مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - ج2

- الفاضل الكاظمي المزيد...
420 /
51

و عن ابن عباس (1) وقف رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) يوما على أصحاب الصفّة فرأى فقرهم و جهدهم و طيب قلوبهم، فقال أبشروا يا أصحاب الصفّة فمن بقي من أمّتي على النعت الّذي أنتم عليه راضيا بما فيه، فإنّهم من رفقائي.

و يستفاد من هذا الحديث أنّ التشبّه بهم في تلك الصفات مندوب إليه، و ظاهر الآية دالّ عليه، فانّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، و قد يستفاد منها استحباب إعطاء أهل التعفّف و التجمّل إذا كانوا مستحقين لها، و في الأخبار دلالة على ذلك أيضا و أنّه لا كراهية في أخذ الزكاة و ترك التكسّب مع الاشتغال بالعبادة، و سيّما طلب العلوم الدينيّة و تشييد معالم الدين، و خصوصا في هذا الزمان، فإنّه من أعظم الجهاد، و حبس النفس لأجله أعظم من حبسها هناك.

ثمّ أكّد سبحانه الحثّ على الإنفاق بقوله «وَ مٰا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّٰهَ بِهِ عَلِيمٌ» ترغيب على الإنفاق في وجوه البرّ خصوصا على الموصوفين بالصفات المذكورة أى أنّه تعالى يجازي عليه من غير أن يضيع عليكم شيء لكونه عليما به.

«الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوٰالَهُمْ، بِاللَّيْلِ وَ النَّهٰارِ سِرًّا وَ عَلٰانِيَةً» أي يعمون الأوقات و الأحوال بإنفاق أموالهم، و أكثر المفسّرين من العامّة و كلّ الخاصّة على أنّها نزلت في علىّ (عليه السلام) (2) كانت معه أربعة دراهم، فتصدّق بواحد نهارا و بواحد ليلا، و بواحد

____________

(1) رواه في كنز العرفان ج 1 ص 243 و أخرجه في كنز العمال ج 6 ص 261 بالرقم 1997 عن الخطيب عن ابن عباس و قريب منه في تفسير الإمام الرازي ج 7 ص 85 الطبعة الأخيرة.

(2) و قد روى السيد البحراني (قدّس سرّه) في غاية المرام الباب السابع و الأربعين و الباب الثامن و الأربعين اثنى عشر حديثا من طريق العامة و أربعة أحاديث من طريق الخاصة ص 347 و ص 348 و انظر أيضا تفسير البرهان ج 1 ص 257 و نور الثقلين ص 241 و سائر تفاسير الشيعة.

و انظر من كتب أهل السنة اسد الغابة ج 4 ص 25 و الرياض النضرة ج 2 ص 273 و نور الابصار للشبلنجى ص 78 و أسباب النزول للواحدي ص 50 و لباب النقول ص 42 و الدر المنثور ج 1 ص 363 و فيه انه أخرجه عبد الرزاق و عبد بن حميد و ابن جرير و ابن المنذر و ابن ابى حاتم و الطبراني و ابن عساكر من طريق عبد الوهاب بن مجاهد عن ابن عباس و تفسير ابن كثير ص 326 عن ابن ابى حاتم و ابن جرير من طريق عبد الوهاب و عن ابن مردويه بوجه آخر و تفسير الخازن ج 1 ص 196 و تفسير الكشاف ج 1 ص 301 ط المكتبة الحلبي 1376 و تفسير الرازي ج 7 ص 89 الطبعة الأخيرة.

52

سرّا، و بواحد علانية، و هو المرويّ عن أبى جعفر و أبى عبد اللّه (عليهما السلام).

و لكن خصوص السبب لا يخصّص، فيكون حكمها سائرا (1) في كلّ من فعل مثل فعله و له فضل السبق إلى ذلك «فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ» خبر «الّذين» و أتى بالفاعل ليدلّ على أنّ الجزاء و الأجر إنّما هو من أجل الإنفاق في طاعة اللّه تعالى «وَ لٰا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ» من أهوال يوم القيامة و أفزاعها «وَ لٰا هُمْ يَحْزَنُونَ» فيها، أو لا خوف عليهم من فوت الأجر و نقصه، و لا هم يحزنون على ذلك.

و فيها دلالة على استحباب إنفاق الأموال الّتي عند المنفق جميعا، و سيجيء أنّ المستحبّ القصد في الإنفاق، لا إنفاق الجميع، فلعلّ هذا محمول على ما إذا كان المنفق له وثوق بحسن التوكّل على اللّه و الصبر على السرّاء و الضرّاء، بحيث لا يجرّه الصدقة إلى السؤال و ارتكاب المحذور، و هو الظاهر ههنا خصوصا على ما عرفت من سبب النزول.

الثانية:

يَسْئَلُونَكَ مٰا ذٰا يُنْفِقُونَ قُلْ مٰا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوٰالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ وَ الْيَتٰامىٰ وَ الْمَسٰاكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ وَ مٰا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّٰهَ بِهِ عَلِيمٌ (2).

«يَسْئَلُونَكَ مٰا ذٰا يُنْفِقُونَ» نزلت في عمرو بن الجموح (3) و كان شيخا كبيرا ذا مال

____________

(1) جاريا خ.

(2) البقرة: 215.

(3) انظر المجمع ج 1 ص 309 و كنز العرفان ج 1 ص 243 و الدر المنثور ج 1 ص 243.

53

كثير، فقال: يا رسول اللّه ماذا ننفق من أموالنا و على من ننفقها؟ «قُلْ مٰا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ» مال «فَلِلْوٰالِدَيْنِ» الأب و الامّ و الجدّ و الجدّة و إن عليا، لأنّهما يدخلان في اسم الوالدين «وَ الْأَقْرَبِينَ» أقارب المعطى غير العمودين.

سئل عن المنفق فأجيب ببيان المصرف إمّا لأنّه أهمّ فإنّ اعتداد النفقة و ترتّب الثواب عليها باعتباره. و إمّا لأنّه كان في سؤال عمرو، و إن لم يكن مذكورا في الآية و اقتصر في بيان المنفق على ما تضمّنه قوله «مِنْ خَيْرٍ» للتنبيه على أنّ كلّ ما هو خير فهو صالح للإنفاق.

«وَ الْيَتٰامىٰ وَ الْمَسٰاكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ» قد مرّ بيانهم، و قد اختلف العلماء في انتساخ حكم هذه الآية فقال السدّىّ: وردت في الزكاة، ثمّ نسخت ببيان مصارفها الثمانية السابقة، و الأكثر على أنّها واردة في نفقة التطوّع على من لا يجوز وضع الزكاة فيه، و في الزكاة لمن يجوز وضعها فيه، فهي عامّة فيهما غير منافية لغرض الزكاة، فلا وجه للحكم بنسخها، مع أنّ الأصل عدم النسخ.

و الحاصل أنّ النسخ إنّما يكون مع المنافاة، و إنّما يكون لو كانت محمولة على الزكاة الواجبة، لاقتضائها حينئذ إعطاء الوالدين منها، و هو غير جائز، أمّا لو كانت محمولة على الإنفاق الراجح الّذي هو أعمّ من الواجب و الندب، أو على الإنفاق الواجب الّذي هو أعمّ من الزكاة و النفقة الواجبة للوالدين و الأقربين و يكون البيان في ذلك معلوما من دليل خارج عن الآية، فلا. و كذا لو حملت على الإنفاق المندوب.

«وَ مٰا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ» من عمل صالح يقرّبكم إلى اللّه نفقة أو غيرها، و هو في معنى الشرط «فَإِنَّ اللّٰهَ بِهِ عَلِيمٌ» جوابه أي إن تفعلوا خيرا فإنّ اللّه يعلم كنهه و يوافي ثوابه من غير أن ينقص عليكم منه شيء.

الثالثة:

وَ يَسْئَلُونَكَ مٰا ذٰا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ (1).

«يَسْئَلُونَكَ مٰا ذٰا يُنْفِقُونَ» قيل إنّ السائل هو عمرو بن الجموح أيضا (2) سأل

____________

(1) البقرة: 219.

(2) انظر المجمع ج 1 ص 316.

54

النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) أوّلا عن المنفق و المصرف، ثمّ سأل عن كيفيّة الإنفاق.

«قُلِ الْعَفْوَ» هو نقيض الجهد، و منه يقال للأرض السهلة العفو، و هو أن ينفق ما تيسّر له بذله، و لا يبلغ منه الجهد و استفراغ الوسع، قال الشاعر:

خذ العفو منّى تستديمي مودّتي و قيل الوسط من غير إسراف و لا إقتار، و هو المرويّ عن الصادق (عليه السلام) (1)، و قيل إنّه مأخوذ من الزيادة و الفضل، و منه «حَتّٰى عَفَوْا» (2) أي زادوا على ما كانوا عليه من العدد، و المراد به ما فضل عن قوت السنة، و هو المرويّ عن الباقر (3) (عليه السلام) أيضا.

و اختلف في هذا الإنفاق فقيل إنّه تطوّع، و لو كان مفروضا لبيّن مقداره و لم يفوّض إلى رأي المتصدّق (4) و قيل إنّه مفروض، و إنّه كان قبل نزول آية الصدقات، و كانوا مأمورين بأن يأخذوا من مكاسبهم ما يكفيهم في عامهم، و ينفقون ما فضل، ثمّ نسخت بآية الزكاة، و نقله في مجمع البيان (5) عن السدّي و لا شكّ في بعد النسخ، لأنّه خلاف الأصل و المنافاة غير ظاهرة إلّا بالتأويل، و فيها دلالة على أنّ الإنفاق لا يكون بجميع ما عنده من المال، بحيث يبلغ به الجهد و يصير كلّا على الناس.

و يؤيّده ما روى عنه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) أنّ رجلا أتاه ببيضة (6) من ذهب أصابها في بعض المغازي فقال خذها منّي صدقة، فأعرض عنه فأتاه من جانب آخر فقال له مثله فأعرض عنه ثمّ أتاه من جانب آخر فأعرض عنه ثمّ قال هاتها مغضبا فأخذها و حذفه بها حذفا

____________

(1) انظر البرهان ج 1 ص 212 و المجمع ج 1 ص 316 و الكافي ج 1 ص 187 باب فضل القصد الحديث 3.

(2) الأعراف: 95.

(3) المجمع ج 1 ص 316 و البرهان ج 1 ص 212 و نور الثقلين ج 1 ص 175.

(4) المتكلم خ.

(5) المجمع ج 1 ص 316.

(6) نسخة القاضي: بصدقة، ببيضة خ ل.

55

لو أصابته لشجّته أو عقرته، ثمّ قال يجيء أحدكم بماله كلّه يتصدّق به، و يجلس يتكفّف الناس، إنّما الصدقة عن ظهر غنى (1) و من طريق الخاصّة (2) ما رواه الوليد بن بن صبيح قال كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) فجاءه سائل فأعطاه، ثمّ جاءه آخر فأعطاه ثمّ جاءه آخر فأعطاه ثمّ جاءه آخر فقال وسّع اللّه عليك، ثمّ قال لو أنّ رجلا كان له مال يبلغ ثلاثين ألف أو أربعين ألف درهم، ثمّ شاء أن لا يبقى منها شيئا إلّا وضعه في حقّه لفعل، فيبقى لا مال له، فيكون من الثلاثة الّذين يردّ دعاؤهم الحديث.

و روى حمّاد اللحّام (3) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال لو أنّ رجلا أنفق ما في يده

____________

(1) كنز العرفان ج 1 ص 245 و المستدرك ج 1 ص 544 عن غوالي اللآلي و سنن ابى داود ج 2 ص 177 بالرقم 1673 ط مطبعة السعادة و سنن البيهقي ج 5 ص 181.

(2) الكافي ج 1 ص 166 باب قدر ما يعطى السائل الحديث 1 و هو في المرآة ج 3 ص 203 و المنتقى ج 2 ص 154 و رواه في الفقيه ج 2 ص 39 الرقم 173 و هو في الوافي الجزء السادس ص 57 و تمام الحديث في الكافي: قلت من هم قال أحدهم رجل كان له مال فأنفقه في [غير] وجهه ثم قال يا رب ارزقني فيقال له الم اجعل لك سبيلا الى طلب الرزق.

و لا يخفى عليك عدم مطابقة الجواب مع السؤال إذ لا يناسب جواب من أنفق تمام ماله بجعل السبيل الى طلب الرزق و الظاهر ان فيه سقطا وقع سهوا من قلم الناسخ و ان الصواب ما رواه في الفقيه فان فيه بعد قوله يا رب ارزقني: فيقول الرب عز و جل الم أرزقك و بعده:

و رجل جلس في بيته و لا يسعى في طلب الرزق و يقول يا رب ارزقني فيقول الرب الم اجعل لك سبيلا الى طلب الرزق و رجل تؤذيه امرءته فيقول يا رب خلصني منها فيقول الرب الم أجعل أمرها بيدك.

فترى ان جواب كل سؤال مناسب له و العجب انه لم يذكر في المرآة و المنتقى في ذلك شيئا نعم نقل ذلك في هامش الفروع المطبوع سنة 1312 ص 166 عن المجلسي (قدّس سرّه).

و قريب من الحديث ما رواه في أصول الكافي عن الوليد بن صبيح باب من لا يستجاب دعاؤه الحديث 1 و 2 بسندين آخرين و بنحو آخر و هو في المرآة ج 2 ص 464 و الوافي الجزء الخامس ص 230.

(3) الكافي ج 1 ص 177 باب فضل القصد الحديث 7.

56

في سبيل من سبل اللّه، ما كان أحسن و لا وفّق له، أ ليس اللّه يقول: و لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة و أحسنوا إنّ اللّه يحبّ المحسنين» أي المقتصدين.

و روى عبد الأعلى مولى آل سام (1) عن الصادق (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم):

أفضل الصدقة صدقة عن ظهر غنى. و روى السكونيّ عنه (2) (عليه السلام) قال قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كلّ معروف صدقة، و أفضل الصدقة صدقة عن ظهر غنى، و ابدء بمن تعول، و نحوها روايته (3) عنه (عليه السلام) أفضل الصدقة صدقة تكون عن فضل الكفّ.

لا يقال: عندنا من الأخبار و الآيات ما ينافي ذلك، قال اللّه تعالى

____________

(1) الكافي ج 1 ص 175 باب النوادر الحديث 2 و هو في المرآة ج 3 ص 208 و رواه في الوسائل في أبواب الصدقة الباب 29 الحديث 4 عن ثواب الاعمال ج 2 ص 53 ط الأميري.

(2) لم أظفر على هذا الحديث في الجوامع الحديثية عن السكوني نعم نقله في قلائد الدرر ج 1 ص 307 أيضا عن السكوني و انما هو في الكافي ج 1 ص 169 باب فضل المعروف الحديث 1 و هو في المرآة ج 3 ص 205 عن عبد الأعلى عن ابى عبد اللّه و اللفظ فيه: قال رسول اللّه (ص) كل معروف صدقة و أفضل الصدقة عن ظهر غنى و ابدأ بمن تعول و اليد العليا خير من اليد السفلى و لا يلوم اللّه على الكفاف. و أرسله في الفقيه عن النبي (ص) ج 2 ص 30 بالرقم 115 و ليس فيه كل معروف صدقة.

ثم العليا على ما نقله المناوى في ج 2 ص 37 من فيض القدير عن الزمخشري اسم لمكان مرتفع و ليس بتأنيث الأعلى بدليل انقلاب الواو ياء و لو كانت صفة لقيل العلوي كالعشوى و القنوى في تأنيث أفعلها و لأنها استعملت منكرة و افعل التفضيل و مؤنثة ليسا كذلك.

قلت و من استعمالها منكرة شعر العباس يمدح النبي (ص):

حتى احتوى ببيتك المهيمن من * * * خندف علياء تحتها النطق

(3) الكافي ج 1 ص 175 باب النوادر من المعروف الحديث 4 رواه عن السكوني عن ابى عبد اللّه عن النبي (ص) و هو في المرآة ج 3 ص 208.

57

«وَ يُؤْثِرُونَ عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كٰانَ بِهِمْ خَصٰاصَةٌ» (1) و ما تقدّم من قوله «الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوٰالَهُمْ» (2) الآية و ما روى عنهم (عليهم السلام) (3) أفضل الصدقة جهد من مقلّ إلى فقير في السرّ، و روى سماعة عنه (عليه السلام) (4) قال: سألته عن الرجل ليس عنده إلّا قوت يوم أ يعطى من عنده قوت يومه على من ليس عنده شيء و يعطف من عنده قوت شهر على من دونه و السنة على نحو ذلك أم ذلك كلّه على الكفاف الّذي لا يلام عليه؟ فقال هو أمران أفضلكم فيه أحرسكم على الرغبة و الأثرة على نفسه فإنّ اللّه عزّ و جلّ يقول «وَ يُؤْثِرُونَ عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كٰانَ بِهِمْ خَصٰاصَةٌ» و الأمر الآخر لا يلام على الكفاف، الحديث و نحوه.

