إلى شعيب، و أوصى شعيب إلى موسى بن عمران، و أوصى موسى بن عمران إلى يوشع بن نون، و أوصى يوشع بن نون إلى داود، و أوصى داود إلى سليمان، و أوصى سليمان إلى آصف بن برخيا، و أوصى آصف بن برخيا إلى زكريا، و دفعها زكريا إلى عيسى بن مريم، و أوصى عيسى إلى شمعون بن حمون الصّفا، و أوصى شمعون إلى يحيى بن زكريا، و أوصى يحيى بن زكريا إلى منذر، و أوصى منذر إلى سليمة، و أوصى سليمة إلى بردة.

ثم قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): و دفعها إلي بردة، و أنا أدفعها إليك يا علي و أنت تدفعها إلى وصيّك، و يدفعها وصيّك إلى أوصيائك من ولدك واحد بعد واحد حتى تدفع إلى خير أهل الأرض بعدك، و لتكفرنّ بك الأمّة، و لتختلفنّ عليك اختلافا شديدا، الثابت عليك كالمقيم معي، و الشاذّ عنك في النار، و النار مثوى للكافرين» (1).

باب ما ورد من النصوص على عددهم و أسمائهم (عليهم السلام)

[المتن]

[448] 1. الكافي: عن الصادق (عليه السلام) قال: «قال أبي لجابر بن عبد اللّه الأنصاري: إنّ لي إليك حاجة، فمتى يخفّ عليك أن أخلو بك فأسألك عنها؟ فقال له جابر: أي الأوقات أحببته، فخلا به في بعض الأيام، فقال له: يا جابر، أخبرني عن اللوح الذي رأيته في يد أمّي فاطمة (عليها السلام) بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و ما أخبرتك به أمّي أنّه في ذلك اللوح مكتوب.

فقال جابر: أشهد باللّه أني دخلت على أمك فاطمة (عليها السلام) في حياة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فهنّيتها بولادة الحسين (عليه السلام) فرأيت في يديها لوحا أخضر ظننت أنّه من زمرّد، و رأيت فيه كتابا أبيض شبه لون الشمس، فقلت لها: بأبي و أمي أنت يا بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، ما هذا اللوح؟ فقالت: هذا لوح أهداه اللّه تعالى إلى رسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فيه اسم أبي و اسم بعلي و اسم ابني و اسم الأوصياء من ولدي و أعطانيه أبي ليبشّرني بذلك.

____________

(1). الفقيه 4: 175/ 5402.

308

قال جابر: فأعطتنيه أمّك فاطمة (عليها السلام)، فقرأته و استنسخته.

فقال أبي: فهل لك يا جابر أن تعرضه عليّ؟ قال: نعم، فمشى معه أبي إلى منزل جابر، فأخرج صحيفة من رقّ، فقال: يا جابر، انظر في كتابك لأقرأ عليك، فنظر جابر في نسخته، فقرأه أبي فما خالف حرف حرفا.

فقال جابر: أشهد باللّه أني هكذا رأيته في اللوح مكتوبا: بسم اللّه الرحمن الرحيم، هذا كتاب من اللّه العزيز الحكيم لمحمّد نبيّه و نوره و سفيره و حجابه و دليله، نزل به الروح الأمين من عند ربّ العالمين، عظّم يا محمّد أسمائي، و أشكر نعمائي، و لا تجحد آلائي، إنّي أنا اللّه لا إله إلّا أنا قاصم الجبّارين و مديل المظلومين و ديّان الدّين، إنّي أنا اللّه لا إله إلّا أنا، فمن رجا غير فضلي أو خاف غير عدلي عذّبته عذابا لا أعذّبه أحدا من العالمين، فإياي فاعبد، و علي فتوكّل.

إني لم أبعث نبيّا فأكملت أيامه و انقضت مدّته إلّا جعلت له وصيّا، و إني فضّلتك على الأنبياء، و فضّلت وصيّك على الأوصياء، و أكرمتك بشبليك و سبطيك حسن و حسين، فجعلت حسنا معدن علمي بعد انقضاء مدة أبيه، و جعلت حسينا خازن وحيي، و أكرمته بالشهادة، و ختمت له بالسعادة، فهو أفضل من استشهد، و أرفع الشهداء درجة، و جعلت كلمتي التّامة معه، و حجّتي البالغة عنده، بعترته اثيب و اعاقب، أوّلهم علي سيد العابدين و زين أوليائي الماضين، و ابنه شبه جدّه المحمود محمّد الباقر علمي و المعدن لحكمتي، سيهلك المرتابون في جعفر، الرّاد عليه كالرّاد عليّ، حقّ القول مني لأكرمنّ مثوى جعفر، و لأسرنّه في أشياعه و أنصاره و أوليائه، انتجب بعده موسى فتنة عمياء حندس، لأنّ خيط فرضي لا ينقطع، و حجّتي لا تخفى، و أنّ أوليائي يسقون بالكأس الأوفى، من جحد واحدا منهم فقد جحد نعمتي، و من غيّر آية من كتابي فقد افترى عليّ، ويل للمفترين الجاحدين، عند انقضاء مدّة موسى عبدي و حبيبي و خيرتي.

علي وليي و ناصري، و من أضع عليه أعباء النبوّة، و أمتحنه بالاضطلاع بها، يقتله عفريت مستكبر يدفن في المدينة التي بناها العبد الصالح (1) إلى جنب شرّ خلقي، حقّ

____________

(1). هو ذو القرنين لأن طوس من بنائه كما صرّح به النعماني عند روايته لهذا الخبر راجع الفقيه 4: 175/ 5402.

309

القول منّي لأسرّنه بمحمّد ابنه و خليفته من بعده و وارث علمه، فهو معدن علمي، و موضع سرّي، و حجّتي على خلقي، لا يؤمن عبد به إلّا جعلت الجنة مثواه، و شفّعته في سبعين من أهل بيته كلّهم قد استوجبوا النار، و أختم بالسعادة لابنه علي وليي و ناصري، و الشاهد في خلقي، و أميني على وحيي، اخرج منه الداعي إلى سبيلي، و الخازن لعلمي الحسن.

و أكمل ذلك بابنه م ح م د رحمة للعالمين، عليه كمال موسى، و بهاء عيسى، و صبر أيوب، فتذلّ أوليائي في زمانه، و تتهادى رءوسهم كما تتهادى رءوس الترك و الديلم، فيقتلون و يحرقون، و يكونون خائفين مرعوبين وجلين، تصبغ الأرض بدمائهم و يفشو الويل و الرّنة في نسائهم، أولئك أوليائي حقّا، بهم أدفع كلّ فتنة عمياء حندس، و بهم أكشف الزلازل، و أدفع الآصار و الأغلال، أُولٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوٰاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ وَ أُولٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ» (1).

قال الراوي: لو لم تسمع في دهرك إلّا هذا الحديث لكفاك قصته إلّا عن أهله.

* بيان

«لوحا أخضر» كأنه من عالم الملكوت البرزخي، و خضرته كناية عن توسطه بين بياض نور عالم الجبروت و سواد ظلمة عالم الشهادة، و إنما كان مكتوبه أبيض لأنه كان من العالم الأعلى النوري المحض «و لاسرّنه» من المسرّة «انتجب» اختار «فتنة» أي في فتنة، و وصف الفتنة بالعمياء تجوّز، فإنّ الموصوف بالعمى إنما هو أهلها «و الحندس» بالكسر: المظلم، و إنما كانت الفتنة به (عليه السلام) عمياء حندس لخفاء أمره أكثر من خفاء أمر آبائه، لشدة الخوف الذي كان من جهة طاغي زمانه «و الفرض» الحجّة «و إنّ أوليائي» تعليل للافتتان لشدة الابتلاء، فإنّ الابتلاء كلّما كان أشد كان الكأس الذي هو جزاء أوفى «و الاضطلاع» القيام بالأمر «و العفريت» الخبيث المنكر، و هو كناية عن المأمون الخليفة «و العبد الصالح» كناية عن ذي القرنين، فإنّ بناء طوس ينسب إليه «و شرّ الخلق» كناية عن هارون الخليفة، فإنّه مدفون هناك، و إنما كتب اسم الصاحب (عليه السلام) بالحروف المفردة لعدم جواز التنطّق باسمه و كنيته كما ورد في الأخبار.

____________

(1). الكافي 1: 527/ 3.

310

[المتن]

[449] 2. الكافي: عن الجواد (عليه السلام): «أقبل أمير المؤمنين (عليه السلام) و معه الحسن بن علي (عليه السلام) و هو متكئ على يد سلمان، فدخل المسجد الحرام فجلس، إذ أقبل رجل حسن الهيئة و اللباس، فسلّم على أمير المؤمنين (عليه السلام)، فردّ (عليه السلام) فجلس، ثم قال: يا أمير المؤمنين، أسألك عن ثلاث مسائل إن أخبرتني بهنّ علمت أنّ القوم ركبوا من أمرك ما قضى عليهم و أن ليسوا بمأمونين في دنياهم و آخرتهم، و إن تكن الأخرى علمت أنّك و هم شرع سواء، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): سلني عمّا بدا لك.

قال: أخبرني عن الرجل إذا نام أين يذهب روحه؟ و عن الرجل كيف يذكر و ينسى؟ و عن الرجل كيف يشبه ولده الأعمام و الأخوال؟ فالتفت أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى الحسن (عليه السلام) فقال: يا أبا محمد أجبه، قال: فأجابه الحسن (عليه السلام) فقال الرجل: أشهد ألا إله إلّا اللّه و لم أزل أشهد بها و أشهد أنّ محمدا رسول اللّه و لم أزل أشهد بذلك، و أشهد أنّك وصي رسول اللّه و القائم بحجّته- و أشار إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)- و لم أزل أشهد بها، و أشهد أنّك وصيّه و القائم بحجّته- و أشار إلى الحسن (عليه السلام)- و أشهد أنّ الحسين بن عليّ وصي أخيه و القائم بحجّته بعده، و أشهد على علي بن الحسين (عليه السلام) أنّه القائم بأمر الحسين بعده، و أشهد على محمّد بن علي انّه القائم بأمر علي بن الحسين، و أشهد على جعفر بن محمّد بأنه القائم بأمر محمّد بن علي، و أشهد على موسى أنّه القائم على أمر جعفر بن محمد، و أشهد على علي بن موسى أنّه القائم بأمر موسى بن جعفر، و أشهد على محمد بن علي أنّه القائم بأمر علي بن موسى، و أشهد على علي بن محمد بأنه القائم بأمر محمد بن عليّ، و أشهد على الحسن بن علي بأنه القائم بأمر عليّ بن محمّد، و أشهد على رجل من ولد الحسن لا يكنّى و لا يسمّى حتى يظهر أمره فيملأها عدلا كما ملئت جورا، و السلام عليك يا أمير المؤمنين و رحمة اللّه و بركاته، ثم قام فمضى.

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): يا أبا محمّد اتبعه، فانظر أين يقصد، فخرج الحسن بن علي (عليه السلام) فقال: ما كان إلّا أن وضع رجله خارجا من المسجد، فما دريت أين أخذ من أرض اللّه، فرجعت إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فأعلمته، فقال يا أبا محمد: أتعرفه؟ قلت: اللّه

311

و رسوله و أمير المؤمنين أعلم، قال: هو الخضر (عليه السلام)» (1).

[450] 3. الكافي: سليم بن قيس قال: سمعت عبد اللّه بن جعفر الطيّار يقول: كنّا عند معاوية أنا و الحسن و الحسين و عبد اللّه بن عباس و عمر بن أمّ سلمة و أسامة بن زيد، فجرى بيني و بين معاوية كلام، فقلت لمعاوية: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يقول: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثم أخي علي بن أبي طالب (عليه السلام) أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا استشهد علي (عليه السلام) فالحسن بن علي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثم ابني الحسين (عليه السلام) من بعده أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا استشهد فابنه علي بن الحسين أولى بالمؤمنين من أنفسهم و ستدركه يا علي، ثم ابنه محمد بن علي أولى بالمؤمنين من أنفسهم و ستدركه يا حسين، ثم يكمله اثنى عشر إماما تسعة من ولد الحسين».

قال عبد اللّه بن جعفر: و استشهدت الحسن و الحسين و عبد اللّه بن عباس و عمر بن أمّ سلمة و أسامة بن زيد، فشهدوا لي عند معاوية، قال سليم: و قد سمعت ذلك من سلمان و أبي ذرّ و المقداد، و ذكروا أنهم سمعوا ذلك من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) (2).

[451] 4. الكافي: أبو الطفيل: سأل يهودي من ولد هارون أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: أخبرني عن محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كم له من إمام عدل؟ و في أي جنّة يكون؟ و من ساكنه معه في جنّته؟ فقال: «يا هاروني، إنّ لمحمّد اثني عشر إمام عدل، لا يضرّهم خذلان من خذلهم، و لا يستوحشون بخلاف من خالفهم، و إنّهم في الدين أرسب من الجبال الرواسي في الأرض، و مسكن محمّد في جنته، معه أولئك الاثني عشر الإمام العدل»، فقال: صدقت و اللّه الذي لا إله إلّا هو، إني لأجدها في كتب أبي هارون، كتبه بيده، و أملاه موسى عمّي (عليهما السلام) (3).

[452] 5. الكافي: عن الجواد (عليه السلام): «إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قال لأبي بكر يوما: لٰا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّٰهِ أَمْوٰاتاً بَلْ أَحْيٰاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ (4) و أشهد أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)

____________

(1). الكافي 1: 526/ 1.

(2). الكافي 1: 529/ 4.

(3). الكافي 1: 529/ 5.

(4). آل عمران (3): 169.

312

مات شهيدا، و اللّه ليأتينّك، فأيقن إذا جاءك، فإن الشيطان غير متمثّل به، فأخذ علي (عليه السلام) بيد أبي بكر فأراه النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقال له: يا أبا بكر، آمن بعلي و بأحد عشر من ولده، إنّهم مثلي إلّا النبوة، و تب إلى اللّه ممّا في يدك، فإنّه لا حقّ لك فيه، قال: ثم ذهب فلم ير» (1).

[453] 6. الكافي: عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «إنّي و اثنا عشر من ولدي و أنت يا علي زرّ الأرض- يعني أوتادها و جبالها- بنا أوتد اللّه تعالى الأرض أن تسيخ بأهلها، فإذا ذهب الاثنا عشر من ولدي ساخت الأرض بأهلها و لم ينظروا» (2).

* بيان

«اثنا عشر من ولدي» منهم فاطمة (عليها السلام) «زرّ الأرض» بتقديم الزاي المكسورة على الراء المشددة: قوامها.

[المتن]

[454] 7. الفقيه: عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «الأئمة بعدي اثنا عشر، أوّلهم علي بن أبي طالب (عليه السلام)، و آخرهم القائم، فهم خلفائي و أوصيائي و أوليائي و حجج اللّه على أمّتي بعدي، المقرّ بهم مؤمن و المنكر لهم كافر» (3).

