الشافي في العقائد و الأخلاق و الأحكام - ج1

- الفيض الكاشاني المزيد...
928 /
355

رض طود، يذعذعهم اللّه في بطون أودية، ثم يسلكهم ينابيع في الأرض، يأخذ بهم من قوم حقوق قوم، و يمكّن بهم قوما في ديار قوم، تشريدا لبني أميّة، و لكيلا يغتصبوا ما غصبوا، يضعضع اللّه بهم ركنا، و ينقض بهم طي الجنادل من إرم، و يملأ منهم بطنان الزيتون.

فو الذي فلق الحبّة و برأ النسمة ليكوننّ ذلك، و كأنّي أسمع صهيل خيلهم و طمطمة رجالهم، و أيم اللّه ليذوبنّ ما في أيديهم بعد العلوّ و التمكّن في البلاد، كما تذوب الألية على النار، من مات منهم مات ضالا، و إلى اللّه تعالى يفضي منهم من درج، و يتوب اللّه تعالى على مرتاب، و لعلّ اللّه يجمع شيعتي بعد التشتّت لشرّ يوم لهؤلاء، و ليس لأحد على اللّه عزّ ذكره الخيرة، بل للّه الخيرة و الأمر جميعا.

أيّها الناس، إنّ المنتحلين للإمامة من غير أهلها كثير، و لو لم تتخاذلوا عن مرّ الحقّ و لم تهنوا عن توهين الباطل؛ لم يشجع عليكم من ليس مثلكم، و لم يقو من قوي عليكم، و على هضم الطاعة و إزوائها عن أهلها، لكن تهتم كما تاهت بنو إسرائيل على عهد موسى (عليه السلام)، و لعمري ليضاعفنّ عليكم التّيه من بعدي أضعاف ما تاهت بنو إسرائيل.

و لعمري أن لو قد استكملتم من بعدي مدّة سلطان بني أميّة، لقد اجتمعتم على سلطان الداعي إلى الضلالة، و أحييتم الباطل، و خلّفتم الحق خلف ظهوركم، و قطعتم الأدنى من أهل بدر، و وصلتم الأبعد من أبناء الحرب لرسول اللّه.

و لعمري أن لو قد ذاب ما في أيديهم لدنا التمحيص للجزاء، و قرب الوعد، و انقضت المدّة، و بدا بكم النجم ذو الذنب من قبل المشرق، و لاح لكم القمر المنير، فإذا كان ذلك فراجعوا التوبة، و اعلموا أنكم إن اتّبعتم طالع المشرق سلك بكم مناهج الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فتداويتم من العمى و الصمم و البكم، و كفيتم مئونة الطلب و التعسف، و نبذتم الثقل الفادح عن الأعناق، و لا يبعد اللّه إلّا من أبى و ظلم و اعتسف و أخذ ما ليس له وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ» (3).

____________

(3). الكافي 8: 63/ 22؛ و الآية من سورة الشعراء 26: 227.

356

* بيان

«الأزل» الشدة و الضيق «فيما يغنيكم النظر فيه» كذا وجدناه في النسخ، بإعجام العين، و الصواب إهمالها، أي: يهمّكم، و لعلّه ممّا صحّف، «أقاده اللّه» من القود، فإنّهم قد أصابوا دماء بغير حقّ «و الاقتصاص» الاقتفاء و الاتّباع فيما يرى من الرأي، و هذا نصّ في المنع عن الاجتهاد في الأحكام الشرعيّة و استنباطها من المتشابهات بالرأي، و ترك النصوص، و لعلّه (عليه السلام) أراد بالأصل الإمام الحقّ، و بالفرع أولاده المدّعين للإمامة، و بالفتح ظهور دولة الحقّ، و بالغصن كلّ مدّع منهم «و القزع» بالقاف ثم الزاي ثم العين المهملة: قطع السّحاب، و إنّما خصّ الخريف لأنّه أوّل الشتاء، و السّحاب يكون فيه متفرقا غير متراكم و لا مطبق، ثم يجتمع بعضه إلى بعض بعد ذلك، كذا في (النهاية).

«و الرّكام» المتراكب بعضه فوق بعض «من مستثارهم» أي محلّ انبعاثهم و تهيّجهم، و كأنّه أشار (عليه السلام) بذلك إلى فتن أبي مسلم المروزي و استئصاله لبني أميّة، و إنّما شبّههم بسيل العرم لتخريبهم البلاد و أهلها الذين كانوا في خفض و دعة، و اريد بالجنتين جماعتان من البساتين: جماعة عن يمين بلدتهم، و جماعة عن شمالها، روي أنها كانت أخصب البلاد و أطيبها، لم يكن فيها عاهة و لا هامّة، و فسّر العرم تارة بالصعب، و أخرى بالمطر الشديد، و أخرى بالجرذ، و أخرى بالوادي، و أخرى بالإحباس التي تبنى في الأودية، و منه قيل: إنه اصطرخ أهل سبأ، قيل: إنما أضيف السيل إلى الجرذ، لأنه نقب عليهم سدّا ضربته لهم بلقيس، فحفّت به الماء، و تركت فيه ثقبا على مقدار ما يحتاجون إليه، أو المسنّاة التي عقدت سدّا، على أنّه جمع عرمة: و هي الحجارة المركومة، و كان ذلك بين عيسى و محمّد (عليهما السلام).

«و الأكمة» التّل «و الرضّ» الدّقّ الجريش «و الطود» الجبل، و في بعض النسخ:

رص طود، بالصاد المهملة، فيكون بمعنى الإلزاق و الضمّ، و لعلّه الصواب، و الضمير في «سنته» يرجع إلى السيل، أو إلى اللّه تعالى «و الذعذعة» بالذلين المعجمتين و العينين المهملتين: التفريق «و التضعضع» الهدم و الإذلال «و إرم» دمشق و الاسكندرية، و يقال لحجارة تنصب علما في المفازة «و بطنان» جمع بطن، و هو الغامض من الأرض «و زيتون» مسجد دمشق، أو جبال الشام. و الطمطمة في الكلام أن يكون فيه عجمة «يفضي منهم من درج» أي يرجع من مات «و الإزواء» الصرف «و الفادح» المثقل الصعب، و لعلّ طالع المشرق كناية عن القائم ((صلوات اللّه عليه))

357

و أمثال هذه الكلمات عنه (عليه السلام) أكثر من أن تحصى.

باب ابتلاء الصحابة بعضهم ببعض ثمّ بابليس ثمّ بالتمحيص

[المتن]

[527] 1. الكافي: عن الباقر (عليه السلام): «لمّا أخذ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بيد علي (عليه السلام) يوم الغدير، صرخ إبليس في جنوده صرخة، فلم يبق منهم أحد في بحر و لا برّ إلّا أتاه، فقالوا: يا سيّدهم و مولاهم، ما ذا دهاك؟ فما سمعنا لك صرخة أوحش من صرختك هذه؟ فقال لهم:

فعل هذا النبي فعلا إن تمّ لم يعص اللّه أبدا. فقالوا: يا سيّدهم، أنت كنت لآدم، فلمّا قال المنافقون: إنّه ينطق عن الهوى، و قال أحدهما لصاحبه: أ ما ترى عينيه تدوران في رأسه كأنّه مجنون- يعنون رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- صرخ إبليس صرخة تطرب، فجمع أولياءه، ثم قال: أ ما علمتم أنّي كنت لآدم من قبل؟ قالوا: نعم، قال: آدم نقض العهد و لم يكفر بالربّ، و هؤلاء نقضوا العهد و كفروا بالرّسول.

فلمّا قبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أقام الناس غير علي (عليه السلام)، لبس إبليس تاج الملك و نصب منبرا و قعد في الوثبة (1) و جمع خيله و رجله، ثم قال لهم: أطربوا، لا يطاع اللّه حتى يقوم إمام».

و تلا أبو جعفر (عليه السلام): وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلّٰا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2) فقال (عليه السلام): «كان تأويل هذه الآية لمّا قبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و الظنّ من إبليس حين قالوا لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إنّه ينطق عن الهوى، فظنّ بهم إبليس ظنّا فصدّقوا ظنّه» (3).

[528] 2. الكافي: سليم بن قيس الهلالي قال: سمعت سلمان الفارسي (رحمه اللّه) يقول: لمّا قبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و صنع النّاس ما صنعوا، و خاصم أبو بكر و عمر و أبو عبيدة بن الجراح الأنصاري فخصموهم بحجّة علي (عليه السلام)، قالوا: يا معشر الأنصار، قريش أحقّ منكم بالأمر، لأنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من

____________

(1). في بعض النسخ: الزينة، و الوثبة: الوسادة.

(2). سبأ (34): 20.

(3). الكافي 8: 344/ 542.

358

قريش، و المهاجرون منهم، إنّ اللّه عزّ و جلّ بدأ بهم في كتابه و فضّلهم، و قد قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):

«الأئمّة من قريش».

قال سلمان (رحمه اللّه): فأتيت عليّا (عليه السلام) و هو يغسّل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فأخبرته بما صنع الناس، و قلت: إنّ أبا بكر الساعة على منبر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و اللّه ما يرضى أن يبايعوه بيد واحدة، إنّهم ليبايعونه بيديه جميعا بيمينه و شماله، فقال لي: «يا سلمان، هل تدري من أوّل من بايعه على منبر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)؟» قلت: لا أدري، إلّا أنّي رأيت في ظلّة بني ساعدة حين خصمت الأنصار، و كان أول من بايعه بشر بن سعد، و أبو عبيدة بن الجراح، ثم عمر، ثم سالم، قال: «لست أسألك عن هذا، و لكن تدري أوّل من بايعه حين صعد على منبر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)؟» قلت: لا، و لكنّي رأيت شيخا كبيرا متوكّئا على عصاه، بين عينيه سجّادة، شديد التشمير، صعد إليه أوّل من صعد و هو يبكي و يقول:

الحمد للّه الذي لم يمتني من الدنيا حتى رأيتك في هذا المكان، أبسط يدك، فبسط يده فبايعه، ثم نزل فخرج من المسجد، فقال علي (عليه السلام): «هل تدري من هو؟» قلت: لا، و لقد ساءتني مقالته، كأنّه شامت بموت النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

فقال: «ذاك إبليس لعنه اللّه، أخبرني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّ إبليس و رؤساء أصحابه شهدوا نصب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إيّاي للنّاس بغدير خمّ بأمر اللّه عزّ و جلّ، فأخبرهم أنّي أولى بهم من أنفسهم، و أمرهم أن يبلّغ الشاهد الغائب، فأقبل إلى إبليس أبالسته و مردة أصحابه، فقالوا: إنّ هذه أمّة مرحومة و معصومة، و ما لك و ما لنا عليهم سبيل، قد أعلموا إمامهم و مفزعهم بعد نبيّهم، فانطلق إبليس لعنه اللّه كئيبا حزينا. و أخبرني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّه لو قبض أنّ الناس يبايعون أبا بكر في ظلّة بني ساعدة بعد ما يختصمون، ثم يأتون المسجد فيكون أوّل من يبايعه على منبري إبليس في صورة رجل شيخ مشمّر يقول كذا و كذا، ثم يخرج فيجمع شياطينه و أبالسته فينخر و يكسع و يقول: كلّا، زعمتم أن ليس لي عليهم سبيل، فكيف رأيتم ما صنعت بهم حتى تركوا أمر اللّه عزّ ذكره و طاعته و ما أمرهم به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)» (1).

* بيان

«الكسع» ضرب الدبر باليد أو بصدر القدم.

____________

(1). الكافي 8: 343/ 541.

359

[المتن]

[529] 2. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) لما بويع بعد مقتل عثمان، صعد المنبر و خطب بخطبة ذكرها يقول فيها: ألا إنّ بليّتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث اللّه عزّ و جلّ نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و الذي بعثه بالحقّ لتبلبلنّ بلبلة و لتغربلنّ غربلة حتى يعود أسفلكم أعلاكم و أعلاكم أسفلكم، و ليسبقنّ سبّاقون كانوا قصروا، و ليقصرنّ سبّاقون كانوا سبقوا، و اللّه ما كتمت و شمة، و لا كذبت كذبة، و لقد نبّئت بهذا المقام و هذا اليوم» (1).

* بيان

«إنّ بليّتكم قد عادت» يعني صرتم أهل جاهلية حيارى في أمر دينكم، مضطرين إلى من يحملكم على الهدى و يسلك بكم طريق الاستقامة طوعا منكم أو كرها كما كنتم حين بعث النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كذلك، كما قال (عليه السلام) في خطبته له: «بعثه و الناس ضلّال في حيرة، و حاطبون في فتنة، قد استهوتهم الأهواء، و استزلّتهم الكبراء، و استخفّتهم الجاهلية الجهلاء، حيارى في زلزال من الأمر، و بلاء من الجهل، فبالغ في النصيحة و مضى على الطريقة، و دعا إلى الحكمة و الموعظة» (2).

و «البلبلة»: اختلاط الألسنة و تفريق الآراء و شدّة الهمّ و الوسواس، و أراد بها هاهنا اختلاف أهوائهم عن الشبهات التي كان يلقيها إليهم الشيطان، فإنّ ذلك الأمر يشبه ما كانوا عليه حين بعث الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

«و الغربلة»: نخل الدقيق و نحوه، و إنما يغربلون غربلة ليتميّز محسنهم من مسيئهم لِيَمِيزَ اللّٰهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَ يَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ (3) و قيل: لفظ الغربلة مستعار لالتقاط آحادهم بالقتل و الأذى، كما فعلوا بكثير من الصحابة و التابعين.

«حتى يعود أسفلكم أعلاكم» أصاغركم أكابر، و أذلاؤكم أعزّاء «و ليسبقنّ سبّاقون» كان من حقّهم السبق «كانوا قصّروا» تأخّروا ظلما «و ليقصّرن سبّاقون» لم يكن من حقّهم السبق، قيل: أشار به إلى ما علمه من سرّ القدر من تقصير من كان له سبق في الدين و تقدّم رتبة فيه، أو إلى سبق من كان قصر فيه في أوّله أو سبق من كان قاصرا في أول الإسلام عن الخلافة و الإمارة في آخر الزمان إليها و تقصير

____________

(1). الكافي 1: 369/ 1.

