مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - ج2

- الفاضل الكاظمي المزيد...
420 /
351

دون بعض آخر و تكون الصّورة الأولى محمولة على ما إذا لم يتمكّن من إقامة الجميع و ظاهر أنّ الصورتين تشتركان في وجوب المهاجرة، لما في الإقامة من ترك الواجب و هو حرام.

و قد روينا في الصّحيح (1) عن محمّد بن مسلم عن الصّادق (عليه السلام) في رجل أجنب و لم يجد إلّا الثلج أو ماء جامدا قال يتيمّم به، و لا أرى أن يعود إلى هذه الأرض الّتي توبق دينه. حيث علّل النّهي عن العود إليها بكونها موبقة لدينه، و ظاهر أنّ هذا في بعض الأفعال الواجبة، و عنه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) (2) من فرّ بدينه من أرض إلى أرض و إن كانت شبرا من الأرض استوجبت له الجنّة و كان رفيق أبيه إبراهيم و نبيّه محمّد (صلوات اللّه عليهما).

و قد يستفاد من الآية أنّ من لا يكون بهذه المثابة كما لو كان له عشيرة تحميه من المشركين و يمكنه إظهار إيمانه و يكون آمنا على نفسه مع مقامه بين ظهراني المشركين فانّ المهاجرة غير واجبة عليه و هو كذلك عند العلماء.

____________

(1) التهذيب ج 1 ص 191 بالرقم 553 و الاستبصار ج 1 ص 158 الرقم 544 و رواه في الكافي بسند آخر ج 1 ص 20 باب الرجل يصيبه الجناية فلا يجد الا الثلج الحديث 1 و هو في المرآة ج 3 ص 33 و فيه عند شرح قوله «و لا أرى أن يعود»: فيه دلالة على أن من صلى بتيمم فصلوته لا تخلو عن نقص، و ان كانت صلوته مبرئة للذمة، و انه يجب عليه ازالة هذا النقص عن صلوته المستقبلة بالخروج عن محل الاضطرار.

و رواه عن الكليني في المنتقى ج 1 ص 268 و هو في الوافي الجزء الرابع ص 85 و الوسائل الباب 9 من أبواب التيمم الحديث 9 ج 1 ص 185 ط الأميري.

و قريب من الحديث ما في محاسن البرقي باب الضرورات من كتاب السفر الرقم 134 و نقله عنه و عن السرائر في البحار ج 18 ص 129 و عليه شرح مفيد فراجع.

(2) المجمع ج 2 ص 100 و عنه نور الثقلين ج 1 ص 448 بالرقم 525 و أخرجه أيضا في الكشاف ج 2 ص 555 ط دار الكتاب العربي، قال ابن حجر في الكاف الشاف أخرجه الثعلبي في تفسير العنكبوت من رواية عباد بن منصور الباجى عن الحسن مرسلا و أخرجه في الكشاف ج 3 ص 461 أيضا.

352

قالوا: و يؤيّد ذلك أنّ النبيّ (1) (صلى اللّه عليه و آله و سلم) بعث يوم الحديبية إلى أهل مكّة عثمان لأنّ عشيرته كانت أقوى بمكّة، نعم يستحبّ لمثل هذا المهاجرة لما في الإقامة معهم من الاختلاط بهم، و تكثير عددهم.

ثمّ استثنى ممّا تقدّم بقوله «إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجٰالِ وَ النِّسٰاءِ وَ الْوِلْدٰانِ» و الظاهر أنّ الاستثناء منقطع لعدم دخولهم في الموصول و ضميره و الإشارة إليه «لٰا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً» لفقرهم و عجزهم عن التوصّل و عدم وجدانهم أسباب الهجرة و هي صفة «المستضعفين» و يجوز أن تكون صفة الرّجال و ما بعده، و إن كان نكرة لأنّ الموصوف لا يراد به شيء بعينه، فهو كقوله «و لقد أمرّ على اللّئيم يسبّني».

«وَ لٰا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا» و لا معرفة لهم بالمسالك و الطّرق.

«فَأُولٰئِكَ عَسَى اللّٰهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ» ذكر بكلمة الاطماع و لفظة العفو إيذانا بأنّ ترك الهجرة أمر خطير، حتّى أنّ المضطرّ من حقّه أن لا يأمن و يسأل اللّه العفو عنه و يترصّد الفرصة فكيف بغيره.

«وَ كٰانَ اللّٰهُ عَفُوًّا غَفُوراً» و مقتضاها عدم وجوب المهاجرة على تقدير عدم الحيلة و الاستطاعة، و وجود العذر المانع منها كالمرض و الضّعف، أو عدم النفقة أو غير ذلك و هي مؤكّدة الوجوب في صورة القدرة كما اقتضته الآية السابقة.

و لا يرد أنّه قد روي (2) عنه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) «لا هجرة بعد الفتح» و من ثمّ احتمل بعضهم كونه ناسخا لها، إن كان متواترا، أو مخصّصا لها أو مقيّدا إن لم يكن، لأنّ المراد بالحديث نفي وجوب الهجرة عن مكّة بعد فتحها للتمكّن من إظهار شعائر الإسلام و لكونها صارت دار الإسلام لا أنّ المراد عدم الهجرة على العموم، كيف و الهجرة من

____________

(1) انظر السير قصة عمرة الحديبية.

(2) انظر الوسائل الباب 36 من أبواب الجهاد الحديث 7 ج 2 ص 431 ط الأميري و المنتهى ج 2 ص 899 و انظر أيضا الجامع الصغير الرقم 9927 ج 6 ص 438 فيض القدير و فيه أنه أخرجه الجماعة إلا ابن ماجة و انظر سنن البيهقي ج 9 من ص 15 الى ص 18 و مجمع الزوائد ج 5 ص 250 و ص 251.

353

بلاد الشّرك واجبة قطعا و الآيات عامّة و خصوص الأسباب لا يوجب تخصيصها.

و منه يلزم اندفاع ما ذكره أيضا أنّ غاية ما يفهم منها وجوب المهاجرة في مادّة خاصّة بسبب خاصّ، و لم يعلم منه أنّ كلّ هجرة واجبة، و كلّ تارك لها ظالم إلّا أن يقاس باستخراج العلّة و إثباتها في الفرع، و أنّى له ذلك، و لهذا كان ترك هذه الهجرة كبيرة، و فيه ما تقدّم من المبالغات الّتي كادت أن لا توجد في غيرها، و كيف تكون غيرها كذلك مع أنّه نقل أن لا هجرة بعد الفتح انتهى.

و دفعه ظاهر، فانّ الاعتبار بظاهر اللّفظ على ما عرفت و ليس التعدّي إلى غيرها بالقياس، بل من دلالة اللّفظ، و لا يلزم من ورودها حال كون الهجرة من مكّة فريضة ارتفاع حكمها بعد ذلك، بالنّسبة إلى غيرها أيضا فإنّ ارتفاع الحكم في مادّة معيّنة يكون على أحد وجهين: إما بنسخة أو بانتفاء متعلّقه، و ما نحن فيه من الثاني إذ الهجرة كانت فريضة قبل الفتح، لما في الإقامة بمكّة من موافقة الكفّار، و مساعدتهم على ترك إظهار الإسلام، فمع انتفاء ذلك بالفتح ارتفع وجوبه.

و هكذا نقول: لو فرض أنّ بلدا من بلاد الحرب فتحه المسلمون، و صار من بلادهم الّتي يقام فيها شعارهم، فإنّه لا يجب الهجرة منه، و إن كان قبل ذلك يجب المهاجرة عنه إجماعا.

قال العلّامة في المنتهى (1) وجوب الهجرة باق ما دام الشّرك باقيا لوجود المقتضى و هو الكفر الّذي يعجز معه عن إظهار شعائر الإسلام، و لما روي عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال: لا ينقطع الهجرة حتّى ينقطع التوبة، و لا ينقطع التوبة حتّى تطلع الشّمس من مغربها (2) و روى الكلينيّ بسنده (3) عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال ألا إنّي بريء من

____________

(1) المنتهى ج 2 ص 899.

(2) المنتهى ج 2 ص 899 و البيهقي ج 2 ص 17 و أبو داود ج 3 ص 6 الرقم 2479 و في تذييله أنه أخرجه النسائي أيضا.

(3) الكافي ج 1 ص 339 باب انه لا يحل للمسلم ان ينزل دار الحرب و هو في المرآة ج 3 ص 376 و رواه في التهذيب ج 6 ص 152 بالرقم 263 و هو في الوافي الجزء التاسع ص 27 و الوسائل الباب 36 من أبواب الجهاد الحديث 4 ص 430 ج 2 ط الأميري و روى الحديث في مستدرك الوسائل ج 2 ص 260 عن الجعفريات و عن دعائم الإسلام و هو في النسخة المطبوعة بمصر ج 1 ص 376 بلفظ «انى بريء من كل مسلم نزل مع مشرك في دار» و رواه في البحار الجزء الرابع من ج 15 ص 224 بلفظ «انى بريء من كل مسلم نزل مع مشرك في دار حرب» عن نوادر الراوندي.

و روى الحديث من أهل السنة الهيتمى في مجمع الزوائد ج 5 ص 253 عن الطبراني بلفظ أنا بري من كل مسلم أقام مع المشركين لا ترى اباراهما، و قال رجاله ثقات هكذا في النسخة المطبوعة بالقاهرة 1353 و المطبوعة بلبنان 1967 و أظن انه من غلط الناسخ و الصحيح ناراهما كما في كنز العمال ففيه ج 4 ص 236 بالرقم 1938 عن أبى داود و الترمذي و الضياء عن جرير عن النبي (ص) أنا بريء من كل مسلم مقيم بين المشركين لا تراءى ناراهما.

قلت و للشريف الرضى (قدّس سرّه) في ص 170 من المجازات النبوية في شرح الحديث بيان يعجبنا نقله بعين عبارته قال (قدّس سرّه):

و من ذلك قوله (عليه السلام) «أنا بريء من كل مسلم مع مشرك، قيل: و لم يا رسول اللّه؟

قال لا تراءى ناراهما» و هذه استعارة و قد قيل في ترائي النارين قولان أحدهما أن يكون المراد أن المسلم لا ينبغي له أن يساكن المشرك في بلد فيكون منه بحيث إذا أوقد كل واحد منهما نارا رآه الأخر، فجعل الترائي للنارين و هو في الحقيقة للموقدين، و الأصل في ذلك المداناة و المقابلة يقول القائل دور فلان تتناظر أى تتدانى و تتقابل، و يقولون للمسترشد إذا أخذت في طريق كذا فنظر إليك الجبل فخذ عن يمينه أو عن يساره: و المراد إذا قابلك الجبل فنظرت اليه فجعلوا النظر له لأنهم أقاموا الجبل مقام الرئية الناظرة و الرفيق المساير و قال الشاعر:

سل الدار من جنبي حبر فواهب * * * الى ما رأى هضب القليب المضيح

حبر بكسرتين و تشديد الراء و واهب جبلان في ديار سليم انظر معجم البلدان ج 2 ص 212 و ج 5 ص 356 ط بيروت و في الموضعين ذكر هذا البيت و في اللسان ج 14 ص 200 جير فواحف مكان حبر فواهب، و هما أيضا موضعان، و هضب القليب و المضيح موضعان متقاربان فجعلهما لتجاذبهما كأنهما يترائيان، و مثله قول الأخر: «حيث نرى الدير و المنار.

(أقول و في غريب الحديث لأبي عبيد التمثيل لهذا الوجه أيضا بقوله تعالى وَ إِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدىٰ لٰا يَسْمَعُوا وَ تَرٰاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَ هُمْ لٰا يُبْصِرُونَ).

و الوجه الأخر أن يكون المراد هاهنا نار الحرب، لأنهم يكنون عن الحرب بالنار لما فيها من رهج المصاع و وهج القراع، و من ذلك قول الشاعر:

هما حيان يصطليان حربا * * * رداء الموت بينهما جديدا

و على هذا المعنى جاء التنزيل بقوله «كُلَّمٰا أَوْقَدُوا نٰاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّٰهُ» فكأنه (عليه السلام) قال و ناراهما مختلفان، أى حرباهما متباينان: هذه تدعو إلى الهدي و الرشاد، و هذه تدعو الى العمى و الضلال.

و قد يجوز في ذلك عندي وجه آخر و هو أن يكون المراد لا يجتمع سرباهما و لا يختلط سرحاهما، و النار عندهم اسم لسمات الإبل يقولون على هذا الإبل نار بنى فلان أى وسمهم، و على هذا قول بعض خراب الإبل في ذكر أذواد استلبها و أراد عرضتها ليبيعها.

يسألني الباعة ما نجارها * * * إذ زعزعوها قسمت إبصارها

فكل دار لأناس دارها * * * و كل نار العالمين نارها

(أقول ضبط هذا البيت في اللسان ج 5 ص 243 ط بيروت هكذا:

نجار كل إبل نجارها * * * و نار إبل العالمين نارها

) أي هي مأخوذة من قبائل شتى فوسمها غير مشقة و نجارها غير متفق، و هذا الوجه يعود الى معنى الوجه الأول، لأن المراد ان المسلم و المشرك لا يجوز اجتماعهما في دار حتى يجتمع أذوادها في الريحى و أورادها في الورد، فقوله (عليه السلام) على هذا الوجه لا يتراءى ناراهما: أى لا يختلط و سماهما.

و أما الحديث الأخر و هو قوله (عليه السلام) «لا تستضيئوا بنار أهل الشرك» فقيل ان المراد لا تستشيروهم في أموركم فتعملوا بآرائهم، فترجعوا إلى أقوالهم و هذا أيضا مجاز آخر، لانه (عليه السلام) شبه الاسترشاد بالرأي بالاستضواء بالنار إذ كان فعله كفعلها في تبيين المبهم و تنوير المظلم انتهى كلام الشريف الرضى (قدّس سرّه).

و أخرج الحديث مثل ما نقله الشريف الرضى ابن الأثير في النهاية كلمة (رأى) و ابن منظور في اللسان ج 14 ص 300 ط بيروت و أبو عبيد القاسم بن سلام في غريب الحديث ج 2 ص 88 و في الأخير: و يقال ان أول هذا أن قوما من أهل مكة أسلموا و كانوا مقيمين بها على إسلامهم قبل فتح مكة، فقال النبي (ص) هذه المقالة فيهم ثم صارت للعامة انتهى.

ثم الترائي تفاعل من الرؤية يقال ترائي القوم إذا رأى بعضهم بعضا، و ترائينا فلانا أى تلاقينا فرأيته و رآني، و الأصل في تراءى تتراءى فحذفت احدى التائين تخفيفا.

ثم في اللسان نقل الوجه الأخير الذي بينه الرضى عن أبى الهيثم ففيه: و قال أبو الهيثم في قوله لا تراءى ناراهما: أى لا يتسم المسلم بسمة المشرك و لا يتشبه به في هديه و لا يتخلق بأخلاقه من قولك ما نار بعيرك أى ما سمة بعيرك انتهى.

354

كلّ مسلم نزل مع مشرك في دار الحرب.

و قد ظهر ممّا ذكرناه أنّ الأرض الّتي لا يتمكّن فيها من شعائر الإيمان بهذه المثابة في وجوب المهاجرة، و إلى ذلك نظر الشّهيد (رحمه اللّه) فحكم بوجوب الفرار من بلد التقيّة، و لا يرد أنّ الأخبار مشحونة بجواز التقية بل وجوبها، و على تقدير وجوب

355

المهاجرة لا وجه لذلك، و من ثمّ لم يشترطوا عدم المندوحة فيما ورد فيه النصّ بخصوصه للتقيّة، كالتكتّف و غسل الرّجلين و نحوهما، لأنّ ذلك مع عدم التمكّن من المهاجرة كما دلّت عليه الآية الثانية أو على تقدير حصوله في ذلك الموضع، و في صحيحة محمّد بن مسلم السابقة دلالة على ذلك أيضا.

