مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - ج2

- الفاضل الكاظمي المزيد...
420 /
201

و إنّما سقطت التنوين و مثلها أذرعات في قول امرئ القيس (1).

تنوّرتها من أذرعات و أهلها

____________

(1)

تنورتها من أذرعات و أهلها * * * بيثرب أدنى دارها نظر عالي

البيت لامرئ القيس بن حجر الكندي من قصيدة طويلة لامية عدتها ستة و خمسون بيتا و هي من عيون شعره و مطلعها:

الأعم صباحا أيها الطلل البالي * * * و هل يعمن من كان في العصر الخالي

و أنشده في المجمع ج 1 ص 295 و التبيان ج 1 ص 218 ط إيران و فتح القدير ج 1 ص 177 و تفسير القرطبي ج 2 ص 314 و اللسان ج 8 ص 97 ط بيروت (ذرع) و مقاييس اللغة ج 5 ص 368 (ن و ر) و الحموى في معجم البلدان ج 1 ص 131 ط بيروت عند شرح أذرعات و البكري في سمط اللآلي ص 359 و جامع الدروس العربية ج 2 ص 236 و شروح الألفية عند شرح قول ابن مالك:

و ما بتا و ألف قد جمعا * * * يكسر في الجر و في النصب معا

كذا أولات و الذي اسما قد جعل * * * كاذرعات فيه ذا أيضا قبل

و هو الشاهد بالرقم 33 من شرح الاشمونى ج 1 ص 66 و في حاشية الصبان ج 1 ص 94 و شرح ابن عقيل ج 1 ص 76 و التصريح ج 1 ص 83.

و استشهد به المحقق الرضى في شرح الكافية عند شرح أقسام التنوين ج 1 ص 14 ط حاج محرم افندى و هو من شواهد سيبويه في الكتاب ج 2 ص 18 و شرحه القزويني ج 2 ص 169 الرقم 435 من شرح شواهد المجمع و البغدادي في الخزانة ج 1 ص 37 شرح الشاهد الثالث و العيني في شرح شواهده.

و استشهد به المرزوقي في شرح الحماسة عند شرح البيت 99 من أبيات الحماسة ج 1 ص 310.

قوله عم صباحا هذه الكلمة تحية عند العرب يقولون عم صباحا. و عم مساء و عم ظلاما و عم فعل أمر، ماضيه و عم، مثل وصف، و ذهب قوم الى أن عم مقتطع من أنعم و أجازوا عم صباحا بفتح العين و كسرها. و الطلل ما شخص من آثار الدار، و البالي من بلى الثوب من باب تعب خلق، و العصر بضمتين لغة في العصر و هو الدهر، و الخالي الماضي.

و تنورتها أى نظرت الى نارها من بعيد، و هذا تحزن و تمن منه، و ليس يعتقد أنه رآى بعينه شيئا، و انما أراد رؤية القلب، قاله ابن قتيبة، و جوز أرباب البديع في الإغراق من المبالغة أن يكون نظرا بالعين حقيقة، قالوا لا يمتنع عقلا أن يرى من أذرعات من الشام نارا حبته و كانت بيثرب مدينة النبي (ص) على بعد هذه المسافة على تقدير استواء الأرض و أن لا يكون ثم حائل من جبل أو غيره مع عظم جرم النار و ان كان ذلك ممتنعا عادة.

و أذرعات بفتح الهمزة و سكون المعجمة و كسر الراء كأنه جمع أذرعة جمع ذراع جمع قلة كورة البثينة من كور دمشق أخذها يزيد بن ابى سفيان بالصلح على ما في شرح شواهد المجمع و في معجم البلدان هو بلد في أطراف الشام يجاور أرض البلقاء و عمان، تنسب اليه الخمر و نقل عن الحافظ أبى القاسم أنه مدينة بالبلقاء.

و قال الفراء الذراع أنثى و يجمع و يقال ثلاث أذرع و بعض عكل يقول هذا ذراع فيذكره قال و ينبغي أن يجمع على اذرعة و لا أراهم سموا أذرعات الا بجمعه مذكرا و ينسب إلى أذرعات أذرعى بفتح الراء المهملة.

و يثرب بفتح الياء آخر الحروف و سكون الثاء ذات الثلاث و كسر الراء بعدها باء موحدة مدينة النبي (ص) سميت باسم الذي نزلها من العماليق فلما نزلها رسول اللّه سماها طيبة و طابة كراهية للتثريب، نقل عن ابن عباس أنه قال من قال للمدينة يثرب فليستغفر اللّه ثلاثا و أما قوله يا أهل يثرب فحكاية عمن قاله من المنافقين.

و أدنى دارها نظر عال: أى كيف أراها و أدنى دارها نظر مرتفع، و العالي بمعنى المرتفع كما في المصباح و قيل معناه أقرب مكان من دارها بعيد فكيف بها و دونها نظر عالي.

و «أدنى» مبتدأ على حذف مضاف، و «نظر عال» خبره على حذف مضاف أيضا تقدير ذلك «ناظر ادنى دارها نظر عالي» أو «أدنى» مبتدء و بعده مضاف محذوف خاصة تقديره:

«أدنى نظر دارها» و «نظر» خبره و هذا أقل حذفا من الأول.

قال البغدادي: قال أبو على في الإيضاح الشعرى و لا يجوز أن يكون «نظر» خبر «ادنى» لانه ليس به لأن «أدنى» أفعل تفضيل، و أفعل لا يضاف الا الى ما هو بعض له فوجب أن يكون بعض الدار و بعض الدار لا يكون النظر فاما أن يحذف المضاف من النظر أي أدنى دارها ذو نظر و اما أن يحذف من الأول أي «نظر ادنى دارها نظر عالي» ليكون الثاني الأول انتهى.

و قال القزويني لو كانت الرواية نظرا بالنصب لكان أولى إذ لا حاجة الى الإضمار كما لا يخفى.

202

فإنّ أكثر الرّوايات بالتّنوين، و قد يروى مكسورا بغير تنوين، و يظهر من

203

الكشّاف (1) أنّها منصرفة لعدم التأنيث المعتبر في أصل منع الصرف، حيث قال فان قلت:

هلا منعت الصرف و فيها السّببان التعريف و التأنيث؟ قلت لا يخلو التأنيث إما أن يكون بالتاء الّتي في لفظها و إمّا بتاء مقدّرة كما في سعاد فالّتي في لفظها ليست للتّأنيث و إنّما هي مع الألف الّتي قبلها علامة جمع المؤنّث، و لا يصحّ تقدير التاء فيها لأنّ هذه التّاء لاختصاصها بجمع المؤنّث مانعة من تقديرها، كما لا يقدّر تاء التأنيث في بنت لأنّ التّاء

____________

(1) انظر الكشاف ج 1 ص 246 ط دار الكتاب العربي قال المحقق الرضى ج 1 ص 14 بعد نقله ذلك عن جار اللّه: و فيما قاله نظر لان عرفات مؤنث، و ان قلنا أنه لا علامة للتأنيث فيها: لا متمحضة للتأنيث و لا مشتركة، لأنه لا يعود الضمير إليها إلا مؤنثا تقول هذه عرفات مباركا فيها و لا يجوز مباركا فيه الا على تأويل بعيد كما في قوله «و لا أرض أبقل إبقالها» فتأنيثها لا يقصر عن تأنيث مصر الذي هو بتأويل البقعة انتهى.

قلت و جملة «هذه عرفات مباركا فيها» نقلها سيبويه عن العرب و استدل بها على كون عرفات معرفة! انظر الكتاب ج 2 ص 18 و ما افاده المحقق الرضى كلام متين حري أن يكتب بالنور على خدود الحور.

204

الّتي هي بدل من الواو لاختصاصها بالمؤنّث كتاء التأنيث فأبت تقديرها انتهى و يظهر من ذلك جواز الأمرين فيها.

و قد اختلف في سبب تسمية الموقف المعلوم بعرفات (1) فقيل لأنّ إبراهيم (عليه السلام) وصفت له أوّلا فلما رآها قال عرفت، و قيل إنّ آدم و حوّا اجتمعا فيه فتعارفا بعد أن افترقا، و قيل لأنّ الناس كانوا يتعارفون هناك، و قيل كان جبرئيل (عليه السلام) يري إبراهيم (عليه السلام) المناسك فيقول عرفت، و قيل إنّ إبراهيم رآى ذبح ولده ليلة الثامن فأصبح يروّي يومه أجمع أي يفكّر في أنّه أمر من اللّه أولا فسمّى ذلك اليوم يوم التروية ثمّ رأى اللّيلة الّتي بعدها فلمّا أصبح عرف أنّه من اللّه، و قيل سمّيت بذلك لعلوّها و ارتفاعها و منه عرف الدّيك لارتفاعه، و قيل لأنّ آدم اعترف بذنبه هناك.

و في الآية دلالة على وجوب الوقوف بعرفة، حيث كانت الإفاضة منها واجبة، و الإفاضة فرع الكون فيها، و فيه نظر. و احتجّ البيضاوي على وجوب الوقوف بها بأنّ الإفاضة لا يكون إلّا بعد الوقوف، و هي مأمور بها بقوله «ثُمَّ أَفِيضُوا» و الأمر للوجوب، و هو مبنيّ على أنّ المأمور به الإفاضة من عرفات، و احتمال إرادة إفاضة المشعر قائم كما سيجيء أو أنّها مقدّمة للذكر المأمور به في قوله «فَاذْكُرُوا اللّٰهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرٰامِ» و الأمر للوجوب، فتكون واجبة، و يتمّ المطلوب.

و ردّ بأنّا لا نسلّم وجوب الذكر في المشعر الحرام، و إنّما يجب الوقوف فقط فلا يتمّ ما ذكرتم، و أجيب بأنّ مقتضى الأمر الوجوب و العدول عنه يحتاج إلى دليل واضح، و لو سلّمنا فلنا أن نقرّر وجوب الإفاضة بوجه آخر هو أنّ تقدير الكلام «فإذا أفضتم من عرفات فكونوا بالمشعر الحرام، و اذكروا اللّه تعالى فيه» و إذا دلّ الدليل على أنّ الذكر مستحبّ غير واجب أخرجناه من الظاهر، و بقي الآخر يتناوله الظاهر

____________

(1) انظر المجمع أيضا ج 1 ص 295 و في الحديث المروي في الفقيه ج 2 ص 127 الرقم 546 أنه سميت عرفة عرفة لأن جبرئيل (عليه السلام) قال لإبراهيم هناك اعترف بذنبك و اعرف مناسكك فلذلك سميت عرفة، و قريب منه ما رواه في علل الشرائع الباب 173 ج 2 ص 121 ط قم و فيه فسميت عرفات لقول جبرئيل (عليه السلام) اعترف فاعترف.

205

فيتمّ المطلوب بأن نقول الإفاضة مقدّمة الكون بالمشعر الحرام، و هو واجب فتكون واجبة، و منه يلزم وجوب الوقوف بعرفة.

و فيه نظر فانّ ذلك إنّما يتمّ أن لو كان الأمر بالذكر مطلقا لكنّه هنا مشروط بالإفاضة، فهو بمثابة قولك إذا ملكت النصاب فزكّ، في أنّه لا يجب تحصيل النصاب و إن توقّف الزكاة عليه إذ الأمر بها لم يقع مطلقا.

و لو قيل الدليل على وجوب الوقوف بالمشعر على الإطلاق قائم فيجب مقدّمته لقلنا الكلام في استفادة الوجوب من الآية و إلّا فلا يرتاب في وجوب الوقوف بعرفة و أنّها ركن الحجّ كما علم من الإجماع و الأخبار.

و يراد من الذكر التهليل و التسبيح و الدعاء و نحوه و قيل المراد به صلاة العشائين هذا، و لا يذهب عليك أنّ أصحابنا مختلفون في وجوب الذكر عند المشعر الحرام، و قد أوجبه القاضي ابن البرّاج حيث عدّ من أقسام الواجب الذكر للّه تعالى و الصلاة على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في الموقفين معا و هو الظاهر من كلام الحسن بن أبي عقيل، و اختاره جماعة من الأصحاب نظرا إلى ظاهر الأمر في الآية الكريمة و ما رواه محمّد بن حكيم (1) قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) أصلحك اللّه الرّجل الأعجميّ و المرأة الضعيفة يكون مع الجمّال الأعرابيّ، فإذا أفاض بهم من عرفات مرّ بهم كما هم إلى منى و لم ينزل جمعا بهم، قال:

أ ليس قد صلّوا بها؟ فقد أجزأهم، قلت: فان لم يصلّوا، قال فذكروا اللّه فيها فإن كانوا ذكروا اللّه فيها فقد أجزأهم و نحوها رواية أبي بصير (2) عنه (عليه السلام) و فيها أنّه يكفيه اليسير من الدعاء.

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 293 الرقم 995 و الاستبصار ج 2 ص 360 الرقم 1093 و الفقيه ج 2 ص 283 الرقم 1390 و الكافي ج 1 ص 295 باب 169 من جهل ان يقف بالمشعر الحديث 1 و هو في المرآة ج 2 ص 336 و في الوافي الجزء الثامن ص 159 و الوسائل الباب 25 من أبواب الوقوف بالمشعر الحديث 3 ص 345 ج 2 ط الأميري.

(2) لفظ الحديث هكذا: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) جعلت فداك ان صاحبي هذين جهلا أن يقفا بالمزدلفة فقال يرجعان مكانهما فيقفان بالمشعر ساعة، قلت فإنه لم يخبرهما أحد حتى كان اليوم، و قد نفر الناس قال فنكس رأسه ساعة ثم قال أ ليسا قد صليا الغداة بالمزدلفة؟ قلت بلى قال أ ليس قد قنتا في صلوتهما؟ قلت بلى قال قد تم حجهما ثم قال المشعر من المزدلفة و المزدلفة من المشعر، و انما يكفيهما اليسير من الدعاء.

رواه في الكافي ج 1 ص 295 باب 169 من جهل أن يقف بالمشعر الحديث 2 و هو في المرآة ج 3 ص 336 قال المجلسي «من المزدلفة» لفظة من اما للابتداء أى لفظ المشعر مأخوذ من المكان المسمى بالمزدلفة و كذا العكس أو للتبعيض أى لفظ المشعر من أسماء المزدلفة أي المكان المسمى بها و بالعكس، و على التقديرين المراد أن المشعر الذي هو الموقف مجموع المزدلفة لا خصوص المسجد، و ان كان يطلق عليه.

و روى الحديث في التهذيب عن الكليني ج 5 ص 293 الرقم 994 و الاستبصار ج 2 ص 306 الرقم 1092.

و حكاه في الوافي الجزء الثامن ص 159 و الوسائل الباب 25 من أبواب الوقوف بالمشعر الحديث 7 ص 346 ط الأميري.

206

و لكنّ المشهور بين الأصحاب استحباب الذكر و حملوا الأمر في الآية على الاستحباب لما في بعض الأخبار من عدم الوجوب كرواية ابن جذاعة (1) عن الصّادق (عليه السلام) رجل وقف بالموقف فأصابته دهشة الناس فبقي ينظر إلى الناس و لا يدعو حتّى أفاض النّاس قال يجزيه وقوفه، أ ليس قد صلّى بعرفات الظهر و العصر، و قنت و دعا؟ الحديث، و رواية زكريا الموصلي قال (2) سألت العبد الصّالح (عليه السلام) عن رجل وقف بالموقف فأتاه نعي أبيه قبل أن يذكر اللّه بشيء أو يدعو، فقال لا أرى عليه شيئا، و قد أساء فليستغفر اللّه أما لو صبر لأفاض من الموقف بحسنات أهل الموقف من غير أن ينقص من حسناتهم شيئا و

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 186 الرقم 613 و تمام الحديث «قلت بلى قال فعرفات كلها موقف و ما قرب من الجبل فهو أفضل» و الحديث في الوافي الجزء الثامن ص 155 و الوسائل الباب 16 من أبواب الإحرام للحج و الوقوف بعرفات الحديث 2 ص 338 ج 2 ط الأميري

(2) التهذيب ج 5 ص 184 الرقم 614 و هو في الوافي الجزء الثامن ص 155 و الوسائل الباب 16 من أبواب الإحرام للحج و الوقوف بعرفات الحديث 3.

207

نحوهما و في دلالتهما على الاستحباب نظر مع قطع النظر عن ضعف إسنادهما (1) فإنّ الأولى دلّت على أنّ الصلاة و القنوت يكفي و ظاهر أنّه لا يراد من الذكر سوى ذلك.

و لو قيل الصلاة و القنوت إنّما كانا بعرفات و المقصود وجوبه في المشعر، فلا دلالة فيه عليه، قلنا لا مانع من أن يكون الذكر هناك مجزيا عن هذا الذكر، على أنّ

____________

(1) أما الحديث الأول ففي طريقه جعفر بن عامر بن عبد اللّه بن جذاعة عن أبيه عن الصادق (عليه السلام) و جعفر بن عامر بن عبد اللّه بن جذاعة ليس له ذكر في كتب الرجال لا رجال الشيعة و لا رجال أهل السنة فهو مجهول بالمرة و قد صرح الأردبيلي في تصحيح الأسانيد ضعف طريق الشيخ الى عامر بن جذاعة في المشيخة و الفهرست انظر ص 734 مستدرك الوسائل ج 3 و كذا ص 498 ج 2 جامع الرواة.