لأنا نقول: قد مرّ أنّ مثل هذه المرغّبات في إنفاق الجميع محمولة على ما إذا كان المنفق ذا وثوق بحسن التوكّل على اللّه، و الصبر على الضرّاء و السرّاء كالنفوس القدسيّة أو من يحذو حذوها، فإنّها لها اعتماد على اللّه تعالى أزيد ممّا عندهم أضعافا بل ذاك في معرض التلف، بخلاف وثوقهم به تعالى، فهم المراد بتلك الآيات و نحوها و ما دلّ على المنع محمول على ما إذا لم يكن له توكّل إلى هذا الحدّ فإنّه يكره له التصدّق بجميع ماله إذ يصير كلّا على الناس و هو منهيّ عنه.

و يمكن الجمع بينهما بوجه آخر و هو أن يكون الرجل وحده لا عيال له أو كان له كسب و له وثوق في كسبه بقدر كفايته، إذ لا شكّ أنّ الصدقة و الإيثار على نفسه أمر مطلوب له، و يحمل ما دلّ على المنع على ما إذا كان ذا عيال ليس له كسب يثق به فإنّ إيثار السائل بما عنده على ذلك التقدير إيثار على عياله، و حرمانهم، و لا يكون

____________

(1) الحشر: 9.

(2) البقرة: 271.

(3) مر في ص 45 و قريب منه ما في كنز العمال ج 4 ص 219 الرقم 1670 عن الطبراني في الكبير عن أبي أمامة.

(4) الكافي ج 1 ص 166 باب الإيثار الحديث 1 و هو في المرآة ج 3 ص 304 و ذيل الحديث «و اليد العليا خير من اليد السفلى و ابدء بمن تعول».

58

مندوبا إليه، بل منهيّا عنه. و يؤيّده أمره (1) (صلى اللّه عليه و آله و سلم) بالبدء بمن يعول في بعض الأخبار و لأنّ ذلك يوجب التقتير في نفقة العيال، و هو يوجب الإثم. و يزيده بيانا ما ورد من الحثّ على التوسعة في نفقة العيال فإنّه لا يتمّ مع ذلك.

الرابعة:

يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمّٰا رَزَقْنٰاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لٰا بَيْعٌ فِيهِ وَ لٰا خُلَّةٌ وَ لٰا شَفٰاعَةٌ وَ الْكٰافِرُونَ هُمُ الظّٰالِمُونَ (2).

«يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمّٰا رَزَقْنٰاكُمْ» قيل أراد به الفرض كالزكاة و نفقة العيال الواجبي النفقة و نحوها، لاقتران الوعيد به، و هو لا يتوجّه إلّا على ترك الواجب و لأنّ ظاهر الأمر الإيجاب، و قيل يدخل فيه الفرض و النفل، لأنّه أعمّ و لأنّ الآية ليس فيها و عيد على ترك الإنفاق، بل بيان عظم أهوال يوم القيامة و شدائدها و الغرض أن يعلم أنّ منافع الآخرة لا تكسب إلّا في الدنيا، و أنّ الإنسان يجيء وحده و ما معه إلّا ما قدّم من أعماله.

و فيه نظر فإنّ الظاهر أنّ الأهوال مترتّبة على عدم الإنفاق فالأولى حملها على الوجوب، و مقتضاها وجوب الإنفاق مطلقا إلّا ما أخرجه الدليل و خصّ بالإجماع فيندرج فيه جميع أفراد الإنفاق الواجب.

«مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لٰا بَيْعٌ فِيهِ وَ لٰا خُلَّةٌ وَ لٰا شَفٰاعَةٌ» من قبل أن يأتي يوم لا تقدرون فيه على تدارك ما فرّطتم و الخلاص من عذابه، إذ لا بيع فيه فتحصّلون ما تنفقونه، أو تفدون به من العذاب، و لا خلّة حتّى يعينكم عليه أخلّاؤكم أو يسامحونكم فيه، و لا شفاعة إلّا لمن أذن له الرحمن و رضى له قولا، حتّى تتّكلوا على شفعاء فتشفع لكم في حطّ ما في ذممكم.

و بالجملة الأغلب أنّ جهة الخلاص من الورطة يكون بأحد هذه الأمور المذكورة

____________

(1) كخبر عبد الأعلى و سماعة و غيرهما من الاخبار و هي في اخبار الشيعة و أهل السنة كثيرة لا طائل في سردها.

(2) البقرة: 254.

59

و هي منتفية في ذلك اليوم.

«وَ الْكٰافِرُونَ هُمُ الظّٰالِمُونَ» لعلّه يريد أنّ التاركين للزكاة هم الّذين ظلموا أنفسهم أو وضعوا المال في غير موضعه، و صرفوه على غير وجهه، كما هو عادة الظالم، و يكون التعبير عن التاركين بالكافر للتغليظ في ذنب الترك، كما عبّر عن تارك الحجّ بالكافر في قوله «وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّٰهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعٰالَمِينَ» (1) لذلك أيضا و سيجيء، و للإشعار بأنّ ترك الزكاة من صفات الكفّار كقوله «وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لٰا يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ» (2) على ما سلف بيانه.

الخامسة:

مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوٰالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنٰابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَ اللّٰهُ يُضٰاعِفُ لِمَنْ يَشٰاءُ وَ اللّٰهُ وٰاسِعٌ عَلِيمٌ (3).

«مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوٰالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ» الجهاد أو مطلق القرب (4) على ما مرّ «كَمَثَلِ حَبَّةٍ» أي مثل نفقتهم كمثل حبّة أو مثلهم كمثل زارع حبّة على حذف المضاف.

«أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنٰابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ» أسند الإنبات إلى الحبّة لكونها من الأسباب كما أسند إلى الأرض و الماء و إن كان المنبت في الحقيقة هو اللّه و المعنى أنّه يخرج من الحبّة ساق يتشعّب منها سبع شعب لكلّ شعبة منها سنبلة فيها مائة حبّة، و هو تمثيل لا يقتضي الوقوع على أنّه قد يتصوّر في الذرّة أو الدّخن ذلك و كذا في البرّ في الأرض المغلّة (5).

____________

(1) آل عمران: 97.

(2) فصلت: 6.

(3) البقرة: 261.

(4) زاد في سن: الشامل لجميع أبواب البر.

(5) في نسخة «الأرض النخرة».

60

«وَ اللّٰهُ يُضٰاعِفُ لِمَنْ يَشٰاءُ» فيزيد على سبعمائة لمن يشاء بفضله، و مشيّته المتعلّقة ببعض دون بعض، فإنّه فاعل لما يريد، أو على حسب حال المنفق من إخلاصه و احتياجه أو حال المنفق عليه من اضطراره و صلاحه و قرابته و شرافته، أو طريق الإنفاق من كونه سرّا لا يعلم فيه أحد و نحوه، و من أجله تفاوت الأعمال في مقادير الثواب.

«وَ اللّٰهُ وٰاسِعٌ» لا يضيق بما يتفضّل به من الزيادة «عَلِيمٌ» بنيّة المنفق و قدر إنفاقه و حال المنفق عليه، فيرتّب الثواب على ما يناسب حال كلّ واحد منها.

قيل: هي خاصّة بالإنفاق في الجهاد فأمّا غيره من الطاعات فإنّما يجزى بالواحدة عشرة أمثالها كما قال تعالى «مَنْ جٰاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثٰالِهٰا» (1) فلا تنافي بينهما، و يمكن الجمع بوجه آخر و هو أنّ المراد بيان ثواب الإنفاق في وجوه البرّ و آية العشرة في الطاعات غيرها، و يمكن العمل بعموم كلّ منهما من غير تخصيص و الاقتصار على العشرة في الأخرى لكونه أقلّ المراتب و هو الظاهر من قوله «يُضٰاعِفُ لِمَنْ يَشٰاءُ» أي يزيد في ذلك.

السادسة:

الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوٰالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ ثُمَّ لٰا يُتْبِعُونَ مٰا أَنْفَقُوا مَنًّا وَ لٰا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ لٰا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لٰا هُمْ يَحْزَنُونَ (2).

«الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوٰالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ ثُمَّ لٰا يُتْبِعُونَ مٰا أَنْفَقُوا مَنًّا وَ لٰا أَذىً» المنّ (3) ذكر ما ينقص المعروف كقول القائل أحسنت إلى فلان و نعشته، أو لم أحسن

____________

(1) الانعام: 160.

(2) البقرة: 262.

(3) في سن: المن في اللغة تارة يطلق على الانعام يقال: قد من اللّه على فلان، إذا أنعم عليه و لفلان على منة: أي نعمة، و من ثم يوصف اللّه تعالى بأنه منان، أى منعم. و تارة يطلق على النقص من الحق و الحبس له، قال تعالى «وَ إِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ» أى غير مقطوع و لا ممنوع، و منه سمى الموت منونا لانه ينقص الأعمار و يقطع الاعذار، و من هذا المعنى المنة المذمومة، لأنها منقص النعمة و مكدرها، فالمراد بالمن هو إظهار الاصطناع عليهم و هو ذكر ما ينقص المعروف كقول القائل: أحسنت إلى فلان و نعشته، أو لم أحسن إليك؟ أ لم أعطك؟

و انما كان المن مذموما لان الفقير الأخذ للصدقة منكسر القلب لأجل حاجته إلى صدقة الغير معترف باليد العليا للمعطى، فإذا أضاف المعطى الى ذلك إظهار الانعام عليه، زاد ذلك في انكسار قلبه فيكون في حكم المضرة بعد المنفعة و الإساءة بعد الإحسان و الأذى ضرر يتعجل إلخ.

61

إليك أ لم أعنك؟ و الأذى ضرر يتعجّل وصوله إلى المضرور كأن يقول له: لست إلّا مبرما، و ما أنت إلّا ثقيل، و باعد اللّه بيني و بينك، أو يراد به تعبيس الوجه و انقباضه حال الدفع، أو يصرفه في بعض إشغاله بسبب إنفاقه عليه. و جميع أصناف المنّ و الأذى يكدّر الصنيعة، و ينقص النعمة و يبطل الأجر و المثوبة. و في الحديث عن الصادق (عليه السلام) أنّ المنّ يهدم الصنيعة (1) و معنى «ثُمَّ» تراخى الرتبة و إظهار التفاوت بين الإنفاق و ترك المنّ و الأذى، و أنّ تركهما خير من نفس الإنفاق، بل ترك كلّ منهما لأنّهما نكرتان في سياق النفي.

«لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ» لعلّ التصريح بكونه عند ربّهم مع أنّه معلوم أنّه كذلك، لتكون النفس أسكن إليه و أوثق به، لأنّ ما عنده لا يخاف عليه فوت، و ذلك ادعى للإنفاق على الوجه المذكور (2).

«وَ لٰا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لٰا هُمْ يَحْزَنُونَ» كلّ من هاتين الجملتين خبر عن «الّذين» عطف إحداهما على الأخرى، و لعلّ عدم إدخال الفاء في الخبر مع تضمّن المبتدإ معنى

____________

(1) انظر الكافي باب المن الحديث 2، و اللفظ: المن يهدم الصنيعة و كذا في الفقيه ج 2 ص 41 الرقم 186 و من أشعار الشهيد الأول طاب ثراه:

و أعشق كحلاء المدامع خلقة * * * لئلا أرى في عينها منة الكحل.

نقله في ريحانة الأدب ج 2 ص 366.

(2) زاد في سن: و هو صريح في أن العمل يوجب الأجر على اللّه كما هو قول العدلية، و أجاب الأشاعرة بأن الأجر هنا حصل بسبب الوعد لا بالعمل، فإنه واجب، و أداء الواجب لا يوجب الأجر، و فيه نظر.

62

الشرط إيهاما بأنّهم أهل لذلك، و إن لم يفعلوا، فكيف بهم إذا فعلوا.

«قَوْلٌ مَعْرُوفٌ» كلام حسن جميل لا قبح فيه يردّ به السائل «وَ مَغْفِرَةٌ» تجاوز عن السائل بالحاجة أو نيل مغفرة من اللّه بالردّ الجميل أو عفو عن السائل بأن يعذره فيما صدر عنه من الإلحاح و إساءة الأدب كفتح الباب، و دخول الدار من غير إذن، أو يغتفر ردّه (1) «خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهٰا أَذىً» خبر عنها و صحّ الابتداء بالنكرة لتخصيصه بالوصف و الخير بمعنى أصل الفعل لا التفضيل، إذ لا خير في الصدقة المتبوعة بالأذى، فانّ اتباع الإيذاء الإعطاء يوجب الجمع بين الانتفاع و الإضرار، و ربّما لم يف ثواب النفع بعقاب الضرر بخلاف القول المعروف، فإنّه نفع متعجّل من حيث إيصال السرور إلى المؤمن من غير ضرر.

قيل: الآية مخصوصة بالتطوّع لأنّ الواجب لا يحلّ منعه، و لا ردّ السائل فيه و ردّ بأنّ الواجب قد يعدل به عن سائل إلى سائل و عن فقير إلى فقير.

«وَ اللّٰهُ غَنِيٌّ» عن الإنفاق المشتمل على المنّ و الأذى «حَلِيمٌ» عن معاجلة من يمنّ و يؤذي حال النفقة بالعقوبة، فيؤخّر العقاب بحلمه و نعوذ باللّه من غضب الحليم (2).

و لعلّ الكلام هنا وقع على طريق التدرّج و التفهّم حالا بعد حال إلى أن يتمّ

____________

(1) زاد في سن: أو يكون تجاوز السائل: بأن يعذر المسؤول و يغتفر رده، إذ ربما لا يقدر على مطلوبه في تلك الحال.

(2) زاد في سن: و استدل المعتزلة بالاية على أن الكبائر يحبط ثواب فاعلها، لانه تعالى بين ان هذا الثواب انما يبقى إذا لم يوجد المن و الأذى، لأنه لو ثبت مع فقدهما و مع وجودهما لم يكن للاشتراط فائدة. و أجيب بأن المراد من الآية ان حصول المن و الأذى يخرجان الإنفاق من أن يكون له ثواب و أجر، لدلالتها على أنه لم ينفق لوجه اللّه و إنما أنفق لطلب المن و الأذى.

فإن قيل: المن و الأذى متأخر عن الإنفاق بمقتضى كلمة «ثم» فيلزم الإحباط. قلنا هما و ان تأخرا يدلان على أن الإنفاق السابق لم يكن لوجه اللّه تعالى بل للرفع و طلب الرياء، و لا مانع من أن يكون تأثير الفعل السابق في حصول الثواب مشروطا بعدم وجود ما يضاد بعده كما هو قول أصحاب الموافاة، ثم ان الكلام هنا وقع إلخ.

63

المطلوب فذكر في الآية السابقة أنّ الأجر لا يترتّب على المنّ و الأذى ثمّ ذكر هنا أنّ الردّ الجميل خير من الصدقة المتبوعة بالأذى مع وعيد مّا كما عرفت، ثمّ بيّن في الآية الّتي بعدها حال الصدقة مع المنّ و الأذى و أنّها بأيّ مثابة من التحريم فقال:

«يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تُبْطِلُوا صَدَقٰاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذىٰ» لا تحبطوا أجرها بكلّ واحد منها «كَالَّذِي يُنْفِقُ مٰالَهُ رِئٰاءَ النّٰاسِ وَ لٰا يُؤْمِنُ بِاللّٰهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ» محلّ الكاف النصب على الحاليّة من ضمير المخاطبين، أو على المصدريّة، و المعنى لا تبطلوا صدقاتكم بهما حال كونكم مماثلين للّذي ينفق ماله أو إبطالا مثل إبطال إنفاق الّذي يرائي بإنفاقه و لا يقصد به رضى اللّه عنه و لا ثواب الآخرة لعدم إيمانه بهما، و رثاء منصوب على العلّة أو المصدريّة أو الحال بمعنى مرائيا.