باب ما ورد من وصيّة كلّ سابق منهم إلى لاحقه

[المتن]

[455] 1. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «أوصى موسى (عليه السلام) إلى يوشع بن نون، و أوصى يوشع إلى ولد هارون، و لم يوص إلى ولده و لا إلى ولد موسى، إنّ اللّه تعالى له الخيرة يختار من يشاء ممّن يشاء، و بشّر موسى و يوشع بالمسيح (عليه السلام)، فلمّا أن بعث اللّه عزّ و جلّ المسيح (عليه السلام) قال المسيح لهم: إنّه سوف يأتي من بعدي نبي اسمه أحمد من ولد إسماعيل، يجيء بتصديقي و تصديقكم و عذري و عذركم، و جرت من بعده في

____________

(1). الكافي 1: 533/ 13.

(2). الكافي 1: 534/ 17.

(3). الفقيه 4: 179/ 5406.

313

الحواريين في المستحفظين، و إنّما سمّاهم اللّه المستحفظين؛ لأنهم استحفظوا الاسم الأكبر، و هو الكتاب الذي يعلم به علم كل شيء، الذي كان مع الأنبياء، يقول اللّه: وَ لَقَدْ أَرْسَلْنٰا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَ أَنْزَلْنٰا مَعَهُمُ الْكِتٰابَ وَ الْمِيزٰانَ (1) الكتاب الاسم الأكبر، و إنما عرف ممّا يدعى الكتاب التوراة و الإنجيل و الفرقان، فيها كتاب نوح، و فيها كتاب صالح و شعيب و إبراهيم، فأخبر اللّه عزّ و جلّ إِنَّ هٰذٰا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولىٰ صُحُفِ إِبْرٰاهِيمَ وَ مُوسىٰ فأين صحف إبراهيم، إنما صحف إبراهيم الاسم الأكبر، و صحف موسى الاسم الأكبر.

فلم تزل الوصية في عالم بعد عالم حتى دفعوها إلى محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فلما بعث اللّه تعالى محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أسلم له العقب من المستحفظين، و كذّبه بنو إسرائيل، و دعا إلى اللّه تعالى، و جاهد في سبيله، ثم أنزل اللّه تعالى عليه أن أعلن فضل وصيّك فقال: ربّ إنّ العرب قوم جفاة، لم يكن فيهم كتاب، و لم يبعث إليهم نبي، و لا يعرفون فضل نبوّات الأنبياء (عليهم السلام) و لا شرفهم، و لا يؤمنون بي إن أنا أخبرتهم بفضل أهل بيتي، فقال اللّه تعالى:

وَ لٰا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ (2) وَ قُلْ سَلٰامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (3) فذكر من فضل وصيّه ذكرا، فوقع النفاق في قلوبهم، فعلم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ذلك و ما يقولون، فقال اللّه تعالى: وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمٰا يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لٰا يُكَذِّبُونَكَ وَ لٰكِنَّ الظّٰالِمِينَ بِآيٰاتِ اللّٰهِ يَجْحَدُونَ (4) و لكنهم يجحدون بغير حجّة لهم.

و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يتألّفهم، و يستعين ببعضهم على بعض، و لا يزال يخرج لهم شيئا في فضل وصيّه حتى نزلت هذه السورة، فاحتجّ عليهم حين أعلم بموته و نعيت إليه نفسه، فقال اللّه تعالى: فَإِذٰا فَرَغْتَ فَانْصَبْ* وَ إِلىٰ رَبِّكَ فَارْغَبْ (5) يقول: فإذا فرغت فانصب علمك، و أعلن وصيّك، فاعلمهم فضله علانية، فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه و عاد من عاداه، ثلاث مرات، ثم قال: لأبعثنّ رجلا

____________

(1). الحديد (57): 25.

(2). النحل (16): 127.

(3). الزخرف (43): 89.

(4). الانعام 6: 33.

(5). الانشراح (94): 7 و 8.

314

يحبّ اللّه و رسوله، و يحبّه اللّه و رسوله، ليس بفرّار يعرّض بمن رجع، يجبنّ أصحابه و يجبّنونه، و قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): علي سيد المؤمنين، و قال: علي عمود الدين، و قال: هذا الذي يضرب الناس بالسيف على الحق بعدي، و قال: الحق مع علي أينما مال، و قال: إنّي تارك فيكم أمرين إن أخذتم بهما لن تضلّوا: كتاب اللّه و أهل بيتي عترتي، أيها الناس اسمعوا قد بلّغت انكم ستردون علي الحوض فأسألكم عمّا فعلتم في الثقلين، و الثقلان كتاب اللّه و أهل بيتي فلا تسبقوهم فتهلكوا، و لا تعلّموهم فإنهم أعلم منكم.

فوقعت الحجّة بقول النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و بالكتاب الذي يقرأه الناس، فلم يزل يلقي فضل أهل بيته بالكلام و يبيّن لهم بالقرآن إِنَّمٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (1) و قال تعالى: وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبىٰ (2)، ثم قال: وَ آتِ ذَا الْقُرْبىٰ حَقَّهُ (3) فكان علي (عليه السلام) و كان حقّه الوصية التي جعلت له و الاسم الأكبر و ميراث العلم و آثار علم النبوة، فقال: قُلْ لٰا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبىٰ (4) ثم قال: وَ إِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (5) يقول: أسألكم عن المودّة التي أنزلت عليكم فضلها مودة القربى بأي ذنب قتلتموه، و قال تعالى: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لٰا تَعْلَمُونَ (6) قال: الكتاب الذكر، و أهله آل محمّد، أمر اللّه تعالى بسؤالهم و لم يؤمروا بسؤال الجهّال، و سمّى اللّه تعالى القرآن ذكرا فقال تبارك و تعالى:

وَ أَنْزَلْنٰا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّٰاسِ مٰا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (7) و قال تعالى: وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ وَ سَوْفَ تُسْئَلُونَ (8) و قال تعالى: أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ (9) و قال تعالى: وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ

____________

(1). الاحزاب (33): 33.

(2). الأنفال (8): 42.

(3). الاسراء (17): 26.

(4). الشورى (42): 22.

(5). التكوير (81): 9.

(6). النحل (16): 43؛ و الأنبياء (21): 7.

(7). النحل (16): 46.

(8). الزخرف (43): 43.

(9). النساء (4): 59.

315

مِنْهُمْ (1) فردّ الأمر أمر الناس إلى أولي الأمر منهم الذين أمر بطاعتهم و بالرد إليهم.

فلما رجع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من حجّة الوداع نزل عليه جبرئيل فقال: يٰا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمٰا بَلَّغْتَ رِسٰالَتَهُ وَ اللّٰهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّٰاسِ إِنَّ اللّٰهَ لٰا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكٰافِرِينَ (2) فنادى الناس فاجتمعوا، و أمر بسمرات فقمّ شوكهنّ، ثم قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):

يا أيها الناس من وليّكم و أولى بكم من أنفسكم؟ فقالوا: اللّه و رسوله، فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه و عاد من عاداه، ثلاث مرّات، فوقعت حسكة النفاق في قلوب القوم، و قالوا: ما أنزل اللّه هذا على محمد قط، و ما يريد إلّا أن يرفع بضبع ابن عمّه.

فلمّا قدم المدينة أتاه الأنصار فقالوا: يا رسول اللّه، انّ اللّه تعالى قد أحسن إلينا و شرّفنا بك و بنزولك بين ظهرانينا، فقد فرّح اللّه صديقنا و كبت عدوّنا، و قد يأتيك وفود فلا تجد ما تعطيهم فيشمت بك العدوّ، فنحبّ أن تأخذ ثلث أموالنا حتى إذا قدم عليك وفد مكة وجدت ما تعطيهم، فلم يردّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عليهم شيئا، و كان ينتظر ما يأتيه من ربّه، فنزل عليه جبرئيل (عليه السلام) و قال: قُلْ لٰا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبىٰ (3) و لم يقبل أموالهم، قال المنافقون: ما أنزل اللّه هذا على محمد، و ما يريد إلّا أن يرفع بضبع ابن عمّه، و يحمل علينا أهل بيته، يقول أمس: من كنت مولاه فعلي مولاه، و اليوم قُلْ لٰا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبىٰ.

ثم نزل عليه آية الخمس فقالوا: يريد أن نعطيهم أموالنا و فيئنا، ثم أتاه جبرئيل فقال:

يا محمّد، إنّك قد قضيت نبوّتك، و استكملت أيّامك، فاجعل الاسم الأكبر و ميراث العلم و آثار علم النبوة عند عليّ، فإنّي لم أترك الأرض الّا ولي فيها عالم تعرف به طاعتي و تعرف به ولايتي، و يكون حجّة لمن يولد بين قبض النبي إلى خروج النبي الاخر.

قال: فأوصى إليه بالاسم الأكبر و ميراث العلم و آثار علم النبوة، و أوصى إليه بألف

____________

(1). النساء (4): 83.

(2). المائدة (5): 68.

(3). الشورى (42): 23.

316

كلمة و ألف باب يفتح كل كلمة و كل باب ألف كلمة و ألف باب» (1).

* بيان

«عذري و عذركم» حجّتي و حجّتكم من قولهم: أعذر، إذا احتجّ لنفسه «حتى نزلت هذه الآية» يعني آية فَإِذٰا فَرَغْتَ فَانْصَبْ و المشهور فيها فتح الصاد من النصب بمعنى التعب و الاجتهاد، يعني إذا فرغت من عبادة عقّبها بأخرى و واصل بعضها ببعض، و لا تخل وقتا من أوقاتك تكون فارغا فيه لم تشغله بعبادة، و المستفاد من هذا الحديث أنّه بكسر الصاد من النّصب بالتسكين بمعنى الرفع و الوضع، يعني فإذا فرغت من أمر تبليغ الرسالة و ما يجب عليك إنهاؤه من الأحكام و الشرائع، فانصب علمك بفتح اللام، أي ارفع علم هدايتك للناس، وضع من تقوم به خلافتك موضعك حتى يكون قائما مقامك من بعدك بتبليغ الأحكام و هداية الأنام، لئلّا ينقطع خيط الهداية و الرسالة بين اللّه و بين عباده، و يكون ذلك مستمرا بقيام إمام مقام إمام أبدا إلى يوم القيامة.

«يعرض بمن رجع» يعني به الأوّلين «بألف كلمة و ألف باب» يعني بقواعد كليّة و قوانين مضبوطة جمليّة، أمكنه أن يستنبط منها أحكاما جزئية و مسائل فرعية تفصيلية، مثال ذلك ما رواه الصفار (رحمه اللّه) في (بصائر الدرجات) بإسناده عن موسى بن بكر قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الرجل يغمى عليه اليوم و اليومين أو ثلاثة أو أكثر من ذلك، كم يقضي من صلاته؟ فقال: «ألا أخبرك بما ينتظم به هذا و أشباهه؟» فقال: «كلّ ما غلب اللّه عليه من أمر فاللّه أعذر لعبده» و زاد فيه غيره، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «و هذا من الأبواب التي يفتح كلّ باب منها ألف باب» (2).

[المتن]

[456] 2. الكافي: عنه (عليه السلام): «لما حضر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الموت دخل عليه علي (عليه السلام) فأدخل رأسه، ثم قال: يا عليّ، إذا أنا متّ فغسّلني و كفّني، ثم أقعدني و سلني و اكتب» (3).

و في رواية: «فو اللّه لا تسألني عن شيء إلّا أجبتك فيه» (4).

[457] 3. الفقيه: عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «انّ للّه تعالى مائة ألف نبي و أربعة و عشرين ألف نبي، أنا

____________

(1). الكافي 1: 293/ 3.

(2). بصائر الدرجات: 306/ 16.

(3). الكافي 1: 297/ 8.

(4). الكافي 1: 296/ 7.

317

سيدهم و أفضلهم و أكرمهم على اللّه عزّ و جلّ» (1).

[458] 4. الكافي: سليم بن قيس قال: شهدت وصية أمير المؤمنين (عليه السلام) حين أوصى إلى ابنه الحسن (عليه السلام) و أشهد على وصيّته الحسين (عليه السلام) و محمّدا (بن الحنفية) و جميع ولده و رؤساء شيعته و أهل بيته، ثم رفع إليه الكتاب و السلاح و قال لابنه الحسن (عليه السلام): «يا بني، أمرني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أن أوصي إليك، و أن أدفع إليك كتبي و سلاحي، كما أوصى إلي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و دفع إلي كتبه و سلاحه، و أمرني أن آمرك إذا حضرك الموت أن تدفعها إلى أخيك الحسين (عليه السلام)، ثم أقبل على ابنه الحسين (عليه السلام) فقال له: و أمرك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أن تدفعها إلى ابنك هذا، ثم أخذ بيد علي بن الحسين (عليه السلام)، ثم قال: لعلي بن الحسين (عليه السلام): و أمرك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أن تدفعها إلى ابنك محمد بن علي (عليه السلام) و اقرأه من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و مني السلام» (2).

[459] 5. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «لما حضر الحسن بن علي (عليه السلام) الوفاة، قال: يا قنبر انظر هل ترى من وراء بابك مؤمنا من غير آل محمّد، فقال: اللّه و رسوله و ابن رسوله أعلم به مني، قال: ادع لي محمّد بن علي، فأتيته، فلمّا دخلت عليه، قال: هل حدث إلّا خير؟

قلت: أجب أبا محمد، فعجّل عن شسع نعله فلم يسوّه و خرج معي يعدو، فلمّا قام بين يديه سلّم فقال له الحسن (عليه السلام): اجلس، فإنّه ليس مثلك يغيب عن سماع كلام يحيى به الأموات و يموت به الأحياء، كونوا أوعية العلم و مصابيح الهدى، فإنّ ضوء النهار بعضه أضوأ من بعض، أ ما علمت أنّ اللّه تعالى جعل ولد إبراهيم أئمة و فضّل بعضهم على بعض و آتى داود زبورا؟ و قد علمت بما استأثر اللّه به محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

يا محمّد بن علي، إنّي أخاف عليك الحسد، و إنما وصف اللّه به الكافرين، فقال اللّه تعالى: كُفّٰاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مٰا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ (3) و لم يجعل اللّه للشيطان عليك سلطانا.

يا محمّد بن علي، الا اخبرك بما سمعت من أبيك فيك؟ قال: بلى، قال: سمعت أباك (عليه السلام) يقول يوم البصرة: من أحبّ أن يبرّني في الدنيا و الآخرة فليبرّ محمّدا ولدي.

____________

(1). الفقيه 4: 180/ 5407.

(2). الكافي 1: 297/ 1.

(3). البقرة (2): 109.

318

يا محمّد بن علي، لو شئت أن أخبرك و أنت نطفة في ظهر أبيك لأخبرتك.