356

و قد قطع اللّه العذر في المهاجرة عن بلاد لا يتمكّن فيها من شعائر الدّين في مواضع من القرآن:

منها قوله يٰا عِبٰادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وٰاسِعَةٌ فَإِيّٰايَ فَاعْبُدُونِ (1) قال الطبرسيّ في مجمع البيان (2) بيّن تعالى أنّه لا عذر في ترك طاعته فقال يا عبادي الآية فاهربوا

____________

(1) العنكبوت: 56.

(2) انظر المجمع ج 4 ص 29 و حديث أبى عبد اللّه إذا عصى اللّه في أرض إلخ أيضا مروي فيه.

357

من أرض يمنعكم أهلها من الإيمان و الإخلاص في عبادتي، و قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) معناه إذا عصي اللّه في أرض و أنت فيها فاخرج منها إلى غيرها.

و نقل في الكشاف (1) قولا بأنّها نزلت في المستضعفين بمكّة الّذين نزل فيهم أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّٰهِ وٰاسِعَةً فَتُهٰاجِرُوا فِيهٰا (2) و إنّما كان ذلك لانّ أمر دينهم ما كان يستتبّ لهم بين ظهراني الكفرة.

و قال تعالى وَ مَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهٰاجِراً إِلَى اللّٰهِ وَ رَسُولِهِ (3) طالبا لمرضاته «ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ» بالجزم عطفا على مدخول الشرط، و قرئ مرفوعا على أنّه خبر مبتدأ محذوف أي ثمّ هو يدركه، و منصوبا على إضمار أن كقوله:

و ألحق بالحجاز فأستريحا «فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللّٰهِ» فقد وجب ثوابه عليه، و حقيقة الوجوب الوقوع و السقوط، و فيها دلالة على أنّ العمل يوجب الثواب فيكون مستحقّا على اللّه تعالى كما يذهب إليه أصحابنا و المعتزلة.

[بيانه أنّ الأجر عبارة عن المنفعة المستحقّة فأمّا الّذي لا يكون مستحقّا لا يسمّى أجرا بل هبة] (4) و أجاب الأشاعرة بأنّ الثواب يقع البتّة، لكن بحكم العدل و التفضّل و الكرم لا بحكم الاستحقاق، و المعنى فقد علم اللّه كيف يثيبه و فيه تأمّل.

«وَ كٰانَ اللّٰهُ غَفُوراً رَحِيماً» يغفر ذنوب عباده و يرحمهم، قيل إنّها نزلت في جندب بن ضمرة (5) و ذلك لأنّه لمّا نزلت الآية السّابقة أعني قوله

____________

(1) انظر الكشاف ج 3 ص 461 ط دار الكتاب العربي.

(2) النساء: 99.

(3) النساء: 101.

(4) من زيادات سن.

(5) المجمع ج 2 ص 100 و فيه جندع أو جندب بن ضمرة، و انظر أيضا الدر المنثور ج 2 ص 208 و اسد الغابة ج 1 ص 303 و الاستيعاب ذيل الإصابة ج 1 ص 219 و الإصابة ج 1 ص 253 الرقم 1233 و فيه البحث عن اختلاف اسمه مبسوطا.

358

«إِنَّ الَّذِينَ تَوَفّٰاهُمُ الْمَلٰائِكَةُ» الآية و «إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجٰالِ» الآية بعث بها النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) إلى مسلمي مكّة فقال جندب بن ضمرة لبنيه: احملوني فإنّي لست من المستضعفين، و إنّى لأهتدى الطّريق، و اللّه لا أبيت اللّيلة بمكّة، فحملوه على سرير متوجّها إلى المدينة و كان شيخا كبيرا، فلمّا بلغ التنعيم أدركه الموت، فأخذ يصفّق بيمينه على شماله ثمّ قال: اللّهمّ هذه لك و هذه لرسولك، أبايعك على ما بايعك عليه رسولك، فمات حميدا.

فبلغ خبره أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقالوا: لو توفّى بالمدينة لكان أتمّ أجرا و قال المشركون و هم يضحكون ما أدرك هذا ما طلب، فنزلت.

و فيها دلالة على أنّ كلّ هجرة لغرض دينيّ من طلب علم أو حجّ أو جهاد أو فرار إلى بلد يزداد فيه طاعة أو قناعة أو زهدا في الدّنيا أو ابتغاء رزق طيّب فهي هجرة إلى اللّه و رسوله، و إن أدركه الموت في طريقه فأجره واقع على اللّه، إذ الظاهر أنّ المراد من الهجرة إلى اللّه و رسوله طلب مرضاته كما يقتضيه ظاهر الإضافة.

و روى العيّاشيّ بإسناده (1) عن محمّد بن أبي عمير قال: لمّا مات جعفر الصادق (عليه السلام) وجّه زرارة ابنه عبيدا إلى المدينة يستخبر له عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) فمات قبل أن يرجع إليه عبيد ابنه، قال محمّد بن أبي عمير: حدّثني محمّد بن حكيم قال ذكرت لأبي الحسن موسى (عليه السلام) زرارة و توجيهه ابنه عبيدا إلى المدينة فقال (عليه السلام) إنّى لأرجو أن يكون زرارة بن أعين ممّن قال اللّه تعالى وَ مَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهٰاجِراً إِلَى اللّٰهِ وَ رَسُولِهِ الآية.

و كذا يندرج في ذلك الخروج إلى زيارة الأئمّة (صلوات اللّه عليهم)، بل زيارة الإخوان في اللّه، بل الذّهاب إلى صلة الرّحم، و نحوه ممّا أمر الشّارع به من الطّاعات.

____________

(1) العياشي ج 1 ص 280 الرقم 253 و عنه المجمع ج 2 ص 100 و البرهان ج 1 ص 409 و نور الثقلين ج 1 ص 449 بالرقم 526.

359

و استدلّ بعض الفقهاء بظاهر الآية على أنّ الغازي إذا مات في الطريق وجب سهمه في الغنيمة كما وجب أجره، و فيه أنّ استحقاق السّهم من الغنيمة يتوقّف على حيازتها بخلاف الأجر.

السابعة:

[يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَ صٰابِرُوا وَ رٰابِطُوا وَ اتَّقُوا اللّٰهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] (1).

يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا على الدّين و مشاقّ الطّاعات، و ما يصيبكم من الشدائد «وَ صٰابِرُوا» و غالبوا أعداء اللّه في الصبر على شدائد الحرب، لا تكونوا أقلّ صبرا و ثباتا منهم، و المصابرة باب من الصبر ذكره بعده تخصيصا لشدّته و صعوبته «وَ رٰابِطُوا» و أقيموا في الثغور رابطين خيلكم فيها مترصّدين مستعدّين للغزو، و أصل الرّباط ارتباط الخيل للعدوّ قال اللّه تعالى وَ مِنْ رِبٰاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللّٰهِ وَ عَدُوَّكُمْ (2) و في الشّرع معناه الإقامة عند الثغر لحفظ المسلمين، و إن لم يكن له خيل، و فيها دلالة على الحثّ على المرابطة في الثغور كما قاله الفقهاء و حكموا بأنّ فيه فضلا كثيرا و ثوابا جزيلا.

و في الحديث عنه (3) (صلى اللّه عليه و آله و سلم): من رابط يوما و ليلة في سبيل اللّه كان كعدل صيام شهر و قيامه لا يفطر و لا ينفتل عن صلوته إلّا لحاجة، و روى (4) سلمان قال: سمعت

____________

(1) آل عمران: 200.

(2) الأنفال: 62.

(3) انظر مضمون الحديث في الدر المنثور ج 2 ص 114 و كنز العمال ج 4 من ص 195 الى ص 201 و مستدرك الوسائل ج 2 ص 246 و لفظ المصنف في الكشاف عند تفسير آخر سورة آل عمران، و في النسائي ج 6 ص 39 و البيهقي ج 9 ص 38 و المستدرك للحاكم ج 2 ص 80 و أقره الذهبي أيضا في التلخيص و نقله هكذا أيضا في مستدرك الوسائل عن غوالي اللآلي.

(4) الدر المنثور ج 2 ص 114 أخرجه عن احمد و مسلم و الترمذي و النسائي و الطبراني و البيهقي عن سلمان.

360

رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول رباط ليلة في سبيل اللّه خير من صيام شهر و قيامه، فان مات جرى عليه عمله الّذي كان يعمل، و أجرى عليه رزقه، و أمن الفتّان، و عن فضالة بن عبيد (1) أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) قال: كلّ ميّت يختم على عمله إلّا المرابط في سبيل اللّه، فإنّه ينمو له عمله إلى يوم القيمة، و يؤمن من فتّان الفتن و نحوهما.

و نقل في مجمع البيان (2) قولا بأنّ المراد رابطوا الصّلوات أي انتظروها واحدة بعد واحدة، لأنّ المرابطة المعهودة لم يكن حينئذ، قال و روى ذلك عن عليّ (عليه السلام) و عن جابر بن عبد اللّه و أبى سلمة بن عبد الرّحمن أنّه قال لم يكن في زمن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) غزو يربط فيه، و لكن انتظار الصّلوة خلف الصّلوة.

فإن ثبت ذلك كانت الآية غير دالّة على استحباب المرابطة، و تكون الدّلالة عليها من غيرها، و إلّا فالظّاهر انصراف الرباط إلى المعهود، و قد روى عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه سئل عن أفضل الأعمال، فقال إسباغ الوضوء في السّبرات و نقل الأقدام إلى الجماعات، و انتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرّباط (3).

____________

(1) الدر المنثور ج 2 ص 114 أخرجه عن أحمد و أبى داود و الترمذي و صححه و ابن حبان و الحاكم و صححه و البيهقي في الشعب عن فضالة بن عبيد قلت و هو في المستدرك ج 2 ص 144.

(2) المجمع ج 1 ص 562.

(3) لم أظفر الى الان على الحديث بالوجه الذي نقله المصنف ففي أخبار الشيعة كون الثلاثة من الكفارات و ليس فيها ذكر كونها من الرباط إلا في المروي عن دعائم الإسلام، و هو في ط مصر 1383 في ج 1 ص 100 و نقله عنه في المستدرك ج 1 ص 51 و ليس في واحد من أخبارهم كونها أفضل الأعمال، نعم في دعائم الإسلام كونها مما اختصم فيه الملإ الأعلى، انظر في ذلك جامع أحاديث الشيعة ج 1 من ص 92 الى ص 94.

و اما أخبار أهل السنة ففيها أيضا كون الثلاثة من الكفارات و في مجمع الزوائد ج 1 ص 237 انها مما اختصم فيها الملإ الأعلى و في أكثرها كونها من الرباط و ليس فيها ذكر كونها من أفضل الأعمال، انظر في ذلك شرح النووي على صحيح مسلم ج 3 ص 41 أو سنن البيهقي ج 1 ص 82 و سنن ابن ماجة ص 148 و سنن الدارمي ج 1 ص 177 و تفسير الخازن ج 1 ص 312 و تفسير ابن كثير ج 1 ص 444 و تفسير الطبري ج 4 ص 222 و الدر المنثور ج 2 ص 114.

ثم اللفظ في أخبار الشيعة أكثرها إسباغ الوضوء في السبرات، و في أخبار أهل السنة إسباغ الوضوء عند المكاره، أو على المكاره، إلا في الرقم 3472 من الجامع الصغير ج 3 ص 307 فيض القدير ففيه إسباغ الوضوء في السبرات، و كذا في مجمع الزوائد ج 1 ص 237.

و السبرات جمع سبرة بسكون الموحدة و هي شدة البرد كسجدة و سجدات.

361

«وَ اتَّقُوا اللّٰهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» و اتّقوه بالتبرّي عمّا سواه لكي تفلحوا بنعيم الأبد أو اتّقوا القبائح لكي تفوزوا بنيل المقامات الثلاث المترتّبة الّتي هي الصّبر على مضض الطّاعات، و مصابرة النفس في رفض العادات، و مرابطة البرّ على جناب الحقّ لترصّد الواردات المعبّر عنها بالشريعة و الطريقة و الحقيقة.

أو اتّقوا اللّه بلزوم أمره و اجتناب نهيه، لكي تظفروا و تفوزوا بنيل المنية و درك البغية، و الوصول إلى النجح في الطلبة، و ذلك حقيقة الفلاح، و في مجمع البيان أنّ هذه الآية يتضمّن جميع ما يتناوله التكليف، لأنّ قوله «اصْبِرُوا» يتناول لزوم العبادات، و تجنّب المحرّمات «وَ صٰابِرُوا» يتناول ما يتّصل بالغير كمجاهدة الجنّ و الانس و ما هو أعظم منها جهاد النفس «وَ رٰابِطُوا» يدخل فيه الدفاع عن المسلمين و الذبّ عن الدين «وَ اتَّقُوا اللّٰهَ» يتناول الانتهاء عن جميع المناهي و الزّواجر، و الائتمار بجميع الأوامر، ثمّ يتبع جميع ذلك الفلاح و النّجاح.

362

النوع الرابع (في قتال أهل البغي)

و فيه آية واحدة و هي:

[وَ إِنْ طٰائِفَتٰانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمٰا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدٰاهُمٰا عَلَى الْأُخْرىٰ فَقٰاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّٰى تَفِيءَ إِلىٰ أَمْرِ اللّٰهِ فَإِنْ فٰاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمٰا بِالْعَدْلِ وَ أَقْسِطُوا إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ] (1).

وَ إِنْ طٰائِفَتٰانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا الجمع و التذكير من حيث المعنى لأنّ الطائفتين في معنى القوم و النّاس فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمٰا بالنصيحة و الطلب إلى حكم اللّه و شريعة رسوله، و مقتضى الأمر وجوب البدء بالإصلاح قبل البدء بالقتال فلا يجب إلّا بعد البعث إليهم، و السؤال عن سبب خروجهم، و إيضاح ما عرض لهم من الشبهة.

و قد جرى ذلك من عليّ (عليه السلام) (2) لما أراد قتال الخوارج حيث بعث إليهم ابن عبّاس و بيّن لهم الجواب عن الشبهة الّتي كانت معهم فرجع منهم قوم و بقي على البغي آخرون، فقاتلهم حتّى قتلهم.

و قد يستفاد من ذلك أنّهم لو خرجوا من غير شبهة لم يكن حكمهم ذلك و قد حكم أصحابنا بأنّهم لو كانوا كذلك فهم قطّاع الطّريق و حكمهم حكم المحاربين.

فَإِنْ بَغَتْ إِحْدٰاهُمٰا عَلَى الْأُخْرىٰ تعدّت عليها و طلبت ما لا يجوز لها فَقٰاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي و تعتدي بالظلم حَتّٰى تَفِيءَ إِلىٰ أَمْرِ اللّٰهِ حتّى ترجع إلى طاعته، و تتوب عن المعصية الّتي صدرت عنها، و في الآية دلالة على أنّ غاية وجوب القتال هو الرّجوع إلى الطاعة بتوبة أو غيرها، و مقتضى ذلك التحريم بعدها، و هو كذلك إجماعا

____________

(1) الحجرات: 10.

(2) انظر التفصيل في البحار ج 8 من ص 600 الى ص 619 ط كمپانى.

363

و في أخبارنا دلالة عليه أيضا.

روى الشيخ (1) عن أبي البختريّ عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) قال: قال عليّ (عليه السلام) القتال قتالان قتال لأهل الشرك لا ينفر عنهم حتّى يسلموا أو يؤدّوا الجزية و قتال لأهل الزيغ لا ينفر عنهم حتّى يفيئوا إلى أمر اللّه أو يقتلوا، و مقتضى الأمر بالقتال أنّه لا إثم على القاتل، و لا ضمان مال و لا كفّارة، لأنّه امتثل الأمر و قتل مباح الدّم و لأنّهم إذا لم يضمنوا الأنفس فالأموال أولى بعدم الضّمان.