«فَمَثَلُهُ» فمثل المرائي في الإنفاق «كَمَثَلِ صَفْوٰانٍ» كمثل حجر أملس «عَلَيْهِ تُرٰابٌ فَأَصٰابَهُ وٰابِلٌ» مطر عظيم القطر «فَتَرَكَهُ صَلْداً» حجرا أملس نقيّا من التراب الّذي كان عليه «لٰا يَقْدِرُونَ عَلىٰ شَيْءٍ مِمّٰا كَسَبُوا» أي لا ينتفعون بشيء ممّا فعلوا رثاء لذهابه من أيديهم، و لا يجدون ثوابه، بل وجدوا نقيضه لحرمة الرئاء و كونه شركا فتبيّن به أنّ تلك الأعمال لم تكن للّه، و لم يؤت بها على وجه يستحقّ به الثواب، و ضمير الجمع عائد إلى «الّذي» باعتبار المعنى لأنّ المراد به الجنس [أو الجمع] كقوله (1):

و إنّ الّذي حانت بفلج دماؤهم * * * هم القوم كلّ القوم يا أمّ مالك

«وَ اللّٰهُ لٰا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكٰافِرِينَ» لا يثيبهم على أعمالهم إذ كان الكفر محبطا لها و إنّما يثيب المؤمنين الّذين يوقعون أعمالهم على الوجوه الّتي يستحقّ بها الثواب أولا يهديهم إلى الجنّة بأعمالهم كما يهدي المؤمنين، أولا يعطيهم ما يعطى المؤمنين من زيادة الألطاف و التوفيق، أو المراد لا يهدى المنفقين رئاء أو منّا أو أذى وضع مكانه الكافرين تعريضا بأنّ الرياء و المنّ و الأذى على الإنفاق من صفات الكفّار و لا بدّ للمؤمن من الاجتناب عنها و إيقاع الفعل خالصا لوجهه الكريم، من غير قصد سمعة و لا رئاء.

____________

(1) هو الأشهب بن رميلة.

64

و في الحديث (1) عنه (صلّى اللّه عليه و آله) إذا كان يوم القيامة نادى مناد يسمع أهل الجمع: أين الّذين كانوا يعبدون الناس؟ قوموا خذوا أجرتكم ممّن عملتم له، فانّى لا أقبل عملا خالطه شيء من الدنيا و أهلها.

و عن الصادق (عليه السلام) (2) قال قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم): من أسدى إلى مؤمن معروفا ثمّ آذاه بالكلام أو منّ عليه، فقد أبطل اللّه صدقته، و ضرب فيه مثلا «كَالَّذِي يُنْفِقُ مٰالَهُ رِئٰاءَ النّٰاسِ» الآية (3).

ثمّ إنّ ظاهر الآية يقتضي أنّ المنّ و الأذى يبطل الأجر و الثواب بالصدقة، و لو في مستقبل الأوقات، و نسبه في مجمع البيان إلى أهل الوعيد (4).

و فيه إشكال من جهة أنّ الإنفاق إذا وقع على الوجه المعتبر حال حدوثه و استقرّ الثواب بفعله فإبطاله في الزمان المستقبل و زواله بأحدهما يحتاج إلى دليل واضح.

و لعلّ هذا القائل من المعتزلة القائلين بالإحباط و التكفير، فإنّهم يحكمون بثبوت الأجر و الثواب بتلك الصدقة ثمّ إنّ المنّ و الأذى يزيلان الثواب بطريق الإحباط

____________

(1) المجمع ج 1 ص 377 عن ابن عباس عن النبي (ص).

(2) المجمع ج 1 ص 377 و روى عنه في نور الثقلين ج 1 ص 236 بالرقم 1113.

(3) زاد في سن: و روى الكليني عن إسحاق بن عمار عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه ان اللّه كره لي ست خصال و كرهتها للأوصياء من ولدي و اتباعهم من بعدي و عد منها المن بعد الصدقة.

راجع الكافي ج 1 ص 167 باب المن الحديث 1 و رواه بوجه أبسط في الفقيه عن النبي (ص) ج 2 ص 41 بالرقم 187.

(4) زاد في سن: و تقرير استدلالهم بها انهم قالوا: بين تعالى أن المن و الأذى يبطلان الصدقة و معلوم أن الصدقة قد وقعت و تقدمت فلا معنى لإبطالها، فالمراد ابطال أجرها و ثوابها، لان الثواب لم يحصل بعد، و انما يحصل في المستقبل، فيصح إبطاله بما يتعقبه من المن و الأذى، كما أن الوابل أزال التراب الذي وقع على الصفوان، و هو صريح في مذهب المعتزلة القائلين بالإحباط و التكفير، فإنهم يحكمون بثبوت الأجر و الثواب بتلك الصدقة إلخ.

65

و قد قامت الأدلّة العقليّة على بطلان الإحباط الّذي يذهب إليه هؤلاء فلا وجه لتنزيل الآية عليه (1).

و يمكن أن يقال صدورهما في المستقبل كاشف عن عدم ترتّب الثواب عليها حال الأحداث أو يقال المعتبر في البطلان صدور الإنفاق حال كونه واقعا على أحدهما لا مطلقا فانّ وجوه الأفعال تابعة لحدوثها.

و قد يؤيّد الأوّل ما رواه الكلينيّ عن إسحاق بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم): إنّ اللّه كره لي ستّ خصال و كرهتها للأوصياء من ولدي و أتباعهم

____________

(1) في سن: و الجواب عنه أنه ليس المراد بقوله «لٰا تُبْطِلُوا أَعْمٰالَكُمْ» النهي عن ازالة هذا الثواب، بل المراد عن الإتيان بهذا العمل باطلا، بسبب صدور المن و الأذى بعد العمل، فان صدورهما في المستقبل كاشف عن عدم ترتب الثواب عليها حال الأحداث و أنها لم يقصد بها وجه اللّه تعالى، و انما قصد غيره، و لا مانع من أن يكون تأثير الفعل السابق في حصول الثواب مشروطا بعدم وجود ما يضاده بعده، ثم انه تعالى ذكر لذلك مثلين:

أولها يطابق ما نقول فان من أوقع العمل رئاء غير مؤمن باللّه و اليوم الأخر كان عمله باطلا من أصله لوجود الكفر، لا انه وقع صحيحا ثم بطل بعد ذلك، لأنه إذا كان العمل مقارنا للكفر امتنع أن يقع صحيحا من أصله و أما المثل الثاني و ان كان ظاهره يدل على قولهم لانه تعالى جعل الوابل مزيلا لذلك التراب على الصفوان فكذا هنا يكون المن و الأذى مزيلين للثواب بعد استحقاق الأجر.

لكنا نقول: المشبه بذلك صدور العمل الذي لو خلى عنها لترتب عليه الثواب، فالمشبه بالتراب هو ذلك العمل الصادر منه، و يؤيده أن التراب إذا وقع على الصفوان لم يكن ملتصقا به بل كان اتصاله كالانفصال، فهو في الظاهر متصل و في الحقيقة غير متصل كالإنفاق مع المن و الأذى، فإنه يرى في الظاهر انه عمل من اعمال السر و في الحقيقة ليس كذلك فرجع الى ما قلناه، و يؤيده أن العمل بمقتضى الإخلاص يقتضي إلخ.

و يظهر من هذه المخالفة بين نسخة سن، و سائر النسخ أن نسخة سن هي من النسخة المسودة الاولى، و سائر النسخ من المبيضة بعد إسقاط الحشو و الزوائد و تنسيق المطالب و ترتيبها بحيث لا يخرج عن الموضوع، فلا تغفل.

66

من بعدي، و عدّ منها المنّ بعد الصدقة الحديث، و الحقّ أنّ العمل بمقتضى الإخلاص يقتضي أن لا يصدرا منه في شيء من الأوقات لأنّه إنّما دفعها قاصدا وجهه تعالى و ما عداه غير ملحوظ فيها، و مقتضى ذلك أنّه لا يقع منه منّ و لا أذى، فإنّ ذلك إنّما يكون مع ملحوظيّة الغير [لا مطلقا] و لكنّ التخلّص منهما بل من الرئاء و السمعة الّتي هي الشرك الخفيّ في غاية الصعوبة.

ثمّ إنّه تعالى لمّا ذكر حال الإنفاق مع المنّ و الأذى و الرئاء ذكر بعدها حال المخلصين في الإنفاق ليبيّن الحالتين و ما بينهما من التفاوت فقال:

«وَ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوٰالَهُمُ ابْتِغٰاءَ مَرْضٰاتِ اللّٰهِ» طلبا لرضاه «وَ تَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ» أي ليثبتوا بعض أنفسهم على الإيمان فإنّ المال شقيق الروح فمن بذل ماله لوجه اللّه فقد ثبت بعض نفسه عليه، و من بذل ماله و روحه فقد ثبّتها كلّها عليه فمن على هذا تبعيضيّة و يحتمل كونها ابتدائيّة أي تصديقا للإسلام، و تحقيقا للجزاء مبتدئا من أصل أنفسهم لأنّ المسلم إذا أنفق ماله في سبيل اللّه علم أنّ تصديقه و إيمانه بالثواب من أصل نفسه و من إخلاص قلبه.

و فيه تنبيه على أنّ حكمة الإنفاق للمنفق تزكية نفسه من البخل و المنّ و حبّ المال و يحتمل على الثاني أن يكون المعنى و تثبيتا من أنفسهم عند المؤمنين بأنّها صادقة الإيمان مخلصة فيه، و يعضده قراءة بعضهم و تبيينا من أنفسهم لأنّ التبيين إنّما يكون عند المؤمنين.

فمثل إنفاق هؤلاء «كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ» أي بستان في موضع مرتفع و لعلّ التخصيص بذلك لأنّ الشجرة فيها أزكى ثمرة و أحسن منظرا من الأسفل الّذي يسيل الماء إليه و يجتمع فيه، و الأحسن أن يراد بالربوة الأرض الطيّبة الحرّة الّتي تنتفخ و تربو إذا نزل عليها المطر، فإنّها إذا كانت كذلك كثر دخلها و كمل شجرها، كقوله:

«وَ تَرَى الْأَرْضَ هٰامِدَةً فَإِذٰا أَنْزَلْنٰا عَلَيْهَا الْمٰاءَ اهْتَزَّتْ وَ رَبَتْ» (1) و إنّما كان هذا أحسن لأنّ المكان البعيد لا يحسن ريعة لبعده عن الماء و ربّما تضرّ به الرياح، كما أنّ الوهاد

____________

(1) الحج: 5.

67

لكونها مصبّ المياه قلّما يحسن ريعها، فإذن البستان لا يصلح له إلّا الأرض المستوية و هي ما ذكرناها، و الرّبوة مثلّثة الراء و قرئ بتثليثها.

«أَصٰابَهٰا وٰابِلٌ» مطر عظيم القطر «فَآتَتْ أُكُلَهٰا» أي جاءت ثمرتها «ضِعْفَيْنِ» مثلي ما كانت تثمر بسبب المطر العظيم، فالمراد بالضعف المثل كما أريد بالزوج الواحد في قوله تعالى «مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ» (1) و يحتمل أن يكون المراد أربعة أمثاله، و نصب على الحال أي مضاعفا.

«فَإِنْ لَمْ يُصِبْهٰا وٰابِلٌ فَطَلٌّ» أي فيصيبها، أو فالّذي يصيبها طلّ أو فطلّ يكفيها لحسن منبتها و برودة هوائها و ارتفاع مكانها، و الطلّ المطر الصغير القطر.

و المعنى أنّ نفقات هؤلاء زاكية عند اللّه، لا تضيع بحال، نعم تتفاوت باعتبار ما ينضمّ إليها من الأحوال كالكثرة و القلّة باعتبار الأمور العارضة للإنفاق أو المنفق على ما تقدّم، و يجوز أن يكون المراد تمثيل حالهم عند اللّه بالجنّة على الربوة و نفقاتهم الكثيرة و القليلة بالوابل و الطلّ، فكما أنّ كلّ واحد من المطرين يضعف أكل الجنّة و ثمرتها، فكذلك نفقاتهم المقصودة بها وجه اللّه كثيرة كانت أو قليلة تزيد في زلفاهم عنده.

«وَ اللّٰهُ بِمٰا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ» فيه تحذير عن الرئاء و المنّ و الأذى، و ترغيب في الإخلاص.

ثمّ إنّه تعالى بيّن حال من يفعل الأفعال الحسنة و لا يريد بها وجه اللّه تعالى و لا ابتغاء مرضاته بقوله «أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ» الهمزة فيه للإنكار البالغ أي لن يودّ «أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَ أَعْنٰابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهٰارُ» أي تشتمل على النخيل و الأعناب و الأنهار الجارية «لَهُ فِيهٰا مِنْ كُلِّ الثَّمَرٰاتِ» جعل الجنّة أوّلا من النخيل و الأعناب مع أنّها مشتملة على سائر الأشجار كما دلّ عليه قوله هذا، تغليبا لهما لشرفهما و زيادة منافعهما ثمّ أردفهما بذكر كلّ الثمرات، ليدلّ على احتوائها على سائر الأشجار، فهو تعميم

____________

(1) هود: 40.

68

بعد تخصيص، و يجوز أن يريد بالثمرات المنافع الّتي كانت تحصل له فيها، و إن لم يكن من جنس الثمرة.

«وَ أَصٰابَهُ الْكِبَرُ» أي كبر السنّ فإنّ الفقر و الفاقة في ذلك الوقت أصعب، و الواو للحال، و يجوز العطف على معنى أ يودّ أحدكم لو كانت له جنّة فأصابه الكبر «وَ لَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفٰاءُ» صغار لا قدرة لهم على التكسّب «فَأَصٰابَهٰا إِعْصٰارٌ» ريح عاصفة تنعكس من الأرض إلى السماء مستديرة كعمود «فِيهِ نٰارٌ فَاحْتَرَقَتْ» تلك الجنّة و هو عطف على أصابها، و المعنى تمثيل من يفعل الأفعال الحسنة و يضمّ إليها ما يحبطها كالرئاء و الإيذاء و المنّ في الحسرة و الندامة و الأسف يوم القيامة، مع اشتداد حاجته إليها و كونها محبطة لا أثر لها، بحال من هذا شأنه، فهو يديم الحسرة و الندامة عند ذلك، و يطيل الفكرة كهذا الشيخ.

و لا يخفى أنّ هذا التمثيل في المقصود أبلغ الأمثال، فإنّ الإنسان إذا كان له جنّة في غاية الكمال، و كان هو في غاية الاحتياج إلى المال، و ذلك أو ان الكبر مع وجود الأولاد و الأطفال فإذا أصبح و شاهد تلك الجنّة محترقة بالصاعقة فكم يكون في قلبه من الحسرة و في عينيه من الحيرة؟ فهذا الإنفاق نظير الجنّة المذكورة، و زمان الاحتياج يوم القيامة.

قال البيضاويّ: و أشبه بهم من جال بسيرة في عالم الملكوت، و ترقّى بفكره إلى عالم الجبروت، ثمّ نكص على عقبيه إلى عالم الزور، و التفت إلى ما سوى الحقّ و جعل سعيه هباء منثورا فالحذر الحذر من مثله و إيّاك أن يعتريك الشيطان بخيله و رجله.

«كَذٰلِكَ» مثل هذا البيان الّذي بيّن في أمر الصدقة أو هي و غيرها «يُبَيِّنُ اللّٰهُ لَكُمُ الْآيٰاتِ» الدلالات الواضحات الّتي تحتاجون إليها في دينكم «لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ» تنظرون و تفهمون فتعتبرون بها.

السابعة:

وَ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنّٰاتٍ مَعْرُوشٰاتٍ وَ غَيْرَ مَعْرُوشٰاتٍ وَ النَّخْلَ وَ

69

الزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَ الزَّيْتُونَ وَ الرُّمّٰانَ مُتَشٰابِهاً وَ غَيْرَ مُتَشٰابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذٰا أَثْمَرَ وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصٰادِهِ (1).

«وَ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَ» خلق و ابتدع لا على مثال «جَنّٰاتٍ» بساتين مختلفة الأشجار «مَعْرُوشٰاتٍ» مرفوعات الدعائم، قيل هو ما عرشه الناس من الكروم «وَ غَيْرَ مَعْرُوشٰاتٍ» ملقاة على وجه الأرض، و قيل المعروشات ما غرسه الناس فعرشوه، و غير معروشات ما نبت في البراري و الجبال من قبل نفسه «وَ النَّخْلَ وَ الزَّرْعَ» عطف على جنّات، أي و أنشأ النخل و الزرع «مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ» ثمره الّذي يؤكل في الهيئة و الكيفيّة، و الضمير إمّا للزرع و الباقي في حكمه، و إمّا للنخل و الزرع داخل في حكمه لكونه معطوفا عليه أو للجميع بتأويل ذلك أو كلّ واحد، و مختلفا حال مقدّرة أي مقدّرا اختلاف (2) أكله لأنّه لم يكن كذلك عند الإنشاء.

