مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - ج2

- الفاضل الكاظمي المزيد...
420 /
101

أبى جعفر (عليه السلام) و قيل بكّة موضع البيت و المطاف و مكة اسم البلد، و نقله في مجمع البيان (1) عن الأكثر، و اشتقاقها من بكّة إذا زحمه و دفعه لأنّهم يتباكون فيها أى يزدحمون في الطواف و قيل لأنّها تبكّ أعناق الجبابرة أى تدقّها لم يقصدها جبار بسوء إلّا اندقّت عنقه (2).

أمّا مكة فاشتقاقها من امتكّ الفصيل ضرع أمّه إذا امتصّ ما فيه و استقصى فسميّت بذلك لأنّها تجذب النّاس من كلّ جانب و قطر أو لقلة مائها كأنّ أرضها امتصّت ماءها.

«مُبٰارَكاً» كثير الخير و البركة و النفع لمن حجّة أو عمرة أو اعتكف عنده أو طاف حوله لما فيه من الثّواب العظيم المضاعف و تكفير الذّنوب (3) و هو حال من المستكنّ في الظرف.

«وَ هُدىً لِلْعٰالَمِينَ» دلالة لهم على اللّه سبحانه بإهلاكه كلّ من قصده من الجبابرة كأصحاب الفيل و غيرهم، و باجتماع الظبي في حرمة مع الكلب و الذئب و لا ينفر عنه كما ينفر في غيره من المواضع و باستيناس الطيور فيه بالنّاس و باستشفاء المريض به (4).

و بأنّه لا يعلوه طير إعظاما له إلى غير ذلك من الدلالات أو أنّهم يهتدون به لأنّه قبلتهم و متعبّدهم.

«فِيهِ آيٰاتٌ بَيِّنٰاتٌ» دلالات واضحات و الجملة مفسّرة للهدي على الوجه الأوّل و يحتمل أن يكون حالا اخرى.

____________

(1) راجع ج 1 ص 477.

(2) زاد في سن و عش و هامش قض:

و في الموثق عن ابى جعفر (عليه السلام): كانت تسمى بكة لأنها تبك أعناق الباغين إذا بغوا فيها.

(3) زاد في سن و عش: و توسيع الرزق، و قيل لثبوت العبادة فيه دائما حتى قيل:

ان الطواف به لا ينقطع أبدا و حمله على الأعم أولى.

(4) زاد في سن و عش و هامش قض: و انمحاق جمار الرمي مع كثرة الرماة، فلو لا أنها برفع لاجتمع من الحجارة مثل الجبال.

102

«مَقٰامُ إِبْرٰاهِيمَ» مبتدأ حذف خبره أي منها مقام إبراهيم أو بدل من آيات بدل البعض أو عطف بيان لقوله «آيات» و صحّ بيان الجمع بالواحد إمّا لأنّه وحده بمنزلة آيات كثيرة كما جعل إبراهيم وحده امّة لظهور شأنه و قوّة دلالته على قدرة اللّه و نبوّة إبراهيم (عليه السلام) من تأثير قدمه في حجر صلد و إمّا لاشتمالها عليها لأنّ أثر القدم في الصخرة الصّماء آية، و غوصة فيها إلى الكعبين آية و إمّا لأنّه بعض الصّخرة دون بعض آية و إبقاؤه دون سائر آيات الأنبياء آية و حفظه مع كثرة الأعداء من المشركين و أهل الكتاب الملاحدة ألوف سنة آية.

و في حسنة ابن سنان (1) قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) «فِيهِ آيٰاتٌ بَيِّنٰاتٌ» ما هذه الآيات البينات؟ قال مقام إبراهيم حيث قام على الحجر فأثرت فيه قدماه، و الحجر الأسود و منزل إسماعيل، و سبب هذا الأثر أنّه لمّا ارتفع بنيان الكعبة قام على هذا الحجر ليتمكّن من رفع الحجارة فغاصت فيه قدماه أو أنّه لما جاء زائرا من الشام أرادت امرأة إسماعيل أن تغسل رأسه فلم ينزل فجاءته بهذا الحجر و وضعته مرة إلى شقّه الأيمن فوضع قدمه عليه و إلى الأيسر فوضع قدمه عليه فبقي أثر قدمه.

«وَ مَنْ دَخَلَهُ كٰانَ آمِناً» جملة ابتدائيّة أو شرطية معطوفة من حيث المعنى على مقام، لأنّه في معنى أمن من دخله أي و منها أمن من دخله و اقتصر في الآيات عليهما لأنّ فيهما غنية عن غيرهما في الذات: من بقاء الأثر مدى الدهر، و الأمن من العذاب يوم القيامة.

و قد تظافرت الأخبار بكونه أمنا من العذاب يوم القيمة روى عن النّبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) من مات في أحد الحرمين (2) بعث يوم القيامة آمنا و نحوها.

____________

(1) انظر الكافي ج 1 ص 227 باب في قوله تعالى فِيهِ آيٰاتٌ بَيِّنٰاتٌ الحديث 1 و هو في المرآة ج 3 ص 260 و نقله في المنتقى ج 2 ص 266 و الوافي الجزء الثامن ص 16 و البرهان ج 1 ص 299 و نور الثقلين ج 1 ص 304 الرقم 256 و هو في الوسائل الباب 18 من أبواب مقدمات الطواف الحديث 4 ج 2 ص 300 ط الأميري.

(2) الفقيه ج 2 ص 147 في الرقم 650 و اللفظ فيه بعثه اللّه من الآمنين و نقله في الوافي الجزء الثامن ص 10 و أخرجه بلفظ المصنف الكشاف ج 1 ص 389 ط دار الكتاب العربي و اخرج مضمونه في الدر المنثور بطرق مختلفة و ألفاظ متقاربة عن البيهقي و الجندي و غيرهما ج 2 ص 55 و قريب منه في مستدرك الوسائل ج 2 ص 145 عن القطب الراوندي و ما تجده في خلال الأحاديث الواردة في ثواب الحج و العمرة و في البحار ج 21 الباب 70 ص 91.

103

و يحتمل أن يكون الخبر هنا بمعنى الأمر، و المراد من دخله أمّنوه و يؤيّده ما رواه الحلبي في الحسن (1) عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن قول اللّه عزّ و جلّ «وَ مَنْ دَخَلَهُ كٰانَ آمِناً» قال: إذا أحدث العبد جناية في غير الحرم ثمّ فرّ إلى الحرم لم يسغ لأحد أن يأخذه في الحرم و لكن يمنع من السوق فلا يبايع و لا يطعم و لا يكلّم فإنّه إذا فعل ذلك يوشك أن يخرج فيؤخذ و إذا جنى في الحرم جناية أقيم عليه الحد في الحرم لأنّه لم يرع للحرم حرمة. و ما رواه علىّ بن أبي حمزة (2) عن الصادق (عليه السلام) قال سألته عن قول اللّه عزّ و جلّ «وَ مَنْ دَخَلَهُ كٰانَ آمِناً» قال: إن سرق سارق بغير مكّة أو جنى جناية على نفس ففرّ إلى مكّة لم يؤخذ ما دام في الحرم حتّى يخرج منه، و لكن يمنع من السوق و لا يبايع و لا يجالس حتّى يخرج منه فيؤخذ و إن أحدث في الحرم ذلك الحدث أخذ منه، و نحوهما من الأخبار (3).

____________

(1) الكافي ج 1 ص 228 باب في قوله و من دخله كان آمنا الحديث 2 و هو في المرآة ج 3 ص 261 و نقله في المنتقى ج 2 ص 284 و الوافي الجزء الثامن ص 17 و الوسائل الباب 14 من أبواب مقدمات الطواف الحديث 2 ج 2 ص 298 ط الأميري.

(2) الكافي ج 1 ص 228 باب في قوله و من دخله كان آمنا الحديث 3 و هو في المرآة ج 2 ص 261 و الوافي الجزء الثامن ص 17 و الوسائل الباب 14 من أبواب مقدمات الطواف الحديث 3 ج 2 ص 296 ط الأميري.

(3) مثل حديث معاوية بن عمار المروي في التهذيب ج 5 ص 419 بالرقم 1456 و ص 453 بالرقم 1614 و الكافي ج 1 ص 228 باب الإلحاد بمكة و الجنايات الحديث 4 المحكي في المنتقى عن الكافي و موضعين من التهذيب مع اختلاف الألفاظ و الإسناد في ج 2 ص 269 و هو في التهذيب بالرقم 1614 هكذا:

على بن مهزيار عن معاوية بن عمار عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال قلت له رجل قتل رجلا في الحل ثم دخل الحرم؟ فقال: لا يقتل و لا يطعم و لا يسقى و لا يبايع و لا يؤوى حتى يخرج من الحرم فيقام عليه الحد قلت فما تقول في رجل قتل في الحرم أو سرق فقال يقام عليه الحد صاغرا انه لم ير للحرم حرمة و قد قال اللّه تعالى فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ يقول هذا في الحرم فقال لا عدوان الا على الظالمين.

و كذالك أخبار أخر انظر العياشي ج 1 ص 189 و البرهان ج 1 ص 301 و نور الثقلين ج 1 ص 307 و البحار ج 21 ص 17 و الوسائل الباب 14 من أبواب مقدمات الطواف ج 2 ص 298 و الوافي الجزء الثامن ص 17 و مستدرك الوسائل ج 2 ص 139.

و بمضمونه أيضا أخبار أهل السنة انظر الدر المنثور ج 2 ص 54 و ص 55.

104

لكن هذا يقتضي كون الضمير في «وَ مَنْ دَخَلَهُ» راجعا إلى الحرم لا إلى البيت أو بكّة، و المذكور هما لا غيرهما و يمكن أن يرجع الضمير إلى مقام إبراهيم و يراد بمقام إبراهيم الحرم كلّه على ما يروى عن ابن عباس أنّه قال الحرم كلّه مقام إبراهيم و هو مبنىّ على أن يراد المقام لغة و هو ما أقام فيه أو توسّع فيه فأطلق اسم الجزء على الكلّ و في حسنة عبد اللّه بن سنان (1) قال سألته عن قول اللّه عزّ و جلّ «وَ مَنْ دَخَلَهُ كٰانَ آمِناً» البيت عنى أو الحرم؟ قال: من دخل الحرم مستجيرا من النّاس فهو آمن من سخط اللّه و من دخله من الوحش و الطير كان آمنا أن يهاج أو يؤذى حتى يخرج من الحرم، و هي صريحة في كون الضمير للحرم و يؤيّد ذلك قوله تعالى «أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنّٰا جَعَلْنٰا حَرَماً آمِناً وَ يُتَخَطَّفُ النّٰاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ» (2).

و بالجملة الحكم بعدم إقامة الحدّ في الحرم على من التجأ إليه ممّا ذهب إليه أصحابنا و قد تظافرت أخبارهم بذلك إلّا أنّ الاستناد في الحكم إلى ظاهر الآية بعيد لعدم ظهورها

____________

(1) انظر التهذيب ج 5 ص 449 الرقم 1566 و الفقيه ج 2 ص 163 الرقم 703 و الكافي ج 1 ص 228 باب في قوله تعالى وَ مَنْ دَخَلَهُ كٰانَ آمِناً الحديث 1 و هو في المرآة ج 3 ص 261 و منتقى الجمان ج 2 ص 269 و الوافي الجزء الثامن ص 17 و الوسائل الباب 14 من أبواب مقدمات الطواف الحديث 12 ج 2 ص 298 ط الأميري.

(2) العنكبوت: 69.

105

في ذلك، و احتمال المعنى الأوّل قائم، نعم يتمّ بمعونة الأخبار، و قد وافقنا على ذلك أكثر العامة، و اتّفقت الأمة على أنّ من أصاب فيه ما يوجب الحدّ أقيم الحدّ عليه فيه لعدم احترامه.

«وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ» قصده للزيارة على الوجه المخصوص المشتمل على إيقاع المناسك المؤدّاة في المشاعر المخصوصة «مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا» بدل من الناس مخصّص لعمومه أي أوجب اللّه على المستطيع من الناس حجّ البيت:

و قد اختلف في الاستطاعة المحصّلة للوجوب فقيل إنّها بالبدن فيجب على من قدر على المشي و الكسب في الطريق و لو بسؤال الناس إذا كان من عادته ذلك و هو مذهب المالكية و يدفعه ما صحّ عن النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) أنّه فسّر الاستطاعة بالزّاد و الرّاحلة، و قال الشافعيّة إنّها بالمال فقط، و من ثمّ أوجبوا الاستنابة على الزّمن المقعد إذا وجد اجرة من ينوبه، و يردّه أنّها عبادة متعلّقة بالبدن أيضا فيمتنع التكليف بها مع العجز، إذ لم بعهد من الشارع التكليف بمثله.

و الّذي عليه أصحابنا (رضوان اللّه عليهم) أنّها بمجموع الأمرين فلم يوجبوه إلّا على من قدر على الزّاد و الرّاحلة عينا أو ثمنا و نفقة عياله ذاهبا و آئبا فاضلا عن حوائجه الأصلية اللازمة له في حالة السفر، و كان صحيحا في نفسه، سالما عمّا يعوقه عن المسير من الأمراض و انقطاع الطريق و ضيق الوقت، فلو لم يغلب على ظنّه السلامة في الطريق لخوف سبع أو لصّ أو نحو ذلك أو خافت المرأة على بضعها أو كان ضعيفا لا يقوى على الاستمساك على الرّاحلة لضعف أو مرض أو غيره، فهو غير مستطيع، و كذا لو ضاق عليه الوقت بحيث لا يفي بالوصول و إيقاع الأفعال، و قد تظافرت بذلك الأخبار عن الأئمة الأطهار الّذين هم مهبط الوحي و معدن التنزيل، و أعرف بأسرار الكتاب و بشريعة جدّهم [محمّد] (صلى اللّه عليه و آله و سلم).

روى محمّد بن يحيى الخثعمي (1) قال: سأل حفص الكناسي الصادق (عليه السلام) و أنا عنده

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 3 الرقم 2 و الاستبصار ج 2 ص 139 الرقم 454 و الكافي ج 1 ص 240 باب استطاعة الحج الحديث 2 و للحديث تتمة و هو في المرآة ج 3 ص 272 و جعله المجلسي من الحسن الموثق و في الوافي الجزء الثامن ص 49 و في الوسائل الباب 8 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث 4 ج 2 ص 139 ط الأميري و قلائد الدرر ج 2 ص 9 و عبر عنه بالصحيحة و في المنتهى ج 2 ص 652 من غير تعبير بالصحيح و رواه في المختلف الجزء الثاني ص 87 و عبر عنه بالصحيح.

و لكن الشيخ (قدّس سرّه) ذكر بعد الحديث الذي رواه في الاستبصار ج 2 ص 305 بالرقم 1091 فيمن فاته الوقوف بالمشعر الحرام ان محمد بن يحيى الخثعمي عامي و لكنه لم يتعرض لعاميته في التهذيب بعد نقله الحديث ج 5 ص 293 بالرقم 993 مع كونه بصدد الطعن في خبره هذا.

و لهذا الرجل في ذبائح التهذيب و غيره و في الكافي باب شدة ابتلاء المؤمن و باب طبقات الأنبياء و باب النهي عن قول رمضان و غيرها احاديث لو أمعنت النظر فيها لاستبعدت كونه عاميا.

ثم انهم اختلفوا في ان الخثعمي هذا راوي الحديث في استطاعة الحج هل هو ابن سليمان أو ابن سليم و ان ابن سليمان هل هو متحد مع ابن سليم أو متغاير.

استظهر المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد ان راوي هذا الحديث هو ابن سليمان أخو مفلس الثقة و قال في زبدة البيان ص 217 ط المرتضوي في رجال ابن داود و رجال الشيخ انه مهمل و يظهر من نقد الرجال ص 339 انه يقوى اتحادهما و كذا من الحواشي الرجالية للعلامة البهبهاني على ص 328 و ص 329 منهج المقال الا انه احتمل اتحاده مع محمد بن يحيى الخزاز أيضا.

قلت: و هو بعيد غاية البعد لاختلاف الرجلين (الخثعمي و الخزاز) في اللقب و الراوي و المروي عنه و المروي كما يتضح لك ذلك عند مراجعة المعاجم و الاخبار فكيف يعقل اتحادهما.

و ذكر الخثعمي في إتقان المقال في موضعين أحدهما ص 136 في الثقات ابن سليمان و الثاني ص 361 في الضعفاء ابن سليم ثم قوى اتحادهما.

و قوى أبو على في منتهى المقال ص 297 تغايرهما و نقل انه ظاهر الأمين الكاظمي و كذا الجزائري في الحاوي و نقل عن كتاب المشتركات تردده في ذلك و قوى تغايرهما أيضا المامقاني في تنقيح المقال ج 3 ص 199 من أبواب الميم و يظهر من الطريحي ص 129 من جامع المقال أيضا اختيار التغاير.