«فَإِنْ فٰاءَتْ» رجعت، و تابت و أقلعت و أنابت إلى طاعة اللّه «فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمٰا» يعنى بينها و بين الطّائفة الّتي على الحقّ و لم تخرج عنه «بِالْعَدْلِ» أي لا تميلوا على واحد منهما «وَ أَقْسِطُوا» أي اعدلوا في كلّ الأمور «إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ» أي العادلين يقال أقسط إذا عدل، و قسط إذا جار، قال تعالى وَ أَمَّا الْقٰاسِطُونَ فَكٰانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً (2).

و استدلّ بعض العامّة بها على أنّ الصّلح إذا وقع بينهم فلا تبعة على أهل البغي في نفس و لا مال لأنّه ذكر الصّلح آخرا كما ذكره أولا، و لم يذكر تبعة، فلو كانت واجبة لذكرها، و هو بعيد لأنّ قوله تعالى وَ أَقْسِطُوا دالّ على التبعة، فإنّ القسط هو العدل، و إنّما يتمّ العدل بإعادة ما أخذوه من مال أو عوض عن نفس.

سلّمنا أنّ الآية لا تدلّ عليه و حينئذ فلا مانع من الدّلالة عليه بأمر خارج عنها، و قد انعقد إجماعنا على تضمين أهل البغي ما أتلفوه على أهل العدل من نفس أو مال، و يدلّ عليه ظاهر قوله تعالى وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنٰا لِوَلِيِّهِ سُلْطٰاناً (3) و نحوها.

____________

(1) التهذيب ج 6 ص 144 الرقم 247 و هو في الوافي الجزء التاسع ص 11 و الوسائل الباب 26 من أبواب وجوب الجهاد الحديث 11 ج 2 ص 427 ط الأميري.

(2) الجن: 15.

(3) أسرى: 33.

364

و في الآية دلالة على وجوب قتال الفئة الباغية و هي عندنا الطائفة الخارجة عن طاعة الإمام المعصوم لشبهة عرضت لهم، و الأكثر من أصحابنا على أنّهم كفّار يجب قتالهم بمقتضى الأمر كما يجب قتال المشركين.

و ما قيل إنّ الآية دالّة على أنّ الطائفة الباغية مؤمنة فضعيف، إذ الآية لا تدلّ على أنّها بعد البغي على الايمان، و يطلق عليها هذا الاسم حقيقة، بل التسمية على المجاز بناء على الظاهر أو بناء على ما كانوا عليه، و هل ذلك إلا مثل قوله تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ (1) و المرتدّ ليس بمؤمن اتّفاقا، و نحو ذلك أن يقول «إن طائفة من المؤمنين ارتدّت عن الإسلام فاقتلوها» و هي بعد الارتداد كافرة قطعا.

أو تكون التسمية بناء على ما يعتقدونه كما في قوله تعالى وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكٰارِهُونَ يُجٰادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مٰا تَبَيَّنَ الآية (2) و هذه صفة المنافقين إجماعا.

و لكن يفرّق بينهم و بين الكفّار في أنّهم لا يغنم أموالهم بعد تقضّي الحرب و لا تسبى نساؤهم و ذراريهم بالإجماع، و لو تركوا الحرب تركوا، و لو انهزموا لم يتبعوا، بل يقتصر على تفريقهم، و اختلال جمعهم، نعم لو كان لهم فئة يرجعون إليها اتّبع مدبرهم و أجهز جريحهم، و قتل أسيرهم بإجماع أصحابنا، و قد روي الكلينيّ بسنده (3) عن حفص بن غياث قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن طائفتين من

____________

(1) البقرة: 217.

(2) الأنفال: 6.

(3) الكافي ج 1 ص 336 الباب 10 من أبواب وجوه الجهاد الحديث 2 و هو في المرآة ج 3 ص 373 و رواه في التهذيب ج 6 ص 144 بالرقم 246 و اللفظ في التهذيب «و لا يجيزوا على جريح» مكان «و لا يجهزوا على جريح» قال في الوافي الجزء التاسع ص 18 بعد نقله الحديث:

بيان: الإجازة على الجريح إثبات قتله و الإسراع فيه و الإتمام كالاجهاز.

و الحديث في الوسائل الباب 23 من أبواب وجوب الجهاد الحديث 1 ج 2 ص 426 ط الأميري و للحديث تتمة لم يذكرها المصنف.

365

المؤمنين إحداهما باغية و الأخرى عادلة فهزمت العادلة الباغية فقال ليس لأهل العدل أن يتبعوا مدبرا و لا يقتلوا أسيرا و لا يجهزوا على جريح، و هذا إذا لم يبق من أهل البغي أحد، و لم يكن لهم فئة يرجعون إليها، فإذا كان لهم فئة يرجعون إليها فإنّ أسيرهم يقتل و مدبرهم يتبع، و جريحهم يجهز عليه.

هذا و قد استفاد بعضهم من الآية أنّ من كان عليه حقّ فمنعه بعد المطالبة به حلّ قتاله لأنّه تعالى أوجب قتال هؤلاء البغاة لمنع حقّ، فكلّ من منع حقّا وجب قتاله عملا بالعلّة الثّابتة علّيّتها بالمناسبة.

قال العلّامة في المنتهى (1): و هذا ليس بصحيح لأنّ الحقوق تتفاوت فأعظمها حقّ الإمام في التزام الطّاعة الّذي به يتمّ نظام نوع الإنسان، فلا يلزم من وجوب المحاربة على تفويت أعظم الحقوق، وجوبها على تفويت أدناها، و لأنّ هذا خطاب للأئمّة دون آحاد الأمة انتهى كلامه، و هو جيّد، و لتفصيل أحكام البغاة بحث يطول فليطلب من محلّه.

و ممّا يتعلّق بذلك قوله تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ (2) قرأه على الأصل نافع و ابن عامر، و الباقون بدال مشدّدة «فَسَوْفَ يَأْتِي اللّٰهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ» محبّة اللّه تعالى للعباد أن يثيبهم أحسن الثواب على طاعتهم، و يعظمهم و يثني عليهم، و يرضى عنهم، و محبّة العباد للّه تعالى إرادة طاعته و ابتغاء مرضاته، و أن لا يفعلوا ما يوجب سخطه و عقابه.

«أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ» عاطفين عليهم متذلّلين من الذّل الّذي هو اللّين لا من الذلّ

____________

(1) المنتهى ج 2 ص 983.

(2) المائدة: 54.

366

بمعنى الهوان، و دخول «على» لتضمين معنى العطف، أو للتنبيه على أنّهم مع ذلك حافظون للمؤمنين و حاكمون عليهم، و هم في حمايتهم، أو لمقابلة «أَعِزَّةٍ عَلَى الْكٰافِرِينَ» شداد غالبين عليهم من عزّه إذا غلبه.

«يُجٰاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ» صفة أخرى لقوم أو حال من الضّمير في أعزّة «وَ لٰا يَخٰافُونَ لَوْمَةَ لٰائِمٍ» عطف على يجاهدون، و المعنى أنّهم جامعون بين المجاهدة في سبيل اللّه و التصلّب في الدين، و يحتمل أن يكون للحال أي يجاهدون و حالهم في المجاهدة خلاف حال المنافقين، حيث يخافون لومة أوليائهم و في وحدة اللّوم و تنكير اللّائم مبالغتان كأنّه قيل لا يخافون شيئا قطّ من لوم أحد اللّوّام.

«ذٰلِكَ» إشارة إلى ما تقدّم من الأوصاف «فَضْلُ اللّٰهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشٰاءُ» و فيه تنبيه على أنّ الأوصاف المذكورة عطيّة من اللّه و فضله، لا يمكن تحصيلها بالكسب من غير فضله و لطفه «وَ اللّٰهُ وٰاسِعٌ» كثير الفضل «عَلِيمٌ» بمواقع الأشياء يعرف استحقاق كلّ أحد لأيّ مقدار من الفضل و الانعام.

و قد اتّفق المفسّرون على أنّ الارتداد المذكور من الكائنات الّتي أخبر اللّه تعالى عنها قبل وقوعها، و اختلفوا فيمن وصف بهذه الأوصاف، فقيل: هم أبو بكر و أصحابه الّذين قاتلوا أهل الردّة، و قيل هم الأنصار و قيل هم أهل اليمن، و قيل هم الفرس و الّذي يذهب إليه أصحابنا أنّهم أمير المؤمنين علىّ بن أبي طالب (عليه السلام) و أصحابه (1)

____________

(1) و قد أفصح عن ذلك بأتم وجه القاضي نور اللّه الشهيد في إحقاق الحق ج 3 من ص 197 الى ص 243 و الشيخ حسن المظفر في دلائل الصدق ج 2 من ص 121 الى ص 126 و عقد السيد البحراني الباب 75 و 76 من غاية المرام في ذلك انظر ص 374.

قال الإمام الرازي في ج 12 ص 20 عند تفسير الآية: و قال قوم انها نزلت في على و يدل عليه وجهان: الأول انه (عليه السلام) لما دفع الراية الى على (عليه السلام) يوم خيبر قال:

لا دفعن الراية غدا الى رجل يحب اللّه و رسوله و يحبه اللّه و رسوله و هذا هو الصفة المذكورة في الآية.

و الوجه الثاني أنه تعالى ذكر بعد هذه الآية قوله إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلٰاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ وَ هُمْ رٰاكِعُونَ و هذه الآية في حق على فكان الاولى جعل ما قبلها أيضا في حقه انتهى.

367

حين قاتلوا الناكثين و القاسطين و المارقين، و هم أعظم أهل الارتداد.

روى ذلك عن عمّار و حذيفة و ابن عبّاس و جماعة من الصّحابة (1) و رواه أصحابنا (2) عن الباقر و الصّادق (عليهما السلام) و قد اشتهر (3) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال يوم البصرة:

و اللّه ما قوتلت أهل هذه الآية حتّى اليوم، و تلا هذه الآية، و يؤيّد ذلك أنّه تعالى وصف من عناه بهذه الآية بأوصاف وجدنا أمير المؤمنين (عليه السلام) مستكملا لها بالإجماع لأنّه تعالى وصفهم بأنّه يحبّهم و يحبّونه، و قد شهد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لأمير المؤمنين (4) علىّ (عليه السلام) بما يوافق ذلك في قوله، و قد ندبه لفتح خيبر بعد فرار من فرّ منها «لأعطينّ الرّاية غدا رجلا يحبّ اللّه و رسوله، و يحبّه اللّه و رسوله، كرّار غير فرّار، لا يرجع حتّى يفتح، و دفعها إلى علىّ (عليه السلام) دون غيره.

و أمّا الوصف باللّين على أهل الايمان و الشدّة على الكفّار، و الجهاد في سبيل اللّه مع عدم الخوف من لومة لائم، فهي أوصاف لم ير لأحد حظّا من اجتماعها فيه، لما ظهر من شدّته على أهل الكفر، و نكايته فيهم، بحيث يقصر كلّ مجاهد عن منزلته، و لا يراد من العزّة على الكافرين سوى قتالهم و جهادهم و الانتقام منهم

____________

(1) المجمع ج 2 ص 208.

(2) المجمع ج 2 ص 208.

(3) المجمع ج 2 ص 208.

(4) حديث إعطاء الراية و قول النبي (ص) قبله لأعطين إلخ لعله يعد من المتواترات و قد عقد السيد البحراني الباب التاسع و العاشر من الأحاديث الواردة في فضل على (عليه السلام) من كتابه غاية المرام من ص 465 الى ص 471 في ذلك و روى 35 حديثا من طرق العامة و ثلاثة أحاديث من طريق الخاصة ثم قال في آخره: أقول: نقتصر في هذا الباب من طريق الخاصة على هذا القليل مخافة الإطالة، و الكثرة من رواية الخصم فيه كفاية ان شاء اللّه تعالى مع تواتر الخبر في القصة من طريق العامة و الخاصة انتهى.

و انظر أيضا تعليقات آية اللّه المرعشي مد ظله على إحقاق الحق ج 5 من ص 364 الى ص 468 فيه طرق الحديث من كتب أهل السنة.

368

و ظاهر انتفاء ذلك عن أبى بكر إجماعا، إذ لا قتيل له في الإسلام، و لا جهاد بين يدي الرّسول، و لم يقارب أحد رتبة أمير المؤمنين علىّ (عليه السلام) و رأفته بالمؤمنين، و تواضعه معهم مشهور حتّى أنّه لم ير قطّ طائشا و لا مستطيرا في حال من الأحوال و قد نسب إلى الدّعابة لكثرة تواضعه (1) و قالوا إنه كان فينا كأحدنا في زمن خلافته و يمشي في سوق الكوفة و يقول خلّوا سبيل المؤمن المجاهد في سبيل اللّه، و معلوم حال أبى بكر في الطيش و الغضب حتّى اعترف طوعا بأنّ له شيطانا يعتريه عند غضبه.

____________

(1) و قد شكى نفسه (عليه السلام) في الخطبة 82 من نهج البلاغة و قال: عجبا لابن النابغة يزعم لأهل الشام ان في دعابة إلى آخر الخطبة، و قال ابن أبى الحديد في ص 326 ج 6 من شرحه ط دار احياء الكتب العربية عيسى البابى الحلبي و شركائه: فاصل ذلك كلمة قالها عمر فتلقفها حتى جعلها أعداؤه عيبا له و طعنا عليه ثم استند في ذلك الى رواية أحمد بن يحيى ثعلب في أماليه إلى آخر ما ذكره، ثم اعتذر في ص 327 عن جانب عمر بأن عمر لما كان شديد الغلظة و الجانب خشن الملمس دائم العبوس، كان يعتقد ان ذلك الفضيلة، و ان خلافه نقص، و لو كان سهلا طلقا مطبوعا على البشاشة، و سماحة الخلق لكان يعتقد أن ذلك الفضيلة، و ان خلافه نقص حتى لو قدرنا أن خلقه حاصل لعلى و خلق على حاصل له لقال في على لو لا شراسة فيه.

ثم قال في ص 328: و أنت إذا تأملت حال على (عليه السلام) في أيام رسول اللّه وجدته بعيدا عن ان ينسب إلى الدعابة و المزاح لانه لم ينقل عنه شيء من ذلك أصلا لا في كتب الشيعة و لا في كتب المحدثين و كذلك إذا تأملت حاله في أيام الخليفتين ابى بكر و عمر لم تجد في كتب السيرة حديثا واحدا يمكن ان يتعلق به متعلق في دعابته و مزاحه.

الى ان قال في ص 329: و لقد صدق (عليه السلام) في قوله «اننى ليمنعني من اللعب ذكر الموت» الى ان قال: فغير منكر ان يعيب عليا (عليه السلام) عمرو بن العاص و أمثاله من أعدائه بما إذا تأمله المتأمل علم انهم باعتمادهم عليه و تعلقهم به قد اجتهدوا في مدحه و الثناء عليه لأنهم لو وجدوا عيبا غير ذلك لذكروه انتهى.

و قال الشارح الخويي (قدّس سرّه) في ص 88 ج 6 ط الإسلامية بعد نقله كلام ابن ابى الحديد هذا: أقول لعله الى ذلك ينظر الشاعر في قوله:

و إذا أتتك مذمتي من ناقص * * * فهي الشهادة لي بأني كامل

ثم قال و لعمري انه لا بيان فوق ما اتى به الشارح من البيان في توضيح براءة ساحته مما قاله ابن العاص في حقه من الكذب و البهتان، الا أنه لو أنصف لعلم ان كل الصيد في جوف الفراء، و ان أول من فتح أمثال ذلك الباب لابن العاص و نظرائه هو عمر بن الخطاب، إذ هو أول من صدر عنه هذه اللفظة فحذا ابن العاص حذوه انتهى.

369

و ممّا يؤكّد ذلك إنذار رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) (1) قريشا بقتال عليّ (عليه السلام) لهم من بعده حيث جاء سهل بن عمرو في جماعة منهم فقالوا له يا محمّد إنّ أرقّاءنا لحقوا بك فارددهم علينا.

فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) لتنتهنّ معاشر قريش أو ليبعثنّ اللّه عليكم رجلا يضربكم

____________

(1) حديث إنذار رسول اللّه الناس بعلى عند ما كان علىّ يخصف النعل و انه يقاتل على تأويل القرآن مشهور مستفيض و قد عقد السيد البحراني الباب الخامس و مائة و السادس و مائة من كتاب غاية المرام ص 651 و ص 652 لذلك، و روى من طريق العامة تسعة أحاديث و من طريق الخاصة حديثين، و سرد آية اللّه المرعشي مد ظله في ملحقات إحقاق الحق ج 6 من ص 24 الى ص 37 أحاديث من كتب أهل السنة.

و روى الحديث بالوجه الذي ذكره المصنف في غاية المرام من طرق أهل السنة عن مسند أحمد بإسناده عن ربعي بن خراش عن على بن أبى طالب عليه الصلاة و السّلام و من طرق الشيعة عن محمد بن العباس بإسناده عن ربعي بن خراش عن على بن أبى طالب عليه الصلاة و السّلام.

و في الباب حديث بوجه آخر رواه العلامة المظفر في دلائل الصدق ج 2 ص 124 عن كنز العمال ج 6 ص 396 الطبعة الأولى عن أحمد و ابن جرير قال و صححه و عن سعيد بن منصور عن على (عليه السلام) قال جاء النبي (ص) أناس من قريش فقالوا: يا محمد انا جيرانك و حلفاؤك، و ان ناسا من عبيدنا قد أتوك ليس بهم رغبة في الدين و لا رغبة في الفقه، انما فروا من ضياعنا و أموالنا فارددهم إلينا، فقال لأبي بكر ما تقول قال صدقوا أنهم لجيرانك و حلفاؤك فتغير وجه رسول اللّه (ص) ثم قال لعمر ما تقول قال قد صدقوا انهم لجيرانك و حلفاؤك؟

فتغير وجه رسول اللّه (ص) فقال يا معشر قريش ليبعثن اللّه عليكم رجلا قد امتحن اللّه قلبه بالايمان فيضربكم على الدين أو يضرب بعضكم، فقال أبو بكر أنا يا رسول اللّه فقال لا قال عمر أنا يا رسول اللّه؟ قال لا، و لكنه الذي يخصف النعل، و كان أعطى عليا نعلا يخصفها انتهى الحديث.

قال آية اللّه المظفر (قدّس سرّه): و مما يستوقف الفكر و يستثير العجب قول عمر صدقوا بعد ما تغير وجه رسول اللّه (ص) من قول أبى بكر، و ما أدرى كيف استباح هو و صاحبه أن يجعلا للكافرين على المؤمنين سبيلا، و يردا من آمنوا باللّه و رسوله ملكا و خدما لمن كفر بهما، و كيف مع هذا يكونان إمامين للناس و يؤمنان على الأمة و نفوسها و أموالها انتهى.

370

على تأويل القرآن كما ضربتكم على تنزيله، فقال له بعض أصحابه من هو يا رسول اللّه أبو بكر؟ قال لا قال فعمر قال لا و لكنه خاصف النعل في الحجرة و كان علىّ (عليه السلام) يخصف نعل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم).

قال الرازي في تفسيره (1) هذه الآية من أدلّ الدّلائل على فساد مذهب الإماميّة لأنّ الّذين اتّفقوا على إمامة أبي بكر لو كانوا أنكروا نصّا جليا على إمامة عليّ (عليه السلام) لكان كلّهم مرتدّين ثمّ لجاء اللّه بقوم يحاربونهم و يردّونهم إلى الحقّ و لمّا لم يكن الأمر كذلك بل الأمر بالضدّ، فانّ فرقة الشيعة مقهورون أبدا، حصل الجزم بعدم النصّ.

و فيه نظر، فانّ مقتضى الوعد أن يكون بعد الارتداد حصل جماعة موصوفون بالصّفة المذكورة، و نحن نقول إنّهم عليّ (عليه السلام) و أصحابه، لأنّهم ظهروا بعد موت الرّسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و قاتلوا النّاكثين و القاسطين و المارقين، و غيرهم، فيكون الوعد

____________

(1) انظر ج 12 ص 20 الطبعة الأخيرة من تفسيره.

371

متحقّقا و لا يلزم استمرار ذلك في جميع أوقات الاستقبال.

و أجاب النيشابوري (1) عنه أيضا بأنّه ما يدريك أنّه تعالى لا يجيء بقوم يحاربونهم، و لعلّ المراد بخروج المهدي (عليه السلام) هو ذلك، فإنّ محاربة من دان بدين الأوائل هي محاربة الأوائل.

و هو جيّد، و يؤيّده ما ذكره عليّ بن إبراهيم في تفسيره أنّها نزلت في مهديّ الأمة عليه الصلاة و السّلام و أصحابه (2) و أوّلها خطاب لمن ظلم آل محمّد و قتلهم و غصبهم حقّهم فتأمّل.

____________

(1) انظر تفسيره المطبوع بايران ج 2 ص 28.

(2) انظر تفسيره المطبوع في 1315 ص 92 و نقله عنه في نور الثقلين ج 1 ص 532 بالرقم 247.

372

كتاب (الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر)

و فيه آيات:

الاولى:

[وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ أُولٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ]. (1)

وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ أي جماعة هي بعضكم، فمن للتبعيض [و قيل إنّها بيانيّة و المعنى كونوا أمة].

«يَدْعُونَ» لعلّ التذكير باعتبار حمل الأمّة على الجماعة من الذكور، و إن دخلت فيه النّساء تغليبا «إِلَى الْخَيْرِ» أي الدين، أو مطلق الأمور الحسنة شرعا و عقلا من المعروف و ترك المنكر، فيكون مجملا يفصّله قوله «يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ».

و في الآية دلالة على وجوب الأمر بالمعروف و النّهى عن المنكر، كما هو مقتضى الأمر، و لا خلاف بين العلماء في وجوبهما و إنّما اختلفوا في كونه على الكفاية أو الأعيان، و ظاهر الآية الأوّل (2) لدلالة «مِنْكُمْ» على أنّ المراد بعضكم فمقتضاها الوجوب على البعض.

و يؤيّده أنّه لا يصلح كلّ أحد لذلك فانّ للتّصدّى له شروطا لا يشترك فيها جميع الأمة كالعلم بالأحكام، فإنّ الجاهل ربما نهى عن معروف و أمر بمنكر و مراتب الإنكار، فإنّ الارتداع عن المنكر قد يحصل بأدنى إنكار فلا حاجة إلى

____________

(1) آل عمران: 104.

(2) و في سن: فذهب جماعة إلى الأول و احتجوا عليه بظاهر الآية لدلالة منكم إلخ.

373

الزّيادة عليه، و كيفيّة إقامتها، و التمكّن من القيام بها، و خطاب الجميع ليدلّ على أنّهم لو تركوه رأسا أثموا جميعا، و أنّه يسقط بفعل بعضهم كما في غيره من فروض الكفايات (1).

و ذهب جماعة إلى وجوبهما على الأعيان، و هو قول الشّيخ الطّوسيّ (رحمه اللّه) نظرا إلى أنّ لفظة منكم للتبيين و لتخصيص المخاطبين من بين سائر الأجناس فإنّه ما من مكلّف [مستجمع لشرائط وجوب الأمر بالمعروف و النّهي عن المنكر] إلّا و يجب عليه الأمر بالمعروف و النّهى عن المنكر إمّا بيده أو بلسانه أو بقلبه، و المعنى كونوا أمة تأمرون كقوله كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ (2) فهو كقولك فلان من أولاده جند، تريد أنّ جميع أولاده كذلك، لا بعضهم.

و قد يرجّح الأوّل بأنّ الفرض هو الردّ عن القبيح و البعث على الطّاعة ليقع المعروف و يرتفع المنكر من غير أن يكون لخصوص المكلّف في ذلك مدخل، و لأنّهما إذا وقعا من واحد كان الأمر لغيره بهما عبثا (3).

و الحقّ أنّ النزاع في ذلك كاللّفظيّ، فإنّ القائلين بالوجوب العينيّ قالوا هو و إن كان واجبا على الكلّ إلّا أنّه متى قام به البعض [قياما يترتّب عليه الأثر الّذي هو الانزجار عن فعل المنكر أو فعل المعروف، فإنّه] سقط عن الباقين كسائر فروض الكفايات، و هذا هو قول من أوجبه كفاية.

____________

(1) زاد في سن بعد ذلك: و فيه نظر إذ أقصى ما يدل عليه الآية أنهما لا يجبان على كل الأمة، فإن كل احد ليس مستجمعا لشرائط الوجوب كما قاله في توجيه الوجوب على البعض بل المستجمع للوجوب بعضهم و الكلام انما هو في الوجوب على هذا البعض كفاية أو عينا، و هو محل الخلاف بين الفريقين و ليس في الآية دلالة على شيء منهما، و من ثم ذهب جماعة إلخ.

(2) آل عمران: 110.

(3) زاد في سن: لكن يشترط في سقوط الوجوب عن الباقين ظن التأثير بالأول فلو خلى عن ظن التأثير، كان الوجوب على الباقين بحاله، و من ثم قيل ان النزاع لفظي إلخ.

374

و قد يؤيّد الوجوب كفاية ما رواه (1) الكلينيّ بإسناده عن مسعدة بن صدقة قال:

سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول- و سئل عن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أ واجب هو على الأمة جميعا؟- فقال لا فقيل له: و لم؟ قال إنّما هو على القويّ المطاع العالم بالمعروف من المنكر، لا على الضعفة الّذين لا يهتدون سبيلا الحديث.

[و فيه أنّ الكلام في الحديث كالكلام في الآية من جهة عدم دلالتها على موضع النزاع على ما عرفت] (2).

أمّا القول بوجوبه في العقل و أنّ السّمع مؤكّد له كما ذهب إليه جمع من العلماء فغير واضح، إذ ليس في العقل ما يدلّ على الوجوب مطلقا، نعم يمكن إذا كان على سبيل دفع الضرر. و على كلّ حال، فإنّما يجب الأمر بالواجب و النهي عن الحرام أمّا المندوب فيستحبّ الأمر به، و كذا المكروه يستحبّ النّهى عنه، و على هذا فيمكن تخصيص المعروف بالواجب و المنكر بالحرام، و يحتمل أيضا أن يراد من المعروف ما يعمّ الواجب و المندوب، و يراد من الأمر المتعلّق به الرجحان المطلق الشامل لهما و بالمنكر خلاف الطّاعة و هو ما يعمّ الحرام و المكروه، و من النهي ما يعمّهما أيضا و يكون الوجوب المستفاد من قوله «وَ لْتَكُنْ» و من حصر الفلاح في الآمرين و الناهين باعتبار بعض الافراد.

و على كلّ حال فلينظر الدّاعي إلى الخير في حال كلّ مكلّف، فيدعوه إلى ما يليق به متدرّجا من الأسهل إلى الأصعب في الأمر و الإنكار كلّ ذلك إيمانا و احتسابا لا سمعة و رياء، و لا لغرض من الأغراض النّفسانيّة و الجسمانيّة، فإنّ هذه الدّعوة منصب النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و الأئمّة (عليهم السلام) من بعده.

____________

(1) الكافي ج 1 ص 344 باب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر الحديث 16 و هو في المرآة ج 3 ص 379 و رواه في التهذيب ج 6 ص 177 بالرقم 360 و هو في الوافي الجزء التاسع ص 30 و الوسائل الباب 2 من أبواب الأمر بالمعروف الحديث 1 ج 2 ص 489 و للحديث تتمة.

(2) زيادة من سن.

375

و عنه (صلّى اللّه عليه و آله) من أمر بالمعروف و نهى عن المنكر فهو خليفة اللّه في أرضه، و خليفة رسوله و خليفة كتابه (1) و كفى بقوله «وَ أُولٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» أي الأخصّاء بالفلاح مدحا لهم، و قد يتمسّك بهذا في أنّ الفاسق ليس له أن يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر لأنّه ليس من أهل الفلاح.

[و يؤيّده قوله تعالى أَ تَأْمُرُونَ النّٰاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ الآية] (2) و أجيب بأنّ هذا ورد على الغالب، فانّ الظاهر أنّ الآمر بالمعروف و النّاهي عن المنكر لا يشرع فيه إلّا بعد إصلاح أحوال نفسه، لأنّ العاقل يقدّم مهمّ نفسه على مهمّ الغير لا أنّ الأمر بالمعروف لا يكون إلّا من العدل غير الفاسق، [و الآية المذكورة قد سلف الكلام فيها].

و قد تحقّق ممّا ذكرنا أنّه لا يشترط في الآمر و النّاهي صفة زائدة على كونه عالما بالمعروف و المنكر، من كونه عدلا، فيجوز للعاصي أن ينهى عمّا يرتكبه من المعاصي، لأنّه يجب عليه التّرك و الإنكار، فلا يسقط بترك أحدهما وجوب الآخر و لعلّ في إطلاق «منكم» من غير تقييد إشعارا به.

الثانية:

[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّٰاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ تُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ لَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتٰابِ لَكٰانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَ أَكْثَرُهُمُ الْفٰاسِقُونَ] (3).

كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ دلّ على خيرتهم في الماضي، و لا يلزم منه انقطاع خيرتهم

____________

(1) المجمع عن الحسن عن النبي (ص) ج 1 ص 484 و أخرجه في الكشاف أيضا ج 1 ص 397 ط دار الكتاب عند تفسير الآية قال ابن حجر في الكاف الشاف أخرجه ابن عدا في الكامل في ترجمة كادح بن رحمة و على بن معبد في كتاب الطاعة و الثعلبي.

(2) زيادة من سن. و الآية في البقرة: 44.

(3) آل عمران: 110.

376

في المستقبل، و نظيره قوله «وَ كٰانَ اللّٰهُ غَفُوراً رَحِيماً» و مغفرته المستأنفة كالماضية، و قيل:

إنّ «كان» تامّة، و المعنى وجدتم خير امّة و خلقتم كذلك، و قيل كنتم في علم اللّه أو في اللّوح المحفوظ، أو فيما بين الأمم المتقدّمة، و قيل إنّها بمعنى صار.

«أُخْرِجَتْ لِلنّٰاسِ» أظهرت و خلقت تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ كلام مستأنف بيّن به كونهم خير امّة كما تقول زيد كريم: يطعم النّاس و يكسوهم و يقوم بمصالحهم «وَ تُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ» عطف على سابقه و المراد الايمان بتوحيده و عدله و دينه و جميع ما يجب أن يؤمن به.

و الوجه في كون هذه الأمّة خير الأمم مع أنّ الصّفات الثلاث كانت حاصلة لسائر الأمم أنّ الأمر بالمعروف قد يكون بالقلب و باللّسان و باليد و أقواها ما يكون بالقتال لأنّه إلقاء النفس في خطر القتل، و أعرف المعروفات الدين الحقّ و الايمان بالتوحيد و النبوّة، و أنكر المنكرات الكفر باللّه، فكان الجهاد في الدين تحمّلا لأعظم المضارّ لغرض إيصال الغير إلى أعظم المنافع و تخليصه من أعظم المضارّ، فكان من أعظم العبادات، و لمّا كان أمر الجهاد في شرعنا أقوى منه في سائر الشرائع، لا جرم صار ذلك موجبا لفضل هذه الأمة على سائر الأمم.

و أمّا الإيمان فلا شكّ أنّه في هذه الأمة أكمل من غيرها، لأنّهم آمنوا بكلّ ما يجب الإيمان به من رسول أو كتاب أو بعث أو حساب إلى غير ذلك، و لا يقولون «نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَ نَكْفُرُ بِبَعْضٍ» فإنّ الايمان بالبعض دون البعض بمثابة عدم الإيمان باللّه عزّ و جلّ.

