مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - ج2

- الفاضل الكاظمي المزيد...
420 /
301

و يؤيّد ذلك ما في أخبارنا (1) أنّ أوّل من حجّ البيت آدم (عليه السلام) و ذلك يدلّ على أنّه كان قبل إبراهيم (عليه السلام) و في كتاب العياشي (2) بإسناده عن الصّادق (عليه السلام) قال إنّ اللّه أنزل الحجر الأسود من الجنّة لآدم (عليه السلام) و كان البيت درّة بيضاء فرفعه اللّه تعالى إلى السماء و بقي أساسه فهو حيال هذا البيت، و قال يدخله كلّ يوم سبعون ألف ملك لا يرجعون إليه أبدا فأمر اللّه سبحانه إبراهيم و إسماعيل أن يبنيا البيت على القواعد.

و روى (3) أيضا أنّ اللّه تعالى أنزل البيت ياقوتة من يواقيت الجنّة له بابان من زمرّد شرقي و غربي و قال لآدم أهبطت لك ما يطاف به كما يطاف حول عرشي فتوجّه إليه آدم من أرض الهند ماشيا و تلقّته الملائكة، فقالوا: برّ حجّك يا آدم لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام و حجّ آدم أربعين حجّة من أرض الهند إلى مكّة على رجليه، و كان ذلك إلى أن رفعه اللّه أيّام الطّوفان إلى السماء الرابعة فهو البيت المعمور، ثمّ إنّ اللّه تعالى أمر إبراهيم ببنيانه و عرّفه جبرئيل مكانه.

[و ظاهر الآية يؤيد هذا القول، فانّ قوله تعالى وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْرٰاهِيمُ الْقَوٰاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ صريح في أنّ تلك القواعد كانت موجودة منهدمة إلّا أنّ إبراهيم رفعها

____________

(1) الفقيه ج 2 ص 152 الرقم 663 و تجده أيضا في خلال أخبار أخر في أبواب وجوب الحج.

(2) العياشي ج 1 ص 60 الرقم 98 و رواه عنه في البحار ج 21 ص 15 و مثله في الكافي باب أن أول ما خلق اللّه من الأرضين موضع البيت الحديث 2 ج 1 ص 216 و هو في المرآة ج 3 ص 251 و مثله في الفقيه ج 2 ص 157 الرقم 675 و علل الشرائع الباب 140 الحديث 1 ج 2 ص 85 ط قم مع تفاوت يسير في ألفاظ الحديث و في العلل بعد كلمة القواعد، و انما سمى البيت العتيق لأنه أعتق من الغرق.

(3) الكشاف ج 1 ص 187 ط دار الكتاب العربي عند تفسير الآية قال ابن حجر في الشاف الكاف أخرجه الفاكهي في كتاب مكة من رواية الضحاك و هو ابن مزاحم قلت و ترى أحاديث قريبة من هذا المضمون في خلال الأخبار الواردة في الدر المنثور في تفسير الآية من ص 125 الى ص 137 ج 1.

302

و عمرها] (1).

و قد يستفاد من بعض الأخبار أنّ إبراهيم و إسماعيل بنياه، و أنّه لم يكن مبنيّا قبل روى ابن عبّاس (2) عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في حديث طويل قال فيه ثمّ لبث يعني إبراهيم عنهم أي عن إسماعيل و زوجته ما شاء اللّه ثمّ جاء بعد ذلك و إسماعيل يبري نبلا له تحت دوحة قريبا من زمزم فلمّا رآه قام إليه و صنعا ما يصنع الوالد بالولد ثمّ قال يا إسماعيل إنّ اللّه أمرني بأمر قال فاصنع ما أمرك ربّك قال و تعينني؟ قال و أعينك، قال: فانّ اللّه أمرني أن ابني بيتا هيهنا و أشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها، فعند ذلك رفع القواعد من البيت فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة و إبراهيم يبني حتّى إذا ارتفع البناء جاء إبراهيم بهذا الحجر فوضعه له، فقام عليه و هو يبنى و إسماعيل يناوله الحجارة.

«رَبَّنٰا تَقَبَّلْ مِنّٰا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» بتقدير القول و قرء عبد اللّه بإظهاره، و هي جملة حاليّة أي قائلين ذلك و في هذا دلالة على أنّهما رفعا البيت للعبادة لا للسكنى.

قيل: و قد يستدلّ بهذا على أنّ الفعل المقرون بالإخلاص لا يجب ترتّب الثواب عليه، و إلّا لم يكن في طلبه فائدة لأنّ قبول اللّه تعالى عمل العبد عبارة عن كون العمل بحيث يرضاه و يثيب عليه و قد طلباه، و يجاب أنّ الطلب هنا إنّما توجه إلى جعله من جملة الأفعال المقرونة بالإخلاص، فكنّى عن ذلك بطلب القبول، و ربّما يكون في ذكر السميع العليم إشارة إليه.

قال في مجمع البيان: و في الآية دلالة على أنّ الدّعاء عقيب الفراغ من

____________

(1) ما جعلناه بين العلامتين من مختصات نسخة سن، و هكذا فيما مر و يأتي.

(2) الحديث أخرجه في الدر المنثور ج 1 ص 125 عن عبد بن حميد و البخاري و ابن جرير و ابن حاتم و الجندي و ابن مردويه و الحاكم و البيهقي في الدلائل عن سعيد بن جبير عن ابن عباس و الحديث طويل جدا و هو في البخاري في كتاب الأنبياء من ص 207 الى ص 215 ج 7 فتح الباري.

303

العبادة مرغّب مندوب إليه كما فعله إبراهيم و إسماعيل (عليهما السلام) و على هذا فيمكن استفادة استحباب التعقيب بعد الصلاة بالأدعية و خصوصا المأثورة.

«رَبَّنٰا وَ اجْعَلْنٰا مُسْلِمَيْنِ لَكَ» أي مخلصين لك أوجهنا من قوله أسلم وجهه للّه أو مستسلمين من أسلم إذا استسلم و انقاد، و المراد طلب الزّيادة في الإخلاص و الإذعان أو اجعلنا كذلك في مستقبل أعمارنا كما جعلتنا كذلك في ماضيها بأن توفّقنا للطّاعة و تفعل بنا الألطاف الدّاعية إلى الثبات على الإسلام و يجوز أن يكونا قالا ذلك تعبّدا كما قال تعالى رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ (1) و قرئ بصيغة الجمع على أنّ هاجر معهما أو أنّ التثنية من مراتب الجمع.

«وَ مِنْ ذُرِّيَّتِنٰا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ» عطف على سابقه أي و اجعل بعض ذريّتنا أي أولادنا، و إنّما خصّا بعضهم لأنّه تعالى أعلم إبراهيم أنّ في ذرّيته من لا ينال عهده لما يرتكبه من الظّلم، و علما أنّ الحكمة الإلهيّة لا تقتضي الاتّفاق على الإخلاص و الإقبال الكليّ على اللّه من الجميع، فإنّه ممّا يشوّش أمر المعاش، و لذا قيل: لو لا الحمقى لخربت الدّنيا، و لعلّ تخصيص الذرّية بالدّعاء لما أنّهم أحقّ بالشفقة و المودّة، أو لأنّ أولاد الأنبياء إذا صلحوا صلح بهم غيرهم، و تابعوهم على الخير، ألا يرى أنّ المقدّمين من العلماء و الكبراء إذا كانوا على السّداد و الصّلاح تسبّب ذلك لسداد من وراءهم.

و قيل: إنّ المراد امّة محمّد (صلى اللّه عليه و آله و سلم) بدلالة قوله وَ ابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ (2) و المرويّ عن (3) الصّادق (عليه السلام) أنّ المراد بالآية بنو هاشم خاصّة و في الآية دلالة على استحباب الدّعاء للذريّة بالصّلاح و السّداد و التّقوى.

____________

(1) الأنبياء: 112.

(2) البقرة: 129.

(3) رواه العياشي ج 1 ص 61 بالرقم 101 و نقله عنه في البحار ج 7 ص 122 و في البرهان ج 1 ص 156 و رواه أيضا في المجمع ج 1 ص 210 و رواه عنه في نور الثقلين ج 1 ص 109 بالرقم 378 و حديث العياشي بالرقم 379.

304

«وَ أَرِنٰا مَنٰاسِكَنٰا» عرّفناها، و من ثمّ لم يتعدّ إلّا إلى المفعولين، أى متعبّداتنا [و قيل أظهرها لأعيننا حتّى نراها] قال الزّجاج كلّ متعبّد منسك، و المراد تعريف المواضع الّتي يتعلّق بها النّسك لنفعله عندها، و نقضي عبادتنا فيها على حدّ ما يقتضيه توقيفنا عليها، فعلى هذا المراد بها ما يعمّ نحو الطّواف بالبيت و السّعى بين الصّفا و المروة و الإفاضة من عرفات و نحوها من مناسك الحجّ.

روي أنّ جبريل أرى إبراهيم المناسك كلّها (1) حتّى بلغ عرفات فقال:

يا إبراهيم أعرفت ما أريتك من المناسك؟ قال نعم، فسمّيت عرفات، فلمّا كان يوم النحر و أراد أن يزور البيت عرض له إبليس يسدّ عليه الطّريق فأمره جبرئيل (عليه السلام) أن يرميه بسبع حصيات، ففعل فذهب الشيطان، ثمّ عرض له في اليوم الثاني و الثّالث و الرابع كلّ ذلك يأمره جبرئيل برمي الحصيات.

و النّسك في الأصل غاية العبادة شاع في الحجّ و أفعاله، و قيل أراد مذابحنا للنسائك و الأوّل أقوى كذا في مجمع البيان (2) و يؤيّده أنّ الذّبح إنّما سمّي نسكا لدخوله تحت أصل معنى النّسك و هو التعبّد، فحمل المناسك على جميع أفعال الحجّ أولى، قال (صلّى اللّه عليه و آله) «خذوا عنّي مناسككم» (3).

____________

(1) انظر الأحاديث بهذا المضمون مع قليل تفاوت في الألفاظ في الدر المنثور ج 1 من ص 137 الى ص 139 و رواه باللفظ الذي حكاه المصنف في تفسير النيشابوري ج 1 ص 152 ط إيران عن الحسن.

(2) المجمع ج 1 ص 210.

(3) في المنتقى بشرح نيل الأوطار ج 5 ص 70: و عن جابر قال: رأيت النبي يرمي الجمرة على راحلته يوم النحر و يقول لتأخذوا عنى مناسككم انى لا أدرى لعلي لا أحج بعد حجتي هذه، رواه أحمد و مسلم و النسائي انتهى و هو في صحيح مسلم بشرح النووي ج 9 ص 44 و النسائي ج 5 ص 270 و رواه أبو داود أيضا انظر ج 2 ص 272 الرقم 1970.

قال محمد محيي الدين عبد الحميد في تذييله هذا الحديث ليس في رواية اللؤلؤي و لذا لم يذكره المنذرى، و قال الحافظ المزي هذا الحديث في رواية أبي الحسن بن العبد و أبى بكر بن داسه و لم يذكره أبو القاسم قلت و أخرجه مسلم و النسائي انتهى.

و رواه ابن ماجة أيضا في ص 1006 بالرقم 3023 بلفظ لتأخذ أمتي نسكها فانى لا أدرى لعلي لا ألقاهم بعد عامي هذا. و في فيض القدير ج 5 ص 260 عند شرح الرقم 7221 من الجامع الصغير أنه أخرجه أيضا ابن خزيمة و أخرجه في الدر المنثور أيضا ج 1 ص 225 عن مسلم و أبى داود و النسائي و أخرجه البيهقي ج 5 ص 130 و في كنز العمال ج 5 ص 51 بالرقم 450.

ثم قوله «لتأخذوا» قال النووي هي بكسر اللام و هي لام الأمر و معناه خذوا مناسككم قال و هكذا وقع في رواية غير مسلم، قلت و في سنن النسائي: رأيت رسول اللّه (ص) يرمي الجمرة و هو على بعيره و هو يقول يا أيها الناس خذوا مناسككم فانى لا أدرى لعلي لا أحج بعد عامي هذا ثم قال النووي: و المعنى اقبلوها و احفظوها و اعملوا بها و علموها الناس.

ثم قال النووي و غيره هذا الحديث أصل عظيم في مناسك الحج و هو نحو قوله (صلّى اللّه عليه و آله) في الصلاة صلوا كما رأيتموني أصلي قال القرطبي و يلزم من هذين الأصلين أن الأصل في أفعال الصلاة و الحج الوجوب الا ما خرج بدليل كما ذهب إليه أهل الظاهر و حكى عن الشافعي.

و قال على ما حكاه الشوكانى في نيل الأوطار ج 5 ص 71: روايتنا لهذا الحديث بلام الجر المفتوحة و النون التي هي مع الالف ضمير، اى يقول لنا خذوا مناسككم فيكون قوله لنا صلة للقول، قال و هو الأفصح و قد روى لتاخذوا بكسر اللام للأمر بالتاء المثناة من فوق و هي

لغة شاذة قرئ بها رسول اللّه في قوله «فَبِذٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا» انتهى.

قلت و على روايته الاولى تطابق حكاية النسائي كما عرفت و حكاية الفقهاء مرسلة في الكتب الفقهية فإنه فيها خذوا عنى مناسككم.

قال الشوكانى بعد نقله كلام القرطبي: و الاولى أن يقال انها قليلة لا شاذة لورودها في كتاب اللّه و كلام نبيه و في كلام فصحاء العرب، و قد قرأ بها عثمان بن عفان و أبى و أنس و الحسن و أبو رجاء و ابن هرمز و ابن سيرين و أبو جعفر المدني و السلمي و قتادة و الجحدري و هلال بن يساف و الأعمش و عمرو بن فائد و العباس ابن الفضل الأنصاري قال صاحب اللوامع و قد جاء عن يعقوب كذلك قال ابن عطية و قرء بها ابن القعقاع و ابن عامر و هي قراءة جماعة من المسلمين كثيرة و ما نقله عن ابن عامر و هو خلاف قراءة المشهورة انتهى ما في نيل الأوطار.

305

«وَ تُبْ عَلَيْنٰا» ارجع علينا بالرحمة و المغفرة، أو المراد الاستتابة لذرّيّتهما أطلق ذلك عليهما لشدّة الاتّصال و العلقة بالذرّيّة مع الشّخص، أو قالا ذلك انقطاعا

306

إليه تعالى أو تعبّدا ليقتدى به فيه، قال الشيخ في التبيان (1) و هو الّذي نعتمده.

و يحتمل أن يكون المراد طلب التوبة من ترك ما الاولى فعله بالنّسبة إلينا كترك المندوبات، و الاشتغال بالمباحات، على ما قيل: إنّ حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين لا أنّ المراد التوبة عليهما من الصّغائر كقول المعتزلة و لا الكبائر كقول غيرهم، فإنّ الأدلّة العقليّة قد دلّت على أنّ الأنبياء معصومون منزّهون عن الكبائر و الصّغائر و ليس في المقام ما يوجب البسط لذلك بل يطلب من محلّه.

«إِنَّكَ أَنْتَ التَّوّٰابُ» القابل للتوبة من عظائم الذّنوب، أو المراد الكثير القبول للتوبة مرّة بعد اخرى «الرَّحِيمُ» بعباده المنعم عليهم بالنّعم العظام، و تكفير السيّئات و الآثام.

قال الشيخ في التبيان و في الآية دلالة على أنّه يحسن الدّعاء بما يعلم الدّاعي أنّه كائن لا محالة، لأنّهما علما أنّهما لا يقارفان الذّنوب و الآثام، و لا يفارقان الدّين و الإسلام.

[اللهمّ تب علينا من عظائم الذنوب، و لا تفضحنا بأعمالنا القبيحة يا ساتر العيوب إنّك وليّ الحسنات و غافر السّيئات].

____________

(1) التبيان ج 1 ص 158 ط إيران.