و على اى فقد سرده الشيخ من دون ذكر أبيه في الرجال في أصحاب الإمام الصادق ص 304 بالرقم 382 و ذكره في فهرسته مرتين مرة في ص 168 الرقم 617 و فيه: له كتاب رويناه بالإسناد عن ابن سماعة عنه و مرة في ص 176 بالرقم 643 و فيه: له كتاب رويناه بهذا الاسناد عن ابن ابى عمير عنه.

و وثقه النجاشي في ص 278 ط المصطفوى قال محمد بن يحيى بن سلمان الخثعمي أخو مفلس كوفي ثقة روى عن ابى عبد اللّه و مثله في رجال ابن داود ص 340 الرقم 1500 و مثله في الخلاصة في القسم الأول ص 158 الرقم 119 و قد نقله علماء الرجال عنه ابن سليم و في المطبوع بالنجف ابن سليمان و في الرقم 1498 من رجال ابن داود محمد بن يحيى الخثعمي ق جخ مهمل و لعله يستظهر من ذكره مرتين انهما متغايران عنده.

و استظهر أبو على من توثيق العلامة إياه في الخلاصة و نقله في المنتهى كلام الشيخ في الاستبصار و عدم رده انهما عند العلامة أيضا متغايران.

قلت: و اما أنا فأستظهر من كلام العلامة في توضيح الاشتباه انهما واحد عنده قال في توضيح الاشتباه محمد ابن يحيى بن سلمان بغير ياء الخثعمي أخو مفلس بضم الميم و فتح الغين المعجمة و تشديد اللام و السين المهملة ابن عذافر بالذال المعجمة و الفاء ابن عيسى بن أفلح بالفاء و الحاء المهملة انتهى.

فالذي أظنه ان الرجل واحد و ان أباه سلمان فصحفوا سلمان بسليمان تارة و بسليم مرة فما نقلوه في كتب الرجال عن نسخ الخلاصة سليم و ما نقله المامقاني سليمان و ضبطوه في المطبوع بالنجف كلاهما تصحيف و كذا ضبط الكتب التي ضبطوه سليمان و ان أخاه مغلس فصحفوه ب(مفلس) فان الضبط في كثير من كتب الرجال مفلس و لذا ضبطناه فيما حكيناه من عل مفلس حفظا للأمانة في النقل.

و عليه فالذي أظنه الحكم بوثاقته لتوثيق النجاشي إياه و كذا ابن داود و لا شك ان توثيق النجاشي مقدم على تضعيف الشيخ في الاستبصار و وثقه الشهيد الأول أيضا في غاية المراد و الشهيد الثاني في الدراية و اللّه العالم.

ثم الخثعمي بالخاء المنقطة من فوق المفتوحة و الثاء المثلثة الساكنة و العين المهملة ثم الميم نسبة الى خثعم كجعفر أبو قبيلة اسمه خثعم بن انمار بن أراش بن عمرو بن غوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سباء.

و قيل ان انمارا هذا هو انمار بن نزار بن معد بن عدنان و هم أخو بجيلة و قيل اسم خثعم أقبل بالقاف و الباء الموحدة أو الياء المثناة من تحت أو التاء المثناة من فوق أو افتل بالفاء و التاء المنقوطة بنقطتين من فوق و قيل ان خثعما جمل كان يحمل لهم و كان يقال آل خثعم.

و قيل انهم لما تحالفوا على بجيلة نحروا بعيرا فتخثعموا بدمه اى تلطخوا و قيل هو جبل تحالفوا عنده. منهم أسماء بنت عميس و غيرها من الصحابة انظر اللباب ج 1 ص 347 و جمهرة أنساب العرب لابن حزم ص 357 و تذييل الشيخ عبد الرحمن على أنساب السمعاني ج 5 ص 51 و تنقيح المقال ج 1 ص 5.

106

عن قول اللّه عزّ و جلّ «وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا» قال يعنى

107

بذلك من كان صحيحا في بدنه مخلّى في سربه له زاد و راحلة فهو ممّن يستطيع الحجّ

108

و نحوها من الأخبار و يمكن استفادة بعضها من الأدلّة العقليّة أيضا (1).

و هل يشترط الرجوع إلى كفاية زيادة على ذلك؟ قيل نعم و عليه بعض الأصحاب محتجّا برواية أبي الربيع الشامي عن (2) الصادق (عليه السلام) سئل عن السبيل فقال:

____________

(1) زاد في سن و عش و هامش قض: و خالف الشافعية في نفقة العود فلم يعتبروها في حق من كان وحيدا لا أهل له و لا عشيرة لتساوى البلاد بالنسبة إليه قال في التذكرة: و ليس بجيد لأن النفوس تطلب الأوطان و ربما قيل بعدم اعتبارها مطلقا و كأنه لعدم الدليل الصالح على اعتبارها مع ظهور أكثر الأدلة في اعتبار مؤنة الذهاب فقط كظاهر الآية و كثير من الاخبار الا ان هذا القول مرغوب عنه بين أصحابنا بل الظاهر منهم الإجماع على عدمه فتأمل.

(2) التهذيب ج 5 ص 2 الرقم 1 و الاستبصار ج 2 ص 139 الرقم 453 و الفقيه ج 2 ص 258 الرقم 1255 و علل الشرائع ط قم ج 2 ص 138 باب نوادر علل الحج الحديث 3 و الكافي ج 1 ص 240 و هو في المرآة ج 3 ص 272 و أرسله المفيد في المقنعة ص 60 مع تفاوت و زيادة سيشير المصنف إليها.

و قال الشهيد الأول في غاية المراد ان زيادة المفيد مقبولة لأنها زيادة ثقة ثم قال الا انها قاصرة عن النص و عن معارضة القرآن و صحاح الاخبار و روى الحديث في الوافي الجزء الثامن ص 49 و فيه: و في بعض النسخ من الكتب الأربعة ينطلق إليه أي الحج فيسلبهم إياه يعنى يسلب عيالهم ما يقوتون به لقد هلكوا يعنى عياله و هو أصوب و اصح و أوضح.

و روى الحديث في المختلف الجزء الثاني ص 68 و كنز العرفان ج 1 ص 264 و قلائد الدرر ج 2 ص 10 و ترى الحديث في الوسائل الباب 9 من أبواب وجوب الحج الحديث 1 ص 139 ج 2 ط الأميري و نور الثقلين ج 1 ص 309 الرقم 283 و البرهان ج 1 ص 302 الرقم 5.

ثم ان ما نقله المصنف هو ذيل الحديث و انظر في البحث عن الحديث تعاليقنا على كنز العرفان ص 264 و ص 265.

109

السعة في المال إذا كان يحجّ ببعض و يبقى بعضا لقوت عياله، أ ليس قد فرض اللّه الزكاة فلم يجعلها إلّا على من ملك مائتي درهم؟

و الجواب أنّ الرواية غير معلومة الصحّة لجهالة راويها، و لو سلّم فلا دلالة فيها على ما ذهبوا إليه لأنّها تدلّ على وجوب بقاء النفقة لعياله مدّة ذهابه و عوده، و نحن لا نخالف في اشتراط ذلك و إنّما ننكر الزيادة عليه، و لم يعلم من الرّواية اعتبار الرّجوع إلى كفاية على الوجه الّذي ذكروه، بل هي ظاهرة فيما قلناه و هو أصرح في الردّ على العامّة، حيث يكتفون بالزاد و الراحلة له نفسه، و لم يعتبروا نفقة العيال المدّة المذكورة.

نعم روى شيخنا المفيد هذا الحديث بزيادة قد تدلّ على ذلك و هي: قد قيل لأبي جعفر (عليه السلام) ذلك فقال هلك الناس إذا كان من له زاد و راحلة لا يملك غيرها و مقدار ذلك ممّا يقوت به عياله و يستغني به عن الناس، فقد وجب عليه أن يحجّ ثمّ يرجع فيسأل الناس بكفّه؟ لقد هلك الناس إذا، فقيل له: فما السبيل عندك؟ قال السعة في المال و هو أن يكون معه ما يحجّ ببعضه و يبقى البعض يقوت به نفسه و عياله.

فانّ قوله (عليه السلام) ثمّ يرجع فيسأل الناس بكفّه فيه دلالة مّا على ذلك ثمّ قوله و يبقى البعض لقوت نفسه و عياله قد يدلّ أيضا إذ المراد بقاء ذلك وقت الرّجوع و إلّا فكيف يقوت نفسه بذلك البعض مع أنّه قد خرج إلى الحجّ.

110

و الجواب: أنّه لم يثبت نقل هذه الزّيادة في شيء من كتب الحديث المتداولة فيما بيننا، فلا تكون معتبرة، و لو قيل إنّ الزيادة من الثقة مقبولة لقلنا لا نسلّم، و مع التسليم فإنّما ذلك مع معلوميّة طريق نقلها.

على أنّا لو سلّمناها فلا دلالة لها على ذلك، إذ يجوز أن يكون المراد بقوله: «ثمّ يرجع فيسأل الناس بكفّه» أنّه لا يكون بحيث يصير بسبب الحجّ سائلا بكفّه بعده، بأن يكون الحجّ جعله سائلا كذلك، و ظاهر أنّ هذا لا يستلزم اشتراط الرّجوع إلى كفاية على الوجه الّذي قلتم، و أيضا يمكن أن يراد منه بقاء الاستطاعة إلى أن يرجع إلى بلده بحيث لا يسأل الناس في الطريق بكفّه.

و قوله «ما يحجّ ببعضه و يبقى البعض»، إلى آخره يجوز أن يراد به صرف بعضه في مصالح الحجّ من الرّاحلة و الآلات، و البعض الآخر يصرفه في قوت نفسه في الطريق و قوت عياله في بلدهم إلى أن يرجع.

و بالجملة فالرّواية غير واضحة الدلالة على ما قالوه مع ضعفها فلا تقاوم عمومات القرآن، و صحاح الأخبار بل تضمحلّ في مقابلهما.

ثمّ إنّ مقتضى الآية الوجوب على المستطيع بالزّاد و الرّاحلة كما عرفت، و هو أعمّ من أن يكون مالكا لهما أولا، فعلى هذا لو بذلا له، وجب عليه الحجّ لظهور كونه مستطيعا على ذلك التقدير، و هل يثبت بمجرّد البذل؟ الأكثر نعم، و اعتبر بعضهم التمليك أو تعليقه بنذر و شبهه ممّا لا يصحّ له الرجوع معه، نظرا إلى جواز الرجوع فيما بذله فيكون ذلك بمثابة تعليق الواجب على ما ليس بواجب، و الاخبار المعتبرة الإسناد دالّة بإطلاقها على الوجوب من غير تقييد بكون الباذل قد ملّكه أولا.

روى محمّد بن مسلم في الصحيح (1) قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) في قوله

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 3 الرقم 4 و الاستبصار ج 2 ص 140 الرقم 456 و رواه في المنتقى ج 2 ص 287 و السند في التهذيب في النسخة المطبوعة بالنجف: موسى بن القاسم عن معاوية بن وهب عن صفوان عن العلاء بن رزين عن محمد بن مسلم و في الاستبصار ط النجف موسى بن القاسم عن معاوية بن وهب عن صفوان عن العلاء عن محمد بن مسلم، و هو في الوافي الجزء الثامن ص 49 و الوسائل الباب 8 من أبواب وجوب الحج الحديث 1 ص 139 ج 2 ط الأميري.

قال في المنتقى بعد نقل الحديث و جعل رمز الصحة عليه: قلت هكذا صورة إسناد الحديث في نسخ التهذيب التي رأيتها و أكثر نسخ الاستبصار و لا ريب أنه غلط لان معاوية بن وهب أقدم في الطبقة من صفوان بن يحيى فروايته عنه غير معقولة، و لا يوجد نحوها في شيء من طرق أخبارنا، و في نسخة عندي قديمة للاستبصار موسى ابن القاسم بن معاوية بن وهب.

ثم ان بعض الواقفين عليها الحق العين لكلمة ابن الاولى بصورة متميزة لم تتغير بها الكلمة عما كانت عليه بخط كاتبها و ما ذاك الا لتوهم كون الصحة في جهة الكثرة و عدم الممارسة أو لنوع من الغفلة.

و هذا الحديث أول ما أورده الشيخ في الكتابين عن موسى بن القاسم و ذلك مظنة لزيادة البيان في نسبه، و حيث ان التنقيط لهذه الخصوصيات عزيز و الشائع الغالب في تسمية الرجال عدم التجاوز عن ذكر الأب وقع هذا التوهم في أوائل النسخ و سرى ذلك في الأواخر و قد بينا أيضا في أول الكتاب ان رعاية الطبقة يمنع من رواية موسى بن القاسم عن جده معاوية بن وهب بغير واسطة.

ثم ان رواية موسى عن صفوان بن يحيى بغير واسطة هو الغالب فكيف جائت هذه الواسطة البعيدة في هذا الموضع و لو لا قيام احتمال يطول الكلام ببيانه لكان فيما حكينا عن الإستبصار كفاية في القطع بالإصلاح و غناء عن التعرض لشرح الحال فإن التأدية عن موسى بهذه الصورة متكررة في موضع ذكره و القرينة الحالية هنا شاهدة بأن ذلك هو الصحيح بحسب الواقع و انما الاحتمال في استناد الغلط الى سهو قلم الشيخ فلا يغير و يشرح أو الى الناسخين فليستدرك و يصلح انتهى ما في المنتقى.

ثم الجدع بالدال المهملة قطع الأنف و الاذن و الشفة و اليد، و روى الحديث الى قوله هو ممن يستطيع الصدوق في التوحيد الباب 56 باب الاستطاعة الحديث 10 ص 349 نشر مكتبة الصدوق 1387 عن محمد بن مسلم عن ابى عبد اللّه (عليه السلام).

111

«وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا» قال: يكون له ما يحجّ به، قلت: فان عرض

112

عليه الحجّ فاستحيى، قال: هو ممّن يستطيع، و لم يستحيى؟ و لو على حمار أجدع أبتر.

و روى معاوية بن عمّار في الصحيح عن الصادق (عليه السلام) (1) إلى أن قال: فان دعاه قوم أن يحجّوه فاستحيى فلم يفعل، فإنّه لا يسعه إلّا أن يخرج و لو على حمار أبتر الحديث.

و الأخبار في ذلك كثيرة و يجاب عمّا ذكروه من تعليق الواجب على ما ليس بواجب بأنّا لم نحتّم الوجوب بمجرّد البذل بمعنى أنّ مجرّد حصول البذل يوجب استقرار الحج في الذمة و يجعله واجبا مطلقا؟ بل نقول إنّه يجب بذلك و يبقى الوجوب مراعى باستمرار البذل فان استمرّ استمرّ الوجوب، و إن سقط في الأثناء لعارض سقط، و هل ذلك إلّا مثل من وجب عليه الحجّ و سافر عام الاستطاعة فعرض له عارض في الطريق من نهب ماله أو غصبه بحيث لا يمكنه المسير عن ذلك الموضع، فإنّه يسقط عنه الوجوب المحكوم به ظاهرا في أوّل الأمر، نعم مع وجود العائلة لا بدّ أن يكون عندهم ما يكفيهم مدّة غيبته عنهم، سواء كان ذلك ببذل الباذل أو كان عنده ما يخلفه لهم، و لا فرق في كون المبذول نفس الزّاد و الرّاحلة أو ثمنهما أو ما يمكن تحصيلهما به، و من فرّق فقد أبعد.

[ثمّ إنّ ظاهر تعليق الوجوب بالاستطاعة كونه فوريا كما هو مختار أصحابنا، و وافقهم أبو حنيفة خلافا للشافعيّ حيث قال إنّه موسّع لأنّ آية الحجّ نزلت سنة ستّ (2) من

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 18 الرقم 52 و هو في المنتقى ج 2 ص 287 و الوافي الجزء الثامن ص 48 و تراه في الوسائل روى بعضه في الباب 6 من أبواب وجوب الحج الحديث 2 و ذيله الذي حكاه المصنف هنا في الباب 10 الحديث 3.

(2) قال الشوكانى في نيل الأوطار ج 4 ص 300: و أجيب بأنه قد اختلف في الوقت الذي فرض فيه الحج و من جملة الأقوال انه فرض في سنة عشر فلا تأخير و لو سلم انه فرض قبل العاشر فتراخيه (ص) انما كان لكراهة الاختلاط في الحج بأهل الشرك لأنهم كانوا يحجون و يطوفون بالبيت عراة فلما طهر اللّه البيت الحرام منهم حج (ص) فتراخيه لعذر و محل النزاع التراخي مع عدمه انتهى.

و قال ابن حزم في ج 7 ص 317 من المحلى: فان احتجوا بأن النبي (ص) أقام بالمدينة عشر سنين لم يحج إلا في آخرها قلنا لا بيان عندكم متى افترض اللّه تعالى الحج و ممكن أن لا يكون افترض إلا عام حج (عليه السلام) و ما لا نص بينا فيه فلا حجة فيه الا أننا موقنون ان رسول اللّه (ص) لا يدع الأفضل إلا لعذر مانع و لا يختلفون معنا في ان التعجيل أفضل انتهى.

