مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - ج2

- الفاضل الكاظمي المزيد...
420 /
151

دلّت الرّواية على التحلّل بمجرّد الإحصار مع الاشتراط من غير تعرّض لاعتبار الهدي، و لو كان واجبا لذكر في مقام البيان، و إلّا لزم تأخيره عن وقت الحاجة و هو باطل و أجيب بأنّ الفائدة من الاشتراط جواز الإحلال لا سقوط الهدي و فيه نظر لأنّ التحلّل حاصل له جوازه مع العذر، و إن لم يشترط كما دلّ عليه حسنة زرارة (1) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال هو حلّ إذا حبسه اشترط أو لم يشترط، و نحوها رواية حمزة بن حمران (2) سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن الّذي يقول حلّني حيث حبستني، قال هو حلّ حيث حبسه، قال أو لم يقل.

و ظاهرهما أنّه مع العذر الشّرعي يجوز له التحلّل في الصّورتين، و مقتضاه أنّ التحلّل بنفسه لا يكون فايدة للاشتراط، و هذا لا ينافي أنّه مع الاشتراط لا حاجة فيه إلى شيء آخر، و مع عدمه يحتاج إليه إذ أقام الدّليل عليه، و هو الصّحيحة المذكورة و يجوز أن يكون الفائدة هنا هي التعبّد أي كونه تعبّدا و دعاء مأمورا به، يترتّب عليه الثواب فقطّ من غير أن يظهر لذلك أثر في مقدّمات الإحرام.

و فيه بعد إذ الظاهر أنّ الفائدة في هذا المقام غير ذلك ممّا له أثر في مقدّمات

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 80 الرقم 267 و الكافي ج 1 ص 257 باب صلاة الإحرام و عقده و الاشتراط فيه الحديث 7 و هو في المرآة ج 3 ص 288 و المنتقى ج 2 ص 607 و الوافي الجزء الثامن ص 121 و الوسائل الباب 25 من أبواب الإحرام الحديث 1 ص 247 ج 2 ط الأميري.

(2) التهذيب ج 5 ص 80 الرقم 266 و الكافي ج 1 ص 257 و الفقيه ج 2 ص 207 بالرقم 942 عن حمران بن أعين و ص 306 بالرقم 1516 عن حمزة بن حمران و هو في الوافي الجزء الثامن ص 121 و الوسائل ج 2 ص 247 و 294 ج 2 ط الأميري.

152

الإحرام لا مجرّد التعبّد.

لا يقال: عندنا ما ينافي ذلك و هو صحيحتا (1) محمد بن مسلم و رفاعة عن الصادق (عليه السلام) قالا: القارن يحصر و قد قال و اشترط «فحلّني حيث حبستني» قال (عليه السلام) يبعث بهديه، الحديث، لأنّا نقول هذا غير ما نحن فيه، إذ لا كلام في وجوب بعث هدى السّياق مع تعيّنه بالسّياق و قد ادّعى الشّهيد في الدروس على إنفاذه الإجماع، و صرّح بأنّ محلّ الخلاف غيره، و من هنا يظهر أنّ استدلال بعضهم بها على عدم السّقوط مع الشرط لا وجه له.

و قد اختلف الأصحاب في وجوب بعث هدي آخر مع هدي السّياق أو يكفي إرساله فقط، الأكثر على الاكتفاء بإرساله في التحلّل، و قد يكون في ظاهر الآية دلالة عليه فإنّها تدلّ على وجوب ما استيسر، و هدي السّياق كاف، فانّ مقتضى ما استيسر الاكتفاء بذبح الموجود، و أوجب عليّ بن بابويه بعث هدي آخر معه، و لا يحلّ حتّى يبلغ الهدى محلّه، و هو الظاهر من كلام ابنه في الفقيه (2) حيث قال: و إذا قرن الرّجل الحجّ و العمرة فأحصر بعث هديا مع هديه، و لا يحلّ حتّى يبلغ الهدي محلّه، فإذا

____________

(1) في التهذيب ج 5 ص 423 بالرقم 1468: الحسين بن سعيد عن النضر عن عاصم عن محمد بن مسلم عن أبى جعفر (عليه السلام) و فضالة عن ابن ابى عمير عن رفاعة عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) أنهما قالا القارن يحصر و قد قال و اشترط «فحلني حيث حبستني» قال يبعث بهديه قلنا هل يتمتع في قابل؟ قال لا و لكن يدخل بمثل ما خرج منه.

قال صاحب المعالم في المنتقى ج 2 ص 605 قلت في اسناد هذا الحديث سهو فان كلا من فضالة و ابن أبى عمير يروى عن رفاعة و لا يعرف لأحدهما عن الأخر رواية، فالصواب إثبات الواو في موضع عن.

و الحديث في الوافي الجزء الثامن ص 121 و في الوسائل الباب 4 من أبواب الإحصار و الصد الحديث 1 ص 293 ج 2 ط الأميري.

(2) انظر الفقيه ج 2 ص 305.

153

بلغ محلّه أحلّ و انصرف إلى منزله، و عليه الحجّ من قابل.

و فصّل آخرون فقالوا إذا أحصر و معه هدي قد ساقه، فان كان قد أوجبه عليه بوجه من الوجوه بعث بهدي آخر للتحلّل عن إحصاره، و إن لم يكن أوجبه بحال من إشعاره و لا غيره أجزأه عن إحصاره و هو جيّد فإنّه مع إيجاب الهدي يكون قد تعيّن عليه ذبحه أو نحره، فلا يكون مجزيا عن هدي الإحصار، لأصالة عدم التداخل و اقتضاء كلّ سبب مسبّبا، أمّا مع عدم إيجابه فيكفي، بظاهر الآية.

و على كلّ حال فهل يجب تقسيم هذا الهدي مثل هدى التمتّع أو صرف جميعه إلى الفقراء أو لا يجب شيء سوى الذبح، يحتمل الأخير للأصل السّالم عن المعارض و عدم اقتضاء ما يخرجه عن ملكه إلّا أن يدّعى أنّ الغرض من ذبحه حصول النّفع للفقراء لا مجرّد الذّبح، و لا كونه بدل هدي التمتّع، و لهذا يجب على غير المتمتّع أيضا، و الاحتياط غير خفيّ.

الرابع:

أطلق الشّافعيّة عدم وجوب الحجّ من قابل بعد التحلّل بذبح الهدي و استدلّ القاضي (1) عليه بظاهر الآية نظرا إلى أنّ اقتصاره تعالى في صورة الإحصار على الهدي دليل عدم القضاء، و أنكره الحنفيّة فأوجبوا القضاء من قابل، و الّذي ذهب إليه أصحابنا وجوب قضاء الحجّ من قابل إذا كان واجبا [مستقرّا في ذمّته قبل عام الفوات] و عليه دلّت أخبارهم و ربما يأبى ذلك ما في صحيحة ذريح (2) المتقدّمة لاقتضائها عدم الوجوب، و حملها الشّيخ على النّدب، و يمكن حملها على من لم يستقرّ الوجوب في ذمّته كما لو لم يمض عليه زمان يمكن إيقاع الحجّ و أخّره عمدا من غير عذر، فإنّه حينئذ لا يجب عليه الحجّ مع فوات الاستطاعة، نعم لو بقيت استطاعته في السّنة المقبلة أيضا وجب عليه الحجّ.

الخامس:

مقتضى الآية وجوب التحلّل بالهدي مع الإحصار بالمرض، سواء فاته الحجّ أولا، و قال بعضهم ذلك مقيّد بعدم فواته، حتّى أنّه لو صبر المحصر و لم يتحلّل

____________

(1) انظر ص 42 ط المطبعة العثمانية.

(2) قد مر في ص 128 من هذا الجزء.

154

بالهدي حتّى فاته الحجّ وجب عليه العمرة للتحلّل بأن ينقل نفسه بالنيّة أو ينتقل من غير نيّة على الخلاف بينهم، فلو حصر عنها أيضا تحلّل بالهدي، و ظاهر الآية عامّ و يؤيّده الأخبار الواردة (1) في الحصر و ما ورد من الأخبار الدالّة على وجوب العمرة على من فاته الحجّ لو سلّم صحّتها فالظّاهر أنّ المراد به في صورة الإفساد لا مطلقا و حينئذ فلا وجه لتخصيص الآية، بل و لا الأخبار الصحيحة لأنّ التّخصيص يتوقّف على كون دلالة اللّفظ على الفرد المخرج دلالة نصّية أقوى و أتمّ من دلالة العامّ عليه، و إلّا فلا وجه للتخصيص، و هو منتف هنا.

كذا قيل و فيه نظر إذ الظاهر أنّ الآية تدلّ على وجوب التحلّل بالهدي مع عدم الفوات كما قاله البعض، لا مع الفوات فانّ قوله «وَ لٰا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّٰى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ» من تمام سابقه، و المنع من الحلق حتّى يبلغ الهدي المبعوث محلّه يقتضي أنّ وجوبه إنّما يكون مع بقاء وقت يمكن فيه بعث الهدي، فمع فوات ذلك الوقت لا يجب الهدي، فيتمّ قول ذلك البعض بالتقيّد فتأمّل.

السادس:

لو لم يحلّ هذا المحصر و التحق بعد بعث الهدي فأدرك الوقوف المجزي وجب الحجّ قطعا و إن ذبح عنه، إن كان الحصر عن الحجّ، و لو كان عن العمرة فالظاهر أنّه كذلك أيضا. و لو فات الحجّ على ذلك التقدير و لم يذبح الهدي فالظّاهر من الأصحاب وجوب التحلّل بالعمرة المفردة.

و قد يدلّ عليه صحيحة معاوية بن عمّار (2) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال أيّما قارن

____________

(1) انظر أبواب الإحصار و الصد في الوسائل من ص 292 الى ص 294 ط الأميري.

(2) انظر الفقيه ج 2 ص 284 الرقم 1394 و التهذيب ج 5 ص 294 الرقم 998 و الاستبصار ج 2 ص 307 الرقم 1095 و الكافي ج 1 ص 296 باب من فاته الحج الحديث 2 و هو في المرآة ج 3 ص 337 و في ألفاظ المشايخ الثلاثة تفاوت يسير و ما نقله المصنف بعض الحديث بلفظ الفقيه.

و انظر بسط الكلام في الحديث في المنتقى ج 2 ص 536 و ص 537 و الحديث في الوافي الجزء الثامن ص 159 و الوسائل الباب 27 من أبواب الوقوف بالمشعر الحديث 1 ص 346 ط الأميري.

155

أو مفرد أو متمتّع قدم و قد فاته الحجّ فليحلّ بعمرة و عليه الحجّ من قابل، و على هذا فيخصّص عموم الآية بهذه الرواية، و يمكن عكس الأمر بأن يخصّص هذه الرّواية بغير المحصر نظرا إلى ظاهر الآية و أخبار الحصر.

و يؤيّد ذلك ما رواه داود الرقّى (1) قال كنت مع أبي عبد اللّه (عليه السلام) بمنى إذ جاءه رجل فقال إنّ قوما قدموا و قد فاتهم الحجّ فقال نسأل اللّه العافية أرى أن يهريق كلّ واحد منهم شاة و يحلق، و عليه الحجّ من قابل، إن انصرفوا إلى بلادهم و إن أقاموا

____________

(1) انظر الفقيه ج 2 ص 284 الرقم 1395 و التهذيب ج 5 ص 295 الرقم 100 و الاستبصار ج 2 ص 307 الرقم 1097 و الكافي ج 1 ص 296 باب من فاته الحج الحديث 1 و هو في المرآة ج 3 ص 337 و قال في شأن الحديث: مختلف فيه و نقله في المنتقى عن الشيخ ج 2 ص 540 ثم قال و ردوه بضعف سند الرواية لتعارض الجرح و التعديل في حق داود و رجحان الجرح.

ثم قال و أنت خبير بأن صحة هذا الخبر على رأيهم و تضمنه في رواية الصدوق لذبح الشاة و هي أقرب الى الضبط تقتضي قوة القول بالوجوب، و ضعف التعلق في نفسه بعدم صحة روايته انتهى.

و يريد صاحب المعالم من الخبر الصحيح عندهم حديث ضريس المروي في الفقيه ج 2 ص 243 الرقم 1160 و التهذيب ج 5 ص 295 الرقم 1001 و الاستبصار ج 2 ص 308 الرقم 1098 المصرح في لفظ الفقيه وجوب ذبح الشاة الموافق لمفاد حديث داود الرقي في ذلك.

ثم الرجل قال الساروى في توضيح الاشتباه ص 151 الرقم 662 داود بن كثير بفتح الكاف الرقى بفتح الراء المهملة و تشديد القاف مختلف فيه.

و الرقى بفتح الراء المهملة و تشديد القاف على ما في اللباب ج 1 ص 473 و الأنساب للسمعاني ج 6 ص 156 الرقم 1807 و الإكمال لابن مأكولا ج 4 ص 85 منسوب إلى الرقة و هي مدينة على طرف الفرات مشهورة بها من الجزيرة قال الحموى في معجم البلدان ج 3 ص 59 ط بيروت بينها و بين حران ثلاثة أيام.

و اختلف علماؤنا في هذا الرجل فذكره الشيخ في الفهرست ص 93 بالرقم 283 من دون ذكر مدح و قدح، و كذا في أصحاب الإمام الصادق في رجاله ص 190 بالرقم 9 و سرده في أصحاب الإمام الكاظم ص 349 و وثقه و روى الكشي في رجاله ص 344 و 347 ما يدل على وثاقته أتم الوثاقة و فيه أنه عاش الى وقت الرضا (عليه السلام).

و سرده المفيد (قدّس سرّه) في الإرشاد في ثقات أصحاب الكاظم ص 285 و سرده العلامة في الخلاصة في القسم الأول ص 67 الرقم 1 و قوى وثاقته بعد الترديد أولا، الا أنه ضعفه في إيضاح الاشتباه و قوى العلامة البهبهاني في حواشيه الرجالية على ص 137 منهج المقال وثاقته و سرده الشيخ محمد طه نجف في إتقان المقال في الثقات ص 59.

و ضعفه النجاشي ص 119 ط المصطفوى و كذا المنقول عن ابن الغضائري بل يتراءى أيضا من رجال ابن داود ص 452 الرقم 173 ففيه قال احمد بن عبد الواحد قل ما رأيت له حديثا سديدا و الذي يتقوى عندي هو ما اختاره العلامة البهبهاني من وثاقته لمكان رواية مثل ابن أبى عمير و ابن محبوب عنه و كثرة الروايات عنه و كون رواياته مفتى بها في كتب الأصحاب و توثيق المفيد و هو عارف ثقة.

ثم الرجل فيه ذكر في كتب أهل السنة أيضا انظر التقريب لابن حجر ج 1 ص 234 الرقم 37 نثر النمنكانى و الجرح و التعديل لابن ابى حاتم القسم الثاني من المجلد الأول ص 423 الرقم 1928 و ميزان الاعتدال ج 2 ص 19 الرقم 2643 عدوه مجهولا نعم حكى في ميزان الاعتدال عن ابن حبان انه من الثقات و عده ابن حجر من الطبقة الثامنة.

ثم الحديث في الوافي الجزء الثامن ص 160 و الوسائل ج 2 ص 346 ط الأميري الباب 27 من أبواب الوقوف بالمشعر الحديث 3.

156

حتّى يمضي أيّام التشريق بمكّة ثمّ خرجوا إلى وقت أهل مكّة فأحرموا منه و اعتمروا فليس عليهم الحجّ من قابل. لدلالتها على عدم وجوب العمرة عليهم على التعيين، فيمكن حملها على المحصر جمعا بين الأدلّة، لكن في متنها شيء لا يخفى فتأمّل.

السابع:

لو لم يتحلّل و لحق بأصحابه و قد فاته الحجّ لكن ذبح عنه هديه قال في الدروس ففي الاجتزاء به أو التحلّل بالعمرة وجهان، قلت لعلّهما ناظران إلى ظاهر

157

الآية المقتضى للتحلّل بما استيسر من الهدي، و إلى أنّ المقتضى للتحلّل مع فوات وقت الحجّ هو العمرة المفردة، و لا يبعد ترجيح الأوّل لظاهر الآية و لصحيحة زرارة (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) «و إن قدم مكّة و قد نحر هديه فانّ عليه الحجّ من قابل و العمرة، قلت فان مات قبل أن ينتهي إلى مكّة قال إن كانت حجّة الإسلام يحجّ عنه و يعتمر، فإنّما هو شيء عليه» لدلالتها علي أنّه متى قدم بعد فوات الحجّ و حصول الذّبح لم يكن عليه شيء إلّا الحجّ مع العمرة في القابل، إذ لم يتعرّض في ذلك لما يجب عليه الآن، فلو وجب عليه شيء آخر، لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، و لا يرد جواز أن يكون المراد يجب عليه الحجّ من قابل و العمرة الآن للتحلّل. لأنّ تتمّة الرّواية صريحة فيما قلناه فتأمّل.

