مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - ج2

- الفاضل الكاظمي المزيد...
420 /
401

التقيّة على الأنبياء [قلت و يؤيّده أنّه لو جوّزنا عليهم التقيّة لجاز منهم ترك الواجب بسبب الخوف، و هو يوجب سقوط الاعتماد على التكاليف الّتي بلّغها إلينا.

ثمّ قال] و أمّا السّهو و النّسيان فلم يجوّزوهما عليهم فيما يؤدّونه عن اللّه تعالى فأمّا ما سواه فقد جوّزوا عليهم أن ينسوه و يسهو عنه، ما لم يؤدّ ذلك إلى إخلال بالعقل و كيف لا يكون كذلك و قد جوّزوا عليهم النوم و الإغماء، و هما من قبيل السّهو، فهذا ظنّ منه فاسد و بعض الظنّ إثم انتهى.

و الظاهر من كلامه أنّه لا خلاف في ذلك بين الإماميّة، و فيه تأمّل.

و لمّا نزلت الآية، ضاق أمر المسلمين معهم، فكانوا لا يستطيعون أن يجلسوا في المسجد الحرام و لا أن يطّوّفوا به، فنزلت الرّخصة في أن يقعدوا معهم و يذكروهم و يفهموهم بقوله «وَ مٰا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ» أي الشرك و الكبائر و الفواحش «مِنْ حِسٰابِهِمْ» من ذنوبهم و آثامهم الّتي يحاسبون عليها مِنْ شَيْءٍ «وَ لٰكِنْ ذِكْرىٰ» أي و لكن يذكرونهم تذكيرا، أو و لكن الّذي يأمرونهم به ذكري فهو مفعول مطلق أو خبر. و لا يجوز أن يكون عطفا على محلّ «من شيء» كقول القائل ما في الدّار من أحد و لكن زيد لأنّ قوله «من حسابهم» حال «من شيء» قدّم عليه فصار قيدا للعامل، فان عطف ذكري على شيء عطف المفرد على المفرد كانت جهة القيد معتبرة فيه، و يؤل المعنى إلى أنّ عليهم من حسابهم ذكري، و ظاهر أنّ ذكري ليس من حسابهم فتأمّل «لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ» المعاصي فلا يخوضون فيها.

[الثامنة

«وَ قٰالَ» (1) أي الشيطان «لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبٰادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً» ادّعى الشيطان هيهنا أشياء أوّلها اتّخاذه من العباد نصيبا معيّنا و هم الّذين يتّبعون خطواته و يقبلون وسوسته، و ثانيها قوله «وَ لَأُضِلَّنَّهُمْ» أي عن الحقّ، و ثالثها قوله «وَ لَأُمَنِّيَنَّهُمْ» أي الأماني الباطلة كطول الحيوة و أنّه لا بعث و لا عقاب، و فيه إشعار بأنّه لا حيلة له في الإضلال أقوى من إلقاء الأمانيّ في قلوب الخلق، و ظاهر أنّ طلب الأمانيّ يورث

____________

(1) النساء: 118، و هذا العنوان من مختصات سن تحت عنوان التاسعة.

402

الحرص و الأمل، و هما يستلزمان أكثر الأخلاق الذّميمة، فإنّه إذا اشتدّ حرصه على الشيء فقد لا يقدر على تحصيله إلّا بمعصية اللّه و إيذاء الخلق، و إذا طال أمله نسي الآخرة و صار غريقا في الدّنيا، فلا يكاد يقدم على التوبة، و لا يؤثر فيه الوعظ، فيصير قلبه كالحجارة أو أشدّ قسوة.

و رابعها قوله «وَ لَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذٰانَ الْأَنْعٰامِ» البتك القطع، و المراد هنا قطع آذان الحيوان، فإنّهم كانوا يشقّون اذن الناقة إذا ولدت خمسة أبطن، و جاء الخامس ذكرا حرّموا على أنفسهم الانتفاع بها، و يعبّر عنها بالبحائر و السوائب.

و خامسها قوله:

«وَ لَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّٰهِ» و فيه وجهان أحدهما أنّ المراد تغيير دين اللّه و هو قول جماعة من المفسّرين، و المراد أنّ اللّه فطر الخلق على الإسلام يوم أخرجهم من ظهر آدم، و أشهدهم على أنفسهم أنّه ربهم و آمنوا به، فمن كفر و عبد غير اللّه كالشمس و القمر فقد غيّر فطرة اللّه الّتي فطر النّاس عليها، و الثاني أنّ المراد تغيير يتعلّق بظاهر الخلقة و مندرج فيه نحو خصاء العبيد فيكون حراما على إطلاقه و لكنّ الفقهاء رخّصوا في خصاء البهائم للحاجة، و كذا يندرج فيه الوشر و هو تحديد طرف الأسنان و ترقيقها تفعله المرأة الكبيرة تشبيها بالصّغائر، و الوشم و هو غرز ظهر الكفّ و نحوه بالإبر و إشباعه بالعظلم (1) و نحوه حتّى يخضرّ، و قد روى (2) عنه

____________

(1) العظلم كزبرج عصارة شجر أو نبت يصبغ به و المثل بالرقم 549 ج 1 ص 108 مجمع الأمثال للميداني بيضاء لا يدجى سناها العظلم، مثل يضرب للمشهور لا يخفيه شيء و قد نظمه الشيخ إبراهيم في فرائد اللآل فقال:

يد الحميد بالندى إذ يكرم * * * بيضاء لا يدجى سناها العظلم

اى لا يسود بياضها العظلم و هو نبت يصبغ به، قيل هو النيل و قيل الوسمة و العظلم الليل المظلم أيضا على التشبيه.

(2) انظر الحديث بطرقه المختلفة و ألفاظه المتفاوتة في كتب الشيعة الوسائل الباب 47 من أبواب ما يكسب به ج 2 ص 542 و الباب 136 من أبواب مقدمات النكاح ص 31 ج 3 ط الأميري و في كتب أهل السنة الكشاف تفسير الآية ج 1 ص 567 ط دار الكتاب العربي و فيض القدير ج 5 ص 268 و ص 272 و ص 273.

قال الصدوق (قدّس سرّه) في معاني الأخبار ص 250 بعد نقل خبر لعن النبي (ص) النامصة و المنتمصة و الواشرة و المستوشرة و الواصلة و المستوصلة و الواشمة و المستوشمة.