113

الهجرة و أخّره النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) إلى سنة عشرة من غير عذر، و لأنّه لو أخّره ثمّ فعله في السّنة الأخرى لم يسمّ قاضيا، و لا يخفى أنّ عدم العذر ممنوع على أنّ الوجوب غير معلوم لاحتمال عدم الاستطاعة و الفوريّة لا يستلزم تسميته بالقضاء كالزكاة و نحوها و يؤيّده الأخبار (1) من طرق العامّة و الخاصّة] (2).

و اعلم أنّ مقتضى ما ذكرناه في تفسير الاستطاعة أن لا يجب الحجّ على المغصوب

____________

(1) و أصرحها ما يدل على حرمة التسويف لا لعذر كما سيجيء بعيد ذلك و انه موجود في طرق السنة أيضا و يضاف إليها من طرقهم أيضا ما رواه ابن عباس عن النبي انه قال تعجلوا الى الحج يعني الفريضة فإن أحدكم لا يدرى ما يعرض له، رواه احمد على ما في المنتقى بشرح نيل الأوطار ج 4 ص 299 و ما رواه فيه أيضا عن ابن عباس عن الفضل أو أحدهما عن الأخر عن النبي (ص) من أراد الحج فليتعجل فإنه قد يمرض المريض و تضل الضالة و تعرض الحاجة رواه احمد و ابن ماجه و هو في سنن ابن ماجة ص 962 الرقم 2883.

و قوله (ص) من كسر أو عرج فقد حل و عليه الحج من قابل و سيأتي مصادره و قد روى سعيد في سننه عن عمر بن الخطاب انه قال لقد هممت ان أبعث رجالا الى هذه الأمصار فينظروا كل من كان له جدة و لم يحج فيضربوا عليهم الجزية ما هم بمسلمين ما هم بمسلمين، كل ذلك في المنتقى ص 299 ج 4 بشرح نيل الأوطار.

و في تذييل ابن ماجة ص 962 انه قد جاء من أراد الحج فليعجل رواه الحاكم و قال صحيح و رواه أبو داود أيضا.

قلت و هو في المستدرك للحاكم ج 1 ص 448.

ثم انه قد يستدل لفورية الحج بوجوه أخر كلها غير ناهضة بإثباتها فلا نطيل الكلام في النقض و الإبرام نعم ما أفاده أستادنا العلامة الحائري نور اللّه مضجعه في مسئلة المواسعة و المضايقة نقلناه في ص 247 من المجلد الأول من هذا الكتاب لعله تام و يجري في هذه المسئلة أيضا.

(2) ما بين العلامتين مما لا يوجد في نسخة المدرسى و في نسخة قض جعله في الهامش كاشباهه مما يوجد في نسخة سن و عش في المتن.

114

و الزمن و الكبير الّذي لا يستمسك على الرّاحلة لكن بعض أصحابنا أوجب على هؤلاء الاستنابة في الحجّ إذا كانوا موسرين قادرين على أن يجهّزوا شخصا يحج عنهم، و إنّما وجب ذلك بدليل من خارج دلّ عليه، و مع هذا لو قدر على الحجّ بنفسه بأن زال العذر عنه وجب عليه الحجّ أيضا و لا يسقط عنه بتلك الاستنابة لتحقّق الاستطاعة حينئذ و ما وجب نيابة إنّما وجب لدليل خارج، و إلّا لم يجب لوقوعه قبل شرط الوجوب.

«وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّٰهَ غَنِيٌّ، عَنِ الْعٰالَمِينَ» أي و من لم يحجّ، وضع مكانه كفر للتأكيد في وجوبه، و في الحديث «من مات و لم يحجّ فليمت إن شاء يهوديّا أو نصرانيّا (1).

و قد أكّد أمر الحجّ في هذه الآية على المستطيع من وجوه الدلالة على وجوبه بصيغة الخبر و إبرازه في الجملة الاسميّة و إيراده على وجه تفيد أنّه حقّ واجب للّه في رقاب الناس لا ينفكّون عن أدائه كما دلّ عليه «وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ» و التعميم أوّلا ثمّ التخصيص بالإبدال لما فيه من تثنية المراد و تكريره، و لما في الإفصاح بعد الإبهام،

____________

(1) روى في التهذيب ج 5 ص 462 بالرقم 1610 عن محمد بن الحسين عن صفوان عن ذريح المحاربي عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال من مات و لم يحج حجة الإسلام ما يمنعه من ذلك حاجة تجحف به أو مرض لا يطيق معه الحج أو سلطان يمنعه فليمت يهوديا أو نصرانيا و قال من مضت له خمس حجج و لم يفد الى ربه و هو موسر انه لمحروم.

و رواه في الكافي أيضا بتفاوت في المتن و السند ج 1 ص 240 باب من سوف الحج الحديث 1 و هو في المرآة ج 3 ص 273 و رواه في الفقيه أيضا ج 2 ص 237 بالرقم 1333 و رواه الشيخ أيضا في التهذيب كما في الكافي عن الكليني في ج 5 ص 17 بالرقم 49 و الحديث في المنتقى ج 2 ص 290 و فيه بعد نقل حديث التهذيب بالرقم 1610 و روى الكليني و الصدوق ما قبل قوله و «قال» بإسنادين من غير الواضح و اختلاف في جملة من ألفاظ المتن فان في الكافي لم يمنعه من ذلك حاجة يجحف به أو مرض لا يطيق فيه الحج و في كتاب من لا يحضره الفقيه و لم يمنعه و فيه لا يطيق منه الحج أو سلطان يمنعه منه.

و طريق الكليني مشهوري الصحة صورته أبو على الأشعري عن محمد بن عبد الجبار عن صفوان بن يحيى عن ذريح المحاربي و طريق الصدوق حسن و هو عن أبيه عن على بن إبراهيم عن أبيه عن صفوان بن يحيى ببقية السند انتهى ما في المنتقى.

ثم ان ذيل الحديث أيضا رواه في الكافي باب من لم يحج خمس سنين الحديث 1 و قد روى الحديث في الوافي الجزء الثامن ص 48 ثم قال بيان لم يجحف به بتقديم الجيم اى تفقره أو تدنو منه و تقارنه و الحديث في الوسائل الباب 7 من أبواب وجوب الحج الحديث 1 ص 128 ج 2 ط الأميري و فيه نقل حديث الكليني في التهذيب بزيادة ان شاء كما في المتن و ليس في التهذيب و لا في الوافي و لا في المنتقى و لعله في نسخة كانت عند صاحب الوسائل.

ثم ترى حديث موت من سوف الحج يهوديا أو نصرانيا في مستدرك الوسائل ج 2 ص 4 عن عدة كتب و كذا في اخبار أهل السنة ففي كنز العمال ج 5 ص 10 بالرقم 86 من ملك زادا و راحلة يبلغه الى بيت اللّه و لم يحج فلا عليه ان يموت يهوديا أو نصرانيا أخرجه عن الترمذي عن على (عليه السلام) و في الدر المنثور ج 2 ص 56:

و اخرج سعيد بن منصور و احمد في كتاب الايمان و أبو يعلى و البيهقي عن أبي امامة قال قال رسول اللّه (ص) من مات و لم يحج حجة الإسلام لم يمنعه مرض حابس أو سلطان جائر أو حاجة ظاهرة فليمت على اى حال شاء يهوديا أو نصرانيا و فيه أحاديث أخرى أيضا بطرق مختلفة و عبارات متفاوتة موقوفة على الصحابة.

و في سنن الدارمي ج 2 ص 28 عن أبي أمامة قال قال رسول اللّه (ص) من لم يمنعه عن الحج حاجة ظاهرة أو سلطان جائر أو مرض حابس فمات و لم يحج فليمت ان شاء يهوديا و ان شاء نصرانيا. و تحاملوا على ابن الجوزي حيث عد حديث موت من سوف الحج يهوديا أو نصرانيا في الموضوعات انظر اللآلي المصنوعة ج 2 من ص 117 الى ص 120 و نيل الأوطار ج 4 ص 299 و ص 300.

115

و التفصيل بعد الإجمال من إيراد الشيء بصورتين مختلفتين ليتكرّر و يتقرّر.

و تسمية ترك الحجّ كفرا للتغليظ عليه، و أنّه فعل الكفرة، ثمّ ذكر الاستغناء على تقدير عدم الفعل، و هو أمارة المقت و السخط و الخذلان، و كون الاستغناء عن العالمين دون الاستغناء عن التارك، لما فيه من مبالغة التعميم، و ثبوت الاستغناء عنه بالبرهان

116

الواضح، و لدلالته على الاستغناء الكامل، و هو أدلّ على عظم السخط.

و قد ورد في الأخبار ما يدلّ على الذمّ الفاحش لمن ترك الحجّ و لم يبادر إلى فعله بعد وجوبه:

روى محمّد بن الفضيل (1) عن الكاظم (عليه السلام) في قوله تعالى «هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمٰالًا» (2) أنّهم الّذين يتمادون بحجّ الإسلام و يسوّفونه، و روى معاوية بن عمّار (3) عن الصادق (عليه السلام) في قوله «وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ أَعْمىٰ» (4) المراد من تحتّم عليه الحجّ و لم يحجّ أي أعمى عن طريق الخير، و نحوها من الأخبار، و كفى بتركه ذمّا أن جعل كفرا مع أنّ مقرّ الكافرين النار.

____________

(1) رواه في نور الثقلين ج 3 ص 311 بالرقم 247 عن غوالي اللآلي و رواه في قلائد الدرر ج 2 ص 12 و كنز العرفان ج 1 ص 267.

(2) الكهف: 104.

(3) التهذيب ج 5 ص 18 الرقم 53 و الفقيه ج 2 ص 273 الرقم 1332 و لفظ الفقيه عن طريق الخير و لفظ التهذيب عن طريق الجنة و نقل في المنتقى ج 2 ص 290 لفظ الفقيه عن الخير و لفظ الشيخ عن طريق الحق و على اى فالسند في التهذيب موسى بن القاسم عن معاوية بن عمار.

قال في المنتقى: و ما أورده الشيخ من الأستاد منقطع لان موسى بن القاسم لا يروى عن معاوية بن عمار بغير واسطة و ان اتفق له تركها في غير هذا السند أيضا فإن الممارسة تطلع على انه من جملة الاغلاط الكثيرة الواقعة في خصوص روايته عن موسى بن القاسم كما نبهنا عليه في مقدمة الكتاب و بينا سببه ثم ان في جملة من يتوسط بين موسى و معاوية من هو مجهول الاعتقاد انتهى ما في المنتقى.

و ترى الحديث في الوافي الجزء الثامن ص 48 و في الوسائل الباب 6 من أبواب

وجوب الحج و شرائطه الحديث 2 ج 2 ص 138 ط الأميري.

(4) أسرى: 72.

117

الثانية:

[وَ إِذْ بَوَّأْنٰا لِإِبْرٰاهِيمَ مَكٰانَ الْبَيْتِ أَنْ لٰا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَ طَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّٰائِفِينَ وَ الْقٰائِمِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ] (1).

«وَ إِذْ بَوَّأْنٰا لِإِبْرٰاهِيمَ مَكٰانَ الْبَيْتِ» أي و اذكر إذ جعلنا مكان البيت مباءة أي مرجعا يرجع إليه إبراهيم عند إرادة بنائه (2) [و العبادة فيه بأن عيّنّا له ذلك و أمرناه به و قيل: أي عرّفناه، و لما في ذلك من معنى التسهيل قيل أي وطّأنا و قيل هيّأنا، و قيل:

جعلناه مبوّأ أي منزلا] (3).

و قيل إنّ اللّام مزيدة فان بوّأ يتعدّى بنفسه تقول بوأته منزلا أي عرّفته منزلا و مكان ظرف أي إذ أنزلناه فيه، قيل إنّ البيت رفع إلى السماء أيّام الطوفان فانطمس و كان من ياقوتة حمراء فأعلم اللّه تعالى إبراهيم مكانه بريح أرسلها يقال له الحجوج كنست ما حوله حتّى أظهرت أسّه القديم فبناه على أسّه القديم، و قيل كانت سحابة تطوف حيال الكعبة فبنى على ظلّها، و قيل خلق اللّه فيها رأسا يتكلّم فقامت بحيال البيت و قالت: يا إبراهيم ابن على قدري.

«أَنْ لٰا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً» أن مفسّرة لفعل دلّ عليه «بوّأنا مكان البيت» لأنّ التبوّء به من أجل العبادة، فكأنّه قيل و أمرناه أو تعبّدناه: و قلنا له لا تشرك بي شيئا في العبادة فيه.

«وَ طَهِّرْ بَيْتِيَ» من عبادة الأوثان و الشرك، أو من الأقذار الّتي كانت ترمى حول البيت.

[و عن الصادق (عليه السلام) نحّ عنه المشركين (4) و قيل المراد بناؤه على الطهارة بأن

____________

(1) الحج: 26- 34.

(2) في سن: أراد العمارة.

(3) ما بين العلامتين لا يوجد في نسخة چا و لا في قض إلا في الهامش كما مر مثل ذلك كثيرا و سيأتي.

(4) رواه على بن إبراهيم في تفسيره ص 32 و حكاه عنه في البرهان ج 1 ص 152 بالرقم 1 و نور الثقلين ج 1 ص 104 بالرقم 355.

118

يكون بصدق النيّة و خلوص العقيدة كما قال «أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيٰانَهُ عَلىٰ تَقْوىٰ مِنَ اللّٰهِ» الآية] (1).

«لِلطّٰائِفِينَ» حول البيت «وَ الْقٰائِمِينَ» (2) «وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ» أراد (3) المصلّين عبّر عن الصلاة بأركانها للدلالة على أنّ كلّ واحد منها مستقلّ باقتضاء ذلك فكيف مع الاجتماع.

قال الشيخ في التبيان (4) و في الآية دلالة على جواز الصلاة في الكعبة قلت و هو حجّة عليه حيث ذهب في الخلاف إلى المنع من الصلاة في جوفها، و إن جوّز ذلك في سائر كتبه و على ابن البرّاج حيث منع من صلاة الفريضة و احتجّ الشيخ في الخلاف بما روي عنه (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه (5) وقف على باب البيت و صلّى ركعتين، و قال: هذه القبلة و أشار إليها، فكانت هي القبلة و ظاهر أنّ من صلّى جوفها لم يصلّ إلى ما أشار إليه، و هو بعيد و دفعه ظاهر، و الآية لا يعارضها مثل هذه الأخبار.

و لا يرد أنّ المأمور بذلك إبراهيم (عليه السلام) لأنّ الدّلالة على ذلك بكون الغرض من التطهير ذلك، فلا يختلف في شريعة من الشرائع و هو ظاهر.

«وَ أَذِّنْ فِي النّٰاسِ» ناد فيهم «بِالْحَجِّ» أي بدعوته و الأمر به، و المأمور بالأذان

____________

(1) برأه: 109.

(2) في بعض النسخ: و القائمين فيه و عن سعيد بن جبير أن الطائفين هم الطارؤن على مكة من الآفاق، و القائمين هم المقيمون بها، و الأكثر على أن المراد به و بقوله «وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ» واحد أعنى المصلين إلخ.

(3) ما بين العلامتين كما سبق يوجد في نسخة سن و عش و هامش قض مع اختلاف.

(4) التبيان ج 2 ص 303 ط الايران.

(5) أخرجه النسائي ج 5 ص 219 عن أسامة بن زيد مع تكرار هذه القبلة و رواه مسلم في صحيحه ج 9 ص 87 بشرح النووي بدون التكرار و أخرجه في المنتقى بشرح نيل الأوطار ج 5 ص 91 عن احمد و النسائي عن أسامة و في كنز العمال ج 6 ص 166 و ص 167 عن احمد و مسلم و ابن خزيمة و ابن عوانة و الطحاوي و الروياني عن أسامة.

119

نبيّنا (صلى اللّه عليه و آله و سلم) كما قاله جماعة من المفسّرين [محتجّين عليه بأنّ الخطاب في القرآن إذا أمكن حمله على أنّ محمّدا هو المخاطب فهو أولى، و تقدّم قوله «وَ إِذْ بَوَّأْنٰا لِإِبْرٰاهِيمَ» لا يوجب أن يكون الخطاب يرجع إليه لأنّ المعنى اذكر يا محمّد على ما عرفت، فالخطاب يرجع إليه، قالوا إنّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم)] (1) أمر بذلك في حجّة الوداع و يؤيّده من الأخبار ما رواه معاوية بن عمّار في الصحيح (2) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال إنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) أقام بالمدينة عشر سنين لم يحجّ ثمّ أنزل اللّه سبحانه «وَ أَذِّنْ فِي النّٰاسِ بِالْحَجِّ» الآية فأمر المؤذّنين أن يؤذّنوا بأعلى أصواتهم بأنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) يحجّ في عامه هذا، فعلم به من حضر المدينة و أهل العوالي و الأعراب، الحديث.