(2). نهج البلاغة: خ 95.

(3). الانفال (8): 37.

360

من سبق إليها عن بلوغها.

«و الوشمة» بالمعجمة: الكلمة، أراد أنّه لم يكتم كلمة مما أخبره به النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و تعيّن عليه بتبليغه، و هذا المقام هو مقام بيعة الناس له، و هذا اليوم يوم اجتماعهم عليه.

باب ابتلاء أهل البيت (عليهم السلام) بالناس

[المتن]

[530] 1. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «إنّ اللّه تعالى أعفى نبيّكم أن يلقى من أمّته ما لقيت الأنبياء من أممها، و جعل ذلك علينا» (1).

* بيان

يعني أعفاه عن أذى أمّته إياه قدر ما آذت الأمم الاخر أنبياءهم، و جعل أذى هذه الأمة علينا دونه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و كأنّه (عليه السلام) أراد بذلك الأذى الجسماني، لأنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قد اوذي من قبل منافقي هذه الأمة من الأذى الروحاني أكثر مما اوذيت الأنبياء قبله، كما ورد عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّه قال: «ما اوذي نبي مثل ما اوذيت» (2) إلّا أن يقال: إنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) جعل أذى أهل بيته أذى نفسه في هذا الخبر، إن صحّ نقله عنه.

[المتن]

[531] 2. الكافي: أبو هاشم، قال: لمّا اخرج بعلي (عليه السلام) خرجت فاطمة (عليها السلام) واضعة قميص رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) على رأسها، آخذة بيد ابنيها، فقالت: «ما لي و لك يا أبا بكر، تريد أن تؤتم ابني و ترمّلني من زوجي؟! و اللّه لو لا أن تكون سيئة لنشرت شعري و لصرخت إلى ربّي» فقال رجل من القوم: ما تريد إلّا هذا، ثم أخذت بيده، و انطلقت به (3).

* بيان

إنّما اخرج بعلي (عليه السلام) ليأخذوا منه البيعة لأبي بكر، «ما تريد إلّا هذا» يعني ما تريد فاطمة إلّا عليّا (عليهما السلام) أن تأخذه منهم خوفا عليه أن يقتل.

____________

(1). الكافي 8: 252/ 352.

(2). كشف الغمة 2: 537.

(3). الكافي 8: 238/ 330.

361

[المتن]

[532] 3. الكافي: عن الباقر (عليه السلام): «و اللّه لو نشرت شعرها ماتوا طرّا» (1).

و في رواية أنّها قالت: «و اللّه يا ابن الخطّاب، لو لا أنّي أكره أن يصيب البلاء من لا ذنب له؛ لعلمت أنّي سأقسم على اللّه، ثمّ أجده سريع الإجابة» (2).

[533] 4. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «جاءت فاطمة (عليها السلام) إلى سارية في المسجد و هي تقول و تخاطب النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):

قد كان بعدك أنباء و هنبثة * * * لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب

إنا فقدناك فقد الأرض وابلها * * * و اختلّ قومك و أشهدهم و لا تغب» (3)

* بيان

«السارية» الأسطوانة، «و الهنبثة» بالنون و الباء الموحدة ثم الثاء المثلاثة: الأمر الشديد، و الاختلاط في القول.

[المتن]

[534] 5. الكافي: عنه (عليه السلام) أنّه قال: «يا ليتنا سيّارة مثل آل يعقوب حتى يحكم اللّه بيننا و بين خلقه» (4).

* بيان

إنما تمنّى (عليه السلام) أن يكون مسافرا في البلاد مثل أولاد يعقوب، لكثرة ما لقيه من الأذى في بلده من العشائر و السلطان الجائر، و خروج بني عمّه واحد بعد واحد على السلطان، و هلاكه على يديه إلى غير ذلك.

[المتن]

[535] 6. الكافي: عنه (عليه السلام): إذا ذكر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: «بأبي و أمّي و قومي و عشيرتي، عجب للعرب كيف لا تحملنا على رءوسهم، و اللّه تعالى يقول: وَ كُنْتُمْ عَلىٰ شَفٰا حُفْرَةٍ مِنَ النّٰارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهٰا فبرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنقذوا» (5).

[536] 7. الفقيه: عنه (عليه السلام): «بليّة الناس علينا عظيمة، إن دعوناهم لم يجيبونا، و إن تركناهم لم

____________

(1). الكافي 8: 238/ 321.

(2). الكافي 8: 376/ 546.

(3). الكافي 8: 375/ باب خطبة أمير المؤمنين.

(4). الكافي 8: 166/ 179.

(5). الكافي 8: 266/ 388.

362

يهتدوا بغيرنا» (1).

[537] 8. الكافي: عن السّجاد (عليه السلام): «ما ندري كيف نصنع بالناس، إن حدّثناهم بما سمعناه من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ضحكوا، و إن سكتنا لم يسعنا».

فقال ضمرة بن معبد: حدّثنا، فقال: «هل تدرون ما يقول عدوّ اللّه إذا حمل على سريره؟» قال: فقلنا: لا، قال: «فإنّه يقول لحملته: ألا تسمعون أنّي أشكو إليكم عدوّ اللّه خدعني و أوردني ثمّ لم يصدرني؟ و أشكو إليكم إخوانا واخيتهم فخذلوني، و أشكو إليكم أولادا حاميت عليهم فأسلموني (2)، و أشكو إليكم دارا أنفقت فيها حريبتي و صار سكّانها غيري، فارفقوا بي و لا تستعجلوا».

فقال ضمرة: يا أبا الحسن، إن كان هذا يتكلّم بهذا الكلام، يوشك أن يثب على أعناق الذين يحملونه؟ فقال علي بن الحسين (عليه السلام): «اللهم إن كان ضمرة هزء من حديث رسولك فخذه أخذة أسف».

فمكث أربعين يوما ثم مات، فحضره مولى له، فلما دفن أتى علي بن الحسين (عليه السلام)، فجلس إليه، فقال له: «من أين جئت يا فلان؟» قال: جئت من عند قبر ضمرة، فوضعت وجهي عليه حين سوّي عليه فسمعت صوته و اللّه أعرفه كما كنت أعرفه و هو حيّ، يقول: ويلك يا ضمرة بن معبد اليوم خذلك كلّ خليل و صار مصيرك إلى الجحيم، فيها مسكنك و مبيتك و المقيل.

فقال علي بن الحسين (عليه السلام): «أسأل اللّه العافية، هذا جزاء من يهزأ من حديث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)» (3).

[538] 9. الكافي: عنه (عليه السلام): «و اللّه لا يخرج واحد منّا قبل خروج القائم إلّا كان مثله مثل فرخ طار من وكره قبل أن يستوي جناحاه، فأخذه الصبيان فيعبثون به» (4).

[539] 10. الكافي: شهاب بن عبد ربّه، قال: قال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام): «يا شهاب، يكثر القتل في أهل بيت من قريش حتى يدعى الرجل منهم إلى الخلافة فيأباها».

____________

(1). الفقيه 4: 405/ 5875.

(2). في الكافي: «فخذلوني».

(3). الكافي 3: 234/ 4.

(4). الكافي 8: 264/ 382.

363

ثم قال: «يا شهاب، و لا تقل أنّي عنيت بني عمي هؤلاء». قال شهاب: أشهد أنّه قد عناهم (1).

* بيان

إنما نهاه (عليه السلام) عن قول ذلك اتّقاء للفتنة، هذا ابتلاؤهم (عليهم السلام) ببني أعمامهم حيث كانوا يخرجون على سلاطين الضلال فيقتلون، و لسنا نحن بمأذونين في أن نتكلّم في ذلك و ندخل فيما بينهم، مع أنّه أشدّ ابتلائهم، فجزاهم اللّه على مصائبهم خير الجزاء بما صبروا و كانوا بأيام اللّه موقنين، و صلوات اللّه و سلامه على نبيّنا و عليهم أجمعين.

[المتن]

[540] 11. الكافي: عنه (عليه السلام): «إنّ اللّه تعالى جعل الدّين دولتين؛ دولة لآدم، و دولة لإبليس، فدولة آدم هي دولة اللّه تعالى، فإذا أراد اللّه تعالى أن يعبد علانية أظهر دولة آدم، و إذا أراد اللّه أن يعبد سرّا كانت دولة إبليس، فالمذيع لما أراد اللّه تعالى ستره مارق من الدّين» (2).

[541] 12. الكافي: عنه (عليه السلام): «ولد المرداس من تقرّب منهم أكفروه، و من تباعد منهم أفقروه، و من ناواهم قتلوه، و من تحصّن منهم أنزلوه، و من هرب منهم أدركوه، حتّى تنقضي دولتهم» (3).

* بيان

لعلّ «المرداس» كناية عن العبّاس، «أنزلوه» أي من الحصن.

[المتن]

[542] 13. الكافي: عنه (عليه السلام): «أشكو إلى اللّه وحدتي و تقلقلي بين أهل المدينة حتى تقدموا و أراكم و آنس بكم، فليت هذا الطاغية أذن لي فأتّخذ قصرا في الطائف فسكنته، و أسكنتكم معي، و أضمن له ألا يجيء من ناحيتنا مكروه أبدا» (4).

____________

(1). الكافي 8: 295/ 453.

(2). الكافي 8: 158/ 153.

(3). الكافي 8: 341/ 539.

(4). الكافي 8: 215/ 261.

364

باب ابتلاء الأئمّة (عليهم السلام) بأصحابهم

[المتن]

[543] 1. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «لآخذنّ البريء منكم بذنب السقيم، و لم لا أفعل و يبلغكم عن الرجل ما يشينكم و يشينني فتجالسونهم و تحدّثونهم، فيمرّ بكم المارّ فيقول: هؤلاء شرّ من هذا، فلو أنّكم إذا بلغكم ما تكرهون زبرتموهم و نهيتموهم كان أبرّ بكم و بي» (1).

و في رواية أخرى، قيل له: إذا لا يطيعونا و لا يقبلون منّا، فقال: «اهجروهم و اجتنبوا مجالسهم» (2).

[544] 2. الكافي: عنه (عليه السلام) إنّه كتب إلى الشيعة: «ليعطفنّ ذو و السنّ منكم و النهي على ذوي الجهل و طلّاب الرئاسة، أو لتصيبنّكم لعنتي أجمعين» (3).

[545] 3. الكافي: عنه (عليه السلام): «رحم اللّه عبدا حبّبنا إلى النّاس و لم يبغّضنا إليهم، أما و اللّه لو يروون محاسن كلامنا لكانوا به أعزّ، و ما استطاع أحد أن يتعلّق عليهم بشيء، و لكنّ أحدهم يسمع الكلمة فيحطّ إليها عشرا» (4).

[546] 4. الكافي: عنه (عليه السلام): «خلق في المسجد يشعرونا و يشهرون أنفسهم، أولئك ليسوا منّا، و لا نحن منهم، انطلق فأداري و أستر، فيهتكون ستري، هتك اللّه سترهم، يقولون: إمام، أما و اللّه ما أنا بإمام إلّا لمن أطاعني، فأمّا من عصاني فلست له بإمام، لم يتعلّقون باسمي، ألا يلقون اسمي من أفواههم؟ فو اللّه لا يجمعني اللّه و إيّاهم في دار» (5).

____________

(1). الكافي 8: 158/ 150.

(2). الكافي 8: 162/ 169.

(3). الكافي 8: 158/ 152.

(4). الكافي 8: 229/ 293.

(5). الكافي 8: 374/ 562.

365

باب ابتلاء الأولياء بالتقية و الخوف و كتمان الحديث في الجوف

[المتن]

[547] 1. الكافي: عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبة له: «اللهم و إنّي لأعلم أنّ العلم لا يأرز كلّه، و لا تنقطع موادّه، و أنّك لا تخلي أرضك من حجّة لك على خلقك، ظاهر ليس بالمطاع أو خائف مغمور، كيلا تبطل حججك و لا يضلّ أولياؤك بعد إذ هديتهم، بل أين هم و كم أولئك؟ الأقلّون عددا، و الأعظمون عند اللّه جلّ ذكره قدرا، المتّبعون لقادة الدّين الأئمة الهادين، الذين يتأدّبون بآدابهم، و ينهجون نهجهم، فعند ذلك يهجم بهم العلم، على حقيقة الإيمان، فتستجيب أرواحهم لقادة العلم و يستلينون من حديثهم ما استوعر على غيرهم، و يأنسون بما استوحش منه المكذّبون و أباه المسرفون، أولئك أتباع العلماء، صحبوا أهل الدّنيا بطاعة اللّه تعالى و أوليائه، و دانوا بالتقيّة عن دينهم، و الخوف من عدوّهم، فأرواحهم معلّقة بالمحلّ الأعلى، فعلماؤهم و أتباعهم خرس صمت في دولة الباطل، ينتظرون لدولة الحقّ، و سيحقّ اللّه الحقّ بكلماته و يبطل الباطل.

هاه، هاه، طوبى لهم على صبرهم على دينهم في حال هدنتهم، و يا شوقاه إلى رؤيتهم في حال ظهور دولتهم، و سيجمعنا اللّه و إيّاهم في جنات عدن و من صلح من آبائهم و أزواجهم و ذريّاتهم» (1).

* بيان

«لا يأرز كلّه» بتقديم المهملة؛ لا ينضمّ بعضه إلى بعض، و لا يجتمع عند أهله، «هجم بهم العلم» يرد عليهم ورودا من حيث لا يشعرون «ما استوعر» ما استصعب، يعني من الأسرار المكنونة «فأرواحهم معلّقة بالمحلّ الأعلى» يعني نفضوا عن أذيال قلوبهم غبار التعلّق بهذه الخربة الموحشة الدنيّة، و توجّهت أرواحهم إلى مشاهدة حضرة الربوبيّة، فهم مصاحبون بأشباحهم لأهل هذه الدار، و بأرواحهم للملائكة المقرّبين و الأخيار.

____________

(1). الكافي 1: 335/ 3.