«وَ الزَّيْتُونَ وَ الرُّمّٰانَ مُتَشٰابِهاً وَ غَيْرَ مُتَشٰابِهٍ» تشابه بعض أفرادهما في اللون و الطعم و لا تشابه «كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ» من ثمر كلّ واحد من ذلك «إِذٰا أَثْمَرَ» و إن لم يدرك و لم ينع بعد، و قيل فائدته رخصة المالك في الأكل منه قبل أداء حقّ اللّه.

«وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصٰادِهِ» قد يستدلّ بالآية على وجوب الزكاة في الزيتون لأنّه تعالى عقّب إيتاء الحقّ بعد ذكره، و إلى هذا يذهب جماعة من العامّة، و فيه نظر:

فإنّ الآية إنّما تدلّ على الإيتاء ممّا ثبت فيه الحصاد، و لهذا لا تجب الزكاة في الرمّان و إن ذكر بعد الزيتون هذا.

و قد اختلف في الحقّ الّذي يجب إخراجه يوم الحصاد، فقيل هو الزكاة العشر أو نصف العشر، و الأكثر على أنّها مدنيّة لا مكّيّة فلا نسخ و الأمر بإيتائها يوم الحصاد لتهيّئهم به حينئذ حتّى لا يؤخّر عن وقت الأداء.

و قيل: إنّ المراد به ما يتصدّق به يوم الحصاد لا الزكاة المقدّرة، نظرا إلى

____________

(1) الأنعام: 141.

(2) حال اكله خ ل.

70

أنّ الآية مكّيّة و الزكاة مدنيّة، فيؤيّد هذا القول الروايات الواردة عن أصحاب العصمة (عليهم السلام):

روى زرارة و محمّد بن مسلم و أبو بصير (1) في الحسن عن أبى جعفر (عليه السلام) في قول اللّه تبارك و تعالى «وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصٰادِهِ» فقالوا جميعا قال أبو جعفر (عليه السلام): هذا من الصدقة يعطي المسكين القبضة بعد القبضة، و من الجذاذ الحفنة بعد الحفنة، حتّى يفرغ و نحوها من الأخبار.

و بظاهرها استدلّ الشيخ في الخلاف على وجوب حقّ في المال سوى الزكاة، كالضغث و الكفّ عند الصرام و الحصاد، و أجاب العلامة بأنّ المراد إيجاب الحقّ يوم الحصاد، فانّ الزكاة تجب حينئذ، و لو سلّم المغايرة فالأمر للندب و في كلا الجوابين بحث:

أمّا الأوّل فلدلالة الحديث على أنّ المراد بها غير الزكاة، و أما الثاني فلأنّ حمل الأمر على الندب من غير معارض بعيد، و هو غير معلوم هنا فتأمّل.

الثامنة:

وَ لٰا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمٰا آتٰاهُمُ اللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مٰا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ وَ لِلّٰهِ مِيرٰاثُ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ اللّٰهُ بِمٰا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (2).

«وَ لٰا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمٰا آتٰاهُمُ اللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ» إن قرئ بتاء الخطاب فالفاعل هو النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) أو كلّ من يصلح للتخاطب و «الّذين» مفعوله الأوّل بحذف المضاف، و «خيرا» مفعوله الثاني، و هو ضمير الفصل، أي لا تحسبنّ بخلهم خيرا لهم.

____________

(1) الكافي ج 1 ص 160 باب الحصاد و الجداد الحديث 2 و هو في المرآة ج 3 ص 200 و بعده: و يعطى الحارس اجرا معلوما و يترك من النخل معا فأراه و أم جعرور و يترك للحارس يكون في الحائط العذق و العذقة و الثلاثة لحفظه إياها.

(2) آل عمران: 180.

71

و إن قرئ على الغيبة احتمل كون الفاعل محسب أو عاقل و نحوه، و هو الظاهر من سوق الآية، و احتمل كونه «الَّذِينَ يَبْخَلُونَ» و مفعوله الأوّل محذوف، أى لا يحسبنّ الّذين يبخلون بخلهم هو خيرا لهم، و لا يرد ما قيل إنّ باب حسب لا يجوز حذف أحد مفعوليها، لأنّ ذلك محمول على الغالب أو على الحذف نسيا منسيّا.

«بَلْ هُوَ» أي البخل «شَرٌّ لَهُمْ» لاستجلابه العقاب عليهم «سَيُطَوَّقُونَ مٰا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ» كأنّه بيان لشرّيّته لهم، و المعنى أنّهم يلزمون و بال ما بخلوا به إلزام الطوق، و من الأمثال قولهم تقلّدها طوق الحمامة إذا جاء بهنة يسبّ بها و يذمّ أو يجعل ما بخل به من المال طوقا في عنقه.

و روى (1) الكلينيّ عن محمّد بن مسلم في الحسن قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قول اللّه «سَيُطَوَّقُونَ مٰا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ» فقال: يا محمّد ما من أحد يمنع من زكاة ماله شيئا إلّا جعل اللّه له ذلك يوم القيمة ثعبانا من نار مطوّقا في عنقه ينهش من لحمه حتّى يفرغ من الحساب ثمّ قال هو قول اللّه «سَيُطَوَّقُونَ مٰا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ» يعني ما بخلوا به من الزكاة.

و عن حريز (2) في الصحيح قال قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): ما من ذي ذهب أو فضّة يمنع زكاة ماله إلّا حبسه اللّه يوم القيمة بقاع قفر، و سلّط عليه شجاعا أقرع يريده و هو يحيد عنه، فإذا رأى أنّه لا يتخلّص منه أمكنه من يده فيقضمها كما يقضم الفجل ثمّ يصير طوقا في عنقه و ذلك قول اللّه جلّ ذكره «سَيُطَوَّقُونَ مٰا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ» الحديث (3).

____________

(1) الكافي ج 1 ص 141 باب منع الزكاة الحديث 1.

(2) الكافي ج 1 ص 142 باب منع الزكاة الحديث 19 و هو في المرآة ج 3 ص 186 و في الفقيه ج 2 ص 5 الرقم 10 و ترى في الدر المنثور ج 2 ص 105 احاديث مفادها قريب من مفاد هذا الحديث.

(3) و ذيل الحديث في نسخة الأستاذ المدرسى مذكور بلفظه.

72

و الأخبار الواردة في هذا المعنى كثيرة، و الآية و إن كانت عامّة في الظاهر بالبخل مطلقا، إلّا أنّها مخصوصة بالبخل في إخراج الزكاة الواجبة كما يعلم من ظاهر الأخبار المبيّنة لها، و يزيده بيانا ما رواه الكلينيّ أيضا (1) عن جابر عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم): ليس البخيل الّذي يؤدّي الزكاة المفروضة في ماله، و يعطي البائنة في قومه. و عن أحمد بن مسلم (2) عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال البخيل من بخل بما افترض اللّه عليه، و الأخبار في ذلك كثيرة.

و لأنّ تارك التفضّل لو عدّ بخيلا لم يتخلّص الإنسان من البخل إلّا بإخراج جميع المال، و في حكم الزكاة سائر المصارف الواجبة، كالإنفاق على النفس و على الأقربين الّذين يلزم مؤنتهم.

«وَ لِلّٰهِ مِيرٰاثُ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ» أي جميع ما يصحّ التوارث فيه فهو للّه، فما بال هؤلاء يبخلون عليه بماله، و لا ينفقونه في سبيله، أو أنّه تعالى يرث منهم ما يمسكونه و يبخلون به و لا ينفقونه في سبيل اللّه، بعد موتهم و هلاكهم، و تبقى عليهم الحسرة و العقوبة و في ذلك حثّ على الإنفاق و المنع عن الإمساك من قبل أنّ الأموال إذا كانت بمعرض

____________

(1) الكافي ج 1 ص 174 باب البخل و الشح الحديث 6 و هو في المرآة ج 3 ص 208 و بوجه ابسط الحديث 8 و أرسله في الفقيه عن النبي (ص) ج 2 ص 34 الرقم 141 و هو في الوافي الجزء السادس ص 69 و فيه بيان: البائنة العطية سميت بها لأنها أبينت من المال.

أقول: هذه الكلمة مصحفة فاحتاجوا في شرح معناها الى التكلف و لم يرد البائنة في أصول المعاجم بمعنى العطية، و الصحيح: النائبة: و هي النازلة و الحادثة، لأنها تنوب الناس وقتا بعد وفت و منها تأدية الغرامات و الديات، و ما يضربه السلطان عليهم من سد البثوق و إصلاح القناطر و الطرق و غير ذلك، و قد نقله المجلسي في البحار (ج 96 ص 16) و فيها النائبة في الموضعين.

(2) الكافي ج 1 ص 174 باب البخل و الشح الحديث 4 و هو في المرآة ج 3 ص 208 و في الوافي الجزء السادس ص 69، و لعل الصحيح من السند «احمد بن سليمان» كما في الكافي و [احمد بن سلمة خ ل] و هكذا في معاني الأخبار ط مكتبة الصدوق ص 246.

73

الزوال فأجدر بالعاقل أن لا يبخل بإنفاقه، و لا يحرص على إمساكه، فيكون عليه وزره و لغيره نفعه.

«وَ اللّٰهُ بِمٰا تَعْمَلُونَ» من المنع و الإعطاء «خَبِيرٌ» فيجازيكم عليه، و هو تأكيد للوعد و الوعيد في الإنفاق و البخل، لإحراز الثواب و الأجر، و السلامة من الإثم و الوزر.

و قد يستدلّ بعموم الآية على وجوب بذل العلم و تحريم كتمانه من أهله، إذا لم يكن هناك مانع من تقيّة و نحوها، بل روى ابن عبّاس (1) أنّها نزلت في أحبار اليهود الّذين كتموا صفة محمّد و نبوّته، و أراد بالبخل كتمان العلم الّذي آتاهم اللّه، و لا ينافيه على الأوّل وروده في الزكاة لأنّ العبرة بعموم اللفظ، و كذلك قوله تعالى:

«سَيُطَوَّقُونَ» لما مرّ أنّ المراد يلزمون و باله، و يؤيده ما روى عنه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) من كتم علما من أهله ألجمه اللّه بلجام من نار (2)، و نحوه.

التاسعة:

قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّٰى وَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّٰى (3).

«قَدْ أَفْلَحَ» قد فاز «مَنْ تَزَكّٰى» تطهّر من الكفر و المعاصي، أو تكثّر من التقوى أخذا من الزكاة و إيّاه أراد من قال معناه قد ظفر بالبغية من صار زاكيا بالأعمال الصالحة و الورع، و قيل تزكّى أي أعطي زكاة ماله، إمّا مطلقا أو زكاة الفطرة بخصوصها كما يشعر به قوله «وَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّٰى» أي صلاة العيد على احتمال، و يحتمل مطلق الصلاة لقوله «أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِذِكْرِي» (4) و قيل: ذكر اللّه بقلبه عند صلوته فرجا ثوابه، و خاف عقابه، فانّ الخشوع في الصلاة بحسب الخوف و الرجاء.

و قيل: ذكر اسم ربّه بلسانه عند دخوله في الصلاة، فصلّى بذلك الاسم أي قال:

اللّه أكبر، لأنّ الصلاة لا تنعقد إلّا به، و بهذا احتجّت الحنفيّة على أنّ التكبيرة

____________

(1) المجمع ج 1 ص 546.

(2) أخرجه في البحار ج 2 ص 78 من الطبعة الحديثة عن غوالي اللئالي.

(3) الأعلى: 14 و 15.

(4) طه: 14.

74

الاولى ليست من صلب الصلاة لعطف الصلاة عليها، و على أنّ الافتتاح جائز بكلّ اسم من أسمائه تعالى.

و فيه نظر لإجمالها في المعاني المذكورة فلا يصحّ الاحتجاج بها على أحدها معيّنا لاحتمال غيره، و على هذا فالاستدلال بها على وجوب زكاة الفطرة بعيد إلّا أن ينضمّ إليها الخبر، و هو ما رواه ابن بابويه (1) في الصحيح عن حمّاد بن عيسى عن حريز عن أبي بصير و زرارة قالا: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): إنّ من تمام الصوم إعطاء الزكاة يعني الفطرة، كما أنّ الصلاة على النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) من تمام الصلاة، لأنّ من صام و لم يؤدّ الزكاة فلا صوم له، إذا تركها متعمّدا، و لا صلاة له إذا ترك الصلاة على النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) إنّ اللّه عزّ و جلّ بدأ بها قبل الصلاة، فقال «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّٰى وَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّٰى».

____________

(1) الفقيه ج 2 ص 119 بالرقم 515 و رواه في التهذيب ج 2 ص 159 بالرقم 625 و ج 4 ص 108 بالرقم 314 و في الاستبصار ج 1 ص 343 بالرقم 1292 و في المقنعة ص 43 و السند في الفقيه عن حماد بن عيسى عن حريز عن ابى بصير و زرارة و في النسخ المطبوعة من كتابي الشيخ عن ابن ابى عمير عن ابى بصير عن زرارة و في المقنعة عن ابى بصير و زرارة.

و روى الحديث في الوافي الجزء الخامس ص 115 و الجزء السادس ص 37 نقله عن كتابي الشيخ عن ابن ابى عمير عن ابى بصير عن زرارة و عن الفقيه عن حماد عن حريز عن ابى بصير و زرارة.

و رواه في جامع احاديث الشيعة ج 2 ص 356 بالرقم 3334 و نقل الحديث في الوسائل في موضعين الأول في الباب 10 من أبواب التشهد الحديث 2 ص 397 ج 1 ط الأميري و الثاني في الباب 1 من أبواب زكاة الفطرة الحديث 5 ص 40 ج 2 ط الأميري و فيه في أبواب التشهد بعد نقله عن محمد بن على بن الحسين: عن محمد الحسن بإسناده عن حماد بن عيسى عن حريز عن ابى بصير و زرارة جميعا ثم ذكر بعده الحديث ثم قال و بإسناده عن ابن ابى عمير عن ابى بصير عن زرارة مثله.

قلت لم أظفر بالطريق الأول في كتابي الشيخ و أظنه من اشتباه الوسائل إذ لم ينقله في الجامع و الوافي أيضا نعم نقله في المدارك ص 174 عن الشيخ عن ابى بصير و زرارة و حكاه عنه في الحدائق ج 10 ص 457 ط النجف و في قلائد الدرر ج 1 ص 173 أيضا عن ابى بصير و زرارة و مثله في ص 315 عن الفقيه. ثم ألفاظ الحديث في المصادر التي سردناها متفاوتة ادنى تفاوت يعرف بالمراجعة.

و نقل الحديث في المنتقى ج 1 ص 448 و نقل اختلاف نسخ الفقيه في ألفاظ الحديث ثم قال و الشيخ روى الحديث في كتابيه بإسناد من الموثق و نقل الحديث أيضا في ج 2 ص 127.

ثم ان سماحة الحجة الخرسان ذكر في تذييله على ص 159 ج 2 من التهذيب ان طريق الشيخ الى ابن ابى عمير غير مذكور في أسانيد الكتاب قلت بلى و لكنه مذكور في فهرسته انظر ص 168 من الفهرست المطبوع بالنجف الرقم 168 و كذا ص 30 من المنتقى الفائدة الخامسة من مقدمات الكتاب.

75

و لا يرد على هذا القول أنّ السورة مكيّة (1) و لم يكن في ذلك الوقت صلاة عيد و لا زكاة فطرة، لأنّه يحتمل أن يكون أوائلها نزلت بمكّة، و ختمت بالمدينة، فلا ينافي ذلك الاحتمال، و إن كانت الآية غير ظاهرة فيه، لقيام الاحتمالات غيره إلّا بضميمة الخبر، و كيف كان فالوجوب معلوم من الأخبار المتظافرة و الإجماع عليه.

____________

(1) و ليس كونها مكية من المسلم فإنك ترى في أكثر التفاسير كالمجمع و التبيان و فتح القدير و غيرها يذكرون انها مكية و قال الضحاك مدنية و قد نقل القول بكونها مدنية في الإتقان في النوع الأول ج 1 ص 13 عن ابن الغرس (انظر ترجمة ابن الغرس في الإعلام ج 7 ص 280).

و ترى في الدر المنثور ج 6 ص 339 و ص 340 أحاديث كثيرة مرفوعة و موقوفة في تفسير الآية (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّٰى) انها زكاة الفطر تقدم على صلاة العيد.

76

(كتاب الخمس)

و فيه آيات:

الاولى:

وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبىٰ وَ الْيَتٰامىٰ وَ الْمَسٰاكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللّٰهِ وَ مٰا أَنْزَلْنٰا عَلىٰ عَبْدِنٰا يَوْمَ الْفُرْقٰانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعٰانِ وَ اللّٰهُ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1).

«وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ» ظاهر الغنيمة ما أخذت من دار الحرب، و يؤيّده الآيات السابقة و اللاحقة، و على ذلك حملها أكثر المفسّرين، و الظاهر من أصحابنا أنّهم يحملونها على الفائدة مطلقا، و إن لم يكن من دار الحرب (2).

____________

(1) الأنفال: 43.

(2) زاد في سن و عش: «نظرا الى أن الغنيمة في اللغة يطلق على كل فائدة تحصل للإنسان من المكاسب و أرباح التجارات و في الكنوز و المعادن و الغوص و غير ذلك مما هو مذكور في الكتب.

و أطبق الجمهور على إنكاره، و خصوها بغنيمة دار الحرب نظرا الى ظاهر لفظ الغنيمة.

و احتج أصحابنا بأن الغنيمة اسم للفائدة، فكما يتناول هذا اللفظ غنيمة دار الحرب بإطلاقه، يتناول غيرها من الفوائد.

و يدل على ذلك من طرق أهل البيت روايات منها رواية محمد بن الحسن الأشعري قال: كتب بعض أصحابنا الى أبى جعفر الثاني (عليه السلام): أخبرني عن الخمس، أعلى جميع ما يستفيد الرجل من قليل و كثير من جميع الضروب و على الصناع؟ فكتب بخطه:

الخمس بعد المؤنة.

و في رواية على بن مهزيار: و قد اختلف من قبلنا في ذلك، فقالوا يجب على الصناع الخمس بعد مؤنة الصنعة و إخراجها، لا مؤنة الرجل و عياله، فكتب و قرأه على بن مهزيار عليه الخمس بعد مؤنته و مؤنة عياله، و بعد خراج السلطان» انتهى.

و هذه الزيادة توجد في نسخة القاضي في الهامش قائلا بعده «هكذا في بعض النسخ» و لا توجد في نسخة الأستاذ المدرسى الچاردهى و هو الصحيح، فان قوله بعد ذلك «و رواه الكليني و الشيخ» إلخ إنما يناسب لحوقه بما سبق في المتن، لا برواية على بن مهزيار، و قد عرفت فيما سبق أن هذه الزيادات مما كان في النسخة المسودة فأسقطها المؤلف رحمة اللّه عليه لكونها حشوا لا يحتاج إليها في فهم المراد من الايات.

و كيف كان ترى الحديث الأول في التهذيب ج 4 ص 123 الرقم 352 و الاستبصار ج 2 ص 55 الرقم 181 و تراه في الوسائل الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس الحديث 1 ج 2 ص 61 ط الأميري و في الحدائق ج 12 ص 348 ط النجف و الوافي الجزء السادس ص 44.

وعد الحديث في المنتهى ج 1 ص 550 من الصحيح و استشكل عليه المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد فقال و في الصحة تأمل لعدم ظهور محمد بن الحسن الأشعري و يبعد كونه الصفار لوقوع نقل على بن مهزيار و بعد نقله عنه مع عدم شهرته بهذا اللقب بل يكتفى بابن الحسن و الصفار و لذا ما قال في المختلف صحيحة محمد بل قال رواية محمد و الدلالة أيضا غير صريحة و هو ظاهر انتهى.

و ترى الحديث الثاني في التهذيب ج 4 ص 123 الرقم 354 و الاستبصار ج 2 ص 55 بالرقم 183 و رواه في الكافي بسند آخر قال في المنتقى فيه ضعف قلت الظاهر انه من جهة سهل بن زياد و قد عرفت من تعاليقنا على المجلد الأول من هذا الكتاب ص 352 قبول رواياته.

و على اى فهو في الكافي في الأصول باب الفيء و الأنفال الحديث 24 و طبع مع الفروع ج 1 ص 436 و هو في المرآة ج 1 ص 448 و شرح ملا صالح المازندراني ج 7 ص 413 و الوسائل الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس الحديث 4 ص 61 ج 2 ط الأميري و في الحدائق ج 12 ص 348 و في المنتقى ج 2 ص 143 و في الوافي الجزء السادس ص 44.

و اللفظ في كتابي الشيخ: عن على بن مهزيار قال كتب إليه إبراهيم بن محمد الهمداني أقرأني علىّ كتاب أبيك فيما أوجبه على أصحاب الضياع انه أوجب عليهم نصف السدس بعد المؤنة و انه ليس على من لم تقم ضيعته بمؤنته نصف السدس و لا غير ذلك فاختلف من قبلنا في ذلك فقالوا يجب على الضياع الخمس بعد المؤنة مؤنة الضيعة و خراجها لا مؤنة الرجل و عياله فكتب و قرأته على [ا] بن مهزيار عليه الخمس بعد مؤنته و مؤنة عياله و بعد خراج السلطان.

و في الكافي سهل عن إبراهيم بن محمد الهمداني قال كتبت الى ابى الحسن أقرأني على بن مهزيار كتاب أبيك فيما أوجبه إلى آخر ما في التهذيبين و ليس في آخره بعد فكتب «و قرأته على بن مهزيار».

ثم مرجع الضمير في حديث التهذيبين مجمل و الظاهر انه أبو الحسن الهادي كما يرشد اليه حديث الكافي و كذا حديث العياشي ج 2 ص 63 بالرقم 61 المروي في البحار ج 20 ص 50 و البرهان ج 2 ص 88 و المستدرك ج 1 ص 552: عن إبراهيم بن محمد قال كتبت الى ابى الحسن الثالث (عليه السلام) اسئله عما يجب في الضياع فكتب الخمس بعد المؤنة قال فناظرت أصحابنا فقالوا: المؤنة بعد ما يأخذ السلطان و بعد مؤنة الرجل فكتب إليه انك قلت الخمس بعد المؤنة و ان أصحابنا اختلفوا في المؤنة فكتب الخمس بعد ما يأخذ السلطان و بعد مؤنة الرجل و عياله.

قال المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد أن إبراهيم هذا مجهول قلت مع كونه ممدوحا يروى عنه الثقات- و لذا سرده الشيخ محمد طه نجف في الإتقان ص 9 من الثقات- ان الإيراد بضعفه لا يرد على حديث الكافي و التهذيبين فان الحاكي عن الكتاب هو على بن مهزيار و الطريق اليه صحيح خصوصا ما في التهذيبين بل قد عرفت كون سند الكافي أيضا مقبولا.

ثم الظاهر أن كتاب أبيه المذكور في حديث الكافي و التهذيبين هو كتابه الطويل الذي رواه في التهذيب ج 4 ص 141 بالرقم 398 و الاستبصار ج 2 ص 60 بالرقم 198 عن على بن مهزيار قال كتب إليه أبو جعفر (عليه السلام) قرأت انا كتابه إليه: قال الذي أوجبت في سنتي هذه و هذه سنة عشرين و مأتين فقط الى آخر الحديث.

و ترى هذا الحديث أيضا لم يتعين فيه المكتوب اليه من ابى جعفر، و الظاهر ان أبا جعفر فيه هو الجواد (عليه السلام) و ان المكتوب إليه إبراهيم بن محمد و ان هذا الكتاب هو المراد في حديث الكافي و التهذيبين من كتاب أبيك و اللّه العالم.

ثم كتاب ابى جعفر المروي في التهذيبين عن على بن مهزيار تراه في الوسائل الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس الحديث 5 ج 2 ص 61 ط الأميري و الوافي الجزء السادس ص 47 و الحدائق ج 12 ص 349 و المنتقى ج 2 ص 140.

و قد استشكل على الحديث بإشكالات قد تصدى صاحب المعالم في المنتقى و العلامة المجلسي في المرآة و السبزواري في الذخيرة و صاحب الحدائق لرفعها فراجع.

77

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

78

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

79

و رواه الكلينيّ و الشيخ (1) عن حكيم مؤذّن بني عبس عن الصادق (عليه السلام) قال:

قلت له «وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ» قال هي و اللّه الفائدة يوما فيوما الحديث.

و قد أدرجوا السبعة الأشياء الّتي أوجبوا فيها الخمس في ذلك، و هي غنيمة دار الحرب، و أرباح التجارات و الزراعات و الصناعات- بعد مؤنة السنة له و لعياله على الوجه الأوسط من غير إسراف و لا تقتير- و المعادن و الكنوز و ما يخرج بالغوص و الحلال المختلط بالحرام، مع جهل القدر و المالك، و أرض الذمي إذا اشتراها من مسلم.

و زاد الحلبي (2) على ذلك الميراث و الهديّة و الهبة و الصدقة، و أضاف الشيخ

____________

(1) الكافي في الأصول باب الفيء الحديث 10 و طبع مع الفروع ج 1 ص 425 و هو في المرآة ج 1 ص 446 و في شرح ملا صالح المازندراني ج 7 ص 407 و رواه في التهذيب ج 4 ص 121 الرقم 344 و الاستبصار ج 2 ص 154 الرقم 179 و تراه في الوسائل الباب 4 من أبواب الأنفال الحديث 8 ج 2 ص 67 ط الأميري و الوافي الجزء السادس ص 45 و الحدائق ج 12 ص 320.

ثم الضبط في الكافي مؤذن بني عيسى و في التهذيبين مؤذن بني عبس و نقل المجلسي عن التهذيب مؤذن بني عيسى بالياء المثناة أيضا و في جامع الرواة للأردبيلي ج 1 ص 268 بنى عبس و بنى عيسى و بنى عبيس و على اى فالرجل مجهول عده الشيخ في رجال الامام الصادق ص 184 الرقم 319 و نقل عنه أرباب الرجال و لم يزيدوا على ذلك.

(2) هو أبو الصلاح الشيخ تقى ابن النجم الحلبي، الشيخ الأقدم من كبار علمائنا الإمامية كان معاصرا للشيخ ابى جعفر الطوسي، و قرأ عليه و على السيد المرتضى رحمة اللّه عليهم أجمعين.

80

العسل الجبليّ و المنّ، و أضاف الفاضلان الصمغ و شبهه (1).

____________

(1) زاد في سن و عش و هامش قض أيضا:

و قال ابن الجنيد: فأما ما استفيد من ميراث أو كد بدن أو صلة أخ أو ربح تجارة أو نحو ذلك، فالأحوط إخراجه لاختلاف الرواية في ذلك [و لان لفظ فريضة يحتمل هذا المعنى].

و قد يستدل على ذلك بصحيحة عبد اللّه بن سنان عن ابى عبد اللّه (عليه السلام): ليس الخمس إلا في الغنائم خاصا إذ لا ريب في عدم صحة الحمل على غنائم دار الحرب، فينبغي أن تحمل على الغنائم [الفوائد] مطلقا.

و أوردها في المعتبر إيرادا على وجوب الخمس في الحلال المختلط بالحرام، ثم قال:

و لا نوجبه الا فيما يطلق عليه اسم الغنيمة، و قد بينا ان كل فائدة غنيمة.

و احتمل الشيخ في الاستبصار بعد إيرادها ان تكون هذه المكاسب و الفوائد التي تحصل للإنسان من جملة الغنائم التي ذكرها اللّه تعالى.

و استدل بها في المختلف لابن الجنيد، ثم قال: و جوابه القول بالموجب، فان الخمس انما يجب فيما يكون غنيمة و هو يتناول غنائم دار الحرب و غيرها من جميع الاكتسابات، على أنه لا يقول بذلك، فإنه أوجب الخمس في المعادن و الغوص و غير ذلك.

و استدل فيه أيضا على إيجاب الخمس في أرباح التجارات و الصناعات و الزراعات، و أورد على ابن الجنيد فقال: لنا قوله تعالى «وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ» الآية، و هذا من جملة الغنائم.

و فيه أيضا في بيان وقت وجوبه أن الآية و غيرها يقتضي وجوب الخمس وقت حصول ما يسمى غنيمة و فائدة، و بالجملة فالقول بدلالة الآية على وجوب الخمس في كل فائدة إلا ما أخرجه الدليل غير بعيد خصوصا أن ملاحظة أن الغنيمة في اللغة و العرف للفائدة مطلقا و تخصيص الآية أو تقييدها أولى بطلب الدليل عليه، و ربما استبعد بعض أصحابنا استفادة ذلك من ظاهر الآية و قال: الظاهر منها كون الغنيمة. انتهى.

راجع صحيحة ابن سنان في التهذيب ج 4 ص 124 الرقم 359 و الاستبصار ج 2 ص 56 الرقم 184 و الفقيه ج 2 ص 21 الرقم 74 و هو في الوسائل الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس الحديث 1 و في الحدائق ج 12 ص 321 و الوافي الجزء السادس ص 43 و في المنتقى ج 2 ص 138 و بسط الكلام في تأويل الحديث.

81

و الحقّ أنّ استفادة ذلك من ظاهر الآية بعيدة بل الظاهر منها كون الغنيمة غنيمة دار الحرب، و الخبر غير صحيح و الأولى حمل الغنيمة في الآية على ذلك و جعل الوجوب في غير الغنيمة من المواضع السبعة ثابتا بدليل من خارج كالإجماع، إن كان أو الأخبار، و يبقى ما عدا ذلك على الأصل الدالّ على العدم (1).

و «إنّ» إن كانت مكسورة فلا كلام، و إن كانت مفتوحة و هو الّذي رجّحه في الكشّاف فهي مبتدأ خبره محذوف و وجه الترجيح أنّه إذا حذف الخبر و احتمل غير واحد من المقدّرات كقولك ثابت واجب حقّ لازم و ما أشبه ذلك كان أقوى للإيجاب من النصّ على الواحد أي فثابت أو واجب و نحوه.

«وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبىٰ وَ الْيَتٰامىٰ وَ الْمَسٰاكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ» مقتضى الآية قسمة الخمس على ستّة أقسام: سهم للّه، و سهم لرسوله، و سهم لذوي القربى، و ثلاثة أسهم للثلاثة الباقية. و على هذا أكثر علمائنا فسهم اللّه و سهم الرسول للرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و كذا سهم ذي القربى يضعه حيث يشاء من المصالح، و حال عدمه يكون الثلاثة المذكورة للإمام القائم مقامه، و تبقى الثلاثة الأسهم الباقية تصرف إلى المذكورين من بنى هاشم.

هذا هو المشهور بين الأصحاب، بل كاد يكون إجماعا، و ذهب جماعة من الأصحاب إلى أنّ سهم ذي القربى لا يختصّ بالإمام (عليه السلام) بل هو لجميع قرابة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) من بني هاشم.

____________

(1) زاد في سن و عش و هامش قض:

و قد يؤيد ذلك قوله «مِنْ شَيْءٍ» فإنه يشمل كل ما يقع عليه اسم الشيء من كثير و قليل ما أمكن نقله كالثياب و الدواب و ما لم يمكن كالأراضي و العقارات مما يصح تملكه للمسلمين، و ظاهر أن هذا الإطلاق يناسب المعنى الخاص لأن أكثر الفوائد يعتبر فيها النصاب أو الفضل بعد المؤنة.

و كذا يؤيده كون سابقها و لاحقها في الحرب و الجهاد، و نزولها في غنيمة دار الحرب ان صح، فتأمل.

82

و رواه ابن بابويه في كتاب المقنع (1) و من لا يحضره الفقيه و هو اختيار ابن الجنيد حيث قال: هو مقسوم على ستّة أقسام سهم للّه يلي أمره إمام المسلمين، و سهم لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) لأولى الناس به رحما، و أقربهم إليه نسبا، و سهم ذي القربى لأقارب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) من بنى هاشم و بنى عبد المطّلب بن عبد مناف: إن كانوا من بلدان أهل العدل. و يردّه ظاهر قوله «وَ لِذِي الْقُرْبىٰ» فإنّه يدلّ على الوحدة فلا يتناول الأقارب أجمع فيتعيّن كونه الإمام إذ الثالث خرق الإجماع.

لا يقال أراد الجنس كما في ابن السبيل لأنّا نقول تنزيل اللفظ الموضوع للواحد على الجنس مجاز، بل حقيقته الواحد فلا يعدل عنه، إلّا أن يتعذّر حمله على الواحد فيحمل على الجنس، و حيث إنّ الواحد متعذّر في ابن السبيل إذ ليس هناك معنى واحد يمكن أن يكون مقصودا به اللفظ، فلا وجه للحمل عليه، بخلاف ذي القربى، فإنّ هناك معنى واحدا يصلح أن يكون مقصودا به فيحمل عليه.