قال على بن غراب النامصة التي تنتف الشعر من الوجه و المنتمصة التي يفعل ذلك بها، و الواشرة التي تشر أسنان المرأة و تفلجها و تحددها، و المستوشرة التي يفعل ذلك بها، و الواصلة التي تصل شعر المرأة بشعر امرءة غيرها و المستوصلة التي يفعل ذلك بها. و الواشمة التي تشم و شما في يد المرأة أو في شيء من بدنها و هو أن تغرز يديها أو ظهر كفها أو شيئا من بدنها بإبرة حتى تؤثر فيه ثم تحشوه بالكحل أو بالنورة فيخضر، و المستوشمة التي يفعل ذلك بها انتهى. ما في معاني الأخبار.

403

(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّه قال لعن اللّه الواشرة و المستوشرة و الواشمة و المستوشمة فالواشرة من يفعل الوشر و المستوشرة الّتي يفعل بها ذلك، و كذا الواشمة من يفعل الوشم و المستوشمة من يفعل بها ذلك، و يندرج في ذلك فقؤ عين الحيوان على ما كان من عادة العرب أنّ الإبل إذا بلغت ألفا عوّروا عين فحلها و مندرج فيه أيضا السّحق و اللّواط، فانّ في اللّواط يكون الذّكر مشابها للأنثى و في السّحق يكون الأنثى مشابهة للذكر و قد انعقد إجماع العلماء على تحريم هذه الافعال].

و لنختم الكتاب بآيات لها تعلّق بالمقام

و هي:

«وَ لَقَدْ آتَيْنٰا لُقْمٰانَ الْحِكْمَةَ» هو لقمن بن باعورا (1) ابن أخت أيّوب عن وهب أو ابن خالته عن مقاتل، و قيل: كان من أولاد آزر، و عاش ألف سنة، و أدرك داود و أخذ منه العلم، و كان يفتي قبل مبعث داود (عليه السلام) فلمّا بعث قطع الفتوى، فقيل له في ذلك، فقال ألا اكتفى إذا كفيت.

____________

(1) انظر المجمع ج 4 ص 315 و الكشاف ج 3 ص 493 تفسير الآية و انظر أيضا الروض الأنف ج 1 266 و فتح القدير ج 4 ص 229 و فيه: اختلف في لفظ لقمان هل هو أعجمي أم عربي مشتق من اللقم فمن قال انه أعجمي منعه للتعريف و العجمة و من قال انه عربي منعه للتعريف و لزيادة الألف و النون.

404

و قد اختلفوا في كونه نبيّا أو لا، و الأكثر على أنّه كان حكيما، و لم يكن نبيّا و قيل كان نبيّا عن عكرمة و السديّ و الشعبي، و فسّروا الحكمة هنا بالنبوّة، و قيل إنّه كان عبدا أسود حبشيّا غليظ المشافر مشقوق الرّجلين في زمن داود (عليه السلام)، و قال له بعض النّاس: ألست كنت ترعى معنا؟ فقال نعم، قال فمن أين أوتيت ما لديك؟ قال قدر اللّه و أداء الامانة، و صدق الحديث، و الصّمت عمّا لا يعنى.

و عن نافع عن ابن عمر (1) قال: سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) يقول: حقّا أقول لم يكن لقمن نبيّا و لكن كان عبدا كثير التفكّر حسن اليقين، أحبّ اللّه فأحبّه، و منّ عليه بالحكمة، كان نائما نصف النّهار إذ جاءه نداء يا لقمن هل لك أن يجعلك اللّه خليفة في الأرض تحكم بين النّاس بالحقّ فأجاب إن خيّرني ربّى قبلت العافية و لم أقبل البلاء، و إن عزم عليّ فسمعا و طاعة، فانّى أعلم أنّه إن فعل ذلك بي أعانني و عصمنى فقالت الملائكة بصوت لا يراهم: لم يا لقمن؟ قال لأنّ الحكم أشدّ المنازل و أكدّها يغشاه الظلم من كلّ مكان، إن وفا فبالحرىّ أن ينجو، و إن أخطأ أخطأ طريق الجنّة و من يكون في الدّنيا ذليلا و في الآخرة شريفا خير من أن يكون في الدّنيا شريفا و في الآخرة ذليلا، و من يختر الدّنيا على الآخرة تفته الدّنيا، و لا يصيب الآخرة.

فتعجّبت الملائكة من حسن منطقه، فنام يومه فاعطى الحكمة فانتبه يتكلّم بها.

و عن ابن عبّاس: لقمن لم يكن نبيّا و لا ملكا، و لكن كان راعيا أسود فرزقه اللّه العتق، و رضي قوله و وصيّته فقصّ أمره في القرآن ليتمسّكوا بوصيّته، فإنّها صدرت عن حكمة أعطاه اللّه تعالى إيّاها، و منحه بها. و حينئذ فيصحّ التمسّك بها في ثبوت الاحكام.

«أَنِ اشْكُرْ لِلّٰهِ» أنّ هي المفسّرة لأنّ إيتاء الحكمة في معنى القول «وَ مَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمٰا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ» لأنّ نفعه عائد إليه، فإنّ دوام النعمة و استحقاق مزيدها اللّذين هما من آثار الشكر إنّما يعودان على الشّاكر نفسه «وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّٰهَ غَنِيٌّ» لا يحتاج

____________

(1) المجمع ج 4 ص 315.

405

إلى الشكر «حَمِيدٌ» حقيق بأن يحمد و إن لم يحمده أحد، أو أنّه محمود نطق بحمده جميع مخلوقاته كلّ منها بلسان حاله.

وَ إِذْ قٰالَ لُقْمٰانُ لِابْنِهِ» قيل اسمه أنعم و قيل أشكم، و قيل ما ثان «وَ هُوَ يَعِظُهُ يٰا بُنَيَّ» تصغير إشفاق لا تحقير «لٰا تُشْرِكْ بِاللّٰهِ» قيل كان كافرا فلم يزل به حتّى أسلم و من وقف على لا تشرك، جعل «باللّه» قسما «إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ» لأنّه تسوية بين من لا يوجد نعم إلّا منه، و بين من لا يتصور أن يكون منه نعمة و هو ظلم، لا يكتنه عظمه.

«وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسٰانَ بِوٰالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلىٰ وَهْنٍ» أي حملته تهن وهنا على وهن، و هو كقولك رجع عودا على بدء، بمعنى يعود عودا على بدء، و هو في موضع الحال، و المعنى أنّها تضعف ضعفا فوق ضعف، فإنّها تتزايد في الضعف و ذلك لانّ الحمل كلّما ازداد عظما ازداد ثقلا و ازدادت أمّه ضعفا «وَ فِصٰالُهُ فِي عٰامَيْنِ» و فطامه من الرّضاع في انقضاء عامين أي بعد مضيّهما و يجوز الزّيادة شهرا و اثنين عليهما عندنا على ما دلّت عليه غيرها من الأدلّة و لا يبعد حمل ذلك على الضرورة، و أمّا النّقيصة كذلك فيجوز أيضا و قد دلّ عليه غيرها من الآيات و سيجيء بيانه إنشاء اللّه، و المراد أنّها بعد ما تلده ترضعه عامين و تربّيه فيلحقها المشقّة بذلك أيضا.