يا محمّد بن علي، أ ما علمت أنّ الحسين بن علي بعد وفاة نفسي و مفارقة روحي جسمي إمام من بعدي؟ و عند اللّه في الكتاب وراثة من النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أضافها اللّه تعالى له في وراثة أبيه و أمّه (عليهما السلام)، فعلم اللّه أنّكم خيرة خلقه فاصطفى منكم محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و اختار محمّد عليا (عليهما السلام)، و اختارني علي بالإمامة، و اخترت أنا الحسين، فقال له محمّد بن علي:

أنت إمام، و أنت وسيلتي إلى محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و اللّه لوددت أنّ نفسي ذهبت قبل أن أسمع منك هذا الكلام، ألا و إنّ في رأسي كلاما لا تنزفه الدّلاء و لا تغيّره نغمة الرياح، كالكتاب المعجم في الرقّ المنهم (1)، أهمّ بإبدائه فأجدني سبقت إليه سبق الكتاب المنزل، أو ما خلت به الرسل، و إنّه لكلام يكلّ به لسان الناطق و يد الكاتب حتى لا يجد قلما و يؤتى بالقرطاس حمما و لا يبلغ فضلك، و كذلك يجزي اللّه المحسنين و لا قوة إلّا باللّه، الحسين أعلمنا علما، و أثقلنا حلما، و أقربنا من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) رحما، كان فقيها قبل أن يخلق، و قرأ الوحي قبل أن ينطق، و لو علم اللّه في أحد غير محمّد خيرا ما اصطفى محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فلما اختار اللّه محمّدا و اختار محمّد عليا و اختارك علي إماما و اخترت الحسين، سلّمنا و رضينا من هو الرضا و من كنا نسلم به من مشكلات أمرنا» (2).

* بيان

«محمّد بن علي» يعني به أخاه ابن الحنفية «يحيى به الأموات» أي أموات الجهل «و يموت به الأحياء» أي بالموت الإرادي عن لذات هذه النشأة، الذي هو حياة أخروية في دار الدنيا «أضوأ من بعض» يعني لا تستنكفوا من التعلّم و إن كنتم علماء، فانّ فوق كلّ ذي علم عليم «في الكتاب» يعني في أمّ الكتاب و اللوح المحفوظ «أضافها اللّه» أي أضاف وراثة النبيّ «لا تنزفه» لا تنزحه و لا تفنيه، كناية عن كثرته «و لا تغيّره» كناية عن ثباته و عذوبته «كالكتاب المعجم» أمّا من الإعجام بمعنى التقفيل، أو بمعنى عدم الافصاح، أشار به إلى أنه من الأسرار و الرموز، أو من التعجيم بمعنى إزالة العجمة بالنقط، أشار به إلى إبانته عن المكنونات «في الرّق

____________

(1). في المصدر: المنمنم أي المزيّن.

(2). الكافي 1: 301/ 2. و فيه: و رضينا من [هو] بغيره يرضى و [من غيره] كنا نسلم به من مشكلات أمرنا.

319

المنهم» أي الممتلي، فإنّ النهمة بلوغ الهمّة في الشيء «سبقت إليه» أي أنت سبقتني إليه و أخوك «سبق الكتاب المنزل» القرآن، فإنّ فيه كلّ شيء.

[المتن]

[460] 6. الكافي: عن الباقر (عليه السلام): «إنّ الحسين (عليه السلام) لما حضره، الذي حضره دعا ابنته الكبرى فاطمة بنت الحسين (عليها السلام)، فدفع إليها كتابا ملفوفا و وصيّة ظاهرة، و كان علي بن الحسين (عليه السلام) مبطونا معهم لا يرون إلّا أنّه لما به، فدفعت فاطمة الكتاب إلى علي بن الحسين (عليه السلام)، ثم صار و اللّه ذلك الكتاب إلينا».

قيل: ما في ذلك الكتاب؟ قال: «فيه و اللّه ما يحتاج إليه ولد آدم منذ خلق اللّه آدم إلى أن تفنى الدنيا، و اللّه إنّ فيه الحدود و حتى أنّ فيه أرش الخدش» (1).

[461] 7. الكافي: عنه (عليه السلام): «لما حضر علي بن الحسين (عليه السلام) الوفاة قبل ذلك أخرج سفطا- أو صندوقا- عنده فقال: يا محمّد، أحمل هذا الصندوق، قال: فحمل بين أربعة، فلما توفّي جاء إخوته يدّعون في الصندوق، قالوا: أعطنا نصيبنا من الصندوق، فقال: و اللّه ما لكم فيه شيء، و لو كان لكم فيه شيء ما دفعه إليّ، و كان في الصندوق سلاح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و كتبه» (2).

و في رواية: «أما إنّه لم يكن فيه دينار و لا درهم، و لكنّه كان مملوءا علما» (3).

[462] 8. الكافي: أبو الصباح الكناني، قال: نظر أبو جعفر (عليه السلام) إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) يمشي فقال: «ترى هذا؟ هذا من الذين قال اللّه تعالى: وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوٰارِثِينَ» (4).

و في رواية قال: «هذا خير البرية» (5).

[463] 9. الكافي: جابر الجعفي، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: سئل عن القائم (عليه السلام): فضرب بيده على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال: «هذا و اللّه قائم آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)».

____________

(1). الكافي 1: 303/ 1.

(2). الكافي 1: 305/ 1.

(3). الكافي 1: 305/ 2.

(4). الكافي 1: 306/ 1؛ و الآية من سورة القصص (28): 5.

(5). الكافي 1: 306/ 4.

320

قال عنبسة: فلمّا قبض أبو جعفر (عليه السلام) دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فأخبرته بذلك، ثمّ قال: «لعلّكم ترون أن ليس كلّ إمام هو القائم بعد الإمام الذي كان قبله؟» (1).

[464] 10. الكافي: الفيض بن المختار، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): خذ بيدي من النار، من لنا بعدك؟

فدخل عليه أبو إبراهيم (عليه السلام) و هو يومئذ غلام فقال: «هذا صاحبكم، فتمسّكوا به» (2).

[465] 11. الكافي: سليمان بن خالد، قال: دعا أبو عبد اللّه (عليه السلام) أبا الحسن (عليه السلام) يوما و نحن عنده فقال لنا:

«عليكم بهذا، فهو و اللّه صاحبكم بعدي» (3).

* بيان

و في معنى هذا الحديث أخبار كثيرة.

[المتن]

[466] 12. الكافي: داود الرقي، قال: قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام): جعلت فداك، إنّي قد كبر سنّي، فخذ بيدي من النار، قال: فأشار إلى ابنه أبي الحسن (عليه السلام) فقال: «هذا صاحبكم من بعدي» (4).

[467] 13. الكافي: المخزومي، و كانت أمّه من ولد جعفر بن أبي طالب، قال: بعث إلينا أبو الحسن موسى (عليه السلام) فجمعنا، ثم قال لنا: «أ تدرون لم دعوتكم؟» فقلنا: لا، فقال: «اشهدوا أنّ ابني هذا وصيي و القيّم بأمري و خليفتي من بعدي، من كان له عندي دين فليأخذه من ابني هذا، و من كانت له عندي عدة فلينتجزها منه، و من لم يكن بدّ من لقائي فلا يلقني إلّا بكتابه» (5).

* بيان

كأنّ تلك الوصية كانت عند خروجه (عليه السلام) إلى بغداد بأمر هارون.

[المتن]

[468] 14. الكافي: نعيم القابوسي، عن أبي الحسن (عليه السلام) أنّه قال: «إنّ ابني علي أكبر ولدي، و أبرّهم عندي، و أحبّهم إليّ، و هو ينظر معي في الجفر، و لم ينظر فيه إلّا نبي أو

____________

(1). الكافي 1: 307/ 7.

(2). الكافي 1: 307/ 1.

(3). الكافي 1: 310/ 12.

(4). الكافي 1: 130/ 312/ 3.

(5). الكافي 1: 312/ 7.

321

وصي نبي» (1).

[469] 15. الكافي: يزيد بن سليط، قال: لقيت أبا إبراهيم (عليه السلام) و نحن نريد العمرة في بعض الطريق، فقلت: جعلت فداك، هل تثبت هذا الموضع الذي نحن فيه؟ قال: «نعم، فهل تثبت أنت؟» قلت: نعم أنا و أبي لقيناك هاهنا و أنت مع أبي عبد اللّه (عليه السلام) و معه إخوتك، فقال له أبي: بأبي أنت و أمي، أنتم كلّكم أئمة مطهّرون، و الموت لا يعرى منه أحد، فأحدث إلي شيئا احدّث به من يخلفني من بعدي فلا يضلّ، قال: «نعم يا أبا عبد اللّه، هؤلاء ولدي، و هذا سيّدهم- و أشار إليك- و قد علّم الحكم و الفهم و السخاء و المعرفة بما يحتاج إليه الناس، و ما اختلفوا فيه من أمر دينهم و دنياهم، و فيه حسن الخلق و حسن الجواب، و هو باب من أبواب اللّه تعالى، و فيه أخرى خير من هذا كلّه».

فقال له أبي: و ما هي بأبي أنت و أمي؟ قال (عليه السلام): «يخرج اللّه تعالى منه غوث هذه الأمة و غياثها و علمها و نورها و فضلها و حكمها، خير مولود و خيرنا شيء، يحقن اللّه به الدماء، و يصلح به ذات البين، و يلمّ به الشعث، و يشعب به الصدع، و يكسو به العاري، و يشبع به الجائع، و يؤمن به الخائف، و ينزل به القطر، و يرحم به العباد، خير كهل، و خير ناش، قوله حكم، و صمته علم، يبيّن للناس ما يختلفون فيه، و يسود عشيرته من قبل أوان حلمه».

فقال له أبي: بأبي أنت و أمّي، و هل له ولد؟ قال: «نعم» و مرّت به سنون، قال يزيد: فجاءنا من لم نستطع معه كلاما.

قال يزيد: فقلت لأبي إبراهيم (عليه السلام): فأخبرني أنت بمثل ما أخبرني به أبوك (عليه السلام)؟ فقال لي: «نعم، إنّ أبي (عليه السلام) كان في زمان ليس هذا زمانه»، فقلت له: فمن يرضى منك بهذا فعليه لعنة اللّه، قال:

فضحك أبو إبراهيم (عليه السلام) ضحكا شديدا. ثم قال: «أخبرك يا أبا عمارة أنّي خرجت من منزلي فأوصيت إلى ابني فلان، و أشركت معه بني في الظاهر، و أوصيته في الباطن، و أفردته وحده، و لو كان الأمر إلي لجعلته في القاسم ابني لحبّي إياه و رأفتي عليه، و لكن ذلك إلى اللّه عزّ و جلّ يجعله حيث يشاء، و لقد جاءني بخبره رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، ثم أرانيه

____________

(1). الكافي 1: 311/ 2.

322

و أراني من يكون معه، و كذلك لا يوصى إلى أحد منّا حتى يأتي بخبره رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و جدّي علي (عليه السلام)، و رأيت مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) خاتما و سيفا و عصا و كتابا و عمامة، فقلت:

ما هذا يا رسول اللّه؟ فقال لي: أمّا العمامة فسلطان اللّه عزّ و جلّ، و أمّا السيف فعزّ اللّه، و أمّا الكتاب فنور اللّه عزّ و جلّ، و أمّا العصا فقوّة اللّه عزّ و جلّ، و أمّا الخاتم فجامع هذه الأمور، ثم قال لي: و الأمر قد خرج منك إلى غيرك، فقلت: يا رسول اللّه، أرنيه أيّهم هو؟ فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): ما رأيت من الأئمّة أحدا أجزع على فراق هذا الأمر منك، و لو كانت الإمامة بالمحبّة لكان إسماعيل أحبّ إلى أبيك منك، و لكن ذلك من اللّه عزّ و جلّ.»

ثم قال أبو إبراهيم (عليه السلام): «و رأيت ولدي جميعا الأحياء منهم و الأموات، فقال لي أمير المؤمنين (عليه السلام): هذا سيدهم و أشار إلى ابني علي، فهو مني و أنا منه و اللّه مع المحسنين».

قال يزيد: ثم قال أبو إبراهيم (عليه السلام): «يا يزيد، إنّها وديعة عندك، فلا تخبر بها إلّا عاقلا، أو عبدا تعرفه صادقا، و إن سئلت عن الشهادة فاشهد بها، و هو قول اللّه عزّ و جلّ: إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمٰانٰاتِ إِلىٰ أَهْلِهٰا (1) و قال لنا أيضا: وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهٰادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللّٰهِ (2)».

قال: فقال أبو إبراهيم (عليه السلام): «فأقبلت على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقلت: قد جمعتهم لي بأبي و أمّي، فأيّهم هو؟ فقال: هو الذي ينظر بنور اللّه عزّ و جلّ، و يسمع بفهمه، و ينطق بحكمته، يصيب و لا يخطئ، و يعلم فلا يجهل، معلّما حكما و علما، هو هذا- و أخذ بيد علي ابني- ثم قال: ما أقلّ مقامك معه! فإذا رجعت من سفرك فأوص و أصلح أمرك و أفرغ ممّا أردت، فإنّك منتقل عنهم و مجاور غيرهم، فإذا أردت فادع عليّا فليغسّلك و ليكفّنك فإنّه طهر لك، و لا يستقيم إلّا ذلك، و ذلك سنّة قد مضت، فاضطجع بين يديه، و صفّ إخوته خلفه و عمومته، و مره فليكبّر عليك تسعا، فإنّه قد استقامت وصيّته و وليك و أنت حي، ثم اجمع له من تعدّهم (3) فأشهد عليهم، و أشهد اللّه، و كفى باللّه شهيدا».

____________

(1). النساء (4): 58.

(2). البقرة (2): 140.

(3). في المصدر: ثمّ اجمع له ولدك من بعدهم.

323

قال يزيد: ثم قال لي أبو إبراهيم (عليه السلام): «إني اؤخذ في هذه السنة، و الأمر هو إلى ابني عليّ، سمي علي و عليّ: فأمّا علي الأول فعلي بن أبي طالب (عليه السلام) و أمّا الاخر فعلي بن الحسين (عليه السلام)، أعطي فهم الأول و حلمه و نصره و ودّه و دينه و محبّته، و محنة الاخر و صبره على ما يكره، و ليس له أن يتكلم إلّا بعد موت هارون بأربع سنين».

ثم قال لي: «يا يزيد، و إذا مررت بهذا الموضع و لقيته و ستلقاه فبشّره أنّه سيولد له غلام أمين مأمون مبارك، و سيعلّمك أنّك قد لقيتني، فأخبره عند ذلك أنّ الجارية التي يكون منها هذا الغلام جارية من أهل بيت مارية جارية رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أمّ إبراهيم، فإن قدرت أن تبلّغها منّي السلام فافعل».

قال يزيد: فلقيت بعد مضي أبي إبراهيم (عليه السلام) عليا (عليه السلام) فبدأني فقال لي: «يا يزيد ما تقول في العمرة؟» فقلت: بأبي أنت و أمّي ذلك إليك و ما عندي نفقة، فقال: «سبحان اللّه! ما كنّا نكلّفك و لا نكفيك» فخرجنا حتى انتهينا إلى ذلك الموضع، فابتدأني فقال: «يا يزيد، إنّ هذا الموضع كثيرا ما لقيت جيرتك و عمومتك» قلت: نعم، ثم قصصت عليه الخبر فقال لي: «أمّا الجارية فلم تجئ بعد، فإذا جاءت بلّغتها منه السلام» فانطلقنا إلى مكة فاشتراها في تلك السنة، فلم تلبث إلّا قليلا حتى حملت فولدت ذلك الغلام.