الثامن:

قد يدّعى أنّ الظاهر من الآية الإحصار عن إتمام الأفعال بمعنى أنّه لم يأت بالحجّ و لا بالعمرة تامّين و مقتضى ذلك ثبوت أحكام الحصر فيما يضرّ تركه عمدا كطواف الزّيارة و نحوه ممّا يبطل [الحجّ] عمدا لا نحو مناسك منى و طواف النّساء لعدم فوات الحجّ به، و إن تعمّد.

و فيه نظر فانّ الظاهر من الآية، المنع عمّا يحصل الحجّ أو العمرة به و يتحقّق فواتهما بفواته، كالموقفين أو أحدهما إذا استلزم فوت الآخر، و متى حصل أحدهما لم يثبت حكم الحصر، و يؤيّد ذلك ما قاله الأصحاب إنّه إذا مرض بعد الموقفين طيف به إن أمكن، و إلّا استناب من يطوف عنه، و أيضا إبطال الحجّ بعد تحقّق الموقفين اللّذين هما العمدة و المدار في حصول الحجّ و فواته، و إيجاب هدي آخر و الطواف، لإباحة النّساء خلاف الأصل، و بعيد عن الشريعة السمحة السهلة، فعلى هذا لو أحصر عن عرفة فحصل له وقوف المشعر أو العكس لم يجب عليه شيء للإحصار.

و يؤيّد ذلك الأخبار (2) الدّالّة على إدراك الحجّ بإدراك أحد الموقفين، و صحيحة

____________

(1) راجع الوسائل أبواب الإحصار و الصد الباب 3 تحت الرقم 1.

(2) تجدها خلال أبواب الوقوف بعرفات و أبواب الوقوف بالمشعر من الوسائل.

158

الفضل بن يونس (1) قال سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل عرض له سلطان فأخذه ظالما له يوم عرفة قبل أن يعرّف فبعث به إلى مكّة فحبسه، فلمّا كان يوم النّحر خلّى سبيله كيف يصنع؟ قال يلحق فيقف بجمع ثمّ ينصرف إلى منى فيرمي و يحلق و يذبح و لا شيء عليه قلت فان خلّى عنه اليوم الثّاني كيف يصنع؟ قال: هذا مصدود عن الحجّ، فان كان دخل متمتّعا بالعمرة إلى الحجّ فليطف بالبيت أسبوعا و يسعى أسبوعا و يحلق رأسه و يذبح شاة، و إن كان دخل مكّة مفردا فليس عليه ذبح و لا حلق.

و هذه و إن كان في الصدّ لكنّ الظاهر عدم الفرق بينهما في ذلك، إذ مقتضاها

____________

(1) انظر التهذيب ج 5 ص 465 الرقم 1623 و الكافي ج 1 ص 267 باب المحصور و المصدود الحديث 8 و هو في المرآة ج 3 ص 310 و جعله المجلسي من الموثق و لفظ الكافي مكان «و لا حلق» «و لا شيء عليه» و الحديث في الوافي الجزء الثامن ص 121 و في الوسائل الباب 3 من أبواب الإحصار و الصد الحديث 3 ص 293 ج 2 ط الأميري.

و تصحيح المصنف لهذا الحديث مبنى على سكوت النجاشي عن وقف الفضل بن يونس و حكمه بأنه ثقة له كتاب انظر ص 237 ط المصطفوى و أما الشيخ فسرده في رجاله ص 357 الرقم 2 في أصحاب الكاظم و قال الفضل بن يونس الكاتب أصله كوفي تحول الى بغداد مولى واقفي و ذكره في الفهرست ص 151 الرقم 565 و لم يذكر له مدحا و لا قدحا.

و سرده العلامة أيضا في الخلاصة في القسم الثاني من الضعفاء ص 246 ط النجف و حكم بأنه واقفي مع نقله توثيق النجاشي إياه و نقل أبو على في منتهى المقال عن كتاب المشتركات أنه واقفي و قال العلامة البهبهاني في حواشيه الرجالية على منهج المقال ص 261 و الحكم بوقفه لا يخلو عن شيء و اكتفى في زبدة البيان ص 246 ط المرتضوي بذكر توثيق النجاشي، و سرده محمد طه نجف في إتقان المقال في القسم الثقات ص 109 و في الضعفاء ص 335 ثم قال: و الأقوى عندي وثاقته كما مر، بل في إهمال النجاشي ذكر وقفه يستشم منه توقفه في وقفه أو نفيه انتهى.

و حكم بوثاقته أيضا المجلسي و يظهر من السبزواري توقفه في وقفه، و قال المحقق في المعتبر ص 136 ط 1315 مسئلة آخر وقت الظهر و أما خبر الفضل فضعيف لأنه واقفي و مقصوده من خبر الفضل ما رواه من عدم وجوب قضاء الظهر على الحائض التي تطهر بعد مضى أربعة أقدام، المروي في التهذيب ج 1 ص 389 الرقم 1199 و الاستبصار ج 1 ص 142 بالرقم 485 و الكافي ج 1 ص 29 باب المرأة تحيض بعد دخول وقت الصلاة الحديث 1 الموجود في المرآة ج 3 ص 44 و هو في الوسائل الباب 49 من أبواب الحيض الحديث 2 و في الحدائق ج 6 ص 120 و رده صاحب المدارك ص 117 بأنه واقفي.

ثم في زبدة البيان ص 247 عند التكلم في الحديث مباحث مفيدة لا يمكننا الصفح عن نقلها قال (قدّس سرّه): و في هذا الخبر فوائد:

الاولى عدم تحقق الصد إذا كان محبوسا بالحق و ذلك يفهم من قوله «ظالما له» بالمفهوم و ذكره الأصحاب أيضا و يدل عليه العقل و النقل أيضا و هو ظاهر.

الثانية إدراك الحج بإدراك المشعر اضطراريا كان أو اختياريا، لظاهر يوم النحر فإنه يصدق على ما قبل طلوع الشمس و بعده، مع أنه سكت عن التفصيل، بل الظاهر الاضطراري لأن الغالب ان المطلق عن الحبس يوم النحر ما يصل الى المشعر قبل طلوعها.

الثالثة عدم تحقق الصد بالمنع عن عرفة فقط مع تيسر المشعر.

الرابعة تحققه إذا اخرج من الحبس بعد فوت المشعر.

الخامسة أنه لو كان بعد التعريف أيضا لم يكن مصدودا لقوله قبل ان يعرف بل يكون حجة مجزيا بإدراك عرفة وحدها أيضا مطلقا.

السادسة وجوب الذبح و الحلق مع العمرة.

السابعة عدم وجوب كفارة بفوت منسك بغير الاختيار.

الثامنة ان الواجب على المصدود بعد العمرة المتمتع بها عن حج التمتع على الظاهر هو العمرة المفردة لكن مع وجوب الذبح أيضا و تعين الحلق و ذلك غير ظاهر من كلام الأصحاب، و يمكن حمل الذبح على الاستحباب و على كونه هدى التمتع الواجب، و حمل الحلق على الاستحباب أو على كون الحاج صرورة لوجود ما ينافيه من جواز التقصير أيضا على ما ذكره الأصحاب.

التاسعة يمكن استفادة وجوب التحلل بالعمرة إذا لم يتحلل بالهدي و فات الحج في المحصور أيضا، كما يقوله الأصحاب قياسا على المصدود.

العاشرة أن الواجب هو العمرة فقط من دون الذبح و الحلق إذا كان مصدودا عن الحج المفرد، أو عدم وجوب شيء أصلا إذا كان مفردا كما يدل عليه ظاهر الكافي بل قوله في التهذيب «و لا حلق» إذ لو كان عليه عمرة لكان عليه الحلق و لو تخييرا بينه و بين التقصير الا أن يقال: المراد نفى التعيين فيفهم حينئذ القول بالتعيين في الإحلال عن حج التمتع و لا يقول به أحد على الظاهر فتأمل.

الحادية عشر انتقال إحرام الحج إلى إحرام العمرة، من غير قصد و احتياج الى النقل كما

هو مذهب البعض.

الثانية عشر أنه يفهم عدم وجوب طواف النساء في هذه العمرة فتأمل.

انتهى ما أردنا نقله من زبدة البيان.

159

إدراك الحجّ بإدراك المشعر اختياريّا كان أو اضطراريا لظاهر إطلاق يوم النحر، فإنّه يصدق على ما قبل طلوع الشّمس و بعده، و ترك الاستفصال أمارة العموم، بل قد يدّعى أنّ المراد هنا الاضطراريّ لأنّ الغالب أنّ المطلق من الحبس يوم النحر لا يصل إلى المشعر قبل طلوعها.

التاسع:

هل لهذا الهدي بدل كهدي التمتّع أم لا بدل له حتّى أنّه لو لم يجده كان باقيا على إحرامه إلى أن يجده؟ نقل الشهيد في الدروس الثّاني عن الشيخ، و نقل عن ابن الجنيد خلافه، و أنت خبير بأنّ ظاهر الآية مع الشيخ، حيث دلّ على المنع من الحلق إلّا ببلوغ الهدي محلّه، و إلّا لم يكن الغاية غاية، و لكن لزوم الحرج

160

و الضيق المنفيّ و كونه (صلّى اللّه عليه و آله) بعث بالشريعة السّمحة السّهلة، قد يدلّ على قول ابن الجنيد.

و يؤيّده حسنة معاوية بن عمّار (1) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: في المحصور و لم يسق هديا قال: ينسك و يرجع، فان لم يجد ثمن هدي صام، لظهور أنّ المراد من

____________

(1) الفقيه ج 2 ص 305 الرقم 1514 و هو في الكافي باب المحصور و المصدود الحديث 5 ج 1 ص 267 و هو في المرآة ج 3 ص 309 و لفظ المصنف كالكافي و روى في المنتقى حديث الفقيه ج 2 ص 603 و حديث الكافي ص 607 و الحديث في الوافي الجزء الثامن ص 120 و في الوسائل ج 2 ص 293 ط الأميري.

161

النسك ذبح الهدي، فكأنّه قال يذبح و يرجع، و إن لم يجد هديا و لا ثمنه صام بدله و نحوه روى ابن بابويه عنه في الصّحيح و لا بأس بالمصير إليه.

و ما الواجب في الصوم حينئذ؟ يحتمل عشرة لأنّه بدل الهدي و يكون إطلاق الصوم في الأخبار إشارة إليه، و يحتمل ثلثة أيّام، و يحتمل ما يصدق عليه الصوم مطلقا من غير تعيين لصدق الصوم، و أصالة عدم الزيادة و لكن الاحتياط في الأوّل و أحوط منه البقاء إلى أن يتحقّق الهدى أو يأتي بأفعال ما أحرم له و يحتمل الانتقال إلى العمرة المفردة كما يقوله الأصحاب فيمن فاته الحجّ و لا يخفى ما فيه.

العاشر:

حيث بيّنا حكم الآية في المحصر بالمرض فالمصدود بالعدوّ حكمه عند أصحابنا أن يذبح مكانه حلا كان أو حرما و قد اتّفق العامّة و الخاصّة على أنّه (عليه السلام) ذبح أو نحر بالحديبية لمّا صدّه المشركون، و هي من الحلّ، و قول صاحب الكشاف أنّ الذبح طرف الحديبية الّذي إلى أسفل مكّة و هو من الحرم غير واضح، و قد نقل الطبرسيّ في مجمع البيان (1) عن مالك أنّ الحديبيّة ليست من الحرم.

و قد روي أنّ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) نحر هديه عند الشجرة (2) الّتي كانت تحتها بيعة الرضوان و هي من الحلّ باتّفاق أهل النقل، و يؤيّد ما نقوله قوله تعالى «هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ وَ الْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ» (3) فإنّها صريحة

____________

(1) انظر المجمع ج 1 ص 290 الا أن مراد صاحب المجمع غير ما افاده المصنف و انما أراد الطبرسي النقل عن مالك أن محل الذبح الموضع الذي يصد فيه لا كون الحديبية من الحل أو الحرم فراجع.

و في معجم البلدان ج 2 ص 229 ط بيروت: و بعض الحديبية في الحل و بعضها في الحرم و هو أبعد الحل من البيت و ليس هو في طول الحرم و لا في عرضه بل هو مثل زاوية الحرم فلذلك صار بينها و بين المسجد أكثر من يوم و عند مالك بن انس أنها جميعها من الحرم.

(2) انظر تفسير الطبري ج 2 ص 97 و سنن البيهقي ج 5 ص 217 و 218.

(3) الفتح: 27.

162

في أنّهم نحروا الهدي في غير الحرم فتأمل.

و الأخبار الواردة عن أئمّة الهدى (صلوات اللّه عليهم) وقعت مطلقة في ذبح المصدود مكانه روى معاوية بن عمّار (1) في الصّحيح عن الصادق (عليه السلام) قال المحصور و المصدود ينحران بدنتيهما في المكان الّذي ينظران فيه. و قد تقدّم المعارضة في المحصور فيبقى حكم المصدود.

و روى حمران (2) عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: إنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) حين صدّ بالحديبية قصّر و أحلّ و نحر أي أوقع هذه الثلثة، و فيها دلالة على وجوب التقصير على المصدود كما اختاره الشّهيد، و خيّر بينه و بين الحلق، إلّا أنّ الرّواية غير معلومة الصّحة.

و صحيحة معاوية بن عمّار (3) الواردة في بيان فعله (صلّى اللّه عليه و آله) يوم الحديبية مشتملة

____________

(1) لفظ الفقيه في ج 2 ص 305 بالرقم 1513 هكذا:

و قال الصادق (عليه السلام) المحصور و المضطر ينحران بدنتيهما في المكان الذي يضطران فيه و في بعض النسخ ينظران فيه (خ) و الحديث في الوافي الجزء الثامن ص 121 و الوسائل ج 2 ص 293 ط الأميري.

(2) الكافي باب المحصور و المصدود الحديث 1 ج 1 ص 293 و هو في المرآة ج 3 ص 308 قال المجلسي ضعيف على المشهور، و لذلك قال المصنف أيضا الا أن الرواية غير معلومة الصحة، لكنك قد عرفت الكلام في سهل في المجلد الأول من هذا الكتاب في مواضع منه فراجع و الحديث في الوافي الجزء الثامن ص 121 و الوسائل الباب 6 من أبواب الإحصار و الصد الحديث 1 ج 2 ص 293 ط الأميري.

(3) انظر الفقيه ج 2 ص 306 الرقم 1517 و التهذيب ج 5 ص 424 الرقم 1472 و أورده في المنتقى ج 2 ص 605 و بين مواضع اختلاف ألفاظ الحديث و الظاهر أن في النسخة المطبوعة بالنجف من الفقيه في لفظ الحديث غلطا إذ فيه «فان رسول اللّه» و الذي نقل عن الفقيه في المنتقى «و ان رسول اللّه» بالواو و حسن في المنتقى نسخة الفقيه قال لان الحكم مستقل بنفسه فقطعه عما قبله اولى و الحديث في الوسائل الباب 9 من أبواب الإحصار و الصد الحديث 5 ج 2 ص 294 و في الوافي الجزء الثامن ص 192.

163

على النحر و الإحلال من غير تعرّض لشيء من الحلق أو التقصير فيمكن القول بعدم وجوب شيء منهما عملا بمقتضى الأصل، و فعله (عليه السلام) غير واضح في الوجوب خصوصا مع قيام الدّليل على العدم و الاحتياط لا يترك، و يمكن حمل الآية على ما يعمّ المصدود بالعدوّ أيضا بأن يراد من الإحصار المنع مطلقا بالعدوّ أو المرض، و قد صرّح الطبرسيّ في مجمع البيان بذلك حيث قال: و قوله تعالى «فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ» فيه قولان أحدهما معناه إن منعكم خوف أو عدوّ أو مرض فامتنعتم لذلك عن ابن عباس و مجاهد و قتادة و عطا و هو المرويّ عن أئمتنا (عليهم السلام).

و هذه دعوى عارية عن الدلالة إذ أخبار أئمّتنا (عليهم السلام) ما ذكرناها سابقا، و لعلّه نظر إلى بعض الأخبار المشتملة على تسوية الحكم بين الصدّ و الحصر من غير نظر إلى المعارض في الصدّ على ما عرفت و مع تسليم ذلك فيكون وجوب ما استيسر من الهدي متعلّقا بكلّ منهما، و يكون وجوب البعث و الصبر إلى أن يبلغ الهدي محلّه مخصوصا بالمرض كما ذهب إليه الأكثر، لقيام الأدلّة على ذبح المصدود مكانه.

و أخذ أبو الصّلاح بظاهر العموم فأوجب بعث هدى المصدود أيضا كالمحصر و جعله الشيخ في الخلاف أفضل و هو من البعد بمكان كما بعد قول ابن إدريس بإسقاط الهدي عن المصدود نظرا إلى أنّ الأصل براءة الذمّة، و قوله «فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ» إنّما يتناول الإحصار بالمرض دون غيره، و وجه البعد تظافر الأدلّة بوجوبه عليه أيضا كما نقل عن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) أنّه ذبح بالحديبية و غير ذلك من الأخبار و عموم الآية إن حملنا الحصر على المنع مطلقا.