«أَنِ اشْكُرْ لِي وَ لِوٰالِدَيْكَ» تفسير «لوصيّنا» و لعلّ المراد منها وصّينا الإنسان بنا و بوالديه كما يظهر من تفسيره، و في الاقتصار على الوالدين مبالغة زائدة لا يمكن فوقها، حيث جعل الوصيّة إليهما وصيّة إليه تعالى، و يحتمل أن يكون بدلا من والديه بدل الاشتمال، و ذكر الحمل و الفصال في البين اعتراض مؤكّد للتوصية في حقّ الامّ خصوصا لكثرة مشقّتها و من ثمّ قال (1) (صلى اللّه عليه و آله و سلم) لمن سأله من أبرّ؟ أمك ثمّ أمك ثمّ أمك

____________

(1) أصول الكافي باب البر بالوالدين الحديث 9 و 17 و تراهما في المرآة ج 2 ص 144 و 146 و شرح ملا صالح ج 2 ص 23 و ص 27 و نور الثقلين ج 4 ص 200 و ص 201 و الوافي الجزء الثالث ص 92 و انظر الوسائل ج 3 ص 135 الباب 49 من أبواب حقوق الأولاد و مستدرك الوسائل ج 3 ص 628.

و انظر أيضا من كتب أهل السنة فضل «اللّه الصمد» في توضيح الأدب المفرد لفضل اللّه الجيلاني من ص 44 الى ص 50 ج 1 فيه اختلاف ألفاظ الحديث و طرقه و ذكر من أخرجه.

406

ثمّ قال بعد ذلك ثمّ أباك.

«إِلَيَّ الْمَصِيرُ» أي مرجع المطيع و الشاكر لي و لهما، و العاصي و كافر النّعمة و العاقّ لهما إليّ فأجازي كلّا منهما بعمله و على ما يستحقّه ثمّ بالغ مرّة أخرى في التوصية بالإطاعة إلّا في الكفر فهو بمنزلة الاستثناء.

«وَ إِنْ جٰاهَدٰاكَ عَلىٰ أَنْ تُشْرِكَ بِي مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ، فَلٰا تُطِعْهُمٰا» و إن بذلا جهدهما في أن تعبد غيري و تشركه معي في العبادة فلا تطعهما في ذلك، فإنّه طاعة فيما ليس لك به علم، إذ العلم بثبوت الشريك محال لامتناعه في نفسه، فيكون المراد بنفي العلم به نفيه في نفسه، و قد يستفاد منه وجوب متابعة العلم، و عدم متابعة غيره حتّى لو فرض العلم بثبوت الشريك كان الواجب متابعة الوالدين فيه فكيف غيره، و لكن ذلك محال لامتناع متعلّقه كما عرفت.

«وَ صٰاحِبْهُمٰا فِي الدُّنْيٰا مَعْرُوفاً» صحابا معروفا يرتضيه الشرع و إن كانا كافرين و جاهداك على الشّرك كما سلف، و المعنى لا تترك الإحسان معهما بل استعمل معهما المعروف بخلق جميل و احتمال ما يصل إليك منهما، و أكّد ذلك ببرّ و صلة تنعشهما به و نحوه ممّا هو مقتضى المعروف و الإحسان في الدّنيا مع قطع النّظر عن آخرتهما.

«وَ اتَّبِعْ» في الدّين «سَبِيلَ مَنْ أَنٰابَ إِلَيَّ» بالتوحيد و الإخلاص في الطّاعة «ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ» أنت معهما «فَأُنَبِّئُكُمْ بِمٰا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» فأجازيك على إيمانك و اجازيهما على كفرهما، و في الكشاف فيه شيئان أحدهما أنّ الجزاء إلىّ فلا تحدّث نفسك بجفوة والديك و عقوقهما لشركهما، و لا تحرمهما برّك و معروفك في الدّنيا كما أنّى لا أمنعهما رزقي، و الثاني التّحذير من متابعتهما على الشرك و الحثّ على الثبات و الاستقامة في الدّين، بذكر المرجع و الوعيد.

407

و الآيتان معترضتان في تضاعيف وصيّة لقمن تأكيدا لما فيها من النهي عن الشرك كأنّه قال: و قد وصّينا بمثل ما وصّى به، و ذكر الوالدين للمبالغة في ذلك، فإنّهما مع كونهما تلو الباري في استحقاق التعظيم و الطّاعة، لا يجوز أن يطاعا في الإشراك فما ظنّك بغيرهما.

«يٰا بُنَيَّ إِنَّهٰا إِنْ تَكُ مِثْقٰالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أي إنّ الخصلة من الإساءة أو الإحسان إن تك في الصغر و القماءة كحبّة الخردل، و قرأ نافع برفع المثقال على أنّ الهاء ضمير القصّة و كان تامّة و تأنيثها لإضافة المثقال إلى الحبّة، فإنّ المضاف قد يكتسب من المضاف إليه التّأنيث، و قد ورد في الأشعار العربيّة (1) كثيرا أو أنّ التأنيث على المعنى نظرا إلى أنّ المراد به الحسنة أو السيّئة.

«فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمٰاوٰاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ» عطف على سابقه، و المراد أنّها لو كانت في الصّغر كحبّة الخردل، و كانت في أخفى موضع و أحرزه كجوف الصّخرة العظيمة فانّ الحبّة فيها أخفى و أبعد من الاستخراج، أو حيث كانت في العالم العلوي أو السفلىّ فلا يرد أنّ الصخرة لا بدّ أن تكون في السّموات أو في الأرض فما الفائدة في ذكرهما؟ لأنّ في الكلام إضمارا، و المراد في صخرة أو في موضع آخر من السموات و الأرض، و يمكن توجيهه أيضا بأنّ خفاء الشيء إمّا أن يكون لغاية صغره أو لاحتجابه أو لكونه بعيدا، أو لكونه في ظلمة، فأشار إلى الأوّل بقوله «مِثْقٰالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ» و إلى الثاني بقوله «فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ» و إلى الثالث بقوله «فِي السَّمٰاوٰاتِ» و إلى الرابع بقوله «أَوْ فِي الْأَرْضِ».