و أما عامر بن عبد اللّه بن جذاعة و الحق أنه مع عامر بن جذاعة واحد، ينسب تارة إلى أبيه و مرة الى جده فقد ورد في حقه روايتان في إحداهما أنه حواري الإمامين الهمامين الباقر و الصادق و في الأخرى دعاء الامام الصادق عليه بعدم المغفرة و ليس لنا ما يوجب الوثوق بإحدى الروايتين فتتعارضان و تتساقطان فيبقى حال الرجل عندنا مجهولا.

انظر تنقيح المقال ج 2 ص 114 و 116 و مجمع الرجال للقهبائي ج 3 ص 237- 239 و إتقان المقال ص 197 و ص 303 و منهج المقال 186 و منتهى المقال 167 و رجح العلامة البهبهاني وثاقته و الشيخ محمد طه نجف ضعفه و الحق عندي التوقف في حقه فالحديث الأول ضعيف كما أفاده المصنف.

و أما الحديث الثاني ففي سنده محمد بن خالد الطيالسي عن أبي يحيى زكريا الموصلي عن العبد الصالح و طريق الشيخ إليه في التهذيب صحيح صرح به الأردبيلي في تصحيح الأسانيد انظر المستدرك ج 3 ص 743 و جامع الرواة ج 2 ص 514.

أما محمد بن خالد الطيالسي فعده الشيخ في رجال الكاظم ص 360 الرقم 26 و في من لم يرو عنهم ص 493 الرقم 11 و ص 499 الرقم 54 و ذكره في الفهرست ص 176 الرقم 648 و ذكره النجاشي في ص 261 ط المصطفوى و ص 240 ط بمبئى، و لم يذكروا في حقه مدحا و لا قدحا إلا أنّهما (الشيخ و النجاشي) ذكرا رواية على بن الحسن بن فضال و سعد بن عبد اللّه و محمد بن على بن محبوب عنه و رواية حميد بن زياد عنه أصولا كثيرة.

و نقل الأردبيلي في ج 2 ص 110 من جامع الرواة رواية معاوية بن حكيم و احمد بن محمد بن عيسى أيضا عنه و عليه فرواية الأجلاء الثقات عنه و رواية حميد بن زياد عنه أصولا كثيرة مما يوجب لنا الثقة بهذا الرجل و الاعتماد على ما يرويه و لعله لأجل ذلك سرده الشيخ محمد طه نجف في إتقان المقال ص 227 في القسم الحسان.

و أما زكريا الموصلي فهو أبو يحيى كوكب الدم و عنونه الشيخ (قدّس سرّه) في أصحاب الصادق (عليه السلام) ص 200 بالرقم 75 فقال زكريا أبو يحيى كوكب الدم و في ص 201 بالرقم 84 أبو يحيى الموصلي و في أصحاب الكاظم ص 350 الرقم 7 زكريا كوكب الدم و في أصحاب الرضا باب الكنى ص 396 بالرقم 12 أبو يحيى الموصلي.

و عنونه الكشي على ما في مجمع الرجال ج 3 ص 57 في ما روى في زكريا أبي يحيى الموصلي كوكب الدم من أصحاب الرضا ثم قال: حمدويه عن العبيدي عن يونس قال: أبو يحيى الموصلي لقبه كوكب الدم كان شيخا من الأخيار قال العبيدي أخبرني الحسن بن على بن يقطين أنه كان يعرفه أيام أبيه له فضل و دين.

و مثله في رجال الكشي المطبوع بالنجف 504 الرقم 501 الا انه ليس فيه من أصحاب الرضا و عن ابن الغضائري على ما في مجمع الرجال زكريا أبو يحيى كوكب الدم كوفي ضعيف روى عن أبى عبد اللّه و نقل المامقاني في تنقيح المقال ج 1 ص 449 أن في نسخة مصححة عنده من ابن الغضائري ليس فيه أنه كوفي.

و سرده العلامة في القسمين و توقف في حقه في كلا الموضعين انظر الخلاصة ص 75 الرقم 5 و ص 224 الرقم 2 و سرده ابن داود أيضا في القسمين ص 160 الرقم 632 و ص 454 الرقم 183 و ضعفه في القسم الثاني ثم قال وثقه الكشي و غيره قلت و لم نعثر على توثيق غير الكشي إياه.

و سرده الشيخ محمد طه نجف في إتقان المقال في القسم الثقات في ص 63 و في باب الكنى ص 154 و في القسم الضعفاء ص 283 و الظاهر أن تردده في حقه من أجل عدم صراحة ما في الكشي في التوثيق و لا يخفى عليك كفاية ما رواه عن يونس و الحسن بن على بن يقطين و قد كانا معاصري زكريا و الشاهد يرى ما لا يرى الغائب و ابن الغضائري كالغائب مع كثرة ابتلائه بجرح البرءاء و تضعيف الثقات مع عدم ذكره سبب الضعف.

فالذي يقوى عندي عده فيمن يقبل روايته و في تنقيح المقال عده في الوجيزة ممدوحا و عده في الحاوي في فصل الحسان ثم ان احتمال تعدد الرجل كما عن العلامة (قدّس سرّه) بعيد غاية البعد.

فتلخص مما ذكرنا أن الحكم بضعف الحديث الثاني كما ضعفه المصنف ضعيف، و أن الأقوى عده مما يعتمد عليه سواء سميناه على اصطلاح أهل الدراية صحيحا أو حسنا أو غيرهما.

نعم ما أفاده ثانيا من ضعف الدلالة على الاستحباب لما فيه من التعبير بالاسائة و الأمر بالاستغفار تام لا غبار عليه فالذي ينبغي أن يختار في المسئلة هو ما اختاره المصنف من وجوب الذكر بالمشعر كما اختاره أبو الصلاح و ابن البراج على ما حكاه العلامة في المختلف الجزء الثاني ص 128 و ص 129.

208

الرواية وردت مطلقة في الوقوف فيجوز أن يكون أراد به وقوف عرفة فلا ينافي وجوب الذكر في المشعر الحرام بدليل آخر فتأمّل، و الأخرى دلّت على أنّه لا شيء عليه، و قد أساء و هو لا ينافي الوجوب، فإنّه لا يراد منه سوى تعلّق الإثم بتركه من غير أن يكون له دخل في الصحّة، و حينئذ فيسلم ظاهر الآية عن المعارضة.

فإن قيل: هذا إنّما يتمّ لو أريد من الذكر ما ذكرتم و احتمال إرادة الصّلوة

209

قائم فلا يتمّ القول بوجوب الذكر، قلنا الظاهر من الذكر ما قلناه، و هو يشمل الذكر في الصلاة و غيرها و حمله على الصلاة خلاف الظاهر، على أنّ المطلوب يتمّ بذلك أيضا لحصول الذكر فتأمّل فيه.

و المشعر الحرام هو المزدلفة سميت مشعرا لأنّه معلم للحجّ و الصلاة و المقام و المبيت به، و سميت مزدلفة (1) لأنّ جبرئيل (عليه السلام) قال لإبراهيم (عليه السلام) بعرفات ازدلف إلى المشعر الحرام، و سمّي جمعا لأنّه يجمع فيه بين العشائين بأذان واحد، و المشعر

____________

(1) هكذا رواه في الفقيه ج 2 ص 127 الرقم 546 عن أبى الحسن و علل الشرائع الباب 176 ج 2 ص 121 ط قم عن أبى عبد اللّه و مثله في المجمع ج 1 ص 295 من غير عزو. قال النووي في تهذيب الأسماء و اللغات ج 3 ص 150: و سميت المزدلفة لازدلاف الناس إليها أي اقترابهم و قيل لاجتماع الناس بها و قيل لاجتماع آدم و حواء و قيل لمجيء الناس إليها في زلف من الليل.

210

قيل هو جبل في ذلك الموضع يسمّى قزح (1) و هو الجبل الّذي يقف عليه الإمام و عليه الميقدة أي كان توقد النار هناك في الجاهليّة، و قيل هو ما بين جبلي المزدلفة من مأزمي عرنة (2) إلى وادي محسّر (3) و ليس المأزمان و لا وادي محسّر منه. قال في الكشاف (4) و الصحيح أنّه الجبل لما روى جابر أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لما صلّى الفجر يعنى بالمزدلفة بغلس

____________

(1) قزح بضم أوله و فتح ثانيه و حاء مهملة بلفظ قوس السماء الجبل الذي عند الموقف لا ينصرف لانه معدول معرفة.

(2) المأزمان بفتح الميم الاولى و همزة ساكنة و كسر الزاي موضع بين المشعر الحرام و عرفة و هو شعب بين جبلين يفضى آخره الى بطن عرنة و عرنة بوزن همزة قال الأزهري بطن عرنة واد بإزاء عرفة و قيل بطن عرفة مسجد عرفة و المسيل كله، و في المستند للنراقى ج 2 ص 246 واد بعرفات قاله المطرزي و قال السمعاني واد بين عرفات و منى و قيل عرينة بالتصغير انتهى ما في المستند.

ثم المأزمان مهموز مثنى قاله عياض قال النووي في تهذيب الأسماء و اللغات ج 3 ص 148 الذي ذكرته من كونه مهموزا لا خلاف فيه بين أهل اللغة و الحديث و الضبط، لكن يجوز تخفيفها بقلب الهمزة ألفا كما في رأس و شبهه و لا يصح إنكار من أنكر على المتفقهين ترك الهمزة و نسبهم الى اللحن بل هو غالط، فان تخفيف هذه الهمزة جائز باتفاق أهل العربية فمن همز فهو على الأصل و من لم يهمز فهو على التخفيف فهما جائزان فصيحان.

(3) محسر بالضم ثم الفتح و كسر السين المشددة و راء واد بين منى و مزدلفة ليس من منى و لا مزدلفة هذا هو المشهور، و قيل موضع بين مكة و عرفة، و قيل بين منى و عرفة و ليس من منى و في المستند للنراقى ج 2 ص 249: قال والدي العلامة (قدّس سرّه) في المناسك المكية ما ترجمته: ابتداء وادي محسر بالنسبة الى من يذهب من المشعر إلى منى انتهاء المشعر و هو موضع بين جبلين في عرض الطريق فيها أحجار منصوبة ينحدر الأرض و منه الى أربعين و خمسمائة ذراع داخل في وادي محسر انتهى ما في المستند.

(4) انظر الكشاف ص 246 ج 1 ط دار الكتاب العربي و المراد بحديث جابر الحديث الطويل الذي رواه مسلم و أبو داود في صفة حج النبي (ص) مفصلا و غيرهما مختصرا انظر التاج لمنصور على ناصف ج 2 من ص 140 الى ص 145.

211

ركب ناقته حتّى أتى المشعر الحرام فدعا و كبّر و هلّل و لم يزل واقفا حتّى أسفر، و معنى عند المشعر الحرام ما يليه و يقرب منه، فإنّه أفضل، و إلّا فالمزدلفة كلّها موقف.

هذا إن جعل المشعر عبارة عن قزح، و لو جعل عبارة عن مجموع ما بين المأزمين إلى الحياض إلى وادي محسّر أعني المزدلفة كلّها ففي لفظة «عند» تجوّز.

«وَ اذْكُرُوهُ» كرّر الأمر بذكره للإشارة إلى أنّ الإنسان ينبغي أن يكون محافظا على ذكره لا يتركه في شيء من الأوقات، و معناه اذكروه بالثناء و الشكر «كَمٰا هَدٰاكُمْ» كما علّمكم، أو اذكروه ذكرا حسنا كما هداكم هداية حسنة إلى المناسك و غيرها، فما مصدريّة أو كافّة.

«وَ إِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ» قبل الهدى «لَمِنَ الضّٰالِّينَ» الجاهلين الّذين لا يعرفون كيف يذكرونه و يعبدونه، و إن هي المخفّفة من الثقيلة بدلالة اللّام، فإنّها تلزمها و تفرق بينها و بين النافية أو الشرطيّة و قيل إنّها نافية و اللام بمعنى إلّا كقوله وَ إِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكٰاذِبِينَ (1).

الرابعة:

[ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفٰاضَ النّٰاسُ وَ اسْتَغْفِرُوا اللّٰهَ إِنَّ اللّٰهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ] (2).

ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفٰاضَ النّٰاسُ أي من المزدلفة إلى منى بعد الإفاضة من عرفات إليها و الخطاب عامّ، و الكلام معطوف على مقدّر أي أفيضوا من عرفات، فإذا أفضتم منها إلخ ثمّ أفيضوا من حيث إلخ فتكون ثمّ على حقيقتها لما في التراخي الزماني بين الإفاضتين.

و يكون فيها دلالة على وجوب الوقوف بالمشعر، لأنّ الإفاضة إنّما يكون بعد الوقوف فيه، و وجوب نزول منى، و المراد بالناس آدم و إبراهيم و إسماعيل (عليهم السلام) و غيرهم

____________

(1) الشعراء: 186.

(2) البقرة: 199.

212

من الأنبياء السالفة و الأمم الماضية، و يؤيّده قراءة (1) من قرأ «الناس» بالكسر أي الناسي يعني آدم (عليه السلام) من قوله «فَنَسِيَ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً (2) يعني أنّ الوقوف بالمشعر الحرام و الإفاضة منه إلى منى شرع قديم، فلا تغيّروه.

و قيل: المراد الإفاضة من عرفات و على هذا أكثر المفسّرين، و رواه معاوية بن عمّار

____________

(1) القراءة نقلها في الكشاف ج 1 ص 247 ط دار الكتاب العربي و البيضاوي ص 43 ط العثمانية و نثر المرجان ج 1 ص 283 و كنز العرفان ج 1 ص 307 و عزاها في الخازن ج 1 ص 129 الى سعيد بن جبير و في تفسير النيشابوري ج 1 ص 215 ط إيران و تفسير الإمام الرازي ج 5 ص 199 عن الزهري أن الناس في هذه الآية آدم و احتج بقراءة سعيد بن جبير من حيث أفاض الناس بكسر السين اكتفاء من الياء بالكسرة.

و في تفسير الناس في الآية حديث رواه في روضة الكافي ص 244 ط الآخوندى بالرقم 339 و هو في المرآة ج 4 ص 356 يناسب لنا نقله، و نقله في قلائد الدرر أيضا ج 2 ص 65 و هو:

ابن محبوب عن عبد اللّه بن غالب عن أبيه عن سعيد بن المسيب قال سمعت على بن الحسين يقول ان رجلا جاء الى أمير المؤمنين فقال أخبرني ان كنت عالما عن الناس و أشباه الناس و عن النسناس، فقال أمير المؤمنين يا حسين أجب الرجل.

فقال الحسين (عليه السلام) أما قولك أخبرني عن الناس فنحن الناس و لذلك قال اللّه تعالى ذكره في كتابه «ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفٰاضَ النّٰاسُ» فرسول اللّه (ص) الذي أفاض بالناس، و أما قولك أشباه الناس فهم شيعتنا و هم موالينا و هم منا و لذلك قال إبراهيم (عليه السلام) «فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي» و أما قولك النسناس فهم السواد الأعظم و أشار بيده الى جماعة الناس، ثم قال «إِنْ هُمْ إِلّٰا كَالْأَنْعٰامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا» انتهى الحديث و رواه في نور الثقلين ج 1 ص 164 الرقم 714 و البرهان ج 1 ص 201 و روى الإمام الرازي في تفسير سورة النصر ج 32 ص 156 أنه سئل الحسن بن على (عليه السلام) من الناس؟ فقال نحن الناس و أشياعنا أشباه الناس و أعداؤنا النسناس، فقبل على (عليه السلام) بين عينيه، و روى مثله أيضا النيسابوري في تفسير سورة النصر.

(2) طه: 115.

213

في الصحيح (1) عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال إذا غربت الشمس في عرفة فأفض مع الناس، و عليك السكينة و الوقار، و أفض بالاستغفار فانّ اللّه تعالى يقول ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفٰاضَ النّٰاسُ وَ اسْتَغْفِرُوا اللّٰهَ الحديث و رواه في مجمع البيان (2) عن الباقر (عليه السلام) أيضا فالخطاب مع قريش الّذين كانوا يترفّعون على الناس في الوقوف و لا يقفون معهم و يتعالون عن أن يساووهم فيه و يقولون نحن قطّان اللّه و سكّان حرمه، فلا نخرج منه، فيقفون بجمع و سائر الناس بعرفات فأمروا بأن يساووهم في الموقف و بالإفاضة من عرفات كما يفيض الناس.

و على هذا فلفظة «ثمّ» فيها إشارة إلى التراخي الرتبيّ لتفاوت ما بين الافاضتين كقولك: أحسن إلى الناس ثمّ لا تحسن إلى غير كريم، تأتى بثمّ لتفاوت ما بين الإحسان إلى الكريم، و الإحسان إلى غيره، و بعد ما بينهما، فكذلك حين أمرهم بالذكر عند الإفاضة من عرفات قال «ثُمَّ أَفِيضُوا» لتفاوت ما بين الإفاضتين في أنّ إحداهما صواب و الأخرى خطأ.