[و ربما أيّده قوله «يَأْتُوكَ رِجٰالًا» الآية فإنّ دعوة إبراهيم (عليه السلام) لم تكن مخصوصة بأمته، بل تعمّ من هو في أصلاب الآباء و أرحام الأمّهات].

و قيل إنّ المأمور به إبراهيم (عليه السلام) فإنّه لمّا فرغ من بناء البيت أمره تعالى بأذان الحجّ فقام في المقام أو صعد جبل أبي قبيس فنادى يا أيّها الناس حجّوا بيت ربّكم! فأسمع اللّه نداه من في أصلاب الرجال و أرحام النساء فيما بين المشرق و المغرب ممّن سبق في علمه أن يحجّ إلى يوم القيامة، فأجابوه، فمن أجابه مرّة حجّ مرّة، و من أجاب أكثر فأكثر و يقال: إنّ التلبية اليوم جواب اللّه تعالى من نداء إبراهيم (عليه السلام) عن أمر ربّه و نقل في مجمع البيان هذا القول عن جمهور المفسّرين.

«يَأْتُوكَ رِجٰالًا» جمع راجل كقيام و حجاب أي مشاة على أرجلهم «وَ عَلىٰ كُلِّ ضٰامِرٍ»

____________

(1) ما بين العلامتين من مختصات سن:

(2) انظر الكافي ج 1 ص 233 باب حج النبي الحديث 4 و هو في المرآة ج 3 ص 267 و التهذيب ج 5 ص 454 الرقم 1588 و البرهان ج 3 ص 85 الرقم 2 و الحديث طويل و هو في الوافي الجزء الثامن ص 31 و في الوسائل الباب 2 من أبواب أقسام الحج الحديث 3 ص 160 ج 2 ط الأميري.

و تراه في المنتقى ج 2 من ص 341 الى ص 345 عن الكافي و التهذيب مع ذكر اختلاف الألفاظ و الاسناد و رواه في المجمع أيضا ج 1 ص 291 عن معاوية بن عمار.

120

أي و ركبانا على كلّ بعير مهزول أضمره السير «يَأْتِينَ» صفة كلّ ضامر إذ هو في معنى الجمع أو لأنّ المعنى و على كلّ ناقة ضامر، و قرئ يأتون و هو صفة للرجال أو الركبان أو استيناف على أنّ الضمير للناس.

«مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ» طريق بعيد، قال الراجز (1):

يقطعن بعد النازح العميق

و مثله المعيق و به قرأ ابن مسعود [و قد يستفاد من الآية عدم اعتبار الراحلة في وجوب الحجّ بل تحقّق وجوبه مع التمكّن من المشي و قد ورد بذلك بعض الأخبار.

و قيل إنّ ذلك محمول على القريب الّذي لا يحتاج إليها، و ربما أشعر بذلك تقييد الرّكبان بيأتين من كلّ فجّ عميق، و أصحابنا مجمعون على اعتبارها و دخولها في الاستطاعة كما هو الظاهر، و قد وردت بذلك الأخبار الصحيحة فتعيّن التأويل فيما دلّ على خلافه] و لعلّ في تقديم «رِجٰالًا» إشعارا بأفضليّة المشي على الركوب.

و يؤيّده ما روي عن ابن عبّاس (2) عنه (صلّى اللّه عليه و آله) قال سمعته يقول: للحاجّ الراكب بكلّ خطوة يخطوها راحلته سبعون حسنة، و للحاجّ الماشي بكلّ خطوة يخطوها سبعمائة حسنة من حسنات الحرم، قيل: يا رسول اللّه و ما حسنات الحرم؟ قال الحسنة بمائة ألف.

و لكن في الأخبار ما يدلّ على أفضليّة الركوب أيضا روى الشيخ عن رفاعة (3) قال سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) رجل: الركوب أفضل أم المشي؟ فقال الركوب أفضل من المشي

____________

(1) أنشده أبو عبيده في مجاز القرآن ج 2 ص 49 و أبو الفتوح الرازي في روح الجنان ج 8 ص 89.

(2) انظر المجمع ج 4 ص 81.

(3) التهذيب ج 5 ص 12 الرقم 31 و الاستبصار ج 2 ص 142 الرقم 463 و قريب منه عن رفاعة و ابن بكير في التهذيب ج 5 ص 478 الرقم 1691 و الكافي ج 1 ص 291 باب الحج ماشيا الحديث 4 و هو في المرآة ج 3 ص 333 و المنتقى ج 2 ص 315 و الوافي الجزء الثامن ص 68 و الوسائل الباب 34 من أبواب وجوب الحج ج 2 ص 144 ط الأميري.

121

لأنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) ركب، و نحوها. و لا يبعد الجمع بينها بالقول بأفضليّة المشي إذا وقع مقصودا به الطاعة لا حفظ المال، و أفضليّة الركوب إذا انعكس الأمر و كان المشي مضعّفا عن العبادة، فإنّ الركوب حينئذ أفضل، و في الأخبار دلالة على هذا الجمع أيضا فقد سأل (1) سيف التمّار أبا عبد اللّه (عليه السلام) أيّ شيء أحبّ إليك؟ نمشي أو نركب قال: تركبون أحبّ إليّ فانّ ذلك أقوى على الدعاء و العبادة.

«لِيَشْهَدُوا مَنٰافِعَ لَهُمْ» دينيّة هي الأجر و الثواب و دنيويّة هي التجارة [و قيل منافع لهم في الدنيا و الآخرة و رواه الشيخ في التهذيب عن ربيع بن خثيم (2) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)] و تنكير المنافع لأنّ المراد بها نوع من المنافع، مخصوص بهذه العبادة

____________

(1) رواه في التهذيب ج 5 ص 12 بالرقم 32 و ص 478 بالرقم 1690 و الاستبصار ج 2 ص 142 بالرقم 464 و الكافي ج 1 ص 291 باب الحج ماشيا الحديث 2 و هو في المرآة ج 3 ص 333.

و رواه في المنتقى ج 2 ص 317 عن موضعين من التهذيب و الكافي و بين اختلاف الاسناد و الألفاظ و استحسن لفظ الكافي و لفظ الحديث بالرقم 1690 من التهذيب و الحديث في الوافي الجزء الثامن ص 68 و الوسائل الباب 34 من أبواب وجوب الحج ج 2 ص 145 ط الأميري.

(2) انظر التهذيب ج 5 ص 122 الرقم 398 مسائل الطواف و رواه أيضا في الكافي ج 1 ص 281 باب طواف المريض الحديث 1 و نقله عن الكافي في نور الثقلين ج 3 ص 488 و هو في المرآة ج 3 ص 324 و فيه انه مجهول و ان الربيع بن خثيم بتقديم المثلثة كزبير و هو غير المدفون بطوس الذي هو احد الزهاد الثمانية فإنه نقل أنه مات قبل السبعين و احتمال كون أبى عبد اللّه الحسين (عليه السلام) بإرسال ابن الفضيل الرواية بعيدة غاية البعد انتهى.

و جعل الأردبيلي أيضا في جامع الرواة ج 1 ص 316 غير الربيع بن خثيم احد الزهاد الثمانية و كذا في منهج المقال ص 139 و إتقان المقال ص 61. و الحديث في الوافي الجزء الثامن ص 139 و الوسائل الباب 47 من أبواب الطواف الحديث 8 ج 2 ص 319 ط الأميري.

122

و قيل منافع الآخرة و هي العفو و المغفرة، و هو المرويّ عن أبي جعفر (عليه السلام) (1).

«وَ يَذْكُرُوا اسْمَ اللّٰهِ فِي أَيّٰامٍ مَعْلُومٰاتٍ» قيل أراد بها عشر ذي الحجّة، و بالأيّام المعدودات أيّام التّشريق و بذلك ورد صحيحا عن عليّ (عليه السلام) رواه حمّاد بن عيسى في الصحيح (2) قال سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول قال أبي قال عليّ (عليه السلام)

____________

(1) انظر المجمع ج 4 ص 81 و نقله عنه في المرات ج 3 ص 324 مع شرح لطيف فراجع.

(2) التهذيب ج 5 ص 447 الرقم 1558 و نقله في المنتقى ج 2 ص 628 و في التهذيب حديث آخر أيضا بسند آخر عن حماد بن عيسى عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال سمعته يقول قال على (عليه السلام) في قول اللّه «و اذكروا اللّه في أيام معلومات» قال أيام العشر و قوله «و اذكروا اللّه في أيام معدودات» قال أيام التشريق.

و رواهما في نور الثقلين ج 3 ص 490 الرقم 86 و 87 و الوافي الجزء الثامن ص 186 و الوسائل الباب 8 من أبواب العود إلى منى ص 372 ج 2 ط الأميري.

و أظن ان في الحديث سهوا من الناسخين أو منقول بالمعنى إذ ليس في القرآن لفظ اذكروا اللّه في أيام معلومات. و انما اللفظ في الآية 28 من سورة الحج «وَ يَذْكُرُوا اسْمَ اللّٰهِ فِي أَيّٰامٍ مَعْلُومٰاتٍ» فالأصح لفظ الصدوق في معاني الأخبار ص 296 بإسناده عن حماد بن عيسى عن أبى عبد اللّه قال سمعته يقول قال على في قول اللّه عز و جل «وَ يَذْكُرُوا اسْمَ اللّٰهِ فِي أَيّٰامٍ مَعْلُومٰاتٍ» قال أيام العشر (و حكاه في الوسائل أيام التشريق كما في تذييل النسخة المطبوعة عن بعض النسخ).

و فيه عن أبى الصباح الكناني عن أبى عبد اللّه في قول اللّه عز و جل «وَ يَذْكُرُوا اسْمَ اللّٰهِ فِي أَيّٰامٍ مَعْلُومٰاتٍ» قال هي أيام التشريق و عن زيد الشحام عن أبى عبد اللّه في قوله «وَ اذْكُرُوا اللّٰهَ فِي أَيّٰامٍ مَعْدُودٰاتٍ» قال المعلومات و المعدودات واحدة و هي أيام التشريق و مثله في العياشي ج 1 ص 99 بالرقم 277.

قال صاحب الوسائل و لعل وجه الجمع ان الأيام المعلومات شاملة لأيام العشر و أيام التشريق أو أحدهما تفسير ظاهرها و الأخر تفسير باطنها.

و في العياشي بالرقم 276 عن رفاعة عن أبى عبد اللّه قال سألته عن الأيام المعدودات قال هي أيام التشريق و بالرقم 278 عن حماد بن عيسى قال سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول قال على (عليه السلام) في قول اللّه و اذكروا اللّه في أيام معدودات قال أيام التشريق.

و مثله في قرب الاسناد ص 14 عن حماد عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) و في تفسير الطبري ج 2 ص 302 الى ص 305 و ج 17 ص 148 أخبار كثيرة موقوفة على الصحابة في تفسير الأيام المعدودات بأيام التشريق.

123

«وَ يَذْكُرُوا اسْمَ اللّٰهِ فِي أَيّٰامٍ مَعْلُومٰاتٍ» قال عشر ذي الحجّة، و أيام معدودات قال أيّام التشريق و عكس الشيخ في النهاية.

[و الأوّل أظهر، نظرا إلى الرواية الصحيحة، و إلى أنّ الظاهر من المعدودات القليلة، فناسب كونها أيّام التشريق، على أنّ الشيخ قد رجع عن قوله في النهاية إلى الأوّل قال في الخلاف (1): الأيّام المعدودات أيّام التشريق بلا خلاف و في المنتهى (2) الأيّام المعدودات أيّام التشريق إجماعا، و الأيّام المعلومات عشرة أيّام من ذي الحجّة آخرها غروب الشمس من يوم النّحر ذهب إليه علماؤنا أجمع، و الظاهر أنّ يوم النحر ليس من أيّام التشريق على المشهور، و ربّما توهّم بعضهم نظرا إلى أنّ ابتداء الذكر بعد صلاة الظهر منه، و فيه أنّه ليس هذا القول مبنيّا على كون الذكر التكبير على هذا الوجه فتأمّل] (3).

و الذكر إمّا بمعنى الذكر المطلق أو الذكر حال الذّبح، أو النحر أو التكبير الواقع بمنى عقيب خمس عشرة صلاة كما وردت به الرواية.

«عَلىٰ مٰا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعٰامِ» أصل البهيمة من الإبهام فإنّها لا تفصح كما يفصح الحيوان الناطق.

____________

(1) الخلاف ج 1 ص 447 المسئلة 332 من كتاب الحج و قال في كتاب صلاة العيدين أيضا ص 344 المسئلة 20 و هي (أي الأيام المعدودات) عندنا أيام التشريق.

(2) المنتهى ج 2 ص 756.

(3) ما بين العلامتين لا يوجد في چا و لا في قض إلا في الهامش.

124

[و لمّا كانت مبهمة في كلّ ذات أربع بيّنت بالأنعام: و هي الإبل و البقر و الغنم].

و في الكشّاف (1) كنّى عن الذبح و النحر بذكر اسم اللّه، لأنّ أهل الإسلام لا ينفكّون عن ذكر اسمه إذا نحروا أو ذبحوا، و فيه تنبيه على أنّ الغرض الأصليّ فيما يتقرّب إلى اللّه أن يذكر اسمه، و قد حسّن الكلام تحسينا بيّنا أن جمع بين قوله «يَذْكُرُوا اسْمَ اللّٰهِ» و قوله «عَلىٰ مٰا رَزَقَهُمْ» و لو قيل لينحروا في أيّام معلومات بهيمة الأنعام، لم ير من ذلك الحسن و البروعة.

«فَكُلُوا مِنْهٰا» من لحومها «وَ أَطْعِمُوا» أي أعطوا شيئا منها و الظاهر أنّ المراد إعطاء ما بقي من الأكل و يندرج فيه الاهداء و التصدّق.

«الْبٰائِسَ» الّذي أصابه بؤس أي شدّة «الْفَقِيرَ» المحتاج الّذي أضعفه الإعسار و عدم المؤنة كأنّه انكسر فقر ظهره، و ظاهر الآية وجوب الذبح أو النحر على الحاج مطلقا لكنّه خصّ بالمتمتّع و القارن، و قد انعقد عليه إجماعنا و سيجيء بيانه إنشاء اللّه تعالى.

و هل يجب الأكل و الإطعام؟ ظاهر الآية نعم [لمكان الأمر به، و يؤيّده ما قبله و ما بعده خصوصا قوله «وَ مَنْ يُعَظِّمْ حُرُمٰاتِ اللّٰهِ» إذ الظاهر الإشارة إلى جميع ما تقدمه] و به قال بعض أصحابنا و ظاهر الشيخ في التبيان بل في أكثر كتبه أنّه مندوب إليه و هو قول أكثر الأصحاب.

و صاحب الكشّاف (2) حكم أوّلا بأنّ الأمر بالأكل للإباحة لأنّ الجاهليّة كانوا لا يأكلون من نسائكهم و جوّز ثانيا كونه للندب لما فيه من مواساة الفقير و مساواتهم قال: و من ثمّ استحبّ الفقهاء أن يأكل الموسع من أضحيّته مقدار الثلث، و قريب منه كلام الطبرسيّ في مجمع البيان (3).

____________

(1) الكشاف ج 3 ص 153 ط دار الكتاب العربي.

(2) الكشاف ج 3 ص 153 ط دار الكتاب العربي.

(3) المجمع ج 4 ص 81.

125

و فيه نظر لظهور كون الأمر للوجوب، و لا مقتضى للعدول عنه، و لأنّ ما قبل ذلك و ما بعده واجب فيكون هو كذلك، و يؤيّده ما رواه معاوية بن عمار (1) في الصحيح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال إذا ذبحت أو نحرت فكل و أطعم كما قال اللّه تعالى «فَكُلُوا مِنْهٰا وَ أَطْعِمُوا الْقٰانِعَ وَ الْمُعْتَرَّ» الحديث و قد صحّ (2) عن الباقر و الصادق (عليهما السلام) أنّهما قالا: إنّ رسول اللّه أمر أن يؤخذ من كلّ بدنة بضعة فأمر بها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) فطبخت فأكل هو و علىّ و حسوا المرق.