قال يزيد: و كان إخوة علي يرجون أن يرثوه، فعادوني إخوته من غير ذنب، فقال لهم إسحاق بن جعفر: و اللّه لقد رأيته و إنّه ليقعد من أبي إبراهيم (عليه السلام) بالمجلس الذي لا أجلس فيه أنا (1).

* بيان

«هل تثبت هذا الموضع» تعرفه حقّ المعرفة «غوث هذه الأمّة» يعني أبا الحسن الرضا (عليه السلام) «و يلمّ به الشعث» يجمع به انتشار الأمر «و يشعب به الصدع» يجمع به التفرّق، قوله: «حكم» بضم الحاء: أي حكمة «و يسود» من السيادة، أي يصير سيّدهم «حلمه» عقله «في زمان» يعني زمانا لا تقية فيه «ليس هذا زمانه» أي زمانا مثله؛ لأنّه كان زمان التقية الشديدة «و لقد جاءني بخبره رسول اللّه» هذا المجيء و الاراءة يجوز أن يكونا في المنام، و أن يكونا في اليقظة؛ لأن للأرواح الكاملة أن يتمثّلوا في صور أبدانهم عيانا لمن شاءوا في هذه النشأة الدنياوية، كما تمثّل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لأبي بكر حين أنكر حقّ علي (عليه السلام) كما مرّ «أجزع على فراق هذا الأمر»

____________

(1). الكافي 1: 313/ 14.

324

و ذلك لأنه (عليه السلام) كان يحبّ أن يجعله في القاسم، كما صرّح به.

«فإذا رجعت من سفرك» يعني به سفره الذي كان متوجها فيه إلى مكة، «فإذا أردت» يعني إذا أردت مفارقتهم في السفر الأخير متوجّها من المدينة إلى بغداد «فإنّه طهر لك» أي تغسيله إياك في حياتك طهر لك من غير حاجة إلى تغسيل آخر بعد موتك، «و لا يستقيم إلّا ذلك» أي لا يستقيم تطهيرك إلّا بهذا النحو، و ذلك لأن المعصوم لا يجوز أن يغسّله إلّا معصوم مثله، كما ورد في الأخبار (1)، و لم يكن غير علي (عليه السلام) و هو غير شاهد إذ حضره الموت «فإنّه قد استقامت وصيّته» تعليل لجواز فعل ذلك كلّه له، إذ لا ينبغي ذلك إلّا لوصيّ «و وليّك» ولي كرضيّ: أي ولي أمرك «من تعدّهم» من تعتني بشأنهم من التعداد «اؤخذ» يعني يأخذني الظالم للطاغي «فعادوني إخوته» و ذلك لإخباره عليّا بقصة ابنه في البشارة بالولد الذي صار سببا لمحروميتهم من الميراث.

[المتن]

[470] 16. الكافي: سئل الرضا (عليه السلام) عن الإمام بعده، فقال: «الإمام ابني» ثم قال: «هل يتجرّى أحد أن يقول ابني و ليس له ولد؟!» (2).

[471] 17. الكافي: أبو يحيى الصنعاني، قال: كنت عند أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، فجيء بابنه أبي جعفر (عليه السلام) و هو صغير فقال: «هذا المولود الذي لم يولد مولود أعظم بركة على شيعتنا منه» (3).

[472] 18. الكافي: الخيراني، عن أبيه، قال: كنت واقفا بين يدي أبي الحسن (عليه السلام) بخراسان، فقال له قائل: يا سيدي، إن كان كون فإلى من؟ قال: «إلى أبي جعفر ابني» فكأنّ القائل استصغر سنّ أبي جعفر (عليه السلام) فقال أبو الحسن (عليه السلام): «إنّ اللّه تبارك و تعالى بعث عيسى بن مريم رسولا نبيا صاحب شريعة مبتدأة في أصغر من السنّ الذي فيه أبو جعفر (عليه السلام)» (4).

[473] 19. الكافي: إسماعيل بن مهران، قال: لما خرج أبو جعفر (عليه السلام) من المدينة إلى بغداد في الدفعة الأولى من خرجتيه قلت له عند خروجه: جعلت فداك، إني أخاف عليك في هذا الوجه، فإلى من الأمر بعدك؟ فكرّ بوجهه إلي ضاحكا و قال: «ليس الغيبة حيث ظننت في هذه السنة».

____________

(1). راجع: بحار الانوار، 78/ 302/ 8.

(2). الكافي 1: 320/ 5.

(3). الكافي 1: 321/ 9.

(4). الكافي 1: 322/ 13.

325

فلما أخرج به الثانية إلى المعتصم صرت إليه، فقلت له: جعلت فداك، أنت خارج، فإلى من هذا الأمر من بعدك؟ فبكى حتى اخضلّت لحيته، ثم التفت إلي فقال: «عند هذه يخاف عليّ، الأمر من بعدي إلى ابني عليّ» (1).

و في رواية: إنّه جاءه رسول أبي جعفر (عليه السلام) فقال له: إنّ مولاك يقرأ عليك السلام و يقول لك: «إني ماض، و الأمر صار إلى ابني عليّ، و له عليكم بعدي ما كان لي عليكم بعد أبي» (2).

[474] 20. الكافي: يحيى بن يسار القنبري، قال: أوصى أبو الحسن (عليه السلام) إلى ابنه الحسن (عليه السلام) قبل مضيّه بأربعة أشهر، و أشهدني على ذلك و جماعة من الموالي (3).

[475] 21. الكافي: علي بن عمر النوفلي، قال: كنت مع أبي الحسن (عليه السلام) في صحن داره، فمرّ بنا محمّد ابنه، فقلت له: جعلت فداك، هذا صاحبنا بعدك؟ فقال: «لا، صاحبكم بعدي الحسن» (4).

[476] 22. الكافي: علي بن جعفر، قال: كنت حاضرا أبا الحسن (عليه السلام) لمّا توفّي ابنه محمّد، فقال للحسن:

«يا بني، أحدث للّه شكرا، فقد أحدث فيك أمرا» (5).

* بيان

يعني جعلك اللّه إماما للناس بموت أخيك قبلك، بدا للّه فيك بعده، كما ورد في أخبار أخرى (6).

[477] 23. الكافي: أبو بكر الفهفكي، قال: كتب لي أبو الحسن (عليه السلام): «أبو محمّد ابني أفصح آل محمّد غريزة، و أوثقهم حجّة، و هو الأكبر من ولدي، و هو الخلف، و إليه ينتهي عرى الإمامة و أحكامها، فما كنت سائلي فسله عنه، فعنده ما يحتاج إليه» (7).

[478] 24. الكافي: أحمد بن محمّد بن عبد اللّه قال: خرج إلي عن أبي محمّد (عليه السلام) حين قتل الزبيري

____________

(1). الكافي 1: 323/ 1.

(2). الكافي 1: 324/ 2.

(3). الكافي 1: 325/ 1.

(4). الكافي 1: 75/ 325/ 2.

(5). الكافي 1: 326/ 4.

(6). راجع: الكافي 1/ 148 و 255 و 327 و 4/ 578 ب البداء ....

(7). الكافي 1: 327/ 11.

326

لعنه اللّه: «هذا جزاء من اجترى على اللّه تعالى في أوليائه، يزعم أنّه يقتلني و ليس لي عقب، فكيف رأى قدرة اللّه جلّ و عزّ فيه؟ و ولد له ولد سمّاه م ح م د في سنة ستّ و خمسين و مائتين» (1).

[479] 25. الكافي: عمرو الأهوازي قال: أراني أبو محمّد (عليه السلام) ابنه و قال: «هذا صاحبكم من بعدي» (2).

[480] 26. الكافي: ضوء بن علي العجلي، عن رجل من أهل فارس سمّاه، قال: أتيت سامراء، و لزمت باب أبي محمّد (عليه السلام)، فدعاني فدخلت عليه و سلّمت، فقال: «ما الذي أقدمك؟» قال: قلت: رغبة في خدمتك، قال: فقال لي: «فالزم الباب» قال: فكنت في الدار مع الخدم، ثم صرت أشتري لهم الحوائج من السوق، و كنت أدخل عليهم من غير إذن، إذا كان في الدار رجال، قال: فدخلت عليه يوما و هو في دار الرجال، فسمعت حركة في البيت فناداني: «مكانك لا تبرح»، فلم أجسر أن أدخل و لا أخرج، فخرجت علي جارية معها شيء مغطّى، ثم ناداني: «ادخل» فدخلت و نادى الجارية، فرجعت إليه، فقال لها: «اكشفي عمّا معك»، فكشفت عن غلام أبيض حسن اللون حسن الوجه، و كشف عن بطنه، فإذا شعر نابت من لبّته إلى سرّته أخضر ليس بأسود، فقال: «هذا صاحبكم» ثم أمرها فحملته، فما رأيته بعد ذلك حتى مضى أبو محمّد (عليه السلام) (3).

و في رواية: فقال ضوء بن عليّ: قلت للفارسي: كم كنت تقدّر له من السنين؟ قال: سنتين، قال العبدي: فقلت لضوء: كم تقدّر له أنت؟ قال: أربع عشرة سنة، قال أبو علي و أبو عبد اللّه: «و نحن نقدّر له إحدى و عشرين سنة (4)».

[المتن]

[481] 27. الكافي: حمدان القلانسي، قال: قلت للعمري: قد مضى أبو محمّد (عليه السلام)؟ فقال لي: قد مضى، و لكن قد خلّف فيكم من رقبته مثل هذه، و أشار بيده (5).

____________

(1). الكافي 1: 329/ 5.

(2). الكافي 1: 328/ 3.

(3). الكافي 1: 329/ 6.

(4). الوافي 2: 393/ ذيل 5.

(5). الكافي 1: 329/ 4.

327

* بيان

«رقبته» قدّه و قامته.

[المتن]

[482] 28. الكافي: أيوب بن نوح، قال: قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): إنّي أرجو أن تكون صاحب هذا الأمر، و أن يسوقه اللّه إليك بغير سيف، فقد بويع لك و ضربت الدراهم باسمك، فقال: «ما منّا أحد اختلفت إليه الكتب، و أشير إليه بالأصابع، و سئل عن المسائل، و حملت إليه الأموال، إلّا اغتيل أو مات على فراشه، حتى يبعث اللّه لهذا الأمر غلاما منّا خفيّ الولادة و المنشأ، غير خفي في نسبه» (1).

[483] 29. الكافي: و عن الجواد (عليه السلام): «انظروا من عمي على الناس ولادته، فداك صاحبكم» (2).

* بيان

روى الصدوق في (إكمال الدين و إتمام النعمة) بإسناده عن معاوية بن حكيم و محمّد بن أيوب بن نوح و محمّد بن عثمان العمري، قالوا: عرض علينا أبو محمّد الحسن بن علي (عليه السلام) ابنه (عليه السلام) و نحن في منزله و كنّا أربعين رجلا، فقال: «هذا إمامكم من بعدي، و خليفتي عليكم، أطيعوه و لا تتفرّقوا بعدي فتهلكوا في أديانكم، أما إنّكم لا ترونه بعد يومكم هذا» قالوا: فخرجنا من عنده فما مضت إلّا أيام قلائل حتى مضى أبو محمّد (عليه السلام) (3).

و بإسناده عن يعقوب بن منقوش، قال: دخلت على أبي محمّد الحسن بن علي (عليه السلام) و هو جالس على دكّان في الدار، و عن يمينه بيت، و عليه ستر مسبل، فقلت له: يا سيدي، من صاحب هذا الأمر؟ فقال: «ارفع الستر» فرفعته، فخرج إلينا غلام خماسي له عشر أو ثمان أو نحو ذلك، واضح الجبين، أبيض الوجه، درّي المقلتين، شثن الكفّين، معطوف الركبتين، في خدّه الأيمن خال، و في رأسه ذؤابة، فجلس على فخذ أبي محمّد (عليه السلام)، ثم قال لي: «هذا هو صاحبكم»، ثم وثب فقال له:

«يا بني، ادخل إلى الوقت المعلوم» فدخل البيت و أنا أنظر إليه، ثم قال لي: «يا يعقوب انظر من في البيت» فدخلت فما رأيت أحدا (4).

____________

(1). الكافي 1: 341/ 25.

(2). 2 الكافي 1: 342/ 26.

(3). اكمال الدين 2: 435/ 43.

(4). اكمال الدين 2: 436/ 2.

328

و بإسناده عن أحمد بن إسحاق بن سعد الأشعري قال: دخلت إلى أبي محمّد الحسن بن علي (عليه السلام) و أنا أريد أن أسأله عن الخلف من بعده، فقال لي مبتدئا: «يا أحمد بن إسحاق، إنّ اللّه تبارك و تعالى لم يخل الأرض منذ خلق آدم (عليه السلام) و لا يخليها إلى أن تقوم الساعة من حجّة اللّه على خلقه، به يدفع البلاء عن أهل الأرض، و به ينزل الغيث، و به يخرج بركات الأرض».

قال فقلت له: يا ابن رسول اللّه، فمن الإمام و الخليفة بعدك؟ فنهض (عليه السلام) مسرعا فدخل البيت، ثم خرج و على عاتقه غلام كأنّ وجهه القمر ليلة البدر من أبناء ثلاث سنين فقال: «يا أحمد بن إسحاق، لو لا كرامتك على اللّه و على حججه ما عرضت عليك ابني هذا، إنّه سمي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و كنيّه الذي يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما. يا أحمد بن إسحاق، مثله في هذه الأمّة مثل الخضر (عليه السلام)، و مثله مثل ذي القرنين، و اللّه ليغيبنّ غيبة لا ينجو من الهلكة فيها إلّا من ثبّته اللّه عزّ و جلّ على القول بإمامته و وفّقه للدعاء بتعجيل فرجه».

قال أحمد بن إسحاق: فقلت له: يا مولاي، فهل من علامة يطمئن إليها قلبي؟

فنطق الغلام (عليه السلام) بلسان عربي فصيح فقال: «أنا بقية اللّه في أرضه، و المنتقم من أعدائه، و لا تطلب أثرا بعد عين يا أحمد بن إسحاق».

قال أحمد بن إسحاق: فخرجت مسرورا فرحا، فلمّا كان من الغد عدت إليه فقلت: يا ابن رسول اللّه، لقد عظم سروري بما مننت عليّ، فما السنّة الجارية فيه من الخضر و ذي القرنين؟ قال: «طول الغيبة يا أحمد».

قلت: يا ابن رسول اللّه، فإنّ غيبته لتطول؟ قال: «أي و ربي حتى يرجع عن هذا الأمر أكثر القائلين به، فلا يبقى إلّا من أخذ اللّه عزّ و جلّ عهده لولايتنا، و كتب في قلبه الإيمان، و أيّده بروح منه. يا أحمد بن إسحاق، هذا أمر من أمر اللّه، و سرّ من سرّ اللّه، و غيب من غيب اللّه، فخذ ما آتيتك و اكتمه، و كن من الشاكرين، تكن معنا غدا في علّيين» (1).