كذا في الكشّاف و فيه نظر لعدم تمشّي ما ذكره هنا إذ لا تفاوت بين المتعاطفين فيما نحن فيه فانّ المعطوف عليه هو الإفاضة من عرفات و المعطوف هو الإفاضة منها أيضا نعم التفاوت بين فعلهم و بين ما أمروا به، و ليس ذلك مفاد «ثمّ» و يمكن توجيهه بأنّه قد علم من قوله «فَإِذٰا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفٰاتٍ» أفيضوا من عرفات إلخ و من قوله «ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفٰاضَ النّٰاسُ» ليكن إفاضتكم من حيث أفاض الناس الواقفون بعرفات و لا تكن

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 187 بالرقم 623 و الحديث طويل و رواه في الكافي بسند آخر ذيل حديث روى صدره أيضا في التهذيب بالرقم 619 و الحديث في الكافي باب الإفاضة من عرفات الحديث 2 ج 1 ص 294 و هو في المرآة ج 3 ص 325 و حكى الحديث صدره و ذيله في المنتقى عن التهذيب ج 2 ص 530 و هو في الوافي الجزء الثامن ص 155 و في الوسائل الباب 1 من أبواب الوقوف بالمشعر الحديث 1 و 2 ص 340 و ص 341 ج 2 ط الأميري.

(2) راجع مجمع البيان ج 1 ص 296.

214

من المزدلفة كالعرب المترفّعين، فيكون الأوّل صوابا و الثاني خطأ.

و يحتمل على بعد أن يكون الأمر بالذكر دالّا على أنّه بعد الإفاضة فيكون أمرا بالإفاضة على الإطلاق ثمّ قيّدها بقوله «ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفٰاضَ النّٰاسُ» أي على الوجه المشروع، و فيه تنبيه على أنّ الإفاضة قسمان متفاوتان، و أنّ التفاوت إنّما نشأ من تقييد المطلق.

فكأنّه قال: أفيضوا! ثمّ لتكن إفاضتكم من عرفات، و لا تكن من المزدلفة كما يفعله العرب المترفّعون، و فيه ما فيه، و قد اعترف صاحب الكشف بأنّ هذا الموضع من أمّهات معاضل الكشّاف.

و على هذا الوجه يكون في الآية دلالة على وجوب الوقوف بعرفة، لأنّ وجوب الإفاضة إنّما يكون بعد كون مّا، و هو المراد بالوقوف المعتبر المجزئ في الحجّ، فإنّه مسمّاه و إن كان الواجب هو الكون في جميع الزّمان على ما علم بيانه من الأدلّة.

«وَ اسْتَغْفِرُوا اللّٰهَ» و اطلبوا منه المغفرة لذنوبكم الّتي فعلتموها بالندم على ما سلف منها و العزم على أن لا تقربوها فيما بعد «إِنَّ اللّٰهَ غَفُورٌ» كثير المغفرة «رَحِيمٌ» أي واسع الرحمة، فيغفر ذنوب التائبين الطّالبين للمغفرة منه، و يحتمل أن يكون المراد الاستغفار بالمشعر أو في طريقه أو في عرفة كما تشعر به الرّواية السالفة، و كيف كان فالأمر محمول على الاستحباب، لعدم ظهور القائل بوجوبه، و يحتمل أن يكون المراد به الذكر الواجب المفهوم (1) من قوله «فَاذْكُرُوا اللّٰهَ» و فيه بعد، و لو حملناه على أنّ المراد التوبة عن المعاصي كما قلناه أوّلا فالأمر للوجوب قطعا، إذ التوبة عنها واجبة على الفور كما بيّن في محلّه.

الخامسة:

[فَإِذٰا قَضَيْتُمْ مَنٰاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللّٰهَ كَذِكْرِكُمْ آبٰاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النّٰاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنٰا آتِنٰا فِي الدُّنْيٰا وَ مٰا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلٰاقٍ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنٰا آتِنٰا فِي الدُّنْيٰا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَ قِنٰا عَذٰابَ النّٰارِ أُولٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمّٰا كَسَبُوا وَ اللّٰهُ سَرِيعُ الْحِسٰابِ]

____________

(1) المعهود خ.

215

(1). فَإِذٰا قَضَيْتُمْ مَنٰاسِكَكُمْ فإذا قضيتم العبادات الحجيّة و فرغتم منها، و المناسك جمع منسك مصدر نسك، أطلق على العبادة إطلاق المصدر على المفعول أو بمعناه المصدري أي فعلتم أفعالكم الّتي كانت عبادة، أو يكون اسم مكان أطلق عليها تجوّزا أو بحذف المضاف أي عبادات مناسككم «فَاذْكُرُوا اللّٰهَ كَذِكْرِكُمْ آبٰاءَكُمْ» فأكثروا ذكره تعالى بالغوا فيه كما تفعلون بذكر آبائكم في المفاخرة «أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً» منصوب عطفا على كذكركم.

و المعنى أنّ ذكركم للّه بعد قضاء المناسك يكون إمّا مساويا لذكر آبائكم أو أشدّ و أكثر و أعلى ذكرا من ذكر الآباء و يحتمل أن يكون مجرورا عطفا على الذّكر بجعل الذكر بمعنى الذاكر على المجاز، و المعنى و اذكروا اللّه ذكرا كذكر آبائكم أو كذكر أشدّ منه و أبلغ، أو على ما أضيف إليه بمعنى أو كذكر قوم أشدّ منكم ذكرا.

و قد اختلف في الذكر المأمور به هنا، فقيل هو التكبير الواقع في منى يوم النحر و أيّام التشريق لأنّه الذكر المرغّب فيه، و الأمر به محمول على الاستحباب كما عليه أكثر الأصحاب لوجود ما ينفى وجوبه من الأخبار، و قيل إنّ المراد به الذكر مطلقا في تلك الأماكن، فإنّه فيها أفضل منه في غيرها.

و يؤيّده (2) ما قيل إنّ قريشا كانوا إذا فرغوا من الحجّ يجتمعون هناك و يعدّون مفاخر آبائهم و مآثرهم، و يذكرون أيّامهم القديمة، و أياديهم الجسيمة، فأمرهم اللّه سبحانه أن يذكروه في مكان ذكرهم في هذا الموضع، و يزيدوا على ذلك بأن يذكروا

____________

(1) البقرة: 200- 202.

(2) نقله المفسرون و رواه في المجمع ج 1 ص 297 عن الباقر (عليه السلام).

216

نعم اللّه سبحانه، و يعدّوا آلاءه و يشكروا نعماءه لأنّ آباءهم و إن كانت لهم عليهم أياد و نعم، فنعم اللّه سبحانه عليهم أعظم، و أياديه عندهم أفخم و أجسم، و لأنّه سبحانه المنعم بتلك المآثر و المفاخر على آبائهم و عليهم، و قيل إنّ معناه فاستعينوا باللّه و افزعوا إليه كما يفزع الصبيّ إلى أبيه في جميع أموره و يلهج بذكره.

ثمّ إنّه تعالى فصّل الذّاكرين بين مقلّ لا يطلب بذكر اللّه إلّا متاع الدّنيا و مكثر يطلب به خير الدارين كما قال «فَمِنَ النّٰاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنٰا آتِنٰا فِي الدُّنْيٰا» أي اجعل إيتاءنا و منحنا في الدّنيا «وَ مٰا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلٰاقٍ» من نصيب و حظّ لأنّه جعل عطاءه مقصورا على الدّنيا فهو غير مؤمن بالبعث و النّشور، و يحتمل أن يكون المراد: و ماله فيها من طلب خلاق، و إن كان مؤمنا بالآخرة و بعثها، و يكون الكلام بمنزلة العتاب لهم من حيث إنّهم سألوا اللّه في أعظم المواقف و أشرف المشاهد أخسّ البضائع، و أدون المطالب، المشبّه تارة بكنيف و اخرى بأحقر من جناح بعوضة، معرضين عن العيش الباقي و النّعيم المقيم، و المفعول الثّاني في قوله «آتِنٰا فِي الدُّنْيٰا» محذوف لأنّه كالمعلوم، و يحتمل أن يكون نزّل منزلة المتعدّي إلى مفعول واحد، و المعنى اجعل عطاءنا في الدّنيا خاصّة.

«وَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنٰا آتِنٰا فِي الدُّنْيٰا حَسَنَةً» هي الصحّة و الكفاف و توفيق الخير «وَ فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً» هي الثواب و الرّحمة، و قيل إنّ الحسنتين نعيم الدّنيا و نعيم الآخرة.

و روي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّها المعاش و حسن الخلق في الدّنيا و الجنّة في الآخرة رواه الكلينيّ صحيحا عن جميل بن صالح عنه (عليه السلام) (1) و قيل العلم و العبادة في الدّنيا و الجنّة في الآخرة، و قيل المال في الدّنيا و في الآخرة الجنّة و عن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) أنّه قال (2) من اوتي قلبا شاكرا، و لسانا ذاكرا، و زوجة مؤمنة

____________

(1) انظر نور الثقلين ج 1 ص 166 و ص 167 و البرهان ج 1 ص 202 و ص 203 و المجمع ج 1 ص 297.

(2) رواه في المجمع ج 1 ص 298.

217

تعينه على أمر دنياه و آخرته فقد أوتي في الدّنيا حسنة، و في الآخرة حسنة، و وقى عذاب النّار، و عن علىّ (1) (عليه السلام) أنّها المرأة الصّالحة في الدّنيا و في الآخرة الجنّة.

«وَ قِنٰا عَذٰابَ النّٰارِ» بالعفو و المغفرة أو جنّبنا عن المعاصي المؤدّية إلى النار و يروى عن على (عليه السلام) أنّ عذاب النار امرأة السّوء (2).

«أُولٰئِكَ» الدّاعون بالحسنتين و هم الفريق الثاني و قيل هو إشارة إليهما معا «لَهُمْ نَصِيبٌ مِمّٰا كَسَبُوا» أي من جنسه و هو جزاؤه أو من أجله كقوله مِمّٰا خَطِيئٰاتِهِمْ أُغْرِقُوا (3) و الكسب ممّا يناله المرء بعمله، و منه يقال للأرباح إنّها كسب فلان أو المراد ممّا دعوا به نعطيهم منه قدر ما يستوجبونه، بحسب مصالحهم في الدّنيا و استحقاقهم، و سمّي الدّعاء كسبا لأنّه من الأعمال، و هي موصوفة بالكسب.

«وَ اللّٰهُ سَرِيعُ الْحِسٰابِ» يوشك أن يقيم القيامة، و يحاسب العباد على أعمالهم فبادروا بإكثار الذّكر و طلب الآخرة بفعل الحسنات، أو المراد أنّه يحاسب العباد على كثرتهم و كثرة أعمالهم في مقدار لمحة أو أقلّ، و لذلك ورد في الخبر أنّه يحاسب الخلق في مقدار حلب شاة، أو المراد أنّه سريع المجازات للعباد على أعمالهم، و أنّ وقت الجزاء قريب، فجرى مجرى قوله وَ مٰا أَمْرُ السّٰاعَةِ إِلّٰا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ (4).

و عبّر عن الجزاء بالحساب لأنّ الجزاء كفاء للعمل و بمقداره، فهو حساب له، ففي الآية ترغيب على الدّعاء و الإكثار من ذكر اللّه، و طلب الحوائج منه تعالى للدّنيا و الآخرة في المواطن المشرّفة، و فيها أيضا ترهيب عن فعل المعاصي حيث إنّه تعالى يحاسب العباد على أعمالهم حسنه و قبيحة، في لمحة واحدة، و يجازيهم على ما كسبوا، و من هذا شأنه فليرهب منه.

و قد يستدلّ بها على أنّه تعالى ليس بجسم و أنّه لا يحتاج في فعل الكلام إلى

____________

(1) رواه في المجمع ج 1 ص 298.

(2) الكشاف عند تفسير الآية ج 1 ص 248 ط دار الكتاب العربي.

(3) نوح: 25.

(4) النحل: 77.

218

آلة لأنّه لو كان كذلك لما جاز أن يخاطب اثنين في وقت واحد مخاطبتين مختلفتين، و لكان يشغله خطاب بعض الخلق عن خطاب بعضهم، و لكانت محاسبة الخلق على أعمالهم طويلة.

السادسة:

[وَ اذْكُرُوا اللّٰهَ فِي أَيّٰامٍ مَعْدُودٰاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ وَ مَنْ تَأَخَّرَ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقىٰ وَ اتَّقُوا اللّٰهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ] (1).

وَ اذْكُرُوا اللّٰهَ فِي أَيّٰامٍ مَعْدُودٰاتٍ و هي أيّام التشريق على ما رواه أصحابنا (2) صحيحا عن عليّ (عليه السلام) و رواه محمد بن مسلم في الحسن (3) قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قول اللّه عزّ و جلّ وَ اذْكُرُوا اللّٰهَ فِي أَيّٰامٍ مَعْدُودٰاتٍ قال التكبير في أيّام التشريق من صلاة الظهر من يوم النّحر إلى صلاة الفجر من اليوم الثالث و في الأمصار عشر صلوات، و قد علم منها أنّ المراد من الذّكر التكبير أيّام منى العيد و أيّام التشريق في دبر الصّلوات الخمس عشرة، و رواه زرارة في الحسن (4) أيضا قلت لأبي جعفر (عليه السلام):

____________

(1) البقرة: 203.

(2) قد مر في ص 122 تفسير الآية 28 من سورة الحج مصادره فراجع.

(3) رواه في الكافي ج 1 ص 306 باب التكبير أيام التشريق الحديث 1 و هو في المرآة ج 3 ص 347 و رواه في التهذيب كتاب الصلاة ج 3 ص 139 الرقم 312 و كتاب الحج ج 5 ص 269 الرقم 920 و شطرا منه في الاستبصار ج 2 ص 299 الرقم 1068.

و ذيل الحديث بلفظ الكافي:

فإذا نفر بعد الأولى أمسك أهل الأمصار و من أقام بمنى فصلى بها الظهر و العصر فليكبر.

و الحديث في الوافي الجزء الثامن ص 186 و في قلائد الدرر ج 2 ص 87 و الوسائل الباب 21 من أبواب صلاة العيد الحديث 1 ص 472 ط الأميري.

(4) رواه في الكافي ج 1 ص 306 باب التكبير أيام التشريق، الحديث 2 و هو في المرآة ج 3 ص 347 و رواه في التهذيب ج 3 ص 139 الرقم 313 و ج 5 ص 269 الرقم 921 و الاستبصار ج 2 ص 299 الرقم 1069.

و رواه في الخصال ج 2 ص 92 أبواب الخمسة عشر و العلل ج 2 ص 132 ط قم الباب 199 و ذيل الحديث بلفظ الكافي هكذا:

و في سائر الأمصار في دبر عشر صلوات و أول التكبير في دبر صلاة الظهر يوم النحر يقول فيه «اللّه أكبر اللّه أكبر لا إله إلا اللّه و اللّه أكبر اللّه أكبر و للّه الحمد اللّه أكبر على ما هدانا اللّه أكبر على ما رزقنا من بهيمة الانعام» و انما جعل في سائر الأمصار في دبر عشر صلوات لأنه إذا نفر الناس في النفر الأول أمسك أهل الأمصار عن التكبير و كبر أهل منى ما داموا بمنى الى النفر الأخير انتهى الحديث بلفظ الكافي.

و هو في الوافي الجزء الخامس ص 199 و في قلائد الدرر ج 2 ص 88 و الوسائل الباب 21 من أبواب صلاة العيد الحديث 2 ج 1 ص 472.

قال في المنتقى بعد نقل الحديثين في ج 1 ص 587 و الحزازة الواضحة في متن الأخيرين واقعة في عدة نسخ الكافي و في كتاب الصلاة من التهذيب و أما في كتاب الحج منه ففي متن الأول منهما: «فإذا نفر الناس النفر الأول أمسك أهل الأمصار» و في متن الثاني «لأنه إذا نفر الناس».

و يقال: ان بعض نسخ الكافي موافق لما في الثاني هذا.

و في متن الأول في كتاب الصلاة من التهذيب «الى صلاة الفجر «يوم الثالث» و في الحج «من اليوم الثالث» و في متن الثاني في الموضعين «و انما في سائر الأمصار في دبر عشر صلوات التكبير» و هو اختلاف عجيب انتهى ما في المنتقى.

219

التّكبير في أيّام التّشريق في دبر الصّلوات فقال بمنى في دبر خمس عشرة صلاة و نحوها من الأخبار.