307

كتاب الجهاد

و الآيات المتعلّقة به على أنواع.

[النوع] (الأول في وجوبه)

و فيه آيات:

الاولى:

[كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتٰالُ وَ هُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَ عَسىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ عَسىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَ هُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَ اللّٰهُ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لٰا تَعْلَمُونَ] (1).

كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتٰالُ فرض عليكم الجهاد في سبيل اللّه.

كان النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) غير مأذون في القتال، مدّة إقامته بمكّة فلمّا هاجر أذن له في قتال من يقاتله من المشركين ثمّ أذن في قتال المشركين عامّة.

وَ هُوَ كُرْهٌ لَكُمْ شاق عليكم تكرهونه كراهة طباع من حيث إنّ الإنسان خلق على أن يحبّ السّهولة و الحياة و الأمور المستلذّة، و فرض الجهاد ينافي ذلك، أو المعنى أنّه كره لكم قبل الأمر و التكليف به، لأنّ المؤمن لا يكره ما كتب اللّه و فرضه عليه، فانّ ذلك ينافي الإسلام، و المعنى أنّه شاقّ على النّفس، و هكذا سائر التكاليف و كيف لا، و التكليف إلزام ما فيه كلفة و مشقّة و إنّها في القتال أكثر لأنّ الحياة أعظم ما يميل إليه الطّباع، فبذلها ليس بهيّن، و هو مصدر وقع خبرا للمبالغة، أو أنّه فعل بمعنى مفعول كالخبز، أو بمعنى الإكراه مجازا كأنّهم أكرهوا عليه لشدّته و عظم مشقّته كقوله «حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَ وَضَعَتْهُ كُرْهاً (2).

وَ عَسىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً في الحال بالنّظر إلى مقتضى الطّبع «وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ»

____________

(1) البقرة: 216.

(2) الأحقاف: 15.

308

في المآل لما فيه من المصلحة المتعلّقة به، كما تكرهون الجهاد لما فيه من المخاطرة بالقتل مع أنّ فيه إحدى الحسنيين لكم: إمّا الظفر و الغنيمة مع ثواب المجاهدين، و إمّا الشّهادة و الجنّة في المآل كما هو المشهور في أمر الشّهداء.

وَ عَسىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً كترك الجهاد مثلا «وَ هُوَ شَرٌّ لَكُمْ» لتفويتكم المنافع المترتّبة عليه، و كذا الكلام في جميع التكاليف و العبادات المقرّبة إلى اللّه، و المناهي المبعّدة عنه المهلكة، و لعلّ ذكر عسى للتّنبيه على أنّه قد يظهر لهم وجه المصلحة في بعض التّكاليف كما يقوله العدليّة بالنّسبة إلى حسن بعض الأشياء ضرورة، أو نظرا و قبحها كذلك، أو لأنّ النّفس إذا ارتاضت و توطّنت انعكس الأمر عليها.

«وَ اللّٰهُ يَعْلَمُ» مصالحكم و منافعكم «وَ أَنْتُمْ لٰا تَعْلَمُونَ» ذلك لقلّة تدبّركم و كثرة ميولكم إلى مقتضى النّفس، و في الآية دلالة على وجوب الجهاد.

و قال الطّبرسي في مجمع البيان (1) أجمع المفسّرون إلّا عطا أنّ هذه الآية دالّة على وجوب الجهاد و فرضه، و قال عطا: إنّ ذلك كان واجبا على الصّحابة و لم يجب على غيرهم، و قوله شاذ عن الإجماع، و يؤيّده أنّ التّخصيص يحتاج إلى دليل و الأحكام الواردة في القرآن، و إن وردت على الخطاب، إلّا أنّ التكليف بها شامل للأمّة إلى يوم القيمة، نعم لو كان هناك دليل يدلّ على الاختصاص وجب الوقوف معه و هو غير ثابت هنا.

و بقي الكلام في الوجوب المستفاد منها، هل هو على الكفاية أو الأعيان؟ و المشهور بين العلماء أنّه على الكفاية، بل انعقد الإجماع عليه، و هو الّذي أوجب حمل الآية عليه و إلّا فإطلاق الوجوب ينصرف إلى العين، و أخذ بعضهم بظاهر ذلك فأوجبه عينا و هو نادر مع تقدّم الإجماع عليه و تأخّره عنه.

و فيها أيضا دلالة على أنّ الأحكام تابعة للمصالح و إن خفيت كما اعترف به القاضي ظنّا منه أنّها تتمّ على قولهم بنفي الحسن و القبح العقليّين، و إنّما يتمّ على قول العدليّة الذّاهبة إلى أنّ الأحكام تابعة للمصالح الثّابتة في الأفعال، و أنّ حسنها

____________

(1) المجمع ج 1 ص 311.

309

و قبحها كذلك، لكنّه قد يظهر للمكلّف و قد يكون خفيّا، و الشرع إنّما يكشف عن ذلك، لا أنّه يثبته كما يعلم تفصيله من محلّه.

الثانية:

[وَ قٰاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّٰهِ الَّذِينَ يُقٰاتِلُونَكُمْ وَ لٰا تَعْتَدُوا إِنَّ اللّٰهَ لٰا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ] (1).

وَ قٰاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّٰهِ جاهدوا لإعلاء كلمته و إعزاز دينه «الَّذِينَ يُقٰاتِلُونَكُمْ» أي الكفّار مطلقا فإنّهم بصدد قتال المسلمين، و على قصده، لاستحلالهم المقاتلة لهم فهم في حكم المقاتلين، قاتلوا أو لم يقاتلوا.

أو أهل مكّة الّذين حاربوا المسلمين من قبل، لما قيل إنّ سبب النزول صلح الحديبيّة، و ذلك أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لمّا خرج هو و أصحابه في العام الّذي أرادوا فيه العمرة، فصدّهم المشركون عن البيت الحرام، فنحروا الهدي بالحديبيّة و أحلّوا ثمّ صالحهم المشركون على أن يرجع من عامه و يعود في العام القابل، فيخلو له مكّة ثلاثة أيّام فرجع لعمرة القضاء و خاف المسلمون أن لا يفي لهم المشركون و يقاتلوهم في الحرم و الشّهر الحرام، و كرهوا ذلك، فنزلت.

أو معناه الّذين يناصبونكم القتال و يتوقّع منهم ذلك دون غيرهم من المشايخ و الصّبيان و الرّهبانية و النّساء، فإنّهم لا يجوز قتالهم.

«وَ لٰا تَعْتَدُوا» بابتداء القتال و قد كان ذلك في أوّل الأمر لقلّة المسلمين، و لكون الصّلاح في استعمال الرفق و اللّين، فلمّا قوي الإسلام و كثر الجمع و أقام من أقام منهم على الشّرك بعد ظهور المعجزات، حصل اليأس من إسلامهم، فأمروا بالقتال على الإطلاق أو مفاجاته قبل الدّعاء إلى الإسلام بإظهار الشّهادتين و التزام أحكام المسلمين.

أو بقتال من نهيتم عن قتله كالنّساء و الصّبيان، أو بقتال المعاهد و نحوه، و الأحكام إجماعيّة و استفادتها من الآية بعيدة بل من خارج.

____________

(1) البقرة: 190.

310

«إِنَّ اللّٰهَ لٰا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ» فلا يوصل إليهم الثواب و لا التعظيم كما في غيرهم ممّن يحبّهم، و قد يستدلّ بظاهرها على تحريم الظلم و العدوان، و على وجوب المقاتلة مع المحارب الّذي يقاتل الإنسان على نفسه و ماله، و عدم جواز مقاتلة من هرب، و ترك القتال و جميع ذلك مذكور في كتب الفروع.

الثالثة:

[يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرٰامِ قِتٰالٍ فِيهِ قُلْ قِتٰالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَ صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ وَ كُفْرٌ بِهِ وَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ وَ إِخْرٰاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللّٰهِ وَ الْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَ لٰا يَزٰالُونَ يُقٰاتِلُونَكُمْ حَتّٰى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطٰاعُوا وَ مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَ هُوَ كٰافِرٌ فَأُولٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمٰالُهُمْ فِي الدُّنْيٰا وَ الْآخِرَةِ، وَ أُولٰئِكَ أَصْحٰابُ النّٰارِ، هُمْ فِيهٰا خٰالِدُونَ] (1).

يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرٰامِ قِتٰالٍ فِيهِ بدل من الشّهر بدل اشتمال أي يسئلونك عن القتال في الشّهر الحرام، و السّائلون هم المشركون على جهة التّعيير و التعييب على المسلمين فيما صدر منهم، و استحلال القتال في شهر رجب.

فقد روي أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) بعث (2) عبد اللّه بن جحش ابن عمّته على سريّة في جمادى الآخرة قبل بدر بشهرين لترصد عير القريش، و في العير عمرو بن عبد اللّه الحضرميّ و ثلاثة معه فقتلوه و أسروا اثنين و استاقوا العير و فيها تجارة من الطائف، و كان ذلك غرّة رجب و هم يظنّونه من جمادى فقالت قريش: استحلّ محمّد الشّهر الحرام شهرا يأمن

____________

(1) البقرة: 217.

(2) انظر المجمع ج 1 ص 312 و أسباب النزول للواحدي من ص 35 الى ص 38 و لباب النقول ص 33 و الدر المنثور ج 1 ص 250- 252 و تفسير الطبري ج 2 من ص 346 الى ص 352.

311

فيه الخائف و يتدبّر فيه النّاس أمر معايشهم، و شقّ على أصحاب السريّة و قالوا: ما نبرح حتّى تنزل توبتنا، و وقّف رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) العير و الأسارى و أبى أن يأخذ من ذلك شيئا فنزلت فعندها أخذ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) العير، فعزل منها الخمس فكان أوّل الخمس، و قسّم الباقي بين أصحاب السريّة فكانت أوّل غنيمة في الإسلام، و قيل إنّ السائلين هم المسلمون ليعلموا الحكم.

«قُلْ قِتٰالٌ فِيهِ كَبِيرٌ» أي ذنب كبير و إثم عظيم.

قيل (1): و ظاهرها تحريم القتال في الشهر الحرام، و من ثمّ ذهب جماعة إلى أنّها منسوخة بقوله فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ (2) من باب نسخ الخاصّ بالعام و هؤلاء يذهبون إلى أنّ تحريم القتال في الأشهر الحرم غير باق إلى الآن، بل منسوخ بهذه الآية (3) و فيه نظر فانّا لا نسلّم دلالتها على تحريم القتال في الشهر الحرام على العموم «إذ قتال فيه» نكرة في سياق الإثبات فلا تعمّ، و إنّما هي مطلقة في ذلك و نحن

____________

(1) و في سن هكذا: قال الجمهور ظاهر الآية يقتضي تحريم القتال في الشهر الحرام و اختلفوا في بقاء حكمها و نسخه، فذهب جماعة إلى أنها منسوخة بقوله تعالى فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ من باب نسخ الخاص بالعام و هؤلاء يذهبون إلخ.

(2) براءة: 5.

(3) المجمع ج 1 ص 312 و لآية اللّه الخويي مد ظله في ص 210 من كتابه البيان بيان يعجبنا نقله بعين عبارته قال مد ظله:

قال أبو جعفر النحاس أجمع العلماء على أن هذه الآية منسوخة و أن قتال المشركين في الشهر الحرام مباح غير عطاء، فإنه قال الآية محكمة و لا يجوز القتال في الأشهر الحرم (كذا في ص 32 من كتابه الناسخ و المنسوخ).

و أما الشيعة الإمامية فلا خلاف بينهم نصا و فتوى على أن التحريم باق صرح بذلك في التبيان و جواهر الكلام، و هذا هو الحق لأن المستند للنسخ ان كان هو قوله تعالى فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ كما ذكره النحاس فهو غريب جدا، فان الآية علقت الحكم بقتل المشركين على انسلاخ الأشهر الحرم فقد قال تعالى فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ فكيف يمكن أن يكون ناسخة لحرمة القتال في الشهر الحرام.

و ان استندوا فيه الى إطلاق آية السيف و هي قوله تعالى قٰاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمٰا يُقٰاتِلُونَكُمْ كَافَّةً فمن الظاهر أن المطلق لا يكون ناسخا للمقيد، و ان كان متأخرا عنه.

و ان استندوا فيه الى ما رووه عن ابن عباس و قتادة أن الآية منسوخة بآية السيف فيرده أولا أن النسخ لا يثبت بخبر الواحد، و ثانيا أنها ليست رواية عن معصوم و لعلها اجتهاد من ابن عباس و قتادة، و ثالثا أنها معارضة بما رواه إبراهيم بن شريك قال حدثنا أحمد يعني ابن عبد اللّه بن يونس قال حدثنا الليث عن أبي الأزهر عن جابر قال رسول اللّه (ص) لا يقاتل في الشهر الحرام الا أن يغزى أو يغزو، فإذا حضر ذلك أقام حتى ينسلخ، و معارضة بما رواه أصحابنا الإمامية عن أهل البيت (ع) من حرمة القتال في الأشهر الحرم.

و ان استندوا في النسخ الى ما نقلوه من مقاتلة رسول اللّه هوازن في حنين و ثقيفا في الطائف شهر شوال و ذي القعدة و ذي الحجة من الأشهر الحرم فيرده أولا أن النسخ لا يثبت بخبر الواحد و ثانيا أن فعل النبي (ص) إذا صحت الرواية مجمل يحتمل وقوعه على وجوه و لعله كان لضرورة اقتضت وقوعه فكيف يمكن أن يكون ناسخا للاية انتهى كلامه مد ظله.

312

نقول به بالنّسبة إلى من لا يقاتل، و يرى له حرمة دون من لا يكون بهذه المثابة، و حينئذ فيتخصّص الآيات المنافية بهذه الصّورة، فإنّ التّخصيص خير من النسخ، و بالجملة مع بقاء بعض الأحكام لا وجه للنّسخ بل يتعيّن التّخصيص.

«وَ صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ» و صرف و منع عن الإسلام أو عمّا يوصل العبد إلى اللّه من الطّاعات «وَ كُفْرٌ بِهِ» أي باللّه «وَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ» عطف على الضّمير المجرور [أي و كفر بالمسجد الحرام، و معنى الكفر به منع النّاس عن الصّلوة فيه و الطواف به] و القول بضعفه (1) من دون إعادة الجارّ بعيد لوروده في اللّغة العربيّة كثيرا، و قراءة حمزة من السّبعة قوله تَسٰائَلُونَ بِهِ وَ الْأَرْحٰامَ (2) بالجرّ عطفا عليه، و قيل هو على

____________

(1) انظر في ذلك تعاليقنا على كنز العرفان ج 2 من ص 4 الى ص 6.

(2) النساء: 1.

313

إرادة المضاف أي و صدّ عن المسجد الحرام كقوله (1).

أكل امرءا تحسبين امرءا * * * و نار توقّد باللّيل نارا

____________

(1) البيت لأبي داود الأيادي و قد سبق منا ترجمته في ص 342 من المجلد الأول من هذا الكتاب فراجع، و قيل هو لحارثة بن حمران الأيادي.

و استشهد بالبيت في الكشاف عند تفسير الآية 67 من سورة الأنفال ج 2 ص 237 ط دار الكتاب العربي و ابن هشام في المغني كلمة «لعل» و ابن الأنباري في الإنصاف ص 473 بالرقم 298 في المسئلة 65 من مسائل الخلاف بين البصريين و الكوفيين، و استشهد به جميع شروح الألفية عند شرح البيتين لابن مالك:

و ربما جروا الذي أبقوا كما * * * قد كان قبل حذف ما تقدما

لكن بشرط أن يكون ما حذف * * * مماثلا لما عليه قد عطف

مبحث الإضافة. ففي الاشمونى بشرح محمد محي الدين عبد الحميد ج 3 ص 488 الرقم 650 و بحاشية الصبان ج 2 ص 273 الرقم 494 و شرح ابن عقيل ج 2 ص 77 الرقم 238 و التصريح ج 2 ص 56 و معنى البيت ظاهر.