«يَأْتِ بِهَا اللّٰهُ» يحضرها فيحاسب بها عاملها يوم القيمة، و فيه مبالغة ليست في

____________

(1) قال ابن مالك في ألفيته:

و ربما أكسب ثان أولا * * * تأنيثا ان كان لحذف موهلا

و انشدوا في ذلك:

تجنب صديقا مثل ما، و احذر الذي * * * يكون كعمرو بين عرب و أعجم

فان صديق السوء يزري و شاهدي * * * كما شرقت صدر القناة من الدم

408

قوله «يعلمه اللّه» لدلالته على أنّه تعالى مع العلم بمكانه، قادر على الإتيان به و هو جواب الشرط «إِنَّ اللّٰهَ لَطِيفٌ» يصل علمه إلى كلّ خفيّ «خَبِيرٌ» عالم بكنهه و قيل المراد أنه لطيف باستخراجها خبير بمستقرّها، و روى العياشي بإسناده عن ابن مسكان (1) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال اتّقوا المحقّرات من الذنوب فانّ لها، طالبا لا يقولنّ أحدكم أذنب فأستغفر اللّه، إنّ اللّه تعالى يقول «إِنَّهٰا إِنْ تَكُ مِثْقٰالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ» الآية و روى (2) أنّ ابن لقمن قال له أ رأيت إلى الحبّة يكون في قعر مقرّ البحر أي في مغاصّه بعلمها اللّه فقال إنّ اللّه يعلم أصغر الأشياء في أخفى الأمكنة لأنّ الحبة في الصخرة أخفى منها في الماء.

«يٰا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلٰاةَ» أي في أوقاتها الّتي أمر اللّه بالإقامة فيها لما فيها من تعظيم المعبود الحقّ «وَ أْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَ انْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ» فإنّ الشفقة على الخلق يتمّ بهما «وَ اصْبِرْ عَلىٰ مٰا أَصٰابَكَ» يجوز أن يكون عامّا في كلّ ما يصيبه من المحن و الشدائد و أن يكون خاصّا بما يصيبه فيما أمر به من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر من أذى من يبعثهم على الخير و ينكر عليهم الشرّ، و لكنّ العلماء اشترطوا في جوازهما عدم الضرر فلعلّ المراد أنّه مع ظنّ عدم الضرر ينبغي الإقدام عليهما، و إن حصل الأذى بعده، أو المراد أنّ نفس الأمر بالمعروف و النّهي عن المنكر كلفة ينبغي الصّبر عليهما «إِنَّ ذٰلِكَ» أي الصّبر أو جميع ما وقع الأمر به «مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ» أي ممّا عزم اللّه فيه أي قطعه قطع إيجاب و إلزام، فيكون مصدرا بمعنى المفعول، و يجوز أن يكون بمعنى الفاعل من قولهم «فَإِذٰا عَزَمَ الْأَمْرُ» (3) أي جدّ.

____________

(1) رواه عن العياشي في المجمع ج 4 ص 316 و رواه عن المجمع في نور الثقلين ج 4 ص 204 بالرقم 46 و روى قريبا من الحديث في أصول الكافي مع تفاوت ج 2 باب الذنوب الحديث 10 و هو في المرآة ص 244 و شرح ملا صالح المازندراني ج 8 ص 232 و الوافي الجزء الثالث ص 168.

(2) المجمع ج 4 ص 316.

(3) راجع آل عمران: 159.

409

قال في الكشاف: و ناهيك بهذه الآية موذنة بقدم هذه الطّاعات، و أنّها كانت مأمورا بها في سائر الأمم، و أنّ الصّلوة لم تزل عظيمة الشأن سابقه العزم على ما سواها يوصى بها في الأديان كلّها.

«وَ لٰا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّٰاسِ» لا تمله عنهم، و لا تولّهم صفحة وجهك كما يفعله المتكبّرون من الصّعر و هو الصّيد داء يعتري البعير يلوى منه عنقه، و في الكشاف و المعنى أقبل على النّاس بوجهك تواضعا و لا تولّهم شقّ وجهك و صفحته كما يفعله المتكبّرون، و في مجمع البيان (1) و لا تمل وجهك عن النّاس تكبّرا أو لا تعرض عمّن يكلّمك استخفافا به، ثمّ قال: و قيل هو أن يكون بينك و بين الإنسان شيء فإذا لقيته أعرضت عنه، و قيل هو أن يسلّم عليك فتلوى عنقك تكبّرا و لا يبعد استفادة جميع ذلك من هذه اللّفظة.

«وَ لٰا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً» بطرا أو خيلاء أي لا تمرح مرحا فانّ المشي كذلك هو المرح، و يجوز أن يريد لا تمش لأجل المرح و الأشر على أنّه مفعول له أي لا يكن غرضك في المشي البطالة و الأشر كما يمشى كثير من الناس لذلك لا لكفاية مهمّ دينيّ أو دنيويّ، و نحوه قوله تعالى «وَ لٰا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيٰارِهِمْ بَطَراً وَ رِئٰاءَ النّٰاسِ» (2).

«إِنَّ اللّٰهَ لٰا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتٰالٍ فَخُورٍ» أي متكبّر فخور على النّاس، و هو علّة للنّهي السّابق، و المختال الماشي مرحا لا لغرض دينيّ أو دنيويّ، و الفخور المصعّر خدّه، بيّن هنا أنّ اللّه لا يحبّهما فيحبّ الاجتناب عن الاتّصاف بصفتهما، و لعلّ تأخير الفخور مع أنّ المقابلة يستلزم تقديمه لتوافق رؤس الآي.

«وَ اقْصِدْ فِي مَشْيِكَ» و اعدل فيه حتّى يكون مشيا بين مشيين: لا تدبّ دبيب المتماوتين الّذين لا حراك لهم، و لا تثب وثب المسرعين في حركاتهم، و في الحديث عنه

____________

(1) المجمع ج 4 ص 316.

(2) الأنفال: 47.

410

(صلّى اللّه عليه و آله): سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن (1).

«وَ اغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ» و انقص منه و أقصر من قولك فلان يغضّ من فلان إذا قصر و وضع عنه «إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوٰاتِ» أوحشها من قولك شيء نكر إذا أنكرته النفوس و استوحشت منه و نفرت عنه، «لَصَوْتُ الْحَمِيرِ» و الحمار مثل في الذّم البليغ، و كذلك نهاقه و لقد استفحشت العرب ذكره مجرّدا و كنّوا عنه رغبة عن التصريح به فقالوا الطويل الأذنين كما كنّوا عن الأشياء المستقذرة، و تشبيه الصوت المرتفع بصوته ثمّ إخلاء الكلام عن التّشبيه و إخراجه مخرج الاستعارة بأن جعلوهم حميرا و صوتهم نهاقا مبالغة شديدة في الذّم و التّهجين و إفراط في التثبيط عن رفع الصّوت و الترغيب عنه، و تنبيه على أنّه من كراهة اللّه بمكان، و توحيد الصّوت لانّ المراد الجنس في النكير دون الآحاد، أي أنكر أصوات أجناس الحيوان صوت هذا الجنس أو أنّه مصدر في الأصل فترك جمعه.