366

[المتن]

[548] 2. الكافي: عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «إنّ حديث آل محمّد صعب مستصعب، لا يؤمن به إلّا ملك مقرّب أو نبي مرسل أو عبد امتحن اللّه قلبه للإيمان، فما ورد عليكم من حديث آل محمّد فلانت له قلوبكم و عرفتموه فاقبلوه، و ما اشمأزّت منه قلوبكم و أنكرتموه فردّوه إلى اللّه و الرسول و إلى العالم من آل محمّد، و إنّما الهلاك أن يحدّث أحدكم بشيء منه لا يحتمله، فيقول: و اللّه ما كان هذا، و اللّه ما كان هذا، و الإنكار هو الكفر» (1).

[549] 3. الكافي: عن السّجاد (عليه السلام) و ذكرت التقيّة يوما عنده، فقال: «و اللّه لو علم أبو ذرّ ما في قلب سلمان لقتله، و لقد آخى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بينهما، فما ظنّكم بسائر الخلق؟ إنّ علم العلماء صعب مستصعب لا يحتمله إلّا نبي مرسل أو ملك مقرّب أو عبد مؤمن امتحن اللّه قلبه للإيمان، فقال: إنما صار سلمان من العلماء لأنّه امرؤ منّا أهل البيت، فلذلك نسبته إلى العلماء» (2).

* بيان

«لقتله» و في رواية أخرى: «لكفّره» (3) و ذلك لأن مكنون العلم عزيز المنال دقيق المدرك صعب الوصول، يقصر عن بلوغه الفحول من العلماء فضلا عن الضعفاء، و لهذا إنّما يخاطب الجمهور بظواهر الشرع و مجملاته دون أسراره و أغواره، لقصور أفهامهم عن إدراكها، و ضيق حواصلهم عن احتمالها، إذ لا يسعهم الجمع بين الظاهر و الباطن، فيظنّون تخالفهما و تنافيهما، فينكرون و ينكرون و يكفّرون فيقتلون، «امرؤ منّا» لفرط اختصاصه بنا و انقطاعه إلينا و اقتباسه من أنوارنا.

[المتن]

[550] 4. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «إنّ حديثنا صعب مستصعب، لا يحتمله إلّا صدور منيرة، أو قلوب سليمة أو أخلاق حسنة، إنّ اللّه أخذ من شيعتنا الميثاق كما أخذ على بني آدم أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ (4) فمن و فى لنا و فى اللّه له بالجنة، و من أبغضنا و لم يؤدّ إلينا حقّنا ففي النار خالدا مخلّدا» (5).

____________

(1). الكافي 1: 401/ 1.

(2). الكافي 1: 401/ 2.

(3). رجال الكشيّ: 11.

(4). الاعراف (7): 172.

(5). الكافي 1: 401/ 3.

367

* بيان

يعني أخذ من شيعتنا الميثاق بكتمان سرّنا، كما أخذ على سائر بني آدم الميثاق بربوبيته «فمن وفى لنا وفى اللّه له بالجنة» (1) يدلّ على هذا قوله (عليه السلام)، في حديث آخر: «إنّ أمرنا سرّ مستور في سرّ مقنّع بالميثاق من هتكه أذلّه اللّه» (2) و يحتمل أن يكون هذا الميثاق من توابع الميثاق بالولاية، و أن يكون السرّ الثاني إشارة إلى الميثاق بالولاية.

[المتن]

[551] 5. الكافي: سئل الهادي (عليه السلام) ما معنى قول الصادق (عليه السلام): «حديثنا لا يحتمله ملك مقرّب و لا نبي مرسل و لا مؤمن امتحن اللّه قلبه للإيمان؟» فجاء الجواب: «إنّما معنى قول الصادق (عليه السلام)، أي: لا يحتمله ملك و لا نبي و لا مؤمن، إنّ الملك لا يحتمله حتى يخرجه إلى ملك غيره، و النبي لا يحتمله حتى يخرجه إلى نبي غيره، و المؤمن لا يحتمله حتى يخرجه إلى مؤمن غيره، فهذا معنى قول جدّي» (3).

[552] 6. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «إنّ عندنا و اللّه سرّا من سرّ اللّه، و علما من علم اللّه، و اللّه ما يحتمله ملك مقرّب و لا نبي مرسل و لا مؤمن امتحن اللّه قلبه للإيمان، و اللّه ما كلّف اللّه ذلك أحدا غيرنا، و لا استعبد بذلك أحدا غيرنا، و إنّ عندنا سرّا من سرّ اللّه، و علما من علم اللّه، أمرنا اللّه بتبليغه، فبلّغنا عن اللّه عزّ و جلّ ما أمرنا بتبليغه، فلم نجد له موضعا و لا أهلا و لا حمّالة يحتملونه، حتى خلق اللّه لذلك أقواما خلقوا من طينة خلق منها محمّدا و آله و ذرّيته (عليهم السلام)، و من نور خلق اللّه منه محمّدا و ذرّيته، و صنعهم بفضل صنع رحمته التي صنع منها محمّدا و ذرّيته، فبلّغنا عن اللّه تعالى ما أمرنا بتبليغه، فقبلوه و احتملوا ذلك، فبلغهم ذلك عنّا فقبلوه و احتملوه، و بلغهم ذكرنا فمالت قلوبهم إلى معرفتنا و حديثنا، فلو لا أنّهم خلقوا من هذا لما كانوا كذلك، لا و اللّه ما احتملوه».

ثم قال: «إنّ اللّه تعالى خلق أقواما لجهنّم و النار، فأمرنا أن نبلّغهم كما

____________

(1). الكافي 1: 406/ باب ان حديثهم صعب مستصعب.

(2). بصائر الدرجات: 28.

(3). الكافي 1: 401/ 4.

368

بلّغناهم، و اشمأزّوا من ذلك و نفرت قلوبهم، و ردّوه علينا، و لم يحتملوه و كذّبوا به، و قالوا: ساحر كذّاب، فطبع اللّه على قلوبهم و أنساهم ذلك، ثم أطلق اللّه تعالى لسانهم ببعض الحق، فهم ينطقون به و قلوبهم منكرة، ليكون ذلك رفعا عن أوليائه و أهل طاعته، و لو لا ذلك ما عبد اللّه في أرضه، فأمرنا بالكفّ عنهم و السرّ و الكتمان، فاكتموا عمّن أمر اللّه بالكفّ عنه، و استروا عمّن أمر اللّه بالستر و الكتمان عنه».

ثم رفع يده و بكى، و قال: «اللهم إنّ هؤلاء لشر ذمة قليلون، فاجعل محيانا محياهم، و مماتنا مماتهم، و لا تسلّط عليهم عدوّا لك فتفجعنا بهم، فإنك إن أفجعتنا بهم لم تعبد أبدا في أرضك، و صلى اللّه على محمّد و آله و سلّم تسليما» (1).

* بيان

«ان نبلّغهم كما بلّغناهم» يعني كما بلّغنا الأولين، و في الكلام حذف، يعني فبلّغناهم فما قبلوه و اشمأزّوا و ردّوه علينا، و لو كانوا ردّوه إليهم لكان خيرا لهم، و لكنّهم لسوء طينتهم ردّوه عليهم و كذّبوا به «و أنساهم ذلك» نبّه بذلك على أنّهم لو كانوا ذاكرين لما سمعوه منهم (عليهم السلام) لما نطقوا به أبدا لفرط عنادهم لهم (عليهم السلام) و بغضهم إيّاهم، و لكنّهم لمّا أنساهم اللّه ذلك نطقوا ببعضه عن طريق آخر بإنطاق اللّه إيّاهم له، و إطلاقه لسانهم به لحكمة له سبحانه في ذلك، و هو الدفع عن أوليائه، فإنّهم إذا كانوا شركاء لهم في النطق به، فلا يسعهم الأذى لهم بسببه، فقوله: «ليكون ذلك» أي ليكون نطقهم ببعض الحق لا إنكارهم بقلوبهم، فإنّها جملة معترضة، و إنّما كانت قلوبهم منكرة لأهل هذا العلم و السرّ بأعيانهم حسدا منهم عليهم و عداوة لهم، و ليست منكرة للعلم نفسه، و لهذا ينطقون ببعضه، و هذا مثل طائفة من أهل الخلاف الناطقين ببعض الأسرار الإلهية المنكرين لفضل أهل البيت، الجاهلين لعلوّهم و رتبتهم، و ربّما يوجد فيهم من يظنّ بنفسه أنّه خير منهم و أعلم و أكمل، فأمرونا (عليهم السلام) بالكفّ عنهم و ستر أمرنا و أمرهم «إنّ هؤلاء» إشارة إلى العارفين بهذا العلم و السرّ كما هو حقّه.

____________

(1). الكافي 1: 402/ 5.

369

باب ابتلاء المؤمنين بغيبة إمامهم و فقد التوقيت لها

[المتن]

[553] 1. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «إيّاكم و التنويه، أما و اللّه ليغيبنّ إمامكم سنينا من دهركم، و لتمحصنّ حتى يقال: مات، قتل، هلك، بأيّ واد سلك؟ و لتدمعنّ عليه عيون المؤمنين، و لتكفأنّ كما تكفأ السفن في أمواج البحر، فلا ينجو إلّا من أخذ اللّه ميثاقه، و كتب في قلبه الإيمان، و أيّده بروح منه، و لترفعنّ اثنتا عشرة راية مشتبهة، لا يدري أيّ من أيّ».

قال المفضّل بن عمر: فبكيت، ثم قلت: فكيف نصنع؟ قال: فنظر إلى شمس داخلة في الصفّة، فقال:

«يا أبا عبد اللّه، ترى هذه الشمس؟» قلت: نعم، فقال: «و اللّه لأمرنا أبين من هذه الشمس» (1).

* بيان

«التنويه» التشهير و رفع الذكر، و الرايات المشتبهة: من أشراط ظهوره.

[المتن]

[554] 2. الكافي: عن الباقر (عليه السلام): «إنّ اللّه تعالى قد كان وقّت هذا الأمر في السبعين، فلمّا أن قتل الحسين (عليه السلام) اشتدّ غضب اللّه عزّ و جلّ على أهل الأرض فأخّره إلى أربعين و مائة، فحدّثناكم فأذعتم الحديث فكشفتم قناع الستر، و لم يجعل اللّه عزّ و جلّ له بعد ذلك وقتا عندنا و يَمْحُوا اللّٰهُ مٰا يَشٰاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتٰابِ» (2).

* بيان

«في السبعين» يعني من الهجرة النبويّة، أو الغيبة المهدويّة، و التأخير إنّما يكون بالبداء و المحو و الإثبات كما مضى تحقيقه، و يؤيد كون ابتداء المدة من الهجرة طلب أبي عبد اللّه الحسين (عليه السلام) حقّه بحوالي السبعين من الهجرة، و استشراف ظهور أمر أبي الحسن الرضا (عليه السلام) فيما بعد أربعين و مائة بقليل.

[المتن]

[555] 3. الكافي: عن الصادق (عليه السلام)، سئل: أخبرني عن هذا الأمر الذي ننتظره متى هو؟ فقال: «كذب

____________

(1). الكافي 1: 336/ 3.

(2). الكافي 1: 368/ 1.

370

الوقّاتون، و هلك المستعجلون، و نجا المسلّمون» (1).

و في رواية: «إنّا أهل بيت لا نوقّت» (2).

[556] 4. الكافي: عن الباقر (عليه السلام) سئل: لهذا الأمر وقت؟ فقال: «كذب الوقّاتون، كذب الوقّاتون، كذب الوقّاتون، إنّ موسى (عليه السلام) لمّا خرج وافدا إلى ربّه واعدهم ثلاثين يوما، فلمّا زاده اللّه على الثلاثين عشرا، قال قومه: قد أخلفنا موسى، فصنعوا ما صنعوا، فإذا حدّثناكم الحديث فجاء على ما حدّثناكم، فقولوا: صدق اللّه، و إذا حدّثناكم الحديث فجاء على خلاف ما حدّثناكم به، فقولوا: صدق اللّه، تؤجروا مرتين» (3).

* بيان

إنما يجيء على خلاف ما حدّثوا لاطّلاعهم عليه في كتاب المحو و الإثبات قبل إثبات المحو و محو الإثبات، كما مرّ تحقيقه، و إنّما يؤجرون مرّتين لإيمانهم بصدقهم أولا، و ثباتهم عليه بعد ظهور خلاف ما أخبروا به ثانيا.

باب التمحيص و فوائد زمان الغيبة

[المتن]

[557] 1. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «ويل لطغاة العرب، من أمر قد اقترب». قيل: جعلت فداك، كم مع القائم من العرب؟ قال: «نفر يسير». قيل: و اللّه إنّ من يصف هذا الأمر منهم لكثير، قال: «لا بدّ للناس من أن يمحّصوا و يميّزوا و يغربلوا، و يستخرج في الغربال خلق كثير» (4).

[558] 2. الكافي: عنه (عليه السلام): «لا و اللّه لا يكون ما تمدّون إليه أعينكم حتى تغربلوا، ألا و اللّه لا يكون ما تمدّون إليه أعينكم حتى تمحّصوا، لا و اللّه لا يكون ما تمدّون إليه أعينكم حتى تميزوا، لا و اللّه ما يكون ما تمدّون إليه أعينكم إلّا بعد إياس، لا و اللّه ما يكون ما

____________

(1). الكافي 1: 368/ 2.

(2). الكافي 1: 368/ 3.

(3). الكافي 1: 368/ 5.

(4). الكافي 1: 370/ 2.

371

تمدّون إليه أعينكم حتى يشقى من يشقى و يسعد من يسعد» (1).

[559] 3. الكافي: عنه (عليه السلام)، سئل: أيّما أفضل، العبادة في السرّ مع الإمام منكم المستتر في دولة الباطل، أو العبادة في ظهور الحقّ و دولته مع الإمام منكم الظاهر؟ فقال: «الصدقة في السر و اللّه أفضل من الصدقة في العلانية، و كذلك و اللّه عبادتكم في السرّ مع إمامكم المستتر في دولة الباطل، و تخوّفكم من عدوّكم في دولة الباطل و حال الهدنة، أفضل ممّن يعبد اللّه عزّ ذكره في ظهور الحقّ مع إمام الحقّ الظاهر في دولة الحقّ، و ليست العبادة مع الخوف في دولة الباطل مثل العبادة و الأمن في دولة الحقّ.