و قد وافق أصحابنا في ذلك من العامّة مالك و الشّافعيّ في أشهر أقواله، و القول الثاني له أنّه يبتدأ به من صلاة المغرب ليلة النحر إلى الصّبح من آخر أيّام التشريق فيكون في دبر ثماني عشرة صلاة، و القول الثّالث له يبتدء به من صلاة الفجر يوم عرفة و يقطع بعد صلاة العصر من يوم النحر، فيكون التكبير بعد ثمان صلوات، و إلى هذا

220

يذهب أبو حنيفة و جماعة من العامّة، و يردّه أنّ هذه التكبيرات تنسب إلى أيّام التشريق فوجب أن يؤتى بها فيها، و إن انضمّ معها زمان آخر، فلا أقلّ من أن تكون هي الأغلب و القول الرّابع يبتدء من صلاة الفجر يوم عرفة و يقطع بعد صلاة العصر من آخر أيّام التشريق، فيكون عقيب ثلاث و عشرين صلاة و إليه يذهب أحمد و أبو يوسف و المزنيّ و جماعة.

و الصّحيح ما يذهب إليه أصحابنا لدلالة الأخبار عليه على ما عرفت، و الأمر محمول على الاستحباب عند أكثر أصحابنا، و قد يظهر من السيّد المرتضى وجوبه عقيب الصّلوات المذكورة، و مثله ابن الجنيد و لعلّ دليلهما ظاهر الأمر في الآية، و يؤيّده ما رواه عمّار السّاباطي (1) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن التكبير فقال واجب في دبر كلّ صلاة فريضة أو نافلة أيّام التشريق.

و يردّه أنّ الأمر محمول على الاستحباب لصحيحة عليّ (2) بن جعفر عن أخيه (عليه السلام)

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 270 الرقم 923 و أيضا ج 5 ص 488 الرقم 1744 و الاستبصار ج 2 ص 299 الرقم 1070 و رواه في قلائد الدرر ج 2 ص 88.

و مما يدل على الوجوب أيضا حديث الأعمش المروي في الخصال في حديث شرائع الدين ج 2 ص 154 حيث فسر التكبير المأمور به في الآية بهذا التكبير و الأوامر القرآنية للوجوب و صرح في نفس الخبر بالوجوب أيضا و كذا في العيون فيما كتبه الرضا إلى المأمون في محض الإسلام و شرائع الدين (عيون أخبار الرضا ج 2 ص 121 ط قم) ففي ص 125 التصريح بوجوب التكبير في العيدين و كذا في تحف العقول ص 422 كل ذلك تراه في الوسائل الباب 21 من صلاة العيد الحديث 12 ص 473 ج 1 ط الأميري فراجع.

(2) التهذيب ج 5 ص 488 الرقم 1745 و هو في المنتقى ج 1 ص 154 و في قلائد الدرر ج 2 ص 88 و في الوافي الجزء الثامن ص 109 و في الوسائل الباب 22 من أبواب صلاة العيد الحديث 1 ص 473 ج 1 ط الأميري و ما نقله المصنف صدر الحديث و بعده قال و سألته عن النساء هل عليهن التكبير أيام التشريق؟ قال نعم، و لا يجهرن، و مثله في الدلالة على الاستحباب حديث سعيد النقاش المروي بمصادره في ص 335 في الجزء الأول من هذا الكتاب عبر فيه بأن التكبير مسنون فراجع.

221

قال: سألته عن التكبير أيّام التشريق أ واجب هو أولا؟ قال يستحبّ و إن نسي فلا شيء عليه، و يؤيّدها رواية عمّار السّاباطي (1) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل ينسى أن يكبّر في أيّام التشريق، قال إن نسي حتّى قام من موضعه فلا شيء عليه.

و رواية عمّار السابقة مع ضعفها متروكة لدلالتها على وجوب التكبير دبر النّافلة أيضا، و الظاهر أنّه لا قائل بالاستحباب فضلا عن الوجوب، مع أنّ الأصل يقتضي عدمه و اشتهار ذلك بين الأصحاب فإنّ القائل بالوجوب نادر، و هو ممّا يرجّح القول بالاستحباب.

و قد اختلفت الرّواية في كيفيّته ففي صحيحة (2) معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: التكبير أن يقول «اللّه أكبر اللّه أكبر لا إله إلّا اللّه، و اللّه أكبر و للّه

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 270 الرقم 924 و كذا أيضا في ج 5 ص 487 الرقم 1739 و الاستبصار ج 2 ص 299 الرقم 1071 و هو في الوافي الجزء الخامس ص 199 و الوسائل الباب 22 من أبواب صلاة العيد الحديث 2 ج 1 ص 473 ط الأميري.

قال المحقق الأردبيلي في ص 279 من زبدة البيان: و هو لا يدل على عدم الوجوب بل يدل عليه حيث قيد عدم الشيء بالنسيان إذ عدم وجوب الشيء إذا نسي لا يستلزم عدم الوجوب و هو ظاهر، ثم قال و سنده أيضا ضعيف فالقول بالوجوب غير بعيد و ان كان القائل به قليلا مثل السيد السند و ابن الجنيد فإن القائل بالوجوب نادر و هو مما يرجح القول بالاستحباب.

(2) التهذيب ج 5 ص 269 الرقم 922 و الكافي بسند آخر ج 1 ص 306 باب التكبير أيام التشريق الحديث 4 و هو في المرآة ج 3 ص 34 و صدر الحديث عن معاوية بن عمار عن أبى عبد اللّه قال: تكبير أيام التشريق من صلاة الظهر يوم النحر الى صلاة الفجر من أيام التشريق ان أنت أقمت بمنى، و ان أنت خرجت من منى فليس عليك تكبير، و التكبير الى آخر الحديث كما نقله المصنف.

و اللفظ في الكافي إلى صلاة العصر، قال المجلسي الظاهر الى صلاة الفجر كما في التهذيب و نقل حديث الكافي في المنتقى ج 1 ص 587 و الحديث في الوافي الجزء الثامن ص 186 و الوسائل الباب 21 من أبواب صلاة العيد الحديث 4 ص 472 ج 1 ط الأميري.

222

الحمد اللّه أكبر على ما هدانا اللّه أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام، و الحمد للّه على ما أبلانا».

و الأولى العمل بهذه الرّواية، و لا ينافيه ما في صحيحة محمّد بن مسلم (1) عن أحدهما (عليهما السلام) قال: و سألته عن التكبير بعدكم صلاة؟ فقال كم شئت، إنّه ليس شيء موقّت يعني في الكلام. لأنّ الظاهر أنّ قوله يعني إلخ من كلام الرّاوي مع أنّه مجمل إذ يحتمل أن يكون المراد عقيب كم شئت أو كم مرّة شئت كرّر التكبير المعلوم، أو لفظ اللّه أكبر أو غير ذلك، فلا يمكن بسببها العدول عمّا هو المحقّق المعلوم فتأمّل.

و ما في حسنة معاوية بن عمّار (2) عن الصادق (عليه السلام) يكبّر ليلة الفطر و صبيحة الفطر

____________

(1) الكافي ج 1 ص 306 باب التكبير أيام التشريق الحديث 5 و هو في المرآة ج 3 ص 347 و رواه في التهذيب ج 5 ص 487 الرقم 1737 و رواه في المنتقى ج 1 ص 584 و هو في الوافي الجزء الثامن ص 186 و الوسائل الباب 24 من أبواب صلاة العيد الحديث 1 ص 473 ج 1 ط الأميري.

قال المجلسي- قده- لعل السائل سأل عن عدد التكبيرات التي تقرأ بعد كل صلاة فقال ليس منه عدد معين موقت اى محدود و هذا هو المراد بقوله يعني في الكلام أى ليس المراد عدم التوقيت في عدد الصلاة بل في عدد الذكر.

و قال الأردبيلي (قدّس سرّه) في زبدة البيان ص 280 ط المرتضوي و الظاهر أن قوله يعني في الكلام من محمد بن يعقوب الكليني، قلت و هو موجود في نسخة التهذيب، و لم يروه الشيخ عن الكليني، فالحق ما أفاده المجلسي (قدّس سرّه).

و في الحدائق نقل الحديث عن مستطرفات السرائر عوض هذه العبارة «كم شئت انه ليس بمفروض» انظر ج 10 ص 282 و في الوافي الجزء الخامس ص 199 «بيان قوله: عن التكبير يعنى عن صفة التكبير و عدده».

(2) الكافي باب التكبير ليلة الفطر الحديث 3 ج 1 ص 210 و هو في المرآة ج 3 ص 243 و رواه في المنتقى ج 1 ص 586 و في الوافي الجزء الخامس ص 199 و الوسائل الباب 20 من أبواب صلاة العيد الحديث 1 ص 473 ج 1 ط الأميري.

223

كما يكبّر في العشر محمول على أنّ المراد أنّه يكبّر بعد المغرب و العشاء ليلة عيد الفطر و عقيب الصّبح و صلاة العيد كما يكبّر في عيد الأضحى و يكون المراد بالعشر اليوم العاشر و ما بعده فتأمّل فيه.

«فَمَنْ تَعَجَّلَ» فمن استعجل النفر «فِي يَوْمَيْنِ» يوم النفر و الّذي بعده، و المراد أنّ من نفر في ثاني أيّام التشريق «فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ» باستعجاله «وَ مَنْ تَأَخَّرَ» في النّفر إلى اليوم الثّالث من أيّام التشريق و هو يوم الصّدر «فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ» لأنّ سيّئاته صارت مكفّرة بما كان من حجّته المبرورة، أو لا إثم عليه بالتأخير.

قال العلّامة في المنتهى و اختلف في قوله تعالى وَ مَنْ تَأَخَّرَ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ مع أنّ التأخير فضيلة لأنّه يأتي بالنّسك كاملا فكيف ورد في حقّه فلا إثم عليه؟ و ذلك إنّما يقال في حقّ المقصّر الّذي يظنّ أنّه قد رهقه أثام فيما أقدم عليه فحكي عن ابن مسعود (1) أنّه قال «فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ» أى كفّرت سيّئاته و كذلك من تأخّر، و قيل لا إثم عليه بالتعجيل، و قوله «وَ مَنْ تَأَخَّرَ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ» مزاوجة في الكلام. و قيل إنّ ذلك ورد على سبب فانّ قوما قالوا لا يجوز التّعجيل، و لم يقولوا لا يجوز التأخير، فوردت الآية على ذلك.

ثمّ قال: أقول: و يحتمل أن يكون المراد بذلك دفع الوهم الحاصل من دليل الخطاب يعني لا يتوهّم أحد أنّ تخصيص التعجيل بنفي الإثم يستلزم حصوله بالتأخير و قد أشار الصّادق (عليه السلام) إلى ذلك حيث قال في حديث (2) فانّ اللّه تعالى يقول فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ وَ مَنْ تَأَخَّرَ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ فلو سكت لم يبق أحد إلّا تعجّل، و لكنّه قال وَ مَنْ تَأَخَّرَ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ الآية.

و ظاهر الآية يقتضي التخيير للحاجّ مطلقا لعموم «من» في الموضعين و قوله «لِمَنِ اتَّقىٰ» معناه على ما قاله في الكشاف أنّ ذلك التخيير و نفي الإثم عن المتعجّل و المتأخّر

____________

(1) انظر الدرر المنثور ج 1 ص 236.

(2) في رواية أبي أيوب الاتية.

224

لأجل الحاجّ المتّقى لئلّا يتخالج في قلبه شيء منهما فيحسب أنّ أحدهما يرهق صاحبه آثام في الإقدام عليه، لانّ ذا التقوى حذر متحذّر من كلّ ما يريبه، و لانّه الحاجّ على الحقيقة عند اللّه.

و يؤيّده ما رواه ابن بابويه في الفقيه (1) مرسلا عن الصّادق (عليه السلام) أنّه سئل عن قول اللّه عزّ و جلّ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ وَ مَنْ تَأَخَّرَ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ ذاك ليتبين هو على أنّ ذلك واسع إن شاء صنع ذا، و إن شاء صنع ذا، لكنّه يرجع مغفورا لا إثم عليه و لا ذنب له.

و احتمل أكثر المفسّرين أن يكون «لِمَنِ اتَّقىٰ» متعلّقا بجميع الأحكام المذكورة في الحجّ و غيرها، يعنى أنّ الأحكام للمتّقي، لأنه المنتفع بها، فعلى هذا لا يكون التخيير المذكور مقيدا بالاتّقاء، و يؤيّده أنّ الأصل عدم التقييد، و عدم الشرط في الآية و أصالة عدم وجوب الصبر إلى النفر الثاني، و من هنا حكم العامة بأجمعهم بعموم التخيير لجميع أفراد الحاجّ.

لكن أصحابنا جعلوا الاتقاء قيدا للعموم المستفاد من قوله «فَمَنْ تَعَجَّلَ» و حكموا بأنّ التعجيل جائز لمن اتّقى النّساء و الصّيد مستدلّين بما رواه محمّد بن المستنير (2) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال من أتى النّساء في إحرامه لم يكن له أن ينفر في النّفر الأوّل و في الكافي في رواية أخرى الصّيد أيضا و رواه حمّاد بن (3) عثمان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)

____________

(1) الفقيه ج 2 ص 289 الرقم 1427 و فيه: قال: ليس هو إلخ و هو في الوافي الجزء الثامن ص 188 و الوسائل الباب 9 من أبواب العود إلى منى الحديث 9 ج 2 ص 372 ط الأميري.

(2) الكافي باب النفر من منى الأول و الأخر الحديث 11 ج 1 ص 308 و هو في المرآة ج 3 ص 349 و فيه انه مجهول و آخره مرسل و رواه في التهذيب ج 5 ص 273 بالرقم 932 و هو في الوافي الجزء الثامن ص 187 و الوسائل الباب 11 من أبواب العود إلى منى الحديث 1 ص 373 ج 2 ط الأميري.

(3) التهذيب ج 5 ص 273 الرقم 933 و هو في الوافي الجزء الثامن ص 187 و الوسائل الباب 11 من أبواب العود إلى منى الحديث 2 ص 373 ط الأميري.

و سند الحديث هكذا: و روى محمد بن الحسين عن يعقوب بن يزيد عن يحيى بن المبارك عن عبد اللّه بن جبلة عن محمد بن يحيى الصيرفي عن حماد بن عثمان عن ابى عبد اللّه (عليه السلام).

قال المحقق الأردبيلي في زبدة البيان ص 283 ط المرتضوي بعد نقل الحديثين: و في الفقيه أيضا بعض الاخبار و لكنها لا تصلح لتخصيص القرآن العزيز؟؟؟ القطعي لعدم صحة سندها فان محمد ابن المستنير غير معلوم الحال و في الرواية الثانية محمد بن الحسين المشترك مع عدم العلم بطريق الشيخ اليه، و يحيى بن المبارك المجهول و عبد اللّه بن جبلة الواقفي و وجود محمد بن يحيى الصيرفي قال في الاستبصار انه كان عاميا مع قصور في الدلالة أيضا الى آخر ما أفاده و قد أجاد و تعجب من ابن إدريس و صاحب مجمع البيان فراجع.

225

في قول اللّه عزّ و جلّ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ لمن اتّقى الصيد يعني في إحرامه، فإن أصابه لم يكن أن ينفر في النّفر الأوّل، و هما ضعيفتان لكن الظاهر من أصحابنا الإجماع على ذلك و ربما ورد في أخبار أخر أيضا.

و ظاهر ابن إدريس اعتبار الاتّقاء عن جميع محرّمات الإحرام، زيادة على ما تقدّم و يؤيّده رواية سلّام بن المستنير (1) عن الباقر (عليه السلام) أنّه لمن اتّقى الرّفث و الفسوق و الجدال، و ما حرّم اللّه عليه في إحرامه، لكنّها ضعيفة، و على اعتبار اتّقائهما فالظاهر عموم الحكم بالنّسبة إلى كلّ محرم كما يعطيه العموم فتخصيص الحلبي ذلك بغير الضرورة، و حكمه فيه بعدم جواز النّفر في الأوّل بعيد هذا.

و قد روى الكلينيّ في معنى الآية عن سفيان بن (2) عيينة عن أبى عبد اللّه (عليه السلام)

____________

(1) الفقيه ج 2 ص 288 الرقم 1416 و هو في الوافي الجزء الثامن ص 188 و الوسائل الباب 11 من أبواب العود إلى منى الحديث 7 ص 373 ج 2 ط الأميري و في نسخة الوسائل اشتباه حيث ذكر الراوي محمد بن المستنير و انما هو سلام بن المستنير، و محمد بن المستنير هو الراوي للحديث الماضي الحديث 1 من الباب المذكور في الوسائل.

و قريب من الحديث مع تفاوت ما في العياشي ج 1 ص 99 الرقم 280 عن سلام بن المستنير و حكاه في البحار ج 21 ص 73 و البرهان ج 1 ص 205.

(2) الكافي ج 1 ص 307 باب النفر من منى الحديث 10 و هو طويل و هو في المرآة ج 3 ص 348 و الوافي الجزء الثامن ص 188 و روى الشطر الذي نقله المصنف هنا في الفقيه ج 2 ص 288 الرقم 1420 و حكاه في الوسائل الباب 11 من أبواب العود إلى منى الحديث 10 ص 373 ج 2 ط الأميري.