و بالجملة العدول عن ظاهر الأمر يحتاج إلى دليل واضح و هو غير معلوم، نعم وجوب القسمة أثلاثا كما ذهب إليه بعضهم غير ظاهر من الآية فإنّها دلّت على الأكل منها و إطعام البائس الفقير و في موضع آخر دلّت على الأكل و إطعام القانع و المعترّ، لقوله تعالى «فَكُلُوا مِنْهٰا وَ أَطْعِمُوا الْقٰانِعَ وَ الْمُعْتَرَّ» و لكنّ المشهور بين الأصحاب الاستدلال بهذه الآية على القسمة أثلاثا أعني الأكل و الاهداء و الصدقة، و أنّ محلّ الصدقة هو القانع و الفقير و محلّ الهدية هو المعترّ كما صرّح به العلّامة في المنتهى و احتجّ عليه

____________

(1) انظر التهذيب ج 5 ص 223 الرقم 751 و روى ذيل الحديث في الكافي ج 1 ص 302 باب الأكل من الأضحية الحديث 6 و هو في المرآة ج 3 ص 343 و روى شطرا من الحديث في الفقيه ج 2 ص 294 الرقم 1456 و تتمة الحديث في التهذيب: فقال القانع الذي يقنع بما أعطيته، و المعتر الذي يعتريك، و السائل الذي يسألك في يديك و البائس الفقير.

و روى حديث الكافي في المنتقى ج 2 ص 572 و ترى الحديث في الوافي الجزء الثامن و في الوسائل الباب 40 من أبواب الذبح فحديث التهذيب الحديث 1 ص 358 و حديث الكافي الحديث 12 ص 359 ج 2 ط الأميري.

(2) انظر التهذيب ج 5 ص 223 الرقم 752 عن الإمامين الهمامين و قريب منه ما في حديث معاوية بن عمار عن ابى عبد اللّه في حج النبي (ص) الذي مر الإشارة إليه في ص 119 و هو في التهذيب بالرقم 1588 و في الكافي ج 1 ص 549 و مثله في حديث حج النبي (ص) عن جعفر بن محمد المروي في صحيح مسلم من ص 170 الى 194 ج 8 بشرح النووي.

126

بقوله «فَكُلُوا مِنْهٰا وَ أَطْعِمُوا الْقٰانِعَ وَ الْمُعْتَرَّ» قال: و القانع السّائل و المعترّ الّذي لا يسأل.

و نقل عن الشافعيّ أكل النّصف و التصدّق بالنصف مستدلّا بقوله تعالى «فَكُلُوا مِنْهٰا وَ أَطْعِمُوا الْبٰائِسَ الْفَقِيرَ» و أجاب بأنّه لا ينافي الاهداء الثابت بالآية الأخرى، و مقتضاه أنّ البائس الفقير في هذه الآية هو القانع، و هو محلّ الصدقة، فيبقى الاهداء إلى المعترّ ثابتا بالآية الأخرى، فينقسم أثلاثا.

[إذ ليس في شيء من الآيتين الحصر فيما ذكر فيها، فجاز الترك اعتمادا على ما في الأخرى، فيكون قد أوجب في الهدي ثلاث حصص، و الأصل عدم التفاوت فيها مع عدم القائل به، فيكون كلّ حصّة ثلثا و قد يقال: الظاهر أنّ كلّا من الآيتين عامّ في إفادة ما هو الواجب المذكور فيها، مع أنّ في حمل البائس على ما ذكر نظرا فتأمّل].

و يمكن أن يقال بالتخيير بين الدفع إليهما أو إلى الفقير، أو يقال بوجوب إطعام القبيلين معا بأن يكون البائس الفقير غير القانع و المعترّ فينقسم أثلاثا و في صحيحة صفوان عن معاوية بن عمّار (1) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قوله عزّ و جلّ «فَإِذٰا وَجَبَتْ جُنُوبُهٰا فَكُلُوا مِنْهٰا وَ أَطْعِمُوا الْقٰانِعَ وَ الْمُعْتَرَّ» قال: القانع الّذي يقنع بما أعطيته، و المعترّ الّذي يعتريك، و السائل الّذي يسألك و البائس هو الفقير. إشعار بذلك.

و يؤيّده ما رواه الشيخ في الصحيح (2) عن سيف التمّار قال قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) إنّ سعد بن عبد الملك قدم حاجا فلقي أبي فقال إنّي سقت هديا فكيف أصنع به؟ فقال له أبي أطعم أهلك ثلثا و أطعم القانع و المعترّ ثلثا، و أطعم المساكين ثلثا. قلت المساكين هم السؤّال؟ قال نعم، و قال: القانع الّذي يقنع بما أرسلت إليه من البضعة فما فوقها، و المعترّ ينبغي له أكثر من ذلك، و هو أغنى من القانع، و لا يسألك.

____________

(1) هذا ذيل الحديث المذكور آنفا رواه في التهذيب بالرقم 751 و ذيله الكافي و الفقيه.

(2) انظر التهذيب ج 5 ص 223 الرقم 753 و هو في الوافي الجزء الثامن ص 173 و الوسائل ج 2 ص 358 ط الأميري.

127

و لعلّ التعبير بالأهل كناية عن أهله لكون الغالب في حال الإنسان أن يأكل مع أهله و قد أطلق أكثر الموجبين الأكل و لو قليلا، و التصدّق على القانع و المعترّ و لو قليلا، و يمكن المصير إلى قولهم، إلّا أنّ الاحتياط فيما قلناه.

«ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ» كلمة ثمّ يفيد التراخي و الترتيب، أي بعد ما تقدّم من الذبح و الأكل و الإطعام، ليزيلوا قشف الإحرام من تقليم ظفر و أخذ شارب و إزالة وسخ و نتف إبط و نحو ذلك و هو التحلّل الأوّل عندنا.

و يؤيّده ما رواه ربعيّ في الصحيح (1) عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول اللّه عزّ و جلّ «ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ» قال قصّ الشارب و الأظفار، و نحوها صحيحة البزنطي (2) عن الرضا (عليه السلام) قال التّفث تقليم الأظفار و طرح الوسخ و طرح الإحرام و صحيحة عبد اللّه بن سنان (3) قال أتيت أبا عبد اللّه (عليه السلام) فقلت: جعلت فداك ما معنى

____________

(1) الفقيه ج 2 ص 290 الرقم 1433 و هو في الوافي ص 179 في الجزء الثامن و في الوسائل الباب 1 من أبواب الحلق و التقصير الحديث 3 ص 365 ج 2 ط الأميري.

(2) الفقيه ج 2 ص 290 و انظر أيضا الكافي ج 1 ص 303 باب الحلق و التقصير الحديث 12 مع صدر لم يذكره المصنف هنا الا الصدوق في الفقيه و هو في المرآة ج 3 ص 344 و حكى حديث الصدوق في المنتقى ج 2 ص 628 و هو في الوافي الجزء الثامن ص 179 و في الوسائل ص 365 ج 2 ط الأميري.

(3) الفقيه ج 2 ص 290 الرقم 1437 و الكافي ج 1 ص 315 باب اتباع الحج بالزيارة الحديث 4 و هو في المرآة ج 3 ص 355 و في المنتقى ج 2 ص 628 و قد حكم المصنف هنا بصحة الحديث و كذلك في المنتقى صحح طريق الفقيه.

و أما طريق الكليني فقال المجلسي (قدّس سرّه) ضعيف على المشهور و ذلك لكون سهل في طريقه و قد بينا ص 352 من المجلد الأول أن الحديث من طريق سهل معتمد عليه و ان لم نسمه في الاصطلاح بالصحيح.

و على أى فحيث ان في ذيل الحديث ما يدل على جلالة مقام ذريح المحاربي ننقل الذيل أيضا هنا و هو بعد قوله و ما أشبه ذلك:

قلت جعلت فداك فان ذريحا المحاربي حدث عنك أنك قلت «لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ» لقاء الامام «وَ لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ» تلك المناسك؟ قال صدق ذريح و صدقت، ان للقرآن ظاهرا و باطنا و من يحتمل ما يحتمل ذريح انتهى الحديث.

و فيه مدح عظيم لذريح يعنى ليس كل أحد مثل ذريح حتى تلقى و تبين له بواطن القرآن و إسراره فان ذريحا يحتمل من الاسرار و الغوامض الإلهية ما لا يحتمل غيره و نحن نتكلم عن قريب في شأن ذريح إنشاء اللّه فاحفظ ما تلوناك هنا ينفعك فيما نتلوه هناك.

ثم انك ترى الحديث في الوافي الجزء الثامن ص 194 و الوسائل الباب 1 من أبواب المزار ج 2 ص 377 ط الأميري و نور الثقلين ج 3 ص 492 بالرقم 697 و البرهان ج 3 ص 88 بالرقم 13.

128

قول اللّه عزّ و جلّ «ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ» قال أخذ الشارب و قصّ الأظفار، و ما أشبه ذلك، و نحوها من الأخبار.

و في قول الزجّاج إنّ قضاء التفث كناية عن الخروج من الإحرام إلى الإحلال و الشيخ في التبيان فسّر التفث بمناسك الحجّ من الوقوف و الطواف و السعي و رمي الجمار و الحلق بعد الإحرام من الميقات. و هو قول ابن عبّاس و ابن عمر. و الأوّل أوفق بظاهر الآية، و قد يستنبط منه وجوب الترتيب بين الذبح و الحلق، و يلزم منه الترتيب بين المناسك الثلاثة بمنى إذ لا قائل بالفصل إلّا أنّ الاستدلال عليه بالآية بعيد لعدم الظهور و من ثمّ استحبّ الشيخ في التبيان الحلق أو التقصير.

«وَ لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ» أي ما نذروه في حجّهم من أنواع البرّ أو ما نذروا من نحر الإبل أو مواجب الحجّ [أي ما بقي عن مناسك منى، فإنّه ألزم به نفسه بالإحرام نوع إلزام] و قرئ بتشديد الفاء لقصد التكثير، و لا يبعد أن يكون أمر الإيفاء متعلّقا بما نذر على العموم، و إن لم يكن في الحجّ، و إن كان النذر مطلقا. و الوجه في ذلك خصوصيّة الزمان و المكان لكونهما شريفين فيتضاعف فيه الأعمال الحسنة.

«وَ لْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ» سمّي عتيقا لأنّه عتق من أن يملكه الجبابرة، أو

129

لأنّه أوّل بيت بني على ما تقدّم، أو لأنّه أعتق من الغرق في أيّام الطوفان فإنّ الأرض كلّها غرقت إلّا موضع البيت.

و الطواف المأمور به هنا، قيل: المراد به طواف الإفاضة بعد التعريف إما يوم النحر، أو بعده، و هو طواف الزيارة و هو ركن بلا خلاف، و الّذي رواه أصحابنا أنّ المراد به طواف النساء الّذي يحصل به إباحة وطي النساء.

روى الشيخ عن أحمد بن محمّد (1) قال قال أبو الحسن (عليه السلام) في قول اللّه عزّ و جلّ «وَ لْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ» قال: هو طواف النساء و نحوها من الأخبار، و بهذا الطواف يتحلّل عن موجبات الإحرام رأسا، و هو التحلّل الثالث غير أنّ بعضهم يذهب إلى أنّ التحلّل من الصيد يحصل بانقضاء أيّام منى، و الأكثر على خلافه، و أنّ التحلّل منه يحصل بطواف النساء أيضا، و ادّعى الفاضل عليه الإجماع و قد رجّحنا في كتبنا القول

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 252 الرقم 854 و ص 285 الرقم 971 و رواه في الكافي ج 1 ص 305 باب طواف النساء الحديث 1 و هو في المرآة ج 3 ص 346 و قال في الفقيه ج 2 ص 291: و اما قوله عز و جل «وَ لْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ» روى أنه طواف النساء و لفظ الحديث في التهذيب و الكافي: قال أبو الحسن في قول اللّه عز و جل «وَ لْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ» قال: طواف الفريضة طواف النساء.

قال في المرآة قوله «طواف الفريضة» لعل المعنى انه أيضا داخل في الآية و لعل في صيغة المبالغة إشعارا بذلك و الظاهر أنه أطلق هنا طواف الفريضة على طواف النساء لإشعار تلك الآية بتعدد الطواف و قيل المراد بطواف الفريضة هنا طواف الزيارة و حذف العاطف بينه و بين طواف النساء و لا يخلو عن بعد انتهى.

و روى الحديث في قلائد الدرر ج 2 ص 25 ثم قال و الظاهر أن أحمد هذا هو البزنطي و أبو الحسن هو الرضا و قريب منه حديث حماد بن عثمان الحديث الثاني في الكافي في الباب و الحديث في الوافي الجزء الثامن ص 182 و الوسائل الباب 2 من أبواب الطواف ج 2 ص 307 ط الأميري.

130

الأوّل لروايات صحيحة دلّت عليه، و إليه ذهب بعض الأصحاب.

[ «ذٰلِكَ» (1) خبر مبتدإ محذوف. أي الأمر أو الشأن ذلك، و هو و أمثاله يذكر في الكلام، للفصل بين الكلامين «وَ مَنْ يُعَظِّمْ حُرُمٰاتِ اللّٰهِ» جمع حرمة، و هي ما لا يحلّ هتكه من جميع التكاليف حجّا و غيره، و يحتمل اختصاصه بما يتعلّق بالحجّ.

و عن زيد بن أسلم (2) الحرمات خمس البيت: الحرام، و المسجد الحرام، و البلد الحرام، و الشهر الحرام، و الحرم. و في الكشّاف معنى التعظيم العلم بأنّها واجب المراعاة و الحفظ و القيام لمراعاتها، و ظاهره اختصاصه بالواجب، و لا يبعد التعميم بحيث يشمل المستحبّات أيضا إن لم يختصّ بها كما هو ظاهر.

قوله «فَهُوَ» أي التعظيم «خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ» ثوابا «أُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعٰامُ إِلّٰا مٰا يُتْلىٰ عَلَيْكُمْ» تحريمه، و ما مصدريّة و المراد به ما حرم لعارض كالميتة و ما أهلّ به لغير اللّه، و ذلك قوله تعالى في سورة المائدة «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ» الآية و على هذا فيختصّ المستثنى بما تضمّنه الآية، و يحتمل الأعمّ منها أي إلّا ما بيّن لكم حرمته و إن كان بالسنّة، فحافظوا على حدوده، و إيّاكم أن تحرّموا ممّا أحلّ شيئا كتحريم عبدة الأوثان البحيرة و السائبة و غير ذلك و أن تحلّوا ممّا حرّم كاحلالهم أكل الموقوذة و الميتة و غير ذلك.

«فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثٰانِ» كما يجتنب الأنجاس لأنّ في عبادة الأوثان و لواحقها هتكا لجميع ما تقدّم من الحرمات حتّى بناء البيت المقرون بالنهي عن الشرك و الأمر بطهارته، فناسب تفريع الأمر باجتناب الأوثان عموما، و على وجه أبلغ.

____________

(1) شرع في تفسير الآية 32 و 33 من سورة الحج، و من هنا الى تمام البحث مما يوجد في بعض النسخ على نحو ما مر الإشارة إليه مرارا.

(2) الكشاف عند تفسير الآية ج 3 ص 154 ط دار الكتاب العربي و تفسير الإمام الرازي ج 23 ص 31 و لفظ الكشاف: و المحرم حتى يحل مكان الحرم و لفظ الرازي و المشعر الحرام.

131

«وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ» يعنى الكذب و قيل هي تلبية المشركين «لبّيك لا شريك لك إلّا شريكا هو لك، تملكه و ما ملك» و روى أصحابنا (1) أنّه يدخل فيه الغنا و جميع الأقوال الملهية و روى أيمن بن خريم (2) أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) قام خطيبا فقال أيها الناس عدلت شهادة الزور الشرك باللّه و تلا الآية فعلى هذا قول الزور هو شهادة الزور، و قيل قولهم هذا حلال و هذا حرام، و ما أشبه ذلك من الافتراء على اللّه.

____________

(1) انظر البرهان ج 3 ص 90 و ص 91.

(2) رواه في المجمع ج 4 ص 82 و أخرجه في الدر المنثور عن احمد و الترمذي و ابن جرير و ابن المنذر و ابن مردويه عن أيمن بن خريم و أخرجه عنه أيضا في أسد الغابة ج 1 ص 160 عند ترجمة هذا و لكن لم يثبت كون هذا الرجل صحابيا انظر الإصابة ج 1 ص 103 الرقم 393 و الاستيعاب ذيل الإصابة ج 1 ص 67 و تقريب التهذيب ط دار الكتاب العربي ج 1 ص 88 الرقم 679 و فيه قال العجلي تابعي ثقة.

و سرده الشيخ (قدّس سرّه) في أصحاب رسول اللّه انظر الرجال ص 6 الرقم 52 و كذا الشيخ الحر العاملي في رسالته في الصحابة ص 21 الرقم 73 و في الكامل للمبرد ص 738 أن له صحبة، و كذا في الإكمال لابن مأكولا ج 1 ص 38.

و ترجمة البخاري في القسم الثاني من الجزء الأول ص 26 بالرقم 1572 و في الجرح و التعديل القسم الأول من المجلد الأول ص 318 بالرقم 1206.

و له ترجمة أيضا في الشعر و الشعراء ص 214 و الاعلام للزركلى ج 1 ص 378 و في التنبيه للبكرى ص 38 و كذا سمط اللآلي للبكرى ص 262 و فيهما هو ممن اعتزل الجمل و صفين و ما بعدهما من الأحداث كان يتشيع و كان به وضح و سرده في المخبر ص 302 من البرص الاشراف و في المعارف لابن قتيبة ص 148 أيضا كونه أبرص و فيه إباؤه عن أخذ المال عن عبد الملك بن مروان و مقاتلة ابن الزبير.