و اعلموا أنّ من صلّى منكم اليوم صلاة فريضة في جماعة مستترا بها من عدوّه في وقتها و أتمّها كتب اللّه له خمسين صلاة فريضة في جماعة، و من صلّى منكم صلاة فريضة وحده مستترا بها من عدوّه في وقتها فأتمّها كتب اللّه له بها خمسا و عشرين صلاة فريضة وحدانية، و من صلّى منكم صلاة نافلة لوقتها فأتمها كتب اللّه له بها عشر صلوات نوافل، و من عمل منكم حسنة كتب اللّه له بها عشرين حسنة، و يضاعف اللّه عزّ و جلّ حسنات المؤمن منكم إذا أحسن أعماله و دان بالتقيّة على دينه و إمامه و نفسه و أمسك من لسانه أضعافا مضاعفة، إنّ اللّه عزّ و جلّ كريم».

قيل: جعلت فداك، قد و اللّه رغّبتني في العمل و حثثتني عليه، و لكن أحبّ أن أعلم كيف صرنا نحن اليوم أفضل أعمالا من أصحاب الإمام الظاهر منكم في دولة الحقّ و نحن على دين واحد؟

فقال: «إنّكم سبقتموهم إلى الدخول في دين اللّه و إلى الصلاة و الصوم و الحجّ و إلى كلّ خير وفقه، و إلى عبادة اللّه سرّا من عدوّكم مع إمامكم المستتر، مطيعين له، صابرين معه، منتظرين لدولة الحقّ، خائفين على إمامكم و أنفسكم من الملوك الظلمة، تنظرون إلى حقّ إمامكم و حقوقكم في أيدي الظلمة، قد منعوكم ذلك، و اضطرّوكم إلى حرث الدنيا و طلب المعاش، مع الصبر على دينكم و عبادتكم و طاعة إمامكم و الخوف من عدوّكم، فبذلك ضاعف اللّه عزّ و جلّ لكم الأعمال فهنيئا لكم».

قيل: جعلت فداك، فما نتمنّى إذا أن نكون من أصحاب القائم و يظهر الحقّ، و نحن اليوم في إمامتك

____________

(1). الكافي 1: 370/ 6.

372

و طاعتك أفضل أعمالا من أصحاب دولة الحق و العدل؟

فقال: «سبحان اللّه! أ ما تحبّون أن يظهر اللّه تعالى الحقّ و العدل في البلاد، و يجمع اللّه الكلمة، و يؤلّف اللّه بين قلوب مختلفة، و لا يعصون اللّه تعالى في أرضه، و تقام حدوده في خلقه، و يردّ اللّه الحقّ إلى أهله فيظهر حتى لا يستخفي بشيء من الحق مخافة أحد من الخلق؟! أما و اللّه لا يموت منكم ميت على الحال التي أنتم عليها إلّا كان أفضل عند اللّه من كثير من شهداء بدر و احد فأبشروا» (1).

[560] 4. الكافي: عن الباقر (عليه السلام): «اعلموا أنّ المنتظر لهذا الأمر له مثل أجر الصائم القائم» (2).

[561] 5. الكافي: عنه (عليه السلام): «إنّ القائل منكم إذا قال: إن أدركت قائم آل محمّد نصرته، كالمقارع معه بسيفه، و الشهادة معه شهادتان» (3).

* بيان

إحداهما لقوله هذا، و الأخرى لوقوعها.

[المتن]

[562] 6. الكافي: عنه (عليه السلام): «من مات و ليس له إمام فميتته ميتة جاهلية، و من مات و هو عارف لإمامه لم يضرّه تقدّم هذا الأمر أو تأخّر، و من مات و هو عارف لإمامه كان كمن هو مع القائم في فسطاطه» (4).

[563] 7. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «أقرب ما يكون العباد من اللّه تعالى و أرضى ما يكون عنهم إذا افتقدوا حجة اللّه و لم يظهر لهم و لم يعلموا مكانه، و هم في ذلك يعلمون أنّه لم تبطل حجّة اللّه تعالى و لا ميثاقه، فعند ذلك فتوقّعوا الفرج صباحا و مساء، و إن أشدّ ما يكون غضب اللّه على أعدائه إذا افتقدوا حجّته و لم يظهر لهم، و قد علم أنّ أولياءه لا يرتابون، و لو علم أنّهم يرتابون ما غيّب حجّته عنهم طرفة عين، و لا يكون ذلك إلّا على رأس شرار الناس» (5).

____________

(1). الكافي 1: 333/ 2.

(2). الكافي 2: 222/ 4.

(3). الكافي 8: 81/ 37.

(4). الكافي 1: 371/ 5.

(5). الكافي 1: 333/ 1.

373

* بيان

مما يؤيّد هذه الأخبار، ما رواه الصدوق (رحمه اللّه) في إكمال الدين بإسناده عن أبي الحسن (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: «أفضل أعمال أمّتي انتظار الفرج» (1).

باب الابتلاء بالنعم

[المتن]

[564] 1. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «ما من عبد تظاهرت عليه من اللّه نعمة إلّا اشتدّت مئونة الناس عليه، فمن لم يقض للناس حوائجهم فقد عرّض النعمة للزوال» قيل: و من يقدر أن يقوم لهذا الخلق بحوائجهم؟ فقال: «إنّما الناس في هذا الموضع و اللّه المؤمنون» (2).

[565] 2. الكافي: الفقيه: عنه (عليه السلام): «من عظمت نعم اللّه عليه اشتدّت مئونة الناس عليه، فاستديموا النعمة باحتمال المئونة، و لا تعرّضوها للزوال، فقلّ من زالت عنه النعمة فكادت تعود إليه» (3).

[566] 3. الكافي: عنه (عليه السلام): «أحسنوا جوار النعم» قيل: و ما حسن جوار النّعم؟ قال: «الشكر لمن أنعم بها، و أداء حقوقها» (4).

[567] 4. الكافي: عن الرضا (عليه السلام): «و اللّه لما أخّر اللّه عن المؤمن في هذه الدنيا خير ممّا عجّل له فيها». ثم صغّر الدنيا، و قال: «أي شيء هي؟!» ثمّ قال: «إنّ صاحب النعمة على خطر، إنّه يجب عليه حقوق اللّه فيها» (5).

____________

(1). كمال الدين 2: 644/ 55.

(2). الكافي 4: 37/ 2.

(3). الكافي 4: 37/ 1؛ الفقيه 2: 1705.

(4). الكافي 4: 38/ 2.

(5). الكافي 3: 502/ 19.

374

باب الابتلاء بالفقر

[المتن]

[568] 1. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «كلّما ازداد العبد إيمانا ازداد ضيقا في معيشته» (1).

[569] 2. الكافي: عنه (عليه السلام): «لو لا إلحاح المؤمنين على اللّه في طلب الرزق، لنقلهم من الحال التي هم فيها إلى حال أضيق منها» (2).

[570] 3. الكافي: عنه (عليه السلام): «ما أعطي عبد من الدنيا إلّا اعتبارا، و لا زوي عنه إلّا اختبارا» (3).

[571] 4. الكافي: عنه (عليه السلام): «ليس لمصاص شيعتنا في دولة الباطل إلّا القوت، شرّقوا إن شئتم أو غرّبوا لن ترزقوا إلّا القوت» (4).

* بيان

«المصاص» خالص كلّ شيء.

[المتن]

[572] 5. الكافي: عنه (عليه السلام): «ما كان من ولد آدم مؤمن إلّا فقيرا، و لا كافرا إلّا غنيا، حتى جاء إبراهيم (عليه السلام)، فقال: رَبَّنٰا لٰا تَجْعَلْنٰا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا فصيّر اللّه في هؤلاء أموالا و حاجة، و في هؤلاء أموالا و حاجة» (5).

[573] 6. الكافي: عن السجاد (عليه السلام) في قول اللّه تعالى: لَوْ لٰا أَنْ يَكُونَ النّٰاسُ أُمَّةً وٰاحِدَةً (6) قال: «عنى بذلك أمة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أن يكونوا على دين واحد كفّارا كلّهم لَجَعَلْنٰا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ و لو فعل اللّه ذلك بأمّة محمّد، لحزن المؤمنون و غمّهم ذلك، و لم يناكحوهم و لم يوارثوهم» (7).

____________

(1). الكافي 2: 261/ 4.

(2). الكافي 2: 261/ 5.

(3). الكافي 2: 261/ 6.

(4). الكافي 2: 261/ 7.

(5). الكافي 2: 262/ 10.

(6). الزخرف 43: 33.

(7). الكافي 2: 265/ 23.

375

* بيان

معنى الآية لو لا كراهة أن يجتمع الناس على الكفر، لجعلنا للكفّار سقوفا من فضّة إلى آخرها، و معنى الحديث أنّها نزلت في هذه الأمّة خاصّة، يعني: لو لا كراهة أن تجتمع هذه الامّة- يعني عامّتهم و جمهورهم- على الكفر فيلحقوا بسائر الكفّار و يكونوا جميعا أمّة واحدة و لا يبقى إلّا قليل ممّن محض الإيمان محضا، فعبّر بالناس عن الأكثرين لقلّة المؤمنين، فكأنّهم ليسوا منهم.

[المتن]

[574] 7. الكافي: عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «و كلّ الرزق بالحمق، و وكّل الحرمان بالعقل، و وكّل البلاء بالصبر» (1).

[575] 8. الكافي: عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «ما أشدّ حزن النساء، و أبعد فراق الموت! و أشدّ من ذلك كلّه فقر يتملّق صاحبه ثم لا يعطى شيئا» (2).

باب الابتلاء بالدّين و بوار الايّم

[المتن]

[576] 1. الكافي: الفقيه، التهذيب: عن الصادق (عليه السلام): «تعوّذ باللّه من غلبة الدّين و غلبة الرجال و بوار الأيّم» (3).

* بيان

«الأيم» من لا زوج لها و بوارها كسادها، و في (معاني الأخبار) عن الصادق (عليه السلام): «إنّ المتعوّذ منه بوارها من جهة العاهة بها لا مطلق البوار (4)».

[المتن]

[577] 2. الكافي: عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لا وجع إلّا وجع العين، و لا همّ إلّا همّ الدّين» (5).

____________

(1). الكافي 8: 221/ 277.

(2). الكافي 8: 220/ 273.

(3). الكافي 5: 92/ 1؛ الفقيه 3: 181/ 3679؛ التهذيب 6: 183/ باب الديون.

(4). معاني الأخبار: 343/ 1.

(5). الكافي 5: 101/ 4.

376

[578] 3. الكافي: عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «الدين ربقة اللّه عزّ و جلّ في الأرض، فإذا أراد اللّه جلّ اسمه أن يذلّ عبدا وضعه في عنقه» (1).

* بيان

«الربقة» عروة في حبل يجعل في عنق البهيمة أو يدها تمسكها.

[المتن]

[579] 4. الكافي: الفقيه، التهذيب: عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «إيّاكم و الدّين، فإنّه مذلّة بالنّهار و مهمّة بالليل، و قضاء في الدّنيا و قضاء في الآخرة» (2).

و في رواية: «إنّه شين للمدين» (3).

[580] 5. الفقيه: عن الكاظم (عليه السلام): «من طلب الرّزق من حلّه فغلب، فليستقرض على اللّه و على رسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)» (4).

* بيان

«فغلب» أي غلبه الفقر و العيلة.

[المتن]

[581] 6. الكافي: الفقيه، عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «من عال ثلاث بنات أو ثلاث أخوات، و جبت له الجنّة» فقيل: يا رسول اللّه، و اثنتين؟ فقال: «و اثنتين» فقيل: يا رسول اللّه، و واحدة؟

فقال: «و واحدة» (5).

[582] 7. الفقيه قال الصادق (عليه السلام): «من عال ابنتين أو اختين أو عمّتين أو خالتين، حجبتاه من النار» (6).

[583] 8. الفقيه: و قال (عليه السلام): «إذا أصاب الرجل ابنة بعث اللّه عزّ و جلّ إليها ملكا فأمرّ جناحه على رأسها و صدرها و قال: ضعيفة خلقت من ضعف، المنفق عليها معان» (7).

____________

(1). الكافي 5: 101/ 5.

(2). الكافي 5: 95/ 11؛ و الفقيه 3: 182/ 3682؛ التهذيب 6: 183/ 81/ باب الديون.

(3). الفقيه 3: 2/ 3680.

(4). الفقيه 3: 182/ 3684.

(5). الكافي 6: 6/ 10؛ الفقيه 3: 482/ 4698.

(6). الفقيه 3: 482/ 4700.

(7). الفقيه 3: 482/ 4699.

377

[584] 9. الكافي: الفقيه، قال: اتي رجل و هو عند النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فأخبر بمولود أصابه فتغيّر وجه الرجل، فقال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «ما لك»؟ فقال: خير، فقال له: «قل» قال: خرجت و المرأة تمخض، فاخبرت أنّها ولدت جارية، فقال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «الأرض تقلّها و السماء تظلّها، و اللّه يرزقها، و هي ريحانة تشمّها» ثم أقبل على أصحابه، فقال: «من كانت له ابنة فهو مفدوح، و من كانت له اثنتان فيا غوثاه باللّه، و من كانت له ثلاث وضع عنه الجهاد و كلّ مكروه، و من كان له أربع فيا عباد اللّه أعينوه، يا عباد اللّه أقرضوه، يا عباد اللّه ارحموه» (1).

* بيان

«تقلّها» تحملها «مفدوح» بالفاء: ذو تعب و ثقل و صعوبة، و في (الفقيه): مقروح، أي مقروح القلب.

باب الابتلاء بموت الولد و الأحبّاء

[المتن]

[585] 1. الكافي: عن الباقر (عليه السلام): «دخل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) على خديجة حين مات القاسم ابنها و هي تبكي، فقال: ما يبكيك؟ فقالت: درّت دريرة فبكيت، فقال: يا خديجة، أ ما ترضين إذا كان يوم القيامة أن يجيء إلى باب الجنة و هو قائم، فيأخذ بيدك فيدخلك الجنّة، و ينزلك أفضلها، و ذلك لكل مؤمن، إنّ اللّه تعالى أحكم و أكرم أن يسلب المؤمن ثمرة فؤاده ثم يعذّبه بعدها أبدا» (2).