و لقد أخبر اللّه تعالى عن الكفّار بقوله وَ يَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَ نَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلًا أُولٰئِكَ هُمُ الْكٰافِرُونَ حَقًّا (1) و إنّما أخّره مع أنّ حقّه أن يقدّم، لانّه قصد بذكره الدلالة على أنهم أمروا بالمعروف و نهوا عن المنكر إيمانا باللّه و تصديقا، و إظهارا لدينه، و اقتصر في وصف الأمّة على الإيمان

____________

(1) النساء: 150.

377

باللّه، لأنّه يستلزم الإيمان بالنبوّة و بسائر ما عددناه، و إلّا لم يكن في الحقيقة إيمانا.

و في الآية دلالة على وجوب الأمر بالمعروف و النّهى عن المنكر، لأنّ خيريّتهم إذا كانت من هذا الوجه كان ما نافاه منافيا للخير، فيكون حراما، و استدلّ بها على أنّ إجماع الأمة حجّة، لأنّها يقتضي كونهم آمرين بكلّ معروف، و ناهين عن كلّ منكر، إذ اللّام فيها للاستغراق، فلو أجمعوا على باطل كان أمرهم على خلاف ذلك و هذا لا ينافي ما يذهب إليه معاشر الإماميّة من حجيّة الإجماع بدخول قول المعصوم ضرورة أنّ المعصوم داخل في الأمّة، بل هو رئيسهم في الأقوال و الأفعال فإجماعهم مظنّة لدخول قوله، و إن لم يعلم بخصوصه على ما ثبت في الأصول.

الثالثة:

[إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسٰانِ وَ إِيتٰاءِ ذِي الْقُرْبىٰ وَ يَنْهىٰ عَنِ الْفَحْشٰاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ الْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ] (1).

إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ الإنصاف بين الخلق، و التعامل بالاعتدال الّذي ليس فيه ميل إلى أحد الجانبين و التوسّط في جميع الاعتقادات و الافعال و الأقوال، و عدم التفريط و الإفراط فيها، فلا يكون اعتقاده في حقّ اللّه ناقصا و لا فوق ما لا يجوز بأن يعتقد الشركة و الاتّصاف بالصّفات النّاقصة، و اتّصاف النبيّ بالالوهيّة و كذا الإمام بالنبوّة، و في العبادات لا يجعلها ناقصة عن الوظيفة المقرّرة من الشارع، و لا يخترع فوقها، و بالجملة لا يخرج عن حدود الشرع الشريف.

«وَ الْإِحْسٰانِ» إلى الغير، و هو التفضّل، و لفظ الإحسان جامع لكلّ خير و لكنّ الأغلب استعماله في التبرّع بإيتاء المال، و بذل السعي الجميل، و يحتمل دخول العبادات فيه و يراد إحسان الطّاعات، إمّا بحسب الكميّة كالتطوّع بالنوافل أو الكيفية كما قال (صلى اللّه عليه و آله و سلم) الإحسان أن تعبد اللّه كأنّك تراه، فان لم تكن تراه فإنّه يراك.

____________

(1) النحل: 90.

378

«وَ إِيتٰاءِ ذِي الْقُرْبىٰ» و إعطاء الأقارب ما يحتاجون إليه المعبّر عنه بصلة الرّحم و هو تخصيص بعد تعميم للاهتمام بل الإحسان أيضا كذلك، و على هذا فهو عامّ في جميع الخلق، و يحتمل أن يكون أمرا بصلة قرابة الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم) المشار إليها في قوله «إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبىٰ» و هو المرويّ عن أبى جعفر (عليه السلام) قال نحن هم (1).

«وَ يَنْهىٰ عَنِ الْفَحْشٰاءِ» الإفراط في متابعة القوّة الشهوانيّة كالزّنا فإنّه قبيح بل هو أقبح أحوال الإنسان و أشنعها «وَ الْمُنْكَرِ» ما ينكر على صاحبه من جميع المعاصي، فهو تعميم بعد تخصيص «وَ الْبَغْيِ» الاستعلاء على النّاس، و التجبّر و التكبّر المحرّم، بل بمنزلة الكفر، و الجمع بين الأوصاف الثلاثة في النّهي مع أنّ الكلّ منكر فاحش ليتبين بذلك تفصيل ما نهي عنه لأنّ الفحشاء قد يكون ما يفعله الإنسان في نفسه ممّا لا يظهر أمره و يعظم قبحه، و المنكر ما يظهر للنّاس ممّا يجب عليهم إنكاره و البغي ما يتطاول به من الظّلم لغيره، و قيل: العدل استواء السّريرة و العلانية و الإحسان كون السريرة أحسن من العلانية، و المنكر أن يكون العلانية أحسن من السريرة.

«يَعِظُكُمْ» بما تضمّنت هذه الآية من مكارم الأخلاق «لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» لكي تتّعظوا و تتذكّروا، فترجعون إلى الحقّ و تعملون به، و عن ابن مسعود هي أجمع آية في كتاب اللّه للخير و الشرّ و صارت سببا لحسن إسلام عثمان بن مظعون.

قال في الكشّاف (2) و حين أسقطت من الخطب لعنة الملاعين على أمير المؤمنين (عليه السلام) أقيمت هذه الآية مقامها، و لعمري إنّها كانت فاحشة و منكرا و بغيا ضاعف اللّه لمن سنّها غضبا و نكالا و خزيا، إجابة لدعوة نبيّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) «و عاد من عاداه».

قال المحشّي يريد بلعنة الملاعين من لعن عليّا (عليه السلام) من بنى أميّة و بنى مروان و الّذي أسقطه عمر بن عبد العزيز، و الّذي سنّ ذلك معاوية لعنه اللّه انتهى.

____________

(1) المجمع ج 3 ص 380، و الآية في الشورى: 23.

(2) انظر الكشاف ج 2 ص 629 ط دار الكتاب العربي و ج 2 ص 215 ط مصطفى البابى الحلبي 1367 عند تفسير الآية.

379

و أشار بدعوة النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) إلى ما وقع في يوم الغدير من دعائه له بذلك، و هو متواتر عندنا مشهور عندهم. (1)

و لا يذهب عليك أنّ هذا الكلام من الكشاف صريح في لعن معاوية، و لقد وقع في مواضع من الكشاف التصريح بأنّه ما كان على الحقّ، و أنّ جهاده مع عليّ (عليه السلام) لم يكن باجتهاد و لا كان معذورا فيه، بل ظلما و عدوانا.

قال في سورة يونس عند قوله وَ اصْبِرْ حَتّٰى يَحْكُمَ اللّٰهُ وَ هُوَ خَيْرُ الْحٰاكِمِينَ (2) روي أنّ أبا قتادة (3) تخلّف عن تلقّى معاوية حين قدم المدينة و قد تلقّته الأنصار ثمّ دخل عليه فقال له مالك لم تتلقّنا؟ قال لم تكن عندنا دوابّ قال فأين النواضح؟

قال قطعناها في طلبك و طلب أبيك يوم بدر، و قد قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يا معشر الأنصار ستلقون بعدي أثره قال معاوية فما ذا قال؟ قال: قال: فاصبروا حتّى تلقوني، قال فاصبر! قال إذن نصبر، فقال عبد الرّحمن بن حسّان:

____________

(1) قد خص العلامة آية اللّه مير سيد حامد حسين أعلى اللّه مقامه الشريف المجلد الأول من المنهج الثاني من كتابه عبقات الأنوار بتحقيق حديث الغدير و طبع في جزئين ضخمين و فيه ترجمة العلماء الذين أخرجوا الحديث في كتبهم قرب مائة و خمسين عالما، و ترجمة العلماء الذين ذكروا مجيء مولى بمعنى الاولى قرب أربعين عالما.

و ألف آية اللّه الامينى مد ظله كتابه الغدير حول الحديث و برز منه 11 مجلدا.

(2) يونس: 109.

(3) الكشاف ج 2 ص 376 ط دار الكتاب و قال ابن حجر في تخريج الحديث:

أخرجه إسحاق بن راهويه و من طريقه الحاكم و البيهقي عن عبد الرزاق عن معمر عن ابن عقيل ان معاوية لما قدم المدينة لقيه أبو قتادة الأنصاري فقال معاوية تلقانا الناس كلهم غيركم يا معشر الأنصار فما يمنعكم أن تلقوني؟ قال لم تكن لنا دواب، فقال معاوية فأين النواضح قال أبو قتادة عقرناها في طلبك و طلب أبيك يوم بدر.

ثم قال أبو قتادة ان رسول اللّه (ص) قال أما إنكم سترون بعدي أثره قال معاوية فما أمركم؟ قال أمرنا أن نصبر حتى نلقاه، قال فاصبروا حتى تلقوه، فقال عبد الرحمن بن حسان حين بلغه ذلك فذكر البيتين و قال يا أمير المؤمنين انتهى ما في الكاف الشاف.

380

ألا أبلغ معاوية بن حرب * * * أمير الظّالمين نثا كلامي

بأنا صابرون فمنظروكم * * * إلى يوم التغابن و الخصام

(1) و لعمري إنّ من جعل معاوية أسوة في دينه، و مقتداه في عبادته، أو رضي بأفعاله و أقواله، بعد ما بلغت إليه لمن الضالّين الّذين لم يتّبعوا شريعة الرّسول، و لا آمنوا به، و كيف يرتضى بأفعال من لم يخالط الإسلام قلبه، و إنّما كان دخوله إلى الإسلام كرها و خروجه منه طوعا و رغبة، و قد ثبت بالنّقل الصّحيح عن أئمّتنا الّذين أذهب اللّه عنهم الرّجس و طهّرهم تطهيرا حيث سئلوا عن كون يزيد أسوء حالا أو معاوية، فقالوا: إنّ يزيد سيّئة من سيّئات معاوية. و كفى بهذا بيانا بحاله في الرّداءة.

الرابعة:

[يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ نٰاراً وَقُودُهَا النّٰاسُ وَ الْحِجٰارَةُ عَلَيْهٰا مَلٰائِكَةٌ غِلٰاظٌ شِدٰادٌ لٰا يَعْصُونَ اللّٰهَ مٰا أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ مٰا يُؤْمَرُونَ] (2).

____________

(1) قال الشيخ محمد عليان المرزوقي في مشاهد الانصاف على شواهد الكشاف المطبوع ذيل الكشاف: لعبد الرحمن بن حسان حين دخل معاوية بن أبى سفيان المدينة فتلقته الأنصار و تخلف أبو قتادة ثم دخل عليه فقال له مالك تخلفت فقال لم يكن عندنا دواب قال فأين النواضح قال قطعناها في طلبك و طلب أبيك يوم بدر، و قد قال (ص) يا معشر الأنصار ستلقون بعدي أثره قال معاوية فما ذا قال؟ قال: فاصبروا حتى تلقوني قال فاصبروا قال إذا نصبر.

و الثناء يقال للخير و قد يقال للشر و النثاء خاص بالشر، و روى «نثا كلامي» و منتظروكم ممهلوكم أى أنت و قومك، و التغابن ظهور الغبن للعمال في تجارات الاعمال، و الخصام المخاصمة و المجادلة، أي إلى يوم القيمة انتهى ما في مشاهد الانصاف.

و مما يعجبني هنا نقله ما في القاموس في معنى معاوية قال في لغة (ع و ى) و المعاوية الكلبة المستحرمة و جرو الثعلب و بلا لام ابن أبى سفيان الصحابي انتهى و الكلبة المستحرمة هي التي تبغي الفحل.

(2) التحريم: 6.

381

يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ بترك المعاصي و فعل الطّاعات «وَ أَهْلِيكُمْ» بأن تدعوهم إليها و تحثّوهم على فعلها «نٰاراً وَقُودُهَا النّٰاسُ وَ الْحِجٰارَةُ» أي يتّقد بهما كما يتّقد غيرها بالحطب، و قيل: المراد بالحجارة هي حجارة الكبريت، و منع الأهل ذلك إنّما يكون بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.

و روى الكلينيّ عن أبى بصير في قوله عزّ و جلّ قُوا أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ نٰاراً قلت كيف أقيهم؟ قال تأمرهم بما أمر اللّه و تنهاهم عمّا نهاهم اللّه، فإن أطاعوك كنت قد وقيتهم، و إن عصوك كنت قد قضيت ما عليك، و فيها دلالة على أنّ الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ينبغي أن يكون للأقرب فالأقرب، و لذا ابتدأ بالنفس ثمّ بالأهل.

«عَلَيْهٰا مَلٰائِكَةٌ» تلي أمرها زبانية موكلون بها «غِلٰاظٌ شِدٰادٌ» غلاظ الأقوال شداد الأفعال أو غلاظ في الأخلاق أقوياء على الأفعال الشديدة لا تأخذهم رأفة في تنفيذ أمر اللّه تعالى، و الغضب له، و الانتقام من أعدائه، و إن كانوا رقاق الأجسام لأنّ الظاهر من حال الملك أنّه روحانيّ فخروجه عن الرّوحانيّة كخروجه عن صورة الملائكة «لٰا يَعْصُونَ اللّٰهَ مٰا أَمَرَهُمْ» فيتقبّلون أوامره، و يلتزمونها و لا يأبونها و لا ينكرونها «وَ يَفْعَلُونَ مٰا يُؤْمَرُونَ» أي يؤدّون ما يؤمرون به، لا متثاقلين عنه و لا متوانين فيه.

قال الشيخ في التبيان (1): و في ذلك دلالة على أنّ الملائكة الموكّلين بالنّار و بعقاب العصاة معصومون من فعل القبائح لا يخالفون اللّه في أمره، و يمتثلون كلّ ما يأمرهم به، و عمومه يقتضي أنّهم لا يعصونه في صغيرة و لا كبيرة، و قال الرّماني لا يجوز أن يعصى الملك في صغيرة و لا كبيرة لتمسّكه بما يدعو إليه العقل دون الطبع فإنّه لا يقع منه قبيح، ثمّ قال: و قال الجبائي قوله تعالى لٰا يَعْصُونَ اللّٰهَ مٰا أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ مٰا يُؤْمَرُونَ يعني في دار الدّنيا لأنّ الآخرة ليست دار تكليف إنّما هي دار جزاء، و إنّما أمرهم اللّه بتعذيب أهل النّار على وجه الثواب لهم، بأن جعل

____________

(1) انظر التبيان ج 2 ص 690 ط إيران.

382

سرورهم و لذّاتهم في تعذيب أهل النّار كما جعل سرور المؤمنين و لذّاتهم في الجنّة.

الخامسة:

[وَ سٰارِعُوا إِلىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمٰاوٰاتُ وَ الْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ]. (1)

وَ سٰارِعُوا بادروا إِلىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أي الأعمال الموجبة للمغفرة كفعل الطّاعات و اجتناب المعاصي، و الصّلوات الخمس و التوبة من الربا لأنّه ورد عقيب النهي عنه، و فيها دلالة على استحباب المسارعة بأفعال الطّاعة، فيستفاد منها الحثّ على الصّلوة في أوّل أوقاتها من غير توان و تكاسل، إلّا ما خرج بالدّليل مثل تأخير العشاءين إلى المزدلفة و أصحاب الأعذار على القول بالتّأخير فيهم، و بالجملة ما قام عليه دليل خرج من ذلك، و إلّا فلا.

وَ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمٰاوٰاتُ وَ الْأَرْضُ عطف على مغفرة، أي و سارعوا إلى ما يوجب الجنّة و يستحقّ به من الطّاعات لأنّ الغفران ظاهره إزالة العقاب، و الجنّة معناها حصول الثواب، و لا بدّ للمكلّف من تحصيل الأمرين، و المراد وصفها بالسعة، فإنّ العرب إذا وصفت الشيء بالسعة و صفته بالعرض. قال امرئ القيس بلاد عريضة و أرض أريضة، أو كعرض السموات و الأرض إذا ضمّ بعضها إلى بعض، إذ من البيّن أنّ نفس السموات لا يكون عرضا للجنّة، و قد صرّح بذلك في موضع آخر كَعَرْضِ السَّمٰاءِ (2) تشبيها بأوسع ما علمه النّاس [من مخلوقاته] و أبسطه للمبالغة في وصفها بالسعة.