و قد ذكروا في إعراب «و نار» وجوها:

الأول أن يكون مجرورا بتقدير مضاف يكون معطوفا على كل قد حذف المضاف و أبقى المضاف اليه على جره و أصل الكلام أ تحسبين كل امرئ امرءا و كل نار نارا.

الوجه الثاني أن تجعل الواو عاطفة قد عطفت جملة على جملة فتقدر فعلا كالفعل السابق في الكلام و تقدر له مفعولا أول يكون مضافا الى نار المجرور، و تقدير الكلام على هذا الوجه:

أ تحسبين كل امرئ امرءا و أ تحسبين كل نار نارا، فحذف الفعل و فاعله و مفعوله الأول و أبقى المضاف اليه و المفعول الثاني.

الوجه الثالث أن تجعل نار المجرور معطوفا على امرئ المجرور و نارا المنصوب معطوفا على امرءا المنصوب و يستلزم هذا الوجه عطف معمولين على معمولين لعاملين مختلفين فان امرئ المجرور معمول الكل باعتباره مضافا اليه و امرءا المنصوب معمول لتحسبين باعتباره مفعولا ثانيا، و لا يجيز ذلك سيبويه و المبرد و ابن السراج و هشام، و يجيزه الأخفش و الكسائي و الفراء و الزجاج.

314

و فيه بعد، لأنّ حذف المضاف و إبقاء المضاف إليه مجرورا مع كون المقدّر المعطوف عليه قليل بل غير معلوم الوقوع و ما ذكره من التمثيل غير مطابق، و رجّح في الكشاف عطفه على سبيل اللّه و أنكره القاضي نظرا إلى أنّ قوله «وَ كُفْرٌ بِهِ» عطف على قوله «وَ صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ» و هو مانع من العطف إذ لا يقدّم العطف على الموصول على العطف على الصّلة و حاصله أنّه يلزم الفصل بين صلة المصدر و بين المصدر بالأجنبيّ الّذي هو قوله «وَ كُفْرٌ بِهِ».

و قد يجاب بأنّ الصدّ عن سبيل اللّه و الكفر به كالشيء الواحد في المعنى فكأنّه لا فصل و بأنّ التقديم لفرط العناية مثل وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ و كان حقّ الكلام و لم يكن أحد كفواً له.

«وَ إِخْرٰاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ» أهل المسجد و هم النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و المؤمنون و إنّما جعلهم أهلا له إذ كانوا هم القائمين بحقوق المسجد كقوله تعالى وَ كٰانُوا أَحَقَّ بِهٰا وَ أَهْلَهٰا (1).

«أَكْبَرُ عِنْدَ اللّٰهِ» ممّا فعلته السريّة خطأ و بناء على الظنّ، و هو خبر عن الأشياء الأربعة المعدودة من كبائر قريش، و «أفعل من» يستوي فيه الواحد و الجمع و المذكّر و المؤنّث.

«وَ الْفِتْنَةُ» و هي ما يرتكبه المشركون من الشّرك باللّه، فإنّه فتنة في الدّين «أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ» لأنّ الفتنة تفضي إلى القتل في الدّنيا و إلى استحقاق العذاب الدائم في الآخرة فيصحّ أنّ الفتنة أكبر من القتل فضلا عن ذلك القتل الّذي صدر من المسلمين للحضرميّ في الشّهر الحرام.

[و قيل إنّ المراد بالفتنة ما كانوا يفتنون المسلمين عن دينهم تارة بإلقاء الشّبهات و تارة بالتعذيب، و يرجّح هذا بأنّ حمل الفتنة على الكفر توجب التّكرار لقوله «وَ كُفْرٌ بِهِ» فتأمّل] (2).

____________

(1) الفتح: 26.

(2) زيادة من: سن.

315

«وَ لٰا يَزٰالُونَ يُقٰاتِلُونَكُمْ حَتّٰى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ» إخبار عن دوام عداوة الكفّار لهم و استمرارهم عليها، فإنّهم لا ينفكّون عنها حتّى يردّوهم عن دينهم «إِنِ اسْتَطٰاعُوا» استبعاد لاستطاعتهم كقول الواثق بقوّته إن ظفرت بي فلا تبق عليّ، و فيها إيذان بأنّهم لا يردّونهم.

«وَ مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَ هُوَ كٰافِرٌ فَأُولٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمٰالُهُمْ» أي صارت باطلة كأن لم يكن و لم ينتفعوا بها «فِي الدُّنْيٰا» لبطلان ما تخيّلوه و فوات ما للإسلام من الفوائد الدّنيويّة «وَ الْآخِرَةِ» بسقوط الثواب يوم القيمة «وَ أُولٰئِكَ أَصْحٰابُ النّٰارِ هُمْ فِيهٰا خٰالِدُونَ» كسائر الكفرة.

و فيها دلالة على أنّ الارتداد إنّما يحبط العمل مع الموت على الردّة و هو قول أصحاب الموافاة، فإنّهم شرطوا في ثبوت الايمان و الكفر حصول الموافاة، فالإيمان لا يكون إيمانا إلّا إذا مات المؤمن عليه، و الكفر لا يكون كفرا إلّا إذا مات الكافر عليه فلو رجع إلى الايمان و تاب عمّا صدر منه لم يكن عمله محبطا.

و بيانه أنّ من كان مؤمنا ثمّ ارتدّ- و العياذ باللّه- فلو كان ذلك الايمان الظّاهري الّذي كنّا نظنّه إيمانا في الحقيقة، لكان قد استحقّ عليه الثواب الأبديّ فإمّا أن يبقى الاستحقاقان و هو محال و إمّا أن يكون الطاري مزيلا للسّابق و هو أيضا محال، لأنّهما متنافيان، و ليس أحدهما أولى بالتّأثير من الآخر بل السّابق بالدّفع أولى من اللّاحق بالرّفع، لأنّ الدّفع أسهل من الرّفع، و أيضا شرط طريان الطّاري زوال السّابق، فلو علّلنا زوال السّابق بطريان الطّاري لزم الدّور فتعيّن أنّ الإيمان لا يكون إيمانا إلّا إذا مات عليه.

و على هذا أصحابنا، و هو المعهود من مذهبهم [و يلزم من ذلك أنّ المسلم إذا صلّى ثمّ ارتدّ ثمّ أسلم في الوقت أنّه لا يعيد الصّلوة لأنّ حبط العمل مشروط بالموت على الكفر، و لم يوجد الشّرط فلا يكون عمله محبطا، فلا قضاء عليه (1)] نعم ينقل عن

____________

(1) زيادة من: سن.

316

الشيخ أنّه أبطل الحجّ بالارتداد، و ضعّفه الأصحاب، و حينئذ فما وقع من الإحباط بالارتداد مطلقا يكون مقيّدا بالموت كما وقع في هذه الآية حملا للمطلق على المقيّد و إلى ذلك يذهب الشّافعيّة أيضا، و أطلق الحنفيّة إبطال العمل بالارتداد، و إن رجع إلى الإسلام، و ظاهر الآية حجّة عليهم، و خصوصا مع قولهم بالمفهوم كما هو مذهبهم.

و يتفرّع على ذلك فروع كثيرة منها أنّه لو توضّأ ثمّ ارتدّ ثمّ عاد إلى الايمان لم يجب عليه تجديد الطّهارة إن اعتبرنا في الإحباط الموت على الردّة، و إلّا فلا، هذا.

و مقتضى الآية قبول توبة المرتدّ مطلقا، أي سواء كان ارتداده عن فطرة أو ملّة و على هذا أكثر أصحابنا، و قد يظهر من بعضهم عدم قبول توبة الفطريّ لوجوب قتله المانع من قبول توبته، و هو ضعيف، لأنّه لم يخرج عن درجة التّكليف بالعبادات و الإيمان، و يستحيل التكليف من دون قبول التوبة، و إلّا كان تكليفا بالمحال، و لا معنى لقبول توبته إلّا صحّة عباداته، و إثابته عليها، و استحقاقه الجنّة بها في الآخرة و عدم سقوط بعض الأحكام مثل القتل عنه لدليل شرعيّ اقتضاه لا ينافي عدم القبول.

و من هنا يظهر أنّ القول بالنّجاسة مع التّوبة بعيد، إذ لا معنى لنجاسته مع القول بصحّة عباداته المشروطة بالطّهارة، إلّا أن يقال ذلك بالنّسبة إلى غيره و بالنّسبة إلى نفسه هو طاهر، و فيه بعد، و أبعد منه حمل الآية و أمثالها على المرتدّ الملّي نظرا إلى أنّها واردة في أوّل الإسلام، و لم يعهد هناك مسلم فطريّ فيكون الأحكام مخصوصة بهم، لأنّ المناط ظاهر اللّفظ دون خصوص السّبب، فإنّه لا دخل له في التّخصيص عند المحقّقين، و خلوّ الأخبار عن ذلك دليل سقوطه.

ثمّ إنّه قد تكرّر في مواضع كثيرة من القرآن العزيز الإحباط و التكفير كقوله تعالى إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبٰائِرَ مٰا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئٰاتِكُمْ (1) و لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ (2) و نحوها و تظافرت الأخبار به كما روي أنّ شرب الخمر يحبط

____________

(1) النساء: 31.

(2) الزمر: 65.

317

كذا و كذا، و الزنا كذا و كذا، و أنّ الصّلوة تكفّر ذنب كذا و كذا، و الحجّ كذا و كذا، إلى غير ذلك، و مقتضى ذلك أنّهما صحيحان واقعان، و لا شكّ أن ليس المراد من إحباط العمل هو إبطال نفس العمل، لأنّ العمل شيء كما وجد فني و زال، و إعدام المعدوم محال.

و قال المثبتون للإحباط و التكفير: المعنى أنّ عقاب الردّة الحادثة تزيل ثواب الإيمان السابق إمّا بشرط الموازنة كما هو مذهب جماعة، أولا بشرطها كما هو مذهب آخرين، و كذا غير الردّة من المعاصي، فإنّها تبطل ما تقدّمها من الطّاعة على أحد الوجهين و لكنّ الأصحاب أجمعوا على بطلان الإحباط و التكفير بهذا المعنى.

و قد استدلّ المحقّق الطوسيّ في التّجريد على بطلانه بدليل عقليّ و نقليّ أمّا النّقليّ فبقوله تعالى فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (1) و الإيفاء بوعده واجب، و ظاهر أنّ الإحباط ينافيه، و أمّا العقليّ فلأنّ الإحباط يستلزم الظلم، فانّ من أطاع و أساء حال كونهما متساويين بمنزلة من لم يفعلهما و لو زاد أحدهما كان بمنزلة من لم يفعل الآخر، و هو ظلم مستحيل صدوره عنه تعالى و على هذا فلا بدّ من التّأويل في الآية و الأخبار الواردة بهما.

و يظهر من الطّبرسيّ أنّ الإحباط الباطل الّذي لا يجوز هو أن يستحقّ المكلّف الثواب على عمل من الأعمال الصّالحة ثمّ يسقط ذلك الاستحقاق بمعصية، و الّذي وقع في الآيات و الأخبار يراد به عدم وقوعه على الوجه المعتبر من الشارع الّذي يستحقّ بفعله الثواب.

قال في مجمع البيان (2) عند قوله فَأُولٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمٰالُهُمْ فِي الدُّنْيٰا وَ الْآخِرَةِ (3) معناه أنّها صارت بمنزلة ما لم يكن لإيقاعهم إيّاها على خلاف الوجه الّذي يستحقّ عليه الثواب، و ليس المراد أنّهم استحقّوا على أعمالهم الثواب ثمّ انحبط

____________

(1) الزلزال: 7 و 8.

(2) المجمع ج 1 ص 313.

(3) البقرة: 217.

318

لأنّه قد دلّ الدليل على أنّ الإحباط على هذا الوجه لا يجوز انتهى.

و اعترض عليه بأنّه لا معنى لوقوع الفعل على وجه يستحقّ فاعله الثواب و المدح إلّا الإتيان به على الوجه المأمور به شرعا، بمعنى الإتيان به مع جميع الشرائط المعتبرة في صحّته حين الفعل، و قد فرض الإتيان به على هذا الوجه ثمّ ارتدّ و مع هذا الإتيان في جميع الصّور الّذي أطلق عليه الإحباط بعيد.

و يمكن أن يجاب بأنّا لا نسلّم الإتيان به على هذا الوجه، كيف و استحقاق الثواب عندنا مشروط بالموافاة إلى حال الموت، و حينئذ فيكون صحّته موقوفة على ذلك، و يكون ارتداده في ثاني الحال و موته عليه كاشفا عن عدم صحّة الأعمال الواقعة حال الإيمان و عدم ترتّب الثّواب عليها، إذ لا يراد بعدم الصحّة سوى عدم ترتّب الثّواب عليه.

لكنّ هذا لا يجرى فيما إذا كان الإحباط لبعض الأعمال البدنيّة بالبعض مثل كون شرب الخمر يحبط كذا و كذا، و الزّنا يحبط كذا و كذا، و الصّلوة تكفّر ذنب كذا و نحوها، ممّا لا يحصى، و يمكن حمل الإحباط الباطل على أنّه لا يكون الذّنب القليل محبطا لعبادة كثيرة، و بالعكس حتّى أنّ الإنسان لو فعل جميع العبادات إلى قرب موته ثمّ فعل ذنبا بطل ذلك بالكلّية و استحقّ به العقاب الدّائم و بالعكس فإنّه ظاهر البطلان، و إن ذهب إليه بعض المعتزلة، و يكون الإجماع منهم على بطلان ذلك، و الآي و الأخبار تحمل على ما لا يحصل إلى هذا الحدّ، و لا يلزم من ذلك القول بالموازنة كما يذهب إليه بعضهم فإنّه باطل فتأمّل فيه.

و يمكن أن يراد بالإحباط الوارد في كتاب اللّه هو أنّ المرتدّ إذا أتى بالردّة فتلك الردّة عمل محبط، لأنّه يمكنه أن يأتي بدلها بعمل يستحقّ ثوابا، فمعنى حبط عمله أنّه أتى بعمل ليس فيه فايدة، بل فيه مضرّة عظيمة.

و قد استدلّ الفخر الرازيّ على بطلان الإحباط بأنّ من أتى بالإيمان و العمل الصّالح استحقّ الثواب الدّائم، فإذا كفر بعده استحقّ العقاب الدّائم، و لا يجوز وجودهما جميعا، و لا اندفاع أحدهما بالآخر، إذ ليس زوال الباقي بطريان الطّاري أولى

319

من اندفاع الطّاري لقيام الباقي، ثمّ قال: و المخلص أن لا يجب عقلا ثواب المطيع و لا عقاب العاصي.

و فيه نظر، فإنّ إحباط الإيمان بالكفر و بالعكس صريح القرآن كما في الآية الّتي نحن فيها، و من ثمّ اشترط أصحابنا في بطلان العمل الموافاة، أي الموت على الكفر، و لا نسلّم في هذه الصورة استحقاق الثواب على العمل الّذي أوقعه قبل، لظهور الكاشف عن عدم الاستحقاق بالموت، و كذا الكلام لو انعكس الأمر، فإنّ موته على الإيمان موجب لاستحقاقه الثواب على ما عمله من الطّاعة بعد الكفر السابق.

و لعلّ غرضه من الدليل بيان ما ذكره من عدم الاستحقاق للثواب و العقاب و هو باطل عندنا، فانّ الآيات مشحونة بالاستحقاق كقوله تعالى جَزٰاءً بِمٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ (1) «ذلك بما كسبت أيديهم» (2) و نحوها.

و لعلّ مراده من عدم الاستحقاق عقلا عدم الاستحقاق شرعا أيضا فإنّهم لا يجعلون العقل مستقلا في الأحكام بدون الشّرع، و لأنّ القائل بالاستحقاق العقليّ لم يدّعه عقلا فقط، من غير شرع، بل يقول إنّ العقل يحكم به، و الشّرع موافق له كما نطقت به الآيات.