و ما يقال إنّا لا نسلّم تبادر الواحد من ذي القربى بل الظاهر منه الجنس كما في غير هذا الموضع قال تعالى «وَ آتِ ذَا الْقُرْبىٰ حَقَّهُ- إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسٰانِ وَ إِيتٰاءِ ذِي الْقُرْبىٰ» (2) و غير ذلك من الآيات فيحمل على الجنس إلى أن يثبت المقتضى للعدول عنه، على أنّ إرادة الواحد منه متوقّفة على قيام الحجّة بذلك، أمّا بدونها فلا.

مدفوع بأنّا قد بيّنا أنّ الظاهر من لفظ ذي القربى الواحد و إنّما يحمل على الجنس مع التعذّر، فليس احتماله للواحد و الجنس على حدّ سواء، بل الظاهر المتبادر منه الواحد. و إرادة الجنس في المواضع الّتي وقع فيها ذي القربى غير هذا الموضع إنّما هو لتعذّر إرادة الواحد منه، و لو أمكن إرادته منه لوجب حمله عليه، و بالجملة نحن

____________

(1) هكذا في المختلف الجزء الثاني ص 33 و الحديث في المقنع ص 53 و الفقيه ج 2 ص 22 الرقم 79 عن زكريا بن مالك الجعفي عن ابى عبد اللّه (ع) لكني لم أتحقق السر في تخصيصهم ذكر الرواية عن الصدوق مع أن الحديث رواه الشيخ أيضا في التهذيب ج 4 ص 125 بالرقم 360 ثم ان زكريا بن مالك الجعفي مجهول لم يذكر في حقه مدح و سرده الشيخ في أصحاب الإمام الصادق ص 200 الرقم 71.

(2) اسرى: 26، النحل: 90.

83

إنّما نحمله على الجنس مع تعذّر الواحد، فلو أمكن بوجه من الوجوه حملناه عليه و فيما نحن فيه ممكن دون ما عداه من المواضع، فيحمل عليه.

على أنّ الأخبار قد دلّت على ذلك، و قد بلغت حدّا لا يمكن التأويل فيه و من ثمّ نقل الشيخ في ذلك إجماع الفرقة، و كأنّه لم يعتدّ بخلاف هذا القائل، نعم هو قول جماهير العامّة، بل إنّهم أطبقوا على أنّ المراد بذي القربى قرابة الرسول من ولد هاشم و بعضهم أضاف إليه آل المطّلب.

و قال بعض الأصحاب: إنّما يقسم الخمس على خمسة أسهم: سهم لرسوله، و بعده للإمام، و سهم ذي القربى له، و الثلاثة الباقية لليتامى و المساكين و ابن السبيل، قالوا و معنى «لِلّٰهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ» أنّ للرسول خمسه، كقوله تعالى «وَ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ» (1) و المراد رسوله، و الافتتاح بذكر اسم اللّه تعالى على جهة التيمّن و التبرّك، لأنّ الأشياء كلّها له عزّ و جلّ، و أنّ من حقّ الخمس أن يكون متقرّبا به إلى اللّه عزّ و جلّ لا غير، و أنّ قوله «وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبىٰ» إلخ بيان لأنّ مصرفه هؤلاء الأخصّين به.

و يدلّ على ذلك صحيحة ربعيّ بن عبد اللّه (2) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) إذا أتاه المغنم أخذ صفوه، و كان ذلك له، ثمّ يقسم ما بقي خمسة أخماس و يأخذ خمسه ثمّ يقسم الأربعة أخماس بين الناس الّذي قاتلوا عليه ثمّ يقسم الخمس الّذي أخذه خمسة أخماس يأخذ خمس اللّه عز و جل لنفسه، ثمّ يقسم الأربعة الأخماس بين ذي القربى و اليتامى و المساكين و أبناء السبيل يعطي كلّ واحد منهم حقّا و كذلك الإمام يأخذ كما أخذ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و إلى هذا يذهب جمهور العامّة.

و اختلفوا في سهم النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) بعد وفاته فقائل منهم أنّه يصرف في مصالح المسلمين كما فعله الشيخان بعده و قائل أنّه يسقط سهمه و سهم ذي القربى، و يصير الكلّ مصروفا

____________

(1) براءة: 62.

(2) التهذيب ج 4 ص 128 الرقم 365 و الاستبصار ج 2 ص 56 الرقم 176 و هو في الوافي الجزء السادس ص 147 و المنتقى ج 2 ص 147.

84

إلى الثلاثة الباقية و على هذا أبو حنيفة و أصحابه و قائل إنّه لوليّ الأمر بعده كما يذهب إليه ذلك البعض من أصحابنا.

و الجواب أنّ الآية بعيدة عمّا ذكروه، فانّ ظاهرها الانقسام إلى الستّة، و قولهم الافتتاح باللّه للتبرّك مجاز لا يصار إليه إلّا بدليل يدلّ عليه بخصوصه، و الروايات إنما تضمّنت حكاية فعله (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و جاز أن يكون (صلّى اللّه عليه و آله) أخذ دون حقّه توفيرا لحصص الباقين إمّا تبرّعا منه (صلّى اللّه عليه و آله) أو لاعوازهم فلا يثبت بها الحكم على العموم، على أنّ حملها على التقية ممكن لكون ذلك مذهب [بعض] العامة كما عرفت ثمّ إنّ الأكثر من أصحابنا قالوا: إنّ الأصناف الثلاثة من بنى هاشم دون بنى المطلب، و هو قول بعض العامة، و ذهب بعضهم إلى دخول بنى المطلب فيهم و على هذا أكثر العامة مستدلّين عليه بما روي عنه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) (1) لما قال له بنوا عبد شمس و نوفل: هؤلاء إخوتك بنو هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك الّذي جعلك اللّه فيهم أ رأيت إخواننا بني المطّلب أعطيتهم و حرمتنا، و إنما نحن و هم بمنزلة واحدة! فقال (صلى اللّه عليه و آله و سلم): إنّا و بنوا المطّلب لم نفترق في جاهليّة و لا إسلام و نحن و هم شيء واحد، و شبّك بين أصابعه.

و من طريق الخاصّة ما رواه زرارة عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) (2) قال: لو كان العدل ما احتاج هاشميّ و لا مطّلبيّ إلى صدقة إنّ اللّه جعل لهم في كتابه ما كان فيه سعتهم، يعنى الخمس.

و الجواب أنّ الأخبار المذكورة غير واضحة الصحّة مع معارضتها بمثلها، روى حمّاد بن عيسى (3) عن بعض أصحابنا عن العبد الصالح أبى الحسن الأوّل (عليه السلام) قال:

____________

(1) سنن ابى داود ج 3 ص 201 بالرقم 2980 و قريب منه ما في الرقم 200 منه و اللفظ في الأخير إنما بنو هاشم و بنو المطلب شيء واحد و كان يرويه يحيى بن معين انما بنو هاشم و بنو المطلب سى الواحد بالسين المهملة مكسورة اى هما سواء تقول هذا سى هذا أى مثله و نظيره، و أخرج الحديث أيضا الشافعي في الا م عن مطعم بن جبير ج 4 ص 146.

(2) التهذيب ج 4 ص 59 الرقم 159 و روى في الاستبصار ج 2 ص 36 الرقم 111 شطرا منه.

(3) الكافي في الأصول باب الفيء و الأنفال الحديث 4 و هو في المرآة ج 1 ص 443 و في شرح ملا صالح المازندراني ج 7 ص 392 و طبع مع الفروع ص 423 و رواه في التهذيب ج 4 ص 128 الرقم 366 و الاستبصار ج 2 ص 58 الرقم 165 و الحديث طويل فيه بيان أحكام كثيرة من مسائل الخمس و هو و ان كان مرسلا فهو كالصحيح و تراه في الوافي الجزء السادس ص 39.

85

و هؤلاء الّذين جعل اللّه لهم الخمس قرابة النبيّ و هم بنو عبد المطّلب أنفسهم الذكر و الأنثى منهم، ليس فيهم من أهل بيوتات قريش و لا من سائر العرب أحد. و نحوها من الأخبار و مع التعارض يتساقطان و يبقى اشتغال الذمّة باستخراج الخمس إلى مستحقّه باقيا.

و يمكن أن نستدلّ على ما نقوله بأنّ بني المطّلب يستحقّون الزكاة فلا يستحقّون الخمس لعدم اجتماعهما في محلّ واحد إجماعا، و استحقاقهم للزكاة ثابت بعموم قوله «إِنَّمَا الصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ وَ الْمَسٰاكِينِ» (1) الآية خرج منه بنوا هاشم بالإجماع، فيبقى ما عداهم، منهم بنو المطّلب.

و لو قيل إنّ الاخبار السابقة مخصّصة للآية، لقلنا إنّها ضعيفة معارضة بمثلها و ذلك يقتضي تساقطها، و بقي عموم القرآن سالما فيتمّ المطلوب.

و يعتبر في المساكين و ابن السبيل الحاجة على ما مرّ في باب الزكاة إذ هو الظاهر من الإطلاق.

و أما اليتيم فاعتبر فقره بعض الأصحاب نظرا إلى أنّ الخمس عوض الزكاة على ما دلّت عليه الأخبار فيعتبر فيه ما يعتبر فيها من الفقر و الحاجة، و لأنّ الإمام يقسمه بينهم على قدر حاجتهم، و الفاضل له، و مع تحقّق الغنى تنتفي الحاجة فينتفى النصيب.

و نفى الآخرون اعتباره نظرا إلى عموم الآية الصادق على الغنيّ و الفقير، و بأنّ استحقاقه لكونه يتيما فيستوي فيه الغنىّ و الفقير (2) و لأنّه لو اعتبر فيه الفقر لكان داخلا تحت المساكين، فلا يكون قسما برأسه، و يلزم من ذلك تداخل الأقسام،

____________

(1) براءة: 60.

(2) فيستويان فيه خ.

86

و المنازع مستظهر من الجانبين إلّا أنّ الاحتياط يقتضي الاعتبار و مقتضى اللّام على ما تقدّم بيان المصرف، فيجوز تخصيص الفريق الواحد من الثلاثة بنصف الخمس الّذي هو حصّتهم و إليه ذهب أكثر المتأخرين.

و اعتبر جماعة وجوب بسط النصف على الثلاثة الأصناف نظرا إلى أنّ اللام في الآية للملك، فلا يجوز الاقتصار على صنف واحد. قالوا: و يؤيّد ذلك أنّها لو كانت هنا لبيان المصرف لجاز إعطاء الجميع لصنف واحد غير الامام، و إن كان الامام حاضرا بل الظاهر أنّه لا قائل به، و يمكن أن يجاب بأنّ ذلك خرج بالإجماع، و لو لا الإجماع لساغ ذلك، لكنّ الإجماع منع من صرف حصّة الإمام إلى غيره، مع وجوده، و من ثمّ كان الخلاف بينهم إنّما هو في الأسهم الثلاثة للأصناف الثلاثة، و الخارج بالإجماع لا يرد نقضا.

على أنّ القائل بوجوب البسط إنّما يقول به مع حضور الأصناف لا مع غيبتهم فانّ الشيخ ممّن يقول بوجوب البسط، و قد صرّح في بعض كتبه بأنّه إذا لم يكن في البلد إلّا فرقة واحدة منهم، جاز أن يفرّق فيهم و لا ينتظر غيره، و لا يحمل إلى بلد آخر، و هذا ممّا يضعّف حمل اللّام على الملكيّة و الاحتياط في البسط على الأصناف. أما تعميم الأشخاص الحاضرين فقد قيل به و هو بعيد.

«إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللّٰهِ» متعلّق بمحذوف دلّ عليه ما تقدّمه إى إن كنتم آمنتم باللّه فاعلموا أنّ الخمس لهؤلاء المذكورين فسلّموا إليهم، و في الكلام تأكيد لوجوب الخمس على أتمّ وجه، و أكّده تصدير الكلام بالعلم، و اقترانه بأنّ المفيدة للتوكيد، و تقييد الحكم بالايمان، و ذكر الجملة الخبريّة، و تكرار أنّ المؤكّدة و حذف الخبر و ليس المراد هنا مجرّد العلم، فانّ العلم المتعلّق بالعمل إذا أمر به كان العلم مقصودا بالعرض لتحصيل العمل الّذي هو المقصود أصالة.

«وَ مٰا أَنْزَلْنٰا عَلىٰ عَبْدِنٰا» محمّد (صلى اللّه عليه و آله و سلم) من الآيات و الملائكة و النصر «يَوْمَ الْفُرْقٰانِ» أراد به يوم بدر، فإنّه يوم حصل فيه الفرق بين الحقّ و الباطل، و غلب فيه الحقّ عليه «يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعٰانِ» هم المسلمون و الكفّار و هي أوّل واقعة عظيمة صارت

87

في الإسلام «وَ اللّٰهُ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» فيقدر على نصر الجماعة القليلة على الفئة الكثيرة و إمدادها بالملائكة كما وقع في ذلك اليوم.

الثانية:

يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبٰاتِ مٰا كَسَبْتُمْ وَ مِمّٰا أَخْرَجْنٰا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ (1) الآية.

قد ذكرناها في باب الزكاة فلا نعيدها.

الثالثة

يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفٰالِ قُلِ الْأَنْفٰالُ لِلّٰهِ وَ الرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللّٰهَ وَ أَصْلِحُوا ذٰاتَ بَيْنِكُمْ وَ أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (2).

«يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفٰالِ» جمع نفل بسكون الفاء و فتحها و هو الزيادة و منه سميت النافلة لزيادتها على الواجب، قيل المراد بها [ههنا] غنيمة يوم بدر [و المراد السؤال عن أحكامها و كيفيّة قسمتها.

و يؤيّده ما قيل إنّها نزلت بسبب اختلاف المسلمين في غنائم بدر] (3) و أنّها كيف تقسم؟ و من يقسمها: المهاجرون أو الأنصار؟ فبيّن حكمها و أنّ أمر ذلك إلى اللّه و الرسول، و قيل: المراد بها أنفال السرايا المجعولة لهم كقوله (عليه السلام) من فعل كذا و كذا فله كذا، و قد وقع منه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) ذلك في يوم بدر، فتسارع الشبّان و بقي الشيوخ تحت الرايات، فلمّا انقضى الحرب طلب الشبّان بما كان قد نفلهم النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) فقال الشيوخ:

كنّا ردءا لكم لو وقعت عليكم الهزيمة لرجعتم إلينا، فتشاجروا في ذلك فنزلت.

و به استدلّ الشافعيّ على أنّه لا يلزم الامام أن يفي بما وعد (4) و هذان القولان مرغوب عنهما فيما بيننا.

____________

(1) البقرة: 267.

(2) الأنفال: 1.

(3) ما بين العلامتين لا يوجد إلا في قض.

(4) و هو احد قوليه على ما في الكشاف ج 2 ص 2.

88

و الّذي عليه أصحابنا أنّ المراد بها ما قد وردت به الروايات عن الباقر و الصادق (1) (عليهما السلام) أنّهما قالا: الأنفال كلّ ما أخذ من دار الحرب بغير قتال و كلّ أرض انجلى عنها أهلها بغير قتال- و يسمّيها الفقهاء فيئا- و ميراث من لا وارث له، و قطائع الملوك، إذا كانت في أيديهم من غير غصب، و الآجام و بطون الأودية، و الأرضون الموات، و نحوها (2).

و قد روى عن أهل البيت (عليهم السلام) (3) أنّهم قرأوا «يسألونك الأنفال» بدون لفظة «عن» (4).

____________

(1) المجمع ج 2 ص 517 و انظر أيضا الروايات في البرهان ج 2 من ص 59 الى ص 62 و نور الثقلين ج 2 من ص 117 الى ص 121 و العياشي ج 2 ص 46 الى 48 و الوسائل أبواب الأنفال.

(2) في سن و عش:

«و غير ذلك مما هو مذكور في موضعه و قالا: هي للّه و للرسول و بعده لمن قام مقامه يصرفه حيث يشاء من مصالح نفسه ليس لأحد فيه شيء و قالا: إن غنائم بدر كانت للنبي (ص) فسألوه أن يعطيهم فأعلمهم اللّه ان ذلك للّه و للرسول و ليس لهم في ذلك شيء، و روى ذلك أيضا عن ابن عباس و ابن جريج و الضحاك و الحسن، و اختاره الطبري و قالوا: ان «عن» صلة و معناه «يسألونك الأنفال أن تعطيهم» و قد روى عن أهل البيت إلخ.

راجع في ذلك المجمع ج 2 ص 517 و نقله عن الطبري تراه في ج 9 ص 175 من تفسيره.

(3) انظر المجمع ج 2 ص 516 و نقل هذه القراءة عن على بن الحسين و محمد بن على و جعفر بن محمد و زيد بن على و كذا عن ابن مسعود و سعد بن ابى وقاص و طلحة بن مصرف و قد حكى هذه القراءة عن ابن مسعود أيضا الطبري.