و بإسناده عن أبي علي بن همام قال: سمعت محمّد بن عثمان العمري (رحمه اللّه) قال:

سمعت أبي يقول: سئل أبو محمّد الحسن بن علي (عليهما السلام) و أنا عنده عن الخبر الذي روي عن آبائه (عليهم السلام): «إنّ الأرض لا تخلو من حجة للّه على خلقه إلى يوم القيامة، و إنّ من مات و لم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية». فقال (عليه السلام): «إنّ هذا حقّ كما أنّ النهار حقّ» (2).

____________

(1). اكمال الدين 2: 436/ 5.

(2). اكمال الدين 2: 409/ ب ذكر ما روى عن أبى محمد ....

329

فقيل له: يا ابن رسول اللّه، فمن الحجّة و الإمام بعدك؟ فقال: «ابني م ح م د، و هو الإمام و الحجّة بعدي، من مات و لم يعرفه مات ميتة جاهلية، أما إنّ له غيبة يحار فيها الجاهلون، و يهلك فيها المبطلون، و يكذّب فيها الوقّاتون، ثم يخرج فكأني أنظر إلى الأعلام البيض تخفق فوق رأسه بنجف الكوفة» (1).

باب غيبة صاحبنا (عليه السلام) و من رآه فيها

[المتن]

[484] 1. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «إنّ لصاحب هذا الأمر غيبة المتمسّك فيها بدينه كالخارط للقتاد» ثم قال هكذا بيده: «فأيّكم يمسك بشوك القتاد بيده؟!». ثم أطرق مليّا، ثم قال: «إن لصاحب هذا الأمر غيبة، فليتّق اللّه عبد، و ليتمسك بدينه» (2).

[485] 2. الكافي: عنه (عليه السلام): «إنّ للغلام غيبة قبل أن يقوم» قيل: و لم؟ قال: «يخاف» و أومى بيده إلى بطنه (3).

و في رواية: يعني القتل، ثم قال: «و هو المنتظر، و هو الذي يشكّ في ولادته، منهم من يقول: مات أبوه بلا خلف، و منهم من يقول: حمل، و منهم من يقول: إنه ولد قبل موت أبيه بسنتين، و هو المنتظر، غير أنّ اللّه تعالى يحبّ أن يمتحن الشيعة، فعند ذلك يرتاب المبطلون» (4).

[486] 3. الكافي: عنه (عليه السلام): «إن بلغكم عن صاحب هذا الأمر غيبة فلا تنكروها» (5).

[487] 4. الكافي: عنه (عليه السلام): «إنّ في صاحب هذا الأمر شبها من يوسف (عليه السلام)»، قيل له: كأنّك تذكر حياته أو غيبته؟ قال: «و ما ينكر من ذلك؟ هذه الأمّة أشباه الخنازير، إنّ إخوة يوسف كانوا

____________

(1). اكمال الدين 2: 409.

(2). الكافي 1: 335/ 1.

(3). الكافي 1: 337/ 5.

(4). الكافي 1: 337/ 5.

(5). الكافي 1: 338/ 10 و 15.

330

أسباطا أولاد الأنبياء تاجروا يوسف و بايعوه و خاطبوه و هم إخوته و هو أخوهم، فلم يعرفوه حتى قال: أنا يوسف و هذا أخي، فما تنكر هذه الأمة الملعونة أن يفعل اللّه عزّ و جلّ بحجّته في وقت من الأوقات كما فعل بيوسف؟ إنّ يوسف (عليه السلام) كان إليه ملك مصر و كان بينه و بين والده مسيرة ثمانية عشر يوما، فلو أراد أن يعلمه لقدر على ذلك، لقد سار يعقوب و ولده عند البشارة تسعة أيام من بدوهم إلى مصر، فما تنكر هذه الأمة أن يفعل اللّه بحجّته كما فعل بيوسف؟ أن يمشي في أسواقهم و يطأ بسطهم حتى يأذن اللّه في ذلك كما أذن ليوسف، فقالوا: أ إنك لأنت يوسف؟ قال: أنا يوسف» (1).

* بيان

روى الصدوق (رحمه اللّه) في «اكمال الدين» باسناده عن على بن الحسين (عليه السلام) قال: «في القائم منّا سنن من الأنبياء: سنّة من نوح، و سنّة من إبراهيم، و سنّة من موسى، و سنّة من عيسى، و سنّة من أيّوب، و سنّة من محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فأمّا من نوح فطول العمر، و أمّا من إبراهيم فخفاء الولادة و اعتزال الناس، و أمّا من موسى فالخوف و الغيبة، و أمّا من عيسى فاختلاف الناس فيه، و أمّا من أيّوب فالفرج بعد البلوى، و أمّا من محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فالخروج بالسيف» (2).

و في رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «و سنّة من يوسف» قال: «و أمّا سنّته من يوسف فالستر، يجعل اللّه بينه و بين الخلق حجابا يرونه و لا يعرفونه، و أمّا سنته من محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فيهتدي بهداه و يسير بسيرته» (3).

و بإسناده عن عبد اللّه بن الفضل الهاشمي، قال: سمعت الصادق جعفر بن محمّد (عليه السلام) يقول: «إنّ لصاحب هذا الأمر غيبة لا بدّ منها يرتاب فيها كلّ مبطل».

فقلت له: و لم جعلت فداك؟ قال: «لأمر لم يؤذن لنا في كشفه لكم».

قلت: فما وجه الحكمة في غيبته؟ قال: «وجه الحكمة في غيبات من تقدّمه من حجج اللّه تعالى ذكره، إنّ وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف إلّا بعد ظهوره، كما لم ينكشف وجه الحكمة فيما أتاه الخضر من خرق السفينة و قتل الغلام و إقامة الجدار

____________

(1). الكافي 1: 336/ 4.

(2). إكمال الدين 1: 321/ 3.

(3). إكمال الدين 2: 350/ 46.

331

لموسى (عليه السلام) إلّا وقت افتراقهما. يا ابن الفضل، إنّ هذا الأمر أمر من أمر اللّه، و سرّ من سرّ اللّه، و غيب من غيب اللّه، و متى علمنا أنّه عزّ و جلّ حكيم صدّقنا بأن أفعاله كلّها حكمة، و إن كان وجهها غير منكشف لنا» (1).

و بإسناده عن إبراهيم الكرخي قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام)- أو قال له رجل-:

أصلحك اللّه، أ لم يكن علي (عليه السلام) قويا في دين اللّه؟ قال: «بلى» قال: «و كيف ظهر عليه القوم؟ و كيف لم يدفعهم؟ و ما منعه من ذلك؟ قال: آية في كتاب اللّه عزّ و جلّ منعته»، قال:

قلت: و أيّة آية هي؟ قال: «قوله عزّ و جلّ: لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذٰاباً أَلِيماً (2) و إنه كان للّه ودائع مؤمنون في أصلاب قوم كافرين و منافقين، و لم يكن علي (عليه السلام) ليقتل الاباء حتى يخرج الودائع، فلمّا خرجت الودائع ظهر على من ظهر فقاتله، و كذلك قائمنا أهل البيت لن تظهر أبدا حتى يظهر ودائع اللّه عزّ و جلّ، فإذا ظهرت ظهر (صلوات اللّه عليه) على من ظهر فيقتلهم» (3).

و بإسناده عن إسحاق بن يعقوب في التوقيع الذي ورد إليه عن مولانا صاحب الزمان (عليه السلام): «و أمّا علة ما وقع من الغيبة، فانّ اللّه عزّ و جلّ يقول: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْيٰاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ (4) إنّه لم يكن أحد من آبائي (صلوات اللّه عليهم) إلّا و قد وقعت في عنقه بيعة لطاغية زمانه، و إنّي أخرج حين أخرج و لا بيعة لأحد من الطواغيت في عنقي، و أمّا وجه الانتفاع بي في غيبتي فكالانتفاع بالشمس إذا غيّبتها عن الأبصار السحاب، و إنّي لأمان لأهل الأرض كما أنّ النجوم أمان لأهل السماء، فأغلقوا باب السؤال عمّا لا يعنيكم، و لا تتكلّفوا علم ما قد كفيتم، و أكثروا الدعاء بتعجيل الفرج، فإنّ ذلك فرجكم، و السلام عليك يا إسحاق بن يعقوب و على من اتّبع الهدى» (5).

[المتن]

[488] 5. الكافي: عن الباقر (عليه السلام) في هذه الآية: فَلٰا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوٰارِ الْكُنَّسِ (6) قال: «الخنّس إمام يخنس في زمانه عند انقطاع من علمه عند الناس سنة ستين و مائتين، ثم يبدو كالشهاب الواقد في ظلمة الليل، فإن أدركت ذلك قرّت عينك» (7).

____________

(1). إكمال الدين 2: 481/ 11.

(2). الفتح (48): 25.

(3). كمال الدين 2: 642/ 54.

(4). المائدة (5): 101.

(5). كمال الدين 2: 483/ 4.

(6). التكوير 81: 15.

(7). الكافي 1: 341/ 23.

332

[489] 6. الكافي: عن الصادق (عليه السلام) في قول اللّه عزّ و جلّ: فَإِذٰا نُقِرَ فِي النّٰاقُورِ (1) قال: «إنّ منّا إماما مظفّرا مستترا، فإذا أراد اللّه عزّ ذكره إظهار أمره نكت في قلبه نكتة فظهر فقام بأمر اللّه تبارك و تعالى» (2).

[490] 7. الكافي: عنه (عليه السلام): «للقائم (عليه السلام) غيبتان: إحداهما قصيرة، و الأخرى طويلة، الغيبة الأولى لا يعلم بمكانه فيها إلّا خاصة شيعته، و الأخرى لا يعلم بمكانه فيها إلّا خاصة مواليه» (3).

* بيان

كأنّه يريد بالموالي الذين يخدمونه؛ لأن سائر الشيعة ليس لهم فيها إليه سبيل، و أمّا الغيبة الأولى فكان له (عليه السلام) فيها سفراء يخرج إلى شيعته بأيديهم توقيعات، و كان أوّلهم الشيخ أبو عمرو عثمان بن سعيد العمري (رحمه اللّه)، فلمّا مات عثمان أوصى إلى ابنه أبي جعفر محمّد بن عثمان، و أوصى أبو جعفر إلى أبي القاسم الحسين بن روح، و أوصى أبو القاسم إلى أبي الحسن علي بن محمّد السّمري رضي اللّه عنهم، فلمّا حضرت السّمري الوفاة سئل أن يوصي، فقال: «للّه أمر هو بالغه» فالغيبة الكبرى هي التي وقعت بعد مضي السّمري (رحمه اللّه).

[المتن]

[491] 8. الكافي: عنه (عليه السلام): «يفقد الناس إمامهم، يشهد الموسم فيراهم و لا يرونه» (4).

[492] 9. الكافي: بعض أهل المدائن، قال: كنت حاجّا مع رفيق لي، فوافينا الموقف، فإذا شابّ قاعد، عليه إزار و رداء، و في رجليه نعل صفراء، قوّمت الإزار و الرداء بمائة و خمسين دينارا، و ليس عليه أثر السفر، فدنا منّا سائل فرددناه، فدنا من الشاب فسأله، فحمل شيئا من الأرض و ناوله، فدعا له السائل و اجتهد في الدعاء و أطال، فقام الشاب و غاب عنّا، فدنونا من السائل فقلنا له: ويحك ما أعطاك؟ فأرانا حصاة ذهب مضرّسة قدّرناها عشرين مثقالا، فقلت لصاحبي: مولانا عندنا و نحن لا ندري! ثم ذهبنا في طلبه، فدرنا الموقف كلّه فلم نقدر عليه، فسألنا من كان حوله من أهل مكة و المدينة فقالوا: شابّ علويّ

____________

(1). المدثر (74): 8.

(2). الكافي 1: 343/ باب في الغيبة.

(3). الكافي 1: 340/ 19.

(4). الكافي 1: 337/ 6.

333

يحجّ في كلّ سنة ماشيا (1).

* بيان

قد رآه (عليه السلام) غير واحد من الناس، و شاهدوا منه المعجزات و الكرامات، و لهم قصص و حكايات في ذلك، و قد ذكر محمّد بن أبي عبد اللّه الكوفي عدد من انتهى إليه و وقف على معجزاته، و قد أورد الصدوق (رحمه اللّه) أسماءهم في كتاب «إكمال الدين و إتمام النعمة» مع نبذ من توقيعاته و حكاياته. و قد ذكر الشيخ أحمد بن أبي طالب (رحمه اللّه) أيضا بعض توقيعاته في كتاب «الاحتجاج» و كذا الشيخ أبو جعفر الطوسي في كتاب «الغيبة».

و في الحديث المتّفق بين أهل الإسلام قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لم ينقض الأيام و الليالي حتى يبعث اللّه رجلا من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي يملأها عدلا و قسطا كما ملئت ظلما و جورا» (2)، و قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لو لم يبق من الدنيا إلّا يوم واحد لطوّل اللّه ذلك اليوم حتى يبعث اللّه فيه رجلا من ولدي يواطئ اسمه اسمي يملأها عدلا و قسطا كما ملئت ظلما و جورا» (3).

و يأتي تمام الكلام في غيبته (عليه السلام) في كتاب الابتلاء و التمحيص إن شاء اللّه تعالى.

باب علامات ظهوره (عليه السلام)

[المتن]

[493] 1. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «خمس علامات قبل قيام القائم: الصيحة، و السفياني، و الخسف، و قتل النفس الزكية، و اليماني» (4).

* بيان

«الصيحة» هي التي تأتي من السماء بأنّ الحقّ فيه و في شيعته، و هي صيحتان كما يأتي «و السفياني» رجل من آل أبي سفيان يخرج بالشام يملك ثمانية أشهر

____________

(1). الكافي 1: 332/ 15.

(2). الارشاد 2: 340/ باب ذكر الامام القائم.

(3). الافصاح: 102.

(4). الكافي 8: 310/ 483.

334

«و الخسف» هو ذهاب جيش السفياني إلى باطن الأرض بالبيداء، و هو موضع فيما بين مكّة و المدينة، و في بعض الروايات: «خسف بالبيداء، و خسف بالمشرق، و خسف بالمغرب (1)» «و النفس الزكية» غلام من آل محمّد يقتل بين الركن و المقام اسمه محمّد بن الحسن، و زاد في بعض الأخبار «قتل نفس زكية أخرى بظهر الكوفة في سبعين من الصالحين (2)» و في رواية زرارة: «إنّه لا بدّ من قتل غلام بالمدينة (3)» «و اليماني» رجل يخرج من اليمن يدعو إلى المهدي (عليه السلام).

[المتن]

[494] 2. الكافي: عنه (عليه السلام) قيل له، متى فرج شيعتكم؟ قال: «إذا اختلف ولد العباس و وهى سلطانهم و طمع فيهم من لم يكن يطمع فيهم، و خلعت العرب أعنّتها، و رفع كلّ ذي صيصية صيصية، و ظهر الشامي، و أقبل اليماني، و تحرّك الحسني، خرج صاحب هذا الأمر من المدينة إلى مكة بتراث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)».