* بيان

«درّت دريرة» بالمهملتين: أي سالت سائلة، أرادت بها الدّمع.

[المتن]

[586] 2. الكافي: عن الجواد (عليه السلام)، كتب إليه رجل يشكو إليه مصابه بولده و شدّة ما دخله، فكتب إليه: «أ ما علمت أنّ اللّه تعالى يختار من مال المؤمن و من ولده أنفسه ليأجره على ذلك؟» (3).

____________

(1). الكافي 6: 6/ 6؛ الفقيه 3: 482/ 4697.

(2). الكافي 3: 218/ 2.

(3). الكافي 3: 263/ 46.

378

[587] 3. الكافي: الفقيه عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «إذا قبض ولد المؤمن، و اللّه أعلم بما قال العبد، قال اللّه تعالى لملائكته: قبضتم ولد فلان المؤمن؟ فيقولون: نعم ربّنا قال: «فيقول: فما ذا قال عبدي؟ قالوا: حمدك و استرجع، فيقول اللّه تعالى لملائكته: أخذتم ثمرة قلبه و قرّة عينه فحمدني و استرجع، ابنوا له بيتا في الجنّة و سمّوه بيت الحمد» (1).

[588] 4. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «إنّ اللّه تعالى إذا أحبّ عبدا قبض أحبّ ولده إليه» (2).

[589] 5. الكافي: عنه (عليه السلام): «من قدّم من المسلمين ولدين يحتسبهما عند اللّه، حجباه من النار بإذن اللّه تعالى» (3).

[590] 6. الكافي: الفقيه: عنه (عليه السلام): «ولد يقدّمه الرجل أفضل من سبعين ولدا يخلّفهم بعده كلّهم قد ركبوا الخيل و جاهدوا في سبيل اللّه» (4).

[591] 7. الكافي: الفقيه عنه (عليه السلام): «ثواب المؤمن من ولده إذا مات الجنّة صبر أو و لم يصبر» (5).

[592] 8. الفقيه: عنه (عليه السلام): «لمّا مات إبراهيم ابن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): حزنا عليك يا إبراهيم، و إنّا لصابرون، يحزن القلب و تدمع العين و لا نقول ما يسخط الربّ» (6).

[593] 9. الكافي: الفقيه: لما مات ذرّ بن أبي ذرّ مسح أبو ذرّ القبر بيده، ثم قال: رحمك اللّه يا ذرّ، و اللّه إنّك كنت بي بارّا، و لقد قبضت و إنّي عنك لراض، أما و اللّه ما بي فقدك، و ما علي من غضاضة، و ما لي إلى أحد سوى اللّه من حاجة، و لو لا هول المطّلع لسرّني أن أكون مكانك، و لقد شغلني الحذر لك من الحذر عليك، و اللّه ما بكيت لك و لكن بكيت عليك، فليت شعري، ما ذا قلت و ما ذا قيل لك!

ثم قال: اللهمّ إنّي قد وهبت له ما افترضت عليه من حقّي، فهب له ما افترضت عليه من حقّك، فأنت

____________

(1). الكافي 3: 218/ 4؛ الفقيه 1: 177/ 523.

(2). الكافي 3: 219/ 5.

(3). الكافي 3: 219/ 6.

(4). الكافي 3: 218/ 1؛ و الفقيه 1: 176/ 519.

(5). الكافي 3: 219/ 8؛ الفقيه 1: 176/ 518.

(6). الفقيه 1: 177/ 526.

379

أحقّ بالجود منّي و الكرم (1).

* بيان

«ما بي فقدك» يعني: أنت لي الآن كما كنت قبل «و الغضاضة»: الزلّة و المنقصة.

[المتن]

[594] 10. الفقيه: قال ابن أبي ليلى للصادق (عليه السلام): أيّ شيء أحلى ممّا خلق اللّه عزّ و جلّ؟ فقال:

«الولد الشاب» فقال: أيّ شيء أمرّ ممّا خلق اللّه تعالى؟ فقال: «فقده» فقال: أشهد أنّكم حجج اللّه على خلقه (2).

[595] 11. الفقيه قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لا يدخل الجنّة من ليس له فرط». فقال له رجل: فمن لم يولد له و لم يقدّم ولدا يا رسول اللّه، أو لكلّنا فرط؟ فقال: «نعم، إنّ من فرط الرجل أخاه في اللّه عزّ و جلّ» (3).

باب الابتلاء بالمصيبة كانت ما كانت

[المتن]

[596] 1. الكافي: عن الباقر (عليه السلام): «إن اصبت بمصيبة في نفسك أو في مالك أو في ولدك، فاذكر مصابك برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فإنّ الخلائق لم يصابوا بمثله قط» (4).

[597] 2. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «لمّا مات النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) سمعوا صوتا و لم يروا شخصا، يقول: كُلُّ نَفْسٍ ذٰائِقَةُ الْمَوْتِ وَ إِنَّمٰا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّٰارِ وَ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فٰازَ (5) و قال: إنّ في اللّه خلفا من كلّ هالك، و عزاء من كلّ مصيبة، و دركا ممّا فات، فباللّه فثقوا، و إيّاه فارجوا، و إنّما المحروم من حرم الثواب» (6).

____________

(1). الكافي 3: 250/ 4؛ الفقيه 1: 185/ 558.

(2). الفقيه 1: 188/ 569.

(3). الفقيه 1: 176/ 520.

(4). الكافي 3: 220/ 2.

(5). آل عمران (3): 185.

(6). الكافي 3: 221/ 4.

380

[598] 3. الفقيه: قال الصادق (عليه السلام): «من خاف على نفسه من وجد بمصيبته فليفض من دموعه فإنّه يسكن عنه» (1).

[599] 4. الفقيه: عنه (عليه السلام): «لو لا أنّ الصبر خلق قبل البلاء لتفطّر المؤمن كما تتفطّر البيضة على الصّفا» (2).

[600] 5. الكافي، الفقيه: عن الباقر (عليه السلام): «ما من عبد يصاب بمصيبة فيسترجع عند مصيبته و يصبر حين يفجأه، إلّا غفر اللّه له ما تقدّم من ذنبه، و كلّما ذكر مصيبة فاسترجع عند ذكر المصيبة، غفر له كلّ ذنب اكتسب فيما بينهما» (3).

و في رواية (الفقيه) استثنى الكبائر في الموضعين (4).

[601] 6. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «من ذكر مصيبته و لو بعد حين فقال: إنّا للّه و إنّا إليه راجعون، و الحمد للّه ربّ العالمين، اللهمّ أجرني على مصيبتي، و اخلف علي أفضل منها؛ كان له من الأجر مثل ما كان عند أوّل صدمة» (5).

[602] 9. الكافي: عنه (عليه السلام) كان يقول عند المصيبة: «الحمد للّه الذي لم يجعل مصيبتي في ديني، و الحمد للّه الذي لو شاء أن تكون مصيبتي أعظم ممّا كانت، و الحمد للّه على الأمر الذي شاء أن يكون فكان» (6).

[603] 10. الكافي: عنه (عليه السلام): «لا تعدّنّ مصيبة اعطيت عليها الصبر و استوجبت عليها من اللّه الثواب، إنّما المصيبة التي يحرم صاحبها أجرها و ثوابها إذا لم يصبر عند نزولها» (7).

[604] 11. الفقيه: عنه (عليه السلام): «من اصيب بمصيبة جزع عليها أو لم يجزع، صبر عليها أو لم

____________

(1). الفقيه 1: 187/ 568.

(2). الفقيه 1: 175/ 513.

(3). الكافي 3: 224/ 5؛ و الفقيه 1: 175/ 515.

(4). الفقيه 1: 175/ 515.

(5). الكافي 3: 224/ 6.

(6). الكافي 3: 262/ 42.

(7). الكافي 3: 224/ 7.

381

يصبر، كان ثوابه من اللّه تعالى الجنّة» (1).

[605] 12. الكافي: عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «ضرب المسلم يده على فخذه عند المصيبة إحباط لأجره» (2).

[606] 13. الكافي: سئل الباقر (عليه السلام): ما الجزع؟ قال: «أشدّ الجزع الصراخ بالويل و العويل، و لطم الوجه و الصدر، و جزّ الشعر من النواصي، و من أقام النواحة فقد ترك الصبر و أخذ في غير طريقه، و من صبر و استرجع و حمد اللّه فقد رضي بما صنع اللّه و وقع أجره على اللّه، و من لم يفعل ذلك جرى عليه القضاء و هو ذميم، و أحبط اللّه أجره» (3).

[607] 14. الفقيه: قال الصادق (عليه السلام): «إنّا أهل بيت نجزع قبل المصيبة، فإذا وقع أمر اللّه رضينا بقضائه و سلّمنا لأمره، و ليس لنا أن نكره ما أحبّ اللّه» (4).

باب الابتلاء بالكبر و المرض

[المتن]

[608] 1. الكافي: عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «إنّ المؤمن إذا غلبه ضعف الكبر أمر اللّه تعالى الملك أن يكتب له في حاله تلك مثل ما كان يعمل و هو شابّ نشيط صحيح، و مثل ذلك إذا مرض وكّل اللّه به ملكا فيكتب له في سقمه ما كان يعمل من الخير حتى يرفعه اللّه و يقبضه، و كذلك الكافر إذا اشتغل بسقم في جسده كتب اللّه له ما كان يعمل من شرّ في صحّته» (5).

[609] 2. الكافي: عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «يقول اللّه عزّ و جلّ للملك الموكّل بالمؤمن إذا مرض: اكتب له

____________

(1). الكافي 3: 224/ 4.

(2). الفقيه 1: 176/ 517.

(3). الكافي 3: 222/ 1.

(4). الفقيه 1: 187/ 567.

(5). الكافي 3: 113/ 2.

382

ما كنت تكتب له في صحّته، فإنّي أنا الذي صيّرته في حبالي» (1).

[610] 3. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «إذا صعد ملكا العبد المريض إلى السّماء عند كلّ مساء، يقول الربّ تعالى: ما ذا كتبتما لعبدي في مرضه؟ فيقولان: الشكاية، فيقول: ما أنصفت عبدي إذ حبسته في حبس من حبسي ثم أمنعه الشكاية، اكتبا لعبدي مثل ما كنتما تكتبان له من الخير في صحّته، و لا تكتبا عليه سيّئة حتّى اطلقه من حبسي، فإنّه في حبس من حبسي» (2).

[611] 4. الكافي: عن الكاظم (عليه السلام): «إذا مرض المؤمن أوحى اللّه تعالى إلى صاحب الشّمال:

لا تكتب على عبدي ما دام في حبسي و وثاقي ذنبا، و يوحي إلى صاحب اليمين أن اكتب لعبدي ما كنت تكتبه في صحّته من الحسنات» (3).

[612] 5. الكافي: عن أحدهما (عليهما السلام): «سهر ليلة من مرض أو وجع أفضل و أعظم أجرا من عبادة سنة» (4).

[613] 6. الكافي: عن الباقر (عليه السلام): «حمّى ليلة تعدل عبادة سنة، و حمّى ليلتين تعدل عبادة سنتين، و حمّى ثلاث تعدل عبادة سبعين سنة» (5).

[614] 7. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «حمّى ليلة كفّارة لما قبلها و لما بعدها» (6).

[615] 8. الكافي: عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «قال اللّه تعالى: من مرض ثلاثا فلم يشك إلى أحد من عوّاده؛ أبدلته لحما خيرا من لحمه و دما خيرا من دمه، فإن عافيته عافيته و لا ذنب له، و إن قبضته قبضته إلى رحمتي» (7).

____________

(1). الكافي 3: 113/ 3.

(2). الكافي 3: 114/ 5.

(3). الكافي 3: 114/ 7.

(4). الكافي 3: 114/ 4.

(5). الكافي 3: 114/ 7.

(6). الكافي 3: 115/ 10.

(7). الكافي 3: 115/ 1.

383

و في رواية: «يبدله لحما و شعرا و دما و بشرا لم يذنب فيها» (1).

[616] 9. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «من اشتكى ليلة فقبلها بقبولها و أدّى إلى اللّه شكرها كانت كعبادة ستّين سنة». قيل: ما قبولها؟ قال: «يصبر عليها و لا يخبر بما كان فيها، فإذا أصبح حمد اللّه على ما كان» (2).

[617] 10. الكافي: عنه (عليه السلام) سئل عن حدّ الشكاية للمريض، قال: «إنّ الرجل يقول: حممت اليوم و سهرت البارحة، و قد صدق، و ليس هذا شكاية، و إنّما الشكوى أن يقول: لقد ابتليت بما لم يبتل به أحد، و يقول: لقد أصابني ما لم يصب أحدا» (3).

باب الابتلاء بجار السوء

[المتن]

[618] 1. الكافي: عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «أعوذ باللّه من جار السوء في دار إقامة، تراه عيناك و يرعاك قلبه، إن رآك بخير ساءه، و إن رآك بشرّ سرّه» (4).

[619] 2. الكافي: عن الباقر (عليه السلام): «من القواصم الفواقر التي تقصم الظهر جار السوء، إن رأى حسنة أخفاها، و إن رأى سيّئة أفشاها» (5).

* بيان

«الفاقرة» الداهية التي تكسر فقار الظهر.

[المتن]

[620] 3. الكافي: عنه (عليه السلام): «جاء رجل إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فشكا إليه أذي جاره، فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): اصبر، ثم أتاه ثانية، فقال له النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): اصبر، ثمّ عاد إليه فشكاه ثالثة، فقال

____________

(1). الكافي 3: 116/ 6.

(2). الكافي 3: 116/ 5.

(3). الكافي 3: 116/ 1.

(4). الكافي 2: 669/ 16.

(5). الكافي 2: 668/ 15.

384

رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) للرجل الذي شكا: إذا كان عند رواح الناس إلى الجمعة، فأخرج متاعك إلى الطريق حتى يراه من يروح إلى الجمعة، فإذا سألوك فأخبرهم» قال:

«ففعل، فأتاه جاره المؤذي له، فقال له: ردّ متاعك، فلك اللّه علي ألا أعود» (1).