و حيث ان الحديث فيه فوائد جمة حتى عبر عنه بعض الاعلام بالحديث الشريف ننقله بتمامه كما في الكافي:

على بن إبراهيم عن أبيه و على بن محمد القاساني جميعا عن القاسم بن محمد عن سليمان بن داود المنقري عن سفيان بن عيينة عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال: سأل رجل أبى بعد منصرفه من الموقف فقال أ ترى يخيب اللّه هذا الخلق كله؟ فقال أبى ما وقف بهذا الموقف عبد (احد خ ل) الا غفر اللّه له مؤمنا كان أو كافرا الا انهم في مغفرتهم على ثلث منازل:

مؤمن غفر اللّه له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر، و أعتقه من النار، و ذلك قوله عز و جل «رَبَّنٰا آتِنٰا فِي الدُّنْيٰا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَ قِنٰا عَذٰابَ النّٰارِ أُولٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمّٰا كَسَبُوا وَ اللّٰهُ سَرِيعُ الْحِسٰابِ» و منهم من غفر اللّه له ما تقدم من ذنبه، و قيل له أحسن فيما بقي من عمرك، و ذلك قوله عز و جل فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ وَ مَنْ تَأَخَّرَ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ يعنى من مات قبل أن يمضي فلا اثم عليه و من تأخر فلا اثم عليه لمن اتقى» الكبائر.

و اما العامة فيقولون فمن تعجل في يومين فلا اثم عليه يعني في النفر الأول و من تأخر فلا اثم عليه، يعنى لمن اتقى الصيد، أ فترى أن الصيد يحرمه اللّه بعد ما أحله في قوله عز و جل «وَ إِذٰا حَلَلْتُمْ فَاصْطٰادُوا» و في تفسير العامة معناه «فإذا حللتم فاتقوا الصيد».

و كافر وقف هذا الموقف زينة الحيوة الدنيا غفر اللّه له ما تقدم من ذنبه ان تاب من الشرك فيما بقي من عمره، و ان لم يتب وفاه (وافاه خ ل) أجره و لم يحرمه أجر هذا الموقف، و ذلك قوله عز و جل مَنْ كٰانَ يُرِيدُ الْحَيٰاةَ الدُّنْيٰا وَ زِينَتَهٰا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمٰالَهُمْ فِيهٰا وَ هُمْ فِيهٰا لٰا يُبْخَسُونَ أُولٰئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النّٰارُ وَ حَبِطَ مٰا صَنَعُوا فِيهٰا وَ بٰاطِلٌ مٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ انتهى حديث الكافي.

و للمحدث الكاشاني بيان في الوافي للحديث يعجبنا نقله قال (قدّس سرّه):

بيان: يعنى من مات قبل أن يمضي يعني إلى أهله فلا اثم عليه لخروجه من ذنبه بحجه و من تأخر يعنى تأخر موته فلا اثم عليه يعني في بقية عمرة إذا اتقى الكبائر يعني لمن اتقى الصيد أي في بقية عمره، فإنكاره (عليه السلام) هذا التفسير لا ينافي ما مضى و ما يأتي من تفسيره (عليه السلام) الاتقاء باتقاء الصيد لانه (عليه السلام) فسره فيما مضى باتقائه إياه إلى النفر الأخير، و لم يفسر في شيء منها باتقائه إياه بقية عمرة كما قالته العامة.

و كلما فسر الاتقاء بالصيد و نحوه من محرمات الإحرام فالمراد بالتعجيل و التأخير التعجيل و التأخير في النفر و لمن اتقى متعلق بالجملتين معا يعني أنهما سواء للمتقي و كلما فسر بالكبائر و الذنوب فالمراد بهما تعجل الموت و تأخره و لمن اتقى متعلق بالجملة الأخيرة.

ثم قال (قدّس سرّه) و الاختلاف في تأويلهم المتشابه ليس بمستنكر لان القرآن ذو وجوه انتهى.

و قال المجلسي عند شرح الحديث في المرآة بعد استبعاد قولهم الاتقاء بقية العمر و تفسير الاتقاء باتقاء الصيد و لم ينقل عنهم ذلك: و لعله قال به بعضهم في ذلك الزمان و لم ينقل أو غرضه (عليه السلام) انه يلزمهم ذلك و ان لم يقولوا به انتهى ما أردنا نقله.

ثم أقول: و مما يؤكد مفاد هذا الحديث الشريف في معنى الآية الحديث الذي رواه العياشي ج 1 ص 95 بالرقم 257 عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر و رواه في البحار ج 21 ص 40 و البرهان ج 1 ص 200 و ما رواه في ص 99 بالرقم 279 عن معاوية بن عمار عن أبى عبد اللّه و رواه في البحار ج 21 ص 73 و البرهان ج 1 ص 205 في معنى الآية انه يرجع مغفورا له لا ذنب له.

226

في قول اللّه عزّ و جلّ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ يعني من مات فلا إثم عليه «وَ مَنْ تَأَخَّرَ» أجله «فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقىٰ» الكبائر لكن الرّواية ضعيفة، و كونه بعيدا عن الظاهر فلذا لم يعتبره الأصحاب و حملوها على ما تقدّم.

و هل يعتبر في اتقاء الصّيد اتّقاؤه إلى وقت النفر فقط؟ الظاهر ذلك، فانّ

227

الشّرط إنّما هو الاتّقاء إلى زمان النفر الأوّل لا بعده، و يظهر من الطّبرسيّ اعتبار اتّقائه إلى انقضاء النفر الأخير، و فيه بعد فإنّه بعد حصول النفر منه في الأوّل لو لم يتّق الصيد في ثاني الحال لم يبطل نفره إجماعا.

228

و قد يستدلّ له بما رواه معاوية بن عمّار في الصحيح (1) قال ينبغي لمن تعجّل في يومين أن يمسك عن الصّيد حتّى ينقضي اليوم الثّالث، و لا دلالة لها على ذلك بوجه نعم فيها دلالة على أنّ الصّيد الّذي حرّم بسبب الإحرام إنّما يرتفع تحريمه عن الّذي نفر في الأوّل بانقضاء اليوم الثالث من أيّام التّشريق، و إن أحلّ من جميع المحرّمات غيره و إلى هذا يذهب ابن الجنيد و في الأخبار دلالة عليه أيضا:

روى الشيخ عن (2) معاوية بن عمّار: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) من نفر في النفر الأوّل متى يحلّ له الصّيد قال إذا زالت الشمس من اليوم الثالث، و روى حمّاد بن عثمان (3) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال من أراد النفر في النفر الأوّل فليس له أن يصيب الصّيد حتّى ينفر النّاس الحديث.

و حمل أمثال هذه الرّوايات على الصّيد الحرميّ بعيد عن ظاهرها، و إنما ظاهرها الصّيد الإحرامي، و قد أوضحنا ذلك في شرح الدّروس، و حيث حكمنا بأنّ المتّقى للصّيد و النساء يجوز له النفر في الأوّل، فالمراد به من اتّقى منهما مطلقا أي عمدا و سهوا و جهلا كما هو الظاهر من اتّقائهما، لترتّب الكفّارة على ذلك في الصّيد هذا.

____________

(1) الفقيه ج 2 ص 289 الرقم 1424 و هو في الوافي الجزء الثامن ص 188 و الوسائل الباب 11 من أبواب العود إلى منى الحديث 5 ص 373 ج 2 ط الأميري.

(2) التهذيب ج 5 ص 491 الرقم 1759 و هو في الوافي الجزء الثامن ص 187 و الوسائل الباب 11 من أبواب العود إلى منى الحديث 3 ص 373 ج 2 ط الأميري.

(3) التهذيب ج 5 ص 490 الرقم 1758 و هو في الوافي الجزء الثامن ص 187 و الوسائل الباب 11 من أبواب العود إلى منى الحديث 3 ص 373 ج 2 ط الأميري.

و الحديث كذلك:

محمد بن عيسى عن محمد بن يحيى عن حماد عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال إذا أصاب المحرم الصيد فليس له ان ينفر في النفر الأول و من نفر في النفر الأول فليس له ان يصيب الصيد حتى ينفر الناس و هو قول اللّه تعالى فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ. فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقىٰ، قال اتقى الصيد.

229

و مقتضى الآية جواز النفر في الأوّل أيّ وقت شاء لإطلاق التعجيل في اليومين و هو يحصل في اليوم الثاني قبل الزّوال و بعده، لكن أصحابنا أوجبوا كونه بعد الزّوال و قبل الغروب، فلا يجوز عندهم النّفر الأوّل في اليوم الثاني قبل الزّوال للأخبار الدالّة عليه كصحيحه معاوية بن عمّار (1) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال إذا أردت أن تنفر في يومين فليس لك أن تنفر حتّى تزول الشمس، و إن تأخّرت إلى آخر أيّام التشريق و هو النفر الأخير فلا عليك أيّ ساعة نفرت و رميت، قبل الزّوال أو بعده الحديث.

و صحيحة أبي أيّوب (2) قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) إنّا نريد أن نتعجّل السير و كانت

____________

(1) الكافي ج 1 ص 307 باب النفر من منى الأول الحديث 3 و هو في المرآة ج 3 ص 348 و في التهذيب ج 5 ص 271 الرقم 926 رواه عن الكليني و للحديث في الكتابين ذيل لم يذكره المصنف و في الاستبصار ج 2 ص 300 الرقم 1073 و الفقيه ج 2 ص 287 الرقم 1414 نقل الحديث الى ما حكاه المصنف و في الفقيه بعده و هو بالرقم 1415 في النسخة المطبوعة بالنجف:

و سمعته يقول في قول اللّه عز و جل «فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ وَ مَنْ تَأَخَّرَ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقىٰ» فقال اتقى الصيد حتى ينفر أهل المني في النفر الأخير.

و روى حديث الفقيه في المنتقى ج 2 ص 589 و حديث الكليني و الشيخ في ص 596 و الظاهر أن مراد المصنف هنا حديث الشيخ و القرائن تدل عليه فهو اعتراف منه بصحة ما في سنده إبراهيم بن هاشم كما اخترناه و نبهنا عليه مرارا، و صرح العلامة بحديث الشيخ و حكم بصحته في المنتهى ج 2 ص 776 و المختلف الجزء الثاني ص 142 و كذا حكم بصحة الحديث من غير عزو في التذكرة ج 1 ص 396 ثم الحديث في الوافي الجزء الثامن ص 186 و الوسائل الباب 9 من أبواب العود إلى منى الحديث 2 ص 372 ج 2 ط الأميري.

(2) الكافي ج 1 ص 307 باب النفر من منى الحديث 1 و هو في المرآة ج 3 ص 348 و في التهذيب ج 5 ص 271 الرقم 927 و الاستبصار ج 2 ص 300 الرقم 1074 و للحديث ذيل لم يذكره المصنف و لم يروه في الاستبصار و هو:

فان اللّه عز و جل يقول فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ وَ مَنْ تَأَخَّرَ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ و روى الحديث في المنتقى ج 2 ص 591 بلفظ الكافي ثم قال: و روى الشيخ هذا الحديث بإسناده عن محمد بن يعقوب ببقية الطرق و في المتن أما اليوم الثاني فلا تنفر و فيه فانفر على كتاب اللّه و الحديث في الوافي الجزء الثامن ص 187 و الوسائل الباب 9 من أبواب العود إلى منى الحديث 3 ص 372 ط الأميري.

قال المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد: و لا يضر وجود على بن الحكم و ان كان هو ابن أخت داود ابن النعمان بقرينة نقله عن داود لانه غير مذموم و مؤيده و يحتمل كونه الثقة لثبوت نقل احمد بن محمد عنه و عدم ثبوت نقله عن غير الثقة و عدم ثبوت نقله عن ابن أخت داود و لا اشتراك أبي أيوب لأن الظاهر انه الخزاز الثقة و كأنه لبعض ما تقدم ما سمى في المنتهى بالصحة و لا يضر انتهى.

230

ليلة النفر حين سألته- فأيّ ساعة ننفر؟ فقال لي: أمّا اليوم الثاني فلا تنفر حتّى تزول الشمس ليلة النفر، و أمّا اليوم الثالث فإذا ابيضّت الشمس فانفر على بركة اللّه الحديث و نحوهما من الأخبار الدالّة على ذلك، و هي مقيّدة لظاهر الآية.

و لا ينافيها رواية زرارة (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال لا بأس أن ينفر الرّجل في النفر الأوّل قبل الزوال، و رواية أبي بصير (2) سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل ينفر في النفر الأوّل، قال: له أن ينفر ما بينه و بين أن تصفرّ الشمس. لأنّهما غير واضحتي الصحّة (3) فلا يعارضان ما تقدّم، و حملهما الشيخ على المضطرّ جمعا بين الأخبار و هو جيّد.

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 272 الرقم 928 و الاستبصار ج 2 ص 301 الرقم 1075.

(2) التهذيب ج 5 ص 272 الرقم 931 و الفقيه ج 2 ص 388 الرقم 1421 و تمام الحديث فان هو لم ينفر حتى يكون عند غروبها فلا ينفر و ليبت بمنى حتى إذا أصبح فطلعت الشمس فينفر متى شاء.

(3) قلت و في الباب حديث صحيح عن جميل بن دراج عن ابى عبد اللّه المروي في التهذيب ج 5 ص 274 الرقم 933 و الكافي ج 1 ص 307 باب النفر من منى الأول الحديث 6 و الفقيه ج 2 ص 289 بالرقم 1425 و 1426 قال لا بأس ان ينفر الرجل في النفر الأول ثم يقم بمكة.

و زاد في الفقيه: كان ابى (عليه السلام) يقول من شاء رمى الجمار ارتفاع النهار ثم ينفر قال فقلت له الى متى يكون رمى الجمار فقال من ارتفاع النهار الى غروب الشمس و من أصاب الصيد فليس له ان ينفر في النفر الأول و هو في المنتقى ج 2 ص 590.

و هذا الحديث ان لم يختص بالنفر الأول فهو كالنص للشمول له لان مبدء الكلام و آخره متعلق به و قد يحتمل احاديث جواز النفر قبل الزوال على حمل الثقل ففي الفقيه ج 2 ص 288 بالرقم 1422 و روى الحلبي انه سئل عن رجل ينفر في النفر الأول قبل ان تزول الشمس فقال لا و لكن يخرج ثقله ان شاء و لا يخرج هو حتى تزول الشمس.

231

و لا يرد أنّه إذا جاز الرّمي قبل الزّوال، فليجز النفر قبله أيضا بعد الرمي لعدم الفائدة في التوقّف سواه و جواز الرّمي قبل الزّوال معلوم من الأخبار الدالّة على أنّ زمان الرمي من طلوع الشمس إلى غروبها و قد تظافرت في ذلك، و هو المشهور بين الأصحاب.

بل كاد أن يكون إجماعا، إذ لم يعرف فيه مخالف سوى الشيخ في الخلاف و قد وافق عليه في أكثر كتبه، و ما دلّ عليه من صحيحه معاوية بن عمّار (1) عن الصادق (عليه السلام) قال: ارم كلّ يوم عند زوال الشمس محمولة على الاستحباب جمعا بين الأدلّة لأنّ الحكم بكون النفر ذلك الوقت لا يتوقّف على عدم صحّة الرمي قبله، بل هو تعبّد من الشّارع غير معلوم العلّة، يجب العمل بمقتضاه.

و قد وافقنا على كون النفر الأوّل بعد الزّوال الشافعيّ لأنّه لا يجوّز الرمي إلّا بعد الزّوال، و معلوم أنّه لا يجوّز النفر الأوّل إلّا بعد الرمي و أبو حنيفة و إن جوّز

____________

(1) الكافي ج 1 ص 297 باب رمى الجمار في أيام التشريق الحديث 1 و التهذيب ج 5 ص 261 الرقم 888 و الاستبصار ج 2 ص 296 الرقم 1057 رواه الشيخ عن الكليني و الحديث في المرآة ج 3 ص 338 و رواه في المنتقى عن الكليني ج 2 ص 162 و في الوافي الجزء الثامن ص 162 و ترى اجزاء الحديث في الوسائل أبواب رمى جمرة العقبة من ص 346 الى ص 349 ج 2 ط الأميري.

232

الرمي قبل الزّوال و بعده إلّا أنّه جوّز النفر الأوّل قبل طلوع الفجر، فإذا طلع الفجر لزم التأخير إلى تمام الأيّام الثلاثة.

و ظاهر الآية حجّة عليه، لظهور أنّ التعجيل في اليومين إنّما يكون بعد الدّخول في الثاني مع أنّه يستلزم ترك الرّمي في اليوم الثاني، إلّا أنّه (1) يجوّزه في اللّيل كما في صورة الخوف و العذر.

