مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - ج2

- الفاضل الكاظمي المزيد...
420 /
251

و قال الشيخ في الخلاف (1) الحلق مجز و التقصير أفضل، نظرا إلى ظاهر الآية و حمل الأخبار على الاستحباب، و فيه ما فيه، و أمّا إيجاب الشّاة كما ذهب إليه جماعة نظرا إلى بعض الأخبار الغير الصّحيحة فبعيد، و الاستناد في ثبوت الحكم إلى رواية صحيحة (2) دلّت على أنّ المتمتّع إذا حلق متعمّدا بعد مضىّ ثلاثين يوما من شهور الحجّ فانّ عليه دما يهريقه أبعد، و قد بسطنا الكلام في شرح الدّروس.

و حتم الشّيخ في بعض كتبه على الصرورة و الملبّد التحلّل في إحرام الحجّ بالحلق و إليه ذهب جماعة من الأصحاب، و الأكثر على ثبوت التخيير بينهما نظرا إلى ظاهر الآية و ما ورد من الأخبار الدّالّة على ذلك أيضا كصحيحة (3) حريز عن الصّادق (عليه السلام) قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) يوم الحديبيّة «اللّهمّ اغفر للمحلّقين قيل و للمقصّرين يا رسول اللّه قال: و للمقصّرين، و نحوها (4) و لعلّ مستند الشيخ ما في بعض الاخبار الدّالّة على

____________

(1) راجع الخلاف ج 1 ص 406 المسئلة 144 من مسائل الحج.

(2) التهذيب ج 5 ص 158 الرقم 526 و الاستبصار ج 2 ص 242 الرقم 843 و الفقيه ج 2 ص 238 الرقم 1137 و الكافي ج 1 ص 287 الباب 149 باب المتمتع ينسى ان يقصر الحديث 7 و هو في المرآة ج 3 ص 329 و روى الحديث في المنتقى ج 2 ص 517 عن الفقيه فنحن ننقله أيضا بلفظ الفقيه:

و سأله جميل بن دراج عن متمتع حلق رأسه بمكة فقال ان كان جاهلا فليس عليه شيء فان تعمد ذلك في أول شهور الحج بثلاثين يوما فليس عليه شيء، و ان تعمد ذلك بعد الثلاثين التي يوفر فيها الشعر للحج فان عليه دما يهريقه و الحديث في الوافي الجزء الثامن ص 70 و الوسائل الباب 4 من أبواب التقصير الحديث 5 ص 334 ج 2 ط الأميري.

(3) التهذيب ج 5 ص 243 الرقم 822 و رواه في المنتقى ج 2 ص 573 و في الوافي الجزء الثامن ص 179 و الوسائل الباب 7 من أبواب الحلق و التقصير الحديث 7 ص 366 ج 2 ط الأميري.

(4) كالحديث المروي في الفقيه ج 2 ص 139 بالرقم 597 و الحديث المروي ج 5 ص 438 الرقم 1523 و هما في الوافي الجزء الثامن ص 179 و كالاحاديث المروية في مستدرك الوسائل ج 2 ص 161 و ص 181 و مضمون هذه الأحاديث موجودة في كتب أهل السنة أيضا انظر نيل الأوطار ج 5 ص 74 و سنن البيهقي ج 5 ص 134 و كنز العمال ج 5 ص 42 و مجمع الزوائد ج 3 ص 262 و الدر المنثور ج 6 ص 81 و البخاري بشرح فتح الباري ج 6 ص 309 الى ص 315.

و اختلف رواياتهم في الوقت الذي قال فيه رسول اللّه (ص) هذا القول، فقيل: انه كان يوم الحديبية، و قيل انه كان في حجة الوداع، و اختار النووي و ابن دقيق العبد كونه في الموضعين، و قال ابن حجر في الفتح و هو المتعين لتظافر الروايات بذلك في الموضعين و قال الشوكانى في نيل الأوطار و هذا هو الراجح لان الروايات القاضية بأن ذلك كان في الحديبية، لا تنافي الروايات القاضية بان ذلك كان في حجة الوداع و كذلك العكس.

252

تعيين الحلق كرواية أبي بصير (1) عن الصّادق (عليه السلام) قال: على الصرورة أن يحلق رأسه و لا يقصّر، و إنّما التقصير لمن حجّ حجّة الإسلام، و نحوها رواية (2) بكير بن خالد عنه (عليه السلام) و هما ضعيفتان (3) لا يصلحان لتخصيص الآية، و حملهما على الاستحباب طريق

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 243 الرقم 819 و الكافي ج 1 ص 303 باب الحلق و التقصير الحديث 7 و هو في المرآة ج 3 ص 344 و الوافي الجزء الثامن ص 178 و الوسائل الباب 7 من أبواب الحلق و التقصير الحديث 5 ج 2 ص 366.

و في حديث آخر لأبي بصير أيضا رواه في التهذيب ج 5 ص 241 بالرقم 814 و في الفقيه ج 2 ص 301 الرقم 1493 و في الكافي الباب المذكور آنفا الحديث 5 أن على الصرورة أن يحلق، و رواه في الاستبصار أيضا ج 2 ص 285 بالرقم 1012.

(2) التهذيب ج 5 ص 243 الرقم 820 و هو في الوافي الجزء الثامن ص 178 و الوسائل الباب 7 من أبواب الحلق و التقصير الحديث 10 ص 366 ج 2 ط الأميري.

(3) اما الحديث الأول ففي طريقه أبو بصير و قد تقدم الكلام منافي حقه في ج 1 ص 328 من هذا الكتاب و الراوي عنه هذا الحديث على بن حمزة الواقفي المشهور، و اما الحديث الثاني ففي سنده بكر بن خالد قال المامقاني في تنقيح المقال ج 1 ص 178 الرقم 1359 لم أقف فيه الأعلى عد الشيخ ره إياه من أصحاب الباقر و ظاهره كونه إماميا الا ان حاله مجهول انتهى و الراوي عنه هذا الحديث ابان بن عثمان و هو معدود من أصحاب الإجماع و لعله لذلك عبر في الذخيرة عن الحديث بالصحيح مع اعترافه بان بكر بن خالد غير مذكور بمدح و لا قدح.

253

الجمع بين الأدلّة و قد أوضح عن الاستحباب صحيحة معاوية (1) عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال: ينبغي للصرورة أن يحلق و إن كان قد حجّ فان شاء قصّر و إن شاء حلق، الحديث لظهور ينبغي في الاستحباب (2).

____________

(1) تمام الحديث: قال «و إذا لبد شعره أو عقصه فان عليه الحلق و ليس له التقصير» رواه في التهذيب ج 5 ص 243 بالرقم 821 و ص 484 بالرقم 1726 و الكافي باب الحلق و التقصير الحديث 6 ج 1 ص 303 و هو في المرآة ج 3 ص 344 و رواه في المنتقى ج 2 ص 574 مع ذكر اختلاف ألفاظ الحديث في الموضعين من التهذيب و الكافي فراجع، و الحديث في الوافي الجزء الثامن ص 178 و الوسائل الباب 7 من أبواب الحلق و التقصير الحديث 1 ص 366 ج 2 ط الأميري.

(2) لا يخفى عليك أنه لا صراحة في الكلمة في الاستحباب بل لا يبعد أن يكون المراد بلفظ لا ينبغي هو الوجوب بقرينة التخيير لمن حج، و إرجاع الأمر إلى مشيته فإنه ظاهر في ان مقابله و هو الصرورة ليس كذلك و لا سيما بضميمة مفهوم الشرط في قوله «و ان كان قد حج» فإنه دال على أنه ان لم يحج لم يرجع الأمر إلى مشيته.

و لو سلم ظهورها في عدم وجوب الحلق على الصرورة فالوجه حملها على الوجوب لأظهرية غيرها كحديثى ابى بصير و حديث بكر بن خالد المار قبيل ذلك و غيرها ففي حديث ابى سعد (كذا في النسخة المطبوعة من التهذيب بالنجف و في الوافي الجزء الثامن ص 178 أبو سعيد مكان ابى سعد) عن أبى عبد اللّه المروي في التهذيب ج 5 ص 485 بالرقم 1739 يجب الحلق على ثلاثة نفر رجل لبد و رجل حج بدئا (كذا في نسخة الوافي و لعله الأصح و اما نسخة التهذيب المطبوع بالنجف ففيه ندبا مكان بدئا» لم يحج قبلها و رجل عقص شعره.

و في حديث عمار الساباطي عن ابى عبد اللّه المروي في التهذيب بالرقم 1730 قال سألته عن الرجل برأسه قروح لا يقدر على الحلق قال ان كان قد حج قبلها فليجز شعره و ان كان لم يحج فلا بد له من الحلق الى آخر الحديث.

بل المستفاد من حديث سليمان بن مهران عن ابى عبد اللّه المروي في الفقيه ج 2 ص 154 بالرقم 668 و علل الشرائع الباب 203 ج 2 ص 135 ط قم عدم شمول الآية للصرورة فإنه بعد ما سئله عن علة وجوب الحلق على الصرورة أجابه الإمام بأنه ليصير بذلك موسما بسمة الآمنين ا لا تسمع قول اللّه عز و جل «لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرٰامَ إِنْ شٰاءَ اللّٰهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَ مُقَصِّرِينَ لٰا تَخٰافُونَ» فيفيد أن الصرورة إنما يلحق بالامنين إذا حلق فليس مما يراد بالاية أو أن الصرورة من افراد المحلقين، و انه لا يوسم بسمة الآمنين إلا إذا حلق.

فالحكم بتعين الحلق على الصرورة قوي عندي و ضعف إسناد اخبار مجبور بعمل كبراء أصحابنا المتقدمين كالشيخ و المفيد و الصدوق و أبى الصلاح و غيرهم مع أن بعضها لا يقصر عن الصحيح كحديث بكر بن خالد فإن أبان بن عثمان و ان كان فيه كلام لا يسعنا المقام تشريحه الا انه معدود من أصحاب الإجماع فالمسئلة بحمد اللّه متضحة و اللّه العالم.

254

هذا في الرّجل أمّا المرأة فيتعيّن عليها التّقصير في الجميع إجماعا.

و يجزي في التقصير الأخذ من الشعر مطلقا و إن قلّ و في المنتهى أنّ أقلّ ما يحصل به التّقصير ثلاث شعرات، و نسبه إلى علمائنا، و هو يؤذن بدعوى الإجماع، و لا فرق في الأخذ بين كونه بحديدة أو نورة أو نتف أو قرض بسنّ، و في الأخبار دلالة عليه، و تمام ما يتعلّق بذلك من الأحكام يعلم من الفروع.

255

الثالث (في أشياء من أحكام الحج و توابعه)

و فيه آيات:

الاولى:

[يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ وَ مَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزٰاءٌ مِثْلُ مٰا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوٰا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بٰالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفّٰارَةٌ طَعٰامُ مَسٰاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذٰلِكَ صِيٰاماً لِيَذُوقَ وَبٰالَ أَمْرِهِ عَفَا اللّٰهُ عَمّٰا سَلَفَ وَ مَنْ عٰادَ فَيَنْتَقِمُ اللّٰهُ مِنْهُ وَ اللّٰهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقٰامٍ. أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَ طَعٰامُهُ مَتٰاعاً لَكُمْ وَ لِلسَّيّٰارَةِ وَ حُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مٰا دُمْتُمْ حُرُماً وَ اتَّقُوا اللّٰهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ] (1).

يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تخصيصهم بالذّكر لأنّ غيرهم لا يصحّ منهم الإحرام فلا يترتّب عليه أثره لٰا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ أي محرمون، جمع حرام، كروح جمع رواح، أو دخلتم في الحرم أو هما معا، و لعلّ في التعبير بالقتل دون الذّبح و الذكاة للإشارة إلى تعميم تحريمه على أيّ وجه حصل، سواء كان مستقلا في القتل أو مع مشاركة الغير، لصدق القتل في الصورتين، و قد دلّت الأخبار على تحريم ما هو أعمّ من (2) ذلك كالدّلالة و الإشارة و الإمساك و نحوها، على ما يعلم تفصيله من محلّه.

و قد اختلف في المراد بالصّيد فيها، فقيل هو كلّ ما كان برّيّا وحشيّا أكل أو لم

____________

(1) المائدة: 95- 96.

(2) انظر الوافي الجزء الثامن ص 111 و ص 112 و الوسائل الباب 1 من أبواب تروك الإحرام ج 2 ص 253 ط الأميري، و مستدرك الوسائل ج 2 ص 119.

256

يؤكل، لإطلاق الصّيد عليه، قال الطبرسيّ في (1) مجمع البيان: و هو مذهب أصحابنا و لعلّه أراد أكثرهم و يؤيّده من الأخبار صحيحة معاوية (2) بن عمّار عن الصادق (عليه السلام) قال اتّق قتل الدّوابّ كلّها إلّا الأفعى و العقرب و الفارة الحديث، و ما سيجيء من عموم تحريم صيد البرّ في الآية، و إلى هذا يذهب أبو الصّلاح الحلبي من أصحابنا، فإنّه ذهب إلى تحريم جميع الحيوانات على المحرم إلّا أن يخاف منها فيجوز قتلها لدفع الضرر الواجب عن النفس، أو يكون أحد الحيوانات الخمس الّتي وقعت مستثناة من التحريم، و تظافرت به الأخبار من طرقنا و طرق العامّة (3) و هو قوله (صلى اللّه عليه و آله و سلم) «خمس يقتلن في الحلّ و الحرم: الحدأة و الغراب، و العقرب، و الفارة، و الكلب العقور» (4) و في رواية أخرى الحيّة و لا ينافي هذا القول عدم ترتّب الكفّارة على قتل بعض أفراد الحيوان الغير المحلّل، إذ ليس من لوازم التحريم ترتّب الكفارة.

قال الشيخ في المبسوط: الوحشي غير المأكول أقسامه ثلثة: الأوّل لاجزاء فيه بالاتّفاق كالحيّة و العقرب و الفارة و الغراب و الحدأة و الكلب و الذئب، و الثاني يجب فيه

____________

(1) انظر المجمع ج 2 ص 244 و فيه و استدلوا بقول على (عليه السلام):

صيد الملوك أرانب و ثعالب * * * فإذا ركبت فصيدي الأبطال

(2) انظر الكافي ج 1 ص 265 باب ما يجوز للمحرم قتله الحديث 2 و هو في المرآة ج 3 ص 307 و التهذيب ج 5 ص 365 الرقم 1273 علل الشرائع للصدوق ج 2 ص 143 ط قم و في ألفاظ الحديث في المصادر التي سردناها ادنى تفاوت يعرف بالمراجعة و نقل في المنتقى ج 2 ص 448 حديث الكافي و انظر الوسائل الباب 81 من أبواب تروك الإحرام ج 2 ص 269 ط الأميري و الوافي الجزء الثامن ص 110 و قريب من لفظ الحديث لفظ المقنع ص 77.

(3) انظر الوسائل الباب 81 من أبواب تروك الإحرام ج 2 ص 269 ط الأميري و ص 125 ج 2 مستدرك الوسائل.

(4) انظر ج 3 ص 453 و ص 454 فيض القدير الرقم 3949 و 3950 و 3951 من الجامع الصغير عن مسلم و احمد و النسائي و ابى ماجة و ابى داود بتفاوت في بعض ألفاظ الحديث.

257

الجزاء عند من خالفنا، و لا نصّ لأصحابنا فيه، و الأولى أن نقول لا جزاء فيه، لانّه لا دليل عليه، و الأصل براءة الذمّة، و ذلك كالمتولّد بين ما يجب فيه الجزاء و ما لا يجب كالسّمع المتولّد من الضبع و الذئب، و المتولّد من الأهلي و الوحشيّ.

و الثّالث مختلف فيه، و هو الجوارح من الطير كالبازيّ و الصّقر و الشاهين و العقاب، فلا يجب عندنا فيه شيء من الجزاء، و قد روى أنّ في الأسد كبشا و في الخلاف قطع بوجوب الكبش في الأسد.

و الحقّ أنّ وجوب الكفّارة دائر مع وجود الدّليل، فما قام عليه الدليل وجبت فيه، و أنّ المدار على صدق الاسم و التولّد بين القسمين لا ينافيه مع الصّدق و ربما ذهب بعض أصحابنا إلى أنّ المراد بالصّيد هو الحيوان المحلّل الممتّع بالأصالة و جعل تحريم بعض الحيوان الغير المحلّل مستفادا من الدّليل الخارجي، و إليه يذهب الشافعي من العامّة، و الأوّل أظهر.

قال البيضاوي (1) و اختلف في أنّ هذا النهي هل يلغى حكم الذبح فيلحق مذبوح المحرم بالميتة و مذبوح الوثنيّ، أولا فيكون كالشاة المغصوبة إذا ذبحها الغاصب قلت فعلى الأوّل لا يجوز أكله إلّا مع الضرورة كالميتة، و على الثّاني يجوز للمحلّ دون المحرم.