و هب أن لا استحقاق للثواب كما قالوه، بناء على التفضّل منه تعالى بالنسبة إلى العبد، أو أنّ العبادات الواقعة من العبد شكر على نعمة السابقة، فهو كأجير أخذ الأجرة قبل العمل، كما قاله القاضي في غير هذا الموضع، فأيّ معنى للعقاب بغير استحقاق، إذ هو ظلم صريح يتحاشى أن يحوم حول كبريائه تعالى، و لقد التزمت الأشاعرة هذا الظلم بالنّسبة إليه تعالى، و جوّزوا إدخال الشّيطان و سائر الكفرة المتمرّدة الّذين لم يطيعوا اللّه طرفة عين الجنّة، و جميع الأنبياء الّذين لم يعصوه طرفة عين النار نعوذ باللّه من هذا الاعتقاد الكاسد، و الدّين الفاسد.

الرابعة:

____________

(1) الأحقاف: 14.

(2) لا يوجد بلفظة في القرآن الشريف و بمعناه آيات كثيرة.

320

[وَ اقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَ أَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَ الْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَ لٰا تُقٰاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ حَتّٰى يُقٰاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قٰاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذٰلِكَ جَزٰاءُ الْكٰافِرِينَ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللّٰهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَ قٰاتِلُوهُمْ حَتّٰى لٰا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَ يَكُونَ الدِّينُ لِلّٰهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلٰا عُدْوٰانَ إِلّٰا عَلَى الظّٰالِمِينَ] (1).

وَ اقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ حيث وجدتموهم في حلّ أو حرم، و أصل الثقف الحذق في إدراك الشّيء علما أو عملا فهو متضمّن معنى الغلبة، و من ثمّ استعمل فيها قال (2):

فامّا تثقفوني فاقتلونى * * * فمن يثقف فليس إلى خلود

أوجب تعالى في الآية السابقة قتال الكفرة بشرط إقدامهم على القتال، و في هذه

____________

(1) البقرة: 191- 193.

(2) البيت أنشده في الكشاف ج 1 ص 236 دار الكتاب العربي و هو في شرح شواهد الكشاف للمحب أفندى ص 48 و فيه فمن أثقف فليس الى خلود، و أنشده في اللسان ج 9 ص 20 ط بيروت (ت ق ف) و الصحاح ج 2 ص 11 ط بولاق و جمهرة اللغة لابن دريد ج 2 ص 47 العمود 2 و ص 114 من القسم الثالث من ديوان الهذليين.

و الضبط في غير الكشاف و شرح شواهده «فان أثقف فسوف ترون بالى» و في رواية و ان أثقف و في رواية و من أثقف و في رواية «فان أثقفتمونى» مكان «فاما تثقفونى» و البيت من قصيدة مطلعها:

الا قالت غزية إذ رأتني * * * أ لم تقتل بأرض بني هلال

و القصيدة لعمرو ذى الكلب بن العجلان بن عامر بن برد بن منبه و هو أحد بنى كاهل و كان جارا لبني هذيل فمنهم من يقول عمرو ذو الكلب و منهم من يقول عمرو الكلب سمى بذلك لانه كان معه كلب لا يفارقه، و قال ابن حبيب انما سمى ذا الكلب لانه خرج في سرية من قومه و فيهم رجل يدعى عمرا و كان مع عمرو هذا كلب فسمى ذا الكلب و غزية امرءة.

321

الآية أوجب قتالهم حيث وجدوا و أدركوا في الحلّ أو الحرم سواء قاتلوا أو لم يقاتلوا «وَ أَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ» أي من مكّة و قد فعل ذلك بمن لم يسلم يوم الفتح من المشركين. استدلّ بها الفقهاء على عدم جواز إسكان المشركين مكّة، بل عمّموا الحكم في جزيرة العرب أيضا فقالوا لا يجوز إسكانهم فيها لقوله (صلى اللّه عليه و آله و سلم) (1) «لا يجتمع في جزيرة العرب دينان» و قوله (صلى اللّه عليه و آله و سلم) (2) «لأخرجنّ اليهود و النّصارى من جزيرة

____________

(1) أخرجه مالك في الموطإ بالرقم 1717 كتاب دعاء المدينة ج 4 ص 233 شرح الزرقانى بلفظ «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب» و في الرقم 1716 قاتل اللّه اليهود و النصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد لا يبقين دينان بأرض العرب، و أخرج الثاني السيوطي في الجامع الصغير بالرقم 7190 ج 5 ص 251 فيض القدير عن البيهقي و أخرجه باللفظين البيهقي في ج 6 ص 208 و أخرجه فيه أيضا بلفظ «لا يكون قبلتان في بلد واحد» و «لا يجتمع قبلتان في جزيرة العرب».

و أخرجه ابن سعد أيضا في الطبقات ج 2 ص 240 و ص 254 ط بيروت بألفاظ مختلفة مثل «لا يترك بأرض العرب دينان» و «لا يبقين دينان بأرض العرب» و لئن بقيت لا أدع بجزيرة العرب دينين».

(2) أخرجه بهذا اللفظ مسلم انظر ج 12 ص 92 من شرح النووي و أبو داود ج 3 ص 224 بالرقم 3030 و الترمذي ج 1 ص 194 ط دهلي و أخرجه آخرون أيضا بألفاظ مختلفة أخرى و أنظر أيضا كنز العمال ج 4 ص 235 و ص 322 الى ص 325.

و روى في الوسائل الباب 52 من أبواب وجوه الجهاد ج 2 ص 435 ط الأميري عن مجالس ابن الشيخ بإسناده إلى أم سلمة أن رسول اللّه (ص) أوصى عند وفاته أن نخرج اليهود و النصارى من جزيرة العرب، و قال: اللّه في القبط فإنكم ستظهرون عليهم و يكونون لكم عدة و أعوانا في سبيل اللّه.

قلت كان في ألفاظه تصحيفا صححناه على النسخة المطبوعة بايران 1313 ص 258 الجزء الرابع عشر و في البحار ج 6 ط كمپانى آخر أبواب المعجزات قبل أبواب أحواله من البعثة الى نزول المدينة عند حكاية الحديث: اللّه اللّه في القبط فإنكم ستظهرون عليهم و يكونون لكم عدة و أعوانا في سبيل اللّه.

322

العرب (1) و لا أترك فيها إلّا مسلما» و المراد بالإخراج تكليفهم الخروج قهرا أو تخويفهم و تشديد الأمر عليهم حتّى يضطرّوا إلى الخروج.

«وَ الْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ» أي المحنة و البلاء الّذي ينزل بالإنسان يتعذّب بها و يفتتن لإخراجه من وطنه أشدّ من القتل، لأنّ الإنسان يتمنّاه عند نزولها لدوام تعبها، و تألّم النفس بها، و قيل معناه أنّ شركهم في الحرم و صدّهم إيّاكم عنه أشدّ من قتلكم إيّاهم، فإنّهم كانوا يستعظمون القتل في الحرم، و يعيبون به المسلمين، فقيل الشّرك الّذي هم عليه أعظم منه.

«وَ لٰا تُقٰاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ حَتّٰى يُقٰاتِلُوكُمْ فِيهِ» أي لا تفاتحوهم بالقتال و هتك حرمة المسجد الحرام، و مقتضى المفهوم أنّهم إذا ابتدؤا بالقتال هناك جاز المقاتلة معهم، مكافأة على فعلهم، حيث لم يأخذوا للحرم حرمة و قد صرّح به قوله «فَإِنْ قٰاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ» فلا تبالوا بقتالهم، لأنّهم هم الّذين هتكوا حرمته، و قرأ حمزة و الكسائيّ «و لا تقتلوهم حتّى يقتلوكم، فان قتلوكم» و المعنى حتّى يقتلوا بعضكم، فانّ وقوع القتل في بعضهم بمثابة وقوعه فيهم، يقال: قتلنا بنو فلان، و إنّما قتلوا بعضهم و الآية منسوخة بقوله فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ (2) لدلالتها على وجوب

____________

(1) و في هامش قض: المراد بجزيرة العرب في هذه الاخبار: الحجاز خاصة يعنى به مكة و المدينة و اليمامة و منى و ينبع و فدك و مخاليفها، و سمى حجازا لانه حجز بين نجد و تهامة، و جزيرة العرب عبارة عما بين عدن الى ربق العراق طولا و من جدة و السواحل إلى أطراف الشام عرضا قال الخليل: انما قيل لها جزيرة العرب لان بحر الحبشي و بحر فارس و الفرات قد أحاط بها و نسبتا الى العرب لأنها أرضها و مسكنها و معدنها. منه عفى عنه.

(2) براءة: 5، ولاية اللّه الخويي مد ظله في ص 209 من البيان بيان يعجبنا نقله بعين عبارته قال مد ظله:

و الحق أن الآية محكمة ليست بمنسوخة، فان ناسخ الآية ان كان هو قوله فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ فهذا القول ظاهر البطلان، لان الآية الأولى خاصة و الخاص يكون قرينة على بيان المراد من العام، و ان علم تقدمه في الورود فكيف إذا لم يعلم ذلك و على هذا فيختص قتال المشركين بغير الحرم، الا أن يكونوا هم المبتدئين بالقتال فيه فيجوز قتالهم فيه حينئذ.

و ان استندوا في نسخ الآية إلى الرواية القائلة ان النبي (ص) أمر بقتل ابن خطل و قد كان متعلقا بأستار الكعبة فهو باطل أيضا أولا لأنه خبر واحد لا يثبت به النسخ، ثانيا لانه لا دلالة على النسخ فإنهم رووا في الصحيح عن النبي (ص) قوله «انها لا تحل لأحد قبلي و انما أحلت لي ساعة من نهار» (و قد مر مصادر الحديث من طرق الفريقين في ص 296 من هذا الكتاب) و صريح هذه الرواية أن ذلك من خصائص النبي فلا وجه للقول بنسخ الآية، الا المتابعة لفتوى جماعة من الفقهاء و الآية حجة عليهم انتهى.

323

قتالهم و إن كان في المسجد الحرام.

«فَإِنِ انْتَهَوْا» امتنعوا عن الشرك و القتال «فَإِنَّ اللّٰهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» يغفر لهم ما قد سلف من ذنوبهم، و فيها دلالة على أنّ الإسلام يجبّ ما قبله كقوله إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مٰا قَدْ سَلَفَ (1).

قال الطّبرسيّ في مجمع البيان: و فيه دلالة على قبول التوبة من القتل عمدا لأنّ الشّرك الّذي هو أعظم منه يقبل التوبة منه، فالقتل بالطّريق الأولى.

و لا يذهب عليك أنّ هذا مبنيّ على أنّ المراد من الفتنة في الآية الشرك، و قد عرفت احتمال غيره احتمالا مساويا، سلّمناه، لكنّ القتل حقّ النّاس، و هو لا يسقط بالتوبة على ما قيل، بخلاف الشّرك، فإنّه حقّه تعالى فيسقط بالتوبة، و لا يلزم من إسقاط حقّه تعالى بها إسقاط حقّ الغير بها أيضا، اللّهمّ إلّا أن يريد قبول التوبة بعد الخروج عن حقّ المقتول لخروجه عن حقّ النّاس حينئذ و يبقى حقّه تعالى يسقط بالتوبة.

____________

(1) الأنفال: 38.

324

و الظاهر أنّ مراده ذلك، و على هذا فما ورد من الآيات بخلوده في النّار كقوله تعالى وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزٰاؤُهُ جَهَنَّمُ خٰالِداً فِيهٰا (1) مخصوص بغير التّائب مع أنّ الخلود فيه محمول على المكث الطّويل كما سيجيء التّنبيه عليه إن شاء اللّه.

«وَ قٰاتِلُوهُمْ حَتّٰى لٰا تَكُونَ فِتْنَةٌ» أي شرك باللّه، و هو بيان لغاية وجوب القتال و الآية محمولة على الغالب، فانّ قتالهم لا يزيل الكفر رأسا، نعم الغالب الإزالة لأنّ من قتل منهم فقد زال كفره، و من لم يقاتل كان يخاف من الثّبات على كفره.

«وَ يَكُونَ الدِّينُ لِلّٰهِ» خالصا له ليس للشّيطان فيه نصيب، و المراد حتّى لا يبقى الكفر، و يظهر الإسلام على الأديان كلّها.

«فَإِنِ انْتَهَوْا» عن الكفر «فَلٰا عُدْوٰانَ إِلّٰا عَلَى الظّٰالِمِينَ» أي فلا تعتدوا على المنتهين، من باب وضع العلّة موضع الحكم، أو فلا تظلموا إلّا الظّالمين غير المنتهين سمّي جزاء الظّالمين ظلما للمشاكلة، كقوله فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ (2) أو المراد أنكم إن تعرّضتم لهم بعد انتهائهم كنتم ظالمين و يسلّط عليكم من يعدو عليكم و الفاء الاولى للتعقيب، و الثانية للجزاء، و في الآية دلالة على أنّه لا يجوز القتل و لا السّبي و غيره من أقسام العدوان بعد الدّخول في الإسلام.

«الشَّهْرُ الْحَرٰامُ بِالشَّهْرِ الْحَرٰامِ» قاتلهم المشركون (3) عام الحديبيّة في شهر ذي القعدة سنة ستّ، و اتّفق خروجهم لعمرة القضاء في ذلك الشّهر أيضا سنة سبع و كرهوا القتال فيه، فقيل لهم: هذا الشّهر بذاك، و هتكه بهتكه، فلا تبالوا به في قتالهم.

«وَ الْحُرُمٰاتُ قِصٰاصٌ» احتجاج عليه أي كلّ حرمة و هو ما يجب أن يحافظ عليها يجرى فيها القصاص، فمن هتك حرمة أيّ حرمة كانت اقتصّ بأن يهتك له حرمة و لمّا

____________

(1) النساء: 93.

(2) البقرة: 193.

(3) في سن: قاتل المشركون المسلمين إلخ.

325

هتكوا حرمة شهركم بالصدّ، فافعلوا بهم مثله، و ادخلوا عليهم عنوة، و اقتلوهم إن قاتلوكم، أو المراد أنّ القتل في الشهر الحرام حرام، و الحرام لا يجوز من المسلمين إلّا قصاصا.

«فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ» اي جازوه بظلمه و افعلوا به مثل ما فعل، و الثاني ليس باعتداء و ظلم، بل عدل إلّا أنّه سمّي به للمشاكلة كما في قوله وَ جَزٰاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهٰا (1).

«وَ اتَّقُوا اللّٰهَ» باجتناب المعاصي فلا تظلموا و لا تمنعوا عن المجازات و لا تتعدّوا فيها عن المثل و العدل «وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللّٰهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ» فيحرسهم و يصلح شأنهم، و أصل «مع» المصاحبة في المكان و الزمان.

و في الآية دلالة [على إباحة القتال في الشهر الحرام، لمن لا يراعي حرمته سواء كان ممّن يرى له حرمة أولا و] على وجوب تسليم النّفس و عدم المنع من المجازات و القصاص، و على وجوب الردّ ممّن غصب شيئا و أتلفه على وجه الضمان مثله أو قيمته و على أنّ الغاصب إذا لم يردّ [الحقّ] المغصوب على صاحبه جاز لصاحبه أن يأخذ من ماله بقدر ما غصب منه، بل لو عرف أنّ أخذه خفية أمكن له أخذه كذلك، أو جهرة من غير رضاه مع امتناعه عن الدّفع كما قال الفقهاء لكن على طريق المقاصّة و إطلاق الآية يقتضي عدم الفرق بين أن يتمكّن من إثباته عند الحاكم أولا.