و إنّما اعتبرنا كونه قبل الغروب لأنّه لو غربت عليه الشمس لم يجز له النفر حينئذ و وجب عليه أن يبيت اللّيلة الثالثة و يرمي يومها كما دلّت عليه الأخبار المعتبرة الاسناد المتظافرة في ذلك و هو مقيّدة لظاهر الآية أيضا، و الأولى أن يؤخّر النفر إلى اليوم الثالث، ليفوز بعبادة كاملة في منى تمام الأيّام، و لا مانع من أن يقع التخيير بين الفاضل و الأفضل كما قاله في الكشاف (2) يقول: إن أعلنت الصدقة فحسن و إن أسررت فحسن أيضا مع أنّ الإسرار أحسن و أفضل (3).

«وَ اتَّقُوا اللّٰهَ» بالاجتناب عن معاصيه، و التباعد عنها فيما يستقبل من الزّمان

____________

(1) في نسخة سن: و فيه أنه.

(2) الكشاف ج 1 ص 250 ط دار الكتاب العربي.

(3) و في حاشية لملا سراب على زبدة البيان أتحفنا الأستاد مدرسى چهاردهى مد ظله:

الترتيب المناسب لظاهر قانون العطف تقديم الاسرار هيهنا و تقديم الأفضل في النفر، الا أن يؤيد خلاف القانون المشهور أمر آخر و هو هيهنا الترتيب الوجودي لكن يمكن رعاية ترتيب الوجود مع مخالفتها لظاهر قانون العطف ان كان الدليل الخارج داعيا عليها و لا يمكن الاستدلال هيهنا بمحض الترتيب لاحتمال موافقة الترتيب الوجودي لظاهر القانون.

و كان الداعي على هذا التنزيل بعض الروايات و لا يبعد الاستدلال على أفضلية النفر الأخير بما رواه الشيخ في الصحيح عن جميل بن دراج عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال لا بأس بأن ينفر الرجل في النفر الأول ثم يقيم بمكة، لأن الظاهر من سلب البأس عن الأول مع ظهور القائل به هو رجحان الثاني انتهى.

قلت قد مر حديث جميل منا قبيل ذلك في ص 230.

233

و فيه حثّ على ملازمة التقوى فيما بقي من عمره، و تنبيه على مجانبة الاغترار بالحج السابق.

«وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ» للجزاء بعد الإعادة من قبوركم، و أصل الحشر الجمع و ضمّ المتفرّق، و المحشر المكان الّذي يجتمعون فيه، و في الآية ترهيب من فعل المعاصي و ترغيب في الطاعات و قد مرّ نظيرها مرارا.

السابعة:

[إِنَّ الصَّفٰا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعٰائِرِ اللّٰهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمٰا وَ مَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللّٰهَ شٰاكِرٌ عَلِيمٌ] (1) إِنَّ الصَّفٰا وَ الْمَرْوَةَ علمان للجبلين المعروفين بمكّة قريبان من المسجد الحرام و هما الآن ركنان معروفتان هناك، و الصفا في اللّغة صخرة ملساء و عن الأصمعيّ المروة أحجار بيض برّاقة يقدح منها النار، الواحدة مروة.

مِنْ شَعٰائِرِ اللّٰهِ جمع شعيرة و هي العلامة أي من أعلام مناسكه و متعبّداته.

فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ قصده لأداء المناسك المعلومة «أَوِ اعْتَمَرَ» زار البيت للعمل المخصوص أخذا من الاعتمار و هو الزّيارة فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمٰا أصل الطواف الدوران حول الشيء، و ليس بمراد هنا بل المراد السعي بينهما (2).

و لعلّ نفي الجناح في الآية لا ينافي الوجوب لما قيل إنّ إساف كان على الصفا و نائلة على المروة و هما صنمان يروى (3) أنّهما كانا رجلا و امرأة زنيا في الكعبة فمسخا حجرين فوضعا عليهما ليعتبر بهما، فلما طالت المدّة عبدا من دون اللّه فكان أهل الجاهلية إذا سعوا مسحوهما فلمّا جاء الإسلام و كسرت الأصنام تحرّج المسلمون الطواف بينهما لذلك فنزلت.

____________

(1) البقرة: 158.

(2) و في سن: و قد يطلق على التردد بين الشيئين و يعبر عنه بالسعي و هو المراد.

(3) انظر شرح النووي على صحيح مسلم ج 9 ص 22 و ليس مسخ الزانيين مأثورا عن المعصوم و انما هو حكاية عن بعض فلا تغفل.

234

و روى أصحابنا أنّه (1) سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن السّعى بين الصفا و المروة أ فريضة أو سنة؟ قال فريضة، قلت: أو ليس إنّما قال اللّه عزّ و جلّ فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمٰا قال ذلك في عمرة القضاء إنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) شرط عليهم أن يرفعوا الأصنام بين الصفا و المروة فتشاغل رجل حتّى انقضت الأيّام فأعيدت الأصنام، فأنزل اللّه تعالى إِنَّ الصَّفٰا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعٰائِرِ اللّٰهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمٰا أي و عليهما الأصنام.

فعلى هذا ليس المراد من رفع الجناح التخيير بين الفعل و الترك كما فهمه جماعة من العامة (2) و حكموا بأنّه تطوّع مندوب إليه لا أنّه واجب لأنّ نفى الجناح [إنّما يدلّ على رفع الحرج و الإثم، و ظاهر أنّ ما لا حرج و لا إثم في فعله يدخل تحته الواجب

____________

(1) انظر الكافي ج 1 ص 285 باب السعي بين الصفا و المروة الحديث 8 و هو في المرآة ج 3 ص 328 و رواه في التهذيب عن الكليني ج 5 ص 149 الرقم 490 و هو في الوافي الجزء الثامن ص 140 و الوسائل الباب 1 من أبواب السعي الحديث 6 ص 329 ج 2 ط الأميري.

و قريب منه في العياشي ج 1 ص 149 الرقم 133 و نقله في البحار ج 21 ص 54 و البرهان ج 1 ص 170 و قريب منه ما في المجمع ج 1 ص 240.

(2) لكن جمهورهم على كونه واجبا و ركنا و اليه ذهب مالك و الشافعي و إسحاق و هو قول عائشة و عروة و عند الحنفية و الكوفيين أنه واجب يجبر بالدم، و به قال الحسن البصري و قتادة و سفيان الثوري، و قال أنس و ابن الزبير و محمد بن سيرين انه تطوع و نقله في الخلاف و المغني عن ابن عباس و أبى بن كعب أيضا و نقله البيضاوي عن ابن عباس و اختلف الرواية عن احمد كهذه الأقوال الثلاثة.

و قد أغرب الطحاوي فقال قد اجمع العلماء على انه لو حج و لم يطف بالصفا و المروة أن حجه قد تم و عليه دم و الذي حكاه صاحب الفتح و غيره عن الجمهور أنه ركن لا يجبر بالدم و لا يتم الحج بدونه و قال ابن العربي ان السعي ركن في العمرة بالإجماع و انما الخلاف في الحج.

انظر تفصيل ما تلوناك في الخلاف ج 1 ص 405 المسئلة 40 من أبواب الحج و المنتهى ج 2 ص 706 و التذكرة ج 1 ص 366 و بداية المجتهد ج 1 ص 333 و المغني لابن قدامة ج 3 ص 388 و نيل الأوطار ج 5 ص 54 و فتح الباري ج 4 ص 244 و شرح الزرقانى على موطإ مالك ج 2 ص 317.

235

و المندوب و المباح ثمّ يمتاز كلّ واحد من الثلاثة بقيد زائد، فاذن ظاهر الآية] (1) إنّما يدلّ على الجواز الداخل في معنى الوجوب كما يقتضيه سبب النّزول فلا يدفعه (2).

و قد انعقد إجماع أصحابنا الإماميّة (رضوان اللّه عليهم) على أنّ ذلك على الوجوب و رووه عن أئمّتهم (3) الطاهرين (صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين)، الّذين هم أعرف بظاهر القرآن و باطنه، و محكمه و متشابهه، إذ هم مهبط الوحي و معدن التنزيل.

و كما ذهب أصحابنا إلى وجوبه فقد ذهبوا إلى ركنيّته و بطلان الحجّ بتركه و قد تظافرت أخبارهم بذلك أيضا.

و قد اختلف العامّة القائلون بوجوبه، فمنهم من اقتصر على الوجوب كأبي حنيفة بل أوجب بتركه الدّم، و منهم من زاد على ذلك كونه ركنا يبطل الحجّ بتركه عمدا و هم المالكيّة و الشافعيّة: و استدلّ لهم صاحب الكشاف و البيضاوي بقوله (صلى اللّه عليه و آله و سلم) (4)

____________

(1) ما بين العلامتين من زيادات سن.

(2) و في سن: كما يقتضيه سبب النزول، فلا بد من معرفة كونه واجبا من دليل آخر.

(3) انظر الوسائل ج 2 ص 329 ط الأميري و مستدرك الوسائل ج 2 ص 158 و الوافي الجزء الثامن ص 140 و نور الثقلين ج 1 من ص 121 الى ص 124 و البرهان ج 1 ص 169 و ص 170 و البحار ج 21 من ص 53 الى 55.

(4) انظر الكشاف ج 1 ص 208 ط دار الكتاب العربي و البيضاوي ط المطبعة العثمانية ص 33 و في الشاف الكاف المطبوع ذيل الكشاف أنه أخرج الحديث الطبراني عن ابن عباس و الشافعي و أحمد و إسحاق و الطبراني و الدارقطنى و الحاكم عن حبيبة بنت أبى تجراة و الطبراني و البيهقي عن تملك العبدرية.

قلت و الحديث في الأم ج 2 ص 211 و سنن البيهقي ج 5 ص 98 و انظر طرق الحديث في الدر المنثور ج 1 ص 160 و معاجم الصحابة ترجمة برة و تملك و حبيبة بنات؟؟؟ أبى تجراة و لم يتحقق أنهن ثلاث أو ثنتان أو واحدة، و فيض القدير ج 2 ص 249 عند شرح الحديث بالرقم 1766 من الجامع الصغير و فتح الباري ج 4 ص 244 و فيه ذكر إخراج ابن خزيمة أيضا للحديث.

ثم أبو تجراة على ما في الفتح بكسر المثناة و سكون الجيم بعدها راء مهملة ثم هاء و في الإصابة ترجمة حبيبة ج 4 ص 260 الرقم 268 ان الدارقطنى ضبطها بفتح المثناة من فوق و في تاج العروس ج 1 ص 51 لغة (ج ز ء) مزجا بالقاموس: (و حبيبة) و يقال مصغرا (بنت ابى تجراة بضم التاء) الفوقية (و سكون الجيم) مع فتح الهمزة و في بعض النسخ بسكونها العبدرية (صحابية) روت عنها صفية بنت شيبة.

و في ج 10 منه ص 72 لغة (ج ري) مزجا بالقاموس: (و حبيبة بنت ابى تجراة) العبدرية بالضم (و يفتح أوله صحابية) روت عنها صفية بنت شيبة (أو هي بالزاي مهموزة، و قد ذكرت في الهمز و يقال حبيبة بالتشديد مصغرا انتهى.

ثم في الباب أحاديث أخر من أهل السنة تدل على وجوب السعي كحديث أبى موسى أخرجه البخاري في باب من أهل في زمن النبي (ص) كإهلال النبي (ص) و هو في ج 4 ص 160 فتح الباري و فيه فأمرني أي النبي (ص) فطفت بالبيت و بالصفا و المروة قال ابن حجر في شرحه و في رواية شعبة طف بالبيت و بالصفا و المروة.

و كحديث خذوا عنى مناسككم و سيأتي مصادره عند تمسك المصنف به.

و كحديث عائشة أخرجه مسلم و هو في شرح النووي ج 9 ص 21 و فيه قالت: ما أتم اللّه حج امرئ و لا عمرته لم يطف بين الصفا و المروة.

و قد تواتر الاخبار بسعيه (ص) بل في الآية أيضا دليل على الوجوب حيث جعل الصفا و المروة من شعائر اللّه و قد عرفت من المصنف معنى شعائر اللّه و انها اعلام مناسكه و متعبداته.

قال الأزهري الشعائر المقامة التي ندب اللّه إليها و أمر بالقيام عليها و قال الجوهري الشعائر أعمال الحج و كل ما جعل علما لطاعة اللّه و قال الزجاج في شعائر اللّه يعنى بها جميع متعبدات التي أشعرها اللّه اى جعلها اعلاما. انظر في ذلك اللسان (ش ع ر) فهو مطلوب جزما و هو معنى الوجوب و قد عرفت ان السر في التعبير بنفي الجناح تخطئة من ينكر كونه من الشعائر.

236

«اسعوا فانّ اللّه كتب عليكم السعي» أي فرضه عليكم «بينهما» و أجيب بأنّ قصارى

237

ما دلّ عليه الحديث الوجوب أمّا الركنيّة فلا (1) و ردّ بأنّه إذا كان فرضا عليهم في الحجّ لم يكن التارك له آتيا بالواجب على وجهه، فلا يخرج عن العهدة.

و لا يرد أنّه جار في صورة النّسيان، لأنّ الإجماع هناك دلّ على حصول الامتثال فتأمّل.

«وَ مَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً» أي فعل طاعة فرضا كانت أو نفلا، أو المراد أنّه تطوّع بخير زائد على ما وجب عليه من حجّ أو عمرة أو طواف و غيره، فلا ينافي ذلك وجوب السعي كما تقدّم.

و قد يستفاد من ذلك جواز السّعي زيادة على الواجب كما يجوز ذلك في الطواف و هو غير معهود بين أصحابنا، نعم لو زاد في السّعي شوطا سهوا و ذكر بعد إكمال الثامن فإنّه يستحبّ له إكمال ستّة أخرى ليحصل له سعيان، و لا يشرع استحباب السعي إلّا هنا، أمّا تكراره ابتداء كما في الطّواف فغير جائز عندهم، لعدم تعبّد الشّارع بمثله، فإثبات استحبابه تشريع. و لعلّ إطلاق الآية في ذلك محمولة على ما ورد التطوّع به من العبادات الّتي يستحبّ تكرارها غير السعي على ما علم من خارج.

«فَإِنَّ اللّٰهَ شٰاكِرٌ عَلِيمٌ» فيجازيه على ما تطوّع به، و لا يضيع سعيه، و عبّر بلفظ الشاكر تلطّفا بعباده (2) و مظاهرة في الإحسان و الأنعام إليهم كما قال عزّ و جلّ:

____________

(1) و في حاشية ملا محمد سراب على زبدة البيان التي أتحفنا الأستاذ مدرسى چهاردهى: الظاهر من وجوبه كونه من الاجزاء الواجبة للحج لا كونه واجبا خارجا عنه كوجوب الاجتناب عن الصيد فإذا كان من الاجزاء الواجبة له بقوله (ص) فالظاهر عدم تحقق الحج الذي طلبه الشارع بدونه و هو المقصود من الدلالة على الركنية انتهى.

(2) و في تفسير المنار ج 2 ص 46 هنا بيان يعجبنا نقله قال: و النكتة في اختيار هذا التعبير تعليمنا الأدب فقد علمنا سبحانه و تعالى أدبا من أكمل الآداب بما سمي إحسانه و انعامه على العاملين شكرا لهم. مع أن عملهم لا ينفعه و لا يدفع عنه ضرا فيكون أنعاما عليه و يدا عنده، و انما منفعته لهم فهو في الحقيقة من نعمه عليهم إذ هداهم اليه و أقدرهم عليه.

فهل يليق بمن يفهم هذا الخطاب الا على أن يرى نعم اللّه عليه لا تعد و لا تحصى و هو لا يشكره و لا يستعمل نعمه فيما سيقت لأجله، ثم هل يليق به أن يرى بعض الناس يسدي إليه معروفا ثم لا يشكره له و لا يكافئه عليه، و ان كان هو فوق صاحب المعروف رتبة و أعلى منه طبقة فكيف و قد سمى اللّه تعالى جده و جل ثناؤه أنعامه على من يحسنون إلى أنفسهم و الى الناس شكرا و اللّه الخالق و هم المخلوقون و هو الغنى الحميد و هم الفقراء المعوزون انتهى ما أردنا نقله.

238

مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّٰهَ قَرْضاً حَسَناً (1) و اللّه سبحانه لا يستقرض عن عوز و لكن ذكر هذا اللفظ على التلطّف، أي يعامل عباده معاملة المستقرض من حيث إنّ العبد ينفق ماله في الطاعة حال غناه، فيأخذ أضعاف ذلك في حال فقره و حاجته، فكذلك كان يعامل عباده معاملة الشاكرين من حيث أنّه يوجب الثناء و الثواب لهم.

و إرداف ذلك بالعلم للتّنبيه على أنّه تعالى لا يفوّت على أحد شيئا من جزائه على الطاعة، فإنّه لا يعزب عنه مثقال ذرّة فيعلم بالنيّات، و أنّ الافعال على أيّ وجه يقع بها.

الثامنة:

[وَ إِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثٰابَةً لِلنّٰاسِ وَ أَمْناً وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقٰامِ إِبْرٰاهِيمَ مُصَلًّى وَ عَهِدْنٰا إِلىٰ إِبْرٰاهِيمَ وَ إِسْمٰاعِيلَ أَنْ طَهِّرٰا بَيْتِيَ لِلطّٰائِفِينَ وَ الْعٰاكِفِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ] (2) وَ إِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ أي الكعبة، غلب عليها كما غلب النجم على الثريّا مَثٰابَةً لِلنّٰاسِ

____________

(1) البقرة: 245 و الحديد: 11.