(4) زاد في سن و عش أيضا: ثم قال الطبرسي: (ج 2 ص 517) و قال على بن طلحة عن ابن عباس: كانت المغانم لرسول اللّه (ص) خاصة ليس لأحد فيها شيء، و ما أصاب سرايا المسلمين من شيء أتوه به، فمن حبس منه إبرة أو سلكا فهو غلول، فسألوا الرسول (ص) أن يعطيهم منها فنزلت.

و في الكنز بعد أن نقل بعض ما قدمناه قال: «و الصحيح ما قاله الباقر و الصادق أنها ما أخذ- الى أن قال- و قالا (ع): ان غنائم بدر كانت للنبي خاصة فقسمها بينهم تفضلا منه، و هو مذهب أصحابنا الإمامية» و في التفسير المنسوب الى على بن إبراهيم (انظر تفسيره المطبوع ص 137 و قد نقل عنه في البرهان ج 2 ص 61 بالرقم 26 و نور الثقلين ج 2 ص 119 بالرقم 13) ما يدل على أنها نزلت يوم بدر، و أنت خبير بأن الذي يقتضيه هذا أن الأنفال أعم من الغنيمة و الفيء إذا كانت الغنيمة كالفيء مختصة به (ص) [فان كون غنائم بدر من أحد الأقسام المذكورة في تفسير الأنفال بعيد جدا لا شاهد له] فإطلاق الأنفال على غنائم بدر كما هو مقتضى نزول الآية فيها لا يكون الا باعتبار شمول النفل للغنيمة أيضا و ان كان باعتبار كونها للنبي فهي كانت أحد الأقسام أيضا فإطلاق الأنفال عليها ان كان بخصوصها فمن إطلاق العام على الخاص، و يكون المراد بالروايات المتضمنة لتفسيرها بتلك الاقسام انها باعتبار معناها العام الباقي على حكمها الان، و ان كان المراد الأعم فالاقتصار في الروايات على الأقسام المذكورة متوجه أيضا، فإن الظاهر أن الغنيمة على هذا قد أخرجت من حكم بقية الأنفال.

89

«قُلِ الْأَنْفٰالُ لِلّٰهِ وَ الرَّسُولِ» أي هي لهما مختصّة بهما، و المراد أنّها للرسول في حال حياته (صلّى اللّه عليه و آله) و من بعده للإمام القائم مقامه، و على هذا فلا تكون منسوخة بآية الغنيمة أعني قوله تعالى «وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ» الآية لعدم التنافي بينهما، لاختلاف المحلّ، نعم لو حملناها على الغنيمة أمكن القول بالنسخ للتنافي (1).

____________

(1) زاد في سن و عش: و قد عرفت حملها على الغنيمة فيما سبق، قال العلامة. (ره) (انظر المنتهى ج 2 ص 922 و قريب منه ما في التذكرة ج 1 ص 419 و نقله عن العلامة في المرآة ج 1 ص 422): الغنيمة كانت محرمة فيما تقدم من الأديان و كانوا يجمعون الغنيمة فتنزل النار من السماء فتأكلها، فلما أرسل اللّه محمدا (ص) أنعم بها عليه فجعلها له خاصة قال تعالى «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفٰالِ قُلِ الْأَنْفٰالُ لِلّٰهِ وَ الرَّسُولِ» و قد روى عنه (صلّى اللّه عليه و آله) أنه قال: أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي و ذكر منها أحلت لي المغانم، إذا ثبت (راجع الجامع الصغير بالرقم 174 ج 1 ص 566 شرح فيض القدير أخرجه عن البخاري و مسلم و النسائي عن جابر)، فإن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كان مختصا بالغنائم لقوله «يَسْئَلُونَكَ» الآية فنزلت في بدر لما تنازعوا في الغنائم فلما نزلت قسمها رسول اللّه (ص) و أدخل معهم جماعة لم يحضروا الواقعة لأنها كانت له يصنع بها ما يشاء، ثم نسخ ذلك و جعلت للغانمين خاصة أربعة أخماسها و الخمس الباقي لمستحقه، قال تعالى «وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ» الآية فأضاف الغنيمة إليهم و جعل الخمس للأصناف التي عداها المغايرين للغانمين فدل على ان الباقي لهم و روى الجمهور عن النبي انه قال: العنيمة لمن شهد الواقعة (كما عقد البيهقي لذلك بابا راجع السنن ج 6 ص 333 الى 335 و انظر أيضا فتح الباري لابن حجر ج 7 ص 37 قال عند شرح عقد البخاري باب الغنيمة لمن شهد الواقعة: هذا لفظ أثر أخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح عن طارق بن شهاب أن عمر كتب الى عمار أن الغنيمة لمن شهد الواقعة ذكره في قصة) و لا نعلم فيه خلافا انتهى (يعنى كلام العلامة) و فيه تنبيه على ما نبهنا عليه فلا تغفل.

90

«فَاتَّقُوا اللّٰهَ» باتّقاء معاصيه و اتّباع ما يأمركم به «وَ أَصْلِحُوا ذٰاتَ بَيْنِكُمْ» أي الحال الّتي بينكم بالمواساة و مساعدة بعضكم بعضا فيما رزقكم اللّه، و ترك الخصومة و المنازعة بالصلح و المحبّة، و تسليم الأمر إلى اللّه.

«وَ أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ» و لا تخرجوا عمّا أمرتم به «إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» مصدّقين باللّه و الرسول، فانّ الايمان يقتضي ذلك، أو إن كنتم كاملي الأيمان، فإنّ كماله بهذه الثلاثة أعني اجتناب المناهي الّذي هو في معنى الاتّقاء و اتّباع الأوامر، و إصلاح ذات البين بالعدل و الإحسان، و المساعدة على الحقّ كما دل عليه قوله تعالى «وَ تَعٰاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوىٰ» الآية (1).

«إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذٰا ذُكِرَ اللّٰهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ» فزعت لذكره استعظاما له، و تهيّبا من جلاله، و قيل هو الرجل يهمّ بالمعصية فيقال له: اتّق اللّه فيرتدع عنه خوفا من العقاب، و المراد بالآية كاملو الايمان، لعدم اعتبار مثله في أصل الايمان كما دلّ عليه قوله في موضع آخر «الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلٰاةَ وَ مِمّٰا رَزَقْنٰاهُمْ يُنْفِقُونَ أُولٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا» (2) حكم عليهم بتحقّق الايمان فيهم، و لم يعتبر الوجل عند الذكر فاقتضى أنّها صفة زائدة توجب كماله.

«وَ إِذٰا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيٰاتُهُ زٰادَتْهُمْ إِيمٰاناً» لزيادة المؤمن به فإنّ الايمان بالآيات

____________

(1) المائدة: 2.

(2) البقرة: 2.

91

يوجب الزيادة بازديادها، أو لاطمينان النفس و رسوخ اليقين بتظاهر الأدلّة أو بالعمل بموجبها، و هو قول من قال الايمان يزيد بالطاعة و ينقص بالمعصية، بناء على دخول العمل فيه، و هو قول مرغوب عنه. و قد تحقّق مما ذكرناه أنّ زيادة الايمان تكون على ثلاثة أنحاء:

الأوّل بقوّة الدليل و تكثّره فانّ كلّ دليل فهو مركّب لا محالة من مقدّمات و لا شكّ أنّ النفوس مختلفة في الإشراق و الانارة، و الأذهان متفاوتة بالذكا و الغباوة، فكلّ من كان جزمه بالمقدّمات أكثر و أدوم، كان علمه بالنتيجة أكمل و أتمّ.

الثّاني بتعدّد [النظر] التصديق و تجديده و من المعلوم أنّ من صدّق إنسانا في شيئين كان تصديقه أزيد من تصديق من صدّقه في شيء واحد.

الثالث أن يقال الإيمان عبارة عن مجموع الاعتقاد و الإقرار و العمل، و إذا كان عبارة عن مجموع الثلاثة، فبنسبة دخول التفاوت في العمل، يظهر التفاوت في الايمان و إن لم يكن التفاوت في الإقرار و الاعتقاد متصوّرا.

«وَ عَلىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» يفوّضون إليه أمورهم. و لا يخشون سواه، و لا يرجون إلّا رحمته، و الواو للحال، و في ذلك إشارة إلى أنّ كمال الإيمان إنّما يكون بالتوكّل عليه، و الإنابة إليه.

و لنختم هذا البحث بآية لها تعلّق به و هي قوله تعالى:

«وَ مٰا أَفٰاءَ اللّٰهُ عَلىٰ رَسُولِهِ» أي إعادة عليه بمعنى صيّره له، فان كان حقيقيّا بأن يكون له (صلى اللّه عليه و آله و سلم) لأنّه تعالى خلق الناس لعبادته، و خلق ما خلق لهم ليتوسّلوا به إلى طاعته، فهو في أيدي الكفرة في غير محلّها، و إرجاعها إلى المؤمنين فيء و إعادة، و في الكافي أنّ اللّه تبارك و تعالى جعل الدنيا بأسرها لخليفته حيث يقول للملائكة «إِنِّي جٰاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً» (1) فكانت الدنيا بأسرها لآدم، و صارت بعده لأبرار ولده، و خلفائه، فما غلب عليه أعداؤهم ثمّ رجع إليهم بحرب أو غلبة، سمّي فيئا و هو أن يفيء إليهم بغلبة و حرب فكان حكمه فيه ما قال اللّه «وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ» الآية (2)

____________

(1) البقرة: 24.

(2) الأنفال: 42.

92

فهذا هو الفيء الراجع و إنّما يكون الراجع ما كان في يد غيرهم، فأخذ منهم بالسيف و أمّا ما رجع إليهم من غير أن يوجف عليه بخيل و لا ركاب، فهو الأنفال، فهو للّه و للرسول خاصّة، و ليس لأحد فيه شركة، و إنّما جعل الشركة في شيء قوتل عليه إلى آخر ما ذكره (1).

و مقتضاه أنّ هذا القسم أعني الراجع إليهم بلا قتال بعد دخوله في يد غيرهم من الأنفال و قد سبقت الإشارة إلى كونه من الأنفال، و هنا يظهر الوجه في كونه فيئا.

«مِنْهُمْ» أي من الكفرة أو من بني النضير «فَمٰا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ» الفاء جواب الشرط أي ما أجريتم على تحصيله و مغنمه، من الوجف و هو سرعة السير «مِنْ خَيْلٍ وَ لٰا رِكٰابٍ» و إنّما مشيتم إليه على أرجلكم، فانّ قرى بنى النضير كانت على ميلين من المدينة فمشوا إليهم رجالا غير رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) فإنّه ركب جملا أو حمارا و لم يجر قتال.

«وَ لٰكِنَّ اللّٰهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلىٰ مَنْ يَشٰاءُ» أي يمكّنهم من عدوّهم من غير قتال بأن يقذف الرعب في قلوبهم، أو على ما في أيديهم كما كان يسلّط رسله على أعدائه فالأمر فيه مفوّض إليه، فلا يقسم قسمة الغنيمة الّتي قوتل عليها و أخذت عنوة، و ذلك أنّهم طلبوا قسمتها بينهم فنزلت.

جعل اللّه أموال بني النضير لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) خالصة يفعل بها ما يشاء إلّا أنّه قسمها بين المهاجرين و لم يعط الأنصار منها شيئا إلّا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة، و قد تقدّم أنّ هذا من الأنفال فيكون للإمام (عليه السلام) بعد النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم).

«وَ اللّٰهُ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» فيفعل تارة بالوسائط الظاهرة، و تارة بغيرها.

«مٰا أَفٰاءَ اللّٰهُ عَلىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرىٰ» (2) قيل لم يعطف هذه على ما قبلها لأنّها بيان

____________

(1) أصول الكافي أول باب الفيء و الأنفال و هو مطبوع مع الفروع ج 1 ص 423 و شرحه المجلسي في المرآة ج 1 ص 441 و ملا صالح المازندراني في ج 7 ص 287.

(2) في سن و عش و هامش قض أيضا: اختلف المفسرون في هذه الآية فحكى عن قتادة أنها منسوخة بما ذكر في سورة الأنفال، و يرده ان سورة الأنفال نزلت في قصة بدر و هذه بعدها بلا خلاف فكيف تنسخ بها.

و ذهب قوم الى ان الاولى لرسول اللّه و آله بلا خلاف، و الثانية اختلف الناس فيها على أربعة أقوال:

أحدها في القرى التي قوتلت، فما أفاء اللّه على رسوله منها فلله و للرسول و لذي القربى، الآية، ثم نسخ بما في الأنفال، و يرده ما تقدم.

الثاني أن الاولى أن النبي (ص) يأخذ حاجته منه و يصرف الباقي في مصالح المسلمين.

و الثانية أن المراد بها الجزية و الخراج، فهي للأصناف المذكورة.

الثالث أن الاولى في بني النضير و لم يكن فيها خمس و لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب، و كانت صافية لرسول اللّه فقسمها بين المهاجرين و ثلاثة من الأنصار و الثانية في بني قريظة.

الرابع أن المراد بهما واحد و أنهما في غير الغنيمة، و هو الأصح بين أصحابنا نظرا الى أن المراد بالغنيمة ما أخذ بالسيف: أربعة أخماسه للمقاتلة، و خمسه للذين ذكرهم اللّه في سورة الأنفال، و الفيء غيرها.

قال الشيخ في التبيان (ج 2 ص 666 ط إيران) بعد ذكر الأقوال: و الذي نذهب اليه أن مال الفيء غير مال الغنيمة، فالغنيمة كل ما أخذ من دار الحرب بالسيف عنوة مما يمكن نقله الى دار الإسلام، و مالا يمكن نقله الى دار الإسلام فهو لجميع المسلمين ينظر فيه الامام و يصرف ارتفاعه الى بيت المال لمصالح المسلمين، و الفيء كل ما أخذ من الكفار بغير قتال أو انجلى أهلها و كان ذلك للنبي و آله خاصة يضعه في المذكورين في هذه الآية، و هو لمن قام مقامه من الأئمة الراشدين انتهى.

و في الكشاف (ج 3 ص 214 ط 1367 مطبعة البابى الحلبي): لم يعطف على ما قبلها لأنها بيان لها غير أجنبية عنها بين لرسول اللّه (ص) فيها ما يصنع بالفيء و أمره أن يضعه حيث يضع الخمس من الغنائم.

قلت: ما ذكره من الوجه في عدم العطف جيد و ظاهر كلامه يوافق أصحابنا فإن المراد أنه أمره أن يضع جميع الفيء حيث يضع الخمس من الغنائم و نحن نقول به، الا أنهم لا يخصون اليتامى و المساكين بقرابة الرسول (ص) بل يعمون بها جميع الناس كما سننبه عليه.

فلله و للرسول إلخ.

93

لها غير أجنبيّة منها، بيّن لرسوله فيها ما يصنع بالفيء و أمره أن يضعه حيث يضع الخمس من الغنائم كذا في الكشاف و غيره، و فيه نظر فانّ ظاهر الاولى أنّ أمر الفيء مفوّض إليه، و هذا أوجب قسمته بطريق الخمس و كون القصّة واحدة تزيد الاشكال، و من ثمّ

94

احتمل بعضهم كونها ناسخة لسابقتها.

و بالجملة ظاهرها يخالف ما هو الشائع بين أصحابنا و تظافرت به أخبارهم، من أنّ ما لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب فهو للرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و بعده للإمام، و يمكن أن يقال بتغاير القضيّتين كما ذكره بعض المفسّرين من أنّ ما لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب نزلت في أموال بني النضير، و أنّها كانت لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و كان ينفق منها على أهله و أما أهل القرى المذكورون في هذه الآية فهو أهل الصفراء و ينبع و ما هنا لك من قريب الغرب الّتي تسمّى قرى غريبة قال و حكمها مخالف لأموال بني النضير فإنّه (صلّى اللّه عليه و آله) لم يحبس من هذه لنفسه شيئا بل قسمها على ما أمره اللّه.

و هذا هو الظاهر ممّا رواه الشيخ عن محمّد بن مسلم (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:

سمعته يقول: الفيء و الأنفال ما كان من أرض لم يكن فيها هراقة الدماء، و قوم صولحوا و أعطوا من أيديهم، و ما كان من أرض خربة أو بطن واد فهو كلّه من الفيء فهذا للّه و لرسوله فما كان للّه فهو لرسوله يضعه حيث يشاء و هو للإمام بعد الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و قوله «مٰا أَفٰاءَ اللّٰهُ عَلىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمٰا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَ لٰا رِكٰابٍ» قال ألا ترى هو هذا؟

و أمّا قوله «مٰا أَفٰاءَ اللّٰهُ عَلىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرىٰ» فهذا بمنزلة المغنم كان أبي يقول ذلك، و ليس لنا فيه غير سهمين سهم الرسول و سهم ذي القربى، ثمّ نحن شركاء الناس فيما بقي.