و لا فرق في ذلك بين المال و غيره من الحقوق، فيجوز الأداء بمثله أيضا من غير إذن الحاكم و لا إثباته عنده و كذا القصاص إلّا أن يكون جرحا لا يجرى فيه القصاص، أو ضربا لا يمكن حفظ المثل فيه، أو فحشا لا يجوز التكلّم به، كالرمي بالزنا مثلا و حينئذ فيرفعه إلى الحاكم ليقتصّ منه بالتعزير و نحوه، و تفاصيل ذلك يعلم من الفقه، و قد كثرت الآيات الواردة في القرآن بوجوب الجهاد و فيما ذكرناه كفاية.

____________

(1) الشورى: 40.

326

النوع الثاني (في شرائط وجوبه)

و فيه آيات:

الاولى:

[لَيْسَ عَلَى الضُّعَفٰاءِ وَ لٰا عَلَى الْمَرْضىٰ وَ لٰا عَلَى الَّذِينَ لٰا يَجِدُونَ مٰا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذٰا نَصَحُوا لِلّٰهِ وَ رَسُولِهِ مٰا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَ اللّٰهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَ لٰا عَلَى الَّذِينَ إِذٰا مٰا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لٰا أَجِدُ مٰا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَ أَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلّٰا يَجِدُوا مٰا يُنْفِقُونَ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَ هُمْ أَغْنِيٰاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوٰالِفِ وَ طَبَعَ اللّٰهُ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لٰا يَعْلَمُونَ] (1).

لَيْسَ عَلَى الضُّعَفٰاءِ و هم الّذين في أبدانهم ضعف في أصل الخلقة أو بهم مرض «وَ لٰا عَلَى الْمَرْضىٰ» و هم أصحاب العلل المانعة من الخروج و يدخل فيه أصحاب العمى و العرج و الزّمانة، و كلّ من كان موصوفا بمرض يمنعه من التمكّن من المحاربة وَ لٰا عَلَى الَّذِينَ لٰا يَجِدُونَ مٰا يُنْفِقُونَ أي ليس معهم نفقة الخروج و آلة السّفر و استدلّ به على عدم وجوب الجهاد على العبد كما هو المشهور بين الأصحاب و ظاهر ابن الجنيد وجوبه عليه، و هو بعيد «حَرَجٌ» ضيق و جناح في التأخّر عن الجهاد.

«إِذٰا نَصَحُوا لِلّٰهِ وَ رَسُولِهِ» بأن يخلصوا أعمالهم من الغشّ و يطيعوهما في السّرّ و العلانية كما يفعل الموالي الناصح، أو بما قدروا عليه فعلا أو قولا يعود على الإسلام بالقوّة و على المسلمين بالصّلاح، شرط في جواز القعود عن الجهاد النّصح للّه و لرسوله

____________

(1) براءة: 90- 92.

327

ليتحرّزوا بعدهم عن إلقاء الارجاف و إثارة الفتن، و يقدموا على إصلاح مهمّاتهم و على ماله دخل في طاعة اللّه و رسوله، و موافقة السّرّ و العلن، كما يفعل الموالي النّاصح بصاحبه.

«مٰا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ» أي ليس عليهم جناح و لا إلى معاتبتهم سبيل، و وضع المحسنين موضع الضّمير للدّلالة على أنّهم منخرطون في سلك المحسنين، غير معاتبين لذلك، و قيل إنّ الآية عامة في كلّ محسن «وَ اللّٰهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» لهم أو للمسيء فكيف من هو محسن، ففي الآية دلالة على عدم وجوب الجهاد على هؤلاء المذكورين.

و قد يستدلّ بها على عدم وجوبه على المرأة لدخولها في الضّعفاء و كذا الصّبيّ غير البالغ و لا المجنون و لا خلاف في ذلك بين أصحابنا، نعم لو عرض المرض بعد الخروج إلى الجهاد و بعد التقاء الزحفين ففي سقوطه و الحالة هذه خلاف بين أصحابنا، و لكن المشهور بينهم السقوط، لعموم الآية فإنّ المرض قد يكون في الابتداء و قد يعرض في الأثناء، و الآية تشملهما.

و قال ابن الجنيد لو خرج فأصابه المرض قبل بلوغه الحرب كان له الرّجوع فان ناله ذلك و الزّحفان قد التقيا لم يكن له الرّجوع لظاهر قوله تعالى (1) وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ الآية و يجاب عنه بأنّها لا تنافي ما نقوله، فانّ الحرام تولية الدبر مع القدرة، لا مع العجز، و ظاهر نفي الحرج عن الضّعفاء يقتضي أنّه لو كان الضّعيف موسرا لم يجب عليه إقامة غيره مقامه، و إليه ذهب جماعة من الأصحاب، و أوجب آخرون الإقامة نظرا إلى عموم الأمر بالجهاد، و هو فعل يقبل النّيابة، فإذا تعذّرت المباشرة وجبت الاستنابة تحصيلا لما أوجبه الشّارع، و يدفعه أنّ الخاصّ مقدّم في العمل على العامّ، نعم لو احتيج إلى الاستنابة بأن عجز القائمون عن الدّفع وجبت لعموم الحاجة.

«وَ لٰا عَلَى الَّذِينَ إِذٰا مٰا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ» عطف على الضّعفاء أي و لا على الّذين إذا جاؤك و يسألونك مركبا يركبونه فيخرجون معك إلى الجهاد، إذ ليس معهم

____________

(1) الأنفال: 16.

328

من الأموال و الظّهر ما يمكنهم الخروج به في سبيل اللّه «قُلْتَ لٰا أَجِدُ مٰا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ» حال من كاف «أَتَوْكَ» بإضمار قد، أي إذا ما أتوك قائلا لا أجد ما أحملكم عليه «تَوَلَّوْا» جواب «إذا» و جوّز أن يكون الحال واقعا بين الشّرط و الجزاء كالاعتراض و يحتمل أن يكون بدلا من «أَتَوْكَ» لا حالا فتأمّل.

«وَ أَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ» من، للبيان و هي مع المجرور في محلّ النصب على التمييز، من «تَفِيضُ» بمعنى تسيل، و المعنى تفيض دمعها، و هو أبلغ لدلالته على أنّ العين صارت دمعا فيّاضا.

«حَزَناً» نصب على العلّة أو المصدر للفعل الّذي دلّ عليه ما قبله، و يجوز على الحال «أَلّٰا يَجِدُوا» أي لئلّا أو على أن لا يجدوا، متعلّق بحزنا أو تفيض. «مٰا يُنْفِقُونَ» في خروجهم إلى الغزو.

و قيل إنّ الآية نزلت في البكّائين (1) و هم سبعة نفر من الأنصار، و قيل نزلت في سبعة نفر من قبائل شتّى أتوا النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) فقالوا احملنا على الخفاف المرفوعة، و النعال المخصوفة، و قيل كانوا من مزينة، و قيل كانوا سبعة من فقراء الأنصار، فلمّا بكوا حمل عثمان منهم رجلين، و العبّاس رجلين، و يامين ثلاثة و في الآية دلالة على أنّه يجب في الجهاد زيادة على النفقة في السّفر وجود الراحلة لحاجته إليها سواء كانت المسافة قصيرة أو طويلة، فانّ الاحتياج قد يتحقّق مع كلّ منهما، و اعتبر الشيخ في وجود الرّاحلة مسافة التقصير و هو بعيد.

«إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ» في التخلف «وَ هُمْ أَغْنِيٰاءُ» واجدون للاهبة و المراد أنهم يستأذنونك في المقام مع غناهم و تمكّنهم من الجهاد «رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوٰالِفِ» جمع خالفة و هم النّساء و الصبيان، و من لا حراك بهم، و قد يقال الخالفة للّذي لا خير فيه.

____________

(1) انظر المجمع ج 3 ص 60 و تفسير على بن إبراهيم ص 159 و 160 و البرهان ج 2 ص 150 و نور الثقلين ج 2 ص 251 و ص 252 و الدر المنثور ج 3 ص 267 و 268 و الطبري ج 10 ص 212 و ص 213.

329

و الجملة استيناف لبيان ما هو السّبب لاستيذانهم من غير عذر (1) و هو رضاهم بالدناءة و الانتظام في جملة الخوالف إيثارا للدعة «وَ طَبَعَ اللّٰهُ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ» حتى غفلوا عن وخامة العاقبة «فَهُمْ لٰا يَعْلَمُونَ» مغبّة ذلك.

الثانية:

[يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قٰاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفّٰارِ وَ لْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللّٰهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ] (2).

يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قٰاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ أي يقربون إليكم من الكفّار أمر تعالى بقتال الأقرب منهم فالأقرب، فلا يجوز التخطّي عنه إلى الأبعد بمقتضى الآية و لأنّ ذلك قد يؤدّي إلى الضّرر.

قيل: كان هذا قبل الأمر بقتال المشركين كافّة ثمّ نسخ، و فيه ضعف لقيام الحكم في الآية، و الغرض منها الترتيب في القتال، فتكون هذه الآية أخصّ من الآية المشتملة على الأمر بالقتال، فلا تنافي، و لأنّ قتال الأبعد مع وجود الأقرب يؤدّى إلى الضّرر و ربما يمنعهم ذلك عن المضيّ في جهتهم، و لانّ الاشتغال عنه بالبعيد يوجب تمكّنه من انتهاز الفرصة بالمسلمين لاشتغالهم عنه، و الحكم مخصوص بما إذا لم يكن الأبعد أشدّ خطرا، و أعظم ضررا من الأقرب و إلّا كان الابتداء بقتاله أولى، و من ثمّ قاتل النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) الحارث بن أبي ضرار (3) لمّا بلغه أنّه يجمع له، و كان بينه و بينه عدوّ أقرب منه، و فتح مكّة قبل حرب هوازن، و كذا لو كان الأقرب مهادنا.

قال الطّبرسيّ في مجمع البيان (4): و في هذا دلالة على أنّه يجب على أهل كلّ

____________

(1) في هامش قض: كأنه قيل: ما لهم استأذنوا و هم قادرون على الاستعداد؟ فقيل:

رضوا بالدناءة و الانتظام، منه (رحمه اللّه).

(2) براءة: 124.

(3) انظر التفصيل في السير شرح غزوة لبني المصطلق و كان الحارث بن أبى ضرار سيدهم و رئيسهم.

(4) المجمع ج 3 ص 84.

330

ثغر الدّفاع عن أنفسهم، إذا خافوا على بيضة الإسلام و إن لم يكن هناك إمام عادل و لعلّ وجه الدّلالة إطلاق الأمر بالقتال من غير تقييد.

«وَ لْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً» شدّة و صبرا على القتال، و قرئ بفتح الغين و ضمّها و هما لغتان فيها «وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللّٰهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ» فيحرسهم و ينصرهم و من كان اللّه ناصره في الحرب لم يغلبه أحد، فامّا إذا نصره بالحجّة في غير الحرب فإنّه يجوز أن يغلب في الحرب لضرب من المحنة و شدّة التكليف.

الثالثة:

[يٰا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتٰالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صٰابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لٰا يَفْقَهُونَ الْآنَ خَفَّفَ اللّٰهُ عَنْكُمْ وَ عَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صٰابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّٰهِ وَ اللّٰهُ مَعَ الصّٰابِرِينَ] (1).

يٰا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتٰالِ بالغ في حثّهم عليه، و أصله الحرض و هو أن ينهكه المرض حتّى يشفي على الموت، و قرئ حرّص من الحرص [و التحريص و التحريض بمعنى واحد] إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صٰابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا الكلام شرط لكنّه في معنى الأمر بمصابرة الواحد للعشرة، و الوعد بأنّهم إن صبروا غلبوا بعون اللّه و تأييده، و على هذا فلا يعترض بأنّه يلزم منه أن لا يغلب قطّ مائتان من الكفّار عشرين من المؤمنين و الواقع خلافه، لأنّ وجه الغلبة على تقدير تسليم وقوعها لفقدان الشرط و هو الصّبر.

«بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لٰا يَفْقَهُونَ» بسبب أنّ الكفّار جهلة باللّه و اليوم الآخر لا يثبتون ثبات المؤمنين رجاء الثّواب و عوالي الدرجات، إن قتلوا أو قتلوا، و لا يستحقّون

____________

(1) الأنفال: 64 و 65.

331

من اللّه إلّا الهوان و الخذلان.

و الحكم بوجوب ثبات العشرين للمائتين و المائة للألف كان في مبدء الإسلام فشقّ على المسلمين ذلك و بعد مدّة نسخ عنهم بقوله الْآنَ خَفَّفَ اللّٰهُ عَنْكُمْ وَ عَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً يثقل عليهم المصابرة و المراد ضعف البدن و قيل ضعف البصيرة، و قرئ بالفتح و الضمّ و هما لغتان فيه.

فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صٰابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّٰهِ و هو خبر في الصّورة، أمر في المعنى كما تقدّم، و قيل إنّ سبب النّسخ أنّهم في الأوّل كان فيهم قلّة فأمروا بذلك، ثمّ لما كثروا خفّف عنهم.

و مقتضى الآية وجوب ثبات الجمع لمثليه كالعشرة للعشرين، و المائة للمائتين و نحوها، فلو زاد الكفّار على الضّعف لم يجب الثّبات، و هل يلزم من ذلك وجوب ثبات الواحد للاثنين؟

قيل نعم، و إليه ذهب جماعة من الأصحاب، و يؤيّده من الأخبار رواية الحسن (1) بن صالح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: كان يقول من فرّ من رجلين

____________

(1) التهذيب ج 6 ص 174 الرقم 342 و الكافي الباب 11 من أبواب وجوه الجهاد الحديث 1 و هو في المرآة ج 3 ص 373 و الوافي الجزء التاسع ص 21 و الوسائل الباب 27 من أبواب وجوه الجهاد الحديث 1 ج 2 ص 428 ط الأميري.

و روى مثله العياشي ج 2 ص 68 عن حسين بن صالح عن أبى عبد اللّه عن على (عليه السلام) و نقله عنه في البرهان ج 2 ص 93 و نور الثقلين ج 2 ص 166 بالرقم 151 و الصافي عند تفسير الآية و مستدرك الوسائل ج 2 ص 255.

قلت: و أظن أن الصحيح نسخة الكافي و التهذيب، فان الحسن بن صالح سواء كانوا ثلاثة رجال الثوري و الأحول و الذي سرده الشيخ (قدّس سرّه) في أصحاب الكاظم

أو اثنين أو واحدا هو الثوري يوجد لنا من يسمى بالحسن بن صالح الراوي عن الامام الصادق.

و لعل الاتحاد و كونه الثوري أقوى، و قد ولد الثوري سنة مائة و مات على ما في التقريب ج 1 ص 167 الرقم 284 سنة تسع و تسعين و على ما في ميزان الاعتدال ج 1 ص 496 الرقم 1869 سنة تسع و ستين و مائة. و نقل في تنقيح المقال ج 1 ص 285 من أبواب الحاء قولا بكون وفاته مائة و ثلث و ستين و قولا بكونه ثمان و ستين و قولا بكونه أربع و خمسين و على أى يصح كونه من أصحاب الأئمة الثلاثة الإمام الباقر و الامام الصادق و الامام الكاظم.

و أما الحسين بن صالح فلا نعرفه الا من سرد الشيخ (قدّس سرّه) إياه في ص 374 الرقم 35 من أصحاب الإمام الرضا و لم ينقل الأردبيلي في جامع الرواة ج 1 ص 244 عنه حديثا.

و مع ذلك فيمكن أن يكون الحسين بن صالح رجلا من أصحاب الصادق يعرفه العياشي و لم يعرفه غيره و على أى فليس لنا ما يوجب الاعتماد بوثاقة الحسن بن صالح و لا الحسين بن صالح و روى مضمون الحديث من أهل السنة البيهقي في السنن ج 9 ص 76 عن ابن عباس.