(2) البقرة: 125.

239

مرجعا لهم يثوبون إليه كلّ عام، أي ليس هو مرّة على النّاس في الزّمان أو المراد أنّه لا ينصرف عنه أحد و هو يرى أنّه قد قضى منه وطرا، فهم يعودون إليه قال أبو جعفر (عليه السلام): يرجعون إليه لا يقضون وطرا (1).

و قد يستدلّ به على استحباب تكرار الحجّ، مرّة بعد أخرى، و قد تظافرت الأخبار (2) بذلك. و في بعضها أنّ من رجع من مكّة (3) و هو ينوى الحجّ من قابل زيد في عمره، و من خرج و هو لا ينوي العود إليها فقد قرب أجله، أو المراد أنّه موضع ثواب لهم يثابون على حجّه و اعتماره، و مثابة مفعلة و أصلها مثوبة من ثاب يثوب مثابة و مثابا إذا رجع فنقلت حركة الواو إلى الثاء ثمّ قلبت على ما قبلها.

«وَ أَمْناً» و موضع أمن لا يتعرّض لأهله بما يوجب الإيذاء كقوله حَرَماً آمِناً وَ يُتَخَطَّفُ النّٰاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ (4) لما جعل اللّه في نفوس العرب من تعظيمه حتّى كانوا لا يتعرّضون لمن كان فيه، فهو آمن على نفسه و ماله، و إن كانوا يتخطّفون من حوله.

____________

(1) انظر التبيان ج 1 ص 154 ط إيران.

(2) انظر الوسائل الباب 46 من أبواب وجوب الحج ج 2 ص 150 ط الأميري و ص 10 ج 2 مستدرك الوسائل و في خلال سائر الأبواب أيضا ما يدل على ذلك.

(3) انظر الوسائل الباب 58 من أبواب وجوب الحج ج 2 ص 153 ط الأميري و في التهذيب ج 5 ص 462 بالرقم 1612 عن أبى خديجة قال كنا مع أبى عبد اللّه (عليه السلام) و قد نزلنا الطريق فقال ترون هذا الجبل ثافلا ان يزيد بن معاوية لعنهما اللّه لما رجع من حجه مرتحلا الى الشام ثم أنشأ يقول.

إذا تركنا ثافلا يمينا * * * فلن نعود بعده سنينا

للحج و العمرة ما بقينا فأماته اللّه قبل أجله، و مثله فيه بالرقم 1546 و مثله في الفقيه ج 2 ص 142 الرقم 615 و ثافل اسم جبل قيل انه بين مكة و الشام على يمين الراجع من مكة إلى الشام قال ياقوت جبلان يقال لأحدها ثافل الأكبر و للآخر ثافل الأصغر.

(4) العنكبوت: 67.

240

و قد يستدلّ به على أنّه لا يجوز التعرّض للجاني في غيره إذا التجأ إليه، و لا يقام عليه الحدود و هو كذلك عند أصحابنا، فإنّهم يذهبون إلى أنّ الحرم كلّه مأمن الخائف الملتجئ إليه لا يقام عليه فيه شيء من الحدود، و قال الشّافعي إنّ الامام يأمر بالتضيّق عليه بما يؤدّي إلى خروجه، فإذا خرج أقيم عليه الحدّ في الحلّ، فان لم يخرج جاز قتله فيه، و كذلك من قاتل في الحرم جاز قتاله فيه، و عند أبي حنيفة لا يستوفى قصاص النفس في الحرم إلّا أن ينشئ القتل فيه، و لكن يضيّق الأمر عليه، و لا يكلّم و لا يطعم و لا يعامل، حتّى يخرج فيقتل، و سلّم أنّه يستوفى منه قصاص الطرف، و عند أحمد لا يستوفى من الملتجئ واحد من القصاصين، و الأصحّ ما ذهب إليه أصحابنا لإطلاق الأمن إلّا أن يقال: مقتضى الآية كون البيت أمنا لا الحرم، و مع هذا ففي استفادة الحكم من ظاهر الآية تأمل إذ يجوز أن يكون المراد أنّه أمن من عذاب الآخرة أو لا يتعرّض له بالخراب و لا لأهله بالأذى، نعم يتمّ ذلك بمعونة ما يدلّ عليه من الأخبار بحيث يظهر منها أنّه المقصود من الآية و قد مرّ نظيره سابقا.

«وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقٰامِ إِبْرٰاهِيمَ مُصَلًّى» على إرادة القول أي و قلنا اتّخذوا منه موضع صلاة تصلّون فيه، و «من» هذه تجريديّة نحو رأيت منك أسدا، أو عطف على المقدّر عاملا لإذ، أو اعتراض معطوف على مضمر تقديره توبوا إليه و اتّخذوا، على أنّ الخطاب لامّة محمّد (صلى اللّه عليه و آله و سلم) [أن يتّخذوا من مقام إبراهيم مصلّى أو المعنى أنّا لمّا شرّفناه و وصفناه بكونه مثابة للنّاس و أمنا فاتّخذوه أنتم قبلة لأنفسكم على أنّ الواو بمعنى الفاء كما قيل] (1).

قال الطبرسيّ في مجمع البيان استدلّ أصحابنا به على أنّ صلوه الطواف فريضة مثل الطواف لأنّ اللّه تعالى أمر بذلك و ظاهر الأمر يقتضي الوجوب، و لا صلاة واجبة عند مقام إبراهيم غير صلاة الطّواف بلا خلاف، قلت و على الوجوب أكثر أصحابنا و هو المشهور فيما بينهم، و نقل ابن إدريس عن شذاذ منهم الاستحباب، و على الوجوب الشافعيّ في أحد قوليه و جماعة من العامّة، و أكثرهم على الاستحباب، و يدلّ على الوجوب

____________

(1) من مختصات نسخة سن.

241

ظاهر الأمر في الآية، و ورود الأخبار المتظافرة بالأمر بها، مع عدم ظهور المعارض فيعمل الأمر عمله.

روى محمّد بن مسلم (1) في الصّحيح عن أحدهما (عليه السلام) قال: سئل عن رجل طاف طواف الفريضة و لم يصلّ الركعتين حتّى طاف بين الصّفا و المروة ثمّ طاف طواف النّساء و لم يصلّ لذلك حتّى ذكر، و هو بالأبطح، قال يرجع إلى المقام فليصلّ الركعتين و في الصّحيح عن معاوية بن عمّار (2) قال: قال أبو عبد اللّه إذا فرغت من طوافك فائت مقام إبراهيم و صلّ ركعتين، و في الحسن عن محمّد بن مسلم (3) قال سألت أبا جعفر (عليه السلام)

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 138 الرقم 455 و الاستبصار ج 2 ص 234 الرقم 810 و الكافي ج 1 ص 283 باب السهو في ركعتي الطواف الحديث 6 مع تفاوت و هو في المرآة ج 3 ص 325 و حكاه في المنتقى ج 2 ص 466 و لفظ المصنف كالتهذيب و في الكافي «و طاف بعد ذلك طواف النساء» مكان «ثم طاف طواف النساء» «و لم يصل أيضا لذلك الطواف» مكان «و لم يصل لذلك الطواف» «حتى ذكر بالأبطح» مكان «و هو بالأبطح» «يرجع الى مقام إبراهيم فيصلي» مكان «يرجع المقام فيصلي ركعتين» صرح بذلك الاختلاف في المنتقى أيضا.

و الحديث في الوافي الجزء الثامن ص 138 و الوسائل الباب 74 من أبواب الطواف الحديث 6 ص 324 ج 2 ط الأميري.

(2) التهذيب ج 5 ص 136 الرقم 450 و الكافي ج 1 ص 282 باب ركعتي الطواف و الحديث طويل أخذ المصنف موضع الحاجة و رواه في المنتقى ج 2 ص 505 و فيه توضيح مواضع الاختلاف و هو في الوافي الجزء الثامن ص 136 و الوسائل الباب 71 من أبواب الطواف الحديث 4 ص 323 ج 2 ط الأميري.

(3) الكافي ج 1 ص 282 باب ركعتي الطواف الحديث 3 و هو في المرآة ج 3 ص 324 و هو في الوافي الجزء الثامن ص 136 و الوسائل الباب 76 من أبواب الطواف الحديث 1 ص 324 ج 2 ط الأميري.

قال المجلسي (قدّس سرّه) في شرح الحديث: قوله قبل الغروب يدل على أن المراد بقوله حين غربت الشمس القريب منه و على أنه لا يكره الطواف في هذا الوقت كالنافلة المبتدئة و في بعض النسخ قبل المغرب و لعله أظهر فيدل على تقديم صلاة الطواف على صلاة المغرب، ان حمل المغرب على الصلاة، و ان حمل على الوقت فلا، قال في المنتهى لو طاف وقت الفريضة قال الشيخ تقدم الفريضة على صلاة الطواف و عندي أنه ان كان الطواف واجبا تخير و الأقدم الفريضة انتهى ما في المرآة.

242

عن رجل طاف طواف الفريضة و فرغ من طوافه حتّى غربت الشمس، قال: وجبت تلك الساعة الرّكعتان، فليصلّهما قبل المغرب.

و الأخبار في ذلك كثيرة و ما استدلّ به العلّامة في المختلف (1) للخصم من الأصل لا وجه له، بعد وجود الدّليل النّاقل عنه، و استدلّ له في المنتهى (2) بأنّها صلاة لم يشرع لها أذان و لا إقامة، فلا يكون واجبة كسائر النوافل، و أجاب بأنّ سقوط الأذان لا يدلّ على الاستحباب كالمنذور، و صلاة العيد، و بالجملة فالقول بالندبيّة لا وجه له، بعد ما تلوناه.

فان قيل أ ليس قد قرأ نافع و أبو عامر «و اتّخذوا» بلفظ الماضي عطفا على جعلنا فكيف يصحّ الاستدلال بها على الوجوب، قلت: قراءة الماضي (3) أيضا يكون بمعنى الأمر صونا للقراءتين عن التنافي، و إن أبيت ذلك قلت: الآية بمعونة الأخبار تدلّ على ذلك قطعا.

ثمّ إنّ الآية كالمجملة في كون موضعهما المقام و لكن الأخبار واردة بالصّلوة عنده أو خلفه، فيجب المصير إليها في إيقاع الصّلوة في ذلك المكان المعدّ الآن للصّلوة و إلّا فالمقام الحقيقيّ الّذي هو الصّخرة الّتي فيها أثر قدمي إبراهيم (عليه السلام) ممّا لا يمكن

____________

(1) انظر المختلف الجزء الثاني ص 118.

(2) انظر المنتهى ج 2 ص 691.

(3) و في سن زيادة هي: قلت على قراءة الماضي يكون الآية اخبارا عن ولد إبراهيم (عليه السلام) أنهم اتخذوا من مقامه مصلى و لا شك أن ذلك بتعليم إبراهيم (عليه السلام) و قد قال تعالى «وَ اتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرٰاهِيمَ حَنِيفاً» فيتم الوجوب و ان أبيت ذلك قلت إلخ.

243

الصّلوة عليها، و في أخبارنا دلالة على ذلك أيضا روى إبراهيم بن أبي محمود في الصّحيح (1) قلت للرّضا (عليه السلام) أصلّي ركعتي الطواف خلف المقام حيث هو الساعة أو حيث كان على عهد رسول اللّه؟ قال: حيث هو الساعة، و نحوها، و مقتضى الآية و أكثر الأخبار عدم جواز صلاة هاتين الركعتين في غير المقام، و هو قول أكثر الأصحاب.

و قال الشيخ في الخلاف يستحبّ أن يصلّيهما خلف المقام، فان لم يفعل و فعل في غيره أجزأه، و هو صريح الحلبي و ذهب إليه ابن بابويه في المقنع لكن في صلاة طواف النّساء فقطّ، لا في مطلق الطّواف. و ظاهر الآية حجّة عليهم، و صحيحة محمّد بن مسلم السّالفة دالّة على ذلك أيضا، و روى صفوان (2) عمّن حدّثه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال ليس لأحد أن يصلّي ركعتي طواف الفريضة إلّا خلف المقام لقوله تعالى وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقٰامِ إِبْرٰاهِيمَ مُصَلًّى فان صلّيتها في غيره فعليك إعادة الصّلوة و نحوها من الاخبار.

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 137 الرقم 453 و الكافي ج 1 ص 282 باب ركعتي الطواف الحديث 4 و هو في المرآة ج 3 ص 324 و فيه أن الحدث صحيح و عليه اتفاق الأصحاب و هو في المنتقى ج 2 ص 466 و في الوافي الجزء الثامن ص 136 و الوسائل الباب 71 من أبواب الطواف الحديث 1 ص 323 ج 2 ط الأميري.

(2) التهذيب ج 1 ص 137 الرقم 451 و هو في الوافي الجزء الثامن ص 137 و الوسائل الباب 72 من أبواب الطواف ص 323 ج 2 ط الأميري.

و الحديث يدل بمفهومه على جواز صلاة طواف النافلة في غير المقام ثم الحديث و ان كان مرسلا الا ان الراوي لما كان صفوان ابن يحيى المجمع عليه فهو بمنزلة المسند الى العدل.

قال الشيخ في العدة ص 63 ط إيران: و إذ كان أحد الراويين مسندا و الأخر مرسلا نظر في حال المرسل فان كان ممن يعلم أنه لا يرسل الا عن ثقة فلا ترجيح لخبر غيره على خبره و لأجل ذلك سوت الطائفة بين ما يرويه محمد بن ابى عمير و صفوان ابن يحيى و أحمد بن محمد بن ابى نصر و غيرهم من الثقات الذين عرفوا بأنهم لا يروون و لا يرسلون الا عن من يوثق به و بين ما أسنده غيرهم و لذلك عملوا بمراسيلهم إذا انفردوا عن رواية غيرهم انتهى ما أردنا نقله.

244

و لعلّ مستند الخصم ما رواه إسحاق بن عمّار (1) عن الصّادق (عليه السلام) قال كان أبى يقول من طاف بهذا البيت أسبوعا و صلّى ركعتين في أيّ جوانب المسجد شاء، كتب اللّه له ستّة آلاف حسنة الحديث.

و فيه نظر لضعف المستند (2)، و ظهور ذلك في طواف التطوّع، فيبقى الأمر

____________

(1) الكافي ج 1 ص 279 باب فضل الطواف الحديث 2 و هو في المرآة ج 3 ص 321 و الوافي الجزء الثامن ص 229 و الوسائل الباب 73 الحديث 2 ص 323 ج 2 ط الأميري و قلائد الدرر ج 2 ص 76 قال المجلسي حسن أو موثق.

(2) قلت: سند الحديث هكذا: على بن إبراهيم عن أبيه عن حماد بن عيسى عن إبراهيم بن عمر اليماني عن إسحاق بن عمار عن أبى عبد اللّه (عليه السلام).

فالثلاثة الأول حالهم في الجلالة معلوم، و اما إبراهيم بن عمر اليماني فقال النجاشي على ما في ص 16 ط المصطفوى: إبراهيم بن عمر اليماني الصنعاني ثقة روى عن أبى جعفر و أبى عبد اللّه (ع) ذكر ذلك أبو العباس و غيره له كتاب يرويه عنه حماد بن عيسى و غيره أخبرنا محمد بن عثمان قال حدثنا أبو القاسم جعفر بن محمد قال حدثنا عبيد اللّه بن احمد بن نهيك قال حدثنا ابن أبى عمير عن حماد بن عيسى عن إبراهيم بن عمر به انتهى.

و الظاهر أن أبا العباس هو ابن نوح و ان قوى الشهيد الثاني في محكي حواشيه على الخلاصة كونه ابن عقدة و لا أقل من الاحتمال و ذلك لان ابن نوح شيخ النجاشي و بينه و بين ابن عقدة وسائط مضافا الى أن ابن نوح جليل و الأخر عليل، و الإطلاق ينصرف الى الكامل سيما عند أهل هذا الفن خصوصا النجاشي، بل ربما يعد ارادة الناقص عندهم تدليسا.

ثم ان كان «ذلك» في قوله «ذكر ذلك أبو العباس و غيره» إشارة إلى تمام ما ذكر قبله فيبعد كون أبى العباس ابن عقدة الزيدي، ثم يقول شيخ من أصحابنا، و ان كان إشارة إلى كونه من أصحاب الإمامين فيثبت توثيق النجاشي نفسه لإبراهيم بن عمر و على أى فالظاهر من كلام النجاشي كونه موثقا عنده و كون وثاقته مشهورة.