و على هذا فلا إشكال بأن يكون الاولى في حكم الفيء الّذي لم يوجف عليه و هذه في حكم ما أوجف عليه، فانّ جميع ما في أيدي الكفّار للمؤمنين، و بعد حصوله في أيديهم بقتال أو بغيره، يصير فيئا على ما عرفت، و حينئذ فيمكن أن يوجّه عدم العطف بكون هذه غير الاولى إمّا ابتداء لكلام أو على الاستيناف، فإنّه لمّا مرّ حكم الفيء الّذي لم يوجف كأنّ سائلا يسأل عن حكم ما أوجف عليه فبيّن أنّ ما هذا شأنه فهو في حكم الغنيمة.

____________

(1) التهذيب ج 1 ص 388 الطبعة القديمة.

95

«فَلِلّٰهِ وَ لِلرَّسُولِ» بتمليك اللّه إيّاه «وَ لِذِي الْقُرْبىٰ» (1) يعني أهل بيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) لأنّ التقدير و لذي قرابته و نحوه «وَ الْيَتٰامىٰ وَ الْمَسٰاكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ» قد تقدّم أنّ المراد بهم من كان من بني هاشم، و هو الظاهر من الآية، لأنّ التقدير و لذي قرباه و يتامى أهل بيته و مساكينهم و ابن السبيل منهم، و في الروايات دلالة عليه:

روى المنهال بن عمر (2) عن عليّ بن الحسين (عليهما السلام) قال: قلت: قوله «وَ لِذِي الْقُرْبىٰ وَ الْيَتٰامىٰ وَ الْمَسٰاكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ» قال: هم قرباؤنا و مساكيننا و أبناء سبيلنا، و قال جميع الفقهاء: هم يتامى الناس عامّتهم و كذلك المساكين و أبناء السبيل، و في رواية محمّد بن مسلم السابقة إشعار به فتأمّل و قد عرفت حكم قسمة الغنيمة.

«كَيْ لٰا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيٰاءِ مِنْكُمْ» علّة لانقسام الفيء الخاص إلى الأقسام أي من حقّ الفيء أن يعطى الفقراء ليكون لهم بلغة يعيشون بها، لا دولة بين الأغنياء يتداولونه و يدور بينهم، كما كان في الجاهليّة أنّ الرؤساء منهم كانوا يستأثرون بالغنيمة لأنّهم أهل الرئاسة و الدولة و الغلبة، و المعنى كي لا يكون أخذه غلبة و أثره جاهليّة و هو خطاب للمؤمنين دون الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و أهل بيته و نقل في مجمع البيان عن الكلبي (3) أنّها نزلت في رؤساء المسلمين قالوا يا رسول اللّه خذ صفوك و الربع، و دعنا و الباقي فهكذا كنّا نفعل في الجاهليّة، فنزلت الآية، فقال الصحابة: سمعا و طاعة لأمر اللّه و رسوله.

«مٰا آتٰاكُمُ الرَّسُولُ» من الأمر أو الفيء «فَخُذُوهُ» فتمسّكوا به لأنّه واجب الطاعة

____________

(1) في سن و عش و هامش قض: يعني أهل بيت رسول اللّه (ص) لان التقدير و لذي قرابته و نحوه «وَ الْيَتٰامىٰ وَ الْمَسٰاكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ» فان المراد بهم من كان أهله و هو الظاهر من الآية، لأن الألف و اللام تعاقب الضمير أى و يتامى أهل بيته و مساكينهم و ابن السبيل منهم، و في الروايات إلخ.

(2) راجع العياشي ج 2 ص 163، الرقم 63 و البحار ج 20 ص 52، البرهان ج 2 ص 88، الرقم 53، و الوسائل أبواب قسمة الخمس.

(3) انظر المجمع ج 5 ص 261 و فيه و انشدوا له ص:

لك المرباع منها و الصفايا * * * و حكمك و النشيطة و الفضول.

96

أو حلال لكم «وَ مٰا نَهٰاكُمْ عَنْهُ» عن إتيانه أو أخذه من الفيء «فَانْتَهُوا وَ اتَّقُوا اللّٰهَ» في مخالفة الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم) «إِنَّ اللّٰهَ شَدِيدُ الْعِقٰابِ» لمن خالف فليحذر الّذين يخالفون عن أمره و هو عامّ في كلّ ما أمر به النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و نهى عنه و إن نزلت في الفيء، فانّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، و قد يستدلّ على أنّ مقتضى الأمر الوجوب و النهي التحريم (1) [لكن بالنسبة إلى أمر النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و نهيه فتأمّل].

«لِلْفُقَرٰاءِ الْمُهٰاجِرِينَ» قيل: هو بدل من المساكين و ابن السبيل في الآية السابقة و المقصود الحثّ على هؤلاء بالنسبة إلى غيرهم لمكان ما بهم من الفقر و المهاجرة «الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيٰارِهِمْ وَ أَمْوٰالِهِمْ» فإنّ أهل مكّة أخرجوهم عنها و أخذوا أموالهم و استدلّ بعضهم بظاهرها على جواز بيع دور مكّة، و أنّها ممّا يصحّ تملّكها و فيه نظر سيجيء.

«يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللّٰهِ وَ رِضْوٰاناً» حال مقيّدة لإخراجهم بما يوجب تعظيمهم «وَ يَنْصُرُونَ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ» بأموالهم و أنفسهم «أُولٰئِكَ هُمُ الصّٰادِقُونَ» الّذين ظهر صدقهم في أيمانهم و جهادهم.

«وَ الَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّٰارَ وَ الْإِيمٰانَ» ثنّى تعالى بعد ذكر المهاجرين بوصف الأنصار و مدحهم حتّى طابت أنفسهم عن الفيء، و المراد أنّهم لزموا المدينة و الايمان، و تمكّنوا فيها أو تبوّؤا دار الهجرة و دار الايمان، فحذف المضاف من الثاني، و المضاف إليه من الأوّل و عوّض عنه اللّام. أو تبوّؤا الدار و أخلصوا الايمان، كقوله علّفتها تبنا و ماء باردا.

«مِنْ قَبْلِهِمْ» أي قبل هجرة المهاجرين إليهم، و قدومهم عليهم، لأنّ الأنصار لم يؤمنوا قبل المهاجرين [بل كان إيمان المهاجرين سابقا فلا بدّ من التأويل لما ذكر، و قيل: معناه قبل إيمانهم] (2) و المراد بهم أصحاب ليلة العقبة، و هم سبعون رجلا بايعوا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) على ضرب الأحمر و الأبيض كذا في مجمع البيان.

«يُحِبُّونَ مَنْ هٰاجَرَ إِلَيْهِمْ وَ لٰا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حٰاجَةً مِمّٰا أُوتُوا» من الفيء و غيره من أنواع الإحسان، فلم يحصل لهم حسد و لا غيظ ممّا اعطى المهاجرون دونهم

____________

(1) زاد في سن و عش و هامش قض: كما ثبت في الأصول.

(2) ما بين العلامتين لا يوجد إلا في قض.

97

«وَ يُؤْثِرُونَ عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ» فيقدّمون المهاجرين عليها حتّى لو كان عند بعضهم امرأتان نزل عن واحدة و زوّجها من أحدهم «وَ لَوْ كٰانَ بِهِمْ خَصٰاصَةٌ» حاجة إلى ما آثروا به من خصاص البناء و هي فرجه «وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ» أي يدفع و يمنع عنه بخل نفسه فيخالفها فيما دعته إليه منه و الشحّ اللؤم الذاتي الّذي يقتضيه الحالة النّفسانيّة و من ثمّ أضيف إلى النّفس، قيل: من لم يأخذ شيئا نهاه اللّه عن أخذه، و لم يمنع شيئا أمره اللّه بإعطائه فقد وقي شحّ نفسه.

«فَأُولٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» الفائزون بالثناء العاجل و الثّواب الآجل، و فيه حثّ على مخالفة النّفس فيما يغلب عليها من حبّ المال و بغض الإنفاق «وَ الَّذِينَ جٰاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ» و هم الّذين هاجروا من بعد ما قوي الإسلام أو التّابعون لهم بإحسان و هم المؤمنون بعد الفريقين إلى يوم القيامة. و من ثمّ قيل إنّ الآية قد استوعبت جميع المؤمنين و على هذا فيكون مقطوعا ممّا قبله عطف الجملة على الجملة لا عطف المفردات فانّ قوله «وَ الَّذِينَ جٰاؤُ» مبتدأ خبره «يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنٰا وَ لِإِخْوٰانِنَا» في الدين «الَّذِينَ سَبَقُونٰا بِالْإِيمٰانِ» أخبر تعالى عنهم بأنّهم لإيمانهم و محبّتهم يقولون ذلك «وَ لٰا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنٰا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا» حقدا لهم «رَبَّنٰا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ» فحقيق بأن تجيب دعانا يا خير من دعاه داع و أقرب من رجاه راج.

98

كتاب الحج

(و البحث فيه يقع على أنواع

[البحث] الأول في وجوبه)

و فيه آيتان:

الاولى:

[إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّٰاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبٰارَكاً وَ هُدىً لِلْعٰالَمِينَ فِيهِ آيٰاتٌ بَيِّنٰاتٌ مَقٰامُ إِبْرٰاهِيمَ وَ مَنْ دَخَلَهُ كٰانَ آمِناً وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّٰهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعٰالَمِينَ] (1).

«إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّٰاسِ» أي بني للنّاس و لم يكن قبله بيت مبنىّ بل إنّما دحيت الأرض من تحته.

فقد روي (2) عن أبى جعفر (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) قال: إن اللّه تعالى بعث ملائكته

____________

(1) آل عمران: 96.

(2) رواه بهذا اللفظ في تفسير الإمام الرازي ج 8 ص 152 الطبعة الأخيرة و في التبيان مع تفاوت ففيه ج 1 ص 157 ط إيران تفسير الآية 27 من سورة البقرة:

و روى عن محمد بن على الباقر أنه قال ان اللّه تعالى وضع تحت العرش أربع أساطين و سماه الضراح و هو البيت المعمور و قال للملائكة طوفوا به ثم بعث ملائكة فقال ابنوا في الأرض بينا بمثاله و قدره، و أمر من في الأرض ان يطوفوا بالبيت.

و رواه في المجمع ج 1 ص 207 و رواه عن المجمع في نور الثقلين ج 5 ص 136 الرقم 6 و في الصافي عند تفسير الآية 4 من سورة الطور و روى قريبا منه أيضا في مستدرك الوسائل ج 2 ص 138 عن فقه القرآن للراوندي و أخرجه أيضا الخازن ج 1 ص 252 عن على بن الحسين و اخرج مضمون الحديث بوجه أبسط الأزرقي في اخبار مكة عن ابى جعفر عن أبيه على بن الحسين انظر ج 1 ص 35 و ص 36 و نقله في الدر المنثور ج 1 ص 128 و حسين بن عبد اللّه بإسلامه في كتابه تاريخ الكعبة ص 40.

ثم الضراح على ما في اللسان بالضم و بالضاد بيت في السماء حيال الكعبة و هو البيت المعمور من المضارحة بمعنى المقابلة و المضارعة قال ابن الأثير و من نقله بالصاد فقد صحف و قال ياقوت أصله الشق قال منه الضريح ثم استشهد ببيت ابى العلاء المعرى:

لقد بلغ الضراح و ساكنيه * * * ثناك و زار من سكن الضريحا

حيث جمع بين الضراح و الضريح ارادة التجنيس و الطباق انظر معجم البلدان ج 3 ص 454 ط بيروت (الضراح).

99

فقال: ابنوا لي في الأرض بيتا على مثال البيت المعمور و أمر اللّه تعالى من في الأرض أن يطّوّفوا كما يطّوّف أهل السّماء بالبيت المعمور.

و روى الكليني (1) عن أبى حسان عن أبى جعفر (عليه السلام) قال لما أراد اللّه عزّ و جلّ أن يخلق الأرض أمر الرّياح فضرب متن الماء حتّى صار موجا ثمّ أزبد فصار زبدا واحدا فجمعه في موضع البيت ثمّ جعله جبلا من زبد ثمّ دحى الأرض من تحته و هو قول اللّه عزّ و جلّ «إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّٰاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبٰارَكاً» و رواه أيضا سيف بن عميرة عن أبى بكر الحضرمي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) و نحوها من الأخبار الواردة في ذلك.

____________

(1) انظر الكافي ج 1 ص 216 و رواه في الفقيه أيضا ج 2 ص 154 بالرقم 670 مع تفاوت يسير في اللفظ ثم الأخبار الدالة على دحو الأرض من موضع الكعبة كثيرة، انظر الكافي ج 1 ص 216 و الفقيه ج 2 ص 156 و العياشي ج 1 ص 186 أو البرهان ج 1 ص 298 و نور الثقلين ج 1 ص 303 و الوسائل الباب 18 من أبواب مقدمات الطواف ص 297 و 298.

و من كتب أهل السنة الدر المنثور ج 1 من ص 125 الى ص 127 و ج 2 ص 52 و الطبري ج 4 ص 8 و اخبار مكة للازرقى ج 1 ص 31.

و استدل العلامة الشهرستاني (قدّس سرّه) بهذه الاخبار على حركة الأرض انظر الهيئة و الإسلام من ص 78 الى ص 99 مستمدا من كلمات أهل اللغة ان الدحو بمعنى الدحرجة.

100

أو وضع للعبادة و لم يكن قبله بيت يعبد اللّه فيه فقد روى أبو ذر (1) أنّه سئل النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) عن أوّل مسجد وضع للناس فقال المسجد الحرام ثمّ البيت المقدّس فسئل كم بينهما فقال: أربعون سنة.

أو أنّه: أوّل بالشّرف و الرتبة لا بالزمان فقد روى (2) عن علىّ أنّ رجلا قال له أ هو: أوّل بيت؟ قال: لا، قد كان قبله بيوت و لكنّه أوّل بيت وضع للنّاس مباركا فيه الهدى و الرّحمة و البركة، و أوّل من بناه إبراهيم (عليه السلام) ثمّ بناه قوم من العرب من جرهم ثمّ هدم فبناه قريش.

«لَلَّذِي بِبَكَّةَ» للبيت الّذي ببكّة و هي لغة في مكّة علم للبلد الحرام كالنبيط و النميط في اسم موضع بالدهناء و أمثاله ممّا وقعت الباء موضع الميم لتقارب مخرجهما و قيل إنّ بكّة موضع المسجد و مكّة الحرم كله و يدخل فيه البيوت و هو المروي (3) عن

____________

(1) اخرج الحديث السيوطي في الدر المنثور ج 2 ص 52 عن ابن أبي شيبة و احمد و عبد بن حميد و البخاري و مسلم و ابن جرير و البيهقي في الشعب و رواه المحقق البلاغي (قدّس سرّه) في آلاء الرحمن ج 1 ص 313.

و هو في البخاري كتاب الأنبياء ج 7 ص 218 و ص 273 من فتح الباري و ص 2 ج 5 من شرح النووي على صحيح مسلم و ج 2 ص 32 من سنن النسائي و ص 248 من سنن ابن ماجة بالرقم 753 و روى الحديث في المجمع أيضا ج 1 ص 477.

(2) رواه في البرهان ج 1 ص 301 بالرقم 36 عن ابن شهرآشوب و أخرجه السيوطي في الدر المنثور عن ابن المنذر و ابن أبى حاتم من طريق الشعبي عن على (عليه السلام) و حكاه عنه في آلاء الرحمن ج 1 ص 313 و رواه الإمام الرازي ج 8 ص 154 و في الكشاف عند تفسير الآية ج 1 ص 386 نشر دار الكتاب العربي و لم يتعرض ابن حجر لتخريجه و مضمون الحديث موجود في اخبار مكة للازرقى بوجه أبسط ج 1 ص 61 و ص 62 رواه عن على (عليه السلام).

(3) رواه في المجمع ج 1 ص 477 و انظر أيضا العياشي ج 1 ص 187 الرقم 94 و 96 و البرهان ج 1 ص 300 و البحار ج 21 ص 18 و قلائد الدرر ج 2 ص 5 و روى قريبا منه أيضا في العلل عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) انظر البرهان ج 1 ص 299 الرقم 12 و نور الثقلين ج 1 ص 304 الرقم 253.