332

في القتال من الزحف، فقد فرّ، و من فرّ من ثلاثة فلم يفرّ، و ذهب آخرون إلى جواز الانصراف على ذلك التقدير، نظرا إلى أنّ جماعة المسلمين إذا كانوا على النّصف من المشركين بلا زيادة، وجب الثّبات فإنّ الهيئة الاجتماعيّة لها دخل في المقاومة، و لا يلزم من ذلك وجوب ثبات الواحد للاثنين، فينتفي بالأصل السالم عن المعارض، و يجاب عن الرّواية بأنّها محمولة على ما إذا كان الواحد في سريّة أو جيش «وَ اللّٰهُ مَعَ الصّٰابِرِينَ» بالنصر و المعونة فكيف لا يكونون غالبين.

الرابعة:

[يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلٰا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبٰارَ وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلّٰا مُتَحَرِّفاً لِقِتٰالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بٰاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللّٰهِ وَ مَأْوٰاهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ] (1).

يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً جيشا كثيرا بحيث يرى لكثرتهم كأنّهم يزحفون، و هو مصدر زحف الصبيّ إذا دبّ على مقعدته قليلا قليلا

____________

(1) الأنفال: 15 و 16.

333

سمّى به، و جمع على زحوف و انتصابه على الحال من المفعول، و يحتمل من الفاعل و المفعول معا.

أي إذا لقيتموهم متزاحفين: يدنون إليكم و تدنون إليهم «فَلٰا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبٰارَ» بالانهزام قيل إنّها منسوخة و الأظهر أنّها محكمة مخصوصة بما تقدّم من كون الكفّار على الضّعف أو أقلّ، فيكون فيها دلالة على تحريم الفرار في هاتين الصورتين، فلو زادوا على الضّعف جاز عملا بما تقدّم من آية التخفيف.

«وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلّٰا مُتَحَرِّفاً لِقِتٰالٍ» مائلا إلى حرف أو طرف، و منه التحرّف في طلب الرزق، و هو الميل إلى جهة يظنّ فيها أنّها أمكن للقتال، و المراد هنا الكرّ بعد الفرّ و تغرير العدوّ بأن يخيّل إليه أنّه منهزم عنه ثمّ يعطف عليه فإنّه من مكائد الحرب، و قيل إصلاح لأمة حربه أو طلب ماء لمكان عطشه، أو مأكولا لجوعه، أو يكون الشمس أو الرّيح في مقابلته و يتأذّى بهما، أو يرتفع عن هابط أو نحو ذلك.

«أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلىٰ فِئَةٍ» أو منحازا إلى فئة اخرى من المسلمين يستنجد بها في القتال، و هل يعتبر كونها قريبة أو صالحة للاستنجاد؟ الظاهر لا عملا بالعموم، نعم لو كانت بعيده على وجه يخرج عن كونه مقاتلا عادة، فالظاهر عدم الجواز، و انتصاب متحرّفا و متحيّزا على الحاليّة، و لا عمل لحرف الاستثناء فيه، و قيل على الاستثناء من المولّين أي إلّا رجلا متحرّفا أو متحيّزا «فَقَدْ بٰاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللّٰهِ وَ مَأْوٰاهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ» و عيد عظيم على الفرار من الزحف، و من ثمّ عدّوه من الكبائر الّتي لا تزول إلّا بالتوبة بأن يظهر النّدم على ما فعل، و العزم على أن لا يعود إلى مثله و ظاهرها تحريم الفرار من الزّحف على العموم، و رواه أصحابنا (1) عن الصّادقين

____________

(1) انظر البرهان و نور الثقلين تفسير الآية و الوسائل الباب 29 من أبواب جهاد العدو ج 2 ص 428 و الباب 45 و 46 من أبواب جهاد النفس ج 2 من ص 463 الى ص 465 و مواضع متفرقة منه و كذلك الوافي الجزء الثالث من ص 174 الى ص 176 و مستدرك الوسائل ج 2 ص 316 الى ص 318 و غيرها من كتب الاخبار، و انظر من كتب أهل السنة سنن البيهقي ج 9 ص 75 و ص 76.

334

(عليهم السلام) و قيل إنّما كان ذلك يوم بدر و هو ضعيف (1)، و قيل: إنّ الآية غير مخصوصة بالضعف فنازلا، بل هي على عمومها، و لكنّها مخصوصة بأهل بيته و الحاضرين معه في الحرب دون غيرهم من المؤمنين، و هو بعيد لأنّ العبرة بعموم اللّفظ لا بخصوص السّبب.

(النوع الثالث) (في أحكام متعددة)

و فيها آيات:

الأولى:

[فَإِذٰا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقٰابِ حَتّٰى إِذٰا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثٰاقَ فَإِمّٰا مَنًّا بَعْدُ وَ إِمّٰا فِدٰاءً حَتّٰى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزٰارَهٰا، الآية] (2).

فَإِذٰا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حال المحاربة و المقاتلة «فَضَرْبَ الرِّقٰابِ» منصوب على المصدريّة و أصله فاضربوا الرّقاب ضربا حذف الفعل و قدّم المصدر فأنيب منابه مضافا إلى المفعول، و فيه اختصار مع إعطاء معنى التوكيد، لأنّك تذكر المصدر منصوبا، و تدلّ على الفعل بالنصبيّة الّتي فيه.

و مقتضى الآية وجوب القتل إذا أخذوا حال المحاربة و المقاتلة و عليه أصحابنا أجمع، و في أخبارهم دلالة على ذلك، و سيجيء، و المراد بضرب الرقاب القتل على أيّ وجه حصل، لا أنّ الواجب أن تضرب الرّقبة فقط دون غيرها من الأعضاء.

و من ثمّ كان الإمام مخيّرا في قتله بين أن يضرب رقبته، و بين أن يقطع

____________

(1) و في سن هكذا: و قيل: انما كان ذلك يوم بدر لان الآية نزلت هناك و هو بعيد إلخ.

(2) القتال: 4.

335

الأيدي و الأرجل، و يتركه حتّى ينزف بالدم و يموت، و سيجيء ما يدلّ عليه، و لعلّ في التعبير عن القتل بذلك لما في هذه العبارة من الغلظة و الشدّة ما ليس في لفظ القتل إذ هي تصوير القتل بأشنع صورة، و الحكم مخصوص بعدم إسلامهم فلو أسلموا و الحالة هذه لم يجز قتلهم، و لعلّ في الآية إشارة إليه.

«حَتّٰى إِذٰا أَثْخَنْتُمُوهُمْ» أكثرتم قتلهم و أغلظتموهم من الشّيء الثخين و هو الغليظ، و المراد عجزهم عن المقاتلة و الاستظهار عليهم، و حصول الظفر بهم من المسلمين، حتّى لا يمكنهم النّهوض.

«فَشُدُّوا الْوَثٰاقَ» فأسروهم و احفظوهم، و الوثاق بالكسر و الفتح اسم لما يوثّق به.

«فَإِمّٰا مَنًّا بَعْدُ وَ إِمّٰا فِدٰاءً» أي فامّا تمنّون عليهم منّا بعد الأسر و تطلقونهم من غير فداء و إمّا تفدون فداء على مال يدفعه الأسير و نحوه، و يخلص به رقبته من العبوديّة، و تطلقونهم، فانتصابهما بفعلين مضمرين.

و مقتضى الآية التخيير بين الأمرين بعد تقضّى الحرب، و أثبت أصحابنا الاسترقاق أيضا، فخيّروا بين الثلاثة لقيام الدّليل عليه من خارج، و لا يجوز القتل في هذه الصّورة لعدم ما يدلّ عليه، و جوّزه الشّافعيّة و حكموا بأنّ الإمام يتخيّر بين أربعة أمور: القتل، و الاسترقاق، و المنّ، و الفداء، و هو غير واضح الوجه، مع كون التفصيل في الآية قاطعا للشركة.

و قالت الحنفيّة ليس للإمام المنّ و الفداء و إنّما يتخيّر بين القتل و الاسترقاق مستدلّين عليه بأنّ قوله تعالى فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ (1) ورد بعد قوله «فَإِمّٰا مَنًّا بَعْدُ وَ إِمّٰا فِدٰاءً» لأنّ آية المنّ نزلت بمكّة، و آية القتل نزلت بالمدينة في آخر سورة نزلت و هي براءة، فيكون ناسخا.

و يردّه أنّ النّسخ خلاف الأصل، أقصى ما فيه ورود العامّ و الخاصّ و إذا تعارضا خصّص العامّ بالخاصّ و عمل بالعامّ في غير صورة الخاصّ، و عمل بالخاصّ

____________

(1) براءة: 5.

336

في صورته، و يؤكّد ردّ قولهم ما رووه (1) أنّ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) منّ على أبى عزّة الجمحيّ و على آثال الحنفيّ و فادى رجلا برجلين من المشركين.

و يؤكّد ما قلناه من الأحكام، ما رواه الشيخ (2) عن طلحة بن زيد قال:

سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: كان أبى يقول إنّ للحرب حكمين، إذا كانت قائمة لم تضع أوزارها و لم يثخن أهلها فكلّ أسير أخذ في تلك الحال، فإنّ الإمام فيه بالخيار إن شاء ضرب عنقه، و إن شاء قطع يده و رجله من خلاف و تركه يتشحّط في دمه، حتّى يموت، إلى أن قال: و الحكم الآخر إذا وضعت الْحَرْبُ أَوْزٰارَهٰا و أثخن أهلها فكلّ أسير أخذ على تلك الحال فكان في أيديهم فالإمام فيه بالخيار إن شاء منّ عليهم، و إن شاء فاداهم أنفسهم، و إن شاء استعبدهم فصاروا عبيدا.

و التخيير بين الأمور الثلاثة ثابت، و إن أسلموا، و للشيخ قول بسقوط الاسترقاق في هذه الصورة، و هل يعتبر في استرقاقهم حيث يجوز، كون الأسير ممّن يصحّ إقراره على دينه بأن يكون له كتاب أو شبهة كتاب حتّى لو كان من عبدة الأوثان لم يجز استرقاقه؟ أو لا يعتبر ذلك، بل يسترقّ و إن كان من عبدة الأوثان؟

المشهور الثّاني نظرا إلى عموم ما دلّ على جواز استرقاق الكافر من غير تقييد و قال الشيخ بالأوّل، نظرا إلى أنّه لا يجوز إقراره بالجزية، فلا يجوز إقراره بالاسترقاق و في الملازمة منع ظاهر.

«حَتّٰى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزٰارَهٰا» آلاتها و أثقالها الّتي لا يقوم إلّا بها، كالسلاح و الكراع، قال الأعشى:

____________

(1) انظر الكشاف ج 4 ص 317 ط دار الكتاب العربي و التفصيل ذكره ابن حجر في الشاف الكاف مطبوع ذيله و القصة في غزوة بدر، فانظر التفصيل في التواريخ عند شرح غزوة بدر.

(2) التهذيب ج 6 ص 143 الرقم 245 و الكافي ج 1 ص 336 الباب 10 من أبواب وجوه الجهاد الحديث 1 و هو في المرآة ج 3 ص 373 و الوافي الجزء التاسع ص 23 و الوسائل الباب 23 من أبواب وجوه الجهاد الحديث 1 ج 2 ص 426 ط الأميري.

337

و أعددت للحرب أوزارها رماحا طوالا و خيلا ذكورا أي تنقضي الحرب فلم يبق إلّا مسلم أو مسالم، و قيل المراد آثامها أي حتّى تضع أهل الحرب شركهم و معاصيهم بأن يسلموا، و الظاهر كونها غاية للمنّ و الفداء و قيل للمجموع، بمعنى أنّ هذه الأحكام جارية فيهم، حتّى لا يكون من المشركين حرب بزوال شوكتهم، و انطماس دينهم.

الثانية:

[يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا جٰاءَكُمُ الْمُؤْمِنٰاتُ مُهٰاجِرٰاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللّٰهُ أَعْلَمُ بِإِيمٰانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنٰاتٍ فَلٰا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفّٰارِ لٰا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَ لٰا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَ آتُوهُمْ مٰا أَنْفَقُوا وَ لٰا جُنٰاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذٰا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَ لٰا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوٰافِرِ وَ سْئَلُوا مٰا أَنْفَقْتُمْ وَ لْيَسْئَلُوا مٰا أَنْفَقُوا ذٰلِكُمْ حُكْمُ اللّٰهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَ اللّٰهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ] (1).

يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا جٰاءَكُمُ الْمُؤْمِنٰاتُ مُهٰاجِرٰاتٍ من دار الكفر إليكم «فَامْتَحِنُوهُنَّ» فاختبروهنّ ليغلب على ظنّكم موافقة قلوبهنّ ألسنتهنّ في الإيمان الّذي ادّعينه قيل و الاختبار أن تستحلف باللّه أنّها ما خرجت من بغض زوجها، و لا رغبت في أرض و لا التماس دنيا، إنّما خرجت حبّا للّه و لرسوله و دين الإسلام.

«اللّٰهُ أَعْلَمُ بِإِيمٰانِهِنَّ» منكم فإنّه المطّلع على الضمائر، و أنتم لا تتجاوزون الظاهر، و إن استحلفتموهن و سبرتم أحوالهنّ «فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنٰاتٍ» العلم الّذي يبلغه طاقتكم و يمكنكم تحصيله، و هو الظنّ الغالب بالحلف و ظهور الأمارات على صدقهنّ في دعوى الإسلام.

«فَلٰا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفّٰارِ» فلا تردّوهن إلى أزواجهنّ المشركين، و ألحق

____________

(1) الممتحنة: 10.

338

الأصحاب بالنساء في عدم جواز الردّ من يكون مستضعفا لا يؤمن عليه الفتنة بخلاف من يكون له عشيرة تحميه من الافتتان، فإنّه يجوز ردّه إذا وقع الصّلح على ردّ الرّجال.

«لٰا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَ لٰا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ» و التكرير للمبالغة و المطابقة أو أنّ الأوّل لبيان انفساخ حكم الزّوجيّة، و الثاني لمنع الاسترداد بوجه من الوجوه و مقتضاها انفساخ النكاح بمجرّد إسلامها من غير توقّف على طلاق، و إلى ذلك يذهب أبو حنيفة فإنّه قال إنّ أحد الزّوجين إذا خرج من دار الحرب مسلما أو بذمّة و بقي الآخر حربيّا وقعت الفرقة، و لا يرى العدّة على المهاجرة، و يفسخ نكاحها إلّا أن تكون حاملا، و سيجيء.

و لأصحابنا في ذلك تفصيل: و هو أنّ الإسلام إن كان قبل الدّخول انفسخ في الحال، و إن كان بعده توقّف استقراره على انقضاء العدّة، فلو أسلم في أثنائها فهو أحقّ بها.

«وَ آتُوهُمْ مٰا أَنْفَقُوا» و أعطوا أزواجهنّ ما دفعوا إليهنّ من المهور خاصّة، قيل لمّا وقع صلح الحديبية (1) جرى على أنّ من جاءنا منكم رددناه، و من جاءكم منّا فلا تردّوه إلينا، و كتبوا كتابا و ختموه فجاءت سبيعة بنت الحارث الأسلميّة مسلمة و النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بالحديبية فأقبل زوجها و قال: يا محمّد اردد عليّ امرأتي، فإنّك قد شرطت لنا أن تردّ علينا من أتاك منّا، فنزلت الآية بيانا لأنّ الشرط إنّما كان في الرّجال لا في النّساء.

و مقتضى الآية عموم ردّ ما أنفق لكنّ العلماء خصّوه بالمهر نظرا إلى أنّه بدل عن البضع الّذي حيل بينه و بينه بخلاف ما عدا المهر من النفقة و الهبة، فإنّه ليس بهذه المثابة، و قد وافقنا على ردّ المهر الشافعيّ في أحد قوليه، و أنكر ردّه في قوله الآخر و هو قول أكثر العامّة محتجّين بأنّ بضع المرأة ليس بمال يدخل في الأمان، و من ثمّ لو عقد الرّجل الأمان لنفسه دخل فيه أمواله دون زوجته، فلا يجب ردّ بدله.

____________

(1) انظر المجمع ج 5 ص 273.