و الذي يحدثنا التاريخ في شأن الرجل انه اعتزل أمير المؤمنين و معاوية، و لكن كان هواه أن يكون الأمر لأهل العراق انظر ص 13 و 431 و 502 و 503 و 555 وقعة صفين لنصر بن مزاحم ط القاهرة 1382، و في ص 503 منه أنه قد كان معاوية جعل له فلسطين على أن يتابعه و يشايعه على قتال على (عليه السلام) فبعث إليه أيمن:

و لست مقاتلا رجلا يصلى * * * على سلطان آخر من قريش

له سلطانه و على اثمى * * * معاذ اللّه من سفه و طيش

أ أقتل مسلما من غير جرم * * * فليس بنافعى ما عشت عيشي

ثم أيمن بفتح الهمزة و سكون الياء آخره نون ضموا ميمه فرقا بين اسم الرجل و بين اسم الموضع قال في القاموس أيمن كاذرع اسم و كأحمد موضع، و في رسالة توضيح الاشتباه للساروى ص 71 الرقم 265 ضبط أيمن بضم الميم و في تهذيب الأسماء و اللغات للنووي ج 2 ص 357 عند ترجمة أم أيمن ضبط أيمن بفتح الهمزة و الميم.

ثم انه أخرج الحديث أيضا في الدر المنثور عن أحمد و عبد بن حميد و أبى داود و ابن ماجه و ابن جرير و ابن المنذر و ابن ابى حاتم و الطبراني و ابن مردويه و البيهقي في الشعب عن خريم بن فاتك و هو أبو أيمن هذا شهد الحديبية و لم يصح أنه شهد بدرا.

ترى ترجمته في الإصابة ج 1 ص 423 الرقم 2246 و الاستيعاب ذيل الإصابة ج 1 ص 426 و أسد الغابة ج 2 ص 112 و التاريخ الكبير للبخاري القسم الأول من الجزء الأول ص 205 الرقم 757 و الجرح و التعديل القسم الثاني من المجلد الأول ص 400 بالرقم 1837 و التقريب ط دار الكتاب العربي ج 1 ص 223 الرقم 116 و الطبقات لابن سعد ج 6 ص 38 ط بيروت و الإكمال لابن مأكولا ج 3 ص 132.

ثم خريم بالمعجمة ثم الراء مصغرا فما في نقد الرجال ص 51 و جامع الرواة ج 1 ص 111 و منهج المقال ص 64 من ضبطه بالزاي عند ترجمة أيمن لعله من سهو النساخ أو المؤلف ثم ان خريم ليس ابن فاتك و انما هو ابن الاخرم بن شداد بن عمرو بن فاتك نسب لجد جده ثم فاتك هو ابن القليب بضم القاف و آخره باء موحدة ابن عمرو بن اسد بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر كذا في الإكمال ج 1 ص 38 و جمهرة أنساب العرب لابن حزم ص 190.

132

و في الكشّاف: لمّا حثّ اللّه على تعظيم حرماته و حمد من تعظّمها أتبعه الأمر باجتناب الأوثان و قول الزور، لأنّ توحيد اللّه و نفي الشركاء عنه و صدق القول أعظم الحرمات.

و جمع الشرك و قول الزور في قران واحد لأنّ الشرك من باب الزور لأنّ المشرك زاعم أنّ الوثن تحقّ له العبادة، فكأنّه قال: فاجتنبوا عبادة الأوثان الّتي هي رأس الزور كلّه، لا تقربوا شيئا منه لتماديه في القبح و السماجة.

«حُنَفٰاءَ لِلّٰهِ» مستقيمين مخلصين له «غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ» و هما حالان و الثاني كالبيان و التأكيد للأوّل «وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللّٰهِ فَكَأَنَّمٰا خَرَّ مِنَ السَّمٰاءِ» لأنّه سقط من أوج الإيمان

133

إلى حضيض الكفر «فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ» جمع طائر و قد يقع على الواحد، و الخطف الأخذ بسرعة «أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكٰانٍ سَحِيقٍ» بعيد مفرط في البعد، فإنّ الشيطان قد طرح به في الضلالة و «أو» للتخيير كما في قوله «أَوْ كَصَيِّبٍ» و يجوز أن يكون من التشبيه المركّب فكأنّه قال: من أشرك باللّه فقد أهلك نفسه إهلاكا شبيها بأحد الإهلاكين.

«ذٰلِكَ وَ مَنْ يُعَظِّمْ شَعٰائِرَ اللّٰهِ» معالم دينه و الأعلام الّتي نصبها لطاعته جمع شعيرة بمعنى العلامة فقيل المراد بها كلمة اللّه و تعظيمها التزامها، و قيل: هي مناسك الحجّ كلّها، و قيل: هي الهدايا و البدن فإنّها من معالم الحجّ، و هو أوفق بما بعده، و تعظيمها أن يختار سمانا حسانا غالية الأثمان.

و عن الباقر (عليه السلام): لا تماكس في أربعة أشياء في الأضحيّة و في ثمن النّسمة و في الكفن و في الكرا إلى مكّة (1).

«فَإِنَّهٰا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ» فانّ تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب، حذفت هذه المضافات إذ لا يستقيم المعنى بدونها «لَكُمْ فِيهٰا مَنٰافِعُ» من ركوبها و حملها و شرب ألبانها من غير إضرار بها أو بولدها «إِلىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى» أن تنحر أو تذبح، و قيل المنافع درّها و ظهورها و نسلها و صوفها إلى أن يسمّى هديا، و إليه مآل أصحاب الرأي و لهذا لم يجوّزوا بعد تسميتها هديا ركوبها و نحوه، و الأوّل مذهبنا و مذهب الشافعيّ و مالك و أحمد و هو الأصحّ، لأنّها قبل أن يسمّى هديا لا يسمّى شعائر.

____________

(1) راجع الوسائل أبواب آداب التجارة الباب 46 تحت الرقم 2 و 3.

134

«ثُمَّ مَحِلُّهٰا» حيث يحلّ نحرها «إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ» أي عندها فإلى بمعنى عند، أو التقدير حيث تنتهي إلى البيت أو نحوه، و «ثمّ» للإشارة إلى الفرق بين المنافع الدنيويّة الموجودة إلى أجل مسمّى و ما يترتّب عليها بنحرها عند البيت من المنافع الدينيّة الجليلة الأخرويّة فهو من عطف الجملة على الجملة، و يحتمل من عطف المفرد على المفرد، أي لكم فيها منافع دنيويّة ثمّ أعظم منها محلّها منتهية إلى البيت].

[البحث] (الثاني) (في أنواع الحج و أفعاله و شيء من احكامه)

و فيه آيات:

الاولى:

[وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلّٰهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَ لٰا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّٰى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كٰانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيٰامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذٰا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيٰامُ ثَلٰاثَةِ أَيّٰامٍ فِي الْحَجِّ وَ سَبْعَةٍ إِذٰا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كٰامِلَةٌ ذٰلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حٰاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ وَ اتَّقُوا اللّٰهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللّٰهَ شَدِيدُ الْعِقٰابِ (1).]

«وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلّٰهِ» ائتوا بهما تامّين بمناسكهما و حدودهما مستجمعي

____________

(1) البقرة: 196.

135

الشرائط لوجه اللّه، و بهذا التفسير وردت الرّوايات عن أئمّة الهدى (صلوات اللّه عليهم):

روى عمر بن أذينة (1) في الحسن قال كتبت إلى أبى عبد اللّه (عليه السلام) بمسائل منها أن سألت عن قول اللّه عزّ و جلّ «وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلّٰهِ» قال يعنى بتمامهما أداءهما و اتّقاء ما يتّقى المحرم فيهما الحديث و روى زرارة (2) في الصّحيح عن الباقر (عليه السلام) قال العمرة واجبة على الخلق بمنزلة الحجّ لأنّ اللّه تعالى يقول «وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلّٰهِ» الحديث و نحوهما من الأخبار الكثيرة (3).

____________

(1) انظر الكافي ج 1 ص 239 باب فرض الحج و العمرة الحديث 1 و هو في المرآة ج 3 ص 271 و هو في المنتقى ج 2 ص 296 و هو في الوافي الجزء الثامن ص 47 و الوسائل الباب 1 من أبواب وجوب الحج الحديث 1 ج 2 ص 126 ط الأميري.

(2) انظر التهذيب ج 5 ص 433 الرقم 1502 و هو في المنتقى ج 2 ص 289 و ص 340 و ما نقله المصنف هنا شطر الحديث له صدر و ذيل و أصل الحديث في التهذيب هكذا:

موسى ابن القاسم عن حماد بن عيسى عن عمر بن أذينة عن زرارة بن أعين قال قلت لأبي جعفر (عليه السلام): الذي يلي الحج في الفضل قال العمرة المفردة ثم يذهب حيث شاء و قال العمرة واجبة على الخلق بمنزلة الحج لان اللّه تعالى يقول «وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلّٰهِ» و انما نزلت العمرة بالمدينة فأفضل العمرة عمرة رجب، و قال المفرد للعمرة إن اعتمر في رجب ثم أقام إلى الحج بمكة كانت عمرته تامة و حجته ناقصة.

و قريب من الحديث في بعض المضمون و التصريح بوجوب العمرة مستدلا بالاية ما رواه معاوية بن عمار عن أبى عبد اللّه رواه في الكافي باب فرض الحج و العمرة الحديث 4 و كذا أحاديث تفسير العياشي ج 1 ص 87 و 88 و ترى حديث زرارة في الوافي الجزء الثامن ص 74 و الوسائل ج 2 ص 375 ط الأميري أبواب العمرة.

(3) انظر نور الثقلين ج 1 ص 151 و ص 152 و البرهان ج 1 من ص 193 الى ص 195 و الوسائل الباب 1 من كتاب الحج ص 136 و الباب 1 من أبواب العمرة ص 374 ج 2 ط الأميري و مستدرك الوسائل ج 2 ص 2 و ص 3 و الباب 1 من أبواب العمرة ص 188 و العياشي ج 1 ص 87 و ص 88 و الوافي الجزء الثامن ص 47 و ترى في الأبواب المتفرقة من سائر أبواب الحج في الجوامع الحديثية ما يدلك على وجوبهما معا.

136

و يؤيّد ذلك قراءة (1) «و أقيموا الحجّ و العمرة للّه» و مقتضى ذلك وجوبهما على المكلّف المستطيع ابتداء بحسب أصل الشّرع، و على هذا علماؤنا أجمع و في أخبارهم (2) دلالة على ذلك أيضا و وافقهم على ذلك الشّافعيّ في الجديد (3).

و قال الحنفيّة إنّ العمرة مسنونة غير واجبة و حاول صاحب الكشّاف (4) نصرة قولهم بأنّ الأمر و إن كان للوجوب في أصله إلّا أنه مع دلالة الدّليل على خلافه يعدل عنه كما في قوله «فَاصْطٰادُوا- فَانْتَشِرُوا» و نحو ذلك، و الدّليل على نفي وجوب العمرة حاصل هنا و هو ما روي أنّه قيل: يا رسول اللّه العمرة واجبة مثل الحجّ؟ فقال لا و لكن أنّ تعتمر خير لك (5) و عنه (صلى اللّه عليه و آله و سلم): الحجّ جهاد

____________

(1) روى القراءة في الدر المنثور ج 1 ص 208 عن ابى عبيد في فضائله و سعيد بن منصور و عبد بن حميد و ابن جرير و ابن المنذر و ابن ابى حاتم و ابن الأنباري عن علقمة و إبراهيم قالا في قراءة ابن مسعود: و أقيموا الحج و العمرة الى البيت. لا يجاوز بالعمرة البيت، الحج المناسك، و العمرة البيت و الصفا و المروة. و عن عبد بن حميد و ابن جرير عن على (عليه السلام) انه قرء و أقيموا الحج و العمرة للبيت ثم قال هي واجبة مثل الحج.

قلت و ترى نقل الطبري قراءة «و أقيموا» عن على (عليه السلام) و ابن مسعود في ج 2 ص 206 و 209 من تفسيره.

(2) انظر الدر المنثور ج 1 من ص 208 الى 212 و الطبري ج 2 من ص 206 الى 212 و سنن البيهقي ج 4 من ص 349 الى ص 352 و غيرها من كتبهم.

(3) بل أخرج في الأم ج 2 ص 133 أن في كتاب النبي لعمرو بن حزم ان العمرة هي الحج الأصغر، قلت و تجده في كتابه بالرقم 33 من مكاتيب الرسول و قد أشرنا الى هذا المكتوب و مصادره في ص 84 من الجزء الأول من هذا الكتاب و أخبارهم بأن العمرة هي الحج الأكبر كثيرة.

(4) انظر الكشاف تفسير الآية ج 1 ص 238 ط دار الكتاب العربي.

(5) أخرجه الترمذي و الطبراني و ضعفه الدارقطنى على ما في الشاف الكاف المطبوع ذيل الكشاف.

137

و العمرة تطوّع (1).

ثمّ اعترض بأنّه معارض بما روي عن عمر أنّ رجلا قال له إنّي وجدت الحجّ و العمرة مكتوبين علىّ أهللت بهما جميعا فقال هديت لسنّة نبيّك (2) و أجاب بأنّ الرّجل فسّر كونهما مكتوبين عليه بقوله أهللت بهما و إذا أهلّ بالعمرة وجبت عليه كما إذا كبّر بالتطوّع من الصّلوة و حاصله أنّ الشروع في الندب يوجب إتمامه ثمّ قال: و الدّليل الّذي ذكرنا أخرج العمرة من صفة الوجوب فيبقى الحجّ وحده فهما بمنزلة قولك: صم شهر رمضان و ستّة من شوّال فإنّك تأمر بفرض و تطوّع و حاصله أنّ مقتضى الأمر الوجوب خرج عنه العمرة لدليل اقتضاه فيبقى الوجوب في الحجّ و ليس في كلامه دلالة على أنّ الأمر أريد به الوجوب و الندب معا فإنّه يعتقد أن مثل ذلك إلغاز و تعميه، كما صرّح به في آية الوضوء، نعم في التّمثيل إشعار بذلك و هو غير مراد.

و يجاب عن الدّليل الّذي زعم أنّه ينفى الوجوب، بما ذكره القاضي (3): أمّا الحديث الأوّل فمعارض بحديث عمر، كما اعترف به، و أمّا الجواب عن حديث عمر بأنّه فسّر وجدانهما مكتوبين بقوله أهللت بهما جميعا، فجاز أن يكون الوجوب بسبب إهلاله بهما فمردود، بأنّه رتّب الإهلال على الوجدان، و ذلك يدلّ على أنّ الوجدان سبب الإهلال لا العكس، و هو جيّد على أصولهم، فإنّهم يعملون بأخبار الصّحابىّ. و لنا أن نجيب عن الحديث بأنّه غير حجّة عندنا و الأخبار الصّحيحة قد دلّت على الوجوب على ما عرفت.

____________

(1) أخرجه ابن ماجة و الطبراني و غيرهما على ما في الشاف الكاف و فيه توضيح ضعف الحديث فراجع.

(2) أخرجه أبو داود و النسائي و ابن ماجة و ابن حبان على ما في الشاف الكاف و فيه أيضا إخراج حديث ابن عباس أنه قال ان العمرة لقرينة الحج عن البخاري و الشافعي.

(3) انظر ص 41 من تفسيره ط المطبعة العثمانية 1305.

138

و يحتمل (1) أن يراد باتمامهما الإتيان بما بقي منهما بعد الشروع فيهما، و لا خلاف في ذلك بين أصحابنا، فإنّهم يوجبون إتمام كلّ من الحجّ و العمرة بعد الدخول فيهما و إن كانا قبل الشروع مستحبّين غير واجبين و هو قول العامّة إلّا نادرا منهم (2)، و يدلّ عليه ظاهر الآية، فإنّ الإتمام كما يتناول الصحيح يتناول الفاسد أيضا لصدق الاسم على كلّ منهما و في الأخبار دلالة عليه أيضا.

«فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ» منعتم، و الإحصار المنع يقال للرّجل الّذي منعه المرض من التصرّف قد أحصر فهو محصر، و للرّجل الّذي حبسه العدوّ عن المضيّ أو سجن قد حصر فهو محصور، فالإحصار للمرض و الحصر للعدوّ و يقال للحبس الحصر، هذا هو الأكثر في الاستعمال، و عن الفرّاء يجوز أن يقام كلّ منهما مقام الآخر، و أنكره جماعة من

____________

(1) و في نسخة سن فقط بدل هذه القطعة من الكلام هكذا: و يؤيد الوجه الأول أن الإتمام كثيرا ما يراد به فعل الشيء تاما قال تعالى «وَ إِذِ ابْتَلىٰ إِبْرٰاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمٰاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ» و المراد ففعلهن على التمام و إذا كان كذلك وجب ان يكون هو المراد لان الحمل على المعنى الثاني يستدعي الإضمار في الآية و يكون التقدير: أتموا الحج و العمرة ان شرعتم فيهما و الأصل عدم التقدير اما وجوب الإتيان بما بقي منهما بعد الشروع فيهما فلا خلاف فيه بين أكثر أهل العلم فإنهم يوجبون إتمام كل من الحج و العمرة بعد الدخول بهما و ان كانا قبل الشروع مستحبين غير واجبين بل لو كانا فاسدين كما لو أفسدهما بعد ان يكون شرع فيهما صحيحا فإنه يجب عليه إتمامهما عندنا و هو قول العامة إلا نادرا منهم و في الاخبار دلالة عليه أيضا.

(2) قال في الخلاف ج 1 ص 419 المسئلة 202 من مسائل الحج: من أفسد حجه وجب المضي فيه و استيفاء أفعاله و به قال جميع الفقهاء الا داود فإنه قال يخرج بالفساد منه.

دليلنا إجماع الفرقة بل إجماع الأمة و داود قد سبقه الإجماع و طريقة الاحتياط تقتضي ذلك و أيضا قوله تعالى «وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلّٰهِ» يتناول هذا الموضع لانه لم يفرق بين حجة أفسدها و بين من لم يفسدها و ما قلناه مروي عن على عليه الصلاة و السّلام و ابن عباس و عمر و أبى هريرة و لا مخالف لهم في الصحابة انتهى.

139

اللغويّين قال المبرّد نظيره حبسه جعله في الحبس و أحبسه عرضه للحبس، فيكونان متغايرين.

و اختلف في المراد به هنا فعند الشّافعيّ المراد به حصر العدوّ بقرينة قوله «فَإِذٰا أَمِنْتُمْ» و يؤيّده نزول الآية عام الحديبية حيث صدّ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) فيها، و قول ابن عبّاس لا حصر إلّا حصر العدوّ، و إليه يذهب مالك، و قضيّة هذا القول عدم ثبوت حكم الإحصار مع المرض، بل يصبر حتّى يبرأ إلّا أن يشترط على ربّه أن يحلّه حيث حبسه و قال أبو حنيفة: المراد به كلّ منع من عدوّ أو مرض أو غيرهما، لما روي عنه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) من كسر أو عرج فقد حلّ و عليه الحجّ من قابل (1).

و الظاهر من أصحابنا أنّهم حملوه على الإحصار بالمرض، و هو الظاهر من الإحصار عند أهل اللّغة كما عرفت، و أوجبوا فيه البعث و تأخير الإحلال إلى بلوغ الهدي محلّه و جعلوا المنع بالعدوّ مخصوصا باسم الصدّ، و حكموا بذبح الهدي في مكانه، و الإحلال من إحرامه من غير تأخير كما نقل عنه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) عام الحديبية لمّا صدّه المشركون حيث نحر في مكانه و أحلّ.

و يرد على الشافعيّ: أنّا لا نسلّم أنّ سبب النزول ذلك و قوله «فَإِذٰا أَمِنْتُمْ» لا يختصّ بالعدوّ بل يشمله و يشمل المرض أيضا [فإنّ مدار الحكم فيه على الأمن سواء كان من خوف العدوّ أو من ضرر المرض] (2) و إن لم يكن المذكور سابقا حكم

____________

(1) الكشاف ج 1 ص 240 ط دار الكتاب العربي قال ابن حجر في تخريجه أخرجه أصحاب السنن و أحمد و إسحاق و ابن أبي شيبة و الطبراني من حديث عكرمة عن ابن عمرو بن غزية الأنصاري.

قلت و أخرجه الحاكم أيضا في المستدرك ج 1 ص 470 و قال هذا حديث صحيح على شرط البخاري و لم يخرجاه و أخرجه أيضا في ص 483 و فيه حديث آخر أيضا بلفظ «و عليه حجة أخرى».

(2) ما بين العلامتين في هامش قض و متن عش و سن مع اختلاف.

140

العدوّ بخصوصه (1)، و في الأخبار دلالة على ذلك.

روى معاوية بن عمّار (2) في الصحيح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال سمعته يقول المحصور غير المصدود، و المحصور المريض و المصدود الّذي يصدّه المشركون كما صدّوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أصحابه: ليس من مرض. و نحوها.

و المعنى فان منعتم بالمرض من إتمام أفعال الحجّ و العمرة، بعد أن أحرمتم

____________

(1) لا يذهب عليك أنه مع التزام أن سبب النزول حصر العدو، لا يتم ما ذكرناه من حملها على المرض لأن إخراج السبب غير جائز، نعم المشهور أنه لا يختص به، منه عفى عنه كذا في هامش قض.

(2) رواه في التهذيب ج 5 ص 423 بالرقم 1467 و ص 464 بالرقم 1622 و الفقيه ج 2 ص 304 بالرقم 1512 و آخر الحديث في الكتابين: و المصدود تحل له النساء و المحصور لا تحل له النساء و هو في المنتقى ج 2 ص 602.

و روى الحديث في الكافي بإسناد آخر مع ذيل ج 1 ص 266 باب الصد و الحصر الحديث 3 و هو في المرآة ج 3 ص 309 و هو في المنتقى ج 2 ص 608 و روى ذيل الحديث في التهذيب مستقلا بسند غير الكافي ج 5 ص 421 بالرقم 1465 نقله في المنتقى ج 2 ص 604 و قال بعده في نسخ التهذيب عدة مواضع واضحة الغلط و هي صحيحة في الكافي.

و لأجل ذلك نحن ننقل حديث الكافي من أوله الى آخره و نشير إلى الزيادة في التهذيب و محل تلك الزيادة في الحديث بنقل التهذيب ففي الكافي باب المحصور و المصدود و ما عليهما من الكفارة الحديث 3:

على بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبى عمير و محمد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان عن ابن أبى عمير و صفوان عن معاوية بن عمار عن أبى عبد اللّه (ع) قال سمعته يقول: المحصور غير المصدود، و المحصور المريض، و المصدود الذي يصده المشركون كما ردوا رسول اللّه (ص) و أصحابه ليس من مرض، و المصدود تحل له النساء و المحصور لا تحل له النساء.

قال و سألته عن رجل أحصر فبعث بالهدي قال يواعد أصحابه ميعادا ان كان في الحج فمحل الهدى يوم النحر فليقصر من رأسه و لا يجب عليه الحلق حتى يقضى المناسك و ان كان في عمرة فلينظر مقدار دخول أصحابه مكة و الساعة التي يعدهم فيها فإذا كان تلك الساعة قصر و أحل.

و ان كان مرض في الطريق بعد ما يخرج فأراد الرجوع رجع الى أهله و نحر بدنة أو أقام مكانه حتى يبرء إذا كان في عمرة، و إذا برئ فعليه العمرة واجبة، و ان كان عليه الحج رجع أو أقام ففاته الحج فان عليه الحج من قابل.

فان الحسين بن على (صلوات اللّه عليهما) خرج معتمرا، فمرض في الطريق فبلغ عليا (عليه السلام) ذلك و هو في المدينة فخرج في طلبه فأدركه بالسقيا و هو مريض بها فقال يا بنى ما تشتكي؟

فقال أشتكى رأسي، فدعا علىّ ببدنة فنحرها و حلق رأسه و رده إلى المدينة. فلما برء من وجعه اعتمر.

قلت أ رأيت حين برء من وجعه قبل أن يخرج إلى العمرة حلت له النساء؟ قال لا تحل له النساء حتى يطوف بالبيت و بالصفا و بالمروة، قلت فما بال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) رجع من الحديبية حلت له النساء و لم يطف بالبيت؟ قال ليسا سواء كان النبي (ص) مصدودا و الحسين (عليه السلام) محصورا.

انتهى الحديث بلفظ الكافي و الزيادة التي في التهذيب بين قوله «عليه الحج من قابل» و بين قوله «ان الحسين» إلخ: «و ان ردوا الدراهم عليه و لم يجدوا هديا ينحرونه و قد أحل لم يكن عليه شيء، و لكن يبعث من قابل و يمسك أيضا».

و مع ذلك ففي بعض ألفاظ الحديث تفاوت يسير أطبقوا على كون لفظ الكافي في هذا الحديث أصح، و ان كان في ألفاظ التهذيب حزازة نعم في لفظ الكافي «و ان كان مرض في الطريق بعد ما يخرج» تصحيف ظاهر، و الصواب «بعد ما يحرم» كما أن لفظ التهذيب «بعد ما أحرم».

بل في نسختنا المطبوعة من الكافي أيضا بعد ما أحرم، الا أن المصححين لعلهم صححوه من التهذيب و الا فقد نقل صاحب المعالم اتفاق نسخ الكافي في «بعد ما يخرج» و الحديث في الوافي الجزء الثامن ص 120 و اللفظ فيه أيضا نقلا عن الكافي «بعد ما أحرم» و في الوسائل الباب 2 من أبواب الإحصار ج 2 ص 293 ط الأميري.

ثم السقيا على ما في معجم البلدان بضم أوله و سكون ثانيه قرية جامعة من عمل الفرع بينهما مما يلي الجحفة تسعة عشر ميلا و قيل تسعة و عشرون ميلا، و قيل السقيا من أسافل أودية تهامة، و قيل السقيا بركة و احساء غليظة دون سميراء للمصعد إلى مكة من السقيا الى سميراء أربعة أميال، و قيل بئر بالمدينة و السقيا أيضا قرية على باب منبج ذات بساتين كثيرة و مياه جارية، و سقيا الجزل موضع آخر من بلاد عذرة قريب من وادي القرى ثم السقيا سميت سقيا لأنهم سقوا بها عذبا.

141

بهما «فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ» فعليكم أو فالواجب أو فابعثوا لأجل التحلّل ما استيسر من الهدي بقرا أو إبلا أو غنما، و قد وافقنا على البعث في هذه الصورة أبو حنيفة و أوجب الشّافعيّ الذبح مكانه مع حصر العدوّ الّذي نسمّيه بالصّدّ، و هو موافق لنا في ذلك إلّا أنّه خالفنا في حمل الآية عليه.

ثمّ إنّ الظاهر من الآية أنّ حكم الإحصار متعلّق بكلّ من الحجّ و العمرة، لأنّه ذكره عقيبهما، فكان عائدا إليهما، و على هذا أصحابنا أجمع و أكثر العامّة و قال ابن سيرين لا إحصار في العمرة لأنّها غير موقّتة بوقت، و دفعه ظاهر.

142

«وَ لٰا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ»

أي لا تتحلّلوا من إحرامكم عبّر عن التحلّل بالحلق الّذي هو أقوى ما يحصل به التحلّل أو أنّ المراد الحلق نفسه و يكون غيره معلوما بالمقايسة أو يقدّر: «و لا يفعلوا شيئا من محرّمات الإحرام حتّى يبلغ الهدي محلّه» و هو منى إن كان الإحرام بالحجّ و مكّة إن كان بالعمرة، و حمل الشافعيّ المحلّ على الموضع الّذي صدّ فيه حلّا كان أو حرما، و هو ما نقوله في الصدّ لا الإحصار، [و فيه بعد لمنافاته قوله «حَتّٰى يَبْلُغَ الْهَدْيُ» الآية، فانّ الممنوع بالعدوّ لا يجب عليه اعتبار البلوغ، بل ينسك مكانه عندنا و عند الشافعي أيضا] و الحنفيّة على أنّ المراد به الحرم (1) فأوجبوا البعث إليه و المواعدة بينه و بين أصحابه يوم أمارة و لم يعيّنوا فيه زمانا بل جعلوه متى شاء بعد أن يكون الذّبح في الحرم، فالبعث عندهم واجب في المنع مطلقا لكن في بعض الأوقات

____________

(1) في سن: و حمل الحنفية المحل على الحرم.

143

و هو ما لو كان في الحلّ لا في الحرم [و منشأ الخلاف بينهم أنّ المحلّ في الآية اسم للزّمان الّذي حصل فيه الحلّ كما قاله الشافعي، أو اسم للمكان كما قاله الحنفيّة] (1) و يرد عليه و على الشّافعيّ أنّ ذلك خلاف الظاهر من بلوغ الهدي محلّه، بل موجب للإجمال بسبب هذه الزّيادة، و يردّ قول الحنفيّة أيضا أنّ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) ذبح في الحديبية و هي من الحلّ على ما قالوه.

فان قيل إنّما أحصر في طرف الحديبية الّذي هو أسفل مكّة و هو من الحرم قال الواقدي: الحديبية على طرف الحرم على تسعة أميال من مكّة، و أجيب بأنّ قوله تعالى «هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ وَ الْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ» (2) دالّ على أنّ الكفّار منعوا النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) عن إبلاغ الهدي محلّه الّذي كان يريده و هو ظاهر في أنّهم نحروا الهدي في غير الحرم.

و مقتضى الآية جواز الحلق بعد بلوغ الهدي محلّه، سواء ذبح عنه أو لا و على هذا فلو ظهر خلاف المواعدة الواقعة بين أصحابه إمّا بأن لم يكن نائبه ذبح الهدي أصلا، أو ذبحه بعد تحلّله، فانّ الظاهر أنّه لا شيء عليه، لأنّه مأمور بالإحلال مع حصول ظنّ البلوغ، فلا يضرّ ظهور عدمه بعده و في الأخبار دلالة عليه.

روى الكلينيّ في الصحيح عن معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال سألته رجل أحصر فبعث بالهدي قال: يواعد أصحابه ميعادا، إن كان في الحجّ فمحلّ الهدي يوم النحر، فإذا كان يوم النحر فليقصّر من رأسه و لا يجب عليه الحلق حتّى يقضي المناسك و إن كان في عمرة فلينظر مقدار دخول أصحابه مكّة، و الساعة الّتي يعدهم فيها، فإذا كان تلك الساعة قصّر و أحلّ الحديث (3).

____________

(1) ما بين العلامتين زيادة من سن.

(2) الفتح: 25.

(3) الحديث المار قبيل ذلك بتمامه و في تعبير المصنف عن الحديث بالصحيح اعتراف بصحة ما يرويه إبراهيم بن هاشم كما اخترناه و أشبعنا الكلام في حقه في مواضع من المجلد الأول من هذا الكتاب.

144

و روى الشيخ صحيحا عن معاوية بن عمّار (1) عن الصّادق (عليه السلام) في حديث طويل قال فيه فان ردّوا الدراهم عليه و لم يجدوا هديا ينحرونه و قد أحلّ لم يكن عليه شيء و لكن يبعث من قابل و يمسك أيضا الحديث.

و روى في الكافي عن زرارة (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال المصدود يذبح حيث صدّ، و يرجع صاحبه فيأتي النّساء، و المحصور يبعث بهديه و يعدهم يوما فإذا بلغ الهدي أحلّ هذا في مكانه قلت أ رأيت إن ردّوا عليه دراهمه و لم يذبحوا عنه، و قد أحلّ و أتى النّساء؟ قال فليعد و ليس عليه شيء و ليمسك الآن عن النّساء إذا بعث.

و مقتضاهما الرّجوع إلى الحالة السّابقة و الأصحاب حملوا ذلك على أنّه محلّ و لا يبطل إهلاله بذلك، و لكن يبعث الهدي في القابل و يمسك عنه من حين البعث كما

____________

(1) المراد عين الحديث المار قبيل ذلك و انه في التهذيب بالرقم 1465 و ان هذه الزيادة انما كان في التهذيب و ليس في حديث الكافي.

(2) الكافي ج 1 ص 267 باب الصد و الإحصار الحديث 9 و هو في المرآة ج 3 ص 310 وعده المجلسي من الموثق و قال المحقق الأردبيلي في زبدة البيان ص 237 رواية غير صحيحة، و الحديث في الوافي الجزء الثامن ص 121 و في الوسائل الباب 1 من أبواب الإحصار و الصد الحديث 5 ج 2 ص 292 ط الأميري.

و سند الحديث في النسخة المطبوعة من الكافي في السنة 1312 حميد بن زياد عن الحسن بن محمد بن سماعة عن أحمد بن الحسن عن المثنى عن أبان عن زرارة و في الوافي عن الكافي حميد عن ابن سماعة عن الميثمي عن أبان عن زرارة و في الوسائل حميد بن زياد عن الحسن ابن محمد بن سماعة عن أحمد بن الحسن الميثمي عن أبان عن زرارة.

و في المرآة جعل كلا نسخة و أظن أن أصح النسخ نسخة الوسائل و الحسن بن محمد بن سماعة و أحمد بن الحسن الميثمي الواقعان في طريق الحديث كلاهما واقفيان، و لكن موثقان و سردهما الشيخ محمد طه من القسم الثقات، انظر إتقان المقال ص 12 و ص 46 فهذا هو السر في عد المجلسي الحديث من الموثق و المحقق الأردبيلي من الضعيف.