باب الابتلاء بزمان السوء

[المتن]

[621] 1. الكافي: عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبة له خطبها بذي قار: «سيأتي عليكم من بعدي زمان ليس في ذلك الزمان شيء أخفى من الحقّ، و لا أظهر من الباطل، و لا أكثر من الكذب على اللّه و على رسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و ليس عند أهل ذلك الزمان سلعة أبور من الكتاب إذا تلي حقّ تلاوته، و لا سلعة أنفق بيعا و لا أغلى ثمنا من الكتاب إذا حرّف عن مواضعه، و ليس في العباد و لا في البلاد شيء هو أنكر من المعروف، و لا أعرف من المنكر، و ليس فيها فاحشة أنكر و لا عقوبة أنكى من الهدى عند الضلال في ذلك الزمان، فقد نبذ الكتاب حملته، و تناساه حفظته، حتّى تمالت بهم الأهواء، و توارثوا ذلك من الاباء، و عملوا بتحريف الكتاب كذبا و تكذيبا، فباعوه بالبخس و كانوا فيه من الزاهدين، فالكتاب و أهل الكتاب في ذلك الزمان طريدان منفيّان، و صاحبان مصطحبان في طريق واحد، لا يؤويهما مؤو، فحبّذا ذانك الصاحبان واها لهما و لما يعملان له.

فالكتاب و أهل الكتاب في ذلك الزمان في الناس و ليسوا فيهم، و معهم و ليسوا معهم، و ذلك لأنّ الضلالة لا توافق الهدى و إن اجتمعا، و قد اجتمع القوم على الفرقة، و افترقوا عن الجماعة، قد ولّوا أمرهم و أمر دينهم من يعمل فيهم بالمكر و المنكر و الرشاء و القتل لم يعظهم على تحريف الكتاب تصديقا لما يفعل، و تزكية لفضله، و لم يولّوا أمرهم من يعلم الكتاب و يعمل بالكتاب، و لكن يولّيهم من يعمل بعمل أهل

____________

(1). الكافي 2: 668/ 13.

385

النار، كأنّهم أئمة الكتاب و ليس الكتاب إمامهم، لم يبق عندهم من الحق إلّا اسمه، و لم يعرفوا من الكتاب إلّا خطّه و زبره، يدخل الداخل لما يسمع من حكم القرآن فلا يطمئنّ جالسا حتى يخرج من الدّين، ينتقل من دين ملك إلى دين ملك، و من ولاية ملك إلى ولاية ملك، و من طاعة ملك إلى طاعة ملك، و من عهود ملك إلى عهود ملك، فاستدرجهم اللّه من حيث لا يعلمون، و إنّ كيده متين بالأمل و الرجاء حتى توالدوا في المعصية، و دانوا بالجور، و الكتاب لم يضرب عن شيء منه صفحا، ضلّالا تائهين قد دانوا بغير دين اللّه تعالى و أدانوا لغير اللّه.

مساجدهم في ذلك الزمان عامرة من الضلالة، خربة من الهدى، قد بدّل ما فيها من الهدى، فقرّاؤها و عمّارها أخائب خلق اللّه و خليقته، من عندهم جرت الضلالة و إليهم تعود، فحضور مساجدهم و المشي إليها كفر باللّه العظيم، إلّا من مشى إليها و هو عارف بضلالهم، فصارت مساجدهم من فعالهم على ذلك النحو، خربة من الهدى عامرة من الضلالة، قد بدّلت سنّة اللّه، و تعدّيت حدوده، لا يدعون إلى الهدى، و لا يقسمون الفيء و لا يوفون بذمّة، يدعون القتيل منهم على ذلك شهيدا، فدانوا اللّه بالافتراء و الجحود، و استغنوا بالجهل عن العلم، و من قبل ما مثّلوا بالصالحين كلّ مثلة، و سمّوا صدقهم على اللّه تعالى فرية، و جعلوا في الحسنة العقوبة السيئة، و قد بعث اللّه تعالى إليكم رسولا من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم، صلى اللّه عليه و آله و سلم، و أنزل عليه كتابا عزيزا لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، قرآنا غير ذي عوج لينذر من كان حيّا و يحقّ القول على الكافرين» (1).

* بيان

«ذو قار» موضع بين الكوفة و واسط «و النفاق» الرواج «و النكاية» الجرح و القرح «و البخس» الناقص «واها» كلمة تلهّف و توجّع «لم يعظهم» يعني الوالي «تصديقا» متعلّق بالتحريف أو بترك العظة «و الزبر» بالكسر: المكتوب، و بالفتح: مصدر «لم يضرب عن شيء منه صفحا» أي لم يعرض عنه إعراضا، بل بيّن ذلك جميعا، فإنّ فيه

____________

(1). الكافي 8: 387/ 586.

386

تبيان كلّ شيء «و أخائب» جمع أخيب «و على» في قوله «على اللّه» متعلّق بفرية «من أنفسكم» أي من جنسكم عربي مثلكم، و قرئ (من أنفسكم) أي من أشرافكم «عزيز عليه» شديد شاقّ «ما عنتّم» عنّتكم و لقّاكم المكروه «من كان حيّا» أي عاقلا فهما، فإنّ الغافل كالميّت، أو مؤمنا في علم اللّه تعالى.

باب الابتلاء بالذنب

[المتن]

[622] 1. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «من جاءنا يلتمس الفقه و القرآن و تفسيره فدعوه، و من جاءنا يبدي عورة قد سترها اللّه تعالى فنحّوه».

فقال له رجل من القوم: جعلت فداك، و اللّه إنّي لمقيم على ذنب منذ دهر، اريد أن أتحوّل عنه إلى غيره فما أقدر عليه؟ فقال له: «إن كنت صادقا فإنّ اللّه يحبّك، و ما يمنعه أن ينقلك عنه إلى غيره إلّا لكي تخافه» (1).

[623] 2. الكافي: عنه (عليه السلام): «إنّ اللّه تعالى علم أنّ الذّنب خير للمؤمن من العجب، و لو لا ذلك ما ابتلى مؤمنا بذنب أبدا» (2).

[624] 3. الكافي: عنه (عليه السلام): «ما من ذنب إلّا و قد طبع عليه عبد مؤمن يهجره الزمان، ثم يلمّ به، و هو قول اللّه سبحانه: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبٰائِرَ الْإِثْمِ وَ الْفَوٰاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ» (3) قال: «اللمم من العبد الذي يلمّ بالذنب ليس من سليقته» أي من طبيعته (4).

* بيان

«و قد طبع عليه» يعني لعارض عرض له يمكن زواله عنه، و لهذا يمكنه الهجرة عنه، و لو كان مطبوعا عليه في أصل الخلقة و كان من سجيّته و سليقته لما أمكنه

____________

(1). الكافي 2: 442/ 4.

(2). الكافي 2: 313/ 1.

(3). النجم (53): 32.

(4). الكافي 2: 442/ 5.

387

الهجرة عنه زمانا، فلا تنافي بين أوّل الحديث و آخره.

[المتن]

[625] 4. الكافي: عن الباقر (عليه السلام): «إنّ اللّه تعالى أوحى إلى داود: أن ائت عبدي دانيال، فقل له:

إنّك عصيتني فغفرت لك، و عصيتني فغفرت لك، و عصيتني فغفرت لك، فإنّ أنت عصيتني الرابعة لم أغفر لك، فأتاه داود، فقال: يا دانيال، إنّي رسول اللّه إليك، و هو يقول: يا دانيال، إنّك عصيتني فغفرت لك، و عصيتني فغفرت لك، و عصيتني فغفرت لك، فإن أنت عصيتني الرابعة لم أغفر لك.

فقال له دانيال: قد بلّغت يا نبي اللّه. فلمّا كان في السحر قام دانيال فناجى ربّه، فقال:

يا ربّ، إنّ داود نبيّك أخبرني عنك أنّي قد عصيتك فغفرت لي، و عصيتك فغفرت لي، و عصيتك فغفرت لي، و أخبرني عنك أنّي إن عصيتك الرابعة لم تغفر لي، فو عزّتك و جلالك لئن لم تعصمني فإنّي لأعصينّك ثم لأعصينّك ثم لأعصينّك» (1).

[626] 5. الكافي: عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «لا وجع أوجع للقلوب من الذّنوب» (2).

باب ابتلاء المؤمن بابليس

[المتن]

[627] 1. الكافي: عن الباقر (عليه السلام) قال له زرارة: قوله سبحانه: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرٰاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ. ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ وَ عَنْ أَيْمٰانِهِمْ وَ عَنْ شَمٰائِلِهِمْ وَ لٰا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شٰاكِرِينَ (3)؟

فقال (عليه السلام): «يا زرارة، إنّه إنّما صمد لك و لأصحابك، فأمّا الآخرون فقد فرغ منهم» (4).

[628] 2. الكافي: عن الصادق (عليه السلام) قال ليعقوب بن شعيب: «من أشدّ الناس عليكم؟» قال: قلت:

جعلت فداك كلّ، قال: «أ تدري و ممّا ذاك يا يعقوب؟» قال: قلت: لا أدري، جعلت فداك، قال: «إنّ

____________

(1). الكافي 2: 435/ 11.

(2). الكافي 2: 275/ 28.

(3). الأعراف (7): 16- 17.

(4). الكافي 8: 145/ ب حديث محاسبة النفس ....

388

إبليس دعاهم فأجابوه، و أمرهم فأطاعوه، و دعاكم فلم تجيبوه، و أمركم فلم تطيعوه، فأغرى بكم الناس» (1).

[629] 3. الكافي: عنه (عليه السلام) في قوله تعالى: فَإِذٰا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّٰهِ مِنَ الشَّيْطٰانِ الرَّجِيمِ* إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطٰانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَلىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) قال: «تسلّطه و اللّه من المؤمن على بدنه، و لا يسلّط على دينه، و قد سلّط على أيّوب (عليه السلام) فشوّه خلقه و لم يسلّط على دينه، و قد يسلّط من المؤمنين على أبدانهم، و لا يسلّط على دينهم».

و في قوله تعالى: إِنَّمٰا سُلْطٰانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَ الَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (3) قال: «الذين هم باللّه مشركون يسلّط على أبدانهم و على أديانهم» (4).

[630] 4. الكافي: عنه (عليه السلام): «إنّ لإبليس عونا يقال له تمريج، إذا جاء الليل ملأ ما بين الخافقين» (5).

* بيان

إنما خصّ الليل «بالتمريج» لأن ظلمته ساترة للقبائح، و لهذا يكون أكثر المعاصي بالليل، إذ بالنهار يستحيي بعضهم من بعض و في «ملأ ما بين الخافقين» إشارة إلى الخيالات المموّهة المستولية على الإنسان في الليل المالئة ما بين مطلعها من القلب و مغربها.

باب أخذ ميثاق المؤمن على البلاء ما عدا الضّنائن

[المتن]

[631] 1. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «أخذ اللّه ميثاق المؤمن على ألا يصدّق مقالته و لا

____________

(1). الكافي 8: 141/ 105.

(2). النحل (16): 98، 99.

(3). النحل (16): 100.

(4). الكافي 8: 288/ 433.

(5). الكافي 8: 232/ 304.

389

ينتصف من عدوّه، و ما من مؤمن يشفي نفسه إلّا بفضيحتها لأنّ كلّ مؤمن ملجم» (1).

* بيان

يعني: إذا أراد المؤمن أن يشفي غيظه بالانتقام من عدوّه افتضح، و ذلك لأنّه ليس بمطلق العنان خليع العذار يقول ما يشاء و يفعل ما يريد، إذ هو مأمور بالتقيّة و الكتمان و الخوف من العصيان و الخشية من الرحمن، و لأنّ زمام أمره بيد اللّه سبحانه لأنّه فوّض أمره إليه فيفعل به ما يشاء ممّا فيه مصلحة.

[المتن]

[632] 2. الكافي: عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «إنّ اللّه أخذ ميثاق المؤمن على بلايا أربع، أشدّها عليه مؤمن يقول بقوله يحسده، أو منافق يقفو أثره، أو شيطان يغويه، أو كافر يرى جهاده، فما بقاء المؤمن بعد هذا؟» (2).

[633] 3. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «ما أفلت المؤمن من واحدة من ثلاث، و لربّما اجتمعت الثلاثة عليه: إمّا بغض من يكون معه في الدار، يغلق عليه بابه [يؤذيه]، أو جار يؤذيه، أو من في طريقه إلى حوائجه يؤذيه، و لو أنّ مؤمنا على قلّة جبل لبعث اللّه تعالى إليه شيطانا يؤذيه، و يجعل اللّه من إيمانه انسا لا يستوحش معه إلى أحد» (3).

[634] 4. الكافي: عنه (عليه السلام): «ما كان و لا يكون و ليس بكائن مؤمن إلّا و له جار يؤذيه، و لو أنّ مؤمنا في جزيرة من جزائر البحر لانبعث له من يؤذيه» (4).

[635] 5. الكافي: عن الباقر (عليه السلام): «إذا مات المؤمن خلّى على جيرانه من الشياطين عدد ربيعة و مضر، كانوا مشتغلين به» (5).

[636] 6. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «إنّ اللّه جعل وليّه في الدنيا غرضا لعدوّه» (6).

[637] 7. الكافي: عنه (عليه السلام) شكا إليه رجل الحاجة، فقال: «اصبر، فإن اللّه سيجعل لك فرجا» ثم

____________

(1). الكافي 2: 249/ 1.

(2). الكافي 2: 249/ 2.

(3). الكافي 2: 249/ 3.

(4). الكافي 2: 251/ 11.

(5). الكافي 2: 251/ 10.

(6). الكافي 2: 346/ 3.

390

سكت ساعة، ثم أقبل على الرجل، فقال: «أخبرني عن سجن الكوفة كيف هو؟» فقال: أصلحك اللّه ضيّق منتن و أهله بأسوإ حال، قال: «فإنّما أنت في السجن، فتريد أن تكون في السعة، أ ما علمت أنّ الدنيا سجن المؤمن؟» (1).

و في رواية: «فأيّ سجن جاء منه خير؟!» (2).

[638] 8. الكافي: عنه (عليه السلام): «المؤمن مكفّر» (3).