و في مجمع البيان: أمر لقمان ابنه بالاقتصاد في المشي و النطق و عن زيد بن عليّ (2) (عليه السلام) أنّه قال أراد صوت الحمير من النّاس و هم الجهّال شبّههم بالحمير كما شبّههم بالانعام في قوله «أُولٰئِكَ كَالْأَنْعٰامِ» (3) و عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) هي العطسة المرتفعة القبيحة و الرّجل يرفع صوته بالحديث رفعا قبيحا إلّا أن يكون داعيا أو يقرأ القرآن (4).

____________

(1) انظر الرقم 4689 و 4690 من الجامع الصغير ج 4 ص 104 فيض القدير و لفظ الثاني بهاء الوجه مكان بهاء المؤمن و روى الحديث في الخصال عن أبى الحسن (عليه السلام) ص 8 و رواه عن الخصال في نور الثقلين ج 4 ص 208 بالرقم 73.

(2) المجمع ج 4 ص 320.

(3) الأعراف: 179.

(4) المجمع ج 4 ص 320 و روى مثله في أصول الكافي بلفظ العطسة القبيحة و هو في باب العطاس و التسميت الحديث 11، و هو في المرآة ج 2 ص 530 و في نور الثقلين ج 4 ص 208 بالرقم 75 و في الوافي الجزء الثالث 115 و الوسائل الباب 60 من أبواب العشرة الحديث 3 ج 2 ص 213 ط الأميري.

411

و هذه الأمور و إن كانت من وصايا لقمان لابنه إلّا أنّ اللّه تعالى أعطاه الحكمة و نقل وصيّته في كتابه، و هو يدلّ علي الحثّ عليها فيجب العمل بها و حينئذ فكلّ ما يدلّ على التحريم فيها يعمل به فيه، و كذا غيره من الأحكام إلّا أن يقوم الدّليل من الخارج على العدم فيعمل عليه.

«يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ» (1) أي لا يسخر بعض المؤمنين من بعض، أو لا يسخر أغنياء المؤمنين من فقرائهم و السخريّة الاستهزاء و اختار الجمع لأنّ السخرية تغلب وقوعها في المجامع لا الوحدة، و مقتضى النهي تحريم السخرية و الاستهزاء و قوله «عَسىٰ أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ» أي المسخور منهم قد يكونون خيرا عند اللّه و أجلّ منزلة و أكثر ثوابا من السّاخرين، استيناف للعلّة الموجبة للتحريم، و لا خبر لعسى هنا لإغناء الاسم عنه «وَ لٰا نِسٰاءٌ مِنْ نِسٰاءٍ عَسىٰ أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ» أي لا يسخر نساء من نساء لذلك، قيل نزلت في عائشة لمّا عابت أمّ سلمة بالقصر.

«وَ لٰا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ» أي و لا يعب بعضكم بعضا كقوله «وَ لٰا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ» (2) و التعبير بذلك لأنّ المؤمنين كنفس واحدة أو المراد لا تفعلوا ما تلمزون به بين النّاس بأن تجعلوا أنفسكم عرضة للمز بصدور بعض الأفعال، فإنّ من فعل ما استحقّ به اللّمز فقد لمز نفسه، و اللّمز الطّعن باللّسان.

«وَ لٰا تَنٰابَزُوا بِالْأَلْقٰابِ» أي و لا يدعو بعضكم بعضا باللّقب السّوء الّذي لا يرضى به المدعوّ، و النبز يختصّ باللّقب السّوء عرفا، و إنّما قال «وَ لٰا تَنٰابَزُوا» و لم يقل «و لا تنبزوا» على منوال و لا تلمزوا لأنّ النبز لا يعجز الإنسان عن جوابه غالبا فمن نبز غيره بالحمار كان لذلك الغير أن ينبزه بالثور مثلا، و لا كذلك اللّمز فانّ الملموز كثيرا ما يغفل عن عيب اللامز فلا يحضره في الجواب شيء، فيقع اللّمز من جانب واحد.

____________

(1) الحجرات: 11- 12.

(2) النساء: 29.

412

«بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمٰانِ» أي بئس الذكر المرتفع للمؤمنين أن يذكروا بالفسق بعد دخولهم في الايمان، و اشتهارهم به، و المراد إمّا تهجين نسبة الكفر أو الفسق إلى المؤمنين، أو الدّلالة على أنّ التنابز فسق، و الجمع بينه و بين الايمان مستقبح، و فيه إشعار مّا بعدم الاجتماع بينهما، و أنّ الفاسق لا يطلق على المؤمن «وَ مَنْ لَمْ يَتُبْ» عمّا نهى عنه و يرجع إلى طاعة اللّه «فَأُولٰئِكَ هُمُ الظّٰالِمُونَ» بسبب وضعهم العصيان موضع الطّاعة، و تعريضهم أنفسهم للعذاب.

«يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ» كونوا على جانب منه و لا تقاربوه و ذكر الكثير ليحتاط في كلّ ظن و يتأمّل حتّى يعلم أنّه من أيّ قبيل هو من الظنّ فانّ منه ما يجب اتّباعه كالظنّ حيث لا قاطع فيه من العمليّات، و حسن الظنّ باللّه و بالمؤمنين كما جاء في الحديث القدسي (1) «أنا عند ظنّ عبدي» و قوله «و لا يموتنّ

____________

(1) أصول الكافي باب حسن الظن باللّه الحديث 3 رواه عن على بن موسى الرضا (عليه السلام) و اللفظ أحسن الظن باللّه فان اللّه عز و جل يقول أنا عند ظن عبدي المؤمن بي، إن خيرا فخيرا و ان شرا فشرا، و هو في المرآة ج 2 ص 93 و في شرح ملا صالح ج 8 ص 220 و في الوافي الجزء الثالث ص 59 و رواه في الوسائل الباب 16 من أبواب جهاد النفس ج 2 ص 450 ط أمير بهادر و روى مثله عن عيون أخبار الرضا أيضا و سرده في الاخبار القدسية أيضا في الجواهر السنية باب ما جاء عن الامام على بن موسى الرضا ص 357 ط بغداد 1384.

قال المجلسي ره في المرآة هذا الخبر مروي من طرق العامة أيضا و قال الخطابي معناه انا عند ظن عبدي في حسن عمله و سوء عمله لان من حسن عمله حسن ظنه و من ساء عمله ساء ظنه انتهى.