145

يمسك عنه المحرم، و اعترض بعضهم بأنّه لا يعقل وجوب الإمساك و الرّجوع إلى الإحرام بعد تحقّق التحلّل، فحمل الأمر بالإمساك على الاستحباب، و فيه بعد.

و قال بعضهم لا استبعاد بعد ورود النصّ و هو جيّد، فانّا لا نعني بالرّجوع إلى الإمساك إلّا أنّه قد كان جائزا له قبل أن يردّ دراهمه بناء على ظنّه أنّهم ذبحوا عنه فلمّا ظهر عدم الذبح وجب عليه الإمساك فلا إثم عليه بما وقع منه بسبب ذلك الظنّ فإذا ظهر خطاؤه وجب عليه العود إلى ما كان عليه قبل من الإمساك، فالمراد بالإحلال لازمه أي فعل أفعال المحلّ لاعتقاده أنّه محلّ لا أنّه محلّ حقيقة، و حاصله نفي وجوب الكفّارة على ما صدر عنه من الأفعال و إن كان باقيا على إحرامه بجهله، فلا يفعل بعد ذلك شيئا ينافي الإحرام، حتّى يتحقّق الذّبح عنه، و هذا ليس بعيدا من الآية و الأخبار إذ يمكن أن يكون المراد منها الذبح في نفس الأمر، و أنّ الظنّ غير كاف مع ظهور خلافه فتأمّل.

و يحتمل وجوب الإمساك من حين البعث ثانيا لكن عن النساء لا مطلقا، كما هو ظاهر الأصحاب و يؤيّده وجود الإمساك بعد البعث فقط في الرّواية الصّحيحة، و لفظة «الآن» في رواية زرارة.

و اعلم أنّ مقتضى الرّواية الأخيرة الإحلال من النساء في المحصر بالمرض، و هو خلاف المشهور رواية و فتوى، فإنّ الّذي عليه الأصحاب أنّ المحصر بالمرض بعد بلوغ الهدي محلّه يتحلّل من كلّ شيء إلّا النساء فإنّه لا يتحلّل منهنّ حتّى يطوف بالبيت و سعى هو بنفسه، و إن تعذّر فنائبه، و الأخبار الواردة بذلك كثيرة:

روى معاوية بن عمّار في الصّحيح (1) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سمعته يقول المحصور غير المصدود، و المحصور المريض و المصدود الّذي يصدّه المشركون كما ردّوا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و أصحابه ليس من مرض، فالمصدود يحلّ له النّساء و المحصور لا يحلّ

____________

(1) هذا تمام الحديث السابق المشار إليه في ص 140 من هذا الكتاب عن التهذيب و الفقيه الذي قلنا انه في الكافي صدر حديث نقلناه بطوله، و هو في المنتقى ج 2 ص 602 مع التوضيح لإسناد التهذيب و الفقيه و الكافي و بعض اختلاف اللفظ فراجع.

146

له النّساء- إلى أن قال: و إن كان مرض في الطّريق بعد ما يخرج فأراد الرّجوع رجع إلى أهله و نحر بدنه أو أقام مكانه حتّى يبرأ إذا كان في عمرة فإذا بر أ فعليه العمرة واجبة.

قلت: و إن كان عليه الحجّ فرجع أو أقام ففاته الحجّ؟ قال عليه الحجّ من قابل فانّ الحسين بن على (عليه السلام) خرج معتمرا فمرض في الطريق و بلغ عليّا (عليه السلام) ذلك و هو بالمدينة، فخرج في طلبه فأدركه بالسّقيا و هو مريض فقال يا بنيّ ما تشتكي؟ فقال أشتكى رأسي فدعا عليّ (عليه السلام) ببدنة فنحرها و حلق رأسه، و ردّه إلى المدينة، فلمّا برأ من وجعه اعتمر.

قلت أ رأيت حين برأ من وجعه قبل أن يخرج إلى العمرة حلّ له النّساء؟ قال لا يحلّ له النّساء حتّى يطوف بالبيت و بالصّفا و المروة، قلت فما بال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) حين رجع من الحديبية حلّت له النّساء و لم يطف بالبيت؟ قال ليسا سواء، كان النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) مصدودا و الحسين (عليه السلام) محصورا.

و روى ابن بابويه في الصحيح عن رفاعة (1) بن موسى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

خرج الحسين (عليه السلام) معتمرا و قد ساق بدنه حتّى انتهى إلى السقيا [فبرسم] فحلق شعر رأسه و نحرها مكانه، ثمّ أقبل حتّى جاء فضرب الباب فقال عليّ (عليه السلام) ابني و ربّ الكعبة افتحوا له، و كانوا قد حموا له الماء فأكبّ عليه فشرب ثمّ اعتمر بعد.

و المحصور لا يحلّ له النّساء حتّى يطوف بالبيت و يسعى بين الصّفا و المروة.

و نحوهما. و ظاهرهما بقاء تحريم النّساء حتّى يطوف بالبيت و يسعى بنفسه، فقول الشّهيد في الدروس أنّه مع ندب الحجّ و العمرة يكفي في التحلّل أن يطاف عنه طواف

____________

(1) انظر الفقيه ج 2 ص 305 الرقم 1515 و حكاه في المنتقى ج 2 ص 603 ثم قال فبرسم بضم اوله معناه أصابته علة البرسام قلت و البرسام على ما في كشاف اصطلاحات الفنون بالكسر أو بالفتح و يسمى بالجرسام أيضا هو الورم الذي يعرض للحجاب الذي بين الكبد و المعدة ثم الحديث في الوافي الجزء الثامن ص 120.

147

النّساء بعيد، فانّ ظاهر الرّوايات وجوب السّعي و مقتضى ذلك إيقاعهما هو بنفسه و الأصل عدم إجزاء فعل الغير عنه، إلّا بدليل يدلّ عليه، و هو غير ظاهر هنا، نعم لو تعذّر فعل ذلك بنفسه أجزأت النيابة.

ثمّ إنّ الظاهر من هذا الطواف كونه غير طواف النساء، لاقترانه بالسّعي في الرّوايات، و لكن ظاهر كلام الأصحاب أنّه طواف النّساء و ممّن صرّح بذلك العلّامة في كتبه، و الشّهيد في الدروس على ما عرفت من كلامه.

و الحقّ (1) أنّ الحمل عليه مع اقترانه بالسعي بعيد، و العجب أنّ الشهيد حكم في العمرة المتمتّع بها إذا كان الإحصار فيها، بعدم الاحتياج إلى طواف النساء في التحلّل نظرا إلى عدم وجوبه فيها، بل يحصل التحلّل بمجرّد التقصير، و فيه نظر أمّا أوّلا فلما عرفت من عدم ظهور كون المراد بالطواف فيها طواف النساء لاقترانه بالسعي، و أمّا ثانيا فلعموم الرّوايات في كون الإحلال من النساء في صورة الإحصار بالمرض إنّما يكون بالطواف و السعي فإجزاء غيره يتوقّف على الدليل.

و قد ظهر ممّا ذكرناه أنّ المحصر لا يحلّ له النساء إلى أن يأتي بالطّواف و السّعي إمّا في عمرة مفردة أو في حجّ، و ما ورد من خلاف ذلك محمول على ضرب من التأويل و الآية غير صريحة في التحلّل من النّساء أيضا بعد بلوغ الهدي محلّه، بل ظاهرها جواز الحلق بعده، و يكون تحليل ما عداه من المحرّمات بالإحرام موقوفا على الدّليل و قد انعقد الإجماع فيما عدا النساء، و قام الدليل على التحلّل منها بما تقدّم.

____________

(1) و في سن بدل هذه الجملة هكذا: «و قد يشكل الحمل عليه مع اقترانه بالسعي و على القول بوجوب طواف النساء للإحلال، فهل يجب مطلقا أو في موضع يجب فيه طواف النساء ظاهر الشهيد الثاني، و من ثم حكم في العمرة المتمتع بها إذا كان الإحصار فيها، بعدم الاحتياج إلى طواف النساء في التحلل نظرا الى عدم وجوبه فيها بل يحصل التحلل بمجرد التقصير إذ يمكن القول بعدم الإحلال من النساء في الصورة المفروضة، إلا بعد طواف النساء في الحج، نعم لو اعتبر بالطواف الذي يتعقبه السعي نظرا إلى إطلاق الروايات في كون الإحلال من النساء في صورة الإحصار بالمرض بالطواف و السعي تم ما ذكره.

148

أو يقال: هي ظاهرة في التحلّل مطلقا لكنّها مخصوصة بما عدا النّساء، لقيام الدّليل على أنّ التحلّل منهنّ يكون بما ذكر، و على ما ذكرناه من حمل الآية على المحصر بالمرض لا بدّ فيه من بعث الهدي و الصّبر حتّى يبلغ محلّه كما اقتضته الآية و دلّ عليه بعض الأخبار أيضا، و هو قول أكثر الأصحاب إلّا أنّ في بعضها ما يدلّ على جواز الذّبح مكانه أيضا. و هو ما تقدّم من صحيحتي معاوية و رفاعة الدّالّتين على الذّبح مكانه، و به أخذ بعض الأصحاب و اختار بعضهم الذّبح مكانه في المرض ما لم يكن ساق، و فرّق آخرون بين التطوّع و الواجب فجوّزوا النّحر مكانه في الأوّل و أوجبوا البعث في الثّاني مستدلّين عليه بظاهر فعل الحسين (عليه السلام) في الرواية المتقدّمة.

و أجاب العلّامة بحمله على ما إذا لم يتمكّن المريض من المقام على إحرامه، بل يفتقر إلى الحلق فإنّه و الحالة هذه يجوز له التحلّل مطلقا بعد الذّبح أو النحر، و يمكن الجمع بين الأدلّة بالتخيير بين البعث و الذبح مكانه في المحصور بالمرض، و يحتمل فعله (عليه السلام) حيث ذبح مكانه على الجواز بمعنى كونه أحد الفردين الواجبين، و على هذا فيثبت وجوب البعث بالآية، و يثبت الإجزاء في الذّبح مكانه بالأخبار الدّالّة عليه، و الاحتياط في البعث.

تنبيهات:

الأول:

قد يدّعى أنّ ظاهر الآية وجوب التحلّل بالهدي في صورة الإحصار بالمرض، سواء أراده أولا، حيث علّق وجوبه على الإحصار، و هو خلاف ما يظهر من الأصحاب حيث حكموا بوجوب ذلك مع إرادة التحلّل لا مطلقا، و يمكن حمل الآية عليه بل يمنع ظهورها في الأوّل و من ثمّ حملها المفسّرون على هذا، و قيّدوا الحكم فيها بالإرادة كما يعلم من كلام القاضي و الكشاف و مجمع البيان و غيرهم (1).

الثاني:

هل يتوقّف التحلّل على الحلق أو يكفي في ثبوته مجرّد حضور وقت المواعدة لنائبه في الذبح؟ الظاهر الأوّل لثبوت حكم الإحرام فلا يخرج عنه إلّا بالمحلّل

____________

(1) انظر المجمع ج 1 ص 290 و الكشاف ج 1 ص 240 و البيضاوي ص 42 عند شرح قوله تعالى «فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ» يصرحون بإرادة التحليل.

149

قطعا، و حصوله بمجرّد حضور الوقت غير معلوم، و يؤيّده [أنّ في غير هذه الصّورة من مواضع الإحرام لما يكفي في التحلّل إتمام أفعال الإحرام، سواء كان بحجّ أو عمرة من دون الحلق أو التّقصير و] (1) ما في صحيحة معاوية المتقدّمة (2): فإذا كان يوم النحر فليقصّر من رأسه، لكن مقتضاها وجوب التّقصير و الظاهر أنّه لا قائل به عينا فيثبت القول بالتخيير بينه و بين الحلق.

و يمكن (3) استفادة التخيير من الآية حيث قال فيها «وَ لٰا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ» بمعنى لا تحلّوا و لا تفعلوا شيئا من محرّمات الإحرام «حَتّٰى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ» فيفهم من الغاية وجوب فعل محلّل، و ليس إلّا الحلق أو التقصير و فيه تأمّل.

أو يقال يكفى انتهاء التحريم، فيفهم جواز الحلق بعده و يكون خصوص كلّ واحد جائزا و فرد مّا منهما واجبا.

و يحتمل أن يكون المراد كما هو الظاهر لا تفعلوا شيئا من محرّمات الإحرام حتّى يبلغ ثمّ يحلّ ذلك لكم بمعنى رفع الحظر و المنع و التحريم، فيفهم جواز الحلق بعد البلوغ فلا يكون التقصير متعيّنا، و قد علم وجوبه، فيكون الحلق مثله.

و اعلم أنّه قد يستفاد من بعض هذه الوجوه الاكتفاء في ثبوت التحلّل بمجرّد حضور الوقت، و على الأوّل فهل يتوقّف التحلّل بأحدهما على النيّة بحيث لو انتفت انتفى التحلّل؟ الظاهر من الأصحاب ذلك، و لعلّ دليلهم الإجماع و الاحتياط، و كونه عبادة لا بدّ لها من النيّة، و إلّا فيمكن المناقشة في الوجوب نظرا إلى إطلاق الآية و الأخبار.

الثالث:

ظاهر الآية يقتضي وجوب الهدي مع الإحصار، سواء شرط وقت الإحرام على ربّه [الرجوع:] أن يحلّه حيث حبسه أو لم يشترط؟ و على هذا أكثر أصحابنا، و أسقط

____________

(1) ما بين العلامتين من مختصات نسخة سن.

(2) مر بطوله في ص 145 فراجع.

(3) زاد في سن ههنا «كما هو مقتضى الجمع بين الآية و الرواية» و بعد ذلك أسقط المباحث الى قوله «و هل يتوقف التحلل» إلخ.

150

السيّد المرتضى و جماعة من الأصحاب وجوب الهدي مع الاشتراط، قالوا لو لم يسقط لم يكن للشرط فائدة، و هو باطل و قد نقل المرتضى على ذلك إجماع الفرقة، و حكم بأنّ الآية مخصوصة بمن لم يشترط.

و قد يستدلّ له بصحيحة ذريح المحاربي (1) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال سألته عن رجل تمتّع بالعمرة إلى الحجّ و أحصر بعد ما أحرم كيف يصنع؟ قال: فقال أو ما اشترط على ربّه أن يحلّه من إحرامه عند عارض يعرض له من أمر اللّه؟ فقلت: بلى قد اشترط ذلك، قال فليرجع إلى أهله حلالا لا إحرام عليه، إنّ اللّه أحقّ بمن و في بما اشترط عليه، فقلت أ فعليه الحجّ من قابل؟ قال: لا.

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 81 الرقم 270 و الاستبصار ج 2 ص 169 الرقم 558 و حكاه صاحب المعالم في المنتقى ج 2 ص 606 ثم قال: قلت ذكر الشيخ في الكتابين أن هذا الخبر محمول على كون الحج تطوعا فان من هذا شأنه لا يلزمه مع الإحصار الحج من قابل و أما إذا كان حج الإسلام فلا بد من الحج في القابل و لا بأس به.

و الحديث في الوافي الجزء الثامن ص 121 و الوسائل الباب 24 من أبواب الإحرام الحديث 3 ص 247 ج 2 ط الأميري.

ثم ذريح على ما في ص 153 من توضيح الاشتباه للساروى الرقم 672 بالذال المفتوحة و الياء المثناة التحتية و الحاء المهملة ابن محمد بن يزيد أبو الوليد المحاربي بضم الميم و كسر الراء المهملة قال الشيخ انه ثقة له أصل. و ترى ترجمته أيضا في منهج المقال ص 138 و قال العلامة البهبهاني في حواشيه عليه رواية جعفر بن بشير و صفوان و ابن المغيرة و يونس تشير الى وثاقته، و كذا كون كتابه يرويه عدة من الأصحاب و كونه كثير الرواية.

قلت و قد تقدم في معنى قضاء النفث في ص 128 من هذا المجلد صحيحة عبد اللّه بن سنان تدل على جلالته و عظم قدره، و قد دلت على انه يحتمل من الاسرار و الغوامض الإلهية مالا يحتمل غيره.

و مما يدل على وثاقته الحديث المروي في التهذيب ج 6 ص 198 بالرقم 441 و الاستبصار ج 3 ص 6 الرقم 14 و الفقيه ج 3 ص 117 بالرقم 501 و علل الشرائع ج 2 ص 216 ط قم الباب 313 حيث استدل ابن ابى عمير بحديث ذريح المحاربي عن أبى عبد اللّه انه قال: لا يخرج الرجل عن مسقط رأسه بالدين ورد دراهم غريمه الذي باع داره فيدل على كمال اعتماد ابن ابى عمير بهذا الرجل و صحة حديثه فما أفاده المصنف من كون الحديث صحيحا صحيح، و عده محمد ط نجف أيضا في إتقان المقال ص 60 من الثقات.