و في رواية أخرى: «و ذلك أنّ معروفه يصعد إلى اللّه تعالى فلا ينتشر في الناس، و الكافر مشكور» (4).

[639] 9. الكافي: عنه (عليه السلام): «المؤمن لا يمضي عليه أربعون ليلة إلّا عرض له أمر يخزيه يذكر به» (5).

[640] 10. الكافي: عنه (عليه السلام): «إنّ المؤمن من اللّه تعالى لبأفضل مكان، إنّ المؤمن من اللّه تعالى لبأفضل مكان- ثلاثا- إنّه ليبتليه بالبلاء، ثم ينزع نفسه عضوا عضوا من جسده، و هو يحمد اللّه على ذلك» (6).

[641] 11. الكافي: عنه (عليه السلام): «إنّ أهل الحقّ لم يزالوا منذ كانوا في شدّة، أما إنّ ذلك إلى مدّة قليلة و عافية طويلة» (7).

[642] 12. الكافي: الحسين بن شاذان الواسطي، قال: كتبت إلى أبي الحسن الرضا (عليه السلام) أشكو جفاء أهل واسط و حملهم عليّ، و كانت عصابة من العثمانية تؤذيني، فوقّع بخطّه (عليه السلام): «إنّ اللّه تعالى ذكره أخذ ميثاق أوليائنا على الصبر في دولة الباطل، فاصبر لحكم ربّك، فلو قد قام سيّد الخلق

____________

(1). الكافي 2: 250/ 5.

(2). الكافي 2: 250/ 7.

(3). الكافي 2: 251/ 8.

(4). الكافي 2: 251/ 8.

(5). الكافي 2: 254/ 11.

(6). الكافي 2: 254/ 13.

(7). الكافي 2: 255/ 16.

391

لقالوا: يٰا وَيْلَنٰا مَنْ بَعَثَنٰا مِنْ مَرْقَدِنٰا هٰذٰا مٰا وَعَدَ الرَّحْمٰنُ وَ صَدَقَ الْمُرْسَلُونَ» (1).

[643] 13. الكافي: عن الباقر (عليه السلام): «إنّ اللّه تعالى ضنائن يضنّ بهم عن البلاء، فيحييهم في عافية، و يرزقهم في عافية، و يميتهم في عافية، و يبعثهم في عافية، و يسكنهم الجنّة في عافية» (2).

و في رواية أخرى: «تمرّ بهم البلايا و الفتن لا تضرّهم شيئا» (3).

* بيان

«الضنائن» الخصائص المختصّون بالمكانة و القبول، و إحياؤهم في عافية يشمل عدم تأذّيهم بالبلاء لفرط محبّتهم للّه، و في الرواية الأخيرة إشعار بذلك.

باب أنّ الكرامة على اللّه إنّما هي بالابتلاء

[المتن]

[644] 1. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «إنّ المؤمن ليكرم على اللّه حتى لو سأله الجنّة بما فيها أعطاه ذلك من غير أن ينقص من ملكه شيئا، و إنّ الكافر ليهون على اللّه حتى لو سأله الدنيا بما فيها أعطاه ذلك من غير أن ينقص من ملكه شيئا، و إنّ اللّه ليتعاهد عبده المؤمن بالبلاء كما يتعاهد الغائب أهله بالطرف، و إنّه ليحميه الدنيا كما يحمي الطبيب المريض» (4).

[645] 2. الكافي: عنه (عليه السلام): «إنّه ليكون للعبد منزلة عند اللّه فما ينالها إلّا بإحدى خصلتين؛ إمّا بذهاب ماله، أو ببليّة في جسده» (5).

[646] 3. الكافي: عبد اللّه بن أبي يعفور، قال: شكوت إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) ما ألقى من الأوجاع- و كان

____________

(1). الكافي 8: 247/ 346، و الآية من سورة يس: 51.

(2). الكافي 2: 462/ 1.

(3). الكافي 2: 462/ 3.

(4). الكافي 2: 258/ 28.

(5). الكافي 2: 257/ 23.

392

مسقاما- فقال لي: «يا عبد اللّه، لو يعلم المؤمن ما له من الأجر في المصائب لتمنّى أنّه قرض بالمقاريض» (1).

[647] 4. عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «مثل المؤمن كمثل خامة الزرع تكفئها الرياح كذا و كذا، و كذلك المؤمن تكفأه الأوجاع و الأمراض، و مثل المنافق كمثل الإرزبّة المستقيمة التي لا يصيبها شيء حتى يأتيه الموت فيقصفه قصفا» (2).

* بيان

«الإرزبّة» بتقديم المهملة و تشديد الباء الموحدة: العصيّة من الحديد، و القصف الكسر.

[المتن]

[648] 5. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «قال اللّه تعالى: لو لا أن يجد عبدي المؤمن في قلبه، لعصّبت رأس الكافر بعصابة حديد لا يصدع رأسه أبدا» (3).

* بيان

يعني: لو لا مخافة انكسار قلب المؤمن بوجده على ما يراه في الكافر من العافية المستمرّة لقوّيت رأس الكافر حتى لا يصدع أبدا.

[المتن]

[649] 6. الكافي: عنه (عليه السلام) سئل: أ يبتلى المؤمن بالجذام و البرص و أشباه هذا؟ قال: «و هل كتب البلاء إلّا على المؤمن» (4).

باب أنّ الابتلاء على قدر الاصطفاء

[المتن]

[650] 1. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «إنّ في كتاب علي (عليه السلام): إنّ أشدّ الناس بلاء النبيّون، ثم

____________

(1). الكافي 2: 255/ 15.

(2). الكافي 2: 257/ 25.

(3). الكافي 2: 257/ 24.

(4). الكافي 2: 258/ 27.

393

الوصيّون، ثم الأمثال فالأمثل، و إنما يبتلى المؤمن على قدر أعماله الحسنة، فمن صحّ دينه و حسن عمله اشتدّ بلاؤه، و ذلك أنّ اللّه تعالى لم يجعل الدنيا ثوابا لمؤمن و لا عقوبة لكافر، و من سخف دينه و ضعف عمله قلّ بلاؤه، و إنّ البلاء أسرع إلى المؤمن التقي من المطر إلى قرار الأرض» (1).

* بيان

قوله: «و ذلك أنّ اللّه تعالى» دفع لما يتوهّم أنّ المؤمن لكرامته على اللّه كان ينبغي أن لا يبتلى، أو يكون بلاؤه أقلّ من غيره، و توجيهه أنّ المؤمن لمّا كان محلّ ثوابه الآخرة دون الدنيا، فينبغي ألا يكون له في الدنيا إلّا ما يوجب الثواب في الآخرة، و كلّما كان البلاء في الدنيا أعظم كان الثواب في الآخرة أعظم، فينبغي أن يكون بلاؤه في الدنيا أشدّ.

[المتن]

[651] 2. الكافي: عنه (عليه السلام): «إنّما المؤمن بمنزلة كفّة الميزان، كلّما زيد في إيمانه زيد في بلائه» (2).

[652] 3. الكافي: عن الباقر (عليه السلام): «إنّ اللّه تعالى إذا أحبّ عبدا غتّه بالبلاء غتّا، و ثجّه بالبلاء ثجّا، فإذا دعاه قال: لبيك عبدي لئن عجلت لك ما سألت إنّي على ذلك لقادر، و لئن ادّخرت لك فما ادّخرت لك خير لك» (3).

و في رواية: «و إنّا و إيّاكم لنصبح به و نمسي» (4).

* بيان

«غتّه بالبلاء» غمسه فيه «ثجّه بالبلاء» صبّه عليه و أسأل.

[المتن]

[653] 4. الكافي: عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «إنّ عظيم البلاء يكافئ به عظيم الجزاء، فإذا أحبّ اللّه عبدا ابتلاه بعظيم البلاء، فمن رضي فله عند اللّه تعالى الرضا، و من سخط البلاء

____________

(1). الكافي 2: 252/ 1.

(2). الكافي 2: 254/ 10.

(3). الكافي 2: 253/ 7.

(4). الكافي 2: 253/ 6.

394

فله السخط» (1).

[654] 5. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «إنّ للّه تعالى عبادا في الأرض من خالص عباده ما ينزل من السماء تحفة إلى الأرض إلّا صرفها عنهم إلى غيرهم، و لا بليّة إلّا صرفها إليهم» (2).

باب انّه لا خير فيمن لا يبتلى

[المتن]

[655] 1. الكافي: عن السجاد (عليه السلام): «إنّي لأكره للرجل أن يعافى في الدنيا فلا يصيبه شيء من المصائب» (3).

[656] 2. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «دعي النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إلى طعام، فلما دخل منزل الرجل نظر إلى دجاجة فوق حائط، قد باضت فوقعت البيضة على وتد في حائط، فثبتت عليه و لم تسقط و لم تنكسر، فتعجّب النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) منها فقال الرجل: أعجبت من هذه البيضة؟

فو الذي بعثك بالحقّ ما رزيت شيئا قطّ، فنهض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و لم يأكل من طعامه شيئا و قال: من لم يرزأ فما للّه فيه من حاجة» (4).

* بيان

«الرّزء» بتقديم المهملة: المصيبة.

[المتن]

[657] 3. الكافي: عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لا حاجة للّه فيمن ليس له في ماله و بدنه نصيب» (5).

* بيان

نصيب اللّه سبحانه في مال عبده و بدنه ما يأخذه منهما ليبلوه فيهما، و هو زكاتهما، قال اللّه تعالى: لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوٰالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ وَ لَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا

____________

(1). الكافي 2: 253/ 8.

(2). الكافي 2: 253/ 5.

(3). الكافي 2: 256/ 19.

(4). الكافي 2: 256/ 20.

(5). الكافي 2: 256/ 21.

395

الْكِتٰابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَ إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا فَإِنَّ ذٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ» (1).

[658] 4. الكافي: عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «ملعون كلّ مال لا يزكّى، ملعون كلّ جسد لا يزكّى و لو في كل أربعين يوما مرّة».

فقيل: يا رسول اللّه: أمّا زكاة المال فقد عرفناها، فما زكاة الأجساد؟ فقال لهم: «أن يصاب بآفة» قال: فتغيّرت وجوه الذين سمعوا ذلك منه، فلمّا رآهم قد تغيّرت ألوانهم قال لهم: «هل تدرون ما عنيت بقولي؟» قالوا: لا يا رسول اللّه، قال: «بلى، الرجل يخدش الخدشة، و ينكب النكبة، و يعثر العثرة، و يمرض المرضة، و يشاكّ الشوكة، و ما أشبه هذا». حتى ذكر في حديثه اختلاج العين (2).

باب أنّ ابتلاء المؤمن إنّما هو كفّارة ذنوبه

[المتن]

[659] 1. الكافي: عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «قال اللّه تعالى: و عزّتي و جلالي لا اخرج عبدا من الدنيا و أنا اريد أن أرحمه حتى استوفي منه كلّ خطيئة عملها، إمّا بسقم في جسده، و إمّا بضيق في رزقه، و إمّا بخوف في دنياه، فإن بقيت عليه بقيّة شددت عليه عند الموت، و عزّتي و جلالي لا أخرج عبدا من الدنيا و أنا اريد أن أعذّبه حتى أوّفيه كلّ حسنة عملها، إمّا بسعة في رزقه، و إمّا بصحة في جسده، و إمّا بأمن في دنياه، فإن بقيت عليه بقية هوّنت بها عليه الموت» (3).

[660] 2. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «إنّ المؤمن ليهوّل عليه في نومه فيغفر له ذنوبه، و إنّه ليمتهن في بدنه فيغفر له ذنوبه» (4).

____________

(1). آل عمران 3: 186.

(2). الكافي 2: 258/ 26.

(3). الكافي 2: 444/ 3.

(4). الكافي 2: 445/ 4.

396

[661] 3. الكافي: عنه (عليه السلام): «إذا أراد اللّه بعبد خيرا عجّل عقوبته في الدنيا، و إذا أراد بعبد سوءا أمسك عليه ذنوبه حتى يوافي بها يوم القيامة» (1).

[662] 4. الكافي: عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في قول اللّه تعالى: وَ مٰا أَصٰابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمٰا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ (2): «ليس من التواء عرق و لا نكبة حجر و لا عثرة قدم و لا خدش عود إلّا بذنب، و لما يعفو اللّه تعالى أكثر، فمن عجّل اللّه عقوبة ذنبه في الدنيا فإنّ اللّه أجلّ و أكرم و أعزّ من أن يعود في عقوبته في الآخرة» (3).

[663] 5. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «إنّ العبد إذا كثرت ذنوبه، و لم يكن عنده من العمل ما يكفّرها، ابتلاه بالحزن ليكفّرها» (4).

[664] 6. الكافي: عنه (عليه السلام): «إنّ للحقّ دولة و للباطل دولة، و كلّ واحد منهما في دولة صاحبه ذليل، و إنّ أدنى ما يصيب المؤمن في دولة الباطل العقوق من ولده و الجفاء من إخوانه، و ما من مؤمن يصيب شيئا من الرفاهية في دولة الباطل إلّا ابتلي قبل موته إمّا في بدنه و إمّا في ولده و إمّا في ماله، حتى يخلّصه اللّه تعالى مما اكتسب في دولة الباطل، و يوفّر له حظّه في دولة الحقّ، فاصبر و أبشر» (5).

[665] 7. الكافي: عنه (عليه السلام): «قال اللّه تعالى: إنّ العبد من عبيدي المؤمنين ليذنب الذنب العظيم ممّا يستوجب عقوبتي في الدنيا و الآخرة، فأنظر له بما فيه صلاحه في آخرته، فاعجّل له العقوبة عليه في الدنيا لاجازيه بذلك الذنب، و اقدّر عقوبة ذلك الذنب و أقضيه و أتركه عليه موقوفا غير ممضيّ، و لي و في إمضائه المشيئة، و ما يعلم عبدي به، فأتردد لذلك مرارا على إمضائه، ثم أمسك عليه فلا أمضيه كراهية لمساءته وحيدا عن إدخال المكروه عليه، فأتطول عليه بالعفو عنه و الصفح محبّة لمكافاته لكثير نوافله التي يتقرّب بها إلي في ليله و نهاره، فأصرف ذلك البلاء عنه، و قد قدّرته

____________

(1). الكافي 2: 445/ 5.