و لا يذهب عليك أنّ هذا الاختلاف واقع بين أصحابنا لكن إذا ذبح المحرم له في الحلّ لا في الحرم فالأكثر منهم على أنّه حرام بمنزلة الميتة في النّجاسة، و تحريم جميع الانتفاعات، ذهب إلى ذلك الشيخ في جملة من كتبه، و ابن إدريس و ابن البرّاج، بل قال العلّامة في المنتهى أنّه قول علمائنا أجمع، و قال الصدوق في المقنع و من لا يحضره الفقيه: و إن أصاب المحرم صيدا خارجا عن الحرم فذبحه ثمّ أدخله الحرم مذبوحا و أهداه إلى رجل محلّ فلا بأس بأكله، و إنّما الفداء على الّذي أصابه، و بمثله قال ابن الجنيد، و هو الظاهر من كلام شيخنا المفيد، و السيّد المرتضى، و إليه ذهب جماعة.

____________

(1) انظر البيضاوي ص 162 ط المطبعة العثمانية عند تفسير الآية.

258

و احتجاج الأوّلين بظاهر النهي في هذه الآية و بالتحريم في قوله تعالى وَ حُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مٰا دُمْتُمْ حُرُماً (1) و برواية وهب (2) عن جعفر عن أبيه عن عليّ (عليه السلام) قال إذا ذبح المحرم الصّيد لم يأكله الحلال و الحرام، و هو كالميتة، و نحوها رواية إسحاق بن عمّار (3) عنه (عليه السلام) بعيد إذ الآية لا نسلّم دلالتها على محلّ النزاع أمّا النهي فهو راجع إلى الفعل، و لا نسلّم تحريم ما وقع عليه الذّبح مع أصالة الإباحة، و أمّا التحريم في الآية الآتية فنحن نقول به على المحرم مطلقا، و أين الدّلالة على أنّه لو ذبحه المحرم لم يجز للمحلّ أكله، و الرّوايتان ضعيفتا السّند (4) فلا يثبتان حكما.

____________

(1) المائدة: 96.

(2) تمام الحديث و إذا ذبح الصيد في الحرم فهو ميتة، حلال ذبحه أم حرام، رواه في التهذيب ج 5 ص 377 الرقم 1315 و الاستبصار ج 2 ص 214 الرقم 733 و السند! محمد بن أحمد بن يحيى عن أبى جعفر عن أبيه عن وهب عن جعفر عن أبيه عن على (عليه السلام).

(3) انظر التهذيب ج 5 ص 377 الرقم 1316 و الاستبصار ج 2 ص 214 الرقم 734 و الحديث هكذا:

محمد بن الحسن الصفار عن الحسن بن موسى الخشاب عن إسحاق بن عمار عن جعفر أن عليا (عليه السلام) كان يقول إذا ذبح المحرم الصيد في غير الحرم فهو ميتة لا يأكله محل و لا محرم و إذا ذبح المحل الصيد في جوف الحرم فهو ميتة لا يأكله محل و لا محرم و في لفظي التهذيب و الاستبصار تفاوت يسير لا يضر و الحديثان حديث وهب و إسحاق في الوافي الجزء الثاني ص 112 و هما في الوسائل الباب 10 من أبواب تروك الإحرام، الحديث 4 و 5 ص 255 ج 2 ط الأميري.

(4) اما الحديث الأول فلكون وهب في طريقه، و هو مشترك بين وهب بن عبد ربه الإمامي الثقة المأمون، و وهب بن وهب الكذاب، و اما الحديث الثاني ففي سنده الحسن بن موسى الخشاب و إسحاق بن عمار أما إسحاق بن عمار فقد عرفت أنه يعد من الموثق و اما الحسن فالظاهر أيضا أنه مقبول الحديث، و أفصح من ذلك العلامة البهبهاني (قدّس سرّه) في تعليقاته على منهج المقال ص 115 و ان سرده محمد طه نجف في إتقان المقال في ص 179 في الحسان، و قد وصفه العلامة (قدّس سرّه) في الخلاصة ص 32 الرقم 19 بأنه من وجوه أصحابنا مشهور كثير العلم و الحديث، و كذا النجاشي ص 33 ط المصطفوى فالحديث إذا من الموثق و لا يعد ضعيفا.

259

و يدلّ على قول الصّدوق و الجماعة مضافا إلى أصالة الحلّية و عدم ظهور المعارضة روايات معتبرة الإسناد كصحيحة الحلبي (1) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال المحرم إذا قتل الصّيد فعليه جزاؤه، و يتصدّق بالصّيد على مسكين الحديث، و لو كان (2) حراما كالميتة لحرم الانتفاع به رأسا فضلا عن التصدّق، و صحيحة معاوية (3) بن عمّار قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أصاب صيدا و هو محرم أ يأكل منه الحلال؟ فقال لا بأس، إنّما الفداء على المحرم، و صحيحة حريز (4) قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن محرم أصاب صيدا أ يأكل منه المحلّ؟ قال ليس على المحلّ شيء إنّما الفداء على المحرم، و صحيحة

____________

(1) رواه في التهذيب الى ما حكاه المصنف ج 5 ص 377 بالرقم 1317 و الاستبصار ج 2 ص 214 بالرقم 735 و حكاه في المنتقى ج 2 ص 444 و الوافي الجزء الثامن ص 111 و الوسائل الباب 10 من أبواب تروك الإحرام الحديث 6 ص 255 ج 2 ط الأميري و للحديث وجه أبسط سيشير المصنف اليه و نشير الى مصادره هناك.

(2) و احتمال كون الباء في «بالصيد» للسببية و الصيد مصدرا، و المسكين للجنس الحاصل في ضمن الافراد بعيد غاية البعد.

(3) التهذيب ج 5 ص 375 الرقم 1307 و الاستبصار ج 2 ص 215 الرقم 738 و حكاه في المنتقى ج 2 ص 411 و هو الوافي الجزء الثامن ص 112 و الوسائل الباب 3 من أبواب تروك الإحرام الحديث 5 ص 254 ج 2 ط الأميري.

(4) التهذيب ج 5 ص 375 الرقم 1306 و الاستبصار ج 2 ص 215 الرقم 737 و حكاه في المنتقى ج 2 ص 411، و الوافي الجزء الثامن ص 112 و الوسائل الباب 3 من أبواب تروك الإحرام الحديث 4 ص 254 ج 2 ط الأميري.

260

منصور بن حازم (1) قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) رجل أصاب صيدا و هو محرم فآكل منه و أنا حلال؟

قال أنا كنت فاعلا، قلت: فرجل أصاب مالا حراما، فقال ليس هذا مثل هذا، يرحمك اللّه إنّ ذلك عليه، و حسنة معاوية (2) بن عمّار قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) إذا أصاب المحرم الصيد في الحلّ فانّ الحلال يأكله و عليه الفداء و نحوها من الأخبار.

و الشيخ في التهذيب بهذه الاخبار احتجّ على قول المفيد بإباحة الأكل كما عرفت لكنّه بعد ذلك أورد خبري وهب و إسحاق المتقدّمين و أجاب عن تلك الاخبار بالحمل على ما إذا أدرك الصيد و به رمق، بحيث يحتاج إلى الذّبح، فإنّه يجوز للمحلّ و الحالة هذه أن يذبحه و يأكله، ثمّ قال: و يجوز أيضا أن يكون المراد إذا قتله برمية و لم يكن ذبحه، فإنّه إذا كان الأمر كذلك جاز أكله للمحلّ دون المحرم، و الاخبار الأوّلة تناولت من ذبح و هو محرم، و ليس الذبح من قبيل الرمي في شيء انتهى كلامه.

و لا يخفى ما فيه من التكلّف البعيد، و عدم جريان مثله في صحيحة الحلبي و يوضح ذلك ما في صحيحة (3) منصور بن حازم قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) رجل أصاب من

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 375 الرقم 1305 و حكاه في المنتقى ج 2 ص 411 و الوافي الجزء الثامن ص 112 و الوسائل الباب 3 من أبواب تروك الإحرام الحديث 3 ص 254 ج 2 ط الأميري.

(2) الكافي ج 1 ص 270 باب النهي عن الصيد الحديث 6 و هو في المرآة ج 3 ص 313 و رواه الشيخ عن الكليني في التهذيب ج 5 ص 378 الرقم 1318 و الاستبصار ج 2 ص 215 الرقم 736 و حكاه في المنتقى ج 2 ص 444 و رواه في التهذيب أيضا عن حماد بن عيسى عن معاوية بن عمار ج 5 ص 468 بالرقم 1637 و اللفظ فيه يفديه مكان يدفنه، و كذا نقله عنه في الوافي الجزء الثامن ص 111 و في الوسائل الباب 3 من تروك الإحرام الحديث 2 ص 254 ج 2 ط الأميري أن في نسخة «يدفنه» و في نسخة يفديه.

(3) الكافي ج 1 ص 270 أبواب الصيد باب النهي عن الصيد الحديث 7 و هو في المنتقى ج 2 ص 431 و الوافي الجزء الثامن ص 162 و في المرآة ج 3 ص 313 و هو في الوسائل الباب 3 من أبواب تروك الإحرام الحديث 1 ص 254 ج 2 ط الأميري.

261

صيد أصابه محرم و هو حلال، قال فليأكل منه الحلال و ليس عليه شيء إنّما الفداء على المحرم.

و بالجملة مقتضى الأصل المؤيّد بهذه الأخبار الصحيحة جواز أكل المحلّ منه فالعدول عن ذلك لأخبار ضعيفة لا يخفى ما فيه، مع إمكان حملها على الكراهة، و عدم منافاة النّهي أو التحريم في الآية لذلك، لظهور رجوعه إلى الفعل و عدم معلوميّة ما زاد عليه، و الاحتياط في الاجتناب.

«وَ مَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً» ذاكرا لإحرامه عالما بأنّه يحرم عليه قتل ما يقتله و الأكثر من العلماء على أنّ ذكر العمد ليس لتقييد وجوب الجزاء فإنّ إتلاف العامد و المخطئ واحد في إيجاب الجزاء، و على هذا علماؤنا أجمع و قد تظافرت أخبارنا (1) عن الأئمّة (عليهم السلام) بذلك، و إليه ذهب الفقهاء الأربعة و يجوز أن يكون التقييد لقوله «وَ مَنْ عٰادَ فَيَنْتَقِمُ اللّٰهُ مِنْهُ» فنبّه على تغليظ الحرمة فيه، أو لأنّ الآية نزلت فيمن تعمّد، فقد روي (2) أنّه عنّ لهم (3) في عمرة الحديبية حمار وحش فطعنه أبو اليسر (4)

____________

(1) انظر الوسائل الباب 21 من أبواب كفارات الصيد ص 279 ج 2 ط الأميري و ص 130 ج 2 مستدرك الوسائل.

(2) أخرجه النيشابوري في تفسير الآية ج 2 ص 42 ط إيران.

(3) عن عنا و عننا و عنونا و اعتن له الشيء ظهر أمامه و اعترض.

(4) أبو اليسر بفتح الياء المثناة من تحت و السين المهملة المفتوحتين بعد السين راء كذا ضبطه ابن مأكولا في الإكمال و ابن حجر في الإصابة و التقريب و ضبطه العلامة في الخلاصة و الساروى في توضيح الاشتباه؟؟؟ بضم الياء و سكون السين هو كعب بن عمرو بن عباد بن عمرو بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمه و قيل كعب بن عمرو بن غنم بن شداد بن غنم بن كعب بن سلمه و قيل كعب بن عمرو بن غنم بن كعب بن سلمة الأنصاري السلمي بفتحتين.

و في الخلاصة في النسخة المطبوعة و المنقول في كتب الرجال عمر مكان عمرو مشهور بكنيته و اسمه شهد العقبة و بدرا و كان قصيرا دحداحا ذا بطن أسر العباس يوم بدر، و كان العباس طويلا ضخما فقال له النبي (ص) لقد أعانك عليه ملك كريم و هو الذي انتزع راية المشركين و كانت بيد أبى عزيز بن عمير يوم بدر. و شهد أحدا و هو ابن عشرين سنة و شهد الخندق و المشاهد كلها مع رسول اللّه (ص) و شهد صفين مع على (عليه السلام).

و توفي سنة خمس و خمسين في خلافة معاوية في المدينة و هو آخر من توفي من البدريين قال في التقريب و قد زاد المائة قلت و هو ينافي ما في الطبقات و الاستيعاب من كونه ابن عشرين يوم بدر و قد أطرءه أكثر من تعرض لترجمته من الشيعة و أهل السنة.

قال الشيخ في رجاله عند سرد أصحاب على (عليه السلام) فيمن عرف بكنيته أو قبيلته: و هو الذي لما نزل قوله تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّٰهَ وَ ذَرُوا مٰا بَقِيَ مِنَ الرِّبٰا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قال و ذرنا فلما نزلت «فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوٰالِكُمْ» قال رضينا فلما نزلت «وَ إِنْ كٰانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلىٰ مَيْسَرَةٍ» قال قد أنظرنا، فلما نزلت «وَ أَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ» قال قد تصدقنا انتهى.

انظر ترجمة الرجل في رجال الشيخ (قدّس سرّه) في أصحاب رسول اللّه ص 27 الرقم 3 و فيه أبو اليسير و في أصحاب على ص 64 الرقم 21 و في الخلاصة في القسم الأول في الكنى ص 187 الرقم 2 و في رجال ابن داود ص 407 الرقم 98 و توضيح الاشتباه؟؟؟ ص 316 الرقم 83 و منهج المقال ص 397 و منتهى المقال ص 355 و فيه و في الحاوي ذكره في الضعاف و إتقان المقال في القسم الحسان ص 252 و مجالس المؤمنين ط باسمچى تبريزي ص 109 و تنقيح المقال ج 2 ص 39 من أبواب الكاف و ج 3 فصل الكنى ص 39 و قاموس الرجال ج 7 ص 423 و وقعة صفين لنصر بن مزاحم ط مصر سنة 1382 ص 506 و طبقات ابن سعد ط بيروت ج 3 ص 581 و مجمع الزوائد ج 9 ص 316 و المعارف لابن قتيبة ص 142 و الإكمال لابن مأكولا ج 1 ص 275 و الجمع بين رجال الصحيحين لابن القيسرانى ص 430 الرقم 649 و سرده فيه من افراد مسلم.

و الكنى و الأسماء للدولابي ج 1 ص 62 و اللباب ج 1 ص 555 و اسد الغابة ج 5 ص 323 و الإصابة ج 4 ص 217 الرقم 1254 و الاستيعاب ذيل الإصابة ج 4 ص 217 و الجرح و التعديل لابن أبى حاتم القسم الثاني من المجلد الثالث ص 160 الرقم 901 و التاريخ الكبير للبخاري القسم الأول من الجزء الرابع ص 220 الرقم 955 و التقريب لابن حجر ج 2 ص 135 الرقم 51 نشر السمنگانى و الحلية لأبي نعيم ج 2 ص 19 و سرده من أصحاب الصفة و الكامل لابن الأثير حوادث سنة خمس و خمسين و جمهرة أنساب العرب لابن حزم ص 360 و سائر المعاجم و كتب التاريخ و السير.

262

برمحه فقتله، فنزلت، و أخذ سعيد بن جبير بظاهر القيد فلم يوجب في الخطأ شيئا و هو ضعيف و عن بعضهم نزل الكتاب بالعمد و وردت السنّة بالخطإ.

«فَجَزٰاءٌ مِثْلُ مٰا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ» قرأ الكوفيّون و يعقوب برفع جزاء و المثل معا و المعنى فعليه أو فواجبة جزاء يماثل ما قتل من النعم، و على هذا فيكون الجارّ و المجرور صفة ثانية للجزاء، لا أنّه متعلّق به للفصل بينهما بالصّفة، فإنّ متعلّق المصدر كالصّلة له، فلا يوصف ما لم يتمّ بها، و قرأ الباقون بإضافة المصدر إلى المفعول أو إقحام مثل كما في قولهم «مثلي لا يقول كذا» و المعنى فعليه أن يجزي مثل ما قتل و هذه المماثلة

263

باعتبار الخلقة و الهيئة، و على هذا أصحابنا أجمع، و هو قول الشّافعيّة و المالكيّة من العامّة فأوجبوا في النعامة البدنة، و في حمار الوحش بقرة، و في الظبي و الأرنب شاة إلى غير ذلك، و هو الظاهر المتبادر من إطلاق المثليّة.

و يوضحه قوله «مِنَ النَّعَمِ» فإنّه بيان للمثل و كذا قوله «هَدْياً بٰالِغَ الْكَعْبَةِ» و للرّوايات الدّالّة (1) على أنّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) حكم في الضبع بكبش و ما اشتهر من الصّحابة أنّهم حكموا في أمكنة مختلفة و أزمان متعددة في جزاء الصّيد بالمثل من النّعم فحكموا في النّعامة ببدنة و في حمار الوحش ببقرة و في الظبي بشاة إلى غير ذلك و هو ظاهر في أنّهم نظروا إلى أقرب الأشياء شبها بالصّيد من النعم، و لو نظروا إلى القيمة لاختلفت باختلاف الأسعار.