نعم لا يختصّ بموضع دون موضع كما يذهب إليه الحنفيّة من وجوب ذبحه في الحرم إن كان و إلّا بعث به إليه، لأنّه بعيد على ما عرفت، فانّ مقتضى الأدلّة أنّ التحلّل بالذبح ففي أيّ موضع أراده تحلّل بل في صحيحة معاوية دلالة على جواز الذبح بعد الرّجوع إلى منزله في المحصور، و هو يقتضي جواز ذلك في المصدود بطريق أولى فلا يبعد جواز الذبح في منزله أيضا.

و لو اجتمع الصدّ و الإحصار في موضع واحد، فقد رجّح الشهيد في الدروس

164

تغليب الصدّ لزيادة التحلّل به، فانّ النساء يحللن بذبح هديه أيضا كما عرفت أنّه به يحلّ من جميع محرّمات الإحرام، و لا كذا الحصر، فإنّه لا يحلّ به من النّساء و حاصله أنّه أقوى في التّأثير فيكون مقدّما.

و فيه نظر إذ هو خلاف الاحتياط مع وجود المانع من هذا التحلّل و هو الإحصار الموجب للبقاء على حرمة النّساء كما عرفت.

قال و يمكن التخيير و يظهر الفائدة في الخصوصيّات و فيه بعد لوجود موجب البعث و عدم تحلّل النّساء حتّى يطوف فعدم الالتفات إليه و العمل بالآخر لا يخلو من إشكال.

ثمّ قال: و الأشبه جواز الأخذ بالأخفّ من أحكامهما أي أحكام كلّ منهما بمعنى أنّه يعمل بالأخفّ من أحكام الصدّ و بالأخفّ من أحكام الحصر فيعمل بهما معا و هو في الحقيقة ترجيح للصدّ، إذ لا أخفّ في أحكام الحصر فإنّها وجوب البعث و البقاء على حكم الإحرام إلى أن يبلغ الهدي محلّه، و عدم التحلّل من النّساء حتّى يطوف و يسعى، و الصدّ على الخلاف من هذه الأحكام، و قد عرفت الإشكال في اختياره مع حصول موجب هذه الأحكام.

ثمّ قال و لا فرق بين عروضهما معا أو متعاقبين، نعم لو عرض الصدّ بعد بعث المحصور أو الإحصار بعد ذبح المصدود، و لمّا يقصّر فترجيح جانب السّابق أقوى انتهى.

و فيه شيء و الأحسن أن نقول إن حصل أحدهما بعد التحلّل من الأوّل فالظاهر الاكتفاء به و عدم وجوب شيء آخر عليه للطّارى، لزوال حكم الإحرام، و يحتمل ضعيفا وجوب الحلق أو التقصير إذا لم يفعلهما في الأوّل كما لو كان هو الصدّ و لم يوجب أحدهما فيه.

و إن حصلا معا فان قلنا بجواز الذبح في مكان المنع بالنسبة إلى كلّ منهما احتمل وجوب اختيار حكم الحصر فيتحلّل بالحلق أو التقصير، بعد بعث الهدى، لدخوله في الآية قطعا و دخول أفعال الصدّ فيه، و الاحتياط. و يحتمل وجوب أحكامهما معا نظرا إلى تعدّد الموجب و هذا أولى إن قلنا بتعيّن البعث في الإحصار و الذبح مكانه في الصدّ و لا شكّ أنّه أحوط.

165

و لو شرع في أحدهما فعرض الآخر في الأثناء أو عرض قبل الشروع في الآخر احتمل ما تقدّم و لا يبعد وجوب العمل بالأوّل لسبقه و استقرار المنع به، و عدم ظهور ثبوت أحكام الآخر لأنّه ممنوع بالأوّل فلا يتحقّق المنع في الثاني إذ المريض الّذي لا يقدر على الذّهاب إلى الحجّ مثلا إذا حصل له عدوّ يمنعه على تقدير برئه لا يقال إنّه منعه العدوّ و هو ظاهر، و تمام الأحكام يطلب من الفروع.

«فَمَنْ كٰانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً» مرضا يحتاج فيه إلى الحلق لارتفاعه به أو عدم زيادته معه «أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ» بأن تأذّى بهوامّه، و إن لم يكن هناك مرض «فَفِدْيَةٌ» خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ حذف خبره تقديره فالواجب أو فعليكم فدية على تقدير الحلق لذلك العذر لا مطلقا و في إطلاق الفدية من غير تقييد بشرط الفعل إشعار بوجوب الحلق لدفع الضّرر فإنّه واجب.

ثمّ بين الفدية بقوله «مِنْ صِيٰامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ» فالصّيام ثلثة أيّام، و النسك شاة، و لا خلاف في ذلك بين العلماء، و في الأخبار دلالة عليه و إنّما اختلفوا في الصدقة فقيل إنّها ثلثة أصوع من طعام على ستّة مساكين لكلّ مسكين نصف صاع، و على هذا أكثر أصحابنا و هو المشهور فيما بينهم، و يدلّ عليه صحيحة (1) حريز عن أبى عبد اللّه (عليه السلام)

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 333 الرقم 1147 و الاستبصار ج 2 ص 195 الرقم 656 و السند فيهما عن موسى بن القاسم عن عبد الرحمن بن حماد عن حريز عن ابى عبد اللّه.

و فسر في الوسائل عند نقله الحديث عبد الرحمن يعنى ابن أبى نجران و رواه في المنتقى عن الشيخ ج 2 ص 406.

و رواه في الكافي ج 1 ص 263 الباب 94 العلاج للمحرم إذا مرض إذا أصابه جرح أو علة الحديث 2 عن حريز عمن أخبره عن ابى عبد اللّه و لذا قال في المرآة مرسل معتبر و رواه في الفقيه ج 2 ص 228 الرقم 1083 مع تفاوت و بدون قول أبى عبد اللّه.

و الحديث في الوافي الجزء الثامن ص 104 و الوسائل الباب 14 من أبواب بقية كفارات الإحرام الحديث 1 ج 2 ص 291 ط الأميري و روى مثله في العياشي مع تفاوت ج 1 ص 90 بالرقم 231 عن حريز عمن رواه و روى ذيله بالرقم 232 و رواهما في البحار ج 21 ص 41 و البرهان ج 1 ص 195 و روى مضمون الصدر في مستدرك الوسائل ج 2 ص 134 عن فقه الرضا و غوالي اللآلي.

و ترى مضمون الصدر في كتب أهل السنة انظر المنتقى بشرح نيل الأوطار ج 5 ص 12 و البيهقي ج 5 ص 55 و تفاسيرهم عند تفسير الآية كالدر المنثور ج 1 ص 213 و 214 و الطبري ج 2 ص 230 الى ص 234 و الكشاف ج 1 ص 141 و غيرها من تفاسيرهم.

قال ابن حجر في الفتح ج 4 ص 390: و في حديث لكعب بن عجرة من الفوائد ما تقدم ان السنة مبينة لمجمل الكتاب لإطلاق الفدية، و تقييدها بالسنة، و تحريم حلق الرأس على المحرم، و الرخصة له في حلقها إذا آذاه القمل أو غيره من الأوجاع. و فيه تلطف الكبير بأصحابه و عنايته بأحوالهم و تفقده لهم و إذا رآى ببعض اتباعه ضررا سأل عنه و أرشده إلى المخرج منه.

و استنبط منه بعض المالكية إيجاب الفدية على من تعمد حلق رأسه بغير عذر فإن إيجابها عن المعذور من التنبيه بالأدنى على الأعلى، و لكن لا يلزم من ذلك التسوية بين المعذور و غيره، و من ثم قال الشافعي و الجمهور لا يتخير العامد بل يلزمه الدم انتهى ما أردنا نقله.

166

قال: مرّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) على كعب بن عجرة الأنصاريّ و القمل يتناثر من رأسه فقال أ يوذيك هو أمّك؟ فقال: نعم فأنزل اللّه هذه الآية «فَمَنْ كٰانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيٰامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ» فأمره رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) بحلق رأسه و جعل عليه صيام ثلاثة أيّام و الصدقة على ستّ مساكين لكلّ مسكين مدّان، و النسك شاة الحديث. و نحوه نقل القاضي و صاحب الكشّاف، و زاد في الكشّاف و كان كعب بن عجرة الأنصاريّ يقول: في نزلت هذه الآية.

و يؤيّد ذلك ما رواه زرارة (1) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال إذا أحصر الرّجل

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 334 الرقم 1149 و الاستبصار ج 2 ص 196 الرقم 658 و الكافي ج 1 ص 267 باب المحصور و المصدود الحديث 6 و هو في المرآة ج 3 ص 309 و الوافي الجزء الثامن ص 120 و الوسائل الباب 14 من أبواب بقية كفارات الإحرام الحديث 3 ج 2 ص 291 ط الأميري.

167

فبعث بهديه فآذاه رأسه قبل أن ينحر هديه فإنّه يذبح شاة مكانه الّذي أحصر فيه أو يصوم أو يتصدّق على ستّة مساكين، و الصّوم ثلثة أيّام، و الصّدقة نصف صاع لكلّ مسكين.

و ذهب بعض علمائنا إلى وجوب إطعام عشرة مساكين لكلّ مسكين مدّ مستدلّا عليه برواية عمر بن يزيد (1) عن الصّادق (عليه السلام) قال قال اللّه تعالى في كتابه «فَمَنْ كٰانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيٰامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ» فمن عرض له أذى أو وجع فتعاطى ما لا ينبغي للمحرم إذا كان صحيحا فالصّيام ثلثة أيّام و الصّدقة على عشرة مساكين يشبعهم من الطّعام، و النّسك شاة يذبحها فيأكل و يطعم، و إنّما عليه واحد من ذلك.

و الشيخ في التهذيب جمع بين الرّوايتين بالتخيير بين إطعام الستّة لكلّ مسكين مدّان، و بين إطعام العشرة يشبعهم، فانّ التخيير طريق جيّد في الجمع بين الخبرين المختلفين، و لا يخفى أنّه لا دلالة في الخبر على كون الإطعام للعشرة كلّ واحد مدّا بل قدر شبعهم، و ذلك قد يزيد على العشرة أمداد، فلا وجه للاستدلال بها على ذلك إلّا أن يقال الغالب في شبع المسكين مدّ فيحمل الخبر عليه، و فيه بعد.

و يمكن أن يقال بالتخيير بين عدد المنفق عليهم، بمعنى جواز كونهم ستّة أو عشرة مع تعيين الاثنى عشر مدّا في الإطعام، فإن شبع العشرة قد يكون اثنى عشر مدّا.

هذا و يمكن أن يقال إنّ التخيير كيف كان إنّما يتمّ لو تكافأ السّند في الرّوايتين و هو غير ثابت هنا لعدم صحّة الأخيرة (2) و ندرة القائل بها، و ندرة ورودها أيضا إذ لم

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 333 الرقم 1144 و الاستبصار ج 2 ص 195 الرقم 657 و هو في الوافي الجزء الثامن ص 104 و الوسائل الباب 14 من أبواب بقية كفارات الإحرام الحديث 2 ص 291 ط الأميري.

(2) فان في سندها محمد بن عمر بن يزيد و هو مجهول.

168

ينقل في شيء من الكتب الأربعة سوى التهذيب (1) بخلاف الأوّل مع كثرة الاخبار بها فهي أشهر رواية و فتوى من الأخيرة و ذلك مرجّح للعمل بها إن لم يكن معيّنا له كما هو اختيار جماعة، على أنّ متن الأخيرة قد اشتمل على الأكل من الكفّارة للمكفّر و هو خلاف المعهود من مذهب الأصحاب.

لا يقال في سند الاولى عبد الرّحمن المشترك بين الثقة و الضّعيف، لأنّ الظاهر أنّه ابن أبي نجران الثقة على ما حقّقناه في غير هذا الموضع، و من ثمّ قطع العلّامة و الجماعة بصحّتها (2)، و لو قطع النّظر عن ذلك فهي راجحة على الأخيرة بالوجوه المذكورة و لا يذهب عليك أنّ الحكم الوارد هنا في الحلق مع المرض و الأذى كما اقتضاه نصّ الآية موجب لثبوته مع العمد بطريق أولى.

____________

(1) مقصود المصنف التهذيبان و الا فقد عرفت نقله في الاستبصار أيضا و الأصحاب يطلقون على الكتابين: التهذيب و الاستبصار لفظ التهذيبين على التغليب.

(2) انظر المنتهى ج 2 ص 814 و 815 عبر عن الحديث ب«ما رواه الشيخ في الصحيح عن حريز عن أبى عبد اللّه» و عبر في المختلف الجزء الثاني ص 115 ب«ما رواه حريز في الصحيح عن أبى عبد اللّه».

قال المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد: و الظاهر هو العمل بمضمون الاولى (يريد صحيحة حريز) لدعوى صحتها في المنتهى و ان كان فيه عبد الرحمن المشترك لكن يحتمل أنه الثقة لدعواها في المنتهى في مثل هذا السند كثيرا، و كأنه عرف كونه الثقة.

و يؤيّده الشهرة و كثرة الاخبار و ان كانت من طرق العامة مع عدم صحة الثانية (يريد رواية عمر بن يزيد) لوجود محمد بن عمر بن يزيد المجهول، و قلة القائل كما يفهم من المنتهى انتهى ما أردنا نقله.

قلت: و قد عرفت كثرة الاخبار في كتب أهل السنة من صحاحهم و تفاسيرهم بمضمون الصحيحة و لا يضر فيما نحن بصدده اختلاف الألفاظ في أخبارهم كما تجد التفصيل في الفتح من ص 283 الى ص 391 ففي بعضها إطلاق الصاع و في بعضها التقييد بالحنطة و في بعضها بالتمر و في بعضها بالطعام و في بعضها بالزبيب و غير ذلك من وجوه الاختلاف.

169

و قد نقل العلّامة في المنتهى إجماع علماء الأمصار على وجوب الفدية في حلق الرأس عمدا عالما، قال: و مستند الأذى هو النصّ، و غير الأذى لمفهوم الموافقة و هو جيّد.

قلت و يدلّ عليه أيضا صحيحة زرارة (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) من حلق رأسه أو نتف إبطه أو قلّم أظفاره إلى أن قال: و من فعله متعمّدا فعليه دم شاة، و الاقتصار على الشّاة لكونها أحد الأفراد الثّابتة بالنصّ في حلق الرأس فتأمّل، نعم بينهما فرق من جهة ثبوت الإثم و عدمه.

و اعلم أنّ ظاهر الآية أنّ وجوب الفدية مع المرض أو التأذّي على المحصر إذا بعث هديه قبل بلوغ محلّه، و يؤيّده رواية زرارة المتقدّمة و المفسّرون جميعا حملوها على الأعمّ من ذلك و جوّزوا الحلق معهما لمن كان محرما على العموم، نظرا إلى

____________

(1) الحديث ورد بوجهين و كأن المصنف خلط بين لفظي الوجهين فالأول ما رواه في التهذيب ج 5 ص 339 الرقم 1174 و الاستبصار ج 2 ص 199 الرقم 672 و الكافي ج 1 ص 264 باب المحرم يحتجم أو يقص ظفرا الحديث 8 و هو في المرآة ج 3 ص 307 و حكم المجلسي بصحته.

و لفظ الحديث عن زرارة عن ابى جعفر هكذا «من حلق رأسه أو نتف إبطه ناسيا أو ساهيا أو جاهلا فلا شيء عليه و من فعله متعمدا فعليه دم».

و الثاني ما رواه في التهذيب ج 5 ص 369 بالرقم 1287 عن زرارة عن أبى جعفر بهذا اللفظ: من نتف إبطه أو قلم ظفره أو حلق رأسه أو لبس ثوبا لا ينبغي له لبسه أو أكل طعاما لا ينبغي له أكله و هو محرم ففعل ذلك ناسيا أو جاهلا فليس عليه شيء و من فعله متعمدا فعليه دم شاة.

و أورد الحديث باللفظين في المنتقى ج 2 ص 427 و رواه في الفقيه أيضا مرسلا ج 2 ص 228 و ترى الحديث الأول في الوافي الجزء الثامن ص 102 و الثاني ص 96 و كليهما في الوسائل في الباب 10 من أبواب بقية كفارات الإحرام ج 2 ص 290 ط الأميري.

170

عموم اللّفظ، و يؤيّده سبب النزول في صحيحة حريز و هذا أولى لأنّ العبرة بعموم اللّفظ.