339

و الجواب أنّه قياس في مقابلة النصّ فلا يكون مسموعا خصوصا مع فعل النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) الدالّ على اعتبار النصّ في العموم، و العمل به، فإنّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) ردّ مهر من جاءت مسلمة في صلح الحديبية. و ادّعاء النسخ باطل لا وجه له و ظاهر الآية يقتضي الدّفع إلى الزوج لو قدم و طلبه، فعلى هذا لو جاء أبوها أو جدّها أو أخوها أو عمّها أو أحد نسائها لم يدفع المهر إليه، و لا نعلم في ذلك خلافا.

و إطلاق الآية يقتضي دفع المهر من أيّ نوع كان، و خصّه أصحابنا بغير المحرّم كالخمر و شبهه، فلا يدفع إليه لعدم اعتباره عندنا، فلا يتعلّق الأمر بدفعه، و لا بقيمته و إن كانت قبضته حال كفرها، و لو كان لم يدفع إليها شيئا لم يكن له شيء إجماعا و المخاطب بالدفع هم المسلمون فيحسب من بيت المال لأنّه من المصالح العامّة.

«وَ لٰا جُنٰاحَ عَلَيْكُمْ» لا إثم و لا حرج عليكم أيّها المسلمون «أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ» فإنّ الإسلام حال بينهنّ و بين أزواجهنّ الكفّار، و هذا في غير المدخول بها، و في المدخول بها مع انقضاء العدّة، و في أخبارنا ما يدلّ على ذلك: روى الشيخ (1) عن السكوني عن جعفر عن أبيه (عليهم السلام) عن عليّ (عليه السلام) أنّ امرأة مجوسيّة أسلمت قبل زوجها قال له عليّ (عليه السلام) أتسلم؟ قال لا، ففرّق بينهما ثمّ قال إن أسلمت قبل انقضاء عدّتها فهي امرأتك و إن انقضت عدّتها قبل أن تسلم فأنت خاطب من الخطّاب.

و أبو حنيفة لا يرى العدّة على المهاجرة مطلقا إذا بقي زوجها حربيّا، و يبيح نكاحها إلّا أن تكون حاملا، و فيه أنّ اشتراط العدّة مع الحمل يقوّي اشتراطها مع الدّخول.

«إِذٰا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ» أي مهورهنّ شرط إيتاء المهر في جواز نكاحهنّ إيذانا بأنّ ما اعطي أزواجهنّ لا يقوم مقام المهر، و أنّه لا بدّ من الصّداق.

«وَ لٰا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوٰافِرِ» جمع كافرة و العصم جمع عصمة، و هو ما يعتصم به من

____________

(1) التهذيب ج 7 ص 301 الرقم 1257 و الاستبصار ج 3 ص 182 الرقم 661 و هو في الوافي الجزء الثاني عشر ص 91 و الوسائل الباب 9 من أبواب ما يحرم بالكفر الحديث 2 ج 3 ص 69 ط الأميري.

340

عقد و سبب، يعني إيّاكم و إيّاهنّ، و لا يكن بينكم و بينهنّ عصمة، و لا علقة زوجيّة و فيها دلالة على أنّه لا يجوز العقد على الكافرة سواء كانت ذميّة أو حربيّة أو عابدة وثن (1) و على كلّ حال، دائما كان العقد أو منقطعا، لأنّه عامّ في جميع ذلك، و ليس لأحد أن يخصّ الآية بعابدة الوثن، لأنّه السبب في نزولها، لما تقرّر في الأصول أنّ العبرة بعموم اللّفظ لا بخصوص السبب. [و فيه نظر إذ هي غير صريحة في إرادة النّكاح فتأمّل] (2).

«وَ سْئَلُوا مٰا أَنْفَقْتُمْ» من مهور نسائكم إذا صرن إلى دار الحرب، و التحقن بالكفّار كما يسألونكم مهر نسائهم إذا هاجرن إليكم و هو قوله «وَ لْيَسْئَلُوا مٰا أَنْفَقُوا» من مهور نسائهم على ما تقدّم شرحه.

«ذٰلِكُمْ حُكْمُ اللّٰهِ» عنى به جميع ما ذكر في الآية «يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ» استيناف أو حال من الحكم على حذف الضمير العائد إليه أي يحكمه اللّه أو جعل الحكم حاكما على المبالغة.

«وَ اللّٰهُ عَلِيمٌ» بجميع الأشياء «حَكِيمٌ» فيما يفعله و يأمركم به، قيل كان في صدر الإسلام تكون المسلمة تحت الكافر و الكافرة تحت المسلم فنسخت بهذه الآية قال الشيخ في التبيان (3) و المفسّرون على أنّ حكم هذه الآية منسوخ، و عندنا أنّه غير منسوخ، و فيها دلالة على المنع من تزوّج المسلم اليهوديّة و النصرانيّة، لأنّهما كافرتان، فالآية على عمومها في المنع من التمسّك بعصم الكوافر و لا نخصّها إلّا بدليل.

____________

(1) و الحق جواز العقد على الكتابية متعة أو دواما، انظر في ذلك تعاليقنا على كنز العرفان ج 2 من ص 193 الى ص 199 و سيأتي إنشاء اللّه في المجلد الثالث من هذا الكتاب ما يكشف عن ميل المصنف إلى تأييد القول بالجواز عند تفسير الآية «وَ الْمُحْصَنٰاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ» الآية 21 من سورة النساء و تفسير الآية «وَ لٰا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكٰاتِ» الآية 221 من سورة البقرة فانتظر.

(2) زيادة من: سن.

(3) التبيان ج 2 ص 673 ط إيران.

341

[الثالثة وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلٰامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ (1) استدلّ أصحابنا بها على أنّ الذمّي إذا انتقل من دينه إلى دين آخر من ملل الكفر، سواء كان ذلك الدّين مما يقرّ عليه أهله أم لا، لم يقرّ عليه، و يؤيّده ما روي عنه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) أنّه قال: من بدّل دينه فاقتلوه (2) و لا كلام بينهم فيما إذا كان الدين ممّا لا يقرّ عليه، و لو كان ممّا يقرّ عليه أهله كاليهوديّ يتنصّر أو العكس فالأكثر على ذلك أيضا لعموم الآية المذكورة.

و ربما ذهب بعض أصحابنا إلى أنّه يقرّ عليه لأنّ الكفر ملّة واحدة، فلا يتفاوت الحال بين كونه على الملّة الّتي كان عليها أوّلا أو غيرها ممّا يقرّ عليه.

و فيه نظر فانّ كون الكفر ملّة واحدة لا يقتضي الإقرار مع معارضة الآية، و لو عاد مثل هذا إلى دينه الأوّل فمقتضى الآية عدم القبول].

الثالثة:

[قٰاتِلُوا الَّذِينَ لٰا يُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ لٰا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَ لٰا يُحَرِّمُونَ مٰا حَرَّمَ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ لٰا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ حَتّٰى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صٰاغِرُونَ] (3).

قٰاتِلُوا الَّذِينَ لٰا يُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ لٰا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ أي الّذين لا يعترفون بتوحيد اللّه و لا يقرّون بالبعث و النشور، و هذا يدلّ على صحّة ما ذهب إليه أصحابنا من أنّه لا يجوز أن يكون في جملة الكفّار من هو عارف باللّه، و إن أقرّ باللّسان، نعم يكون معتقدا لذلك لا عن علم، فإنّ الآية صريحة في أنّ أهل الكتاب الّذين يؤخذ منهم الجزية لا يؤمنون باللّه و اليوم الآخر.

____________

(1) آل عمران: 85، و ذكر هذه الآية مع ما يليها من البحث من مختصات نسخة سن.

(2) الجامع الصغير بالرقم 8559 ج 6 ص 95 فيض القدير أخرجه عن أحمد و البخاري و أصحاب السنن و رواه في دعائم الإسلام عن النبي (ص) ج 2 ص 478 بالرقم 1717 و نقله عنه في مستدرك الوسائل ج 3 ص 242 و قد أرسل الحديث فقهاؤنا بعنوان النبوي في كتبهم الفقهية.

(3) براءة: 29.

342

و من قال إنّهم يجوز أن يكونوا عارفين باللّه، قال إنّ الآية خرجت مخرج الذمّ لهم، لأنّهم بمنزلة من لا يقرّ به في عظم الجرم كما أنّهم بمنزلة المشركين في عبادة اللّه تعالى بالكفر.

«وَ لٰا يُحَرِّمُونَ مٰا حَرَّمَ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ» أي موسى و عيسى (عليهما السلام) الّذين يزعمون وجوب متابعته، فإنّه قد أخبر برسالة محمد (صلّى اللّه عليه و آله) و هم يخالفون ذلك، و يحتمل أن يكون المراد ما ثبت تحريمه بالكتاب و السّنة كالخمر و الخنزير و نحوهما.

«وَ لٰا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ» أي لا يعتقدون صحّة دين الإسلام الّذي هو الحقّ الثابت النّاسخ لسائر الأديان و مبطلها، و فيه دلالة على أنّ دين اليهوديّة و النّصرانيّة غير الحقّ، إمّا لأنّها نسخت، فالكون عليها بعد النسخ باطل غير حقّ، و إمّا لأنّ التوراة الّتي معهم مغيّرة مبدّلة ليست بالّتي نزلت من اللّه لقوله يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوٰاضِعِهِ (1).

مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ بيان للّذين لا يؤمنون، و هم اليهود و النّصارى و أدخل العلماء فيهم المجوس لقوله (صلى اللّه عليه و آله و سلم) «سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب» فحكمهم حكمهم.

«حَتّٰى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ» غاية وجوب القتال، و الجزية فعلة من جزى يجزي إذا قضى ما عليه، و المراد بها هنا العطيّة المقرّرة لإقامتهم بدار الإسلام، تؤخذ منهم في كلّ عام، سمّيت جزية لأنّها طائفة ممّا على أهل الذمّة أن يجزوه أي يقضوه، أو لأنّهم يجزون بها ما منّ عليهم بالاعفاء عن القتل.

«عَنْ يَدٍ» حال من الضّمير المرفوع أي عن يدهم بمعنى مسلمين بأيديهم غير باعثين لها مع غيرهم نائبا عنهم في الدّفع إذا قدروا عليه و من ثمّ منع الذمّي من التوكيل فيه مع القدرة. أو عن غنى، و لذا قيل لا يؤخذ من الفقير ذهب إليه جماعة من الأصحاب، أو عن يد قاهرة عليهم، بمعنى عاجزين أذلّاء أو عن إنعام عليهم فإنّ إبقاءهم

____________

(1) النساء: 46، المائدة: 13.

343

بالجزية من غير قتل و لا استرقاق نعمة عظيمة، و يجوز أن يكون حالا من الجزية بمعنى نقدا مسلمة عن يد إلى يد، كما يقال باع يدا بيد.

و أمّا قوله «وَ هُمْ صٰاغِرُونَ» فمعناه أنّه لا بدّ مع أخذ الجزية من إلحاق الصّغار بهم و السّبب فيه أنّ طبع العاقل ينفر عن تحمّل الذلّ، فإذا أمهل الكافر مدّة و هو يشاهد عزّ الإسلام، و ذلّ الكفر، و يسمع الدّلائل، فالظاهر أنّ مجموع ذلك يحمله على الانتقال إلى الإسلام.

و قد فسّروا الصّغار في الآية بتفسيرات فقيل الصّغار هو التزام الجزية على ما يحكم به الامام من غير أن تكون مقدّرة و التزام أحكامنا و جريانها عليهم، و هو قول الشيخ في الخلاف و قال في المبسوط الصّغار المذكور في الآية هو التزام أحكامنا و جريانها عليهم، قال و في النّاس من قال: إنّ الصّغار أن يؤخذ منه الجزية قائما و المسلم جالسا.

و قال ابن إدريس اختلف المفسّرون في الصّغار و الأظهر أنّه التزام أحكامنا عليهم و إجراؤها عليهم، و أن لا يقدّر الجزية فيوطّن نفسه عليها بل يكون بحسب ما يراه الامام بما يكون معه ذليلا صاغرا خائفا، فلا يزال كذلك غير موطّن نفسه على شيء و يتحقّق الصّغار الّذي هو الذلّة.

و ذهب شيخنا المفيد إلى أنّ الصّغار هو أن يأخذهم الإمام بما لا يطيقون حتّى يسلموا، و يؤيّده ما رواه الكلينيّ (1) في الحسن عن زرارة قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام):

____________

(1) الكافي ج 1 ص 160 باب صدقة أهل الجزية الحديث 1 و هو في المرآة ج 3 ص 200.

و رواه في التهذيب ج 4 ص 117 بالرقم 337 و الاستبصار ج 2 ص 53 بالرقم 176 و الفقيه ج 2 ص 27 بالرقم 98 و هو في الوافي الجزء السادس ص 48 و الوسائل الباب 68 من أبواب وجوب الجهاد الحديث 1 ج 2 ص 468 ط الأميري و نور الثقلين ج 2 ص 203 الرقم 101 و البرهان ج 2 ص 114 و قلائد الدرر ج 2 ص 165 و حديث الفقيه الى ما ذكره المصنف «فيسلم» و في الكافي و التهذيب له تتمة جعلها في الفقيه حديثا مستقلا و مثله في العياشي إلى قوله «فيسلم» ج 2 ص 85 بالرقم 41 و نقله عنه في البحار ج 21 ص 109.

344

ما حدّ الجزية على أهل الكتاب و هل عليهم في ذلك شيء موظّف لا ينبغي أن يجوز إلى غيره؟ فقال ذاك إلى الإمام يأخذ من كلّ إنسان منهم على قدر ما يطيق، إنّما هم قوم فدوا أنفسهم من أن يستعبدوا أو يقتلوا، فالجزية تؤخذ منهم على قدر ما يطيقون له أن يأخذهم به حتّى يسلموا، فانّ اللّه تعالى قال «حَتّٰى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صٰاغِرُونَ» و كيف يكون صاغرا و هو لا يكترث لما يؤخذ منه، حتّى يجد ذلّا لما أخذ منه فيسلم الحديث.

و مقتضاه أنّ الصّغار أن يأخذهم بما لا يطيقون حتّى يسلموا و قال الشّافعي هو أن يطأطئ رأسه عند التسليم فيأخذ المستوفي بلحيته، و يضرب في لهازمه.

و ظاهر الآية تخصيص الجزية بأهل الكتاب من بين أصناف الكفّار و أنّ من عداهم من الكفّار لا يقبل منهم الجزية، بل إمّا الإسلام أو السبي أو القتل، و على هذا أصحابنا و وافقهم الشافعيّة.

و قال أبو حنيفة يقبل من جميع الكفّار إلّا العرب، و قال أحمد: يقبل من جميع الكفّار إلّا عبدة الأوثان من العرب، و قال مالك إنّها يقبل من جميعهم إلّا مشركي قريش، لأنّهم ارتدّوا، و هي أقوال ضعيفة و ظاهر الآية يدفعها و كذا عموم قوله فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ و في أخبارنا ما يدلّ على ذلك أيضا مع أنّ الفرق بين أهل الكتاب و غيرهم ثابت لما في أهل الكتاب من الإقرار باللّسان بالتوحيد و التصديق ببعض الأنبياء و إن لم يكونوا عارفين في الحقيقة بخلاف غيرهم.

ثمّ إنّ الظاهر من الكتاب التورية و الإنجيل، فعلى هذا لو كان غير اليهود و النّصارى و المجوس فإنّهم لا يقرّون بالجزية، و إن كان لهم كتاب كصحف إبراهيم و صحف آدم و إدريس و زبور داود (عليهم السلام) و على هذا أصحابنا و هو أحد قولي الشافعي، و في الآخر أنّهم يقرّون بالجزية، و هو قول جماعة من العامّة محتجّين عليه بظاهر الآية فإنّهم أهل كتاب، و لأنّ المجوس يقرّون بالجزية و لم يثبت لهم كتاب بل شبهة كتاب

345

فإقرار هؤلاء مع ثبوت الكتاب لهم حقيقة أولى.