و قال أبو حنيفة المراد بها المماثلة في القيمة فحكم بأنّ المثل الواجب هو القيمة قياسا على مالا مثل له، و أوجب تقويم الصّيد حيث صيد فان بلغت قيمته ثمن هدي تخيّر بين أن يهدي من النّعم ما قيمته قيمة الصّيد، و بين أن يشتري بقيمته طعاما فيعطى كلّ مسكين نصف صاع من برّ، أو صاعا من غيره، و إن شاء صام عن إطعام كلّ مسكين

____________

(1) انظر سنن البيهقي ج 5 ص 138.

264

يوما، فان فضل مالا يبلغ طعام مسكين صام عنه يوما أو تصدّق به، و أيّدوا ذلك بقوله «يَحْكُمُ بِهِ ذَوٰا عَدْلٍ مِنْكُمْ» فإنّه ظاهر في القيمة إذ التقويم ممّا يحتاج إلى النظر و الاجتهاد بخلاف المماثلة الخلقيّة فإنّها ظاهرة للحسّ لا يحتاج إلى حكم العدل به.

و فيه نظر، فإنّ الأنواع قد تشتبه و تتشابه كثيرا و يماثل بعضها بعضا، فيحتاج التمييز إلى حكم العدل، و لأنّه قد يقتل صيدا و لا يعلم مثله لعدم العلم به، فيحتاج إلى حكم العدل، ليحصل العلم به، على أنّه يلزم التخيير بين الأمرين فقط على تقدير عدم بلوغ قيمة ما قتل هديا كما قاله و لانّه لا يكاد يوجد نعم يكون قيمته قيمة الصّيد المقتول بل هو نادر جدا، و لأنّه على قراءة رفع المثل يقتضي أن يكون الجزاء مماثلا للصّيد من النّعم. و لو كان القيمة، لم يكن مماثلا. بل الجزاء قيمة يشترى بها مماثل، و فرق بين الأمرين، و على قراءة الإضافة يكون من النّعم بيانا للمثل فرجع إلى ذلك أيضا.

و ما ادّعاه في الكشاف (1) من أنّ التخيير الّذي في الآية بين أن يجزي بالهدي أو يكفّر بالإطعام أو الصّوم، إنّما يستقيم استقامة ظاهرة بغير تعسّف إذا قوّم و نظر بعد التقويم أىّ الثلثة يختار فأمّا إذا عمد إلى النظير و جعله الواجب وجده من غير تخيير، فإذا كان شيئا لا نظير له قوّم حينئذ ثمّ تخيّر بين الإطعام و الصّوم، ففيه بنو عمّا في الآية، ألا ترى إلى قوله «أَوْ كَفّٰارَةٌ طَعٰامُ مَسٰاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذٰلِكَ صِيٰاماً» كيف خيّر بين الأشياء الثلثة و لا سبيل إلى ذلك إلّا بالتقويم.

غير مسلّم لما قلناه، على أنّا نقول: إنّ القيمة لا نسمّيها مثلا فيما لا مثل له و الشافعيّة إنّما أوجبوها من حيث إنّه إذا لم يكن له مثل يبقى الواجب الأمر ان الآخران، و لا بدّ فيهما من اعتبار القيمة، و على قولنا التخيير بين الثلاثة إنّما هو فيما له مثل من النّعم، أمّا مالا مثل له فهو موكول إلى الأخبار الواردة عن الأئمّة الأطهار (عليهم السلام) حيث بيّنوا فيها ما يجب فيه من الجزاء و ما لم يبيّن منها يجب فيه القيمة

____________

(1) انظر الكشاف ج 1 ص 678 ط دار الكتاب العربي.

265

قطعا، لأنّه أقرب في اللّزوم، و قد وقع التّنبيه عليه في الخبر هذا.

و في الآية دلالة على اعتبار الإسلام في الحكمين لظهور قوله «منكم» في ذلك فلا يكفى العدل في مذهبه، مع أنّ في صدقه على غير المسلم بعدا، و لفظة «منكم» للتّبعيض لأنّ الجميع ليسوا عدولا، و الظاهر أنّ المراد بهما الشاهدان و إن كان لفظ الحكم يشعر بأنّ المراد بهما الحاكم، لأنّ التعدّد غير معتبر فيه.

و على هذا فيكفي الشاهدان و إن لم يكن هناك حاكم، و إطلاق الحكم على الشّهادة غير عزيز في الكلام، و لو حكم العدلان بأنّ للصّيد غير المنصوص مثلا من النعم وجب الرّجوع إلى قولهما فيه لإطلاق الآية و لا ينافيه ورود الأخبار (1) بثبوت القيمة لما عدا المنصوص، لأنّ ذلك محمول على ما عدا ذلك الفرد الّذي حكم به العدلان و لو حكم عدلان بأنّ له مثلا و آخران بأنّه لا مثل له، فالأخذ بقول الأوّلين، و لو حكم عدلان بمثل و آخران بمثل آخر فأصحّ الوجهين أنّه يتخيّر بينهما، و يحتمل أن يأخذ بالأغلظ هذا.

و قد روى الشيخ في التهذيب (2) عن زرارة قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قول اللّه

____________

(1) انظر الباب 1 من أبواب كفارات الصيد من الوسائل ج 2 ص 271 ط الأميري و ص 126 مستدرك الوسائل.

(2) أقول: هكذا في نسخنا المخطوطة من مسالك الافهام، و الحديث الذي رواه في التهذيب انما هو عن زرارة عن أبى جعفر و ليس فيه قصة تخطئة الكتاب، و لفظ الحديث على ما في زيادات القضايا و الاحكام ج 6 ص 314 الرقم 867 هكذا: عنه (اى محمد بن الحسن الصفار) عن محمد بن الحسين بن أبى الخطاب عن أحمد بن محمد بن أبى نصر عن حماد بن عثمان عن زرارة عن أبى جعفر (عليه السلام) في قوله عز و جل يَحْكُمُ بِهِ ذَوٰا عَدْلٍ فالعدل رسول اللّه و الامام من بعده يحكم به و هو ذو عدل، فإذا علمت ما حكم به رسول اللّه (ص) و الامام فحسبك و لا تسأل عنه.

و قد حكاه عن التهذيب في نور الثقلين ج 1 ص 560 بالرقم 370 و البرهان ج 1 ص 503 الرقم 12 و قلائد الدرر ج 2 ص 103 و الصافي ص 139 ط الخوانساري و الوافي الجزء التاسع ص 136 و الوسائل الباب 7 من صفات القاضي الحديث 26 ص 376 ج 3 ط الأميري.

و لم أظفر على حكاية الحديث عن التهذيب غير ذلك حتى يحتمل أن يكون في النسخة المطبوعة سقط أو تصحيف، و انما روى قصة تخطئة الكتاب في الكافي ففيه في الباب 115 نوادر من أحكام الصيد الحديث 3 ج 1 ص 274:

على بن إبراهيم عن أبيه عن حماد بن عيسى عن إبراهيم عمر اليماني عن أبى عبد اللّه قال سألته عن قول اللّه عز و جل ذَوٰا عَدْلٍ مِنْكُمْ قال العدل رسول اللّه و الامام من بعده، ثم قال و هذا مما أخطأت به الكتاب.

و الحديث 5 منه: محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن ابن فضال عن ابن بكير عن زرارة قال سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول اللّه عز و جل يَحْكُمُ بِهِ ذَوٰا عَدْلٍ مِنْكُمْ قال العدل رسول اللّه (ص) و الامام من بعده، ثم قال هذا مما أخطأت به الكتاب.

و الحديثان في المرآة ج 3 ص 317 و وصف المجلسي الأول بالحسن و الثاني بالموثق، و قد عرفت حال إبراهيم بن هاشم و إبراهيم بن عمر اليماني الواقعين في طريق الأول، فهو كالصحيح و نقلهما في المنتقى ج 2 ص 446 و قلائد الدرر ج 2 ص 103.

و في روضة الكافي ص 205 ط الآخوندى أيضا حديث بالرقم 247: على بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبى عمير عن حماد بن عثمان قال تلوت عند أبى عبد اللّه ذَوٰا عَدْلٍ مِنْكُمْ فقال «ذو عدل» هذا مما أخطأت به الكتاب و هو في المرآة ج 4 ص 338 و ترى احاديث الكليني الثلاثة في نور الثقلين ج 1 ص 560 و ص 561 و البرهان ج 1 ص 503 و الوافي الجزء الثامن ص 121.

و في العياشي أيضا أخبار بهذا المضمون ففي ج 1 ص 343 بالرقم 197: و في رواية حريز عن زرارة قال سئلت أبا جعفر عن قول اللّه يَحْكُمُ بِهِ ذَوٰا عَدْلٍ مِنْكُمْ قال العدل رسول اللّه (ص) و الامام من بعده و هذا مما أخطأت به الكتاب.

و في ص 344 بالرقم 198 عن محمد بن مسلم عن أبى جعفر في قول اللّه يَحْكُمُ بِهِ ذَوٰا عَدْلٍ مِنْكُمْ يعنى رجلا واحدا، و بالرقم 200 عن زرارة قال: سمعت أبا جعفر يقول «يَحْكُمُ بِهِ ذَوٰا عَدْلٍ مِنْكُمْ» قال: ذلك رسول اللّه (ص) و الامام من بعده، فإذا حكم به الامام فحسبك، و نقل أحاديث العياشي في البحار ج 21 ص 36 و البرهان ج 1 ص 504 و نور الثقلين ج 1 ص 561.

قال المحدث الكاشاني في الوافي بعد نقل أحاديث تخطئة الكتاب، بيان: يعنى أن رسم الألف في ذو عدل من تصرف النساخ و الصواب محوها، لأنها تفيد أن الحاكم اثنان و الحال أنه واحد و هو الرسول في زمانه ثم كل إمام في زمانه على سبيل البدل انتهى.

و نقل في المجمع ج 2 ص 242 قراءة «ذو عدل» عن الباقر و الصادق ثم نقل في الحجة عن أبى الفتح انه لم يوحد لان الواحد يكفى، لكنه أراد معنى «من» اى يحكم به من يعدل. و من يكون للاثنين كقوله «تكن مثل من يا ذهب يصطحبان».

ثم قال: و أقول: ان هذا الوجه الذي ذكره ابن جنى بعيد غير مفهوم، و قد وجدت في تفسير أهل البيت منقولا عن السيدين (ع) أن المراد بذي العدل رسول اللّه و أولو الأمر من بعده، و كفى بصاحب القراءة خبرا بمعنى قرائته انتهى ما في المجمع، و نقل قراءة السيدين (ع) ذو عدل و تفسيره بالإمام أيضا في كنز العرفان ج 1 ص 325.

أقول و يتوافق القرائتان على هذا المعنى إذ على قراءة ذوا عدل بالتثنية يكون المراد الرسول و الامام، و المعنى انه يحكم بالمماثلة النبي (ص) و الامام الموصوفان بالعدل و الاستقامة في جميع الأقوال و الافعال، و على القراءة الأخرى بصيغة المفرد يكون المراد واحدا من الحجج على البدل، الذين يعلمون الاحكام بالوحي و الإلهام و حكم كل حكم الأخر بلا اختلاف، و لذلك ترى أنهم قد بينوا لنا في الاخبار مماثل أكثر الصيد، و لم يكلوه الى أفهامنا ففي النعامة بدنة و حمار الوحش و شبهه بقرة، و في الظبي شاة، و المماثلة التي يفهمها الناس ليست في كثير منها كالحمامة و الشاة.

ثم أقول ان زيادة الألف في رسم المصاحف ليست بعزيزة كما ترى اتفاق المصاحف في رسم «لَأَذْبَحَنَّهُ» الآية 21 من سورة النمل بزيادة الألف، و في أكثر المصاحف رسم «لَأَوْضَعُوا» الآية 47 من سورة التوبة بالألف، و في بعض المصاحف «لَإِلَى الْجَحِيمِ» الآية 68 من سورة الصافات، و لَإِلَى اللّٰهِ تُحْشَرُونَ الآية 158 من سورة آل عمران بالألف و كذا زادوا الالف بعد يرجوا و يدعوا و كذا في أولوا الألباب و ملاقوا ربهم و بنوا إسرائيل:

انظر البرهان للزركشى ج 1 ص 381 الى ص 386 و الفرقان لابن الخطيب من ص 57 الى ص 91 و تاريخ القرآن لمحمد طاهر بن عبد القادر المكي من ص 93 الى ص 157 و مباحث في علوم القرآن للدكتور صبحي الصالح من ص 103 الى ص 112 و القاعدة الثانية من النوع السادس و السبعين من الإتقان للسيوطي ج 2 ص 168 و مناهل العرفان للزرقانى ج 1 ص 363 و نثر المرجان للاركاتى عند شرح الايات التي زيدت في كلماتها الالف و سائر الكتب المرتبطة.

قال ابن درستويه: خطان لا يقاس عليهما خط المصحف و خط تقطيع العروض فيكون رسم الالف هنا مع صحة قراءة «ذو» الثابتة عن الإمامين السيدين (عليهما السلام) مثل الألف في «لَأَذْبَحَنَّهُ» و غيره.

ثم انه لا يبعد أيضا أن يكون معنى الكتاب في قول الامام «و هذا مما أخطأت به الكتاب» العلماء، استعمالا للكاتب بمعنى العالم، و يكون المراد من العلماء القراء بمعنى انهم قرأوا «ذَوٰا» بصورة التثنية متابعة للرسم خطأ، و لا يلزم مطابقة القراءة للرسم كما في «لَأَذْبَحَنَّهُ» أو يكون المراد بالعلماء المفسرين بمعنى أنه و ان قرئ «ذَوٰا» بصورة التثنية الا أن المراد مع ذلك الرسول و الامام، لا رجلان يشهدان بالتماثل، فتفسيرهم بالرجلين يشهدان بالتماثل خطأ.

ثم لو فرضنا أن المراد بالكتاب كتاب المصاحف العثمانية فليس تخطئتهم بأمر مستوحش فإنهم كانوا قاصرين في فن الكتابة فجائت الكتبة الأولى ببعض أخطاء كما في زيادة الألف بعد ذو هنا، و قد أفصح عنه الإمامان السيدان (عليهما السلام)، و ببعض مناقضات كما في «لَأَذْبَحَنَّهُ» و قد رسموه بالألف، و رسموا «لَأُعَذِّبَنَّهُ» في نفس الآية بغير الالف، و ليس هذا غمطا لحقهم و لا انتقاصا لفضلهم، ففيهم من نعرف منهم الفضل و النبل و السبق في الخيرات و المكرمات، لكنهم كانوا أميين قبل ذلك، فعدم بلوغ بعض الافراد من أمة قد اتسمت بالامية و صارت الأمية اسما لها و علما عليها الدرجة المطلوبة و الغاية المرجوة في علم الهجاء و فن الكتابة ليس بغير معقول، و يستسيغ العقل قطعا كونهم عرضة للخطإ في وضع رسم الأحرف و الكلمات.

266

عزّ و جلّ يَحْكُمُ بِهِ ذَوٰا عَدْلٍ مِنْكُمْ قال العدل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و الامام من بعده

267

ثمّ قال هذا مما أخطأت به الكتّاب، و يمكن حملها على أنّ المراد بالحكم معناه

268

الحقيقيّ، و يؤيّده ما نقله في الكشاف أنّ جعفر بن محمّد (عليهما السلام) قرأ «ذو عدل منكم»

269

فتأمّل فيه (1).

«هديا» حال من الهاء في «به» أو من «جزاء» إن وصف بالمثل لتخصيصه بالصّفة أو بدل عن مثل باعتبار محلّه «بالغ الكعبة» صفة «هديا» و صحّ لأنّ إضافته لفظيّة، و معنى بلوغه الكعبة ذبحه بالحرم، إن كان في إحرام العمرة ذبحه بمكة قبالة الكعبة، و إن كان في إحرام الحجّ ذبحه بمنى، فالمراد بالكعبة الحرم لأنّ الذبح و النّحر لا يقعان في نفس الكعبة و لا في غاية القرب و التلاصق منها، و يكون التّفصيل في ذلك معلوما من الأخبار كصحيحة (2) عبد اللّه بن سنان قال قال: أبو عبد اللّه (عليه السلام) من وجب عليه فداء

____________

(1) أقول هكذا في النسخ الموجودة عندنا من مسالك الافهام، و كذا في المرآة ج 3 ص 317 نقلا عن الكشاف، و الموجود عندنا في النسخ المطبوعة من الكشاف نقل هذه القراءة عن محمد بن جعفر انظر ج 1 ص 679 ط دار الكتاب العربي و ج 1 ص 484 ط مصطفى البابى الحلبي ففيه: و قرأ محمد بن جعفر ذو عدل منكم أراد يحكم به من يعدل و لم يرد الوحدة و قيل أراد الامام، و نقل الاركاتى في نثر المرجان ج 2 ص 103 أيضا هذه القراءة عن محمد بن جعفر و نقلها البيضاوي من غير عزو ففي ص 162 ط المطبعة العثمانية: و قرئ ذو عدل على ارادة الجنس أو الإمام.