«فَإِذٰا أَمِنْتُمْ» أي كنتم في حال أمن و سعة قادرين على الحجّ غير محصورين و لا ممنوعين بالمرض و نحوه «فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ» فمن استمتع و انتفع متقرّبا إلى اللّه تعالى بالعمرة منتهيا في الانتفاع إلى التقرّب بالحجّ [و التمتّع بالعمرة إلى الحجّ هو أن يعتمر في أشهر الحجّ من الميقات و يقدم مكّة، و يأتي بأفعال العمرة و يحلّ منها ثمّ يقيم حلالا بمكّة حتّى ينشئ منها إحرام الحجّ و يحجّ من عامه] (1) فالاستمتاع بالعمرة المنتهى إلى الحجّ إمّا بناء على أنّ الانتفاع بالتقرّب بها إلى اللّه قبل الانتفاع بتقرّبه إليه تعالى بالحجّ، و إمّا بناء على أنّه إذا أحلّ من عمرته انتفع باستباحة ما كان محرّما عليه إلى أن يوقع الإحرام للحجّ.

«فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ» فعليه أو فالواجب دم استيسره من أصناف الهدي بسبب ذلك التمتّع يذبحه أو ينحره بمنى يوم النحر بعد الرمي، قبل الحلق أو التقصير على ما علم من الأدلّة. و لا خلاف في وجوب الهدي على المتمتّع كما هو الظاهر من الآية (2) إنّما الخلاف في كونه نسكا أو جبرانا فالمشهور بين علمائنا أنّه نسك أي عبادة

____________

(1) ما بين العلامتين من مختصات سن.

(2) و زاد في نسخة سن هنا ما يلى:

و قالت الشافعية انما يجب دم التمتع بخمس شرائط: أحدها أن يقدم العمرة على الحج و الثاني أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج و ان أتى بشيء من الطواف و لو شوطا واحدا ثم أكمل باقية في أشهر الحج في هذه السنة لم يلزمه الدم، و اعتبر أبو حنيفة في كونه متمتعا أن لا يأتي بأكثر الطواف قبل أشهر الحج الثالث أن يحج في هذه السنة فان حج في سنة أخرى لا يلزمه الدم لانه لم يوجد منه مزاحمة الحج و العمرة في عام واحد الرابع أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام لما سيجيء، الخامس أن يحرم بالحج من جوف مكة بعد الفراغ من العمرة فإذا عاد الى الميقات فأحرم بالحج لا يلزمه دم التمتع لان لزوم الدم لترك الإحرام من الميقات، و لم يوجد، و هذه الشروط عندنا شروط في أصل التمتع بحيث لا يتحقق بدونها فلو انتفى أحدها لم يكن متمتعا فلا يجب عليه دم.

171

مخصوصة لا تعلّق له بغيره كالطّواف و السّعي و غيرهما.

بل ادّعى الشيخ في الخلاف (1) عليه الإجماع و نسب الخلاف فيه إلى الشّافعيّة حيث زعموا أنّه جبران لما فات من إحرام الميقات فلا يجب عندهم إلّا بشرط أن لا يعود إلى الميقات، بأن يحرم من مكّة و يستمرّ عليه إلى أن يمضي إلى عرفات فلو عاد إلى ميقاته الّذي أنشأ العمرة منه، فأنشأ الإحرام بالحجّ من هناك فلا دم.

و قالوا: و كذا لو رجع إلى مثل مسافة ذلك الميقات فأحرم منه، و مقتضاه أنّ الإحرام بحجّ التمتّع من مكّة رخصة لا عزيمة و ذلك باطل عندنا، بل الظاهر كونه عزيمة و أنّ ميقات حجّ التمتّع مكّة لا غير كما بيّنّا، فيكون الهدي نسكا من المناسك و لدلالة الآيات غيرها على وجوب الأكل منه و هو إنّما يتمّ مع كونه نسكا لا جبرانا و إلى هذا يذهب الحنفيّة أيضا.

و ظاهر الآية إجزاء ما صدق عليه الهدي، و لكنّ الأصحاب اشترطوا فيه شروطا لأدلّة أوجبت تقييد الآية بها ككونه ثنيّا و هو من البقر و المعز ما دخل في الثّانية و من الإبل ما دخل في السادسة، و من الضّأن ما كمل له سبعة أشهر، و كونه تامّا فلا يجزى الأعور و لا المريض و لا الأعرج البيّن العرج، و لا الأجرب و لا مكسور القرن الداخل، و لا مقطوع الأذن، و لو قليلا، و لا الخصيّ و لا المجبوب و كونه سمينا بمعنى وجود الشحم على كليتيه و لو كان ذلك بالظنّ فلو ظهر خلافه لم يضرّ الخطأ المعلوم بعد الذبح، و نحو ذلك من الأمور. إلّا أنّ في أدلّة بعض هذه الأحكام قصورا فتقييد ظاهر الآية بمثله لا يخلو من بعد و الحقّ أنّ ظاهر الآية اقتضى العموم، فما لم يوجد الدّليل الصّالح للإخراج القاطع للعذر لم يخصّص به.

و كذا ظاهر الآية اقتضى وجوب الهدى الواحد عن المتمتّع الواحد و مع التعذّر الصّوم فالحكم بجواز اشتراك السّبعة أو السّبعين في الهدي الواحد إذا كان هناك ضرورة كما اختاره بعض الأصحاب و بإجزاء البقرة عن الخمسة إذا كانوا من أهل بيت واحد

____________

(1) الخلاف ج 1 ص 380 المسئلة 35 من مسائل الحج.

172

غير ظاهر الوجه، خارج عن منطوق الآية يحتاج إلى دليل قويّ يوجب التّخصيص.

و لو قيل إنّ قوله تعالى «فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ» يقتضي تحقّق التيسّر مع القدرة على البعض كما يتحقّق مع الكلّ، لقلنا هذا بعيد عن الظّاهر، إذ المتبادر من ذلك الهدي كملا [و المراد ما استيسر من أقسام الهدي] و أنّه لا يتحقّق مع التمكّن من بعضه. و في الأخبار الصّحيحة دلالة على ما قلناه أيضا و لعلّ الوجه فيما ذهبوا إليه وجود أخبار دلّت على إجزاء الهدي الواحد عن أكثر من واحد مع قلّة الأضاحي كما في حسنة حمران (1) قال: عزّت البدن سنة بمنى حتّى بلغت البدنة مائة دينار سئل أبو جعفر (عليه السلام) عن ذلك فقال اشتركوا فيها، قلت و كم؟ قال ما خفّ فهو أفضل، قلت عن كم تجزى؟ قال: عن سبعين، و نحوها من الأخبار الغير الصّريحة في كون المراد الاشتراك في الهدى الواجب إذ يجوز أن يكون المراد به الأضحيّة المستحبّة كما دلّ عليه صحيحة الحلبي (2) قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن النفر يجزيهم البقرة فقال أمّا الهدي فلا، و أمّا في الأضحى فنعم، و حينئذ فيحمل إطلاق الأخبار على ذلك على أنّها غير دالّة على وجوب الاشتراك في الهدي أقصاها أنّها تدلّ على جواز ذلك، فيمكن أن يكون واردا في محلّ الرّخصة لمكان الضرورة بمعنى أنّ هذه رخصة، لو عمل بها عامل لم يكن عليه شيء كما في سائر الرّخص، و حينئذ فالأصل هو الحكم الّذي دلّ

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 209 الرقم 703 و الاستبصار ج 2 ص 267 الرقم 948 و الكافي ج 1 ص 301 الباب 184 البدنة و البقرة عن كم تجزى الحديث 4 و هو في المرآة ج 3 ص 343 و الوافي الجزء الثامن ص 168 الوسائل الباب 18 من أبواب الذبح الحديث 11 ج 2 ص 354 ط الأميري.

(2) التهذيب ج 5 ص 210 الرقم 705 و الاستبصار ج 2 ص 268 الرقم 950 و الفقيه ج 2 ص 297 الرقم 1472 مع تفاوت يسير في الألفاظ و أورده في المنتقى ج 2 ص 550 بلفظ الفقيه و الحديث في الوافي الجزء الثامن ص 169 و الوسائل الباب 18 من أبواب الذبح الحديث 3 ج 2 ص 352 ط الأميري.

173

عليه ظاهر الآية، و الأخبار المانعة، و حيث يذبح الهدي يجب فيه النيّة لأنّه عبادة فاعتبرت فيه كما في غيره، و يجزى الاستنابة على المشهور للأصل، و كونه ممّا يدخله النيابة و ظاهر رواية علىّ بن أبي حمزة (1) عن أحدهما (عليهما السلام) قال أيّما امرأة أو رجل خائف أفاض من المشعر ليلا فلا بأس فليرم الجمرة ثمّ ليمض و ليأمر من يذبح عنه الحديث و لأنّ الظاهر أنّ المقصود هو الذّبح من أيّ فاعل كان، و لإشعار بعض الأخبار به مثل إجزاء ذبح الضالّ عن صاحبه مع قصده، فاندفع قول بعضهم بعدم الاجزاء. و يجب الأكل منه و يقسم على الوجه المتقدّم، و إطلاق الآية هنا مقيّد به.

«فَمَنْ لَمْ يَجِدْ» أي كلّ من وجب عليه الهدي للتمتّع، و لم يجد هديا «فَصِيٰامُ ثَلٰاثَةِ أَيّٰامٍ فِي الْحَجِّ» في أيّامه و هو تمام ذي الحجّة على ما دلّت عليه صحيحة رفاعة (2) و انعقد إجماعنا عليه، و هي و إن كانت مطلقة في التتالي و عدمه إلّا أنّ الإجماع على اعتبار التتالي في صومها إلّا في صورة خاصّة و هي ما لو فاته قبل يوم التروية، فإنّه يصوم يوم التروية و عرفة، و الثالث بعد العيد و أيّام التشريق و في الأخبار دلالة عليه و يؤيّده قراءة من قرأ «ثلثة أيّام متتابعات» (3) و إن كان الشاذّ لا حجّة فيه.

____________

(1) انظر التهذيب ج 5 ص 194 الرقم 644 و الاستبصار ج 2 ص 256 الرقم 904 و الكافي ج 1 ص 295 باب من تعجل من المزدلفة قبل الفجر الحديث 4 و ما نقله المصنف بعض الحديث و هو في الوافي الجزء الثامن ص 158 و الوسائل الباب 17 من أبواب الوقوف بالمشعر الحديث 4 ج 2 ص 343 ط الأميري.

(2) الاتية عن قريب.

(3) اخرج الحاكم في المستدرك ج 2 ص 276 عن أبى بن كعب أنه كان يقرئها «فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات» و قال هذا حديث صحيح الاسناد و لم يخرجاه و أقره الذهبي في التلخيص (مطبوع ذيل المستدرك) و قال صحيح.

و أخرجه في الدر المنثور ج 1 ص 216 عن الحاكم و في الكشاف أيضا ج 1 ص 242 ط دار الكتاب العربي و في قراءة أبي «فصيام ثلاثة أيام متتابعات» و في كنز العرفان ج 1 ص 298 يجب فيها التتابع و لذلك قرء شاذا متتابعات.

174

و استثنى ابن حمزة من وجوب التتالي صورة أخرى، و هي ما لو صام قبل يوم التروية و يومها و خاف إن صام عرفة عجز عن الدّعاء، فإنّه يجوز له الإفطار و يصوم بدله بعد أيّام التشريق، و أنكره ابن إدريس نظرا إلى أنّ الأصل التتابع، خرج عنه الصورة المجمع عليها فيبقى الباقي على الوجوب و هو جيّد.

و مقتضى الآية أنّ زمان الانتقال إلى الصّوم هو زمان تعذّر الهدي في محلّ وجوبه، و ذلك إنّما يكون بحضور زمان الذبح الّذي يجب إيقاعه فيه، و يؤيّده ما رواه الكلينيّ (1) عن أحمد بن عبد اللّه الكرخي قلت للرّضا (عليه السلام) المتمتّع يقدم و ليس معه هدي أ يصوم ما لم يجب عليه؟ قال: يصبر إلى يوم النّحر، فان لم يصب فهو ممّن لم يجد.

و لكن اتّفق الجميع على أنّ أفضل أوقاته أن يصوم سابع ذي الحجّة و ثامنه و تاسعه، إذا علم عدم الوجدان في محلّه، و قد دلّت على ذلك الأخبار الكثيرة روى رفاعة بن موسى في الصّحيح (2) قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المتمتّع لا يجد الهدي قال

____________

(1) انظر الكافي ج 1 ص 304 الباب 191 صوم المتمتع إذا لم يجد الهدى الحديث 16 و هو في الوافي الجزء الثامن ص 174 و الوسائل الباب 54 من أبواب الذبح الحديث 2 ج 2 ص 363 ط الأميري.

(2) الحديث رواه في التهذيب ج 5 ص 232 بالرقم 785 عن الحسين بن سعيد عن صفوان و فضالة عن رفاعة و كذا في الاستبصار ج 2 ص 280 بالرقم 995 نقله صاحب المعالم في المنتقى ج 2 ص 558 و بين مواضع الغلط في ألفاظه و رواه في التهذيب أيضا ج 2 ص 38 بالرقم 114 عن الكليني بألفاظ أصح.

و هو في الكافي ج 1 ص 304 باب صوم المتمتع إذا لم يجد الهدى الحديث 1 و هو في المرآة ج 3 ص 345 الا أن السند فيه: عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد و سهل بن زياد جميعا عن رفاعة بن موسى، و كذالك نقله عنه في التهذيب بالرقم 114.

قال صاحب المعالم بعد نقل الحديث: و الطريق غير متصل لانه رواه عن أحمد بن محمد و سهل بن زياد جميعا عن رفاعة بن موسى و أحمد بن محمد إنما يروى عن رفاعة بواسطة أو ثنتين و كذالك سهل الا أنه لا التفات الى روايته و الشيخ أورده في التهذيب أيضا بهذا الطريق غير الموضع الذي ذكر فيه ذلك و حكاه العلامة في المنتهى بهذا المتن و جعله من الصحيح و العجب من شمول الغفلة عن حال الاسناد للكل انتهى.

و قال المجلسي بعد جعله الحديث من الصحيح على الظاهر قال. الظاهر أن فيه سقطا إذ أحمد بن محمد و سهل بن زياد لا يرويان عن رفاعة لكن الغالب أن الواسطة اما فضالة أو ابن أبى عمير أو ابن فضال أو ابن أبى نصر و الأخير هنا أظهر بقرينة الخبر الاتى حيث علقه عن ابن أبى نصر و يدل على تقدم ذكر.

و الحديث في الوافي الجزء الثامن ص 175 و في الوسائل الباب 46 من أبواب الذبح الحديث 1 ج 2 ص 361 ط الأميري.

ثم الحصبة بفتح الحاء و سكون الصاد و يقال المحصب بميم مضمومة ثم حاء ثم صاد مشددة مهملتين مفتوحتين ثم باء موحدة شعب بين مكة و منى مخرجه الأبطح سمى به لاجتماع الحصباء فيه، و الحصباء كالحصبة واحدته الحصبة بفتحتين الحجارة و الحصى، و يقال للنزول بالمحصب التحصيب و قد نزل فيه رسول اللّه (ص) كما سيأتي و من ثم أضيف يوم النفر إليه في الحديث.

و سمى المكان أبطح لأن الماء ينبطح فيه، أى يذهب يمينا و شمالا و يضاف الأبطح إلى مكة و منى، لان المسافة بينه و بينها واحدة و ربما كان الى منى أقرب.

قال في الوافي: و يستفاد من هذا الحديث و ما في معناه مما يأتي جواز صيام يوم الثالث عشر في هذه الصورة، و لا بأس فيخص المنع من صيام أيام التشريق بغيرها كتخصيص منع الصيام في السفر بغير الثلاثة الأيام الا أنه يأتي ما ينافيه و يظهر من كلام بعض أهل اللغة أن يوم الحصبة اليوم الرابع عشر و لا يلائمه هذه الاخبار انتهى.

175

يصوم قبل التروية بيوم و يوم التروية و يوم عرفة، قلت فان قدم يوم التروية؟ قال: يصوم ثلثة أيّام بعد التشريق، قلت فإن لم يقم عليه جمّاله قال يصوم يوم الحصبة و بعدّه يومين، قلت و ما الحصبة قال يوم نفره، قلت يصوم و هو مسافر؟ قال نعم أ ليس هو يوم عرفة مسافرا إنّا أهل بيت نقول ذلك لقوله تعالى «فَصِيٰامُ ثَلٰاثَةِ أَيّٰامٍ فِي الْحَجِّ» يقول في ذي الحجّة و نحوها من الأخبار المعتبرة الاسناد الدّالّة على جواز الصّوم تلك الأيّام.

176

و العلّامة في المنتهى بعد أن حكم بأنّ وقت وجوب الصّوم هو وقت وجوب الهدي أورد سؤالا بأنّه كيف جاز الانتقال إلى البدل قبل زمان المبدل مع عدم تحقّق العجز عنه؟ و أجاب بأنّ مبنى التّجويز على ما هو الظاهر من حال المعسر و استمرار إعساره.