قالوا: و إنّما ذكر العرض بالعظم دون الطّول، للدّلالة على أنّ الطّول أعظم، فانّ في العادة أنّ العرض أدنى من الطّول، و إذا كان العرض هكذا فما ظنّك بالطّول، و ليس كذلك لو عكس الأمر، أمّا كونها مع ذلك في السماء فالظاهر أنّ

____________

(1) آل عمران: 133.

(2) الحديد: 21.

383

المراد به كون بعضها فيها، بأن يكون البعض الآخر فوقها، أو تكون أبوابها في السماء كما يقال في الدار بستان لاتّصال بابها إليها [أو المراد أنّها بتمامها فوق السموات تحت العرش لما روي عنه (1) (صلّى اللّه عليه و آله) الفردوس سقفها عرش الرّحمن] أو أنّها بتمامها فوق السماء، و قول الحكماء أنّ ما فوق المحدّد لا خلأ و لا ملاء، أو لا خرق و لا التيام في الأفلاك، غير مسموع في الشريعة.

و لو قيل إنّ الجنة إذا كانت عرض السّموات و الأرض فأين النّار؟ لقيل قد روي عن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) أنّه سئل عن ذلك (2) فقال إذا جاء اللّيل فأين النّهار؟ و هذه معارضة فيها إسقاط السّؤال، لأنّ القادر على أن يذهب باللّيل حيث شاء قادر على أن يخلق النّار حيث شاء [أو أنّ المراد أنّ الفلك إذا دار حصل النّهار في جانب من العالم، و اللّيل في ضدّ ذلك الجانب، فكذا الجنّة في جهة العلو و النّار في جهة السفل] (3).

«أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ» هيّئت لهم و ظاهر الآية أنّ الجنّة مخلوقة، لأنّها لا تكون معدّة إلّا و هي مخلوقة موجودة، و يدلّ عليه بعض الأخبار، و إلى هذا يذهب أصحابنا و صرّح الشيخ المفيد في بعض رسائله بأنّ الجنّة مخلوقة و مسكونة سكنتها الملائكة و يستفاد منها أنّ الغرض الأصليّ من بناء الجنّة دخول المتّقين أي المطيعين للّه و رسوله بترك المعاصي و فعل الطّاعات، و إن دخلها غيرهم من الأطفال و المجانين، فعلى وجه التبع، و كذا الفسّاق لو عفى عنهم.

ثمّ إنّه تعالى وصف المتّقين بقوله الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرّٰاءِ وَ الضَّرّٰاءِ في حالتي اليسر و العسر بمعنى أنّهم لا يخلون عن إنفاق في كلتا الحالتين، ما قدروا عليه

____________

(1) أخرجه النيسابوري في تفسير الآية ج 1 ص 363 ط إيران.

(2) المجمع ج 1 ص 504 و اللفظ فيه «إذا جاء النهار فأين الليل» و انظر أيضا الدر المنثور ج 2 ص 72 و الجامع الصغير الرقم 4639 ج 4 ص 86 فيض القدير و تفسير النيسابوري ج 1 ص 363 ط إيران.

(3) زيادة: من سن، و هكذا فيما سبق و يأتي.

384

من كثير أو قليل، أو المراد الإنفاق في جميع الأحوال لأنّ الإنسان لا يخلو في وقت من أوقاته عن مسرّة أو مضرّة، فلا يمنعهم حال فرح و سرور، و لا حال محنة و بلاء من إنفاق ما قدروا عليه.

«وَ الْكٰاظِمِينَ الْغَيْظَ» الممسكين عليه الكافّين عن إمضائه مع القدرة، من قولهم كظمت القربة إذا ملأتها و شددت رأسها، و لعلّ الوجه في التعبير عن إمساك الغيظ بالكظم بهذا المعنى الإشارة إلى أنّه لا ينبغي أن يخرج منه شيء أصلا، و لو قليلا، فانّ المطلوب شدّ رأس القربة، بحيث لا يترشّح منه شيء أصلا، و إلّا لم يحصل الغرض.

«وَ الْعٰافِينَ عَنِ النّٰاسِ» بالصّفح و التجاوز، و عدم المؤاخذة مع الجناية عليهم لكن ينبغي أن يكون بالنسبة إلى نفسه، بحيث لا يؤول إلى إبطال الحدود و التعزيرات الشرعيّة، و التّهاون فيها، و فيه دليل على أنّ العفو عن الجاني مرغّب فيه مندوب إليه، و إن لم يكن واجبا.

«وَ اللّٰهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» المحسن هو المنعم على غيره على وجه عار عن وجه القبح، و يكون المحسن أيضا عبارة عن الفاعل للأفعال الحسنة من وجوه الطّاعات و القربات، و يجوز أن يكون اللّام فيه للجنس فيتناول كلّ محسن، و يدخل تحته هؤلاء المذكورون، و يجوز أن يكون للعهد فيه فيكون إشارة إلى الموصوفين بالصّفات المذكورة كأنّه قيل: و اللّه يحبّهم، فعبّر عنهم بذلك، ليدلّ على أنّ ذلك إحسان أيضا.

و مقتضى الآية أنّ الأوصاف المذكورة لها دخل في وصف التّقوى، و لعلّ تقديم الإنفاق في العسر و اليسر عليها لكونه أشقّ شيء على النفس، و أدلّة على الإخلاص و لذا كثرت الأخبار في مدح السّخاء و ذمّ البخل.

قال في مجمع البيان أوّل ما عدد اللّه سبحانه من أخلاق أهل الجنّة السّخاء و يؤيّد ذلك من الأخبار ما رواه أنس بن مالك (1) عن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) قال السّخاء شجرة

____________

(1) المجمع ج 1 ص 505 و قريب منه في المضمون الحديث بالرقم 4803 من الجامع الصغير ج 4 ص 138 فيض القدير بعدة طرق عن عدة من الصحابة عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فراجع.

385

في الجنّة و أغصانها في الدّنيا من تعلّق بغصن من أغصانها قادته إلى الجنّة و البخل شجرة في الدّنيا أغصانها في النّار من تعلّق بغصن من أغصانها قادته إلى النّار.

و قريب من ذلك ما رواه الكليني (1) عن الوشّاء قال: سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول السّخيّ قريب من اللّه قريب من الجنّة، قريب من النّاس، قال: و سمعته يقول السّخاء شجرة في الجنة من تعلّق بأغصانها دخل الجنّة.

و عن محمّد بن سنان (2) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: أتى رجل النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) فقال:

يا رسول اللّه أيّ النّاس أفضلهم إيمانا فقال: أبسطهم كفّا.

و عن مسعدة بن صدقه عن (3) جعفر عن آبائه (عليهم السلام) أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) قال:

السخيّ محبّب في السّموات محبّب في الأرض، خلق من طينة عذبة، و خلق ماء عينيه من ماء الكوثر و البخيل مبغّض في السّموات مبغّض في الأرض، خلق من طينة سبخة و خلق ماء عينيه من ماء العوسج.

و عن جميل بن درّاج (4) قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: خياركم سمحاؤكم

____________

(1) الكافي ج 1 ص 173 باب معرفة الجود و السخاء الحديث 9 و هو في المرآة ج 3 ص 207 و في الوافي الجزء السادس ص 68 و الوسائل الباب 22 من أبواب النفقات الواجبة و المندوبة الحديث 5 ج 3 ص 142 ط الأميري.

و قريب منه ما رواه في المجمع ج 1 ص 505 عن على (عليه السلام) و مثله في الجامع الصغير بالرقم 4804 عن عدة من الصحابة عن النبي (ص) بعدة طرق ج 4 ص 138 فيض القدير مع تفاوت يسير فراجع.

(2) الكافي ج 1 ص 173 باب معرفة الجود و السخاء الحديث 7 و هو في المرآة ج 3 ص 207 و الوافي الجزء السادس ص 67 و الوسائل الباب 22 من أبواب النفقات الواجبة و المندوبة الحديث 3 ج 3 ص 142 ط الأميري.

(3) الكافي ج 1 ص 172 باب معرفة الجود و السخاء الحديث 3 و هو في المرآة ج 3 ص 207 و الوافي الجزء السادس ص 67 و الوسائل الباب 22 من أبواب النفقات الحديث 1 ج 3 ص 142 ط الأميري و العوسج نوع من الشوك.

(4) الكافي ج 1 ص 173 باب معرفة الجود و السخاء الحديث 15 و هو في المرآة ج 3 ص 207 و رواه في الفقيه ج 2 ص 33 بالرقم 134 و هو في الوافي الجزء السادس ص 68 و الوسائل الباب 29 من أبواب الصدقة الحديث 2 ج 2 ص 53 ط الأميري.

386

و شراركم بخلاؤكم، و من خالص الايمان البرّ بالإخوان و السعي في حوائجهم، و إنّ البارّ بالإخوان ليحبّه الرحمن، و في ذلك مرغمة للشيطان، و تزحزح من النّيران و دخول الجنان، يا جميل أخبر غرر أصحابك قلت: جعلت فداك من غرر أصحابي قال: هم البارّون بالإخوان، في العسر و اليسر، ثمّ قال يا جميل أما إنّ صاحب الكثير يهون عليه ذلك، و قد مدح اللّه في ذلك صاحب القليل فقال في كتابه «وَ يُؤْثِرُونَ عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كٰانَ بِهِمْ خَصٰاصَةٌ وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (1)».

و عن مسعدة بن صدقة (2) قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) لبعض جلسائه: ألا أخبرك بشيء يقرّب من اللّه، و يقرّب من الجنّة و يباعد من النّار؟ فقال: بلى، فقال عليك بالسّخا، فانّ اللّه خلق خلقا برحمته لرحمته، فجعلهم للمعروف أهلا، و للخير موضعا و للنّاس وجها، يسعى إليهم لكي يحيوهم، كما يحيي المطر الأرض، أولئك هم المؤمنون الآمنون يوم القيمة و الاخبار في ذلك كثيرة.

ثمّ إنّه تعالى عدّ بعد ذلك من أخلاق أهل الجنّة كظم الغيظ، و ممّا جاء في الأخبار ما رواه أبو أمامة (3) قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) من كظم غيظه و هو يقدر على إنفاذه ملأه اللّه يوم القيمة برضاه و في خبر آخر ملأه اللّه يوم القيامة أمنا و إيمانا.

و روى الكلينيّ عن سيف بن عميرة قال: حدّثني من سمع أبا عبد اللّه (عليه السلام)

____________

(1) الحشر: 9.

(2) الكافي ج 1 ص 173 باب معرفة الجود و السخاء الحديث 12 و هو في المرآة ج 3 ص 207 و في الوافي الجزء السادس ص 68 و الوسائل الباب 22 من أبواب النفقات الحديث 9 ج 3 ص 142 ط الأميري.

(3) المجمع ج 1 ص 505 و رواه مرسلا في الكشاف ج 1 ص 415 بلفظ ملا اللّه قلبه أمنا و ايمانا و مثله أيضا في المجمع و ذكر ابن حجر في الكاف الشاف طرقه و رواه في الجامع الصغير مثل لفظ الكشاف بالرقم 8997 ج 6 ص 217 فيض القدير عن ابن أبى الدنيا عن أبي هريرة و في فيض القدير طرق أخر للحديث و ألفاظ أخر مثل زوجه اللّه من الحور العين أو دعاه اللّه على رؤس الخلق يوم القيمة حتى يزوجه من أى الحور شاء، و أمثالها فراجع، و أورده بلفظ الكشاف في ميزان الاعتدال ج 2 ص 535 الرقم 4750 ترجمة عبد الجليل.

387

يقول: من كظم غيظا و لو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ اللّه قلبه يوم القيامة برضاه (1).

و عن الوصّافي (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: من كظم غيظا و هو يقدر على إمضائه حشى اللّه قلبه أمنا و إيمانا يوم القيمة.

و عن عليّ بن الحسين (عليه السلام) (3) قال قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم): من أحبّ السبيل إلى اللّه عزّ و جلّ جرعتان: جرعة غيظ يردّها بحلم، و جرعة مصيبة يردّها بصبر و عن أبى عبد اللّه (4) (عليه السلام) أنّه قال ما من عبد كظم غيظا إلّا زاده اللّه عزّ و جلّ عزّا في الدنيا و الآخرة الحديث، و الأخبار في ذلك كثيرة.

ثمّ إنّ اللّه تعالى عدّد من أخلاق أهل الجنّة العفو عن النّاس، و ممّا جاء في

____________

(1) أصول الكافي باب كظم الغيظ الحديث 6 و 7 و في المرآة ج 3 ص 122 و الوافي الجزء الثالث ص 86 و في الوسائل الباب 114 من أبواب أحكام العشرة الحديث 8 و 9 ج 2 ص 224 ط الأميري.

(2) أصول الكافي باب كظم الغيظ الحديث 6 و 7 و في المرآة ج 3 ص 122 و الوافي الجزء الثالث ص 86 و في الوسائل الباب 114 من أبواب أحكام العشرة الحديث 8 و 9 ج 2 ص 224 ط الأميري.

(3) أصول الكافي باب كظم الغيظ الحديث 9 و هو في المرآة ج 2 ص 122 و الوافي الجزء الثالث ص 86 و في الوسائل الباب 114 من أبواب أحكام العشرة الحديث 4 ج 2 ص 224.

(4) أصول الكافي باب كظم الغيظ الحديث 5 و هو في المرآة ج 2 ص 122 و الوافي الجزء الثالث ص 84 و تتمة الحديث: و قد قال اللّه تعالى وَ الْكٰاظِمِينَ الْغَيْظَ وَ الْعٰافِينَ عَنِ النّٰاسِ وَ اللّٰهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ و أثابه اللّه مكان غيظه ذلك و في المرآة بيان لطيف في شرح الحديث، فراجع و الحديث في الوسائل الباب 114 من أبواب أحكام العشرة الحديث 5 ج 2 ص 224.

388

الأخبار ما رواه الكليني (1) في الحسن عن عبد اللّه بن سنان عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال:

قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) في خطبة. ألا أخبركم بخير خلائق الدّنيا و الآخرة؟ العفو عمّن ظلمك، و تصل من قطعك، و الإحسان إلى من أساء إليك، و إعطاء من حرمك.

و عن حمران بن أعين (2) قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) ثلاث من مكارم الدّنيا و الآخرة تعفو عمّن ظلمك، و تصل من قطعك، و تحلم إذا جهل عليك.

و عن السّكوني (3) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) عليكم بالعفو فانّ العفو لا يزيد العبد إلّا عزّا فتعافوا يعزّكم اللّه، و عنه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) ما عفا رجل عن مظلمة قطّ إلّا زاده اللّه بها عزّا و الاخبار في ذلك كثيرة و فيما ذكرناه كفاية.

«وَ الَّذِينَ إِذٰا فَعَلُوا فٰاحِشَةً» فعلة متزايدة في القبح «أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ» أو أذنبوا أيّ ذنب كان، ممّا يؤاخذون به، و قيل الفاحشة الزّنا، و ظلم النفس سائر المعاصي و قيل الفاحشة الكبائر، و ظلم النفس الصغائر، و يحتمل كون الفاحشة المعصية فعلا و الظلم المعصية قولا، أو كون الفاحشة الظلم على الغير بتضييع حقوقه، و ظلم النفس الظلم عليها بتضييع حقوق اللّه تعالى.