قلت و هو في صحيح مسلم بشرح النووي ج 11 ص 12 و أخرجه السيوطي أيضا في الجامع الصغير بالرقم 6051 ج 4 ص 491 فيض القدير عن أحمد عن أبي هريرة و بالرقم 6066 عن الحاكم عن انس. و أخرجه محمد المدني في الاتحافات السنية ص 10 بالرقم 58 و 59 و 60 و 61 بألفاظه المختلفة عن ابن أبى الدنيا و الترمذي و ابن حبان و ابن عدا و الطبراني في الكبير و الحاكم و البيهقي و الشيرازي في الألقاب و أحمد و تمام عن أنس و ابى هريرة و واثلة بلفظ قال اللّه و أخرجه بلفظ يقول اللّه أيضا في ص 29 بالرقم 190 عن أحمد و مسلم و الترمذي عن أنس و أبى هريرة و بوجه آخر في ص 33 بالرقم 209 عن أحمد و الشيخين و الترمذي و ابن ماجه و ابن حبان عن أبي هريرة و أخرجه في مجمع الزوائد ج 2 ص 318 عن أحمد و الطبراني عن واثلة و قال رجال أحمد ثقات و عن أحمد عن انس و في ج 10 ص 148 عن الطبراني عن معاوية بن حيدة.

ثم الحديث القدسي على ما في كشاف الاصطلاحات و الفنون للفاروقى هو الذي يرويه النبي (ص) عن ربه و يسمى بالحديث الإلهي أيضا و قال الحلبي في حاشية التلويح في الركن الأول عند بيان معنى القرآن الأحاديث الإلهية هي التي أوحاها اللّه تعالى إلى النبي (ص) ليلة المعراج و تسمى بأسرار الوحي انظر ص 142 ج 1 حاشية التلويح ط اسلامبول 1384.

و للمحقق الداماد ره- في الفرق بينه و بين القرآن و الأحاديث النبوية في الرشحة الثامنة و الثلاثين ص 204 من كتابه الرواشح السماوية بيان يعجبنا نقله بعين عبارته قال أعلى اللّه مقامه الشريف:

سبيل وهط في الفرق بين الحديث القدسي و بين القرآن و بين الأحاديث النبوية.

أما القرآن فهو الكلام المنزل بألفاظه المعينة في ترتيبها المعين للإعجاز بسورة منه و الحديث القدسي هو الكلام المنزل بألفاظ بعينها في ترتيبها بعينه لا لغرض الاعجاز، و الحديث النبوي هو الكلام الموحى اليه (ص) بمعناه لا بألفاظه فما آتانا عليه و آله صلوات اللّه و تسليماته فهو جميعا من تلقاء ايحاء اللّه سبحانه اليه وَ مٰا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوىٰ إِنْ هُوَ إِلّٰا وَحْيٌ يُوحىٰ» لكن الوحي على ثلاثة أنحاء.

و قال فرق: الحديث القدسي ما أخبر اللّه نبيه معناه بالإلهام أو بالمنام فأخبر النبي أمته بعبارة عن ذلك المعنى، فلا يكون معجزا و لا متواترا، كالقرآن.

قال الطيبي فضل القرآن على الحديث القدسي أنه نص الهى في الدرجة الثانية و ان كان من غير واسطة الملك غالبا، لان المنظور فيه المعنى دون اللفظ، و في التنزيل اللفظ و المعنى منظوران، فعلم من هذا مرتبة بقية الأحاديث.

قلت و يشبه أن يكون حق التحقيق أن القرآن كلام يوحيه اللّه تعالى إلى النبي ص معنا و لفظا فيتلقاه النبي (ص) من روح القدس مرتبا، و يسمعه من العالم العلوي منظما، و الحديث القدسي كلام يوحى الى النبي (ص) معناه فيجري اللّه على لسانه في العبارة عنه ألفاظا مخصوصة في ترتيب مخصوص ليس للنبي (ص) أن يبدلها ألفاظا غيرها أو ترتيبا غيره، و الحديث النبوي كلام معناه مما يوحى الى النبي (ص) فيعبر عنه حيث يشاء كيف يشاء انتهى ما أردنا نقله من الرواشح السماوية.

و نقل المدني في الاتحافات السنية ص 190 عن الفاروقي عن فوائد الأمير حميد الدين في الفرق بين القرآن و الحديث القدسي وجوها ستة:

الوجه الأول: أن القرآن معجز، و الحديث القدسي لا يلزم أن يكون معجزا و الثاني أن الصلاة لا تكون الا بالقرآن بخلاف الحديث القدسي، و الثالث أن جاحد القرآن يكفر بخلاف جاحده، و الرابع أن القرآن لا بد فيه من كون جبرئيل (عليه السلام) واسطة بين النبي (ص) و بين اللّه تعالى بخلاف الحديث القدسي، و الخامس أن القرآن يجب أن يكون لفظا من اللّه تعالى و الحديث القدسي يجوز لفظا من النبي (ص) و السادس أن القرآن لا يمس إلا بالطهارة و الحديث القدسي يجوز مسه انتهى.

لكنك عرفت من بيان المحقق الداماد ان الحديث القدسي أيضا من لفظ اللّه و انه موحى إلى النبي (ص) بألفاظه.

413

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

414

أحدكم إلّا و هو محسن الظنّ باللّه» (1) و منه ما يحرم كالظنّ في الالهيّات و النبوّات و الأمانات، و حيث يخالفه قاطع، و ظنّ السّوء باللّه و بالمؤمنين. و ما يباح كالظنّ في أمر المعاش.

____________

(1) الجامع الصغير بالرقم 9987 ج 6 ص 455 فيض القدير عن أحمد و مسلم في آخر صحيحه و أبى داود في الجنائز و ابن ماجة في الزهد كلهم عن جابر قلت و هو في صحيح مسلم بشرح النووي ج 11 ص 209 و أبى داود ج 3 ص 257 الرقم 313 و ابن ماجه ص 1395 بالرقم 4165.

415

«إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ» تعليل مستأنف للأمر باجتناب كثير الظنّ [و المراد الأخذ بالأحوط فيه] و الإثم الذّنب الّذي يستحقّ به العقاب.