قلت: بعد ثبوت الحكم بالأخبار لا حاجة إلى هذا الاعتبار، إلّا أنّه كالمؤيّد لها فتأمّل.

و لا يجب الصّوم في الأيّام المذكورة بل يجوز له التأخير عنها كما صرّحت به صحيحة ابن سنان (1) عن الصادق (عليه السلام) قال سألته عن رجل لم يجد هديا قال فليصم ثلثة أيّام ليس فيها أيّام التّشريق، و لكن يقوم بمكّة حتّى يصومها الحديث، و هل يجوز صومها من أوّل شهر ذي الحجّة بعد التلبّس بإحرام العمرة؟ قيل نعم، و هو ظاهر الشيخ في النهاية و المبسوط و الخلاف فإنّه صرّح فيها بأنّه قد وردت رخصة في جواز تقديم الصّوم للثلثة من أوّل ذي الحجّة و نحوه قال في التهذيب إلّا أنه قال بعد ذلك و العمل على ما رويناه أوّلا، و أراد به عدم التقديم.

و أنكر ابن إدريس التقديم بل ظاهر كلامه يعطي الإجماع على عدم جواز الصّوم قبل اليوم السابع، و الحق أنّ الرّواية الدّالّة على التقديم أوّل الشهر ضعيفة مع أنّها مطلقة في جواز الصّوم، و إن لم يتلبّس بالإحرام، و هو خلاف الإجماع، إذ هو بمثابة تقديم الواجب على سببه.

نعم بين الأصحاب اختلاف في جوازه بعد إحرام العمرة، و ظاهر بعضهم الجواز، لصدق التلبّس بالحجّ و الشّروع فيه معها، و لأنّه يستحبّ الصّوم يوم السّابع و تاليه و الإحرام بالحجّ إنّما يستحبّ يوم التروية فيكون الصّوم مقدّما على الحجّ، و ظاهر بعضهم أنّه لا يجب قبل إحرام الحجّ و النّزاع كاللفظيّ فانّ التلبّس

____________

(1) النظر التهذيب ج 5 ص 228 الرقم 774 و الاستبصار ج 2 ص 276 الرقم 983 و للحديث تتمة و أورد الحديث في المنتقى ج 2 ص 557 و هو في الوافي الجزء الثامن ص 176 و الوسائل الباب 51 من أبواب الذبح الحديث 1 ج 2 ص 362 ط الأميري.

177

بالحجّ يحصل بالتلبّس بالعمرة للارتباط بينهما لكن لا يخفى أنّ ذلك يقتضي وجوب الهدي بالتلبّس بإحرام العمرة، لأنّ الصّوم بدل عنه. و القائل بذلك من أصحابنا غير معلوم إلّا أن يقال: هذا القول يستلزم القول بذاك قطعا، و فيه نظر، بل الظاهر أنّ مقتضى البدليّة أنه لا ينتقل إلى حكم البدل إلّا مع العجز عن المبدل، إلّا فيما أخرجه الدّليل كما عرفت.

و لو خرج ذو الحجّة و لمّا يصم الثلاثة، فالّذي عليه أصحابنا تعيّن الهدي عليه و عدم إجزاء الصّوم، و في الأخبار دلالة عليه أيضا روى عمران الحلبي (1) في الصحيح أنّه سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل نسي أن يصوم الثلثة الأيّام الّتي على المتمتّع إذا لم يجد الهدي، حتّى يقدم إلى أهله، قال يبعث بدم، و روى منصور في الحسن (2) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: من لم يصم في ذي الحجّة حتّى يهلّ إهلال المحرّم فعليه دم شاة، و ليس له صوم، و يذبح بمنى. و نحوها من الأخبار و هو الظاهر من إطلاق قوله تعالى «فِي الْحَجِّ» كما أشعرت به صحيحة رفاعة السالفة.

و قول الشيخ في باب مناسك منى من التهذيب: إنّ من فاته صومها بمكّة لعائق أو

____________

(1) انظر التهذيب ج 5 ص 235 الرقم 792 و الاستبصار ج 2 ص 279 الرقم 990 و ص 283 الرقم 1004 و الفقيه ج 2 ص 304 الرقم 1511 و هو في المنتقى ج 2 ص 560 و فيه: و الوجه في هذا الحديث أن يقتصر به على صورة النسيان، لئلا ينافي ما سبق و يأتي من الاخبار الدالة على أنه يصوم في أهله و ظاهرها استناد الفوات لغير النسيان فيختلف الموضوع و للشيخ في الكتابين وجهان في الجمع غير مرضيين انتهى.

و الحديث في الوافي الجزء الثامن ص 178 و الوسائل الباب 47 من أبواب الذبح الحديث 3 ج 2 ص 362 ط الأميري.

(2) انظر التهذيب ج 5 ص 39 الرقم 116 و الاستبصار ج 2 ص 278 الرقم 989 و الكافي ج 1 ص 304 باب صوم المتمتع إذا لم يجد الهدى الحديث 10 و هو في المرآة ج 3 ص 346 و نقله في المنتقى ج 2 ص 573 و هو في الوافي الجزء الثامن ص 177 و الوسائل الباب 47 من أبواب الذبح الحديث 1 ج 2 ص 362 ط الأميري.

178

نسيان فليصمها في الطّريق إن شاء و إن شاء إذا رجع إلى أهله و أطلق، و ظاهره عدم تعيّن ذي الحجّة لها، و أنّها لا تسقط بخروجه، مستدلّا عليه بأخبار حملها على من دخل بلده في ذي الحجّة، بحيث لا يهلّ المحرّم قبل الفراغ من الصّوم، طريق الجمع.

و قد أغرب العلّامة في هذا المقام حيث قال في المنتهى إنّه بإهلال المحرّم يسقط عنه فرض الصّوم، و يستقرّ الهدي في ذمّته و يجب عليه شاة كفّارة لتأخيره مستدلّا عليه بحسنة منصور السالفة، و بأنّه ترك نسكا هو الصّوم فيجب الدّم، لقوله (عليه السلام) من ترك نسكا فعليه دم (1).

و جوابه أنّ الحديث إنّما دلّ على وجوب الشّاة و الظاهر أنّ المراد به الهدي المبدل، و لا أقلّ من احتماله فيسقط الاستدلال معه و الثاني غير واضح الإسناد فتأمّل.

و لو صام الثلاثة ثمّ وجد الهدي في وقت يمكن ذبحه فيه أعني يوم النحر فالأكثر من الأصحاب على عدم الوجوب و يمضي في صومه و ظاهر جماعة الوجوب، و يدلّ على الأوّل ظاهر الآية فإنّ مقتضاها انتقال غير الواجد إلى الصّوم و مع إتمام الثلاثة يحصل الاشتغال بالمأمور به، و الامتثال ببعضه على وجه يخرج عن العهدة يسقط اعتبار الهدي نفسه، لأنّ الأمر يوجب الاجزاء، و يؤيّد ذلك رواية حمّاد بن عثمان (2) قال سألت

____________

(1) الحديث مذكور في كتب فقهائنا (رضوان اللّه عليهم) بعنوان النبوي أو بعنوان حديث ابن عباس عن النبي ص و لم أظفر في كتب أهل السنة عليه مرفوعا إلى النبي ص نعم مذكور موقوفا على ابن عباس و اللفظ في سنن البيهقي ج 5 ص 152 من نسي من نسكه شيئا أو تركه فليهرق دما و في المغني لابن قدامة ج 3 ص 491 عنه من تركه شيئا من مناسكه فعليه دم.

(2) انظر التهذيب ج 5 ص 38 الرقم 112 و الاستبصار ج 2 ص 260 الرقم 919 و الكافي ج 1 ص 304 الباب 191 صوم المتمتع الحديث 11 و هو في المرآة ج 3 ص 346 و في الوافي الجزء الثامن ص 175 و في الوسائل الباب 45 من أبواب الذبح الحديث 1 ج 2 ص 360 ط الأميري.

179

أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن متمتّع صام ثلثة أيّام في الحجّ ثمّ أصاب هديا يوم خرج من منى قال: أجزأه صيامه، و نحوها، و احتجاج الموجب بأنّه وجد المبدل قبل الفراغ من البدل فكان بمثابة المتيمّم الواجد للماء في الأثناء قياس لا نقول به، و رواية عقبة بن خالد (1) ضعيفة محمولة على الاستحباب جمعا بين الأدلّة.

و لو وجد الهدي بعد التلبّس بصوم الثلثة، فالمشهور الوجوب و أنكره ابن إدريس لظاهر قوله «فَمَنْ لَمْ يَجِدْ» إذ مقتضاه وجوب الصّوم على غير الواجد بمجرّد حصول العجز و عدم الوجدان [فانتقاله إلى الهدي محتاج إلى دليل] و فيه تأمّل.

«وَ سَبْعَةٍ إِذٰا رَجَعْتُمْ» أي إلى أهليكم و هو الظاهر من إطلاق الرّجوع، و لا خلاف في ذلك بين أصحابنا، و قد تظافرت أخبارهم الواردة عن أئمّة الهدى (صلوات اللّه عليهم) بذلك، و وافقنا في ذلك الشافعيّ في أحد قوليه و ذهب في قوله الآخر إلى جواز صومها بعد الفراغ من مناسك منى [و هو قول أبي حنيفة] حملا للرّجوع على النفور و الفراغ من أعمال الحجّ [و الأخذ في الرّجوع] و هو بعيد، عن ظاهر الآية كما لا يخفى [فإنّ الأخذ في الرّجوع ليس رجوعا حقيقة و الكلام إنّما يحمل على الحقيقة] (2).

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 38 الرقم 113 و الاستبصار ج 2 ص 261 الرقم 920 و الكافي ج 1 ص 304 باب صوم المتمتع الحديث 14 و هو في المرآة ج 3 ص 346 قال المجلسي عليه الرحمة مجهول و لفظ الحديث هكذا:

محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن محمد بن عبد اللّه بن هلال عن عقبة بن خالد قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل تمتع و ليس معه ما يشترى به هديا فلما أن صام ثلاثة أيام في الحج أيسر أ يشتري هديا فينحره أو يدع ذلك و يصوم سبعة أيام إذا رجع إلى أهله قال يشترى هديا فينحره و يكون صيامه الذي صام نافلة له.

و الحديث في الوافي الجزء الثامن ص 175 و الوسائل الباب 45 من أبواب الذبح الحديث 2 ج 2 ص 360 ط الأميري.

(2) ما بين العلامتين من مختصات سن في المواضع.

180

و يؤيّده ما رواه الجمهور (1) عن ابن عمر عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في حديث طويل فمن لم يجد هديا فليصم ثلثة أيّام في الحجّ و سبعة إذا رجع إلى أهله.

و قد ألحق أصحابنا بالرّجوع إلى الأهل ما لو أقام بمكّة مجاورا بعد زمان الحجّ و مضى له مدّة يمكن وصوله إلى أهله فيها، ما لم تزد على الشهر، فان زادت عليه كفى الشهر، و لم يعلم للعامّة في ذلك قول، بل جوّز مالك و أبو حنيفة و أحمد صومها بعد مضىّ أيّام التشريق، و قد تقدّم قول الشّافعيّ.

و قد دلّ على ما ذكرناه من التفصيل صحيحة (2) معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه

____________

(1) حديث ابن عمر هذا أخرجه البخاري باب من ساق البدن معه فتح الباري ج 4 ص 286 و مسلم ج 8 ص 208 شرح النووي و أخرجه عنهما البيهقي ج 5 ص 23 و الدر المنثور ج 1 ص 216 و في الدر المنثور أحاديث أخر أيضا موقوفة على الصحابة أن السبعة انما هي بعد الرجوع الى الأهل.

(2) رواه في التهذيب ج 5 ص 234 بالرقم 790 و الاستبصار ج 2 ص 282 بالرقم 1002 و الحديث هكذا:

سعد بن عبد اللّه عن احمد بن محمد عن الحسين عن فضالة بن أيوب عن معاوية بن عمار عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال قال رسول اللّه ص من كان متمتعا فلم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج و سبعة إذا رجع الى أهله، فإن فاته ذلك و كان له مقام بعد الصدر صام ثلاثة أيام بمكة و ان لم يكن له مقام صام في الطريق أو في أهله و ان كان له مقام بمكة و أراد أن يصوم السبعة ترك الصيام بقدر مسيره إلى أهله أو شهرا ثم صام.

قال في المنتقى ج 2 ص 559 و روى الصدوق عجز هذا الخبر بطريقه عن معاوية بن عمار عن أبى عبد اللّه «ان كان له مقام بمكة فأراد أن يصوم السبعة ترك الصيام بقدر مسيره إلى أهله أو شهرا».

قلت و هذا الذيل تراه في الفقيه ج 2 ص 303 الرقم 1507.

ثم قال في المنتقى: و قوله فيه بعد الصدر محتمل، لان يكون مصدرا بمعنى الرجوع كالمصدر فتسكن دالة، و أن يكون اسم مصدر فتفتح، و لان يراد به اليوم الرابع من أيام النحر فيكون مفتوح الدال أيضا، قال في القاموس الصدر الرجوع كالمصدر، و الاسم بالتحريك، و منه طواف الصدر ثم قال و الصدر محركة اليوم الرابع من أيام النحر، و يرجح احتمال المصدر أو اسمه موافقة الحكم معه للاخبار المتضمنة لصوم يوم الحصبة و يومين بعده انتهى ما في المنتقى.

و الحديث في الوافي الجزء الثامن ص 177 و الوسائل الباب 50 من أبواب الذبح ج 2 ص 362 ط الأميري.

181

(عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من كان متمتّعا فلم يجد هديا فليصم ثلثة أيّام في الحجّ و سبعة إذا رجع إلى أهله إلى أن قال: و إن كان له مقام بمكّة و أراد أن يصوم السّبعة ترك الصّيام بقدر مسيره إلى أهله أو شهرا، ثمّ صام، و نحوها من الأخبار.

و لو أقام بغيرها هل يجزى مثل ذلك هناك أو متعيّن عليه الانتظار مدّة الوصول؟

ظاهر بعض المتأخّرين الثاني حيث قال إنّما يكفي الشّهر إذا كانت إقامته بمكّة و إلّا تعيّن الانتظار مقدار الوصول إلى أهله، كيف كان، اقتصارا على مورد النصّ و تمسّكا بقوله تعالى وَ سَبْعَةٍ إِذٰا رَجَعْتُمْ حملا للرجوع على ما يكون حقيقة أو حكما.

هذا كلامه، و فيه نظر لأنه إن اقتصر على مورد النصّ لم يجز الصّيام في غير مكّة سواء مضى عليه مقدار الوصول أم لا لتعيّن حمل الرّجوع الواقع في الآية على ما هو المتبادر و هو الرّجوع إلى أهله حقيقة، خرج عنه بعض الأفراد لدليل فيبقى الباقي و إن لم يقتصر على ذلك جرى فيه ما جرى في المقيم بمكّة مع أنّ الاقتصار على مورد النصّ.

أحوط هذا.

و مقتضى الآية الانتقال إلى الصّوم مع عدم وجدان الهدي نفسه، و لا ثمنه، فانّ واجد العين أو الثمن واجد في الجملة، و لا يتحقّق عدم الوجدان على الإطلاق، إلّا بعدمهما، و من ثمّ لم ينقل في العتق إلى الصّوم إلّا بعد فقدان الثّمن أيضا و يؤيّده من الأخبار حسنة حريز (1) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في متمتّع يجد الثّمن و لا يجد الغنم

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 37 الرقم 109 و الاستبصار ج 2 ص 260 الرقم 916 و الكافي ج 1 ص 304 باب صوم المتمتع الحديث 6 و هو في المنتقى ج 2 ص 572 و اللفظ في نسخة المنتقى المطبوعة «و يأمر أن يشترى» مكان «من يشترى».

و الحديث في المرآة ج 3 ص 346 و هو في الوافي الجزء الثامن ص 174 و الوسائل الباب 44 من أبواب الذبح الحديث 1 ج 2 ص 360 ط الأميري.

182

قال يخلف الثمن عند بعض أهل مكة و يأمر من يشترى له و يذبح عنه، و هو يجزى عنه، فان مضى ذو الحجة أخّر ذلك إلى قابل، و نحوها، و على هذا أكثر أصحابنا.

و قال ابن إدريس الأصحّ أنّه إذا لم يجد الهدي و وجد ثمنه لا يلزمه أن يخلفه بل الواجب عليه إذا عدم الهدي الصّوم سواء وجد الثمن أو لم يجد محتجّا بأنّ اللّه تعالى نقلنا من الهدي عند عدمه إلى الصّوم من غير واسطة، فمن نقلنا إلى ما لم ينقلنا اللّه إليه يحتاج إلى دليل شرعيّ، و يؤيّده من الأخبار ما رواه أبو بصير (1) عن أحدهما (عليهما السلام) قال سألته عن رجل تمتّع فلم يجد ما يهدي حتّى إذا كان يوم النفر وجد ثمن شاة أ يذبح أو يصوم؟ قال بل يصوم، فإنّ أيّام الذّبح قد مضت و أجيب بأنّ وجدان الهدي عبارة عن وجود عينه أو ثمنه، فاللّه تعالى لم ينقلنا إلى الصّوم إلّا مع عدم وجدانهما معا، و الرّواية غير واضحة الصحّة، مع إمكان حملها على من لم يجد الهدي و لا ثمنه، و بعد الشّروع في الصّوم وجد الثّمن، فإنّه لا يجب عليه الهدي كما أسلفناه.