(2) التهذيب ج 5 ص 373 الرقم 1299 و الاستبصار ج 2 ص 211 الرقم 722 و الكافي ج 1 ص 271 باب المحرم يصيد الصيد من أين يفديه و أين يذبحه الحديث 3 و هو في المرآة ج 3 ص 313 و في المنتقى ج 2 ص 434 و الوافي الجزء الثامن ص 119 و الوسائل الباب 39 من أبواب كفارات الصيد الحديث 1 ص 283 ج 1 ط الأميري.

و في الباب حديث آخر عن منصور بن حازم رواه في التهذيب ج 5 ص 374 بالرقم 1303 و الاستبصار ج 2 ص 212 بالرقم 725 و المنتقى ج 2 ص 421 يدل على جواز تأخير كفارة العمرة و ذبحها بمنى.

270

صيد أصابه محرما فان كان حاجّا نحر هديه الّذي يجب عليه بمنى، و إن كان معتمرا نحره قبالة الكعبة، و نحوها [من الأخبار].

و لا يكفي مجرّد الذّبح بل لا بدّ من التصدّق به لانّه عوض ما قتل من الصّيد فلا يحصل العوض بمجرّد ذبحه، بل لا بدّ من صرفه فيه تحصيلا للعوضيّة، و لانّ نفس الذبح إيلام فلا قربة فيه، و إنّما القربة في التصدّق به على فقراء الحرم، و لانّ ذلك هو الظاهر المتبادر من الهدي البالغ الكعبة، و لورود الأخبار بالصّدقة به:

روى الحلبي في الحسن (1) قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن فداء الصّيد يأكل صاحبه من لحمه؟ فقال يأكل من أضحيّته و يتصدّق بالفداء، و نحوها، و لا خلاف في ذلك بين أصحابنا و هو قول أكثر العامّة، و اكتفى أبو حنيفة بذبحه في الحرم أمّا التصدّق به فحيث شاء و ظاهر الآية قد ينافيه.

«أَوْ كَفّٰارَةٌ» عطف على جزاء المرفوع أو خبر مبتدأ محذوف كأنّه قيل: أو الواجب عليه كفّارة «طَعٰامُ مَسٰاكِينَ» عطف بيان أو بدل منه أو خبر مبتدأ محذوف أي هي طعام و المعنى أو أن يكفّر بإطعام مساكين ما يساوي قيمة الهدي و على هذا أصحابنا و الشافعية و حينئذ فيفضّ القيمة على غالب القوت كالبرّ مثلا، و يعطى لكلّ مسكين مدّا.

و هذا كالمطلق في اعتبار إعطاء المدّ لكلّ مسكين، إلّا أنّ للأصحاب في ذلك تفصيلا و هو أنّ قيمة الهدي تعتبر بالنّسبة إلى جماعة معيّنين مثلا في النّعامة يعتبر إطعام ستّين مسكينا فلو اختار الإطعام فضّ قيمة البدنة على البرّ و أطعم ستّين مسكينا بحيث لو نقص عن السّتين لا يجب الإكمال، و لو زاد لم يطعم، و كذا الكلام في غير النّعامة من أفراد الصّيد، على ما علم بيانه من الاخبار، و إطلاق الآية منزّل عليه و الأكثر على اعتبار

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 224 الرقم 757 و الاستبصار ج 2 ص 273 الرقم 966 و الكافي ج 1 ص 302 باب الأكل من الهدى و الصدقة منها الحديث 6 و رواه الصدوق مرسلا في الفقيه ج 2 ص 295 الرقم 1460 و الحديث في المرآة ج 3 ص 343 و المنتقى ج 2 ص 571 و الوافي الجزء الثامن ص 119 و الوسائل الباب 40 من أبواب الذبح الحديث 15 ص 359 ج 2 ط الأميري.

271

المدّ الواحد في الإطعام، و أوجب الشيخ (1) و جماعة مدّين، و عليه أخبار حملها على الاستحباب طريق الجمع بينها و بين ما دلّ على الواحد.

«أَوْ عَدْلُ ذٰلِكَ صِيٰاماً» أو ما ساواه من الصّوم، فيصوم عن إطعام كلّ مسكين يوما على ما ورد بيانه في الاخبار المعتبرة الإسناد: روى محمّد بن مسلم (2) في الصّحيح عن الباقر (عليه السلام) قال: عدل الهدي ما بلغ يتصدّق به، فان لم يكن عنده فليصم بقدر ما بلغ لكلّ طعام مسكين يوما، و مقتضى ذلك أنّه لو كان البدل عن الجزاء الواجب أوّلا و هي القيمة المفضوضة على البرّ ناقصا عن إطعام السّتين، مثلا في النّعامة فإنّه يجب عليه الصّيام على قدر ما وسعت القيمة من الإطعام، و لا يجب الإكمال و على هذا أكثر أصحابنا.

و اعتبر آخرون وجوب صوم السّتين يوما، و إن كان الإطعام ناقصا عن الستّين نظرا إلى أنّ الواجب في الأصل هو إطعام الستّين و سقوط الزّيادة أو العفو عن النقيصة على تقديرهما في الإطعام لا يستلزم مثله في الصّيام، و لا يبعد المصير إليه، لقوّة دليله و عدم منافاة الآية له، مع أنّ فيه احتياطا (3).

و مقتضى الآية التخيير بين الأبدال الثلاثة على ما عرفت و هو قول أكثر الأصحاب و إليه يذهب أبو حنيفة و مالك لظهور «أو» في ذلك و ما رواه حريز في الصّحيح (4) عن

____________

(1) انظر المختلف الجزء الثاني ص 101.

(2) التهذيب ج 5 ص 342 الرقم 1184 و حكاه في المنتقى ج 2 ص 412 و الوافي الجزء الثامن ص 116 و الوسائل الباب 7 من أبواب كفارات الصيد الحديث 9 ج 2 ص 272 ط الأميري.

(3) و في سن: و لا يبعد المصير إلى الأول لقوة دليله و ظهور الآية فيه.

(4) هذه الجملة تراها ذيل حديث تناثر القمل من رأس كعب بن عجرة عن حريز و قد مر مصادره من الكافي و كتابي الشيخ و الفقيه و العياشي في ص 165 من هذا المجلد فراجع و روى تلك الجملة أيضا العياشي عند تفسير الآية 89 من سورة المائدة كفارة القسم ج 1 ص 338 الرقم 175 عن أبي حمزة عن أبى جعفر و حكاها عنه في البحار ج 23 ص 146 و البرهان ج 1 ص 496 و نور الثقلين ج 1 ص 562 الرقم 386 و روى مثلها الشيخ في التهذيب ج 8 ص 299 الرقم 1107 كتاب الايمان و النذور و الكفارات الا ان في النسخة المطبوعة بالنجف عن حمزة عن أبى جعفر و أظن انه من سهو الناسخ فقد حكاه عن الشيخ في الوسائل الباب 12 من أبواب الكفارات الحديث 7 ص 190 ج 2 ط الأميري عن أبي حمزة.

ثم انه قد روى قريبا من تلك الجملة أهل السنة في كتبهم موقوفة على الصحابة انظر سنن البيهقي ج 5 ص 185 و تفسير الطبري ج 2 ص 236 و 237 و ج 7 ص 53 و الدر المنثور ج 1 ص 214 و ج 2 ص 330 و غيرها من كتبهم.

272

الصادق (عليه السلام): كلّ شيء في القرآن أو فصاحبه بالخيار يختار ما شاء الحديث.

و ذهب الشيخ في النهاية و جماعة من الأصحاب إلى الترتيب بمعنى أنّ الواجب أوّلا الجزاء المماثل من النّعم، و مع العجز عنه الإطعام بقدره، ثمّ الصّيام بقدر المساكين محتجيّن على ذلك بظاهر بعض الأخبار الدالّة عليه، و يردّه أنّ العمل بذلك يوجب التّأويل في القرآن و الخبر معا، و مع تعارض التّأويل في أحد الجانبين فتأويل الخبر أولى من تأويل القرآن، على أنّ أخبار الترتيب غير صريحة في عدم إجزاء غير الأوّل فالأوّل، بل هي ظاهرة في ذلك، فيمكن حملها على الأفضليّة بالنسبة إلى ما بعده، و بذلك يحصل الجمع بين الأدلّة.

و إلى الترتيب يذهب أحمد و زفر من العامة، و ربما احتجّوا عليه بأنّ الواجب هنا شرع على سبيل التّغليظ بدليل قوله «لِيَذُوقَ وَبٰالَ أَمْرِهِ» و هو متعلّق بالمحذوف المعلوم ممّا سبق أي فعليه الجزاء أو الإطعام أو الصّيام ليذوق ثقل فعله و سوء عاقبة هتكه لحرمة الإحرام، أو ليذوق الثقل الشديد على مخالفة أمر اللّه، و ظاهر أنّ التخيير ينافي التغليظ.

و فيه نظر فانّ التغليظ جاز أن يكون باعتبار أصل الكفّارة و أصل الوبل الثقل و منه الطّعام الوبيل.

و في مجمع البيان (1) فان سأل سائل كيف يسمّى الجزاء و بإلا و إنّما هي عبادة

____________

(1) انظر المجمع ج 2 ص 245.

273

فتكون نعمة و مصلحة فالجواب أنّ اللّه سبحانه شدّد عليه التكليف بعد أن عصاه، فثقل ذلك عليه كما حرّم الشحم على بني إسرائيل لمّا اعتدوا في السبت، فثقل ذلك عليهم و إن كان مصلحة لهم انتهى، و يمكن أن يقال: الأمور الثلاثة اثنان منها نقص في المال فيثقل على الطّبع، و الثّالث و هو الصّوم ثقيل على البدن أيضا فكلّ منها نوع عقوبة و لعلّ مراد مجمع البيان ذلك فتأمّل.

«عَفَا اللّٰهُ عَمّٰا سَلَفَ» لكم من الصّيد في الجاهلية أو قبل تحريمه عليكم أو في هذه المرة الّتي وقعت منكم [عمدا] «وَ مَنْ عٰادَ» إلى مثل ذلك ثانيا «فَيَنْتَقِمُ اللّٰهُ مِنْهُ» فهو ينتقم اللّه منه و ذلك ليصحّ دخول الفاء فانّ الجزاء إذا كان مضارعا ارتبط بنفسه و لم يحتج إلى الفاء.

و قد استدلّ به جماعة من الأصحاب على عدم الكفّارة بالمعاودة إلى قتل الصّيد فإنّه تعالى جعل جزاء العود إلى قتل الصّيد الانتقام بعد أن جعل جزاء ابتدائه الفدية فاقتضى ذلك عدم وجوبها مع العود بمقتضى المقابلة إذ الخطاب في أوّل الآية مع من لم يقتل الصّيد بعد، فيكون مفادها أنّ من قتل الصّيد عمدا ممّن لم يقتله بعد (1) فالواجب عليه الجزاء، و من عاد إلى القتل بعد مرّة سابقه فهو ممّن ينتقم اللّه منه، فيكون في منطوقها دلالة على لزوم الانتقام مع العود و لم يثبت بدليل آخر ما يقتضي الزيادة على ذلك، فيقتصر عليه عملا بأصالة البراءة، و لأنّ التّفصيل في الآية قاطع للشركة.

و يؤيّده ما رواه الحلبي في الصّحيح (2) عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال المحرم إذا

____________

(1) في سن: لم يقتله قبل.

(2) انظر التهذيب ج 5 ص 372 الرقم 1297 و ص 467 الرقم 1633 و الاستبصار ج 2 ص 211 الرقم 720 و الكافي باب المحرم يصيب الصيد مرارا الحديث 2 و هو في المرآة ج 3 ص 316 و حكاه في المنتقى ج 2 ص 418 و قلائد الدرر ج 2 ص 106 و الوافي الجزء الثامن ص 114 و الوسائل الباب 38 من أبواب كفارات الصيد الحديث 1 ج 2 ص 281 ط الأميري و قريب منه ما في تفسير العياشي ج 1 ص 346 الرقم 207 و حكاه عنه في البحار ج 21 ص 36 و البرهان ج 1 ص 504.

274

قتل الصّيد فعليه جزاؤه، و يتصدّق بالصّيد على مسكين، فان عاد فقتل صيدا آخر لم يكن عليه جزاء، و ينتقم اللّه منه، و النقمة في الآخرة. و الظاهر أنّها في العمد بقرينة تفسير الآية، و رواه ابن أبى عمير (1) مرسلا عن الصّادق (عليه السلام) قال إذا أصاب المحرم الصّيد فعليه كفّارة، فإن أصابه ثانية خطأ فعليه الكفّارة أبدا إذا كان خطأ فإن أصابه متعمّدا كان عليه الكفّارة فإن أصابه ثانية متعمدا فهو ممّن ينتقم اللّه منه و لم تكن عليه الكفّارة، و رواه ابن بابويه (2) في كتابه عن الصّادق (عليه السلام) قال: فان عاد فقتل صيدا آخر متعمّدا فليس عليه جزاؤه، و هو ممّن ينتقم اللّه منه، و النّقمة في الآخرة، و هو قول اللّه سبحانه عَفَا اللّٰهُ عَمّٰا سَلَفَ وَ مَنْ عٰادَ فَيَنْتَقِمُ اللّٰهُ مِنْهُ.

و أجاب العلّامة في المختلف (3) عن الآية بأنّها لا تنافي وجوب الفدية مع العود لعدم التّنافي بين الانتقام في العود، و عمومية الجزاء فيه و في الابتداء الثابت بقوله «وَ مَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً» فإنّه كما يتناول الابتداء يتناول العود من غير رجحان و أصالة البراءة معارضة بالاحتياط، و رواية الحلبي متروكة الظاهر لانّ مقتول المحرم حرام فكيف يسوغ التصدّق به على المسكين، فيحمل على ما إذا جعله غير ممتنع، و بأنّه يحتمل أن يكون المراد من قوله «لم يكن عليه جزاء» نفي الجزاء المنفرد كما في الابتداء فلا منافاة، إذ الواجب هنا الجزاء مع الانتقام، و بمثله أجاب عن حديث ابن أبى عمير.

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 372 الرقم 1298 و الاستبصار ج 2 ص 211 الرقم 721 و رواه في الكافي ج 1 ص 273 باب المحرم يصيب الصيد مرارا بعد الحديث 2 و بين لفظي الكافي و كتابي الشيخ تفاوت يسير.

و الحديث في المرآة ج 3 ص 316 و الوافي الجزء الثامن ص 114 و قلائد الدرر ج 2 ص 107 و الوسائل الباب 38 من أبواب كفارات الصيد الحديث 2 ج 2 ص 281 ط الأميري.

(2) و هو في الفقيه ج 2 ص 234 ذيل الحديث بالرقم 1118.

(3) انظر المختلف الجزء الثاني ص 107.

275

قلت قد عرفت في تقرير الآية ما يدفع جوابه، و منه يلزم اندفاع ما ذكره في جواب الحديثين. على أنّ كون الأولى متروكة الظاهر غير مسلّم لما عرفت من ذهاب جماعة من الأصحاب إلى العمل بمضمونها، و أنّ مذبوح المحرم حلال على المحلّ فيسوغ التصدّق به.

و قد اعترف هو في المختلف ببعد ما ذكره من التأويل في الآية لعدم سبقه إلى الفهم، ثمّ قال و ليس بعيدا من الصّواب ما ذهب إليه الشيخ أعنى عدم التكرّر لدلالة الحديث عليه و قد عرفت أنّ الخبر الواحد يخصّ عموم القرآن لكنّ الأوّل أظهر بين العلماء انتهى.

و فيه أنّه لا تخصيص على ما قلناه لكون الخطاب مع من لم يصدر منه القتل بعد بقرينة المقابلة بالعود، و هو دليل على أنّ المراد حكم القاتل ابتداء فقط، و بقوله «مَنْ عٰادَ» حكم العود، فلا عموم ليحتاج إلى التّخصيص.

مع أنّ في حكمه بأظهريّة الأوّل أي وجوب التكرّر بين العلماء نظرا، فإنّه إن أراد أظهريّته بين علماء العامّة فلا عبرة بهم عندنا، و إن أراد علماء الخاصّة، فهو غير واضح، كيف و المعهود بين أصحابنا عدم الفدية في التكرّر عمدا، و هو قول أكثر القدماء كالكلينيّ على ما يظهر منه، و الصّدوق و غيرهما و عليه أكثر المتأخّرين أيضا فالأظهرية على العكس.