«ذَكَرُوا اللّٰهَ» تذكّروا وعيده، أو حقّه العظيم، و جلاله الموجب للخشية

____________

(1) أصول الكافي باب العفو الحديث 1 و هو في المرآة ج 2 ص 120 و الوافي الجزء الثالث ص 83 و الخلائق جمع الخليقة و هي الطبيعة و في بعض النسخ أخلاق الدنيا مكان خلائق و الحديث في الوسائل الباب 113 من أبواب أحكام العشرة الحديث 1 ج 2 ص 223 ط الأميري و روى مثله في مستدرك الوسائل ج 2 ص 87 عن مجالس الشيخ عن ابن سنان عن أبى عبد اللّه و في آخره و في التباغض الحالقة لا أعني حالقة الشعر و لكن حالقة الدين.

(2) أصول الكافي باب العفو الحديث 3 و هو في المرآة ج 2 ص 121 و الوافي الجزء الثالث ص 83 و هو في الوسائل الباب 113 من أبواب العشرة الحديث 3.

(3) أصول الكافي باب العفو الحديث 5 و هو في المرآة ج 2 ص 121 و الوافي الجزء الثالث ص 83.

389

و الحياء منه، أو ذكروه بالثناء و التعظيم، فانّ من دأب المسئلة و الدّعاء تقديم التعظيم.

«فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ» فتابوا عنها بأن ندموا على ما وقع منهم من القبيح، و عزموا على أن لا يعودوا إليه، فأمّا الاستغفار بمجرّد اللّسان فلا أثر له في إزالة الذنب، و إنّما يجب إظهار هذا الاستغفار لازالة التهمة، و لإظهار كونه منقطعا إلى اللّه تعالى.

«وَ مَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللّٰهُ» استفهام بمعنى النفي، بيّن فيه وصف ذاته بسعة الرّحمة، و عموم المغفرة، و أنّه لا مفزع للمذنبين سواه، و ترغيب للعاصين في التوبة و طلب المغفرة.

و إسقاط العقاب بالتوبة عندنا تفضّل منه سبحانه و تعالى، لا أنّه واجب عقليّ كما هو الظاهر من الكشاف، حيث استدلّ عليه بأنّ العبد إذا جاء في الاعتذار و التفضّل بأقصى ما يقدر عليه وجب العفو و التجاوز، فانّ ذلك في محلّ المنع، إذ العقل لا يقبّح الانتقام و الانتصاف بل ذلك محض العدل كما أشار إليه المحقّق الطوسيّ في التجريد.

و قد أجمع أصحابنا الإماميّة على عدم وجوب سقوطه عقلا، نعم هو ساقط نقلا بمقتضى وعده، و قد نقله الطبرسيّ في مواضع من مجمع البيان، نعم استحقاق الثواب بالتوبة واجب عقلا، لأنّه لو لم يكن مستحقّا بالتوبة لقبح تكليفه بها، لما فيها من المشقّة، و قد بسطنا الكلام في مواضع من كتابنا هذا.

و الجملة وقعت معترضة بين المعطوف عليه و المعطوف و هو قوله «وَ لَمْ يُصِرُّوا عَلىٰ مٰا فَعَلُوا» و لم يقيموا على ذنوبهم و هو من تتمّة التوبة، فإنّ مجرّد الاستغفار مع الإصرار لا يكفى فيها، و إنّما يؤثر عند ترك الإصرار.

و قد روى (1) عن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) أنه قال لا صغيرة مع الإصرار و لا كبيرة مع الاستغفار

____________

(1) المجمع ج 1 ص 506 و عنه نور الثقلين ج 1 ص 327 بالرقم 472 و مثله الحديث عن أبى عبد اللّه رواه في أصول الكافي باب الإصرار على الذنوب الحديث 1 و هو في المرآة ج 2 ص 266 و للمجلسي (قدّس سرّه) عليه شرح مبسوط فراجع.

و هو في الوافي الجزء الثالث ص 168 و في الوسائل الباب 47 من أبواب جهاد النفس الحديث 3 و أخرجه في الكشاف بلفظ لا كبيرة مع الاستغفار و لا صغيرة مع الإصرار و في الكاف الشاف المطبوع ذيله ج 1 ص 416 ط دار الكتاب العربي تخريجه و رواه كذلك أيضا في مستدرك الوسائل ج 2 ص 319 عن القضاعي في كتاب الشهاب.

390

يعني أنّه لا يبقى كبيرة مع التوبة و الاستغفار، و لا تبقى الصغيرة صغيرة مع الإصرار بل تصير كبيرة، و معنى الإصرار على الذّنب أن يكون عازما على إيقاعه كلما أراده بحيث لا يتحاشى عنه، لا أن يكون متلبّسا به في جميع الأوقات، فإنّ ذلك غير معتبر في معناه لغة و لا عرفا، بل الظاهر ما قلناه يقال: فلان مصرّ على شرب الخمر، و يريدون أنّه لا يتحاشى عنه، و يشربه كلّما أراده.

و بالجملة فالإصرار إمّا فعلىّ كالمواظبة على نوع أو أنواع من الصّغائر، بأن يكون مقيما على فعلها، و إما حكميّ و هو العزم على فعلها ثانيا بعد وقوعه و إن لم يفعل، و قريب من ذلك ما قاله ابن عبّاس (1): الإصرار السّكون على الذنب بترك التوبة و الاستغفار منه.

و رواه الكلينيّ (2) عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول اللّه عزّ و جلّ «وَ لَمْ يُصِرُّوا عَلىٰ مٰا فَعَلُوا» قال الإصرار أن يذنب الذنب فلا يستغفر، و لا يحدّث نفسه بتوبة، فذلك الإصرار، و على هذا فعدم الإصرار إنّما يتحقّق بالعزم على عدم العود و الإقلاع عنه بالمرّة. و أنّ تركه مرّة أو مرارا مع العزم عليه، لا ينافي الإصرار و الإقامة على الذّنب.

____________

(1) نقله عنه في المجمع ج 1 ص 506.

(2) أصول الكافي باب الإصرار على الذنوب الحديث 2 و هو في المرآة ج 2 ص 267 و عليه شرح مبسوط و هو في الوافي الجزء الثالث ص 168 و روى مثله العياشي ج 1 ص 198 بالرقم 144، و نقله عنه في البحار ج 3 ص 101 و مستدرك الوسائل ج 2 ص 319 و البرهان ج 1 ص 315 و الحديث في الوسائل الباب 47 من أبواب جهاد النفس الحديث 4 ج 2 ص 466.

391

و قد ظهر ممّا ذكرناه أنّه لو فعل الصّغيرة مرّة واحدة غير عازم على العود إليها لم يخرج بذلك عن العدالة، و لم يحتج إلى التوبة، و هو المشهور بين الفقهاء، فإنّ الصّغيرة عندهم لا يقدح في العدالة من دون إصرار، و لكن في الأخبار ما يدلّ على التوبة منه أيضا كالخبر السابق، و أنّه بدون التوبة يكون مصرّا و هو الظاهر من القاضي (1) فإنّه قال: عند قوله «وَ لَمْ يُصِرُّوا عَلىٰ مٰا فَعَلُوا» و لم يقيموا على ذنوبهم غير مستغفرين، لقوله (عليه السلام) ما أصرّ من استغفر، و إن عاد في اليوم سبعين مرّة، و نحوه في الكشّاف (2).

و الظاهر أنّ مرادهما بالاستغفار التوبة تفسيرا للإصرار، فما لم يتب يكون مصرّا، و لكن يلزم عدم الفرق بين الكبيرة و الصغيرة في أنّه لا يغفر إلّا مع التوبة و بدونها يكون فاسقا، و هو خلاف المشهور كما عرفت.

«وَ هُمْ يَعْلَمُونَ» قال في مجمع البيان (3) يحتمل وجوها أحدها أنّ معناه و هم يعلمون الخطيئة ذاكرين لها غير ساهين و لا ناسين، لأنّه تعالى يغفر للعبد ما نسيه من ذنوبه و إن لم يتب منه بعينه عن الجبائيّ و السدّي.

و ثانيها أنّ معناه يعلمون الحجّة في أنّها خطيئة، فإذا لم يعلموا أولا طريق لهم إلى العلم به، كان الإثم موضوعا عنهم، كمن تزوّج بامّه من الرضاع أو النّسب و هو لا يعلم به، فإنّه لا يأثم، و هذا قول ابن عبّاس و الحسن.

و ثالثها أنّ المراد و هم يعلمون أنّ اللّه يملك مغفرة ذنوبهم عن الضحّاك، و لا يذهب عليك أنّ الظاهر من الآية الأوّل، و الجملة حال من فاعل «يصرّوا» قيد للمنفيّ لا للنفي.

____________

(1) البيضاوي ص 89 ط المطبعة العثمانية.

(2) الكشاف ج 1 ص 416 و في الكاف الشاف أخرجه أبو داود و الترمذي و أبو يعلى و البزار و أخرجه البيضاوي أيضا و أخرجه السيوطي في الجامع الصغير بالرقم 7822 ج 5 ص 422 فيض القدير و فيه على الحديث شرح مبسوط فراجع.

(3) المجمع ج 1 ص 506.

392

«أُولٰئِكَ جَزٰاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ جَنّٰاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهٰارُ» خبر عن «الّذين» إن جعل مبتدءا و جملة مستأنفة مبيّنة لما قبلها إن عطف «الّذين» على «المتّقين» أو على «الّذين ينفقون» فيكون المعنى أنّ الجنّة معدّة للمتّقين و التائبين بمعنى أنّ الغرض الأصليّ من خلقها دخولهم، و حينئذ فلا ينافي ذلك دخول غيرهم، و هم المصرّون كما أنّ النّار معدّة للكفّار جزاء لهم على كفرهم، و مع ذلك يدخلها غيرهم من الفسّاق.

فقول صاحب الكشاف و في هذه الآيات بيان قاطع أنّ الّذين آمنوا على ثلاث طبقات: متّقون، و تائبون، و مصرّون، و أنّ الجنّة للمتّقين و التائبين منهم دون المصرّين، فمن خالف ذلك. فقد كابر عقله و عاند ربّه.

مدفوع بما بيّناه، و بما دلّ على دخول المصرّين الجنّة من الآيات الصّريحة في العفو و التفضّل و الإحسان و المغفرة لمن يشاء، و عموم قوله «من عمل صالحاً يجزيه» (1) و سائر ما يدلّ على وجوب إيصال ثواب العمل إلى صاحبه، و بعد خلود النّار من فعل ذنبا واحدا آخر عمره و لم يتب عنه، مع صرف أكثر عمره في الطاعة و العبادة، و ما ذكره مبنىّ على الإحباط و على أنّ كلّ ذنب كفر، و على عدم جواز العفو، و هي باطلة عندنا بما قام من الأدلّة العقليّة على بطلانها.

على أنّا لو سلّمنا دلالتها على أنّ الجزاء و أجر العمل الموجب لدخول الجنّة مخصوص بالمتّقين و التّائبين، فلا يدلّ على عدم دخول غيرهما بالتفضّل و الإحسان و العفو و كظم الغيظ الّتي مدح اللّه تعالى عباده المتّصفين بها و حثّهم عليها، فيبعد أن يمنع نفسه و هو كريم على الإطلاق لا يزيد في ملكه الطّاعة و لا ينقصه المعصية، هذه الصّفات الكاملة مع ترغيبه فيها للعبد الّذي الانتقام كالخلق و الطّبع له.

و لأنّ الدّلالة على ذلك إنّما هي بالمفهوم الضّعيف، فلا يصار إليه مع تصريح المنطوق بخلافه، قال تعالى في سورة الحديد

____________

(1) النساء: 123.

393

«سٰابِقُوا إِلىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُهٰا كَعَرْضِ السَّمٰاءِ وَ الْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللّٰهِ وَ رُسُلِهِ» (1) فعلم من ذلك أنّ ذكر المتّقين هنا للاهتمام أو لغيره لا للحصر، و تنكير جنّات على تقدير كون «أولئك» خبر «الّذين» للدّلالة على أنّ ما لهم أدون ممّا للمتّقين الموصوفين بتلك الصّفات المذكورة في الآية المتقدّمة، و كفاك فارقا بين القبيلين أنّه فصل آيتهم بأن بيّن أنّهم محسنون مستوجبون لمحبّة اللّه، و ذلك لأنّهم حافظوا على حدود الشّرع و تخطّوا إلى التخصيص بمكارمه، و فصل آية هؤلاء بقوله «وَ نِعْمَ أَجْرُ الْعٰامِلِينَ» نظرا إلى أنّ المتدارك لتقصيره، كالعامل لتحصيل بعض ما فوّت على نفسه، و فرق ما بين المحسن و المتدارك، و المحبوب و الأجير، و لعلّ في تبديل لفظ الجزاء بالأجر إشارة إلى هذه النكتة، و المخصوص بالمدح محذوف تقديره «و نعم أجر العاملين ذلك» يعني المغفرة و الجنّات.

السادسة:

[وَ قَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتٰابِ أَنْ إِذٰا سَمِعْتُمْ آيٰاتِ اللّٰهِ يُكْفَرُ بِهٰا وَ يُسْتَهْزَأُ بِهٰا فَلٰا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتّٰى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللّٰهَ جٰامِعُ الْمُنٰافِقِينَ وَ الْكٰافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً] (2).

«وَ قَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتٰابِ» أي القرآن، و قرئ نزّل على البناء للمجهول و نائب الفاعل قوله «أَنْ إِذٰا سَمِعْتُمْ آيٰاتِ اللّٰهِ» و هي المخفّفة من الثقيلة و اسمها ضمير الشأن، و المعنى أنّه إذا سمعتم آيات اللّه «يُكْفَرُ بِهٰا وَ يُسْتَهْزَأُ بِهٰا» و هما حالان من الآيات «فَلٰا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتّٰى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ» و هو جزاء «إذا» الشرطيّة و «غيره» صفة «حديث» و المراد نهي المؤمنين عن مجالسة المعاندين المستهزئين، وقت إظهار العناد و الكفر و الاستهزاء بالآيات منهم، فضمير «معهم» يرجع إلى الكفّار

____________

(1) الحديد: 21.

(2) النساء: 140.

394

و المستهزئين المدلول عليه بقوله «يُكْفَرُ بِهٰا وَ يُسْتَهْزَأُ بِهٰا».

و هذا تذكار لما نزل عليهم بمكّة من قوله في سورة الانعام «وَ إِذٰا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيٰاتِنٰا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتّٰى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ» (1) الآية، و ذلك أنّ المشركين بمكّة كانوا يخوضون في ذكر القرآن في مجالسهم فيستهزؤن به، فنهي المسلمون عن القعود معهم ما داموا خائضين فيه، فكان أحبار اليهود بالمدينة يفعلون نحو فعل المشركين، فنهوا أن يقعدوا معهم كما نهوا عن مجالسة المشركين بمكّة، و كان الّذين يقاعدون الخائضين في القرآن من الأحبار هم المنافقون.

«إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ» في الإثم لأنّكم لم تنكروا عليهم مع قدرتكم على الإنكار و الاعراض، أو مثلهم في الكفر إن رضيتم به، لأنّ الرضا بالكفر كفر و الرّاضي به كافر قطعا، و إنّما لم يكن المسلمون بمكّة حين كانوا يجالسون المشركين الخائضين بمثابتهم لأنّهم كانوا عاجزين عن الإنكار، فكان تركهم الإنكار لعجزهم و هؤلاء لم ينكروا مع قدرتهم فكان ذلك عن رضى منهم.

«إِنَّ اللّٰهَ جٰامِعُ الْمُنٰافِقِينَ وَ الْكٰافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً» أي يجمع الفريقين و هم القاعدون و المقعود معهم في النّار و العقوبة فيها كما اتّفقوا في الدّنيا على عداوة المؤمنين، و المظاهرة عليهم، و في الآية دلالة واضحة على وجوب إنكار المنكر مع القدرة، و زوال العذر، و أنّ من رضى بالكفر فهو كافر، و من رضى بمنكر رآه و خالط أهله- و إن لم يباشر الفعل- كان شريكهم في الإثم، و أنّ من ترك الإنكار مع القدرة عليه فهو مخطئ آثم.