و خيّر ابن الجنيد بين الصّوم و تخليف الثّمن عند من يشتريه، و بين الصّدقة بالوسطى من قيمة الهدي تلك السّنة، و هو غير واضح الوجه.

و حيث يعتبر في عدم الوجدان عدم الثّمن أيضا فالمعتبر في الثمن أن يكون زائدا

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 37 الرقم 111 و الاستبصار ج 2 ص 260 الرقم 918 و الكافي ج 1 ص 304 باب صوم المتمتع الحديث 9 و هو في المرآة ج 3 ص 346 و في الوافي الجزء الثامن ص 174 و الوسائل الباب 44 من أبواب الذبح الحديث 3 ج 2 ص 360 ط الأميري.

183

على ضروريّاته عادة، فلو كان له ثياب التجمّل فالظاهر عدم وجوب بيعها لتحصيله و لو باعها فظاهر الشيخ و جماعة الإجزاء نظرا إلى أنّ الصّوم على ذلك التقدير رخصة و المرخّص لو أتى بالأصل أجزأه، و للبحث فيه مجال واسع.

«تِلْكَ عَشَرَةٌ» فذلكة الحساب، و فائدتها عدم توهّم كون الواو بمعنى أو، كما في جالس الحسن و ابن سيرين، و أن يعلم العدد جملة كما علم تفصيلا فيحصل علمان و أنّ المراد بالسّبعة العدد دون الكثرة، فإنّه قد يطلق عليها.

«كٰامِلَةٌ» صفة للعشرة مؤكّد لها تفيد المبالغة في محافظة العدد أو مبيّنة كمال العشرة فإنّه أوّل عدد كامل، إذ به تنتهي الآحاد و تتمّ مراتبها، و الّذي رواه الشيخ في التهذيب (1) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّ كمالها كمال الأضحيّة بمعنى أنّ الصّوم تامّ في البدليّة لا ينقص ثوابه من ثواب مبدله الّذي هو الهدي.

«ذٰلِكَ» إشارة إلى جميع ما تقدّم من أحكام التمتّع، فانّ ذلك إشارة إلى

____________

(1) إشارة الى الحديث المروي في التهذيب ج 5 ص 40 بالرقم 120 و الحديث هكذا:

موسى بن القاسم عن محمد بن زكريا المؤمن عن عبد الرحمن بن عتبة عن عبد اللّه بن سليمان الصيرفي قال قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) لسفيان الثوري ما تقول في قول اللّه عز و جل:

«فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيٰامُ ثَلٰاثَةِ أَيّٰامٍ فِي الْحَجِّ وَ

سَبْعَةٍ إِذٰا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كٰامِلَةٌ» أي شيء يعني بكامله؟ قال سبعة و ثلاثة قال: و يختل ذا على ذي حجى أن سبعة و ثلاثة عشرة؟ قال فأي شيء هو أصلحك اللّه قال أنظر، قال لا علم لي فأي شيء هو أصلحك اللّه؟ قال الكامل كمالها كمال الأضحية سواء أتيت بها أو أتيت بالأضحية تمامها كمال الأضحية انتهى الحديث.

و في الفقيه مرسلا ج 2 ص 302 بالرقم 1504 تلك عشرة كاملة لجزاء الهدى و الحديث في الوافي الجزء الثامن ص 175 و الوسائل الباب 46 من أبواب الذبح الحديث 9 ج 2 ص 361 ط الأميري.

184

البعيد، و هو هنا التمتّع لا وجوب الهدي و الصّوم إذا عجز عنه، فإنّه متوسّط في الكلام، و قد وافقنا على ذلك جماعة من العامّة و حكم الشافعيّة برجوعه إلى الهدي أو الصّوم مع العجز عنه.

و علّله القاضي بأنّه أقرب، و فيه نظر فانّ ذلك إشارة إلى البعيد، و قد صرّح النّحاة بذلك، و فصّلوا بينه و بين الرجوع إلى البعيد و المتوسّط في الإشارة فقالوا في القريب ذا و في المتوسّط ذاك، و في البعيد ذلك كما يعلم من كلامهم.

و مقتضى قول الشافعيّة و أضرابهم أنّ التمتّع جائز لأهل مكّة، و لكن لا يلزمهم الهدي، و يكون التمتّع بلا هدي عندهم.

[قالوا و إنّما لزم الهدي الآفاقيّ لأنّه كان من الواجب عليه أن يحرم بالحجّ من الميقات، فلمّا أحرم من الميقات بالعمرة ثمّ أحرم بالحجّ لا عن الميقات كان فيه نقص فجبر بالهدي] (1).

و هو قول الشيخ في الخلاف و أكثر أصحابنا على خلافه لما قلناه، و للرّوايات الكثيرة الدالّة على ذلك كصحيحة (2) عليّ بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) قال لا يصلح لأهل مكّة أن يتمتّعوا لقول اللّه عزّ و جلّ «ذٰلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حٰاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ» و نحوها من الأخبار، و على هذا فالواجب على أهل مكّة و حاضريها القران أو الإفراد، فلو تمتّعوا لم يجزهم عن فرضهم و لو أوقعوا التمتّع ندبا لزمهم الهدي أو الصّوم على الوجه السّابق، و أبو حنيفة و إن أرجع ذلك إلى التمتّع، و حكم بأنّه لا متعة لحاضري المسجد الحرام إلّا أنّه أوجب الدم جناية لو تمتّعوا، فلا يجوز الأكل منه، بخلاف التمتّع من الآفاق، و كلّ هذا خلاف الظاهر من الآية بل الظاهر ما قلناه.

____________

(1) ما بين العلامتين من مختصات نسخة سن.

(2) التهذيب ج 5 ص 32 الرقم 97 و الاستبصار ج 2 ص 157 الرقم 515 و هو في المنتقى ج 2 ص 332 و هو في الوافي الجزء الثامن ص 75 و الوسائل الباب 6 من أبواب أقسام الحج الحديث 2 ج 2 ص 167 ط الأميري.

185

«لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حٰاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ» و قد اختلف في تحديده فقال الشيخ في النهاية حدّ حاضري المسجد الحرام من كان بينه و بينها ثمانية و أربعون ميلا و هو قول أكثر الأصحاب، و عليه الشّافعيّة فإنّهم يجعلون ذلك من كان من الحرم على مسافة القصر و هي عندهم هذا المقدار، و قال الشيخ في المبسوط: حدّ حاضري المسجد الحرام من كان بينه و بين المسجد الحرام اثنى عشر ميلا من كلّ جانب.

و الأظهر الأوّل، و يدلّ عليه صحيحة زرارة (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) قلت له قول اللّه عزّ و جلّ ذٰلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حٰاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ فقال يعني أهل مكّة ليس لهم متعة، كلّ من كان أهله دون ثمانية و أربعين ميلا ذات عرق و عسفان كما يدور حول مكّة، فهو ممّن دخل في هذه الآية، و كلّ من كان أهله وراء ذلك فعليه المتعة.

قال في القاموس عسفان كعثمان موضع على مرحلتين من مكّة، و ذات عرق بالبادية ميقات أهلها ميقات العراقين و ظاهر أنّ المرحلتين أكثر من اثني عشر ميلا، فبطل ذلك القول.

و قد اعترف المحقّق في المعتبر و الشّهيد في الدروس بأنّهما لم يقفا للشيخ في اعتبار الاثنى عشر ميلا على مستند، قال العلّامة في المختلف: و كأنّ الشيخ نظر إلى أنّ الثمانية و الأربعين المذكورة في الرّواية موزّعة على الأربع جهات، و حينئذ فيختصّ كلّ واحد من الجوانب باثني عشر ميلا و هو بعيد عن ظاهر الرّواية، و مقتضى الآية عدم إجزاء التمتّع عن أهل مكّة و من تابعهم إلّا أنّه مخصوص، بالنّسبة إلى الفرض المتعيّن على المكلّف ابتداء و إلّا فالحجّ المندوب يصحّ عنهم تمتّعا، و يترتّب عليه الثواب لهم، و يصحّ من غيرهم قرانا و إفرادا أيضا على ما دلّت عليه الأخبار

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 33 الرقم 98 و الاستبصار ج 2 ص 157 الرقم 516 و هو في المنتقى ج 2 ص 332 و هو في الوافي الجزء الثامن ص 75 و الوسائل الباب 6 من أبواب أقسام الحج الحديث 3 ج 2 ص 167 ط الأميري.

186

و انعقد عليه الإجماع.

«وَ اتَّقُوا اللّٰهَ» في المحافظة على حدوده و ما أمركم به و نهاكم عنه في الحجّ و غيره «وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللّٰهَ شَدِيدُ الْعِقٰابِ» لمن خالف أوامره و نواهيه، و لم يتّقه، و إنّما أمر بالعلم لأنّ العالم بذلك لا يخالف أمره قطعا، فانّ علمه يمنعه و يصدّه عن ذلك، كما هو شأن العلم الحقيقيّ، فيكون العلم بشدّة عقابه لطفا في التقوى للعالم به.

الثانية:

[الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومٰاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلٰا رَفَثَ وَ لٰا فُسُوقَ وَ لٰا جِدٰالَ فِي الْحَجِّ وَ مٰا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّٰهُ وَ تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزّٰادِ التَّقْوىٰ وَ اتَّقُونِ يٰا أُولِي الْأَلْبٰابِ] (1).

«الْحَجُّ» مبتدأ خبره «أَشْهُرٌ» أي زمان الحجّ أو وقته ليصحّ الحمل كقولك البرد شهران «مَعْلُومٰاتٌ» معروفات [موقّتات في أوقات معيّنة] لا يصحّ وقوع الحجّ إلّا فيها خلاف ما كان عليه أهل الجاهليّة من النسيء قبل، و ظاهر الجمع يقتضي أنّ أشهر الحجّ ثلثة، إذ هي أقلّ الجمع و على هذا أكثر أصحابنا، و قال السيّد المرتضى و جماعة إنّها شوّال و ذو القعدة و عشر من ذي الحجّة و قيل تسع من ذي الحجّة مع ليلة العاشر إلى طلوع الفجر، و قيل إلى طلوع الشّمس.

و هذا الخلاف عند العامّة أيضا فمالك على أنّها الثلثة بتمامها، و أبو حنيفة على الثّاني و الشّافعي على الثّالث، و الوجه في الإطلاق حينئذ التجوّز تنزيلا لبعض الشّهر منزلة كلّه، أو بناء على إطلاق الجمع على ما فوق الواحد، و كلا الوجهين بعيد لأصالة عدم التجوّز، و إطلاق الجمع على ما فوق الواحد بلا قرينة في محلّ المنع.

____________

(1) البقرة: 197.

187

و يدلّ على كونها ثلثة الأخبار المعتبرة الإسناد كصحيحة معاوية (1) بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قول اللّه عزّ و جلّ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومٰاتٌ هي شوّال و ذو القعدة و ذو الحجّة، و حسنة زرارة (2) عن الباقر (عليه السلام) قال الحجّ أشهر معلومات شوّال

____________

(1) رواه كذلك في التهذيب في زيادات الحج عن موسى بن القاسم عن صفوان عن معاوية بن عمار ج 5 ص 445 بالرقم 1550 و مثله العياشي ج 1 ص 94 بالرقم 251 و هو في البحار ج 21 ص 30 و البرهان ج 1 ص 200 و رواه في الكافي مع زيادة بسند غير ما في التهذيب باب توفير الشعر لمن أراد الحج و العمرة الحديث 1 ج 1 ص 253 و نقله عن الكليني في التهذيب ج 5 ص 46 بالرقم 139 و الاستبصار ج 2 ص 160 بالرقم 520 و رواه في الفقيه أيضا ج 2 ص 197 الرقم 899.

و الزيادة كذالك «فمن أراد الحج وفر شعره إذا نظر الى هلال ذي القعدة و من أراد العمرة وفر شعره شهرا».

و روى الحديث في المنتقى باللفظ الأول ج 2 ص 352 و عليه رمز الصحة و باللفظ الثاني في ص 361 و حكم بصحة طريق الفقيه و حسن طريق الكافي و كتابي الشيخ و السر كون إبراهيم بن هاشم في سند الحديث و قد عرفت بما لا مزيد عليه في المجلد الأول من هذا الكتاب صحته.

و الحديث في المرآة ج 3 ص 204 و في الوافي الجزء الثامن ص 70 و الوسائل الباب 2 من أبواب الإحرام ص 242 ج 2 ط الأميري.

(2) الكافي ج 1 ص 245 باب أشهر الحج الحديث 1 و بعده و ليس لأحد أن يحج فيما سواهن، و رواه عن زرارة عن أبى جعفر (عليه السلام) أيضا العياشي ص 94 بالرقم 252 و هو في البحار ج 21 ص 30 و البرهان ج 1 ص 200.

و رواه في الفقيه أيضا ج 2 ص 277 بالرقم 1357 الا أن الراوي في المطبوعة بالنجف «أبان عن أبى جعفر» و ذيله سماحة الخرسان بأن في ا و ج و النسخة المطبوعة زرارة، و نقله في الوسائل ط الأميري ج 2 ص 169 الباب 11 من أبواب أقسام الحج عن أبان و جعل زرارة نسخة، و في الوافي ج 8 ص 69 أيضا عن أبان و في قلائد الدرر ج 2 ص 52 بعد نقل الحديث عن الكافي و رواه في الفقيه في الصحيح عن زرارة عن أبان بن تغلب عن أبى جعفر.

قلت: و في نسخة مصححة من الفقيه عندي و روى زرارة عن أبى جعفر، و روى الحديث في الكافي أيضا باب من أحرم دون الوقت الحديث 2 ج 1 ص 254 و بعده: و ليس لأحد أن يحرم دون الوقت الذي وقته رسول اللّه ص فإنما مثل ذلك مثل من صلى في السفر أربعا و ترك الثنتين.

و هو في المرآة ج 3 ص 205، و نقله عن الكليني هكذا في التهذيب ج 5 ص 51 الرقم 155 و الاستبصار ج 2 ص 161 الرقم 527 و روى الحديث في معاني الأخبار ص 293 الى قوله و ليس لأحد إلخ، و فيه و في حديث آخر و شهر مفرد للعمرة رجب و مثله في الفقيه.

188

و ذو القعدة و ذو الحجّة و نحوهما من الأخبار، و لأنّه يصحّ وقوع بعض أفعال الحجّ في مجموعها إذ يصحّ الإحرام في الأوّلين و أوائل الثّالث و يصحّ بعض الأفعال كالرمي و الذبح و الطّوافين في باقيه.

و من ثمّ قيل: إنّ هذا النّزاع لفظيّ و لا ثمرة له في باب الحجّ، فإنّهم إن أرادوا بأشهر الحجّ ما يفوت الحجّ بفواته فليس هو كمال ذي الحجّة، بل بانقضاء العاشر منه، لعدم إمكان تحصيل الوقوف المعتبر في صحّة الحج إجماعا على ذلك التّقدير و إن أرادوا بها ما يقع فيه أفعال الحجّ فهي الثلثة كملا لأنّ باقي المناسك يصحّ في تمام ذي الحجّة.

نعم يظهر الفائدة في النذر و شبهه، و فيه بحث إذ القائل بكون ذي الحجّة من أشهر الحجّ قد يقول بجوار تأخير مثل طواف الزّيارة و طواف النّساء اختيارا طول ذي الحجّة دون غيره إلّا أن يكون الحكم بعدم التأخير اختيارا مجمعا عليه، و هو غير معلوم، كما يظهر من كلامهم، و مثل ذلك يصحّ أن يكون ثمرة الخلاف و قد يستفاد مثل هذا الوجه من الكشاف (1) كما سيجيء.

____________

(1) انظر الكشاف ج 1 ص 242 ط دار الكتاب العربي تفسير الآية حيث يقول فائدة ان شيئا من أفعال الحج لا يصح الا فيها.

189

و قال القاضي البيضاوي (1) أشهر الحجّ شوّال و ذو القعدة و تسع من ذي الحجّة و ليلة النحر عندنا، و العشر عند أبي حنيفة و ذو الحجّة كلّه عند مالك، و بناء الخلاف أنّ المراد بوقته وقت إحرامه أو وقت أعماله و مناسكه أو ما لا يحسن فيه غيره من المناسك مطلقا، فانّ مالكا كره العمرة في بقيّة ذي الحجّة و أبو حنيفة و إن صحّح الإحرام من قبل شوّال، فقد استكرهه انتهى.