و قد يستدلّ على التكرّر بظاهر صحيحة معاوية بن عمّار (1) قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) في محرم أصاب صيدا قال عليه الكفّارة قلت فان هو عاد؟ قال: عليه كلّما عاد كفّارة، و نحوها حسنته (2) عنه (عليه السلام) و ترك الاستفصال قرينة العموم، و الجواب

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 372 الرقم 1296 و الاستبصار ج 2 ص 210 الرقم 719 و هو في المنتقى ج 2 ص 418 و الوسائل الباب 37 من أبواب كفارات الصيد الحديث 3 ج 2 ص 282 ط الأميري.

(2) التهذيب ج 5 ص 372 الرقم 1295 و الاستبصار ج 2 ص 210 الرقم 718 و الكافي ج 1 ص 273 باب المحرم يصيب الصيد مرارا الحديث 1 و هو في المرآة ج 3 ص 316 و الحديث عن معاوية بن عمار عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) في المحرم يصيد الصيد قال عليه الكفارة في كل ما أصاب.

و حكاه في المنتقى ج 2 ص 447 و فيه و في بعض نسخ الكافي في المحرم يصيد الطير قال عليه الكفارة في كل ما أصاب قلت و هكذا في نسخة الكافي المطبوع 1311 و على اى فلا صراحة فيه في حكم التكرر لجواز أن يكون القصد فيها تعميم افراد المصيد لا التكرار.

و روى الحديث في قلائد الدرر ج 2 ص 107 و الوافي الجزء الثامن ص 113 و الوسائل الباب 37 من أبواب كفارات الصيد الحديث 1 ج 2 ص 282 ط الأميري.

276

أنّها مطلقة فتحمل على الخطأ كما دلّت عليه الرّوايات السابقة.

و يزيده وضوحا ما رواه حفص الأعور (1) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال إذا أصاب المحرم الصّيد فقولوا له [قتلت و] أصبت صيدا قبل هذا؟ فان قال نعم فقولوا له إنّ اللّه منتقم منك و احذر النقمة، و إن قال لا فاحكموا عليه بجزاء ذلك الصّيد، و نحوها من الاخبار و بذلك يحصل الجمع بينها، و مع ذلك فلا ريب أنّ التكرّر أولى للاحتياط.

و موضع الخلاف العمد بعد العمد في إحرام واحد، و إن تباعد الزمان، فلو كان الواقع بعد قتل الصّيد مرّة عمدا قتله خطأ تكرّرت قطعا لعدم العمد في الثّانية، و كذا لو كان الواقع بعد الخطأ عمدا أو تكرّر ذلك في إحرامين.

«وَ اللّٰهُ عَزِيزٌ» غالب على أمره «ذُو انْتِقٰامٍ» فينتقم (2) ممّن يتعدّى أمره و يرتكب نهيه مصرّا على ذلك.

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 467 الرقم 1635 و رواه في قلائد الدرر ج 2 ص 107 و الوافي الجزء الثاني ص 114 و الوسائل الباب 38 من أبواب كفارات الصيد الحديث 3 ج 2 ص 282، ط الأميري.

(2) في الآخرة بل يحتمل أن الانتقام يكون في الدنيا أيضا فقد روى الكليني عن زيد الشحام عن أبى عبد اللّه في قول اللّه عز و جل وَ مَنْ عٰادَ فَيَنْتَقِمُ اللّٰهُ مِنْهُ قال ان رجلا انطلق و هو محرم فأخذ ثعلبا فجعل يقرب النار من وجهه و جعل الثعلب يصيح و يحدث من استه، و جعل أصحابه ينهونه عما يصنع ثم أرسله بعد ذلك.

فبينما الرجل نائم إذ جائته حية فدخلت في فيه فلم تدعه حتى جعل يحدث كما أحدث الثعلب، ثم خلت عنه. انظر الكافي باب نوادر الصيد الحديث 6 ج 1 ص 276 و هو في المرآة ج 3 ص 317 و الوافي الجزء الثامن ص 121 و روى مثله في العياشي مع اختلاف في بعض الألفاظ عن محمد بن مسلم عن أحدهما انظر ج 1 ص 345 الرقم 203 و نقله عنه في البحار ج 21 ص 36 و البرهان ج 1 ص 504 و روى حديثي الكافي و العياشي في الوسائل الباب 8 من أبواب تروك الإحرام ص 255 ج 2 ط الأميري.

277

«أُحِلَّ لَكُمْ» أيّها المحرمون كما يعطيه الظاهر، فيكون قد بيّن فيها ما يحلّ من الصّيد على المحرم، و ما يحرم عليه، بعد أن أطلق النّهي عن الصّيد في الآية السابقة «صَيْدُ الْبَحْرِ» ما صيد منه و هو مالا يعيش إلّا في الماء و في أخبارنا عن الأئمّة (عليهم السلام) أنّه الّذي يبيض في البحر و يفرخ فيه كالسّمك لا كالبطّ، و إن لازم الماء و مثله السرطان و السلحفاة، فإنّه من صيد البرّ و يجب على قاتله الجزاء.

و جملة ما يصاد من البحر ثلاثة أصناف: الحيتان، و الضّفادع، و ما عداهما ممّا يسكن فيه، و على حلّية صيده للمحرم جميع العلماء، و مقتضى الآية عموم حلّ صيد البحر و يخصّ بالمأكول المحلّل منه، على ما علم بيانه بالإجماع و الأخبار، سواء كان في الحلّ أو الحرم.

«وَ طَعٰامُهُ» عطف على ما قبله أي و أحلّ لكم طعامه، و هو ما يطعم من مصيدة فيكون الصّيد السابق بالمعنى المصدريّ أي الاصطياد و مضى معناه، و هنا أكل ما صيد منه لأنّ العطف يقتضي المغايرة، و يحتمل أن يراد بالأوّل ما صيد أيضا لكن من الجديد الطريّ و بالطعام اليابس القديد لأنّه يدّخر ليطعم منه، فصار كالمقتات من الأغذية، و يؤيّده قوله «مَتٰاعاً لَكُمْ» أي لأجل تمتّع حاضريكم «وَ لِلسَّيّٰارَةِ» من مسافريكم يتزوّدون بقديده كما يأكلون جديده، و قد تزوّد موسى (عليه السلام) الحوت في مسيره إلى الخضر (عليه السلام) و بهذا المعنى وردت أخبارنا، و قيل إنّ المراد بطعامه ما قذفه البحر ميتا أو نضب عنه

278

و هو ضعيف لاعتبار الذّكاة في السّمك و هو إخراجه من الماء حيّا، فلا يحلّ بدونه مطلقا.

«وَ حُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ» أي ما صيد فيه أو المعنى المصدريّ على ما سلف إلّا أنّ الظاهر الأوّل «مٰا دُمْتُمْ حُرُماً» محرمين، و قد تظافرت أخبارنا عن أئمّتنا (عليهم السلام) و انعقد إجماعنا على تحريم الصّيد على المحرم بكلا المعنيين، و قد وافقنا في ذلك جماعة من العامّة (1) و جمهورهم على حلّية أكل صيد البرّ على المحرم ما لم يصده هو بنفسه، أو

____________

(1) كالليث و الثوري و إسحاق و طاوس و ابن عمر و قد روى البخاري في ج 4 ص 402 فتح الباري عن عبد اللّه بن عباس عن الصعب بن جثامة الليثي أنه اهدى لرسول اللّه (ص) حمارا وحشيا و هو بالأبواء أو بودان فرده عليه فلما رأى ما في وجهه قال انا لم نرده عليك إلا أنا حرم.

و روى مثله مسلم في الصحيح ج 8 ص 104 بشرح النووي و فيه من ص 104 الى ص 106 أحاديث أخر عن ذلك الرجل (الصعب بن جثامة بفتح الصاد و سكون العين المهملتين بعدها باء موحدة أبوه جثامة بفتح الجيم و تثقيل المثلثة) مع تفاوت في بعض الألفاظ و كذا نقله في الفتح عن مصادر أخر و بين تفاوت الألفاظ و في المنتقى بشرح نيل الأوطار ج 5 ص 20 أنه متفق عليه.

و فيه أيضا عن على (عليه السلام) أن النبي (ص) أتى ببيض النعام فقال انا قوم حرم أطعموه أهل الحل رواه أحمد قلت بل قد استفاض النقل عن على (عليه السلام) في رواياتهم أن النبي نهى المحرم عن أكل الصيد مطلقا انظر كنز العمال ج 5 ص 139 و ص 140 الرقم، 1012 و 1014 و 1015 و 1016 أخرجه عن احمد و أبى يعلى و ابن مردويه و الطحاوي عن على عن النبي (ص).

و في مجمع الزوائد ج 3 ص 229 ط بيروت لبنان الطبعة الثانية عن عبد اللّه بن الحارث بن نوفل قال كان أبى الحارث على أمر من أمر مكة فقال عبد اللّه فاستقبلت عثمان بالنزل بقديد فاصطاد أهل الماء حجلا فطبخناه بماء و ملح فجعلناه عراقا للثريد فقدمناه الى عثمان و أصحابه فأمسكوا فقال عثمان صيد لم نصطده و لم نأمر بصيده اصطاده قوم حل فأطعموناه فما بأس.

فقال عمر: من يقول هذا؟ قالوا: على، فبعث الى على قال عبد اللّه بن الحارث:

فكأني أنظر الى على حين جاء و هو يجب الخيط عن كفيه، فقال له عثمان: لم نصطده و لم نأمر بصيده، اصطاده قوم حل فأطعموناه فما بأس.

فغضب على و قال أنشد اللّه رجلا شهد رسول اللّه (ص) حين أتى بقائمة حمار وحش فقال رسول اللّه (ص) انا قوم حرم فأطعموه أهل الحل قال فشهد اثنا عشر رجلا من أصحاب رسول اللّه ثم قال أنشد اللّه رجلا شهد رسول اللّه (ص) أتى ببيض نعام فقال رسول اللّه انا قوم حرم فأطعموه أهل الحل قال فشهد دونهم في العدة من الاثنا عشر قال فثنى عثمان وركه عن الطعام فدخل و أكل ذلك الطعام أهل الماء.

قلت روى أبو داود منه قصة قائمة الحمار من غير ذكر عدة من شهد رواه أحمد و أبو يعلى بنحوه و البزار و فيه على بن زيد و فيه كلام كثير و قد وثق و في رواية أتى بخمس بيضات نعام.

و في رواية عنده أيضا أن عثمان بن عفان نزل قديدا فأتى بالحجل في الجفان شائلة بأرجلها فأرسل الى على و هو يصفن بعيرا له فجاء و الخيط من يديه فأمسك فأمسك الناس فقال من هيهنا من أشجع هل تعلمون أن رسول اللّه (ص) جائه أعرابي ببيضات نعام و بتمير وحش فقال أطعمهن أهلك فانا حرم، قالوا بلى، فتورك عثمان على سريره و قال خبثت علينا رواه أحمد و فيه على بن زيد و فيه كلام و قد وثق و بقية رجاله رجال الصحيح انتهى ما في مجمع الزوائد.

أقول ما نقله عن أبى داود تراه في سننه ج 2 ص 232 بالرقم 1849 ط مطبعة السعادة 1369 و في تذييل محمد محي الدين عبد الحميد عليه انه في المسند بالرقم 782 و 784 و 814 و في السنن أيضا بالرقم 1850 عن ابن عباس انه قال يا زيد بن أرقم هل علمت أن رسول اللّه (ص) أهدي إليه عضد صيد فلم يقبله و قال انا حرم؟ قال نعم قلت و أخرجه أيضا النسائي في ج 5 ص 184 و أخرج حديث النهي أيضا في مجمع الزوائد عن عائشة و البراء بن عازب و انظر أيضا سنن البيهقي ج 5 من ص 191 الى ص 194.

279

يصاد لأجله فلا يباح له حينئذ.

و قال أبو حنيفة منهم: يجوز للمحرم أكل ما صاده الحلال و إن صاده لأجله، إذا لم يدل أو لم يشر، و كذلك ما ذبحه قبل إحرامه محتجّين عليه بما روى أبو قتادة أنّه (1) اصطاد حمار وحش و هو حلال في أصحاب محرمين، فقال لهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) هل أشرتم

____________

(1) انظر المنتقى بشرح نيل الأوطار ج 5 ص 23 و فيه انه متفق عليه.

280

هل أعنتم؟ فقالوا لا، فقال هل بقي من لحمه شيء قالوا معنا رجله فأخذها النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فأكلها، و يردّه ظاهر الآية لاقتضائه تحريم أكل الصّيد على المحرم، و انصراف إطلاق الصّيد إلى المصيد كما هو المتبادر منه، و عدم ثبوت الرّواية المذكورة (1) فلا يخصّص بمثلها القرآن.

قال في الكشاف (2) فان قلت فما يصنع أبو حنيفة بعموم قوله صيد البرّ؟ قلت قد أخذ أبو حنيفة بالمفهوم من قوله «وَ حُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مٰا دُمْتُمْ حُرُماً» لأنّ ظاهره أنّه صيد المحرمين دون صيد غيرهم، لأنّهم هم المخاطبون فكأنّه قيل و حرّم عليكم ما صدتم في البرّ، فيخرج منه مصيد غيرهم و مصيدهم حين كانوا غير محرمين، و يدلّ عليه قوله «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ» انتهى.

و للنّظر فيه مجال، إذ هو لا يقول (3) بمفهوم المخالفة، و لو سلّم فلا يعرف أنّ

____________

(1) و مع ذلك فالحديث مضطرب المتن ففي لفظ أنه قد أكل منه، و في لفظ رواه في المنتقى ص 23 عن أحمد و ابن ماجه أنه لم يأكل منه لانه اصطيد له و هو في سنن ابن ماجة بالرقم 3093 و ما حكاه في نيل الأوطار عن النووي في شرح المهذب من احتمال انه جرى لأبي قتادة في تلك السفرة قصتان بعيد.

و مع ذلك فالحديث معارض بما هو أقوى منه و أكثر لما عرفت من رواية حديث النهي عن على (عليه السلام) و ابن عباس و البراء بن عازب و عائشة و الصعب بن جثامة، سلمنا تكافؤهما، فالحديثان: حديث النهي و حديث الأكل يتعارضان فيتساقطان و يبقى ظاهر الآية و عمومها سليما عن المعارض.

ثم حديث الصعب انما كان في حجة الوداع و حديث أبي قتادة في عمرة الحديبية و المتأخر ناسخ للمتقدم.

(2) انظر الكشاف ج 1 ص 681.

(3) و في سن: فانا لا نسلم أن الظاهر ذلك، بل الظاهر أن المراد بالمصيد الجنس سواء كان الصيد منهم أو من غيرهم، فيكون مفاد الآية تحريم جنس المصيد عليهم ما داموا محرمين، على أن تخصيص تحريم الصيد الواقع في الآية على العموم بمصيدهم دون مصيد غيرهم لهذا المفهوم الذي لا يعرف انه من أى قسم هو من المفهوم أقصى ما فيه أنه مفهوم اللقب و هو غير حجة عنده أيضا فضلا عن المحققين من الأصوليين لا يخفى ما فيه.

281

هذا المفهوم من أيّ قسم هو من المفهوم، أقصى ما فيه أنّه مفهوم اللقب، و هو غير حجّة عنده أيضا فضلا عن المحقّقين من الأصوليّين.

و لا نسلّم أنّ قوله «لٰا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ» الآية دالّ على ذلك، لجواز أن يكون المراد منه تحريم قتله و هناك تحريم أكله، بل هو الظاهر فإنّ الإفادة خير من الإعادة فتأمّل.

«وَ اتَّقُوا اللّٰهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ» فيجازي المحسن على إحسانه، و المسيء على إساءته في الوقت الّذي لا يملك أحد فيه الضرّ و النفع، ففيه ترهيب و ترغيب.

الثانية:

[يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تُحِلُّوا شَعٰائِرَ اللّٰهِ وَ لَا الشَّهْرَ الْحَرٰامَ وَ لَا الْهَدْيَ وَ لَا الْقَلٰائِدَ وَ لَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرٰامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَ رِضْوٰاناً وَ إِذٰا حَلَلْتُمْ فَاصْطٰادُوا وَ لٰا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَ تَعٰاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوىٰ وَ لٰا تَعٰاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوٰانِ وَ اتَّقُوا اللّٰهَ إِنَّ اللّٰهَ شَدِيدُ الْعِقٰابِ] (1).

يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تُحِلُّوا شَعٰائِرَ اللّٰهِ جمع شعيرة فعيلة بمعنى مفعلة، و على هذا الأكثر، و قيل واحدها شعارة و كيف كان فهي اسم ما أشعر أي جعل شعارا سمّى به أعمال الحجّ من مواقفه، و مرامي الجمار، و المطاف، و المسعى، و المشعر، و نحوها لأنّها علامات الحجّ و أعلام النّسك، و قيل أراد دين اللّه لقوله وَ مَنْ يُعَظِّمْ شَعٰائِرَ اللّٰهِ (2) و قيل فرائضه الّتي حدّها لعباده، و معنى إحلالها التهاون بحرمتها و تركه

____________

(1) المائدة: 2.