فقيل: ما تراث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)؟ قال: «سيف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و درعه و عمامته و برده و قضيبه و رايته و لأمته و سرجه حتى ينزل مكة، فيخرج السيف من غمده، و يلبس الدرع، و ينشر الراية و البردة و العمامة، و يتناول القضيب بيده، و يستأذن اللّه في ظهوره، فيطّلع على ذلك بعض مواليه، فيأتي الحسني فيخبره الخبر، فيبتدر الحسني إلى الخروج، فيثب عليه أهل مكّة فيقتلونه، و يبعثون برأسه إلى الشامي، فيظهر عند ذلك صاحب هذا الأمر، فيبايعه الناس و يتبعونه، و يبعث الشامي عند ذلك جيشا إلى المدينة فيهلكهم اللّه دونها، فيهرب يومئذ من كان بالمدينة من ولد علي (عليه السلام) إلى مكّة، فيلحقون بصاحب هذا الأمر، و يقبل صاحب هذا الأمر نحو العراق و يبعث جيشا إلى المدينة فيأمر أهلها و يرجعون إليها» (4).

* بيان

«خلعت العرب أعنّتها» أي تصير مخلوعة العنان تفعل ما تشاء، «و الشامي» هو السفياني.

____________

(1). ارشاد القلوب 1: 66/ 6.

(2). بحار الانوار 52: 219/ 25.

(3). الكافي 1: 337/ ب في الغيبة ....

(4). الكافي 8: 224/ 285.

335

[المتن]

[495] 3. الكافي: عنه (عليه السلام): «اختلاف بني العباس من المحتوم، و النداء من المحتوم، و خروج القائم من المحتوم».

قيل: و كيف النداء؟ قال: «ينادي مناد من السماء أول النهار: ألا إنّ عليا (عليه السلام) و شيعته هم الفائزون، قال: فينادي مناد آخر النهار: ألا إنّ عثمان و شيعته هم الفائزون» (1).

* بيان

«اختلاف بني العباس» أي فيما بينهم في الملك و الدولة، و هو من علامات ظهوره (عليه السلام) «من المحتوم» يعني ليس بموقوف للبداء، إذ ليس مما يلحقه البداء، و المنادي من السماء جبرئيل (عليه السلام)، و من الأرض إبليس الملعون، كما ورد في الأخبار و في كثير منها أنّ منادي السماء ينادي باسم القائم (عليه السلام)، و على هذا يحتمل أن يكون المراد بعثمان السفياني، فإنّ اسمه عثمان بن عنبسة.

[المتن]

[496] 4. الكافي: عن الباقر (عليه السلام): «آيتان تكونان قبل قيام القائم (عليه السلام) لم تكونا منذ هبط آدم (عليه السلام) إلى الأرض: تنكسف الشمس في النصف من شهر رمضان، و القمر في آخره».

فقال رجل: يا ابن رسول اللّه، تنكسف الشمس في آخر الشهر، و القمر في النصف؟ فقال (عليه السلام): «إنّي أعلم ما تقول، و لكنّهما آيتان لم تكونا منذ هبط آدم» (2).

باب دلائله (عليه السلام) إذا ظهر

[المتن]

[497] 1. الكافي: عن الباقر (عليه السلام) في قول اللّه تعالى: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرٰاتِ أَيْنَ مٰا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللّٰهُ جَمِيعاً (3) «الخيرات الولاية، و قوله تعالى: أَيْنَ مٰا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللّٰهُ جَمِيعاً يعني أصحاب القائم الثلاثمائة و البضعة عشر رجلا» قال: «و هم و اللّه الامّة المعدودة» قال:

«يجتمعون و اللّه في ساعة واحدة قزع كقزع الخريف» (4).

____________

(1). الكافي 8: 310/ 484.

(2). الكافي 8: 212/ 258.

(3). البقرة (2): 148.

(4). الكافي 8: 313/ 487.

336

* بيان

«القزع» قطع السحاب.

[المتن]

[498] 2. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «إنّ قائمنا إذا قام مدّ اللّه تعالى لشيعتنا في أسماعهم و أبصارهم حتى لا يكون بينهم و بين القائم بريد، يكلّمهم فيسمعون، و ينظرون إليه و هو في مكانه» (1).

و في رواية: «لو قد كان ذلك اعطي الرجل منكم قوة أربعين رجلا، و جعلت قلوبكم كزبر الحديد، لو قذف بها الجبال لقلعتها، و كنتم قوام الأرض و خزّانها» (2).

[499] 3. الكافي: عن الباقر (عليه السلام): «إذا قام قائمنا وضع اللّه يده على رءوس العباد، فجمع بها عقولهم، و كملت به أحلامهم» (3).

[500] 4. الكافي: عنه (عليه السلام): «إذا قام القائم عرض الإيمان على كلّ ناصب، فان دخل فيه بحقيقته و إلّا ضرب عنقه، أو يؤدّي الجزية كما يؤدّيها اليوم أهل الذمة، و يشدّ على وسطه الهميان، و يخرجهم من الأمصار إلى السواد» (4).

[501] 5. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «إذا تمنّى أحدكم القائم فليتمنّه في عافية، فإنّ اللّه بعث محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) رحمة، و يبعث القائم نقمة» (5).

باب سيرتهم (عليهم السلام) إذا ظهر أمرهم

[المتن]

[502] 1. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «لا تذهب الدنيا حتى يخرج رجل منّي يحكم بحكومة آل داود، و لا يسأل بيّنة، يعطي كلّ نفس حقّها» (6).

____________

(1). الكافي 8: 241/ 339.

(2). الكافي 8: 294/ 449.

(3). الكافي 1: 25/ 21.

(4). الكافي 8: 227/ 288.

(5). الكافي 8: 233/ 306.

(6). الكافي 1: 398/ 2.

337

[503] 2. الكافي: عنه (عليه السلام) قيل له: بما تحكمون إذا حكمتم؟ قال: «بحكم اللّه و حكم داود، فإذا ورد علينا الشيء الذي ليس عندنا تلقّانا به روح القدس» (1).

* بيان

«إذا حكمتم» أي إذا صار الحكم إليكم.

[المتن]

[504] 3. الكافي: عن الباقر (عليه السلام) سئل: ما حقّ الإمام على الناس؟ قال: «حقّه عليهم أن يسمعوا له و يطيعوه».

قيل: فما حقّهم عليه؟ قال: «يقسّم بينهم بالسوية، و يعدل في الرعية» (2).

* بيان

القسمة بالسوية أن يعطي الشريف و الوضيع سواء على عدد الرءوس، و هذه كانت سنّة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و قد غيّرها بعده من غيّرها معلّلا بأنه كيف يسوّى الشريف بالوضيع، فلمّا ولي أمير المؤمنين (عليه السلام) الناس جدّد سنّة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و قام فيها على سيرته (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فشنّعوا عليه، فاعتذر بأن الشرف إنّما هو بحسب الدين و التقوى، و يعطى الشريف بحسبهما أجره في الآخرة، و هو و الوضيع بحسب الدنيا في الحاجة سواء.

[المتن]

[505] 4. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «نعيت إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) نفسه و هو صحيح ليس به وجع قال: نزل به الروح الأمين فنادى (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): الصلاة جامعة، و أمر المهاجرين و الأنصار بالسلاح، و اجتمع الناس، فصعد النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) المنبر، فنعى إليهم نفسه، ثم قال: أذكّر اللّه الوالي من بعدي على أمّتي. ألا ترحم على جماعة المسلمين، فأجلّ كبيرهم، و رحم ضعيفهم، و وقّر عالمهم، و لم يضرّ بهم فيذلّهم، و لم يفقرهم فيكفرهم، و لم يغلق بابه دونهم فيأكل قويّهم ضعيفهم، و لم يخبزهم في بعوثهم فيقطع نسل أمّتي، ثم قال:

بلّغت و نصحت فاشهدوا».

قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «هذا آخر كلام تكلّم به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) على منبره» (3).

____________

(1). الكافي 1: 398/ 3.

(2). الكافي 1: 405/ 1.

(3). الكافي 1: 406/ 4.

338

* بيان

«و لم يفقرهم» لم يجعلهم فقراء، و في بعض النسخ «و لم يفرّقهم» أي لم يصر سبب تفرّقهم و اختلاف كلمتهم «و لم يغلق بابه دونهم» كناية عن ترك الاهتمام بأمورهم و عدم المبالاة بقضاء حوائجهم «و لم يخبزهم في بعوثهم» بالخاء المعجمة و الباء الموحدة و الزاي: أي لم يسقهم سوقا شديدا، و لم يجمعهم كلّهم في بعثهم إلى جهاد الأعداء، و في بعض النسخ بالجيم و الراء من الإجبار.

[المتن]

[506] 5. الكافي: عنه (عليه السلام): «أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: أنا أولى بكلّ مؤمن من نفسه، و علي أولى به من بعدي».

فقيل له: ما معنى ذلك؟ فقال: «قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): من ترك دينا أو ضياعا فعليّ، و من ترك مالا فلورثته، فالرجل ليست له على نفسه ولاية إذا لم يكن له مال، و ليس له على عياله أمر و لا نهي إذا لم يجر عليهم النفقة، و النبي و أمير المؤمنين و من بعدهما ألزمهم هذا، فمن هناك صاروا أولى بهم من أنفسهم، و ما كان سبب إسلام عامّة اليهود إلّا من بعد هذا القول من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و إنّهم آمنوا على أنفسهم و على عيالاتهم» (1).

* بيان

«الضياع» بالفتح: العيال، و إنما لم يكن لعديم المال على نفسه ولاية لعدم إنفاقه على نفسه، و إنّما الولاية لولي النعمة.

[المتن]

[507] 6. الكافي: عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «أيّما مؤمن أو مسلم مات و ترك دينا لم يكن في فساد و لا إسراف، فعلى الإمام أن يقضيه، فإن لم يقضه فعليه إثم ذلك، إنّ اللّه تعالى يقول:

إِنَّمَا الصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ وَ الْمَسٰاكِينِ (2) فهو من الغارمين، و له سهم عند الإمام، فإن حبسه فإثمه عليه» (3).

[508] 7. الكافي- عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «إنّ اللّه جعلني إماما لخلقه، ففرض علي التقدير في

____________

(1). الكافي 1: 406/ 6.

(2). التوبة (9): 60.

(3). الكافي 1: 407/ 7.

339

نفسي و مطعمي و مشربي و ملبسي كضعفاء الناس، كي يقتدي الفقير بفقري، و لا يطغي الغني غناه» (1).

* بيان

«التقدير» التضييق، أراد (عليه السلام) أنّ الفقير إذا رأى إمامه قد رضي بالدون من المعيشة رضي بفقره و اقتدى به، و كذلك الغني إذا رآه فقيرا لم يطغه غناه، و علم أنّه لو كان في الغنى خير لكان الإمام أولى به.

[المتن]

[509] 8. الكافي: معلّى بن خنيس قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) يوما: جعلت فداك، ذكرت آل فلان و ما هم فيه من النعيم؟ فقلت: لو كان هذا إليكم لعشنا معكم، فقال: «هيهات هيهات يا معلّى، أما و اللّه أن لو كان ذلك ما كان إلّا سياسة الليل، و سياحة النهار، و لبس الخشن، و أكل الجشب، فزوي ذلك عنّا، فهل رأيت ظلامة قطّ صيّرها اللّه نعمة إلّا هذه!» (2)

* بيان

«فلان» كناية عن العباس، و هذا إشارة إلى أمر الخلافة و الإمامة «سياسة اللّيل» رياضة النفس فيه بالاهتمام لأمور الأنام و تدبير معاشهم و معادهم، مضافا إلى العبادات البدنية للّه «و سياحة النهار» رياضتها فيه بالدعوة و الجهاد و السعي في قضاء حوائج الناس ابتغاء مرضاة اللّه «و الجشب» الغليظ، أو بلا أدم «فزوى» فصرف «فهل رأيت» تعجب منه (عليه السلام) في صيرورة الظلم عليهم نعمة لهم، و حصر لمثله فيه لهم.

آخر كتاب النبوة و الإمامة و الحمد للّه أولا و آخرا.

____________

(1). الكافي 1: 410/ 1.

(2). الكافي 1: 410/ 2.

340

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

341

كتاب الابتلاء و التمحيص

342

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

343

باب ابتلاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بأصحابه

[المتن]

[510] 1. الكافي: عن أحدهما (عليهما السلام): «أصبح رسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يوما كئيبا حزينا فقال له علي (عليه السلام): ما لي أراك يا رسول اللّه كئيبا حزينا؟ فقال: و كيف لا أكون كذلك و قد اريت في ليلتي هذه أنّ بني تيم و بني عديّ و بني أميّة يصعدون منبري هذا، يردّون الناس عن الإسلام القهقرى، فقلت: يا ربّ في حياتي أو بعد موتي؟ فقال: بعد موتك» (1).

* بيان

هذا الخبر ممّا روته العامّة أيضا، إلّا أنهم حذفوا منه لفظتي بني تيم و بني عديّ، و تيم جدّ الأول، و عدي جدّ الثاني، و إنّما أري (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ردّ الناس عن الإسلام القهقرى؛ لأن الناس كانوا يظهرون الإسلام و كانوا يصلّون إلى القبلة، و مع هذا كانوا يخرجون من الإسلام شيئا فشيئا، كالذي يرتدّ عن الصراط السويّ القهقري، و يكون وجهه إلى الحق حتى إذا بلغ غاية سعيه، رأى نفسه في الجحيم.

[المتن]

[511] 2. الكافي: عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لو لا أني أكره أن يقال أنّ محمّدا استعان بقوم حتى إذا ظفر بعدوّه قتلهم، لضربت أعناق قوم كثير» (2).

[512] 3. الكافي: عنهما (عليهما السلام): «إنّ الناس لمّا كذّبوا برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) همّ اللّه بهلاك أهل الأرض إلّا عليّا (عليه السلام) فما سواه بقوله: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمٰا أَنْتَ بِمَلُومٍ ثم بدا له فرحم المؤمنين، ثم قال لنبيّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرىٰ تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ» (3).

____________

(1). الكافي 8: 345/ 543.

(2). الكافي 8: 345/ 544.

(3). الكافي 8: 103/ 78؛ و الآية من سورة الذاريات (51): 55.

344

* بيان

تكذيبهم به إشارة إلى قولهم: إنّه ينطق عن الهوى في نصبه ابن عمّه، و كأنّ المراد بما سواه: سائر أهل البيت (عليهم السلام).

[المتن]

[513] 4. الكافي- عن الباقر (عليه السلام): «كنت دخلت مع أبي الكعبة، فصلّى على الرخامة الحمراء بين العمودين، فقال: في هذا الموضع تعاقد القوم: إن مات رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أو قتل أن لا يردّوا هذا الأمر في أحد من أهل بيته أبدا».

قيل: و من كان؟ قال: «الأول و الثاني و أبو عبيدة بن الجراح و سالم بن الحبيبة» (1).

[514] 5. الكافي: الفقيه، التهذيب- حسّان الجمّال، قال: حملت أبا عبد اللّه (عليه السلام) من المدينة إلى مكة، فلمّا انتهينا إلى مسجد الغدير نظر إلى ميسرة المسجد، فقال: «ذاك موضع قدم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حيث قال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه و عاد من عاداه».