(2). الشورى (42): 30.

(3). الكافي 2: 445/ 6.

(4). الكافي 2: 444/ 2.

(5). الكافي 2: 447/ 12.

397

و قضيته و تركته موقوفا، و لي في إمضائه المشيئة، ثمّ أكتب له عظيم أجر نزول ذلك البلاء و أدّخره و أوفر له أجره، و لم يشعر به و لم يصل إليه أذاه، و أنا اللّه الكريم الرءوف الرحيم» (1).

* بيان

«و أقدّر عقوبة ذلك الذنب» يعني ربما أعجّل و ربّما أقدّر، فالواو بمعنى أو «و الحيد» الميل عن الشيء و العدول «محبّة لمكافاته» يعني إنّما أتطوّل عليه بالعفو و الصفح لمحبّتي أن أكافئ نوافله الكثيرة المتقرّب بها إليّ، ثم لا أكتفي بذلك العفو و الصفح في مكافاته تلك حتى أكتب له أجر ذلك البلاء مضافا إلى العفو و الصفح.

[المتن]

[666] 8. الكافي: عنه (عليه السلام): «إذا أراد اللّه بعبد خيرا فأذنب ذنبا اتبعه بنقمة و يذكّره الاستغفار، و إذا أراد اللّه بعبد شرّا فأذنب ذنبا اتبعه بنعمة لينسيه الاستغفار و يتمادى بها، و هو قول اللّه تعالى: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لٰا يَعْلَمُونَ (2) بالنعم عند المعاصي» (3).

* بيان

في كتاب (التمحيص): عن عمر بن يزيد، قال: «ما من مؤمن إلّا و به وجع في شيء من بدنه لا يفارقه حتى يموت، يكون ذلك كفّارة لذنوبه» (4).

و فيه عن جابر: أنّ علي بن الحسين (عليه السلام) كان إذا رأى المريض قد برئ قال له:

«يهنئك الطهور من الذنوب» (5).

باب أنّ مصائب الأولياء إنّما هي لزيادة الأجر

[المتن]

[667] 1. الكافي: عن الصادق (عليه السلام) في قوله اللّه تعالى: وَ مٰا أَصٰابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمٰا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ

____________

(1). الكافي 2: 449/ 1.

(2). الأعراف (7): 182.

(3). الكافي 2: 452/ 1.

(4). التمحيص: 42/ 3.

(5). التمحيص: 42/ 3.

398

وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ (1)، أ رأيت ما أصاب عليّا و أهل بيته: من هؤلاء من بعده، أ هو بما كسبت أيديهم و هم أهل بيت طهارة معصومون؟ فقال: «إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان يتوب إلى اللّه و يستغفره في كلّ يوم و ليلة مائة مرّة من غير ذنب، انّ اللّه يخصّ أولياءه بالمصائب ليأجرهم عليها من غير ذنب» (2).

[668] 2. الكافي: لمّا حمل علي بن الحسين (عليه السلام) إلى يزيد بن معاوية و أوقف بين يديه، فقال يزيد: وَ مٰا أَصٰابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمٰا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ فقال علي بن الحسين (عليه السلام): «ليس هذه الآية فينا، إنّ فينا قول اللّه تعالى: مٰا أَصٰابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لٰا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلّٰا فِي كِتٰابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهٰا إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى اللّٰهِ يَسِيرٌ» (3).

آخر كتاب الابتلاء و التمحيص و الحمد للّه أولا و آخرا.

____________

(1). الشورى (42): 30.

(2). الكافي 2: 450/ 2.

(3). الكافي 2: 199/ 450/ 3؛ و الآية من سورة الحديد (57): 22.

399

كتاب الإيمان و ما يقابله

400

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

401

باب معنى الإيمان و أنّه أخصّ من الإسلام

[المتن]

[669] 1. الكافي: عن الباقر (عليه السلام): «الإيمان ما استقرّ في القلب و أفضى به إلى اللّه، و صدّقه العمل بالطاعة للّه، و التسليم لأمر اللّه، و الإسلام ما ظهر من قول أو فعل، و هو الذي عليه جماعة الناس من الفرق كلّها، و به حقنت الدماء، و عليه جرت المواريث، و جاز النكاح، و اجتمعوا على الصلاة و الزكاة و الصوم و الحج، فخرجوا بذلك من الكفر و اضيفوا إلى الإيمان، و الإسلام، لا يشرك الإيمان، و الإيمان يشرك الإسلام، و هما في القول و الفعل يجتمعان، كما صارت الكعبة في المسجد و المسجد ليس في الكعبة، فكذلك الإيمان يشرك الإسلام و الإسلام لا يشرك الإيمان، و قد قال اللّه تعالى: قٰالَتِ الْأَعْرٰابُ آمَنّٰا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنٰا وَ لَمّٰا يَدْخُلِ الْإِيمٰانُ فِي قُلُوبِكُمْ (1) فقول اللّه أصدق القول».

قيل: فهل للمؤمن فضل على المسلم في شيء من الفضائل و الأحكام و الحدود و غير ذلك؟ فقال:

«لا، هما يجريان في ذلك مجرى واحدا، و لكن للمؤمن فضل على المسلم في أعمالهما و ما يتقرّبان به إلى اللّه تعالى».

قيل: أ ليس اللّه تعالى يقول: مَنْ جٰاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثٰالِهٰا (2) و زعمت أنهم مجتمعون على الصلاة و الزكاة و الصوم و الحج مع المؤمن؟ قال: «أ ليس قد قال اللّه تعالى: فَيُضٰاعِفَهُ لَهُ أَضْعٰافاً كَثِيرَةً (3) فالمؤمنون هم الذين يضاعف اللّه لهم حسناتهم لكلّ حسنة سبعين ضعفا، فهذا فضل المؤمن و يزيده اللّه في حسناته على قدر صحّة إيمانه أضعافا كثيرة و يفعل اللّه بالمؤمنين ما يشاء من الخير».

____________

(1). الحجرات (49): 14.

(2). الأنعام (6): 160.

(3). البقرة (2): 245.

402

قيل: أ رأيت من دخل في الإسلام، أ ليس هو داخلا في الإيمان؟ فقال: «لا، و لكنّه قد أضيف إلى الإيمان و خرج من الكفر، و سأضرب لك مثلا تعقل به فضل الإيمان على الإسلام، أ رأيت لو أبصرت رجلا في المسجد أكنت تشهد أنك رأيته في الكعبة؟» قيل: لا يجوز لي ذلك، قال: «فلو أبصرت رجلا في الكعبة، أكنت شاهدا أنّه قد دخل المسجد الحرام؟» قيل: نعم، قال: «كيف ذلك؟» قيل: إنّه لا يصل دخول الكعبة حتى يدخل المسجد الحرام، فقال:

«أصبت و أحسنت» ثم قال: «كذلك الإيمان و الإسلام» (1).

* بيان

«و أفضى به إلى اللّه» أي جعل وجه القلب إلى اللّه «من الفضائل و الأحكام» أي الفضائل الدنيوية و الأحكام الشرعية، و أراد السائل بقوله: أ ليس اللّه يقول: مَنْ جٰاءَ بِالْحَسَنَةِ أنّه إذا كانا مجتمعين في الحسنات، و الحسنة بالعشر، فكيف يكون له فضل عليه في الأعمال و القربات؟ فأجابه (عليه السلام) بأنهما شريكان في العشر، و المؤمن يفضل بما زاد عليها، و أراد ب«ما يشاء من الخير» إيتاء العلم و الحكمة و زيادة اليقين و المعرفة.

[المتن]

[670] 2. الكافي: سئل الصادق (عليه السلام) عن قول المرجئة في الكفر و الإيمان، و قيل: إنهم يحتجّون علينا، و يقولون: كما أنّ الكافر عندنا هو الكافر عند اللّه، فكذلك نجد المؤمن إذا أقرّ بإيمانه أنّه عند اللّه مؤمن؟

فقال: «سبحان اللّه، و كيف يستوي هذان، و الكفر إقرار من العبد، فلا يكلّف بعد إقراره بيّنة، و الإيمان دعوى لا يجوز إلّا ببيّنة، و بيّنة عمله و نيّته، فإذا اتّفقا فالعبد عند اللّه مؤمن، و الكفر موجود بكلّ جهة من هذه الجهات الثلاث من نيّة أو قول أو عمل، و الأحكام تجري على القول و العمل، فما أكثر من يشهد له المؤمنون بالإيمان، و يجري عليه أحكام المؤمنين، و هو عند اللّه كافر، و قد أصاب من أجري عليه أحكام المؤمنين بظاهر قوله و عمله» (2).

[671] 3. الكافي: عن الباقر (عليه السلام): «قيل لأمير المؤمنين (عليه السلام): من شهد ألا إله إلّا اللّه، و أنّ محمّدا رسول اللّه، كان مؤمنا؟ قال: فأين فرائض اللّه؟ قال: و كان علي (عليه السلام) يقول: لو كان

____________

(1). الكافي 2: 26/ 5.

(2). الكافي 2: 39/ 8.

403

الإيمان كلاما لم ينزل فيه صوم و لا صلاة و لا حلال و لا حرام».

قيل للباقر (عليه السلام): إنّ عندنا قوما يقولون: إذا شهد ألا إله إلّا اللّه، و أنّ محمّدا رسول اللّه فهو مؤمن؟

قال: «فلم يضربون الحدود، و لم تقطع أيديهم؟ و ما خلق اللّه تعالى خلقا أكرم على اللّه من مؤمن، لأنّ الملائكة خدّام المؤمنين، و إنّ جوار اللّه للمؤمنين، و إنّ الجنّة للمؤمنين، و إنّ الحور العين للمؤمنين» ثم قال: «فما بال من جحد الفرائض كان كافرا؟» (1).

* بيان

يعني لو لم يعتبر الفرائض في الإيمان لما كان جاحدها كافرا. فإن قيل: إن أردتم باعتبار الفرائض في الإيمان اعتبار الاعتقاد بها، فذلك داخل في الشهادة بالرسالة، و إن أردتم اعتبار العمل بها، فلا يتمّ المدّعى إذ تركها لا يستلزم جحودها.

قلنا: كما أنّ من عرف أنّ شرب السّم يقتله لا يجترئ على شربه، كذلك من عرف أنّ ترك الفرائض يوجب النار لا يجترئ على تركها، فتركها ينبئ عن عدم اعتقاده بها، و خصوصا إذا لم يكن له شهوة في تركها، و إنما كان مجرّد استخفاف، كما في ترك الصلاة، و لذا ورد: «لا يزني الزاني حين يزني و هو مؤمن» (2).

[672] 4. الكافي: عن الرضا (عليه السلام): «الإيمان فوق الإسلام بدرجة، و التقوى فوق الإيمان بدرجة، و اليقين فوق التقوى بدرجة، و ما قسّم في الناس شيء أقل من اليقين» (3).

و في رواية: «فإذا أتى العبد كبيرة من كبائر المعاصي أو صغيرة من صغائر المعاصي التي نهى اللّه تعالى عنها؛ كان خارجا من الإيمان، ساقطا عنه اسم الإيمان، و ثابتا عليه اسم الإسلام، فإن تاب و استغفر عاد إلى دار الإيمان، و لا يخرجه إلى الكفر إلّا الجحود، و الاستحلال أن يقول للحلال هذا حرام، و للحرام هذا حلال، و دان بذلك، فعندها يكون خارجا من الإسلام و الإيمان داخلا في الكفر، و كان بمنزلة من دخل الحرم، ثم دخل الكعبة، و أحدث في الكعبة حدثا، فأخرج عن الكعبة و عن الحرم، فضربت عنقه و صار إلى النار» (4).

____________

(1). الكافي 2: 33/ 2.

(2). الكافي 2: 31/ باب الكبائر.

(3). الكافي 2: 52/ 6.

(4). الكافي 2: 27/ 1.

404

[المتن]

[673] 5. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «الإيمان أن يطاع اللّه فلا يعصى» (1).

[674] 6. الكافي: قيل لأبي الحسن (عليه السلام): الكبائر تخرج من الإيمان؟ قال: «نعم، و ما دون الكبائر، قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): لا يزني الزاني و هو مؤمن، و لا يسرق السارق و هو مؤمن» (2).

و في رواية: «إذا كان على بطنها سلب الإيمان، فإذا قام ردّ إليه، فإن عاد سلب».

قيل: فإنّه يريد أن يعود؟ فقال: «ما أكثر من يريد أن يعود فلا يعود إليه أبدا» (3).

و في أخرى: سئل أ رأيت إن هم؟ قال: «لا، أ رأيت إن همّ أن يسرق أ تقطع يده؟» (4).

[675] 7. الكافي: عن أحدهما (عليهما السلام): «الإيمان إقرار و عمل، و الإسلام إقرار بلا عمل» (5).

و في رواية: «الإسلام هو الظاهر الذي عليه الناس، شهادة ألا إله إلّا اللّه، و أنّ محمّدا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و إقام الصلاة، و إيتاء الزكاة، و حجّ البيت، و صيام شهر رمضان، فهذا الإسلام، و الإيمان معرفة هذا الأمر مع هذا، فإن أقرّ بها و لم يعرف هذا الأمر، كان مسلما، و كان ضالّا» (6).

باب دعائم الإسلام

[المتن]

[676] 1. الكافي: عن الباقر (عليه السلام): «بني الإسلام على خمس: على الصلاة و الزكاة و الحج و الصوم و الولاية، و لم يناد بشيء كما نودي بالولاية، فأخذ الناس بأربع و تركوا هذه» يعني الولاية (7).

و في رواية: «و لم يناد بشيء ما نودي بالولاية يوم الغدير» (8).

____________

(1). الكافي 2: 33/ 3.

(2). الكافي 2: 284/ 21.

(3). الكافي 2: 278/ 6.

(4). الكافي 2: 281/ 12.

(5). الكافي 2: 24/ 2.

(6). الكافي 2: 24/ 4.

(7). الكافي 2: 18/ 3.

(8). الكافي 2: 21/ 8.