(2) الحج: 32.

282

على وجه الحلّية و على إرادة العموم، فالمعنى لا تجعلوا محرّمات اللّه حلالا و مباحا و لا العكس أي لا تتعدّوا حدوده.

«وَ لَا الشَّهْرَ الْحَرٰامَ» أي بالقتال فيه أو بالسبي، و اختلف في المعنىّ به فقيل: هو رجب و قيل ذو القعدة و قيل الأشهر الحرم كلّها، و عبّر عنها بلفظ الواحد اكتفاء باسم الجنس، نهاهم اللّه تعالى عن استحلالها بالقتال فيها، و نحوه قال الطبرسيّ (1) في مجمع البيان و هذا أليق بالعموم.

«وَ لَا الْهَدْيَ» ما اهدى إلى الكعبة جمع هدية كجدي جميع جدية: السرح أي لا تستحلّوه فتغصبوه من أهله أو لا تحولوا بينه و بين أن يبلغ محلّه من الحرم.

«وَ لَا الْقَلٰائِدَ» أي ذوات القلائد من الهدي المقلّد بنعل أو نحوه، و عطفها على الهدي للاختصاص، و زيادة التوصية بها، لأنّها أشرف الهدي كقوله تعالى وَ جِبْرِيلَ وَ مِيكٰالَ (2) كأنّه قيل و القلائد منها خصوصا، أو المراد القلائد أنفسها جمع قلادة و هو ما قلّد به الهدي من نعل و نحوه، نهى عن التعرّض لها مبالغة في النهي عن التعرّض للهدي على معنى و لا تحلّوا قلائدها فضلا عن أن تحلّوها كما نهى عن إبداء الزينة مبالغة في النهي عن موقعها.

«وَ لَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرٰامَ» (3) قاصدين زيارته «يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَ رِضْوٰاناً» أن يثيبهم و يرضى عنهم فيكون المراد المسلمين لأنّهم هم الّذين يبتغون ذلك لا الكفّار، و على هذا فتكون الآية محكمة غير منسوخة، و يؤيّده ما قيل إنّ المائدة آخر القرآن نزولا، و الجملة في موضع الحال من المستكنّ في آمّين، و لا يجوز أن يكون صفة لأنّ اسم الفاعل على تقدير كونه عاملا لا يكون موصوفا، و الموصوف منه لا يكون عاملا، و قد يظهر من الكشاف أنّه صفة، و لعلّ العمل عنده لا يمنع الموصوفيّة فتأمّل.

____________

(1) راجع ج 2 ص 154.

(2) البقرة: 98.

(3) و في فتح القدير للشوكانى ج 2 ص 5 أنه قرء الأعمش «و لا آمّي البيت الحرام» بالإضافة.

283

و قيل: معناه يبتغون من اللّه أرباحا في تجاراتهم و رضوانا منه بزعمهم، فانّ المشركين كانوا يظنّون في أنفسهم أنّهم على سداد من دينهم، و أنّ الحجّ يقرّبهم إلى اللّه، فوصفهم اللّه بظنّهم فيكون المراد النّهى عن استحلالهم و منعهم عن حجّ البيت و إن كانوا مشركين.

و يؤيّده ما روي أنّ الآية (1) نزلت في الخطم بن هند البكريّ أتى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) وحده و خلف خيله خارج المدينة فقال إلى ما تدعوا؟ فقال إلى شهادة أن لا إله إلّا اللّه و إقام الصّلوة، و إيتاء الزكاة، فقال: حسن و لكن لي من أشاوره. و خرج فمرّ بسرح من المدينة فساقه و انطلق به، ثمّ أقبل من العام القابل حاجّا مع حجّاج اليمامة قد قلّد هديا و كان المسلمون و المشركون يحجّون جميعا، فأراد المسلمون التعرّض لهم بسبب كونه فيهم، فنهى اللّه المسلمون أن يمنعوا أحدا عن حجّ البيت، بقوله تعالى لٰا تُحِلُّوا شَعٰائِرَ اللّٰهِ الآية.

و على هذا فالآية منسوخة بما دلّ على المنع من دخول المشرك المسجد الحرام و بقوله وَ اقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ (2) قيل إنّه لم ينسخ من المائدة سواها.

«وَ إِذٰا حَلَلْتُمْ» من إحرامكم «فَاصْطٰادُوا» إباحة للاصطياد بعد حظره عليهم و لا يلزم من حمل الأمر هنا على الإباحة كون الأمر الواقع بعد الحظر للإباحة مطلقا فإنّ الأصحّ أنّه للوجوب مطلقا، و إن كان بعد النّهي، لكنّه هنا للإباحة لانعقاد الإجماع على عدم الوجوب، و قد مرّ غير مرّة.

«وَ لٰا يَجْرِمَنَّكُمْ» و لا يحملنكم أولا يكسبنّكم، و جرم بمعنى كسب فيتعدّى إلى المفعول الواحد مرّة و إلى الاثنين اخرى يقال: جرم ذنبا كسبه و جرمته ذنبا كسبته إيّاه، و قد تعدّى هنا إلى اثنين أحدهما الضّمير و الآخر «أَنْ تَعْتَدُوا».

«شَنَآنُ قَوْمٍ» شدّة بغضهم و عداوتهم، و هو مصدر أضيف إلى الفاعل أو المفعول «أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ» بمعنى العلّة أي لأجل أنّهم صدّوكم عنه عام

____________

(1) المجمع ج 2 ص 153، و نقل عنه في نور الثقلين ج 1 ص 484، و انظر أيضا كنز العرفان ج 1 ص 331.

(2) النساء: 92.

284

الحديبية، و قرء ابن كثير و أبو عمرو بكسر الهمزة على أنّه شرط معترض أغنى عن جوابه تقدّم «لٰا يَجْرِمَنَّكُمْ».

«أَنْ تَعْتَدُوا» بالانتقام، و المعنى لا يكسبنّكم بغضهم و عداوتهم الاعتداء عليهم و الانتقام منهم بإلحاق المكروه بهم.

«وَ تَعٰاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ» هو استيناف كلام، و ليس بعطف على تعتدوا ليكون في موضع النّصب كذا في مجمع البيان، أمر تعالى عباده بأن يعين بعضهم بعضا على البرّ و هو العمل بما أمرهم اللّه به «وَ التَّقْوىٰ» أي اتّقاء ما نهاهم اللّه عنه.

«وَ لٰا تَعٰاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ» و هو ترك ما أمر به «وَ الْعُدْوٰانِ» و هو مجاوزة ما حدّ اللّه لهم في دينهم، و هو كالمؤكّد للأمر السابق، و الظاهر أنّ النهي عن ذلك إنّما هو مع القصد إلى التعاون لا مع وقوعه اتّفاقا إذ المراد الإعانة على الوجه الّذي يقال عرفا أنّه أعانه عليه كما لو طلب الظّالم سيفا من شخص لقتل مظلوم، و كان يمكنه أن لا يدفعه إليه فدفعه أو طلب منه القلم لأن يكتب أمرا مخالفا للمشروع فدفعه مع إمكان الردّ، و نحو ذلك ممّا يعدّ عرفا فيه المعونة، لا نحو ما إذا قصد غرضا صحيحا فترتّب عليه معاونة الظّالم.

كما لو قصد بالتّجارة تحصيل النفقة الواجبة أو المستحبّة أو المباحة فاتّفق أن أخذ الظّالم منه العشور، فانّ ذلك لا يسمّى تعاونا في العرف، و كذا لو حجّ فأخذ منه في الطّريق بعض المال ظلما، و نحوه فلا يدخل مثله تحت النّهي.

و من هنا يظهر أنّه لو باع السلعة على من يحتمل أن يصرفها في غير المشروع من غير قصد ذلك، لم يكن فيه حرمة كما لو باع العنب ممّن يعمله خمرا أو الخشب ممّن يصنعه صنما، فاتّفق أن عمل ذلك فيه و في الاخبار (1) دلالة عليه، و على ذلك أكثر الأصحاب.

و بالجملة الظاهر من التعاون على الإثم كون فعله لأجل تحصيله إمّا قصدا

____________

(1) انظر الوسائل أبواب ما يكتسب به تجد خلال أخبارها ما يدل على الجواز و ما يدل على الحرمة.

285

أو في العرف بحيث يصدق أنّه فعل لأجل حصوله، و إن كان في هذه الصورة لا يخلو من القصد أيضا.

[و أما ما ينقل عن بعض الأكابر أنّ خيّاطا قال له إنّى أخيط للسلطان ثيابه فهل تراني داخلا بهذا في أعوان الظّلمة؟ فقال: الدّاخل في أعوان الظّلمة من شوّك الابر و الخيوط أمّا أنت فمن الظلمة أنفسهم، فالظاهر أنّه محمول على نهاية المبالغة في الاحتراز عنهم، و إلّا فالأمر مشكل] (1).

و قد يستفاد من الآية أنّ تعاقب الأيدي على الحسنة يوجب تعدّد ثوابها بالنسبة إلى من جرت على يده و إن تعدّد، من غير أن ينقص صاحبها من الثواب الّذي قدّر له الشّارع، و كذا تعاقبها على الإثم يوجب تعدّده من غير أن ينقص صاحبها من الإثم الّذي قدّر له.

«وَ اتَّقُوا اللّٰهَ إِنَّ اللّٰهَ شَدِيدُ الْعِقٰابِ» أمر منه تعالى بالتقوى و وعيد و تهديد لمن تعدّى حدوده و تجاوز أمره.

الثالثة:

[إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ وَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ الَّذِي جَعَلْنٰاهُ لِلنّٰاسِ سَوٰاءً الْعٰاكِفُ فِيهِ وَ الْبٰادِ وَ مَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحٰادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذٰابٍ أَلِيمٍ] (2).

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ لا يريد بهذا الفعل حالا و لا استقبالا و إنّما يريد استمرار الصدّ منهم، و المنع للنّاس في جميع الأوقات عن طاعة اللّه كقولك فلان يعطى و يمنع، أي هكذا صفته، و من ثمّ حسن عطفه على الماضي (3)

____________

(1) ما بين العلامتين من زيادات نسخة سن.

(2) الحج: 25.

(3) الأصل في عطف الجمل أن تتفق الجملتان في الاسمية و الفعلية و الفعليتان في الماضوية و المضارعة و قد يعدو عن ذلك لأغراض كحكاية الحال الماضية و استحضار الصورة الغريبة في الذهن نحو «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ» و نحو «فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ» أو كافادة التجدد في إحداهما و الثبوت في الأخرى نحو «أَ جِئْتَنٰا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللّٰاعِبِينَ» و الصديق يكاتبني و أنا مقيم على وده.

و احتمل بعض في الآية كون «وَ يَصُدُّونَ» حالا من الفاعل في «كَفَرُوا» و الأكثرون على امتناع دخول واو الحال على المضارع المثبت الغير المقترن بقد، و الحق عندي جوازه و سيأتي في المجلد الثالث من هذا الكتاب عند تفسير الآية 37 من سورة الأحزاب ان المصنف يجعل الواوات في قوله تعالى وَ تُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللّٰهُ مُبْدِيهِ وَ تَخْشَى النّٰاسَ وَ اللّٰهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشٰاهُ للحال و قال الشاعر:

فلما خشيت أظافيرهم * * * نجوت و أرهنهم مالكا

و قال عنترة العبسي:

علقتها عرضا و أقتل قومها * * * زعما لعمر أبيك ليس بمزعم

و قالوا قمت و أصك وجهه و تأولها المانعون بتقدير مبتدء محذوف، أى و أنت تخشى الناس، و أنا ارهنهم مالكا، و أنا اقتل، و أنا أصك، و جعلها الشيخ عبد القاهر الجرجاني واو عطف و الجملة بعدها حكاية حال ماضية.

قال الدسوقى في حاشيته على مختصر المعاني ج 2 ص 107 ان الأندلسي قال معنى حكاية الحال الماضية أن تقدر نفسك كأنك موجود في الزمن الماضي أو تقدر ذلك الزمان كأنه موجود الان، و قال صاحب الكشاف معنى حكاية الحال الماضية أن تقدر أن ذلك الأمر الماضي واقع في حال التكلم، كما في قوله تعالى قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيٰاءَ اللّٰهِ مِنْ قَبْلُ و استحسنه الرضى انتهى ما في حاشية الدسوقى.

286

و نظيره قوله تعالى الَّذِينَ آمَنُوا وَ تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللّٰهِ (1).

و قيل إنّ المراد كفروا في الماضي و هم الآن يصدّون، و خبر إنّ محذوف يدلّ عليه آخر الآية (2) و لعلّ فائدة الحذف التهكّم بحالهم لتذهب النفس كلّ مذهب

____________

(1) الرعد: 28.

(2) و نقل أبو البقاء قولا بكون الواو زائدة و كون «يصدون» خبر «ان» و هو من مسائل الخلاف بين البصريين و الكوفيين، و سرده ابن الأنباري في ص 456 بالرقم 64 فالكوفيون قائلون بجواز زيادة الواو، و اليه ذهب أبو الحسن الأخفش و أبو العباس المبرد و أبو القاسم بن برهان من البصريين و احتجوا بقوله «حَتّٰى إِذٰا جٰاؤُهٰا وَ فُتِحَتْ أَبْوٰابُهٰا» و قوله «وَ أَذِنَتْ لِرَبِّهٰا وَ حُقَّتْ» و قول امرئ القيس:

فلما أجزنا ساحة الحي و انتحى * * * بنا بطن حقف ذي قفاف عقنقل

و البصريون على أن جواب إذا في الآيتين و «لما» في البيت محذوف توخيا للإيجاز و الاختصار، و الواو فيها للعطف ليست بزائدة.

287

محتمل بالنسبة إليهم من الخذلان و العذاب و الإهانة و نحوها.

«و المسجد الحرام» عطف على اسم «اللّه» [أو على سبيله و ربّما كان كالتفسير و التصريح لمزيد التقبيح عليهم] و أراد به المسجد نفسه، و قيل الحرم كلّه و يؤيّده أنّها نزلت في الّذين صدّوا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) عن مكّة عام الحديبيّة (1) و حينئذ فيكون في قوله «الَّذِي جَعَلْنٰاهُ لِلنّٰاسِ سَوٰاءً الْعٰاكِفُ فِيهِ وَ الْبٰادِ» المقيم و الطاري، دلالة على عدم جواز بيع دور مكّة و لا إجارتها، و بذلك احتجّ الشيخ في الخلاف على عدم جواز ذلك، و بيّن كون المراد من المسجد الحرام جميع الحرم بقوله تعالى سُبْحٰانَ الَّذِي أَسْرىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ (2) و إنّما اسري به من بيت خديجة أو من شعب أبى طالب.

و يؤيّده ما رواه أصحابنا من النهي عن منع الحاجّ دور مكّة لقوله تعالى سَوٰاءً الْعٰاكِفُ فِيهِ وَ الْبٰادِ [كصحيحة الحسين بن أبى العلاء (3) قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) إنّ

____________

(1) ففي تفسير الإمام الرازي ج 23 ص 23 الطبعة الجديدة عند تفسير الآية: عن ابن عباس نزلت الآية في أبي سفيان بن حرب و أصحابه حين صدوا رسول اللّه عام الحديبية عن المسجد الحرام عن أن يحجوا و يعتمروا و ينحروا الهدى، فكره رسول اللّه قتالهم و كان محرما بعمرة ثم صالحوه على أن يعود في العام القابل.

(2) الاسراء: 1.

(3) الكافي ج 1 ص 232 باب في قوله عز و جل سَوٰاءً الْعٰاكِفُ فِيهِ وَ الْبٰادِ الحديث 1 و هو في المرات ج 3 ص 266 و جعله من الحسن و في الوافي الجزء الثامن ص 19 و تمام الحديث: و كان معاوية صاحب السلسلة التي قال اللّه سبحانه و تعالى فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهٰا سَبْعُونَ ذِرٰاعاً فَاسْلُكُوهُ إِنَّهُ كٰانَ لٰا يُؤْمِنُ بِاللّٰهِ الْعَظِيمِ و كان فرعون هذه الأمة و روى الحديث الى ما نقله المصنف في الوسائل الباب 33 من أبواب مقدمات الطواف الحديث 1 ج 2 ص 304 ط الأميري و روى حديث كون معاوية أول من علق على بابه المصراعين أيضا الشيخ في التهذيب ج 5 ص 420 الرقم 1458 بغير لفظ الكافي.

288

معاوية أوّل من علّق على بابه مصراعين بمكّة فمنع حاجّ بيت اللّه ما قال اللّه عزّ و جلّ سَوٰاءً الْعٰاكِفُ فِيهِ وَ الْبٰادِ و كان النّاس إذا قدموا مكّة نزل البادي على الحاضر حتّى يقضي حجّه.