و قال العلامة في الخلاصة ص 6 بالرقم 15 ط النجف عند سرد القسم الأول ممن اعتمد على روايته: إبراهيم بن عمر اليماني الصنعاني، قال النجاشي ره انه شيخ من أصحابنا ثقة روى عن ابى جعفر (عليه السلام) و ابى عبد اللّه (عليه السلام) ذكر ذلك أبو العباس و غيره و قال ابن الغضائري انه ضعيف جدا روى عن ابى جعفر و أبى عبد اللّه (عليهما السلام) له كتاب و يكنى أبا إسحاق، و الأرجح عندي قبول روايته و ان حصل بعض الشك بالطعن فيه انتهى.

و في رجال القهبائى ج 1 ص 60 عن ابن الغضائري: إبراهيم بن عمر اليماني الصنعاني يكنى أبا إسحاق ضعيف جدا، روى عن أبى جعفر و أبى عبد اللّه (عليهما السلام) و له كتاب انتهى.

و بسط الكلام في حقه العلامة البهبهاني في حواشيه الرجالية على منهج المقال من ص 24 الى ص 26 فراجع.

و الأقوى عندي وثاقة الرجل لما عرفت من توثيق النجاشي إياه و لرواية مثل حماد بن عيسى و الحسين بن سعيد و محمد بن على بن محبوب و ابن أبى عمير و لو بواسطة حماد بن عيسى عنه و كون رواياته مفتى بها عند الأصحاب في كثير من المسائل و ابن الغضائري عندي بمكان من الجلالة، و ان تكلم فيه بعض و ليس المقام موضع اطالة الكلام الا أن إكثاره في قدح أعاظم الأصحاب و أجله الرواة و أصحاب الحديث مما يوهن الوثوق بمقاله، و الاعتماد على كتابه في الجرح، طرح لما سواه من الكتب، و قد بلغ الغاية في تضعيف الروايات و الطعن في الرواة و لعله يعتقد ما ليس بقدح قدحا، مع أن تعبيره بالضعف ليس القدح في نفس الرجل، فإنه كثيرا ما يطلق الضعيف على ما يروى عن الضعفاء و يرسل الاخبار أو يروى من غير إجازة أو عمن لم يلقه أو رواية فاسدي المذهب عنه و عكسه أو يروى عن كل أحد أو كون رواياته مما تعرف تارة و تنكر اخرى.

و اما إسحاق بن عمار فقال النجاشي في ص 55 ط المصطفوى: إسحاق بن عمار بن حيان مولى بنى تغلب أبو يعقوب الصيرفي شيخ من أصحابنا ثقة، و ساق الكلام الى أن ذكر أن له كتاب نوادر يرويه عنه عدة من أصحابنا، ثم ذكر رواية الكتاب المذكور بسنده عن غياث بن كلوب بن قيس البجلي عن إسحاق.

و ذكره الشيخ الطوسي في رجاله في باب أصحاب الصادق (عليه السلام) ص 194 بالرقم 135 قائلا إسحاق بن عمار الكوفي الصيحاني، و في باب أصحاب الكاظم ص 342 الرقم 3 قائلا إسحاق بن عمار ثقة له كتاب، و ذكره في الفهرست ص 39 بالرقم 52 فقال: إسحاق بن عمار الساباطي له أصل و كان فطحيا الا انه ثقة و أصله معتمد عليه، ثم ذكر روايته للأصل بسنده عن ابن أبى عمير عنه.

فاختلف أرباب المعاجم الرجالية من المحققين في شأن هذا الرجل و ان إسحاق بن عمار في الأسانيد هل هو واحد أو متعدد، و أن أحدهما إسحاق بن عمار بن حيان الصيرفي التغلبي الثقة و الأخر إسحاق بن عمار الساباطي الفطحي، و اختلف القائلون بالاتحاد، فقال بعض ان الموجود في أسانيد الأحاديث انما هو ابن حيان الصيرفي الإمامي الثقة و انه لا وجود للساباطى في أسانيد الاخبار و نسب الى بعض أنه في الأسانيد واحد، و أنه هو الساباطي ثم القائلون بالتعدد ذكروا لكل مميزات يتميز حديث أحدهما عن الأخر، و قد بسط الكلام في هذا البحث العلامة بحر العلوم (قدّس سرّه) في الفوائد الرجالية من ص 290 الى ص 320 ج 1 و المامقاني في تنقيح المقال من ص 115 الى ص 120 من أبواب الهمزة ج 1، و حجة الإسلام الشفتي في رسالته الرجالية في ص 35 صحيفة كبيرة فراجع.

و لم يتحقق لي إلى الان أن الحق مع اى منهم، و أنا في شأن هذا الرجل من المتوقفين الا أن نتيجة هذا التوقف أنه يعد الحديث من جهته في الموثق و ذلك لان إسحاق بن عمار ان كان واحدا و كان ابن حيان الصيرفي فهو الإمامي الثقة، فالحديث من جهته صحيح و ان كان الساباطي فهو من الموثق و أصله معتمد عليه، و عند التردد فالنتيجة تابعة لاخس المقدمتين فيعد من الموثق.

ثم مع فرض التعدد فحيث انه لم يثبت صحة ما ذكروه من المميزات لتشخيص أحدهما عن الأخر فكل حديث في سنده إسحاق بن عمار مردد بين الصحيح و الموثق، و حيث ان النتيجة تابعة لاخس المقدمتين فهو ملحق بالموثق كما أفاده العلامة المجلسي الأول على المحكي في شرحه على مشايخ الصدوق و هو قائل بالتعدد.

و على أى فلا إشكال في العمل بروايته فان اعتبار العدالة في الراوي ليس من باب التعبد بل من باب الوثوق و الاطمئنان الذي هو المرجع عند العقلاء كافة في أمور معايشهم و معادهم، و الوثوق بإسحاق بن عمار و لو كان الساباطي حاصل، و لو كانت العدالة معتبرة في الراوي من باب الموضوعية للزم عدم العمل بروايات بنى فضال مع التنصيص من الامام العسكري (عليه السلام) بالأخذ بما رووا و ترك ما رأوا. فالقول باعتبار العدالة على وجه الموضوعية كالاجتهاد في قبال نص العسكري (عليه السلام).

و عمدة الدليل على حجية الخبر الواحد انما هو طريقة العقلاء و استقرار بنائهم طرا و اتفاق سيرتهم العملية على اختلاف مشاربهم و اذواقهم على الأخذ بمن يثقون بقوله و يطمئنون إلى صدقه و يأمنون كذبه، و على اعتمادهم في تبليغ مقاصدهم على الثقات، و أن الاحتمالات الضعيفة المقابلة ملغاة بنظرهم، لا يعتنون بها فلا يلتفتون الى احتمال تعمد الكذب من الثقة كما لا يلتفتون الى احتمال خطأه و اشتباهه أو غفلته.

و معلوم أن الشارع المقدس متحد المسلك معهم لانه منهم بل هو رئيسهم، و ليس له طريق خاص مخترع في تبليغ الاحكام غير طريق العقلاء، و لو كان له طريق خاص قد اخترعه غير مسلك العقلاء لاذاعه و بينه للناس، و لظهر و اشتهر و لما جرت سيرة المسلمين على طبق سيرة البشر، و لا شك في ان سيرة العقلاء انما هو على الأخذ بخبر الثقة بما هو ثقة من غير موضوعية العدالة فما افاده المصنف هنا من ضعف المستند لا وجه له.

نعم ما أفاده بعد ذلك بقوله و ظهور ذلك في طواف التطوع تام لا غبار عليه و متأيد بحديث زرارة عن أحدهما المروي في التهذيب ج 5 ص 137 بالرقم 452 و الكافي ج 1 ص 382 باب ركعتي الطواف الحديث 8 قال «لا ينبغي ان تصلى ركعتي طواف الفريضة إلا عند مقام إبراهيم و اما التطوع فحيث ما شئت من المسجد» و ليس لكلمة لا ينبغي ظهور في الكراهة بل معناها الأعم من الكراهة و عدم الجواز، و استعمال هذه الكلمة في غير الجائز كثير. و يدل على جواز صلاة طواف النافلة في غير المقام أيضا مفهوم مرسل صفوان المتقدم كما مر.

245

الوارد في صلاة الطواف الواجب في المقام خاليا عن المعارض، و يمكن بناء هذا القول على أنّ المراد بمقام إبراهيم جملة الحرم كما نقله بعضهم، أو المراد به مواقف الحجّ كما نقل عن آخرين، و فيه أنّ ذلك لم يثبت عندنا، و كونه خلاف المتبادر قال الطبرسي

246

في مجمع البيان: إنّ مقام إبراهيم (عليه السلام) إذا أطلق لا يفهم منه إلّا المقام المعروف الّذي هو في المسجد الحرام و هو جيّد.

«وَ عَهِدْنٰا إِلىٰ إِبْرٰاهِيمَ وَ إِسْمٰاعِيلَ» أي أمرناهما «أَنْ طَهِّرٰا بَيْتِيَ» بأن طهّراه على أن

247

يكون مصدريّة و يجوز أن يكون مفسّرة لتضمّن العهد معنى القول، و المراد التّطهير من النّجاسات كالفرث و الدّم الّذي كان يطرحه المشركون عنده قبل أن يصير في يد إبراهيم (عليه السلام) أو من الأصنام الّتي كانوا يعبدونها على باب البيت قبل إبراهيم (عليه السلام) أو من جميع ما لا يليق به من الأقذار أصناما أو غيرها.

أو المراد أخلصاه «لِلطّٰائِفِينَ» حوله، و فيها دلالة على شرعيّة الطّواف، و تفاصيل أحكامه يعلم من الفروع.

248

«وَ الْعٰاكِفِينَ» المقيمين عنده أو المعتكفين فيه «وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ» أي المصلّين جمع راكع و ساجد، و قد مرّ ما في هذه الآية من الأحكام المستفادة فلا نعيدها.

التاسعة:

[لَقَدْ صَدَقَ اللّٰهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيٰا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرٰامَ إِنْ شٰاءَ اللّٰهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَ مُقَصِّرِينَ لٰا تَخٰافُونَ] (1).

لَقَدْ صَدَقَ اللّٰهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيٰا قالوا إنّ اللّه تعالى أرى نبيّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) في المنام بالمدينة قبل أن يخرج إلى الحديبيّة أنّه و أصحابه دخلوا مكّة آمنين قد حلقوا و قصّروا، فقصّ الرّؤيا على أصحابه ففرحوا و حسبوا أنّ ذلك في عامهم، فلما صدّوا عن البيت و استقرّ الأمر على الصلح، قال بعضهم و اللّه ما حلقنا و لا قصّرنا، و لا رأينا البيت، فنزلت، و المعنى أنّه صدقه في رؤياه و لم يكذبه تعالى اللّه عن الكذب و عن كلّ قبيح، حذف الجارّ و أوصل الفعل «بالحقّ» متلبّسا به، فانّ ما أراه اللّه كائن لا محالة في وقته المقدّر له و كان ذلك في العام المقبل.

و يجوز أن يكون صفة مصدر محذوف أي صدقا متلبّسا بالحقّ و هو القصد إلى التميز بين الثابت على الإيمان و بين المتزلزل فيه و يجوز أن يكون قسما إمّا باسم اللّه تعالى أو بنقيض الباطل و قوله لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرٰامَ جواب له، و على الأوّلين يكون جوابا لقسم

____________

(1) الفتح: 29.

249

محذوف «إِنْ شٰاءَ اللّٰهُ» تعليق لعدته بالمشيّة تعليما لعباده أن يقولوا مثل ذلك في عداتهم متأدّبين بأدب اللّه، و مقتدين بسنّته، و لأنّه إذا كان مع علمه [يعلّق العدة بالمشيّة] ففي النّاس مع عدم العلم أولى، أو أنّه قيد للدخول أي لتدخلنّ جميعا إن شاء اللّه إذا لم يمت أحد منكم أو يمرض أو يغيب فلا يدخلها، أو كان ذلك حكاية لما قاله الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم) لأصحابه و قصّ عليهم، أو متعلّق بقوله «آمِنِينَ» و التّقدير لتدخلنّ المسجد الحرام آمنين من العدوّ إنشاء اللّه.

«مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَ مُقَصِّرِينَ» بعضكم يحلق رأسه و بعضكم يقصّر من شعره «لٰا تَخٰافُونَ» أحدا من ذلك، و قد جرى الأمر (1) في عمرة القضاء على ذلك الوجه في السّنة الثالثة للحديبيّة قال الطبرسيّ في مجمع البيان (2) و في هذا دلالة على أنّ المحرم بالخيار عند التحلّل من الإحرام: إن شاء حلق، و إن شاء قصّر.

و مقتضى ذلك عموم التخيير سواء كان في التحلّل من إحرام العمرة المفردة، أو المتمتّع بها، أو الحجّ من أي أقسامه كان، صرورة كان المحرم أولا، ملبّدا شعره أو مضفورا أو معقوصا أولا، إلّا أنّ المشهور بين الأصحاب أنّ التخيير في غير العمرة المتمتّع بها إلى الحجّ، و في التحلّل منها يتعيّن التقصير و في الروايات دلالة على ذلك كصحيحة (3)

____________

(1) و انظر في ذلك أيضا تعاليقنا على كنز العرفان ج 1 ص 215 الى ص 217.

(2) المجمع ج 5 ص 216 و نقل في قلائد الدرر ج 2 ص 86 عن الشيخ في التبيان انه اى الحلق و التقصير مندوب غير واجب.

(3) التهذيب ج 5 ص 160 الرقم 533 و الحديث هكذا.

موسى بن القاسم عن صفوان ابن يحيى عن معاوية ابن عمار عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال إذا أحرمت فعقصت شعر رأسك أو لبدته فقد وجب عليك الحلق، و ليس لك التقصير و ان أنت لم تفعل فمخير لك التقصير و الحلق في الحج. و ليس في المتعة إلا التقصير.

و روى الحديث في المنتقى ج 2 ص 514 مع بسط كلام، و الحديث في الوافي الجزء الثامن ص 143 و الوسائل الباب 7 من أبواب الحلق و التقصير الحديث 8 ص 366 ج 2 ط الأميري.

250

معاوية بن عمّار عن الصادق (عليه السلام) ليس في المتعة إلّا التقصير و نحوها من الأخبار الصحيحة (1) الّتي أوجبت التّخصيص، و قد صرّح بتحريم الحلق فيها جماعة بل أوجبوا الشاة به.

____________

(1) ففي صحيح عبد اللّه بن سنان المروي في التهذيب ج 5 ص 157 بالرقم 522 عن أبى عبد اللّه: طواف المتمتع ان يطوف بالكعبة و يسعى بين الصفا و المروة و يقصر من شعره فإذا فعل ذلك فقد أحل. فجعل التقصير داخلا في حقيقة عمرة التمتع، و نحوه صحيح زرارة المروي في التهذيب ج 5 ص 36 بالرقم 107 عن أبى جعفر بعد السؤال عن المتعة أنه يهل بالحج في أشهر الحج فإذا طاف بالبيت و صلى ركعتين خلف المقام و سعى بين الصفا و المروة قصر و أحل فإذا كان يوم التروية أهل بالحج الى آخر الحديث.

و في صحيحي معاوية بن عمار عن أبى عبد اللّه المرويين في التهذيب ج 5 ص 35 بالرقم 104 و ص 41 بالرقم 122 المروي أولهما في الكافي ج 1 ص 247 باب ما على المتمتع الحديث 1: ثم يقصر و قد أحل هذا للعمرة.

و في صحيح عمر بن يزيد عن أبى عبد اللّه المروي في التهذيب ج 5 ص 157 بالرقم 523: ثم ائت منزلك فقصر من شعرك و حل لك كل شيء و في صحيحة معاوية بن عمار عن أبى عبد اللّه المروي في التهذيب ج 5 ص 157 بالرقم 521 و الفقيه ج 2 ص 236 بالرقم 1127 و الكافي ج 1 ص 286 باب تقصير المتمتع الحديث 1: «إذا فرغت من سعيك و أنت متمتع فقصر من شعرك الى آخر الحديث و في صحيح عبد الصمد بن بشير عن ابى عبد اللّه المروي في التهذيب ج 5 ص 72 الرقم 239 طف بالبيت سبعا و صل ركعتين عند مقام إبراهيم (عليه السلام) واسع بين الصفا و المروة و قصر من شعرك فإذا كان يوم التروية فاغتسل و أهل بالحج و اصنع كما يصنع الناس.

و في خبر سماعة عن أبى عبد اللّه المروي في التهذيب ج 5 ص 60 بالرقم 190 و في الكافي ج 1 ص 249 باب حج المجاورين و وطان مكة الحديث 10 ثم يخرج الى الصفا و المروة فيطوف بينهما ثم يقصر و يحل ثم يعقد التلبية يوم التروية، الى غير ذلك من الاخبار و فيما تلوناك كفاية.

و يدل على المقصود أيضا الأخبار الموجبة للدم على الحالق عمدا، في عمرة التمتع و على ناسي التقصير فيها، و على من أتى النساء قبل التقصير و الأمر لناسي التقصير بالاستغفار و الدالة على بطلان العمرة ان أهل بالحج عمدا قبل التقصير فالمسئلة بحمد اللّه متضحة و لا

اشكال و لا ريب في تعيين التقصير في العمرة المتمتع بها الحج و اللّه العالم.