و فيه نظر فانّ مقتضى كلامه أنّ قول الشّافعي بكون أشهر الحجّ إلى تسع من ذي الحجّة مع ليلة النحر، مبنيّ على أنّ المراد بوقت الحج وقت الإحرام و هذا يستلزم صحّة الإحرام ليلة النحر و هو بعيد، إذ لا يجوز تأخير الإحرام إلى وقت يتيقّن فيه فوت عرفة، فانّ الوقوف بها ركن إلّا أن يريد صحّة ذلك في بعض الصّور كما لو اضطرّ و فيه ما فيه، و أيضا يقتضي أن لا يصحّ بعض المناسك بعد يوم النحر عند أبي حنيفة و هو باطل قطعا لصحّة بعض المناسك في أيّام التشريق.

و أيضا (2) كراهة الإحرام بالعمرة عند مالك لا يستلزم القول بأنّ ذا الحجّة بتمامه من أشهر الحجّ بمعنى أنّه لا يحسن غيره فيه، و لا يكون وجها له، فانّ الظاهر من الوقت ما صحّ وقوع الفعل فيه [بكراهتها].

و قال في الكشاف (3) فان قلت ما وجه مذهب مالك، و هو مرويّ عن عروة بن الزّبير؟ قلت قالوا وجهه أنّ العمرة غير مستحبّة فيه عند عمرو ابن عمر، فكأنّها مخلصة للحجّ لا مجال فيها للعمرة، و عن عمر أنّه كان يخفق النّاس بالدّرة و نهاهم عن الاعتمار فيهنّ، و عن ابن عمر أنّه قال لرجل إن أطعتنى انتظرت حتّى إذا أهللت

____________

(1) انظر البيضاوي ص 42 ط المطبعة العثمانية.

(2) و في نسخة سن: فان قيل: كراهة الإحرام بالعمرة عند مالك لا يستلزم القول بان ذا الحجة بتمامه من أشهر الحج، قلت: المراد بوقت الحج عند مالك مالا يحسن فيه غيره، بناء على كونه مخلصا لأفعال الحج. فلا يكون العمرة فيه حسنة، فلذا حكم بكراهتها.

(3) انظر ص 243 ج 1.

190

المحرّم خرجت إلى ذات عرق و أهللت منها بعمرة، و قالوا لعلّ من مذهب عروة تأخير طواف الزّيارة إلى آخر الشهر انتهى.

و فيه ما فيه (1) فإنّ الظاهر من كون الوقت وقت الحجّ أنّه يصحّ وقوعه فيه لا كراهة غيره فيه، نعم لو كان ذلك حراما لكان مناسبا في الجملة، و لعلّ من مذهب عمر ذلك حيث كان يضرب بالدّرة، و إلّا فالضرب على فعل مكروه لا وجه له.

و الوجه الصّحيح ما ذكره أخيرا من جواز تأخير طواف الزّيارة إلى آخر الشهر فانّ ذلك ممّا يصحّح تسمية ذي الحجة بتمامه شهر الحجّ كما أشرنا إليه سابقا من كون ثمرة الخلاف صحّة وقوع بعض الأفعال طول الشّهر، فتأمّل.

و مقتضى كون الحجّ «أَشْهُرٌ مَعْلُومٰاتٌ» عدم جواز الإحرام بالحجّ في غيرها، لظهور الكلام في الانحصار بها، فلو انعقد في غيرها كان المبتدأ أعمّ من الخبر، و هو باطل و لأنّ الإحرام لا يبقى صحيحا لأداء الحجّ، إذا ذهب وقت الحجّ قبل الأداء، فلأن لا ينعقد صحيحا لأداء الحجّ قبل الوقت أولى، لأنّ البقاء أسهل من الابتداء، و على هذا أصحابنا أجمع، و أكثر العامّة، و في أخبارنا دلالة على ذلك أيضا.

و إنّما خالف في ذلك أبو حنيفة فجوّز الإحرام بالحجّ في غيرها من جميع السّنة محتجّا عليه بقوله تعالى يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوٰاقِيتُ لِلنّٰاسِ وَ الْحَجِّ (2) حيث دلّت على كون الأهلّة بتمامها مواقيت الحجّ [و حيث لم يكن مواقيت لاداء الحجّ كانت مواقيت لصحّة الإحرام، و يجوز أن يسمّى الإحرام حجّا] و جوابه أنّها عامّة و ما نحن فيه خاصّ، و هو مقدّم على العامّ، و لأنّ الميقات علامة الوقت، فلو لا الأهلّة

____________

(1) و في سن هكذا: و يبقى الكلام في الخفق بالدرة فإن الظاهر أنه انما يكون في الحرام و لعل من مذهب عمر ذلك و الا فالضرب على فعل مكروه لا وجه له، الا أن يقال: الخفق لاستمرار الناس عليه فتأمل.

(2) البقرة: 189.

191

لم يعلم بدخول كلّ شهر على اليقين، فجميع الأهلّة في الإعلام سواء بالنسبة إلى وقت مفروض، فلا منافاة بين كون جميع الأهلّة علامات الحجّ من حيث إنّها تؤذن بما بقي من السّنة إلى أوان الحجّ و هي كون الأشهر المعلومات وقتا للحجّ.

و ربما احتجّوا أيضا بأنّ الإحرام التزام الحجّ فجاز تقدّمه على الوقت كالنذر و جوابه أنّه قياس مع ظهور الفرق بينهما، فانّ الوقت معتبر للأداء و لا اتّصال للنذر بالأداء فإنّ النذر لا يتصوّر إلّا بعقد مبتدأ، و أمّا الإحرام فهو و إن كان التزاما إلّا أنّه شروع في الأداء و عقد عليه فلا جرم افتقر إلى الوقت.

قالوا اشتهر بين الصّحابة أنّهم قالوا من إتمام الحجّ أن يحرم من دويرة أهله و قد يبعد داره بعدا شديدا يحتاج إلى أن يحرم قبل شوّال.

و الجواب أنّ النصّ لا يعارضه مثل هذا الأثر على أنّه يمكن تخصيصه في حقّ من لا يكون داره بعيدة، و بالجملة فقول أبي حنيفة هنا بعيد، مخالف للنصّ، فإنّه اقتضى عدم جواز إنشاء الإحرام في غير أشهره و قوله بالكراهة لا يدفع المخالفة.

و ربما ذهب بعض أصحابنا إلى أنه لو أحرم بالحجّ في غيرها انعقد عمرة مفردة و هو بعيد.

و ما استدلّ به من رواية أبي جعفر الأحول (1) عن الصّادق (عليه السلام) في رجل فرض الحجّ في غير أشهر الحجّ قال يجعلها عمرة، غير واضح الدّلالة، إذ يجوز أن يكون المراد أنّ من أراد فرض الحجّ في غير أشهره لا يقع حجّة صحيحا، بل ينبغي أن يجعل النّسك الّذي أراد فعله عمرة ليصحّ له ذلك، مع أنّ الرّواية ضعيفة السند.

و في حكم الإحرام بالحجّ الإحرام بعمرة التمتّع، لأنّها داخلة في الحجّ و مرتبطة به كما دلّ عليه الأخبار، و يؤيّده ما روي (2) صحيحا عنهم (عليهم السلام) دخلت

____________

(1) الفقيه ج 2 ص 278 الرقم 1361 و هو في الوسائل الباب 11 من أبواب أقسام الحج الحديث 7 ج 2 ص 169.

(2) انظر فيض القدير ج 3 ص 522 الرقم 4190 من الجامع الصغير و عليه رمز م د عن جابر و د ت عن ابن عباس و في فيض القدير رواه عن ابن عباس البزار، و الطبراني و الطحاوي.

192

العمرة في الحج هكذا، و شبّك بين أصابعه، و على هذا أصحابنا، و اكتفى بعض العامّة بوقوع شيء منها في الأشهر، و اعتبر آخرون أكثر أفعالها فيها، و هو ضعيف، و مقتضى ما ذكرنا أنّه لو أحرم بعمرة التمتّع في غير الأشهر، كانت عمرته باطلة، لما عرفت و ذهب بعض أصحابنا إلى الصحّة، و وقوعها عمرة مفردة، لا يتمتّع بها، و هو ضعيف بما تقدّم.

«فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ» فمن أوجبه على نفسه بالإحرام فيهنّ، و الإحرام يتحقّق بالتلبية في جميع أنواع الحجّ عند جميع أصحابنا و وافقهم عليه أبو حنيفة حيث جعل التلبية [أو سوق الهدي] شرطا في انعقاد الإحرام و خالف في ذلك الشّافعيّ و حكم بانعقاد الإحرام بمجرّد النيّة من غير حاجة إلى التلبية، و أنّها سنّة عند النيّة، و إليه يذهب مالك و أحمد.

قالوا ظاهر الآية يدلّ على ذلك، فانّ فرض الحجّ أدلّ على النيّة منه على التلبية أو سوق الهدي، و فرض الحجّ موجب لانعقاد الحجّ بدليل قوله «فَلٰا رَفَثَ» إلخ فوجب أن تكون النيّة كافية في انعقاد الإحرام و فيه نظر لأنّا لا نسلّم دلالة الآية على ما ذكروه بل إلى ما ذكرناه أقرب إذ الظاهر من الفرض الالتزام، و هو إنّما يتحقّق بشيء خارج عن النيّة و قد تظافرت الأخبار بكونه التلبية.

و كما يتحقّق فرض الإحرام بالتلبية يتحقّق بالإشعار و التقليد أيضا في القران كما دلّ عليه صحيحة (1) معاوية بن عمّار عنه (عليه السلام) «فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ» و الفرض

____________

(1) الحديث كما في الكافي باب أشهر الحج الحديث 2 ج 1 ص 245 عن معاوية بن عمار عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) في قول اللّه عز و جل «الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومٰاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ» و الفرض التلبية و الاشعار و التقليد، فأي ذلك فعل فقد فرض الحج و لا يفرض الحج إلا في هذه الشهور التي قال اللّه عز و جل «الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومٰاتٌ» و هو شوال و ذو القعدة و ذو الحجة.

و نقله عنه في الوافي ج 8 ص 69 و مثله ما في العياشي ج 1 ص 94 بالرقم 254 عن معاوية ابن عمار عن ابى عبد اللّه و هو في البحار ج 21 ص 30 و البرهان ج 1 ص 200 و الوسائل الباب 11 من أبواب أقسام الحج ص 169 ج 2 ط الأميري.

193

التلبية و الاشعار و التقليد، فأيّ ذلك فعل فقد فرض الحجّ الحديث، و فيها دلالة على ركنيّة التلبية كما هو قول الأكثر، و أنّها تجزي مطلقا، و يجزى أحدهما أيضا للقارن كما دلّ عليه صحيحة (1) معاوية عنه (عليه السلام) قال يوجب الإحرام ثلثة أشياء التلبية و الإشعار و التقليد، فأيّ ذلك فعل فقد أحرم، لاقتضائها توقّف الإحرام على أحد هذه المذكورات فمع انتفائها تنتفي الإحرام، كما يقتضيه مفهوم الشّرط، و ظاهر أنّ الإخلال بالإحرام مبطل للحجّ و لا نعني بالركنيّة سوى هذا.

و نقل العلامة في المختلف القول بعدم الركنيّة عن الشّيخ في المبسوط و احتجّ بأنّ الأصل صحّة الحجّ، و أجاب بالمنع لأنّه لم يأت بالمأمور به و هو جيّد، و حتم المرتضى انعقاد الإحرام في الجميع بالتلبية فقط، و هو قول ابن إدريس و يردّه الأخبار [الدّالّة على الانعقاد بالإشعار أو التقليد] هذا.

و فرض الحجّ في القران و الإفراد ظاهر و أمّا فرضه في حجّ التمتّع فيكون بالإحرام بعمرته إذ هي داخلة في الحجّ و كالجزء منه، بحيث لو دخل بها دخل في الحجّ على ما عرفت، و لعلّ في قوله «فَمَنْ فَرَضَ» دلالة على وجوب الإتمام بالشروع لصيرورته حينئذ فرضا و إن كان قبل ذلك تطوّعا، و به استدلّ على وجوب الإتمام مع الشروع فيه.

«فَلٰا رَفَثَ» فلا جماع، و لا يبعد أن يدخل فيه ما يتبعه ممّا يحرم من النّساء على المحرم كالتّقبيل و غيره «وَ لٰا فُسُوقَ» خروج عن حدود الشرع بالكذب و المفاخرة أو السّباب «وَ لٰا جِدٰالَ» و لا مراء «فِي الْحَجِّ» في أيّامه، و في أخبارنا أنّ الجدال قول الرّجل «لا و اللّه» و «بلى و اللّه» روى علىّ بن جعفر في الصّحيح (2) قال سألت أخي

____________

(1) رواه بهذا اللفظ في التهذيب ج 5 ص 43 بالرقم 192 و نقله عنه في المنتقى ج 2 ص 372 و في الوافي الجزء الثامن ص 91 و الوسائل الباب 12 من أبواب أقسام الحج الحديث 20 ص 170 ج 2 ط الأميري.

(2) التهذيب ج 5 ص 297 الرقم 1005 و الحديث كذالك: موسى بن القاسم عن على بن جعفر قال سألت أخي موسى (عليه السلام) عن الرفث و الفسوق و الجدال ما هو و ما على من فعله فقال الرفث جماع النساء، و الفسوق الكذب و المفاخرة، و الجدال قول الرجل لا و اللّه و بلى و اللّه فمن رفث فعليه بدنة ينحرها، و ان لم يجد فشاة و كفارة الفسوق يتصدق به إذا فعله و هو محرم.

قال صاحب المعالم في المنتقى ج 2 ص 386 بعد نقله الحديث: قلت كذا في النسخ التي تحضرني للتهذيب و ما رأيت للحديث في الكتب الفقهية ذكرا سوى العلامة في المنتهى و بعض المتأخرين عنه، ذكروا منه تفسير الفسوق أشعر ذلك بتقدم وقوع الخلل فيه و الا لذكروا منه حكم الفسوق في الكفارة أيضا و لكنهم اقتصروا في هذا الحكم على ما في حديث الحلبي و ابن مسلم محتجين به وحده، و لو رأوا لهذا الحديث افادة للحكم مخالفة لذاك أو موافقة لتعرضوا له كما هي عادتهم لا سيما العلامة في المنتهى فإنه يستقصي كثيرا في ذكر الاخبار.

و كان يختلج بخاطري أن كلمتي «يتصدق به» تصحيف يستغفر ربه فيوافق ما في حديث الحلبي و ابن مسلم و في الاخبار من نحو هذا التصحيف كثير، فلا يستبعد، و لكني راجعت كتاب قرب الاسناد لمحمد بن عبد اللّه الحميري فإنه متضمن لرواية كتاب على بن جعفر الا أن الموجود من نسخته سقيم جدا باعتراف كاتبها الشيخ محمد بن إدريس العجلي (رحمه اللّه) و التعويل على ما فيه مشكل على كل حال.

فالذي رأيته فيه يوافق ما في التهذيب من الأمر بالتصدق و ينافي الخبر الأخر، و يبقى قضية التصحيف، و فيه زيادة يستقيم بها المعنى و يتم بها الكلام الا أن المخالفة معها لما في ذلك الخبر و غيره مما سيأتي أكثر و أشكل، و هذه صورة ما فيه «كفارة الجدال و الفسوق الشيء يتصدق به».

و العجب من عدم تعرض الشيخ لهذا الاختلاف في الاستبصار، و لعل ما في قرب الاسناد من تصرف النساخ بعد وقوع نوع من الاختلال في أصل كتاب على بن جعفر مع أن في طريق الحميري لرواية الكتاب جهالة و ربما يحتمل إطلاق المتصدق فيه بالنسبة إلى كفارة الجدال على التقييد الوارد في غيره و ان بعد، انتهى ما في المنتقى.

و روى الحديث في الوافي الجزء الثامن ص 105 عن التهذيب و فيه بعد نقل الحديث بيان هكذا وجد هذا الحديث فيما رأيناه من النسخ و لعله سقط من الكلام شيء و نقل حديث الشيخ في الوسائل صدره في الباب 32 من أبواب تروك الإحرام الحديث 4 ص 259 ج 2 ط الأميري و ذيل الحديث في الباب 3 من أبواب كفارات الاستمتاع في الإحرام الحديث 4 ص 284.

و روى حديث قرب الاسناد في الباب المذكور الحديث 16 ص 285 و بعده و رواه على بن جعفر في كتابه مثله و اللفظ في الوسائل و كذا في النسخة المطبوعة بالنجف من قرب الاسناد ص 13 «شيء يتصدق به» و لعله أصح مما في المنتقى «الشيء يتصدق به».

194

موسى (عليه السلام) عن الرّفث و الفسوق و الجدال ما هو؟ فقال: الرفث جماع النساء و الفسوق الكذب و المفاخرة، و الجدال قول الرّجل «لا و اللّه» و «بلى و اللّه» الحديث و نحوها.