و في الصّحيح (1) عن حفص بن البختري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

ليس ينبغي لأهل مكّة أن يجعلوا لدورهم أبوابا و ذلك أنّ الحاجّ ينزلون معهم في ساحة الدّار حتّى يقضوا حجّهم و نحوهما من الاخبار الدّالّة على استوائهم في نزولها و سكناها بحيث لا يكون أحدهما أحقّ بالمنزل من الآخر غير أنّه لا يخرج أحد من بيته] (2).

و ما رواه عبد اللّه بن العاص (3) عن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) أنّه قال مكّة حرام و حرام

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 463 الرقم 1615 و رواه مرسلا عن الصادق في الفقيه ج 2 ص 126 الرقم 545 مع أدنى تفاوت، و في آخره «فإن أول من جعل لدور مكة أبوابا معاوية» و هو في الوافي الجزء الثامن ص 19 و البرهان ج 3 ص 83 و المنتقى ج 2 ص 631 عن التهذيب و رواه في الوسائل الباب 33 من أبواب مقدمات الطواف الحديث 5 ج 2 ص 304 ط الأميري.

(2) ما بين العلامتين لا يوجد في نسخة چا و هو في نسخة قض في الهامش.

(3) أخرجه بهذا اللفظ الحاكم في المستدرك و في سنده عبيد اللّه بن ابى زياد و قال الذهبي في التلخيص: عبيد اللّه لين، و فيه حديث آخر أيضا عن عبد اللّه بن العاصي بلفظ مكة مناخ لا تباع رباعها و لا تؤاجر بيوتها و في طريقه إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، قال الذهبي في التلخيص إسماعيل ضعفوه و أخرج الثاني أيضا السيوطي في الجامع الصغير بالرقم 8202 ج 6 ص 3 فيض القدير و أخرجهما البيهقي في ج 6 ص 35 فقال في الأول هكذا روى مرفوعا و رفعه و هم و الصحيح أنه موقوف و قال في الثاني إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر ضعيف و أبوه غير قوى.

ثم العاصي قال النووي في تهذيب الأسماء و اللغات ج 2 ص 30 الرقم 18 و الجمهور على كتابة العاصي بالياء و هو الفصيح عند أهل العربية و يقع في كثير من كتب الحديث و الفقه أو أكثرها بحذف الياء و هي لغة و قد قرئ في السبع كالكبير المتعال و الداع و نحوهما انتهى.

289

بيع رباعها و حرام أجر بيوتها، و إلى هذا يذهب أبو حنيفة و جماعة من العامة.

[قيل] و في الاستدلال نظر لعدم ظهور كون المراد منها استواؤهم في نزولها، و احتمال كون المراد استواءهم فيما يلزمهم من فرائض اللّه تعالى، و حاصله استواؤهم في العبادة في المسجد أى ليس للمقيم أن يمنع البادي و بالعكس، و يؤيّده قوله (صلى اللّه عليه و آله و سلم) يا بنى عبد مناف (1) من ولي منكم من أمور النّاس شيئا فلا يمنعنّ أحدا طاف بهذا البيت أو صلّى أيّة ساعة شاء من ليل أو نهار، و بمثله أجاب الشيخ في التبيان عن الاستدلال.

قالوا و يردّه أيضا ظاهر قوله تعالى الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيٰارِهِمْ (2) في حقّ المهاجرين لاقتضاء الإضافة التمليك، و يحتمل أن يكون المراد إنّا جعلناه قبلة لصلاة الناس و غيرها، كدفن الأموات و الذّبح، و منسكا لحجّهم و الطواف فيه، فالعاكف و البادي في ذلك سواء و هو قريب ممّا تقدّم، و يؤيّد هذا ما نقل أنّ المشركين كانوا يمنعون المسلمين عن الصّلوة في المسجد الحرام و الطّواف بالبيت، و يدّعون أنّهم

____________

(1) أخرجه النسائي ج 5 ص 223 و الترمذي ج 3 ص 22 ط مصر الجديدة و أبو داود ج 2 ص 244 الرقم 1894 الطبعة الأخيرة و ابن ماجة ص 398 الرقم 1254 و تفسير الخازن ج 3 ص 283 عن النسائي و الترمذي و أبى داود و البيهقي ج 5 ص 92 مع تفاوت في اللفظ، و لفظ المصنف مأخوذ عن تفسير الإمام الرازي ج 23 ص 24 الطبعة الأخيرة.

(2) الحج: 40، و الحشر: 8.

290

أربابه و ولاته، فنزلت [و في تفسير (1) عليّ بن إبراهيم قال: نزلت في قريش حين صدّوا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) عن مكّة (2)].

على أنّ الظاهر من المسجد الحرام هو نفسه، و كون المراد به الحرم غير معلوم و كونه أريد به في الآية الأخرى بيت خديجة أو شعب أبي طالب، معارض بما روي عنه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) قال بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر عند البيت بين النائم و اليقظان إذ أتاني جبرئيل بالبراق (3) فاندفع (4) الاستدلال من هذه الجهة أيضا.

و لو قيل: إنّ ظاهر قوله «سَوٰاءً الْعٰاكِفُ فِيهِ وَ الْبٰادِ» يعطى كونه الحرم لا المسجد لاجيب بالمنع، إذ يجوز أن يكون المراد بالعاكف المجاور للمسجد المتمكن في كلّ وقت من التعبّد فيه، و البادي ما قابله، و بالجملة الاستدلال بالآية على ذلك بعيد [و الأخبار غير واضحة الإسناد (5)، فلا تقوم في إثبات حكم مخالف للأصل] (6) فتأمّل.

____________

(1) تفسيره المطبوع ص 274 و نقله عنه في البرهان ج 3 ص 83.

(2) ما بين العلامتين من زيادات سن و عش و هامش قض.

(3) ترى الحديث قريبا من هذا المضمون في البحار نقلا عن كشف اليقين و أخرج حديث كون الاسراء عن الحجر في الدر المنثور ج 4 ص 157 عن ابن إسحاق و ابن جرير و ابن المنذر عن الحسن بن الحسين عن النبي (ص).

(4) و في بعض النسخ كما في سن و عش و هامش قض هكذا: [و الحق ان ما ذكر بالنسبة إلى ظاهر الآية صحيح أما بعد ملاحظة الأخبار الصحيحة الدالة على كون المراد استواءهم في سكناها بحيث لا يكون أحدهما أحق بالمنزل من الأخر فلا، و من ثم ذهب بعض الأصحاب الى ذلك و المانع مستظهر من الجانبين فتأمل.

(5) كما في نهج البلاغة من كتاب على (عليه السلام) الى قثم بن عباس و هو عامله على مكة الكتاب 67 و هو في ص 30 ج 18 من شرح ابن أبى الحديد الطبعة الأخيرة و في آخر الكتاب: و مر أهل مكة إلا يأخذوا من ساكن أجرا فإن اللّه سبحانه يقول «سَوٰاءً الْعٰاكِفُ فِيهِ وَ الْبٰادِ» فالعاكف المقيم به، و البادي الذي يحج اليه من غير أهله.

(6) ما بين العلامتين لا يوجد في قض و انما يوجد في چا.

291

«وَ مَنْ يُرِدْ فِيهِ» ترك مفعوله ليتناول كلّ محتمل (1) [و قرئ بالفتح من (2) الورود] «بِإِلْحٰادٍ» عدول عن القصد «بِظُلْمٍ» بغير حقّ، و هما حالان مترادفان عن فاعل «يرد» أي من يرد فيه مرادا مّا حال كونه عادلا عن القصد ظالما، يعنى أنّ الواجب على من كان فيه أن يضبط نفسه و يسلك طريق السّداد و العدل في جميع ما يهمّ به و يقصده، و لا يتجاوز به إلى الظّلم (3).

و الباء فيه للملابسة أى حالكونه ملابسا بإلحاد و ملابسا بظلم أيضا فإنّ العدول عن القصد يحتمل أن يكون بوجه مشروع معقول غير عدوان في بادئ الرأي و بحسب أصل المعنى فقيّد بالظلم ليترتّب عليه «نذقه». و يحتمل كون الحال الثّانية بدلا عن الاولى و المعنى ما ذكرناه (4).

و قال الطبرسي (5) الباء في بإلحاد زائدة تقديره و من يرد فيه إلحادا، و في بظلم

____________

(1) ما بين العلامتين من مختصات سن.

(2) و في الكشاف ج 3 ص 151 عند تفسير الآية: و عن الحسن و من يرد الحادة بظلم أراد إلحادا فيه فإضافة على الاتساع في الظرف كمكر الليل، و معناه من يرد أن يلحد فيه ظالما انتهى.

(3) و في سن بعد ذلك «فمتى عدل عن القصد كان ظالما و يحتمل كون الحال» إلخ.

(4) زاد في قض و عش هنا: و يحتمل كونها للسببية اى إلحادا بسبب الظلم.

(5) انظر المجمع ج 4 ص 79 و هو مختار أبى عبيدة معمر بن المثنى في مجاز القرآن قال في ج 2 ص 48: و من يرد فيه بإلحاد مجازه «و من يرد إلحادا» و هو الزيغ و الجور و العدول من الحق و في آية أخرى «مِنْ طُورِ سَيْنٰاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ» مجازه «تنبت الدهن» و العرب قد تفعل ذلك قال الشاعر:

بواد يمان تنبت الشث صدره * * * و أسفله بالمرخ و الشبهان

المعنى و أسفله ينبت المرخ قال حؤبة تنقض بالضلوع: أى تنقض الضلوع، و الحؤبة الدلو العظيم يقال انه لحؤب البطن أى عظيمة، و قال الأعشى:

ضمنت برزق عيالنا ارماحنا * * * ملء المراجل و الصريح الاجردا

أى ضمنت رزق عيالنا أرماحنا و الباء من حروف الزوائد انتهى.

و الشث نبت طيب الريح يدبغ به و المرخ شجر سريع الورى، و الشبهان محركتين نبت شائل له ورد لطيف أحمر، و المرجل القدر من الحجارة و النحاس، و الأجرد ما ليس فيه غل و لا غش. و المراد في البيت اللبن بلا رغوة و في المغني لابن هشام أمثلة كثيرة للباء الزائدة فراجع.

292

للتعدية، و فيه أنّه بعد الحكم بزيادة الباء في بإلحاد فجعلها للملابسة في بظلم ممكن أيضا أي و من يرد فيه عدولا عن القصد حال كونه متلبّسا بظلم [و يحتمل كونها للسببيّة أي إلحادا بسبب الظلم] فيرجع إلى ما تقدّم.

ثمّ قال: و الإلحاد العدول عن القصد، و اختلف في معناه هيهنا فقيل هو الشرك و عبادة غير اللّه عن قتادة، فكأنّه قال: و من يرد فيه ميلا عن الحقّ بأن يعبد غير اللّه فيه ظلما و عدوانا، و هذا يشعر بكون الباء للملابسة و الحالية و قيل هو الاستحلال للحرام و الركوب للاثام عن ابن عبّاس و مجاهد و ابن زيد، و المراد استحلال المحرّمات فيكون الركوب للآثام تفسيره، و بذلك نقل الشيخ في التبيان عنه، و قيل غير ذلك من الوجوه.

و الّذي رواه أصحابنا (1) عن أئمّتهم (عليهم السلام) أنّ كلّ ظلم إلحاد و إنّ ضرب الخادم في غير ذنب من ذلك الإلحاد، روى ذلك ابن أبى عمير في الصّحيح (2) عن الصادق (عليه السلام)

____________

(1) انظر الوسائل الباب 16 من أبواب مقدمات الطواف و نور الثقلين ج 3 من ص 482 الى ص 484 و البرهان ج 3 ص 84.

(2) ففي التهذيب ج 5 ص 420 بالرقم 1457 عن موسى بن القاسم عن ابن ابى عمير عن حماد عن الحلبي قال: سئلت أبا عبد اللّه عن قول اللّه عز و جل وَ مَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحٰادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذٰابٍ أَلِيمٍ فقال كل الظلم فيه الحاد حتى لو ضربت خادمك ظلما خشيت أن يكون إلحادا، فلذلك كان الفقهاء يكرهون سكنى مكة.

و في الكافي ج 1 ص 228 باب الإلحاد بمكة و الجنايات الحديث 2 ابن أبى عمير عن معاوية قال سئلت أبا عبد اللّه عن قول اللّه عز و جل وَ مَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحٰادٍ بِظُلْمٍ قال كل ظلم إلحاد و ضرب الخادم في غير ذنب من ذلك الإلحاد، و هو في المرآة ج 3 ص 261 و طريق الكافي حسن كالصحيح باصطلاحهم، و قد عرفت صحة الحديث بإبراهيم بن هاشم و طريق الشيخ صحيح.

و رواه عن معاوية في الفقيه ح 2 ص 164 الرقم 705 و روى الحديثين في المنتقى ج 2 ص 270 و البرهان ج 2 ص 84 و نور الثقلين ج 3 ص 483 و الوافي الجزء الثامن ص 17 و الوسائل الباب 16 من أبواب مقدمات الطواف ج 2 ص 299 ط الأميري.

293

و روى أبو الصّباح الكناني (1) قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قول اللّه عزّ و جلّ وَ مَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحٰادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذٰابٍ أَلِيمٍ فقال كلّ ظلم يظلمه الرّجل نفسه بمكّة من سرقة أو ظلم أو شيء من الظّلم فإنّي أراه إلحادا الحديث و يستفاد من ذلك أنّ كلّ ذنب يصدر من المكلّف هناك فهو كبيرة لترتّب الوعيد أعنى قوله «نُذِقْهُ مِنْ عَذٰابٍ أَلِيمٍ» عليه، بل إرادة ذلك كبيرة لذلك.

نعم يبقى الكلام في أنّ محلّ ذلك هو الحرم كلّه أو مكّة فقط، و الظاهر الثاني كما أشعرت به الأخبار، و عدم ظهور كون الحرم كلّه بهذه المثابة مع احتماله «و نذقه» جواب «من» الشرطية، و هو خبرها أيضا. و قد استدلّ بعضهم بظاهر الآية على أنّ من أحدث في الحرم حدثا يوجب تعزيرا أو حدّا فإنّه يعاقب زيادة على ما هو الواجب في غيره و لا يخفى بعده لظهور أنّ الإذاقة في الآخرة.

الرابعة:

[وَ إِذْ قٰالَ إِبْرٰاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هٰذٰا بَلَداً آمِناً وَ ارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرٰاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللّٰهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ قٰالَ وَ مَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلىٰ عَذٰابِ النّٰارِ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْرٰاهِيمُ الْقَوٰاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَ إِسْمٰاعِيلُ رَبَّنٰا تَقَبَّلْ مِنّٰا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ

____________

(1) الكافي ج 1 ص 288 باب الإلحاد بمكة و الجنايات الحديث 3 و هو في المرآة ج 3 ص 261 قال المجلسي مجهول و تتمة الحديث «و لذلك كان يتقى أن يسكن الحرم.

و رواه في الفقيه مع تفاوت يسير ج 2 ص 164 الرقم 706 و هو في الوافي الجزء الثامن ص 17 و نور الثقلين ج 3 ص 483 و البرهان ج 3 ص 84 و الوسائل الباب 16 من أبواب مقدمات الطواف الحديث 3 ج 2 ص 299 ط الأميري.

294

(1). وَ إِذْ قٰالَ إِبْرٰاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هٰذٰا يريد البلد و هو مكّة «بَلَداً آمِناً» أي ذا أمن كقوله عِيشَةٍ رٰاضِيَةٍ (2) أو آمنا أهله كقولك «ليل نائم» قيل و المراد به أنّه إذا دخل إليه المجرم في غيره لجناية لم يجز لأحد التعرّض له كما مرّ، و لا يصاد طيره و لا يقطع شجره، و لا يختلى خلاه، و يؤيّده ما روى عن الصّادق (عليه السلام) «من دخل الحرم مستجيرا به فهو آمن من سخط اللّه، و من دخله من الوحش و الطّير كان آمنا من أن يهاج أو يؤذى حتّى يخرج من الحرم (3) و على هذا فيمكن الاستدلال بها على هذه الأحكام.

و يلزم منه تحريم الصّيد على المحلّ إن كان في الحرم كما هو ثابت بالإجماع بمعنى أنّه لا يجوز اصطياده فيه، أمّا لو صيد في الحلّ و ذبح هناك و أدخل الحرم مذبوحا جاز للمحلّ أكله في الحرم، و قد تظافرت الاخبار بذلك (4)، و لو أدخله حيّا وجب إرساله لدخوله الأمن و ذلك ثابت بإجماعنا أيضا و بذلك تظافرت الأخبار (5) أيضا.

و وجه الدّلالة أنّه تعالى حقّق دعوته في ذلك و حرّم مكّة بدعائه (عليه السلام) و قبله كانت كسائر البلاد، و قد روي (6) عن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) أنّه قال «إنّ إبراهيم حرّم مكّة

____________

(1) البقرة: 126 و 127.

(2) الحاقة: 21.