«وَ لٰا تَجَسَّسُوا» و لا تبحثوا عن عورات المسلمين و تطلبوها و هو تفعّل من الجسّ باعتبار ما فيه من معنى الطلب كالتلمّس، و قرئ بالحاء من الحسّ الّذي هو أثر الجسّ و غايته، و من ثمّ قيل للحواس الجواسّ، و قد ورد النهي عن تتبّع عورات المسلمين في الأخبار كثيرا فقد روينا في الحسن بل الصّحيح (1) عن محمّد بن مسلم و الحلبي عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) لا تطلبوا عثرات المؤمنين فإنّ من تتبّع عثرات أخيه تتبّع اللّه عثرته و من تتبّع اللّه عثرته يفضحه و لو في جوف بيته [و عنه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) قال إنّى لأعرف قوما يضربون في صدورهم حزنا يسمعه أهل النّار و هم الهمّازون اللمّازون الّذين يلتمسون عورات المسلمين و يهتكون ستورهم و يشيعون عليهم من الفواحش ما نسي عليهم و نحوها من الاخبار].

«وَ لٰا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً» و لا يذكر بعضكم بعضا بالسّوء كناية أو صريحا في غيبة و في الحديث عنه (2) (صلى اللّه عليه و آله و سلم) حين سئل عن الغيبة: ذكرك أخاك بما يكره، فان كان

____________

(1) أصول الكافي باب من طلب عثرات المؤمنين الحديث 5 و هو في المرآة ج 2 ص 341 و شرح ملا صالح ج 10 ص 3 و الوافي الجزء الثالث ص 163 و الوسائل الباب 150 من أبواب أحكام العشرة الحديث 3 ج 2 ص 237 ط الأميري، و اللفظ في هذا الحديث عثرات المؤمنين مكان عورات، نعم في الباب أحاديث أخر فيها التعبير بالعورات.

قال ملا صالح: العورة كل أمر قبيح يستره الإنسان أنفه أو حياء، و المراد بتتبعها تطلبها شيئا بعد شيء في مهلة، و الفحص عن ظاهرها و باطنها بنفسه أو بغيره، و المراد بتتبع اللّه تعالى عورته ارادة إظهارها و لو في جوف بيته إذ لا مانع لإرادته تعالى و لا دافع لها.

و قريب من الحديث ما رواه في الكشاف ج 4 ص 372 عند تفسير الآية عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و لابن حجر في تخريجه شرح مبسوط، و انظر أيضا الدر المنثور ج 6 ص 92 و ص 93.

(2) أخرجه في الكشاف ج 4 ص 373 و قال ابن حجر متفق عليه، و بمضمونه حديث أصول الكافي باب الغيبة و البهت عن أبى الحسن الحديث 6 و هو في المرآة ج 2 ص 349 و شرح ملا صالح ج 10 ص 8 و الوافي الجزء الثالث ص 163.

416

فيه فقد غبته، و إن لم يكن فقد بهتّه.

و قد تظافرت الاخبار (1) في تحريم الغيبة و عن الصّادق (عليه السلام) (2) قال قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الغيبة أسرع في دين الرّجل المسلم من الأكلة في جوفه، و قال (صلى اللّه عليه و آله و سلم):

من اغتاب امرءا مسلما بطل صومه و نقض وضوؤه و جاء يوم القيمة تفوح من فيه رائحة أنتن من الجيفة يتأذّى بها أهل الموقف، و إن مات قبل أن يتوب مات مستحلّا لما حرّمه اللّه (3) و نحوها من الاخبار.

و كما يحرم الغيبة يحرم الاستماع إليها قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): السّامع للغيبة أحد المغتابين (4) و لعلّ في قوله «بَعْضُكُمْ» إشارة إلى جواز غيبة الكافر، و المراد خصّوا أنفسكم أيّها المؤمنون بالانتهاء عن غيبة بعضكم و لا عليكم أن تغتابوا غيركم ممّن لا يدين بدينكم و لا يسير بسيرتكم.

و ربما خصّ من عموم النهي الفاسق، فانّ غيبته مباحة ففي الحديث (5) اذكروا

____________

(1) انظر الوسائل ج 2 من ص 237 الى ص 239 ط الأميري و مستدرك الوسائل ج 2 من ص 105 الى ص 107.

(2) أصول الكافي باب الغيبة و البهت الحديث 1 و هو في المرآة ج 2 ص 341 و شرح ملا صالح ج 10 ص 5 و الوافي الجزء الثالث ص 163 و الوسائل الباب 152 من أبواب أحكام العشرة الحديث 7 ج 2 ص 237 ط الأميري.

(3) رواه الصدوق في الفقيه في مناهي الرسول (ص) ج 4 ص 8 و رواه في الوسائل الباب 152 من أبواب أحكام العشرة الحديث 13 ج 2 ص 237 ط الأميري.

(4) رواه عن النبي في تفسير أبى الفتوح ج 10 ص 258 و نقله عنه في المستدرك ج 2 ص 108.

(5) أخرجه في الجامع الصغير بالرقم 109 ج 1 ص 115 فيض القدير و اللفظ أترعون عن ذكر الفاجر متى يعرفه الناس اذكروا الفاجر بما فيه يحذره الناس، و أخرجه الخطيب أيضا في ج 3 ص 188 ترجمة محمد بن القاسم المؤدب الرقم 1229 و اللفظ فيه حتى يعرفه الناس مكان يحذره الناس و أخرجه النيسابوري مرسلا بلفظ اذكروا الفاسق بما فيه كي يحذره الناس.

417

الفاجر بما فيه كي يحذره النّاس، و روي (1) أن من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له و يمكن أن يقال: إن كان القصد من الغيبة ارتداعه عن فسقه بعد وصول الخبر إليه فلا قصور، و إن كان القصد فضيحته بذلك فالظاهر المنع، لعموم «إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفٰاحِشَةُ» (2) فتأمّل.

«أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً» تمثيل لما يناله المغتاب من عرض المغتاب على أفحش وجه، مع مبالغات الاستفهام المقرّر، و الإسناد إلى أحد، فإنّه للتعميم، و تعليق المحبّة بما هو في غاية الكراهة، و تمثيل الاغتياب بأكل لحم الإنسان و جعل المأكول لحم الأخ الميّت، و تعقيب ذلك بقوله «فَكَرِهْتُمُوهُ» تقريرا و تحقيقا لذلك.

و المعنى إن صحّ ذلك أو عرض عليكم فقد كرهتموه، و لا يمكنكم إنكار كراهته [و في الآية هي دلالة على أنّ الاغتياب الممنوع إنّما هو اغتياب المؤمن الكافر، لأنّه شبّهه بأكل لحم الأخ و لا أخوّة إلّا بين المؤمنين] و ميتا حال من اللّحم أو الأخ «وَ اتَّقُوا اللّٰهَ إِنَّ اللّٰهَ تَوّٰابٌ رَحِيمٌ» لمن اتّقى ما نهى عنه، و تاب عمّا فرط منه، و اللّه أعلم.

و ممّا له تعلّق بالمقام قوله تعالى وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (3).