و الجواب ما تقدّم أنّ اللّام في الكتاب للعهد، و المراد التوراة و الإنجيل لأنّه المتبادر عند الإطلاق، بخلاف ما عداهما، فإنّها ليست كتبا منزلة على ما قيل و إنّما هي وحي يوحي، و لو سلّم أنّها منزلة فهي قد اشتملت على مواعظ لا غير، و ليس فيها أحكام مشروعة، فلم يكن لها حرمة الكتب المنزلة، و عن الثاني أنّهم ملحقون بأهل الكتاب لقوله (صلّى اللّه عليه و آله) «سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب» لا أنّهم داخلون في الآية حقيقة، و فيما ذكرنا كفاية للمستبصر، و لتفصيل أحكام الجزية بحث يطول، فليطلب من محلّه.

الرابعة:

[وَ إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهٰا وَ تَوَكَّلْ عَلَى اللّٰهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ] (1).

وَ إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ مالوا إليه، و منه الجناح، و قد تعدّى باللّام و إلى و السّلم: الصّلح و الاستسلام «فَاجْنَحْ لَهٰا» و عاهد معهم، و تأنيث الضّمير بحمل السّلام على نقيضها و هو الحرب «وَ تَوَكَّلْ عَلَى اللّٰهِ» و لا تخف من إبطانهم خداعا فيه فانّ اللّه يعصمك من مكرهم و يحيقه بهم «إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ» لأقوالهم «الْعَلِيمُ» بنيّاتهم.

و في الآية دلالة على جواز الهدنة، و هي المعاهدة على ترك الحرب، و وضع القتال مدّة معيّنة بعوض و بغير عوض قيل هي مخصوصة بأهل الكتاب لاتّصالها بقصّهم و قيل عامّة منسوخة (2) بقوله فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ.

و الحقّ أنّها غير منسوخة، و أمرها عندنا منوط برأي الإمام، فما يرى فيه المصلحة يفعله مع الكفّار المحاربين، و ما خلا عن المصلحة لا يجوز فيه ذلك، كما لو كان

____________

(1) الأنفال: 62.

(2) و انظر أيضا ما أفاده آية اللّه الخويي ص 248 من البيان.

346

في المسلمين قوّة و في المشركين ضعف، و يخشى قوّتهم أو اجتماعهم إن لم يبادرهم بالقتال فإنّه لا يجوز له مهادنتهم، و الحالة هذه، لوجود الضرر على المسلمين.

قال في المنتهى و لا نعلم فيه خلافا و لو كانت الحاجة تدعو إلى المهادنة لضعف المسلمين عن المقاومة جاز أن يهادنهم إلى أن يقوى المسلمون، و لا يتعيّن في ذلك وقت بل يجوز و لو إلى عشر سنين، لما رواه الجمهور (1) عن مروان و مسور بن مخرمة أنّ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) صالح سهيل بن عمرو على وضع القتال عشر سنين، أمّا لو كان في المسلمين قوّة و لكنّ المصلحة اقتضت المهادنة فإنّه لا يجوز المهادنة أكثر من سنة إجماعا.

كذا في المنتهى و استدلّ عليه بقوله تعالى فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ الآية و هي عامّة إلّا ما خصّه الدليل و يجوز المهادنة أربعة أشهر فما دون إجماعا لقوله تعالى بَرٰاءَةٌ مِنَ اللّٰهِ وَ رَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عٰاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ حيث أمر أن يقال للمشركين: سيحوا في الأرض آمنين هذه المدّة، أمّا ما بينهما ففيه خلاف بين العلماء و يمكن ترجيح العدم نظرا إلى ظاهر قوله تعالى فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ الآية دلّت على قتلهم بكلّ حال، خرج قدر الأربعة بالآية السابقة، فيبقى ما عداه على عموم القتل.

و احتجّ المجوّزون بأنّ المدّة قصرت عن أقلّ [مدّة] ظ الجزية، فجاز العقد فيها كالأربعة، و هو قياس غير ظاهر الوجه، فكان مردودا و تفصيل ذلك يطلب من محلّه.

الخامسة:

____________

(1) انظر البيهقي ج 9 ص 221 باب ما جاء في مدة الهدنة رواه عن مروان بن الحكم و مسور بن مخرمة و روى الشافعي في الأم ج 4 ص 189 أيضا قصة كون المهادنة عام الحديبية عشر سنين.

347

[يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ فَتَبَيَّنُوا وَ لٰا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقىٰ إِلَيْكُمُ السَّلٰامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا فَعِنْدَ اللّٰهِ مَغٰانِمُ كَثِيرَةٌ كَذٰلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللّٰهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللّٰهَ كٰانَ بِمٰا تَعْمَلُونَ خَبِيراً] (1).

يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ سافرتم و ذهبتم للغزو «فَتَبَيَّنُوا» و اطلبوا بيان الأمر و ثباته، و لا تعجلوا فيه ليظهر لكم من يستحقّ القتل «وَ لٰا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقىٰ إِلَيْكُمُ السَّلٰامَ» لمن حيّاكم بتحيّة الإسلام، و قرأ نافع و ابن عامر و حمزة السلم بغير ألف أي الاستسلام و الانقياد، فلم يقاتلكم مظهرا أنّه من أهل ملّتكم.

«لَسْتَ مُؤْمِناً» على الحقيقة و إنّما فعلت ذلك خوفا من القتل، و قرئ مؤمنا بالفتح أي مبذولا له الأمان «تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا» تطلبون ماله الّذي هو حطام الدّنيا فإنّه عرض لا بقاء له، بل هو سريع النفاد «فَعِنْدَ اللّٰهِ مَغٰانِمُ كَثِيرَةٌ» تغنيكم عن قتل أمثاله لأخذ ماله.

«كَذٰلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ» أي أوّل ما دخلتم في الإسلام و تفوّهتم بكلمتي الشّهادة فحصّنتم بها دماءكم و أولادكم من غير أن يعلم مواطأة قلوبكم و ألسنتكم.

«فَمَنَّ اللّٰهُ عَلَيْكُمْ» بالاشتهار بالإيمان و الاستقامة في الدّين أو أنّكم في أوّل الأمر حدث منكم ميل ضعيف بأسباب ضعيفة إلى الإسلام فمنّ اللّه عليكم بتقوية ذلك الميل، و تزايد نور الإيمان، فكذا هؤلاء قد حدث لهم ميل ضعيف إلى الإسلام بسبب هذا الخوف.

«فَتَبَيَّنُوا» و افعلوا بالدّاخلين في الإسلام كما فعل بكم حال دخولكم فيه و لا تبادروا إلى قتلهم «إِنَّ اللّٰهَ كٰانَ بِمٰا تَعْمَلُونَ خَبِيراً».

روى (2) أنّ سريّة لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) غزت أهل فدك فهربوا و بقي مرداس بن نهيك

____________

(1) النساء: 97.

(2) رواه في نور الثقلين ج 1 ص 443 بالرقم 497 عن تفسير على بن إبراهيم و كذا قلائد الدرر ج 2 ص 181 و هو في تفسيره المطبوع بهامشه التفسير المنسوب الى الامام العسكري ص 80 و ذيل الحديث فتخلف عن أمير المؤمنين في حروبه و انزل اللّه في ذلك «وَ لٰا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقىٰ إِلَيْكُمُ السَّلٰامَ لَسْتَ مُؤْمِناً.

و نقل في المجمع ج 2 ص 95 قولا بكون نزول الآية في أسامة بن زيد و قولا بكونه في محلم بن جثامة و كونه في المقداد و كونه في أبي الدرداء.

348

ثقة بإسلامه، إذ لم يسلم من قومه غيره، فلما رأى الخيل ألجأ غنمه إلى عاقول من الجبل، و صعد فلمّا تلاحقوا و كبّروا كبّر و نزل، و قال لا إله إلّا اللّه محمّد رسول اللّه السّلم عليكم، فقتله أسامة بن زيد و استاق غنمه، فنزلت، و قرأ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) الآية على أسامة فحلف أن لا يقتل رجلا قال لا إله إلّا اللّه.

و في الآية دلالة على قبول الايمان ممّن تلفّظ بالشّهادة من غير تعرّض له بكونه قال ذلك عن إكراه أو قصد، بل على تحريم القول بأنّه ليس بمؤمن، و على أنّ كلمة الشّهادة تحقن مال الرجل و دمه على أيّ وجه حصلت.

و قال أكثر الفقهاء: لو قال اليهوديّ و النّصراني أنا مؤمن أو مسلم، لا يحكم بإسلامه لأنّه يعتقد أنّ الايمان و الإسلام هو دينه، و لو قال «لا إله إلّا اللّه محمّد رسول اللّه» فلا يحصل الجزم بإسلامه، لأنّ منهم من يقول أنّه رسول العرب وحدهم و منهم من يقول إنّ محمّدا الّذي هو الرّسول الحقّ منتظر بعده، نعم إذا اعترف بأنّ الدين الّذي كان عليه باطل، و أنّ الّذي هو موجود بين المسلمين حقّ قبل منه.

و قد يستفاد منها لزوم الأخذ بظاهر الحال من غير تجسّس و تفحّص عن كونه موافقا للواقع أولا، و قد ورد بالنّهي عن التجسس الكتاب و السنّة بل الإجماع أيضا و ظاهر الأمر بالتبيين و تكراره في الآية مرّتين تعظيم للأمر، و تنبيه على عدم الجرأة في الأمور الّتي يترتّب عليها ضرر الغير، و عدم السّرعة فيها، و الاقدام عليها إلّا بعد التثبّت و التروّي و انكشاف حقيقة الأمر مهما أمكن.

و يستفاد منها أيضا أنّ المؤمن لا يخرج عن الايمان بمثل تلك الفعلة [و إلّا لخرج زيد بفعله عن الإسلام و لم يخرج].

و هو صريح في عدم اعتبار العمل في الايمان كما هو القول الصّحيح قال القاضي (1) و فيه دليل على صحّة إيمان المكره، و أنّ المجتهد قد يخطئ و أنّ خطأه مغتفر قلت: الدلالة على ذلك غير واضحة (2)، فإنّ ظاهر الآية لا يدلّ على كونه مكرها

____________

(1) البيضاوي ص 123 ط المطبعة العثمانية.

(2) و في سن بدل هذه الجملة هكذا: قلت: الدلالة على الحكم الأول قد مر بيانها- لان «من» في قوله لِمَنْ أَلْقىٰ إِلَيْكُمُ السَّلٰامَ عامة فيشمل المكره و غيره، لعدم المخصص، فيثبت الحكم في المكره أيضا، الا أن كون القاتل في هذه الصورة إلخ.

349

نعم سوق الكلام يدلّ على أنّه لو لم يكن مؤمنا لقتل، فكان له ظنّ بعدم القتل لإيمانه و كون مثله مكرها غير معلوم، مع أنّ ظاهر قوله «أَلْقىٰ إِلَيْكُمُ السَّلٰامَ» من غير إكراه لا معه، فأين الدلالة عليه؟ على أنّ الصحّة يراد بها موافقة الأمر، و كون المكره بهذه المثابة غير معلوم إلّا أن يراد بالصحة لازمها، و هو كونه حاقنا لدمه و ماله فتأمل و كون القاتل في هذه الصورة مجتهدا غير معلوم، لكن هذا يتمشّى على أصولهم من كون ظنّ الصحابىّ مستندا إلى اجتهاد، فتأمّل.

السادسة:

[إِنَّ الَّذِينَ تَوَفّٰاهُمُ الْمَلٰائِكَةُ ظٰالِمِي أَنْفُسِهِمْ قٰالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قٰالُوا كُنّٰا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قٰالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّٰهِ وٰاسِعَةً فَتُهٰاجِرُوا فِيهٰا فَأُولٰئِكَ مَأْوٰاهُمْ جَهَنَّمُ وَ سٰاءَتْ مَصِيراً] (1).

إِنَّ الَّذِينَ تَوَفّٰاهُمُ الْمَلٰائِكَةُ يحتمل الماضي و المضارع، حذف إحدى تائيه و يؤيّد الأوّل قراءة «توفّاهم» و الثاني «توفّاهم» مضارع «توفّيت» و المتوفّى على الحقيقة هو اللّه تعالى لأنّه الفاعل لكلّ شيء إلّا أنّ الرئيس المفوّض إليه هذا العمل ملك الموت، و سائر الملائكة أعوانه، و على هذا فالتوفية قد يسند إلى اللّه تعالى و إلى الملائكة و إلى ملك الموت، و ما يفعله الملك و ملك الموت يجوز أن يضاف إلى اللّه تعالى إذا فعلوه بأمره.

«ظٰالِمِي أَنْفُسِهِمْ» حال من المفعول لعدم إفادة الإضافة اللّفظية تعريفا أي في حال ظلمهم أنفسهم بالعصيان بسبب ترك الهجرة الواجبة، و موافقة الكفّار بإظهار عدم الايمان، قيل نزلت في جماعة من أهل مكّة (2) أسلموا و لم يهاجروا عن بلاد الشّرك

____________

(1) النساء: 100.

(2) انظر لباب النقول ص 75 أخرجه عن الطبراني عن ابن عباس و انظر أيضا الدر المنثور ج 2 من ص 205 الى ص 207.

350

حين كانت الهجرة إلى بلاد الإسلام لإظهار شرائعه و إقامة أحكامه فريضة واجبة.

«قٰالُوا» أي الملائكة توبيخا لهم و تبكيتا «فِيمَ كُنْتُمْ» في أيّ شيء كنتم من أمر دينكم إذ لم تكونوا في شيء من أمر الدّين، بسبب ترك الهجرة الواجبة مع القدرة و ترك إظهار الإسلام لعدم مبالاتهم بالشريعة، و هو في الحقيقة نعي عليهم بأنّهم ليسوا من الدّين في شيء، و لهذا لم يجيبوا بقولهم كنّا في كذا أو لم نكن في شيء «قٰالُوا» في جواب الملائكة معتذرين مما وبّخوا به «كُنّٰا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ» أي غير قادرين على الهجرة لعدم المؤنة على السّفر، أو غير قادرين على إظهار الايمان لما فيهم من الضّعف.

«قٰالُوا» أي الملائكة تكذيبا لهم على الأوّل «أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّٰهِ وٰاسِعَةً فَتُهٰاجِرُوا فِيهٰا» يعني كنتم قادرين على الهجرة فتركتموها من عند أنفسكم، و على الثاني كنتم قادرين على إظهار الايمان بأن تهاجروا إلى قطر آخر [تتمكّنوا فيه من إظهار دينكم] كما فعل المهاجرون إلى المدينة و الحبشة و أظهروا إيمانهم.

«فَأُولٰئِكَ» أي الّذين توفّيهم الملائكة على الوجه السابق «مَأْوٰاهُمْ جَهَنَّمُ» مسكنهم فيها، لتركهم الهجرة الواجبة، و مساعدتهم الكفّار في إخفاء معالم الدّين «وَ سٰاءَتْ مَصِيراً» مصيرهم أو جهنّم، و فيها وعيد عظيم على ترك الهجرة من موضع يكون الإنسان فيه غير متمكّن من إقامة دينه، و يلزم من ذلك وجوبها كما صرّح به القاضي و غيره.

و قال في الكشاف (1) «هذا دليل على أنّ الرّجل إذا كان في بلد لا يتمكّن فيه من إقامة أمر دينه كما يجب لبعض الأسباب، أو علم أنّه في غير بلده أقوم بحقّ اللّه و أدوم على العبادة، حقّت عليه المهاجرة» و لعلّه أراد من لفظ حقّت الوجوب، لكن يشكل الأمر في وجوب المهاجرة مع الصّورة الثانية، و من ثمّ لم يتعرّض لها القاضي و اقتصر في الدلالة على الأولى.

و لا يبعد حمل الثّانية على ما إذا تمكّن من إقامة بعض ما يجب عليه من أمر دينه

____________

(1) الكشاف ج 2 ص 555 ط دار الكتاب العربي.