(3) قد مر في ص 104 من هذا الجزء بمصادره.

(4) انظر الوسائل الباب 5 من أبواب تروك الإحرام ج 2 ص 254 ط الأميري.

(5) تراها في خلال أبواب تروك الإحرام و أبواب كفارات الصيد.

(6) انظر الحديث بطرقه المختلفة و ألفاظه المتفاوتة في سنن البيهقي ج 5 ص 197 و ص 198 و المنتقى بشرح نيل الأوطار ج 5 ص 32 و ص 33 و صحيح مسلم بشرح النووي ج 9 من ص 134 الى ص 151 و البخاري بشرح فتح الباري ج 6 ص 424 و ص 427 باب الخدمة في الغزو من كتاب الجهاد و ج 7 ص 219 كتاب الأنبياء باب قول اللّه و اتخذ اللّه إبراهيم خليلا ج 11 باب الحبس من كتاب الأطعمة.

و أخرجه في الجامع الصغير بلفظ اللهم ان إبراهيم بالرقم 1495 ج 2 ص 126 فيض القدير عن مسلم و بلفظ «ان إبراهيم» بالرقم 2159 ص 406 عن أحمد و مسلم و بلفظ «انى حرمت ما بين لابتي المدينة كما حرم إبراهيم مكة» ج 3 ص 17 بالرقم 2638 عن ابى سعيد و ظاهر عبارة المصنف أن الحديث نبوي تفرد بنقله أهل السنة و ليس كذلك بل رواه أصحابنا أيضا ففي التهذيب ج 6 ص 12 بالرقم 23 عن أبى عبد اللّه قال رسول اللّه (ص) ان مكة حرم اللّه حرمها إبراهيم (عليه السلام) و ان المدينة حرمي ما بين لابتيها حرم لا يعضد شجرها و هو ما بين ظل عائر إلى ظل وعير، و ليس صيدها كصيد مكة يؤكل هذا و لا يؤكل ذاك، و الحديث في الكافي ج 1 ص 319 باب تحريم المدينة الحديث 5 و في المرآة ج 3 ص 358 و حكاه في المنتقى ج 2 ص 620 و الوافي الجزء الثامن ص 206 و الوسائل الباب 17 من أبواب المزار الحديث 1 ج 2 ص 383 ط الأميري.

ثم عاير و وعير على ما في كتب أصحابنا جبلان يكتنفان المدينة شرقا و غربا و عبر في الحديث بظلهما، تنبيها على أن الحرم ما بينهما و الجبلان خارجان عن حد الحرم و المراد ما أظل عليه كل من هذين الجبلين.

و وعير ضبطه في الدروس بفتح الواو و في المسالك و قيل بضمها و فتح العين المهملة و قال المحقق الثاني في جامع المقاصد وجدته مضبوطا في مواضع متعددة بضم الواو و فتح العين المهملة و في كشف اللثام كذا وجدته بخط بعض الفضلاء و فيه و في خلاصة الوفاء عير و يقال عاير جبل مشهور في قبلة المدينة قرب ذي الحليفة و لم يذكر وعير في معجم البلدان و مراصد الاطلاع.

و في أخبار أهل السنة عند تحديد حرم المدينة أنه ما بين عير و ثور، و في بعضها عاير مكان عير، و لما كان ثور اسم جبل بمكة فيه الغار الذي اختفى فيه النبي (ص) اضطرب كلمات المحدثين فضرب بعضهم على كلمة ثور و ترك بعض الرواة موضع ثور بياضا و أبهم البخاري في روايته فقال من كذا الى كذا أو عائر الى كذا، و أمثاله و قال أبو عبيدة أصل الحديث من عير الى أحد، و قال مصعب الزبيري لا يعرف بالمدينة جبل يقال له عير و لا عاير و لا ثور، و قال بعض سمى النبي (ص) الجبلين اللذين بطرفي المدينة عيرا و ثورا ارتجالا.

و قيل ان عيرا جبل بمكة فيكون المراد أن حرم المدينة مقدار ما بين عير و ثور الذين بمكة أو حرم المدينة تحريما مثل تحريم ما بين عير و ثور بمكة على حذف المضاف و وصف المصدر المحذوف و يؤيد أن عيرا أيضا جبل بمكة لامية أبي طالب المعروفة، و فيها.

و ثور و من أرسى ثبيرا مكانه * * * و عير و راق في حراء و نازل.

فإنه ذكر فيها جبال مكة و ذكر فيها عيرا و العير بفتح العين انظر تفصيل ما تلوناك في المرآة ج 3 ص 358 و المدارك ص 430 و سائر كتب الفقه مبحث حرم المدينة و كذا فتح الباري و شرح النووي على صحيح مسلم و نيل الأوطار بحث حرم المدينة و معجم البلدان كلمة ثور و عاير و وعير.

و لابتا المدينة حرتاها اللتان تكتنفان بها قال في المدارك و الحرتان موضعان ادخل منهما نحو المدينة و هما حرة ليلى و حرة واقم بكسر القاف و أصل الحرة بفتح الحاء المهملة و تشديد الراء الأرض التي فيها الحجارة السود انتهى.

و العضد القطع، و البريد أربعة فراسخ، قال صاحب المعالم في منتقى الجمان بعد نقله الحديث المار ذكره، و في متنه نوع حزازة و محصل معناه أن حرم المدينة بريد لا يعضد شجره و يوكل صيده.

295

و إنّى حرّمت المدينة».

و المشهور في روايات أصحابنا أنّ الحرم كان أمنا قبل دعوة إبراهيم (عليه السلام)

296

و يؤيّده ما روي عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) أنّه قال يوم فتح مكّة (1) إنّ اللّه حرّم مكّة

____________

(1) رواه في الفقيه مرسلا ج 2 ص 159 بالرقم 687 و رواه في الكافي عن معاوية بن عمار باب ان اللّه عز و جل حرم مكة حين خلق السموات و الأرض الحديث 4 ج 1 ص 228 و اللفظ فيهما لا تحل لأحد من بعدي و هو في المرات ج 3 ص 261 و المنتقى ج 2 ص 284 و بعده: قلت الإرسال الواقع في هذا الحديث ناش عن نوع سهو، و قرائن الحال شاهدة بأن الرواية فيه عن أبى عبد اللّه و بمضمون الحديث أحاديث أخر.

و قد رواه أهل السنة أيضا انظر فتح الباري ج 4 ص 413 الى ص 421 و شرح النووي على صحيح مسلم ج 9 من ص 123 الى ص 130 و سنن البيهقي ج 5 ص 195 و غيرها من كتبهم و ذكر في الفتح في الجمع بين الحديث و الحديث الماضي من ان إبراهيم حرم مكة وجوها منها أن إبراهيم حرم مكة بأمر اللّه لا باجتهاده، و منها أن اللّه قضى يوم خلق السموات و الأرض ان إبراهيم سيحرم مكة و منها أن إبراهيم أول من أظهر تحريمها بين الناس أو أول من أظهرها بعد الطوفان و منها ان المراد أن مكة من محرمات اللّه فيجب امتثال ذلك و ليس من محرمات الناس يعني في الجاهلية بل تحريمها ثابت بالشرع فلا يسوغ الاجتهاد في تركه.

297

يوم خلق السّموات و الأرض، فهي حرام إلى أن تقوم الساعة، لم يحلّ لأحد قبلي و لا بعدي، و لم يحلّ لي إلّا ساعة من النّهار، و حينئذ فيكون الحرمة مؤكّدة بدعائه (عليه السلام).

و قال بعضهم كان حراما قبل الدّعوة بوجه غير الوجه الّذي صارت به حراما بعدها فالأوّل بمنع اللّه إيّاها من الاضطلام و الايتفاك كما لحق غيرها من البلاد، و بما جعل في النفوس من تعظيمها و الهيبة لها، و الثاني الأمن من الجدب و القحط لانه أسكنهم بواد غير ذي زرع كما أخبر تعالى عنه في موضع آخر و لم يسئله أمنه من ايتفاك و خسف لأنّه كان آمنا من ذلك.

و قد يرجّح الأوّلين قوله «وَ ارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرٰاتِ» لكونه حينئذ تأسيسا و اشتمال الدعاء على أن يجتمع لهم الأمن و الرّزق و خصب العيش فيكونون في رغد من العيش، و في الرّواية (1) عن الباقر (عليه السلام) المراد بذلك أنّ الثمرات تحمل إليهم من الآفاق و عن الصّادق (عليه السلام) قال (2) هو ثمرات القلوب أي حبّبهم إلى النّاس ليتوبوا إليهم.

«مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللّٰهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ» بدل من أهله بدل البعض قصدا إلى تخصيص

____________

(1) المجمع ج 1 ص 206 و عنه البرهان ج 1 ص 154.

(2) المجمع ج 1 ص 206 و عنه البرهان ج 1 ص 154.

298

الرّزق بهم، و إنّما خصّهم لأنّ اللّه تعالى أعلمه أنّ في ذرّيّته ظالمين و أنّهم لا ينالون عهده، لمّا سأل الإمامة لذرّيّته بقوله لٰا يَنٰالُ عَهْدِي الظّٰالِمِينَ (1) فخصّ في الرّزق المؤمنين تأدّبا بأدب اللّه تعالى.

قال «وَ مَنْ كَفَرَ» عطف على «مَنْ آمَنَ» عطف التلقين كما عطف «وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي» على الكاف و التّقدير هنا و ارزق من كفر على الإخبار لا الأمر، أخبر تعالى بأنّ الرزق في الحيوة الدّنيا ليس مقصورا على المؤمنين بل يشمل الكافرين أيضا فإنّه قد يكون استدراجا للمرزوق و إلزاما للحجّة له.

قال التفتازاني و الّذي يقتضيه النّظر الصّائب أن يكون هذا عطفا على محذوف أي أرزق من آمن و أرزق من كفر بلفظ الخبر و هو جيّد، و يجوز أن يكون مبتدأ تضمّن معنى الشّرط و قوله فامتّعه قليلا خبره، و الكلام في تقدير من آمن منهم أرزقه من الثمرات، و من كفر فامتعه قليلا [أي بالرّزق أو بالبقاء في الدّنيا].

و لا يرد أنّ الكفر لا يكون سببا للتمتّع، فلا وجه لترتّبه عليه، لانّ الكفر سبب لتقليله بأن يجعله مقصورا على حظوظ الدّنيا غير متوسّل به إلى نيل الثواب و لذلك عطف عليه و قوله «ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلىٰ عَذٰابِ النّٰارِ» أي ألزّه إليه لزّ المضطرّ لكفره و تضييعه ما متّعته به من النّعم، و انتصاب قليلا على المصدريّة أو الظرفيّة «وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ» المخصوص بالذّم محذوف و هو العذاب.

و قد يستدلّ بها على جواز الدّعاء بالرزق بل طلب الرّفاهية و التوسعة في المعاش و حسن الحال، و طلب طيب المآكل كما يشعر به قوله «مِنَ الثَّمَرٰاتِ» إذ لو كان المراد أصل القوت الّذي يسدّ به الخلّة لم يكن لذكره كثير فايدة، و في الاخبار دلالة على ذلك أيضا.

«وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْرٰاهِيمُ الْقَوٰاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَ إِسْمٰاعِيلُ» حكاية حال ماضية، أي اذكر إذ يرفع إلخ، و القواعد جمع قاعدة و هي الأساس و الأصل لما فوقه، صفة غالبة من القعود بمعنى الثبات، و من ذلك القاعدة من الجبل، و لعلّه مجاز من المقابل للقيام، و منه

____________

(1) البقرة: 124.

299

قعدك اللّه بالنّصب أي أسأل اللّه أن يقعدك أي يثبّتك، و رفع الأساس البناء عليها، لأنّه إذا بني عليها نقلت من هيئة الانخفاض إلى هيئة الارتفاع، و تطاولت بعد التقاصر و يجوز أن يكون المراد بها سافات البنا، فانّ كلّ ساف قاعدة للّذي يبنى عليه، و يوضع فوقه، و معنى رفع القواعد رفعها بالبناء لأنّه إذا وضع سافا فوق ساف فقد رفع السّافات.

قال الشيخ في التبيان (1) أكثر المفسّرين على أنّ إبراهيم و إسماعيل معا رفعا القواعد و قال ابن عبّاس كان إبراهيم يبني و إسماعيل يناوله الحجارة، و لما كان له دخل في البناء عطف عليه، قلت و يؤيّد الأوّل [ظاهر الآية فإنّه تعالى عطف إسماعيل على إبراهيم فلا بدّ و أن يكون العطف في فعل من الأفعال الّتي سلف ذكرها، و لم يتقدّم إلّا رفع القواعد.

و] ما في رواية الكلينيّ عن (2) الصّادق (عليه السلام) إنّ اللّه تعالى أنزل أربعة أملاك يجمعون إليه الحجارة، فكان إبراهيم و إسماعيل يضعان الحجارة، و الملائكة تناولهما و نقل الشيخ في التبيان عن شذاذ أنّ إبراهيم وحده رفعها، و كان إسماعيل صغيرا حينئذ ثمّ قال: و هو ضعيف لأنّه خلاف ظاهر اللّفظ و خلاف أقوال المفسّرين.

و قد اختلفت الرّواية في كيفيّة بناء البيت (3) فالمرويّ بين أصحابنا عن أئمّتهم (عليهم السلام)

____________

(1) التبيان ج 1 ص 157 ط إيران.

(2) جزء من حديث طويل في ج 1 ص 220 باب حج إبراهيم و بنائهما البيت الحديث 3 و هو في المرآة ج 3 ص 255.

(3) قد مر في ص 98 حديث بناء الملئكة للكعبة و ترى هنا احاديث بناء آدم و إبراهيم و إسماعيل إياها و ذكر رشدي الصالح في ملحقاته على اخبار مكة للازرقى من ص 355 الى ص 373 ج 1 أن ما يتحصل مما أوضحه الأزرقي و اتفق عليه المؤرخون الآخرون أن الكعبة بنيت عشر مرات: و هي: 1- بنائه الملائكة. 2- بنائه آدم. 3- بنائه شيث. 4- بنائه إبراهيم و إسماعيل. 5- بنائه العمالقة. 6- بنائه جرهم. 7- بنائه قصى. 8- بنائه قريش. 9- بنائه ابن الزبير. 10- بنائه الحجاج.

ثم قال و بنيت للمرة الحادية عشرة عام 1039 في عهد السلطان مراد ثم نقل عن الفاسى في شفاء الغرام أبياتا أجمل فيها تاريخ الكعبة لعهده و هي:

بنى الكعبة الغراء عشر ذكرتهم * * * و رتبتهم حسب الذي أخبر الثقة

ملائكة الرحمن آدم و ابنه * * * كذاك خليل الرحمن ثم العمالقة

و جرهم يتلوهم قصى قريشهم * * * كذا ابن الزبير ثم حجاج لاحقه

فذيل الأبيات بعضهم بقوله:

و خاتمهم من آل عثمان بدرهم * * * مراد المعالي أسعد اللّه شارقه

و قال الفاسى في شفاء الغرام على ما في تاريخ الكعبة للمؤرخ حسين عبد اللّه بإسلامه ص 39: و وجدت بخط عبد اللّه بن عبد الملك المرجانى أن عبد المطلب جد النبي بنى الكعبة بعد قصى، و قبل بناء قريش، و لم أر ذلك لغيره و أخشى أن يكون وهما و اللّه أعلم انتهى.

و لذلك عد في تاريخ الكعبة عدة بنائه الكعبة اثنتي عشرة و أضاف إليها عمارتها في العهد السعودى 1377 فصارت ثالثة عشرة.

300

أنّه كان آدم (عليه السلام) بناه ثمّ عفا أثره فجدّده إبراهيم (عليه السلام) روى الكلينيّ عن عمران بن عطيّة (1) عن الصّادق (عليه السلام) في حديث طويل قال فيه أما بدء هذا البيت فانّ اللّه تبارك و تعالى قال للملائكة إِنِّي جٰاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (2) فردّت الملائكة على اللّه عزّ و جلّ فقالت «أَ تَجْعَلُ فِيهٰا مَنْ يُفْسِدُ فِيهٰا وَ يَسْفِكُ الدِّمٰاءَ» فأعرض عنها فرأت أنّ ذلك من سخطة فلاذت بعرشه، فأمر اللّه ملكا من الملائكة أن يجعل له بيتا في السّماء السّادسة يسمّى الضراح بإزاء عرشه، فصيّره لأهل السّماء يطوفون به: يطوف به سبعون ألف ملك في كلّ يوم لا يعودون و يستغفرون، فلمّا أن هبط آدم إلى الدّنيا أمره بمرمّة هذا البيت و هو بإزاء ذلك فصيره لآدم (عليه السلام) و ذرّيته كما صيّر ذلك لأهل السّماء.

____________

(1) الكافي ج 1 ص 215 باب بدء البيت و الطواف الحديث 1 و هو في المرآة ج 3 ص 251.

(2) البقرة: 30.