ثم نظر إلى الجانب الاخر، فقال: «ذاك موضع فسطاط أبي فلان، و فلان، و سالم مولى أبي حذيفة، و أبي عبيدة بن الجراح، فلمّا أن رأوه رافعا يديه، قال بعضهم: انظروا إلى عينيه تدوران كأنّهما عينا مجنون، فنزل جبرئيل (عليه السلام) بهذه الآية: وَ إِنْ يَكٰادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصٰارِهِمْ لَمّٰا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَ يَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ وَ مٰا هُوَ إِلّٰا ذِكْرٌ لِلْعٰالَمِينَ» (2).

[515] 6. الكافي- عن الباقر (عليه السلام): «إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أقبل يقول لأبي بكر في الغار: اسكن فانّ اللّه معنا، و قد أخذته الرّعدة و هو لا يسكن، فلما رأى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حاله، قال له:

تريد أن اريك أصحابي من الأنصار في مجالسهم يتحدّثون، و أريك جعفرا و أصحابه في البحر يغوصون؟ قال: نعم، فمسح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بيده على وجهه، فنظر إلى الأنصار يتحدّثون، و نظر إلى جعفر و أصحابه في البحر يغوصون، فأضمر تلك الساعة أنّه ساحر» (3).

[516] 7. الكافي- عن الصادق (عليه السلام): «لمّا نفّروا برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ناقته، قالت له الناقة: و اللّه لا

____________

(1). الكافي 4: 545/ 28.

(2). الكافي 4: 566/ 2؛ الفقيه 2: 559/ 3144؛ التهذيب 3: 263/ 746؛ و الآية من سورة القمر (54): 50 و القلم؟؟؟

(3). الكافي 8: 262/ 377.

345

أزلت خفّا عن خفّ و لو قطّعت إربا إربا» (1).

* بيان

هذا النفر كان بعقبة هرشي، و القصة مشهورة رواها العامة و الخاصة جميعا، إلّا أنّ العامّة كتموا ذكر المنفّرين بأسمائهم، و إنّما اقتصروا على ذكر عددهم.

باب ابتلاء أمير المؤمنين (عليه السلام) بالصحابة

[المتن]

[517] 1. الكافي: عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبة الوسيلة التي خطبها بعد سبعة أيام من وفاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حين فرغ من جمع القرآن و تأليفه، قال بعد حمد اللّه و الثناء على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و المواعظ البليغة، و ذكر الوسيلة الموعودة، و وجوب طاعة النبي و محبّة الوصيّ: «فإنّ اللّه امتحن بي عباده، و قتل بيدي أضداده، و أفنى بسيفي جحّاده، و جعلني زلفة للمؤمنين و حيّاض موت على الجبّارين، و سيفه على المجرمين، و شدّ بي أزر رسوله، و أكرمني بنصره، و شرّفني بعلمه، و حباني بأحكامه، و اختصّني بوصيّته، و اصطفاني بخلافته في أمته، فقال و قد حشده المهاجرون و الأنصار و انغصّت به المحافل: أيها الناس، إنّ عليّا منّي كهارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي، فعقل المؤمنون عن اللّه نطق الرّسول إذ عرفوني أنّي لست بأخيه لأبيه و أمّه كما كان هارون أخا موسى لأبيه و أمّه، و لا كنت نبيّا فأقتضي نبوّة، و لكن كان ذلك منه استخلافا لي كما استخلف موسى هارون حيث يقول:

اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَ أَصْلِحْ وَ لٰا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (2).

و قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حين تكلّمت طائفة و قالت: نحن موالي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فخرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إلى حجّة الوداع، ثم صار إلى غدير خم، فأمر فاصلح له شبه المنبر، ثم علاه و أخذ بعضدي حتى رؤي بياض إبطيه رافعا صوته قائلا في محفله: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه و عاد من عاداه، و كانت على ولايتي ولاية اللّه، و على

____________

(1). الكافي 8: 165/ 178.

(2). الأعراف (7): 142.

346

عداوتي عداوة اللّه، و أنزل اللّه تعالى في ذلك: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلٰامَ دِيناً (1) فكانت ولايتي كمال الدين و رضا الرب تعالى.

و أنزل اللّه تعالى اختصاصا لي و تكريما نحلنيه، و إعظاما و تفضيلا من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) منحنيه، و هو قوله تعالى: ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللّٰهِ مَوْلٰاهُمُ الْحَقِّ أَلٰا لَهُ الْحُكْمُ وَ هُوَ أَسْرَعُ الْحٰاسِبِينَ (2) في مناقب لو ذكرتها لعظم بها الارتفاع، و طال لها الاستماع.

و لئن تقمصها دوني الأشقيان و نازعاني فيما ليس لهما بحقّ، و ركباها ضلالة، و اعتقداها جهالة، فلبئس ما عليه وردا، و لبئس ما لأنفسهما مهّدا، يتلاعنان في دورهما، و يتبرّأ كلّ واحد منهما من صاحبه، يقول لقرينه إذا التقيا: يا ليت بيني و بينك بعد المشرقين فبئس القرين. فيجيبه الأشقى على وثوبه: يا ليتني لم أتخذك خليلا لقد أضللتني عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جٰاءَنِي وَ كٰانَ الشَّيْطٰانُ لِلْإِنْسٰانِ خَذُولًا. فأنا الذكر الذي عنه ضلّ، و السبيل الذي عنه مال، و الإيمان الذي به كفر، و القرآن الذي إيّاه هجر، و الدّين الذي به كذّب، و الصّراط الذي عنه نكب، و لئن رتعا في الحطام المنصرم و الغرور المنقطع، و كانا منه على شفا حفرة من النار، لهما على شرّ ورود، في أخيب وفود، و ألعن مورود، يتصارخان باللعنة، و يتناعقان بالحسرة، ما لهما من راحة، و لا عن عذابهما من مندوحة.

إنّ القوم لم يزالوا عبّاد أصنام و سدنة أوثان، يقيمون لها المناسك، و ينصبون لها العتائر، و يتّخذون لها القربان، و يجعلون لها البحيرة و السائبة و الوصيلة و الحام، و يستقسمون بالأزلام عامهين عن اللّه عزّ ذكره، حائرين عن الرشاد، مهطعين إلى البعاد، قد استحوذ عليهم الشيطان، و غمرتهم سوداء الجاهلية، و رضعوا جهالة، و انفطموا ضلالة، فأخرجنا اللّه إليهم رحمة، و أطلعنا عليهم رأفة، و أسفر بنا عن الحجب نورا لمن اقتبسه، و فضلا لمن اتّبعه، و تأييدا لمن صدّقه، فتبوّءوا العزّ بعد الذلّة، و الكثرة بعد القلّة، و هابتهم القلوب و الأبصار، و أذعنت لهم الجبابرة و طواغيتها، و صاروا أهل نعمة مذكورة، و كرامة منشورة، و أمن بعد خوف، و جمع بعد حوب،

____________

(1). المائدة (5): 3.

(2). الأنعام (6): 62.

347

و أضاءت بنا مفاخر معدّ بن عدنان، و أولجناهم باب الهدى، و أدخلناهم دار السلام، و أشملناهم ثوب الإيمان، و فلجوا بنا في العالمين.

و أثبت لهم أيام الرّسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) آثار الصالحين من حام مجاهد، و مصلّ قانت و معتكف زاهد، يظهرون الأمانة و يأتون المثابة، حتى إذا دعا اللّه نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و رفعه إليه؛ لم يك ذلك بعده إلّا كلمحة من خفقة، أو وميض من برقة، إلى أن رجعوا على الأعقاب، و انتكصوا على الأدبار، و طلبوا بالأوتار، و أظهروا الكتائب، و ردموا الباب، و فلّوا الديار، و غيّروا آثار رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و رغبوا عن أحكامه، و بعدوا عن أنواره، و استبدلوا بمستخلفه بديلا اتّخذوه و كانوا ظالمين، و زعموا أنّ من اختاروا من آل أبي قحافة أولى بمقام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ممّن اختاره الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لمقامه، و أنّ مهاجر آل أبي قحافة خير من المهاجريّ الأنصاري الربّاني ناموس هاشم بن عبد مناف.

ألا و إنّ أول شهادة زور وقعت في الإسلام شهادتهم أنّ صاحبهم مستخلف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فلمّا كان من أمر سعد بن عبادة ما كان، رجعوا عن ذلك فقالوا: إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مضى و لم يستخلف، و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الطيّب المبارك أوّل مشهود عليه بالزور في الإسلام، و عن قليل يجدون غبّ ما يعملون، و سيجد التّالون غبّ ما أسّسه الأوّلون، و لئن كانوا في مندوحة من المهل، و شقاء من الأجل، و سعة من المنقلب، و استدراج من الغرور، و سكون من الحال، و إدراك من الأمل، فقد أمهل اللّه تعالى شدّاد بن عاد، و ثمود بن عبود، و بلعم بن باعورا، و أسبغ عليهم نعمه ظاهرة و باطنة، و أمدّهم بالأموال و الأعمار، و أتتهم الأرض ببركاتها، ليذكروا آلاء اللّه، و ليعرفوا الإهابة له و الإنابة إليه، و لينتهوا عن الاستكبار، فلمّا بلغوا المدّة، و استتمّوا الأكلة، أخذهم اللّه تعالى و اصطلمهم فمنهم من حصب، و منهم من أخذته الصّيحة، و منهم من أحرقته الظلّة، و منهم من أودته الرجفة، و منهم من أردته الخسفة وَ مٰا كٰانَ اللّٰهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَ لٰكِنْ كٰانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (1).

ألا و إنّ لكلّ أجل كتابا، فإذا بلغ الكتاب أجله، لو كشف لك عمّا هوى إليه الظالمون، و آل إليه الأخسرون، لهربت إلى اللّه تعالى ممّا هم عليه مقيمون

____________

(1). العنكبوت (29): 40.

348

و إليه صائرون.

ألا و إنّي فيكم أيّها الناس كهارون في آل فرعون، و كباب حطّة في بني إسرائيل، و كسفينة نوح في قوم نوح، و إنّي النّبأ العظيم، و الصدّيق الأكبر، و عن قليل ستعلمون ما توعدون، و هل هي إلّا كلعقة الاكل و مذقة الشارب و خفقة الوسنان، ثم تلزمهم المعرّات خزيا في الدنيا، و يوم القيامة يردّون إلى أشدّ العذاب، و ما اللّه بغافل عمّا يعملون، فما جزاء من تنكّب محجّته، و أنكر حجّته، و خالف هداته، و حاد عن نوره، و اقتحم في ظلمه، و استبدل بالماء السراب، و بالنعيم العذاب، و بالفوز الشقاء، و بالسّراء الضرّاء، و بالسعة الضنك، إلّا جزاء اقترافه، و سوء خلافه، فليوقنوا بالوعد على حقيقته، و ليستيقنوا بما يوعدون يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذٰلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ. إِنّٰا نَحْنُ نُحْيِي وَ نُمِيتُ وَ إِلَيْنَا الْمَصِيرُ. يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرٰاعاً إلى آخر السورة» (1).

* بيان

«الحيّاض» السّيال، «و الأزر» القوة «حشده المهاجرون» اجتمعوا إليه و أطافوا به «و انغصّت» بالمعجمة ثم المهملة: امتلأت، «و البارز» في تقمّصها يعود إلى الخلافة للعلم بها، أي جعلاها مشتملة على أنفسهما كالقميص «و العتائر» جمع العتيرة، و هي شاة كانوا يذبحوها في رجب لآلهتهم «و البحيرة و السائبة» ناقتان مخصوصتان كانوا يحرّمون الانتفاع بهما، «و الوصيلة» شاة مخصوصة يذبحونها على بعض الوجوه، و يحرّمونها على بعض، «و الحام» الفحل من الإبل الذي طال مكثه عندهم فلا يركب و لا يمنع من كلأ و ماء «و الاستقسام بالأزلام» طلب معرفة ما قسم لهم ممّا لم يقسم بالأقداح، «و العمه» التحيّر و التردّد «و الإهطاع» الإسراع «و الاستحواذ» الاستيلاء، «و الحوب» الوحشة و الحزن، «معدّ بن عدنان» أبو العرب «و المثابة» موضع الثواب، و مجتمع الناس بعد تفرّقهم «و الخفقة» النعاس «و الوميض» اللمع الخفيّ «و الانتكاص» الرجوع «و الرّدم» السد.

«فلمّا كان من أمر سعد بن عبادة ما كان» كأنّه أشار (عليه السلام) بذلك إلى إباء سعد عن بيعة أبي بكر و احتجاجه عليهم بمخالفتهم الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و كان من جملة كلامه لعمر

____________

(1). الكافي 8: 26/ 4 و الآيات من سورة ق (50): 42- 44.

349

أنّه قال له: «يا ابن الصهّاك الحبشيّة، أما و اللّه لو أنّ لي قوة على النهوض- و كان مريضا- لسمعت منّي في سككها زأرا يزعجك و أصحابك، و لألحقنّكم بقوم كنتم فيهم أذنابا أذلّاء تابعين غير متبوعين، فلقد اجترأتم على اللّه و خالفتم رسوله، يا آل الخزرج احملوني من مكان الفتنة» فحمل.

«و الغبّ» بكسر المعجمة: العاقبة «و الاصطلام» الاستئصال «حصب» رمي بالحصباء «و الظلّة» في عَذٰابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ (1) قيل: كانت غيما تحته سموم «و الايداء و الإرداء» الإهلاك «و الوسنان» من أخذته السنة «و المعرّة» الإثم و الغرم و الأذى «و الحيد» العدول.

و قال (عليه السلام) في خطبة أخرى: «سبق فيه الرجلان، و قام الثالث كالغراب همّته بطنه، و يله لو قصّ جناحاه و قطع رأسه كان خيرا له، شغل عن الجنّة و النار أمامه» (2).

و أمثال هذه من شكاياته (عليه السلام) كثيرة، و خطبته الشقشقية في ذلك مشهورة و في (نهج البلاغة) مذكورة (3).

[المتن]

[518] 2. الكافي: عنه (عليه السلام) في خطبته التي عاب فيها أصحابه، قال بعد الحمد و الثناء: «أيّتها الأمة التي خدعت فانخدعت، و عرفت خديعة من خدعها فأصرّت على ما عرفت، و اتّبعت أهواءها، و ضربت في عشواء غوايتها، و قد استبان لها الحق فصدّت عنه، و الطريق الواضح فتنكّبته.

أما و الذي فلق الحبة و برأ النسمة لو اقتبستم العلم من معدنه، و شربتم الماء بعذوبته، و ادّخرتم الخير من موضعه، و أخذتم من الطريق واضحه، و سلكتم من الحق نهجه، لتنهجت بكم السبل، و بدت لكم الأعلام، و أضاء لكم الإسلام، فأكلتم رغدا، و ما عال فيكم عائل، و لا ظلم منكم مسلم و لا معاهد، و لكن سلكتم سبيل الظلام، فأظلمت عليكم دنياكم برحبها، و سدّت عليكم أبواب العلم، فقلتم بأهوائكم، و اختلفتم في دينكم، فأفتيتم في دين اللّه بغير علم، و اتبعتم الغواة فأغوتكم، و تركتم الأئمة فتركوكم، فأصبحتم تحكمون بأهوائكم، إذا ذكر الأمر سألتم أهل الذكر، فإذا أفتوكم قلتم: هو العلم بعينه، فكيف و قد تركتموه و نبذتموه و خالفتموه؟! رويدا عمّا قليل تحصدون

____________

(1). الشعراء (26): 189.