و ظاهرها أنّ الجدال مجموع الصّيغتين، و لا يبعد تحقّقه بالواحدة منهما، و احتمل البيضاوي أن يراد من الرفث الفحش من الكلام، و من الفسوق الخروج عن حدود الشرع بالسّباب و ارتكاب المحظورات، و بالجدال المراء مع الخدم و الرّفقة و فيه نظر فانّ الفحش من الكلام داخل في الفسوق بالمعنى الّذي ذكره و كذا المراء

195

فتأمّل، و كيف كان فليس تحريم هذه الأشياء مخصوصا بحالة الإحرام، بل هي حرام مطلقا لكنّه في الحجّ آكد و أبلغ، فإنّ ما كان قبيحا في نفسه ففي الطّاعة أكثر قبحا كلبس الحرير في الصّلوة، و التطريب بقراءة القرآن.

و المراد بنفي الجنس في الثلاثة النهي عنها مبالغة، و أنّها حقيقة بأن لا تكون و على قراءة الأوّلين بالرّفع و الثّالث بالفتح، يكون فيه حملا للأوّلين على معنى النّهي، و المعنى لا يكوننّ رفث و لا فسوق، و الثّالث على معنى الإخبار بارتفاع الجدال و الخلاف في الحجّ ليكون فيه ردّا على قريش فإنّها كانت تخالف العرب فتقف بالمشعر الحرام، و سائر العرب يقفون بعرفة [و كانوا يتجادلون يقول هؤلاء نحن أصوب و يقول هؤلاء نحن أصوب] و كانوا يقدّمون الحجّ سنة و يؤخّرونه اخرى و هو النسيء فردّ إلى وقت واحد، و ردّ الوقوف إلى عرفة، فأخبر اللّه تعالى أنّه قد ارتفع الخلاف في الحجّ.

196

و استدلّ على أنّ المنهيّ عنه هو الرفث و الفسوق دون الجدال، بقوله (صلّى اللّه عليه و آله) «من حجّ و لم يرفث و لم يفسق خرج كهيئة يوم ولدته أمّه» (1) حيث لم يذكر (صلّى اللّه عليه و آله) الجدال كذا في الكشاف و فيه نظر و يمكن أن يوجّه الفتح في الثّالث بأنّ الاهتمام بنفي الجدال أشدّ من الأوّلين من حيث إنّ الرفث كناية عن قضاء الشهوة و الفسوق مخالفة أمر اللّه و الجدال مشتمل عليهما إذ المجادل يشهي تمشّي قوله و لا ينقاد للحقّ، مع أنّه مشتمل على أمر زائد و هو الاقدام على الإيذاء المؤدّي إلى العداوة، و الحديث المذكور لا ينافي ما قلناه، لأنّه مشتمل عليهما و مركّب منهما، فنفيهما يستلزم نفيه فتأمّل.

ثمّ إنّ الجماع في الحجّ قبل الوقوفين يوجب فساده، و لا يفسد لو وقع بعدهما، و قال أكثر العامّة بفساده أيضا و يفسد العمرة لو وقع قبل التحلّل منها، و الفسوق يوجب الكفّارة و كذا الجدال، و تفصيل ذلك يعلم من الأخبار، فإنّ الآية كالمجملة و بيانها يعلم من خارج كما في غيرها.

«وَ مٰا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ» على العموم حجّا أو غيره فعل المأمور به أو ترك المنهيّ عنه، و صحّ إطلاق الفعل عليه باعتبار الكفّ و غيره، و قرينة العموم ذكره بعد نفي الرفث و أخويه، و تنكير «خير» الواقع بعد النفي «يَعْلَمْهُ اللّٰهُ» فيجازيكم عليه و لا ينقص من جزائكم و فيها حثّ على فعل الطّاعة على أبلغ وجه و أتمّه، فإنّ اللّه تعالى إذا كان عالما بجميع ما يصدر من المكلّف من أنواع الخير لم يفت على المكلّف شيء من جزائه و في التّعبير بلفظ اللّه الدّالّ على الاتّصاف بجميع صفات الكمال من العلم و القدرة

____________

(1) انظر الكشاف ج 1 ص 244 قال ابن حجر متفق عليه من حديث أبي هريرة و قريب منه في اللفظ ما في الجامع الصغير بالرقم 8626 في ج 6 ص 115 من فيض القدير برمز: حم خ ن هعن أبي هريرة.

و في الفيض زاد الطبراني و الدارقطنى أو اعتمر و قال في الفيض أيضا و لم يذكر الجدال مع النهي عنه في الآية لأنه أريد به الخصومة مع الرفقاء اكتفاء بذكر البعض أو خروجا عن حدود الشريعة في الفسق أو لاختلاف في الموقف لم يحتج لذكره هنا.

197

و العدل و نحوها تصريح بذلك، فيكون كاثبات الشّيء ببيّنة و برهان.

و في الكشاف حثّ اللّه تعالى على الخير عقيب النهي عن الشرّ، و أن يستعملوا مكان القبيح من الكلام الحسن، و مكان الفسوق البرّ و التّقوى، و مكان الجدال الوفاق و الأخلاق الجميلة أو جعل فعل الخير عبارة عن ضبط أنفسهم حتّى لا يوجد منهم ما نهوا عنه و يؤيّده قوله «وَ تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزّٰادِ التَّقْوىٰ» أي اجعلوا زادكم إلى الآخرة اتّقاء القبائح و المعاصي، فإنّ خير الزّاد اتّقاؤها انتهى، و التعميم أولى، و الآية تؤيّده أيضا فإنّ التّقوى فعل الطّاعات و ترك المعاصي، و لا يبعد كون الخطاب للعموم و إن كان بعد ذكر الحاجّ الفارض للحجّ.

و لعلّ إيراد ذلك عقيبه للتّنبيه (1) على أنّ الإنسان مسافر من الدّنيا إلى الآخرة فليتزوّد إليها بالطّاعة فإنّ الحاجّ إذا كان مع سفره القصير لا بدّ له من أن يأخذ زادا لذلك السّفر، و أنّه إذا لم يأخذه هلك من الجوع، فما ظنّك بالسّفر الطّويل البعيد، فانّ احتياجه إلى الزّاد أهمّ. (2) و بيّن تعالى أنّ الزّاد النّافع في ذلك الطّريق هو التّقوى، و في إيراد الجملة مؤكّدة بانّ و تعريف الخبر باللّام تنبيه على أنّ الحكم كذلك على التحقيق، فلا يدخل في قلب أحد الشكّ فيه.

و قيل: إنّ الآية نزلت في أهل اليمن (3) كانوا يحجّون و لا يتزوّدون و يقولون

____________

(1) و في سن: على أن الإنسان له سفران: سفر في الدنيا و سفر من الدنيا، فالسفر من الدنيا لا بد له من زاد و هو الطعام و الشراب و المركب و المال، و السفر من الدنيا لا بد فيه أيضا من زاد و هو معرفة اللّه و محبته و الاعراض عما سواه و إذا كان الإنسان مسافرا من الدنيا الى الآخرة فليتزود إلخ.

(2) و زاد في سن: [بل نقول زاد الآخرة خير من زاد الدنيا لان زاد الآخرة يخلص من عذاب متيقن دائم بخلاف زاد الدنيا فإنه يخلص من عذاب موهوم منقطع، و لان الدنيا في كل ساعة في ادبار، و الآخرة في إقبال: و الاستعداد للمقبل اولى من المدبر].

(3) رواه في صحيح البخاري ج 1 ص 265 و السيوطي في الدر المنثور ج 1 ص 221.

198

نحن متوكّلون على اللّه، فيكونون كلّا و عيالا على النّاس فأمروا أن يتزوّدوا و يتّقوا الاستطعام و الإبرام، و التثقيل على النّاس.

«وَ اتَّقُونِ» و خافوا عقابي و اتّقوا المعاصي الّتي هي سبب العقاب، أو اتّقوني فيما أمرتكم به و نهيتكم عنه، و المرجع واحد «يٰا أُولِي الْأَلْبٰابِ» يا أصحاب العقول فانّ لبّ الشّيء خالصة، و لبّ الإنسان عقله، إذ هو سبب الفوز بالسّعادات كلّها.

خصّهم بالخطاب لأنّهم المتأهّلون لذلك، فإنّ قضيّة العقل خشية اللّه و اتّقاء المعاصي فكأنّ من لم يتّق لا عقل له، و هو كذلك عقلا و نقلا أمّا الأوّل فلأنّ من عرف عظمته تعالى و صدّق بعقابه و ثوابه، و لم يتّقه بل أقدم على المعصية لم يكن له عقل قطعا، و إلّا لصدر منه ما ينفعه لا ما يضرّه، و أمّا الثّاني فللأخبار المشحونة بأنّ العقل هو ما عبد به الرّحمن و اكتسب به الجنان (1) و ما عدا ذلك فليس بعقل، و لعلّ في إطلاق اتّقائه من غير قيد تنبيها على أنّ المقصود من التّقوى هو اللّه، فكأنّ التقوى إذا لم يكن للّه لم تكن تقوى، و أنّ جعله تعالى مقصودا و قطع النظر عن كلّ شيء سواه، هو مقتضى العقل السّليم.

الثالثة:

[لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذٰا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفٰاتٍ فَاذْكُرُوا اللّٰهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرٰامِ وَ اذْكُرُوهُ كَمٰا هَدٰاكُمْ وَ إِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضّٰالِّينَ] (2).

لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ حرج و إثم أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ بتقدير في أن تبتغوا عطاء من ربّكم و تفضّلا و زيادة في الرّزق بسبب التّجارة و الرّبح بها، فهو منصوب بنزع الخافض و حذف حرف الجرّ مع أنّ قياسه من باب الحذف و الإيصال و العامل فيه معنى جناح، أي لا تأثمون في ابتغاء الفضل و طلب الرّزق من ربّكم بالتجارة

____________

(1) راجع أصول الكافي كتاب العقل الرقم 3.

(2) البقرة: 198.

199

بل ذلك جائز لكم.

قيل كان عكاظ و جحفة و ذو المجاز أسواقهم في الجاهليّة يقيمونها مواسم الحجّ و كانت معايشهم منها، فلمّا جاء الإسلام تأثّموا من ذلك فنزلت، و قيل كان في الحجّ اجراء و مكارون، و كان النّاس يقولون إنّه لا حجّ لهم. فرفع تعالى ذلك و بيّن أنّه لا إثم على الحاجّ أن يكون أجيرا لغيره أو مكاريا.

و على هذا التقدير فالآية صريحة في عدم المنافاة بين الحجّ و طلب الرّزق بإجارة أو مكاراة أو تجارة و نحوها، فلا يتخيّل المنافاة بين الحجّ على ذلك التّقدير و بين الإخلاص، فإنّه إنّما يقصد الإخلاص بفعل الحجّ و هو خارج عن تحصيل المال، فانّ العمل الّذي يستحقّ به الأجرة مثل الخدمة ليس بداخل في الحجّ و ليس بعبادة، بل قد يحصل به الثواب و الأجرة أيضا كما لو قصد به تحصيل المعاش الواجب أو الندب و قد لا يحصل كما لو قصد به غير ذلك و كذا الكلام في طلب التجارة، فإنّ أفعال الحجّ لا تستغرق ذلك الزّمان، فما فضل منها يصرفه في التّجارة فلا تنافي، و لو آجر نفسه للحجّ ترتّب على فعله تحصيل المال و حصول الثواب أيضا و في الأخبار دلالة على ذلك و في بعضها أنّ للمستأجر عنه حجّة واحدة، و للأجير تسع.

و لكن في حصول القربة المعتبرة في النيّة على ذلك التّقدير إشكال، لظهور أنّ ذلك الفعل واقع بإزاء الأجرة، فلا يتخلّص للقربة، و يمكن أن يقال هو إنّما استوجر على إيقاع الفعل و حال الاستيجار لم يوقعه، و إنّما أوقعه فيما بعد ذلك، فجاز أن يقصد بذلك الفعل القربة إذ لا يحصل له شيء بعد الفعل، حيث وجب فعله بعد عقد الإجارة و تعيّن عليه، فيتخلّص الفعل للقربة. و فيه نظر إذ يجوز أن يكون القصد من الفعل حينئذ تمام ملكيّة الأجرة، فإنّ الأجير إنّما يملكها ملكا تامّا بتمام العمل، و يمكن الجواب بأنّه لا محذور في ذلك بعد ورود النصّ، بل هو دليل على حصول القربة فتأمّل المقام فإنّه مشكل، و قيل إنّ معنى الآية لا جناح عليكم في طلب المغفرة من ربّكم بأعمال توجبها، و رواه جابر عن الباقر (عليه السلام) و في مجمع البيان (1) أنّ

____________

(1) المجمع ج 1 ص 295.

200

الأوّل مرويّ عن أئمّتنا (عليهم السلام) أيضا و لا يبعد الحمل على ما يعمّ الأمرين.

«فَإِذٰا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفٰاتٍ» دفعتم عنها بعد الاجتماع فيها، من أفاض الماء إذا صبّه بكثرة و أصله أفضتم أنفسكم حذف مفعوله لمعلوميّته كما حذف في قولك دفعت من البصرة، و عرفات جمع عرفة و بها سمّيت البقعة المعروفة الّتي يجب فيها الوقوف في الحجّ كما سمّيت بمفردها، و إنّما نوّنت مع كونها غير منصرفة للعلميّة و التأنيث، لأنّ التّنوين الممنوع من غير المنصرف هو تنوين التمكّن، و هذا تنوين المقابلة (1) إذ هو بإزاء نون الجمع في مسلمون، و من ثمّ لو سمّيت امرأة بمسلمون لم يحذف هذه النون و يجوز حذف التنوين من عرفات تشبيها بالواحد، إلّا أنّه لا يكون إلّا مكسورا، (2)

____________

(1) و أنكر المحقق الرضى في شرح الكافية كونه تنوين المقابلة و جعل تنوينه تنوين الصرف و المقابلة و استشهد برواية الوجهين الآخرين في أذرعات في بيت امرئ القيس الاتى فتح التاء و كسرها غير منونة فإنه عليهما للصرف بلا خلاف انظر ج 1 ص 14 ط محرم افندى.

(2) هذا هو تجويز جماعة منهم المبرد و الزجاج و منشأ ذلك عندهم ملاحظة حالتين يقتضي كل منهما الإخلال بالأخرى فأعطوه من كل حالة شبها حتى لا يكونوا قد نظروا إلى ناحية من نواحيه دون الأخرى.

و بيان هذا الوجه أنه من جهة كونه جمعا مؤنثا بحسب لفظه يستلزم الكسر و التنوين فلاحظوا لفظه و أعطوه الكسر و لاحظوا معناه فأعطوه حذف التنوين.

و هنا وجه ثالث روى به أذرعات في بيت امرئ القيس على ما نقله فطاحل الأدب و هو فتح التاء غير منونة كسائر ما لا ينصرف و لم يذكره المصنف لعدم ارتضائه و مثله في المجمع ج 1 ص 295 قال و أما فتح التاء فخطأ قال ابن عصفور في شرح الجمل على ما نقل عنه: و نازع في ذلك المبرد محتجا بأن التاء للجمع فهي كالواو و الياء فلا ينبغي أن يمنع الصرف و انما الوجه أن يعرب بالضمة و الكسرة كما كان و يزول عنه التنوين لزوال المقابلة لزوال الجمعية.

قلت و عليه فلا وجه حينئذ لنصبه بالكسرة و لا لعدم تنوينه.

و اختار سيبويه و ابن جنى و جماعة جواز هذا الوجه قال ابن جنى في سر الصناعة على ما حكى عنه البغدادي: و اعلم ان من العرب من يشبه التاء في مسلمات معرفة بتاء التأنيث في طلحة و حمزة و يشبه الألف التي قبلها بالفتحة التي قبل هاء التأنيث فيمنعها حينئذ الصرف فيقول هذه مسلمات مقبلة و على هذا بيت امرئ القيس «تنورتها من أذرعات» و قد أنشدوه من أذرعات بالتنوين و قال الأعشى:

فخيرها أخو عانات شهرا * * * و رجى خيرها عاما فعاما

و على هذا ما حكاه سيبويه من قولهم هذه قرشيات غير منصرفة انتهى.

و أنت خبير بأنه يستنبط من قوله «و اعلم أن من العرب» أنهم لم يذهبوا إلى شيء من هذا كله بالقياس من غير أن ينقلوه و يسمعوه من الاعراب المحتج بعربيتهم، و ان كان التعليل للوارد و التماس السبب، و عانات في شعر الأعشى موضع بالجزيرة اليه ينسب نوع من الخمر و في المحكم لابن سيدة ج 2 ص 59 قال سيبويه و قالوا أذرعات بالصرف و غير الصرف شبهوا التاء بهاء التأنيث و لم يحفلوا بالحاجز لانه ساكن و الساكن ليس بحاجز حصين.