قال جماعة من المفسّرين: و من ذلك ما إذا تكلّم الرجل في مجلس بكذب فيضحك منه جلساؤه فيسخط اللّه عليهم و روى العياشي (2) بإسناده عن عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام)

____________

(1) الأنعام: 68.

(2) العياشي ج 1 ص 281 الرقم 290 و حكاه في البحار ج 21 ص 117 و البرهان ج 1 ص 423 و نور الثقلين ج 1 ص 467 الرقم 628 و نقله عن العياشي أيضا في المجمع ج 2 ص 127.

395

في تفسير هذه الآية قال: إذا سمعت الرّجل يجحد الحقّ و يكذب به، و يقع في أهله فقم من عنده و لا تقاعده، و روى الكلينيّ في (1) الصّحيح عن شعيب العقرقوفيّ قال:

سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قول اللّه عزّ و جلّ «وَ قَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتٰابِ أَنْ إِذٰا سَمِعْتُمْ آيٰاتِ اللّٰهِ يُكْفَرُ بِهٰا» إلى آخر الآية، قال إنّما عنى بهذا الرّجل يجحد الحقّ و يكذب به و يقع في الأئمّة، فقم من عنده و لا تقاعده كائنا من كان.

و في الحسن عن عبد الأعلى (2) قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول من كان يؤمن باللّه و اليوم الآخر فلا يقعدنّ في مجلس يعاب فيه إمام أو ينتقص فيه مؤمن، و عن عبد الأعلى بن أعين (3) عنه (عليه السلام) قال: من كان يؤمن باللّه و اليوم الآخر فلا يجلس مجلسا ينتقص فيه إمام أو يعاب فيه مؤمن، و عن عبد اللّه بن صالح (4) عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال: لا ينبغي للمؤمن أن يجلس مجلسا يعصى اللّه فيه، و لا يقدر على تغييره

____________

(1) أصول الكافي باب مجالسة أهل المعاصي الحديث 8 و هو في المرآة ج 2 ص 369 و الوافي الجزء الثالث ص 174 و نور الثقلين ج 1 ص 467 الرقم 626 الوسائل الباب 38 من أبواب الأمر و النهي الحديث 6 و روى قريبا منه العياشي أيضا عن شعيب ج 1 ص 282 الرقم 291 و نقله عنه في البحار ج 21 ص 117 و البرهان ج 1 ص 423 و مستدرك الوسائل ج 2 ص 387.

(2) أصول الكافي باب مجالسة أهل المعاصي الحديث 11 و هو في المرآة ج 2 ص 369 و الوافي الجزء الثاني ص 56 باب الناصب و مجالسته و هو في الوسائل الباب 38 من أبواب الأمر و النهي من كتاب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر الحديث 7 ج 3 ص 509 ط الأميري.

(3) أصول الكافي باب مجالسة أهل المعاصي الحديث 9 و هو في المرآة ج 2 ص 269، و الوافي الجزء الثالث ص 174 و نقله في الوسائل في الباب المذكور في الحديث السابق.

(4) أصول الكافي باب مجالسة أهل المعاصي الحديث 1، و هو في المرآة ج 2 ص 265، و الوافي الجزء الثالث ص 174، و الوسائل الباب السابق الحديث 4.

396

و عن زرارة (1) عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: من قعد في مجلس يسبّ فيه إمام من الأئمّة يقدر على الانتصاف و لم يفعل ألبسه اللّه الذّلّ في الدّنيا، و عذّبه في الآخرة، و سلبه صالح ما منّ عليه من معرفتنا، و الاخبار في ذلك كثيرة هذا.

و قد يظهر من الآية جواز مجالستهم في غير ذلك، كما لو خاضوا في حديث غيره و إن كانوا كفّارا مستهزئين و هو الظاهر من الكشاف و القاضي (2) على أن يكون «حتّى» غاية للتحريم، و لا يخفى أنّه خلاف المشهور بين العلماء، فإنّهم يقولون بتحريم الاختلاط مع الفسّاق و وجوب الاعراض عنهم، و تحريم الميل إليهم، و في الاخبار دلالة على ذلك أيضا:

روى الكلينيّ (3)(رحمه اللّه) عن عمر بن يزيد في الصّحيح عن أبى عبد اللّه (عليه السلام): قال لا تصحبوا أهل البدع و لا تجالسوهم فتصيروا عند النّاس كواحد منهم

____________

(1) أصول الكافي باب مجالسة أهل المعاصي الحديث 15 و هو في المرآة ج 2 ص 370 و الوافي الجزء الثاني باب الناصب و مجالسته ص 56 و الوسائل الباب السابق الحديث 4.

(2) انظر الكشاف ج 1 ص 578 ط دار الكتاب العربي حيث قال «فنهى المسلمون عن القعود معهم ما داموا خائضين فيه» و في البيضاوي ص 132 ط المطبعة العثمانية أن يكفر بها و يستهزئ بها حالان من الايات جيء بهما لتقييد النهي عن المجالسة في قوله فلا تقعد معهم حتى يخوضوا في حديث غيره الذي هو جزاء الشرط بما إذا كان من يجلسه هازئا معاندا غير مرجو و

يؤيده الغاية.

(3) أصول الكافي باب مجالسة أهل المعاصي الحديث 3 و هو في المرآة ج 2 ص 366 و الوافي الجزء الثالث ص 174 و تتمة الحديث قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) العرء على دين خليله و قرينه و رواه في الوسائل الباب 38 من أبواب الأمر و النهي الحديث 1 ج 2 ص 509 ط الأميري، و في الباب 27 من أبواب أحكام العشرة الحديث 1 ج 2 ص 208.

397

و في الصحيح عن داود بن سرحان (1) عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إذا رأيتم أهل الريب و البدع من بعدي فأظهروا البراءة منهم و أكثروا من سبّهم و القول فيهم، و الوقيعة الحديث، و عن عليّ بن الحسين (2) (عليه السلام) يا بنىّ انظر خمسة فلا تصاحبهم و لا تحادثهم و لا ترافقهم في طريق، و عدّ منهم الكذّاب و الفاسق و البخيل و الأحمق و القاطع لرحمه، و نحوها من الاخبار الدّالّة على النهي عن المجالسة مطلقا بل المرافقة، و كفاك دليلا على ذلك ظاهر قوله تعالى «وَ لٰا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّٰارُ» (3) و لا يراد من الظّالم سوى من كان مقارفا للذنوب و المعاصي غير مرتدع عنها، و على هذا يمكن حمل الآية على أنّ حتّى لتعليل النهي، و المعنى لا تقعدوا معهم حتّى يتركوا ذلك، فانّ الجلوس عندهم قد يكون سببا للاستهزاء و الكفر فإنّهم قد يقصدون إغاظة المسلمين، فإذا لم يكونوا معهم رأسا لم يخوضوا فيه، أو أنّ الجلوس عندهم قد يكون سببا لذكر آلهتهم فيريدون انتقام ذلك فيكفرون و يستهزؤن بالآيات.

[ «وَ لٰا تَرْكَنُوا» (4) بفتح الكاف و ضمّها مع فتح التاء و الركون هو الميل اليسير «إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا» الّذين وجد منهم الظلم، و المراد لا تميلوا إليهم أدنى ميل كما هو

____________

(1) أصول الكافي باب مجالسة أهل المعاصي الحديث 4 و هو في المرآة ج 2 ص 366 و فيه بسط كلام في شرح الحديث و للحديث تتمة و رواه في الوسائل في الباب 39 من أبواب الأمر و النهي من كتاب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر الحديث 1 ج 2 ص 510 ط الأميري.

(2) أصول الكافي باب مجالسة أهل المعاصي الحديث 7 و هو في في المرآة ج 2 ص 368 و الوافي الجزء الثالث ص 105 و الحديث طويل و في المرآة عليه شرح مبسوط فراجع و رواه في الوسائل في الباب 17 من أبواب العشرة الحديث 1 ج 2 ص 206 ط الأميري.

(3) هود: 112.

(4) ذكر هذه الآية من مختصات نسخة سن و هي تحت عنوان: السابعة.

398

ظاهر معنى الركون و النّهى يتناول الانحطاط في هواهم، و الانقطاع إليهم و مصاحبتهم و مجالستهم و زيارتهم و مداهنتهم، و الرضي بأعمالهم و التشبّه بهم، و التزيّي بزيّهم و مدّ العين إلى زهرتهم و ذكرهم بما فيه تعظيم قولهم، و استدامة ذكرهم فأما مداخلتهم لدفع ضرر عنه أو عن أحد من المؤمنين فلا قصور فيه.

«فَتَمَسَّكُمُ النّٰارُ» بركونكم إليهم، و إذا كان الرّكون إلى من وجد منه ما يسمّى ظلما بهذه المثابة فما ظنّك بالركون إلى الظّالمين أي الموسومين بالظّلم ثمّ الميل إليهم كلّ الميل، و قد نقل عن بعض الأكابر أنّه لمّا قرأ الآية غشي عليه فلمّا أفاق قيل له فقال هذا فيمن ركن إلى من ظلم فكيف بالظالم؟ و عنه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) من دعا لظالم بالبقاء فقد أحبّ أن يعصى اللّه في أرضه (1) و في الآية دلالة على النهي عن الظلم و التهديد عليه على أبلغ وجه بمسيس النّار إذ كان يحصل بأدنى ميل إلى من ظلم فكيف بالظّلم نفسه و الانهماك فيه.

«وَ مٰا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللّٰهِ مِنْ أَوْلِيٰاءَ» حال من قوله «فَتَمَسَّكُمُ النّٰارُ» أي فتمسّكم النار و أنتم على هذه الحال، و المعنى و ما لكم من دون اللّه من أنصار يقدرون على منعكم من عذابه «ثُمَّ لٰا تُنْصَرُونَ» أي ثمّ لا ينصركم هو لأنّه وجب في حكمته تعذيبكم و ترك الإبقاء عليكم و «ثمّ» لاستبعاد نصره إيّاهم و قد أوعدهم بالعذاب و أوجبه لهم

____________

(1) الحديث أخرجه الكشاف ج 2 ص 434 عند تفسير الآية قال ابن حجر في الشاف الكاف قد رواه البيهقي في السادس و الستين من الشعب من رواية يونس بن عبد عن الحسن من قوله و ذكره أبو نعيم في الحلية من قول سفيان الثوري.

و قال ملا علي القارئ في الموضوعات الكبير ص 119 بعد ذكره الحديث ذكره الغزالي في الاحياء و الزمخشري في تفسيره قال السخاوي و لم نره في المرفوع بل أخرجه أبو نعيم في الحلية من قول سفيان الثوري و قال ابن الجوزي و كل ما يروى في معناه موضوع أى بحسب إسناده و مبناه، و الا فلا شك في صحة معناه، و قد قال العراقي في تخريج أحاديث الاحياء رواه ابن أبى الدنيا في كتاب الصمت في قول الحسن البصري و كذا قال العسقلاني في تخريج الكشاف انتهى.

399

و يجوز أن يكون منزّلا منزلة الفاء بمعنى الاستبعاد، فإنّه لما بيّن أنّ اللّه تعالى معذّبهم و أنّ غيره لا يقدر على نصرهم أنتج ذلك أنّهم لا ينصرون أصلا].

السابعة:

[وَ إِذٰا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيٰاتِنٰا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتّٰى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَ إِمّٰا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطٰانُ فَلٰا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظّٰالِمِينَ وَ مٰا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسٰابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَ لٰكِنْ ذِكْرىٰ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ] (1).

«وَ إِذٰا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيٰاتِنٰا» ظاهره أنّ الخطاب للنبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و يحتمل أن يكون له و المراد غيره من قبيل إيّاك أعني و اسمعي يا جاره (2) [و قيل إنّ

____________

(1) الانعام: 68 و 69.

(2) المثل يضرب لمن يتكلم بكلام و يريد شيئا غيره ذكره الميداني في مجمع الأمثال ج 1 ص 49 بالرقم 187 ط مطبعة السعادة و نظمه الشيخ إبراهيم بن السيد على الأحدب الطرابلسي في كتابه فرائد اللآل في مجمع الأمثال ج 1 ص 40 فقال:

يا نفس وعظي لك بالإشارة * * * إياك أعني و اسمعي يا جاره

من قول سهل بن مالك الفزاري لما مر بحي حارثة بن لام الطائي فلم يره و قد رأى أخته أجمل امرأة و كانت عقيلة قومها فعلق بها فقال يعرض بذلك:

يا أخت خير البدو و الحضاره * * * كيف ترين في فتى فزارة

أصبح يهوى حرة معطاره * * * إياك أعني و اسمعي يا جاره

فلما سمعت ذلك عرفت أنه يعنيها فقالت ما ذا بقول ذي عقل أديب، و لا رأى مصيب، و لا ألف نجيب فأقم ما أقمت مكرما ثم ارتحل متى شئت مسلما، و أجابته بقولها:

انى أقول يا فتى فزارة * * * لا أبتغي الزوج و لا الدعارة

و لا فراق أهل هذى الجارة * * * فارحل إلى أهلك باستخارة

فاستحيى و قال ما أردت منكرا، واسوأتا قالت صدقت كأنها استحيت من تسرعها الى تهمته ثم أتى النعمان فحياه و أكرمه فعاد و نزل على أخيها فتطلعت اليه نفسها و كان جميلا فأرسلت إليه اخطبنى ان كانت لك الى حاجة فخطبها و تزوجها و ساربها الى قومه.

400

الخطاب لغيره] و معنى الخوض التكذيب، و أصله التّخليط في المفاوضة على سبيل العبث و اللّعب، و ترك التفهيم و التبيّن، و قريب منه قول المفسّرين أنّه في الآية الشروع في آيات اللّه على سبيل الطعن و الاستهزاء و قد كان قريش في أنديتهم يفعلون ذلك «فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ» أي اتركهم و لا تجالسهم «حَتّٰى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ» قد تقدّم الكلام في ذلك.

«وَ إِمّٰا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطٰانُ» أي إن أنساك الشّيطان النهي عن الجلوس معهم «فَلٰا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظّٰالِمِينَ» فلا تقعد معهم في شيء من المجالس بعد أن تذكر النهي عن المجالسة، و وضع الظاهر موضع المضمر للتسجيل عليهم بالظلم، و يجوز أن يكون المراد إن كان الشيطان ينسينّك قبل النهي قبح مجالسة المستهزئين لأنّها ممّا تنكره العقول، فلا تقعد بعد أن ذكّرناك قبحها و نبّهناك عليه، بالنّهي عن المجالسة معهم.

و إضافة الإنساء إلى الشيطان مع أنّه من اللّه تعالى لأنّه تعالى أجرى عادته بأن يفعل النّسيان عند الاعراض عن الذكر، و تراكم الخواطر الرديّة و الوساوس الفاسدة من الشيطان، فجاز إضافة النّسيان إليه لما حصل عند فعله كذا في مجمع البيان (1).

ثمّ قال بعد ذلك: و قال الجبائي في هذه الآية دلالة على بطلان قول الإماميّة في جواز التقية على الأنبياء و على الأئمّة، و أنّ النّسيان لا يجوز على الأنبياء، و هذا القول غير صحيح و لا مستقيم لأنّ الإماميّة إنّما تجوّز التقيّة على الامام فيما يكون عليه دلالة قاطعة توصل إلى العلم، و يكون المكلّف مزاح العلّة في تكليفه، فأمّا ما لا يعرف إلّا بقول الامام من الاحكام، و لا يكون على ذلك دليل إلّا من جهته فلا تجوّز عليه التقيّة فيه، و يمكن أن يجاب بأنّ الآية لا تدلّ على عدم جواز التقيّة، فإنّها مطلقة يجوز تقييدها بعدم الخوف و الضرر، و عدم المفسدة، مع أنّ الإماميّة لا تجوّز

____________

(1) المجمع ج 2 ص 317.