(2). الكافي 8: 67/ خطبة أمير المؤمنين (عليه السلام).

(3). نهج البلاغة: خ 3.

350

جميع ما زرعتم و تجدون وخيم ما اجترمتم و ما اجتنيتم.

و الذي فلق الحبة و برأ النسمة لقد علمتم إنّي صاحبكم، و الذي به أمرتم، و إني عالمكم و الذي بعلمه نجاتكم، و وصي نبيكم، و خيرة ربّكم، و لسان نوركم، و العالم بما يصلحكم، فعن قليل رويدا ينزل بكم ما وعدتم، و ما نزل بالامم قبلكم، و سيسألكم اللّه تعالى عن أئمتكم، معهم تحشرون، و إلى اللّه غدا تصيرون.

أما و اللّه لو كان لي عدّة أصحاب طالوت، أو عدّة أهل بدر و هم أعدادكم، لضربتكم بالسيف حتى تئولوا إلى الحق، و تنيبوا للصدق، و كان أرتق للفتق، و آخذ بالرفق، اللهم فاحكم بيننا بالحق و أنت خير الحاكمين».

ثم خرج من المسجد، فمرّ بصيرة فيها نحو من ثلاثين شاة، فقال: «لو أنّ لي رجالا ينصحون للّه تعالى و لرسوله بعدد هذه الشياه، لأزلت ابن آكلة الذبان عن ملكه». فلمّا أمسى بايعه ثلاثمائة و ستّون رجلا على الموت، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «اغدوا بنا إلى أحجار الزيت محلّقين» و حلّق أمير المؤمنين (عليه السلام)، فما وافى من القوم محلّقا إلّا أبو ذرّ و المقداد و حذيفة بن اليمان و عمّار بن ياسر، و جاء سلمان في آخر القوم، فرفع يده إلى السماء فقال: «اللهم إنّ القوم استضعفوني كما استضعفت بنو إسرائيل هارون، اللهم فإنّك تعلم ما نخفي و ما نعلن، و ما يخفى عليك من شيء في الأرض و لا في السماء توفّني مسلما و ألحقني بالصالحين، أما و البيت و المفضي إلى البيت- و في نسخة: و المزدلفة و الخفاف إلى التجمير- لو لا عهد عهده إلي النبي الأمّي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لأوردت المخالفين خليج المنيّة، و لأرسلت عليهم شآبيب صواعق الموت، و عن قليل سيعلمون» (1).

* بيان

أراد (عليه السلام) بقوله: «إذا ذكر الأمر» إلى آخره، إنّكم تعرفون أهل العلم بفتواهم في الأمور، و مع هذا نبذتموهم و خالفتموهم، و أراد بالنور في قوله: «و لسان نوركم» القرآن «و أعداد» جمع عديد، و هو الندّ و القرن «و الصيرة» بالمهملة ثم المثناة التحتانية، ثم الراء: حظيرة للغنم و البقر «و الذّبان» بتشديد الباء جمع ذباب، و كنّى «بابن

____________

(1). الكافي 8: 32/ 5.

351

آكلتها» عن معاوية (1)، فإنهم كانوا في الجاهلية يأكلون من كلّ خبيث نالوه «و أحجار الزيت» موضع داخل المدينة و «المفضي إلى البيت» ماسّه بيده «و الخفاف» سرعة الحركة، و لعلّ المراد بالتجمير رمي الجمار «و الخليج» النهر «و الشؤبوب» دفعة المطر و غيره.

[المتن]

[519] 1. الكافي: سدير، قال: كنّا عند أبي جعفر (عليه السلام) فذكرنا ما أحدث الناس بعد نبيّهم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و استذلالهم أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقال رجل من القوم: أصلحك اللّه، فأين كان عزّ بني هاشم، و ما كانوا فيه من العدد؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام): «من كان بقي من بني هاشم؟ إنما كان جعفر و حمزة فمضيا، و بقي معه رجلان ضعيفان ذليلان حديثا عهد بالإسلام؛ عباس و عقيل، و كانا من الطّلقاء، أما و اللّه لو أنّ حمزة و جعفرا كانا بحضرتهما ما وصلا إلى ما وصلا إليه، و لو كانا شاهديهما لأتلفا أنفسهما» (2).

[520] 2. الكافي: عنه (عليه السلام): «إنّ الناس لما صنعوا ما صنعوا إذ بايعوا أبا بكر، لم يمنع أمير المؤمنين من أن يدعو إلى نفسه إلّا نظرا للناس، و تخوّفا عليهم أن يرتدّوا عن الإسلام، فيعبدوا الأوثان، و لا يشهدوا ألا إله إلّا اللّه، و أنّ محمّدا رسول اللّه، و كان الأحبّ إليه أن يقرّهم على ما صنعوا من أن يرتدّوا عن جميع الإسلام، و إنّما هلك الذين ركبوا ما ركبوا، فأمّا من لم يصنع ذلك و دخل فيما دخل فيه الناس على غير علم و لا عداوة لأمير المؤمنين (عليه السلام)، فإنّ ذلك لا يكفّره و لا يخرجه من الإسلام، فلذلك كتم علي (عليه السلام) أمره، و بايع مكرها حيث لم يجد أعوانا» (3).

[521] 3. الكافي: عنه (عليه السلام): «الناس صاروا بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بمنزلة من اتّبع هارون، و من اتّبع العجل، و إنّ أبا بكر دعا فأبى علي (عليه السلام) إلّا القرآن، و إنّ عمر دعا فأبى علي (عليه السلام) إلّا القرآن، و إنّ عثمان دعا فأبى علي (عليه السلام) إلّا القرآن، و إنّه ليس من أحد يدعو إلى أن يخرج

____________

(1). الظاهر من الحديث أن المراد بقوله: «ابن آكلة الذبان» و خليفة الوقت، أي حين رحيل الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و قال المجلسي في المرآة 25: 76: المراد به أبو بكر.

(2). الكافي 8: 189/ 216.

(3). الكافي 8: 295/ 454.

352

الدجّال إلّا سيجد من يبايعه، و من رفع راية ضلال فصاحبها طاغوت» (1).

[522] 4. الكافي: عنه (عليه السلام) قيل له: إنّ العامّة يزعمون أنّ بيعة أبي بكر حيث اجتمع الناس كانت رضا للّه تعالى، و ما كان اللّه ليفتن أمّة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من بعده؟ فقال (عليه السلام): «أو ما يقرءون كتاب اللّه؟ أ و ليس اللّه يقول: وَ مٰا مُحَمَّدٌ إِلّٰا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ مٰاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلىٰ أَعْقٰابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلىٰ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللّٰهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللّٰهُ الشّٰاكِرِينَ» (2).

قيل: إنّهم يفسّرون على وجه آخر: قال: «أ و ليس قد أخبر اللّه عن الذين من قبلهم من الأمم أنّهم قد اختلفوا من بعد ما جاءتهم البيّنات حيث قال: وَ آتَيْنٰا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنٰاتِ وَ أَيَّدْنٰاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَ لَوْ شٰاءَ اللّٰهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مٰا جٰاءَتْهُمُ الْبَيِّنٰاتُ وَ لٰكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَ مِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَ لَوْ شٰاءَ اللّٰهُ مَا اقْتَتَلُوا وَ لٰكِنَّ اللّٰهَ يَفْعَلُ مٰا يُرِيدُ (3) و في هذا ما يستدلّ به على أنّ أصحاب محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قد اختلفوا من بعده، فمنهم من آمن و منهم من كفر» (4).

[523] 5. الكافي: عنه (عليه السلام) قيل له: إنّ الناس يفزعون إذا قلنا: إنّ الناس ارتدّوا؟ فقال: «إنّ الناس عادوا بعد ما قبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أهل جاهلية، إنّ الأنصار اعتزلت فلم تعتزل بخير، جعلوا يبايعون سعدا و هم يرتجزون ارتجاز الجاهلية: يا سعد، أنت المرجوّ، و شعرك المرجّل، و فحلك المرجّم» (5).

* بيان

المرجّل من الشعر: ما لم يكن شديد الجعودة و لا شديد السبوطة، بل بينهما، و كان المراد بالفحل: الشاعر الذي هاجاه، و بالمرجّم المرمي بالحجارة أو بالهجو، فإنّ الفحول يقال للشعراء الغالبين بالهجاء من هاجاهم.

[المتن]

[524] 6. الكافي: عنه (عليه السلام): «كان الناس أهل ردّة بعد النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إلّا ثلاثة». فقيل: و من الثلاثة

____________

(1). الكافي 8: 296/ 456.

(2). آل عمران: 144.

(3). البقرة (2): 253.

(4). الكافي 8: 270/ 398.

(5). الكافي 8: 296/ 455.

353

فقال: «المقداد بن الأسود، و أبو ذرّ الغفاري، و سلمان الفارسي (رضي اللّه عنهم) ثم عرف أناس بعد يسير و قال: هؤلاء الذين دارت عليهم الرحى، و أبوا أن يبايعوا حتى جاءوا بأمير المؤمنين (عليه السلام) مكرها فبايع، و ذلك قول اللّه تعالى: وَ مٰا مُحَمَّدٌ إِلّٰا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ مٰاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلىٰ أَعْقٰابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلىٰ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللّٰهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللّٰهُ الشّٰاكِرِينَ» (1).

* بيان

أي دارت عليهم رحى الإسلام، روى الكشّي بإسناده عن الباقر (عليه السلام) أنّه قال: «ارتدّ الناس إلّا ثلاثة نفر: سلمان، و أبو ذرّ، و المقداد». قيل: فعمّار؟ قال: «كان جاض جيضة ثم رجع» ثم قال: «إن أردت الذي لم يشكّ و لم يدخله شيء فالمقداد، فأمّا سلمان فإنّه عرض في قلبه أنّ عند أمير المؤمنين (عليه السلام) اسم اللّه الأعظم لو تكلّم به لأخذتهم الأرض، و هو هكذا، و أمّا أبو ذرّ فأمره أمير المؤمنين (عليه السلام) بالسكوت، و لم يأخذه في اللّه لومة لائم، فأبى إلّا أن يتكلّم» (2).

و بإسناده: عنه، عن أبيه، عن جدّه، عن علي (عليه السلام) قال: «ضاقت الأرض بسبعة، بهم ترزقون، و بهم تنصرون، و بهم تمطرون، منهم سلمان الفارسي، و المقداد، و أبو ذرّ، و عمّار، و حذيفة (رحمه اللّه)، و كان علي (عليه السلام) يقول: و أنا إمامهم، و هم الذين صلّوا على فاطمة (عليها السلام)» (3).

[المتن]

[525] 7. الكافي: عنه (عليه السلام)، قيل له: ما كان ولد يعقوب أنبياء؟ قال: «لا، و لكنّهم كانوا أسباطا أولاد الأنبياء، و لم يكن فارقوا الدنيا إلّا سعداء، تابوا و تذكّروا ما صنعوا، و إنّ الشيخين فارقا الدنيا و لم يتوبا، و لم يتذكّرا ما صنعا بأمير المؤمنين (عليه السلام)، فعليهما لعنة اللّه و الملائكة و الناس أجمعين» (4).

و في رواية: «و اللّه ما اهريق محجمة من دم، و لا اخذ مال من غير حلّه، و لا قلب حجر عن حجر إلّا ذاك في أعناقهما» (5).

____________

(1). الكافي 8: 245/ 341؛ و الآية من سورة آل عمران (3): 144.

(2). رجال الكشيّ: 11.

(3). رجال الكشيّ: 6.

(4). الكافي 8: 246/ 343.

(5). الكافي 8: 63/ 22.

354

[526] 8. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) بالمدينة، فحمد اللّه و أثنى عليه، و صلّى على النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، ثم قال: أمّا بعد، فإنّ اللّه تعالى لم يقصم جبّاري دهر إلّا من بعد تمهيل و رخاء، و لم يجبر كسر عظم من الامم إلّا بعد أزل و بلاء.

أيّها النّاس، في دون ما استقبلتم من خطب و استدبرتم من خطب معتبر، و ما كلّ ذي قلب بلبيب، و لا كلّ ذي سمع بسميع، و لا كلّ ذي ناظر عين ببصير.

عباد اللّه، أحسنوا فيما يغنيكم النظر فيه، ثم انظروا إلى عرصات من قد أقاده اللّه بعلمه، كانوا على سنّة من آل فرعون، أهل جنّات و عيون، و زروع و مقام كريم، ثم انظروا بما ختم اللّه لهم بعد النضرة و السرور، و الأمر و النهي، و لمن صبر منكم العاقبة في الجنان و اللّه مخلّدون و للّه عاقبة الأمور.

فيا عجبا! و ما لي لا أعجب من خطأ هذه الفرق على اختلاف حججها في دينها، لا يقتصّون أثر نبيّ، و لا يقتدون بعمل وصيّ، و لا يؤمنون بغيب، و لا يعفون عن عيب، المعروف فيهم ما عرفوا، و المنكر عندهم ما أنكروا، و كلّ امرئ منهم إمام نفسه، أخذ منها فيما يرى بعرى وثيقات، و أسباب محكمات، فلا يزالون بجور و لن يزدادوا إلّا خطأ، و لا ينالون تقرّبا، و لن يزدادوا إلّا بعدا، قسمتهم من اللّه انس بعضهم ببعض، و تصديق بعضهم لبعض، كلّ ذلك وحشة ممّا ورّث النبي الأمّي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و نفورا ممّا أدّى إليهم من أخبار فاطر السموات و الأرض، أهل حسرات، و كهوف شبهات، و أهل عشوات و ضلالة و ريبة، من وكله اللّه إلى نفسه و رأيه فهو مأمون عند من يجهله، غير المتّهم عند من لا يعرفه، فما أشبه هؤلاء بأنعام قد غاب عنها رعاؤها! و وا أسفا من فعلات شيعتي من بعد قرب مودّتها اليوم، كيف يستذلّ بعدي بعضها بعضا، و كيف يقتل بعضها بعضا، المتشتّتة غدا عن الأصل، النازلة بالفرع، المؤمّلة الفتح من غير جهته، كلّ حزب منهم آخذ منه بغصن، أينما مال الغصن مال معه، مع أنّ اللّه- و له الحمد- سيجمع هؤلاء لشرّ يوم لبني أميّة كما يجمع قزع الخريف، يؤلّف اللّه بينهم، ثم يجعلهم ركاما كركام السحاب، ثم يفتح لهم أبوابا يسيلون من مستثارهم كسيل الجنّتين- سيل العرم- حيث نقب (1) عليه فأرة فلم يثبت عليه أكمة، و لم يردّ سنّته (2)

____________

(1). في المصدر: بعث.

(2). في المصدر: سننه.