[ «وَيْلٌ» لفظه ذمّ و سخط، و من وقع في هلكة دعا بالويل و يروى أنّه جبل في جهنّم «لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ» الهمز الكسر كالهزم و اللّمز الطّعن كاللهز، و قد شاعا في الكسر من أعراض النّاس و الطّعن فيهم، نزلت في الأخنس بن شريق (4) كان يلمز

____________

(1) رواه المفيد في الاختصاص ص 242 عن الرضا و رواه عنه في البحار ج 16 ص 189 و في المستدرك ج 2 ص 108 و رواه في المستدرك أيضا عن القطب الراوندي في لب اللباب عن النبي (ص) و أخرجه في الجامع الصغير بالرقم 8525 ج 6 ص 87 عن البيهقي عن أنس و أخرجه النيسابوري أيضا مرسلا عند تفسير الآية.

(2) النور: 19.

(3) من هنا الى آخر الباب من مختصات نسخة سن.

(4) المجمع ج 5 ص 538 و الكشاف ج 4 ص 795 و فيه و قد قيل نزلت في أمية بن خلف.

418

الناس و يغتابهم، و خاصّة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و قيل نزلت في الوليد بن المغيرة كان يغتاب النبيّ من ورائه و يطعن عليه في وجهه.

و هو عامّ في كلّ من يفعل هذا الفعل كائنا من كان، لأنّ العبرة بعموم اللّفظ لا بخصوص السّبب، و بناء فعلة يدلّ على أنّ ذلك عادة منه و قد عرف بها، و نحوهما اللّعنة و الضّحكة في المتعوّد للّعن و الضّحك.

و قد اختلف عبارات المفسّرين في التعبير عنهما فقيل الهمزة المغتاب و اللمزة المواجه بالسوء، و قيل الهمز المواجهة بالسوء، و اللّمز بظهر الغيب، و قيل الهمز باليد و اللّمز باللّسان، و قيل الهمز بكفّه و اللّمز بالحاجب و العين، و قيل الهمزة اللمزة الّذي يلقّب النّاس بما يكرهون، و يدخل فيه من يحاكي النّاس بأقوالهم و أفعالهم و أصواتهم ليضحكوا، و قد حكى الحكم بن العاص مشية النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فنفاه من المدينة.

و قيل لابن عبّاس (1) وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ، من هؤلاء الّذين ذمّهم اللّه بالويل؟

فقال هم المشّاؤن في النّاس بالنّميمة، المفرّقون بين الأحبّة النّاعتون للنّاس بالعيب و قرئ «وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ» بسكون الميم و المراد به المسخرة الّذي يأتي بالأقاويل و الأضاحيك، فيضحك منه. و جميع هذه الوجوه متقاربة راجعة إلى أصل واحد، و هو الطعن و إظهار العيب.

ثمّ ذلك على قسمين فإنّه إمّا أن يكون بالجدّ كما يكون عند الحسد و الحقد و إمّا أن يكون بالهزل كما يكون عند السخريّة و الإضحاك، ثمّ إنّ كلّ واحد من القسمين إمّا أن يتعلّق بالدين و الطّاعة و إمّا أن يتعلّق بالدّنيا، و هو ما يتعلّق بالصورة و المشي أو الجلوس أو القول أو الفعل، و هو غير مضبوط.

ثمّ إظهار العيب في هذه الأقسام الأربعة. إمّا أن يكون لشخص حاضر أو غائب و على التقادير، فامّا أن يكون باللّفظ أو بإشارة الرأس أو العين أو غيرهما، و كلّ

____________

(1) أخرجه في الدر المنثور ج 6 ص 392 عن ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبى حاتم و ابن مردويه عن ابن عباس.

419

ذلك داخل تحت الزجر و النهي، فما كان اللفظ موضوعا له كان منهيّا عنه بحسب اللّفظ، و ما لم يكن اللّفظ موضوعا له كان داخلا بطريق الأولويّة.

«الَّذِي جَمَعَ مٰالًا وَ عَدَّدَهُ» بدل من الكلّ أو نصب على الذّم، و إنّما وصفه تعالى بهذا الوصف لأنّه كالسّبب و العلّة في الهمز و اللمز و هو إعجابه بما جمع من المال ظانّا أنّ الفضل فيه، و لأجل ذلك ينتقص غيره، و لعلّ التنكير في «مالا» للتنبيه على أنّ ماله بالنسبة إلى مال الدّنيا حقير قليل فكيف يفتخر به.

«يَحْسَبُ أَنَّ مٰالَهُ أَخْلَدَهُ» وصفه تعالى بضرب آخر من الجهل و المراد أنّ المال طوّل أمله حتّى أصبح لفرط تعلّقه و طول أمله يحسب أنّ ماله تركه خالدا في الدّنيا لا يموت «كَلّٰا» حرف ردع أي ليس كما يظنّ أنّ المال أخلده، و إنّما يخلده العلم و الصّلاح، و منه قول عليّ (عليه السلام): مات خزّان المال و هم أحياء و العلماء باقون ما بقي الدّهر. أو أنّ «كلّا» بمعنى حقّا.

«لَيُنْبَذَنَّ» جواب القسم، و ذكره بلفظ النبذ الدالّ على الإهانة لما أنّه كان يعتقد أنّه من أهل الكرامة «فِي الْحُطَمَةِ» و هي الّتي يحطم من وقع فيها و هي اسم من أسماء النّار، و الدّركة الثانية من دركاتها، و قيل هي يحطم العظام و تأكل اللّحوم حتّى يهجم على القلوب، و عن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) قال (1) إنّ الملك ليأخذ الكافر فيكسره على صلبه، كما توضع الخشبة على الرّكبة فتكسر ثمّ يرمى بها إلى النّار، و لعلّ في ذكر جهنّم بهذا الاسم تنبيها على أنّ الهامز يكسر غيره ليضع قدره، فيلقيه في الحضيض فيقول تعالى فالحطمة يكسرك و يلقيك في حضيض جهنّم، لكنّ الهمز ليس يكسر على الحقيقة أما الحطمة فإنّها يكسر كسرا لا تبقى و لا تذر.

«وَ مٰا أَدْرٰاكَ مَا الْحُطَمَةُ» تهويل للأمر «نٰارُ اللّٰهِ» في الإضافة تفخيم، و المراد أنّها نار لا كسائر النّيران «الْمُوقَدَةُ» الّتي لا يخمد أبدا، أو الموقدة بأمره أو بقدرته.

و في الحديث (2) أوقد عليها ألف سنة حتّى احمرّت، و ألف سنة حتّى ابيضّت

____________

(1) أخرجه الإمام الرازي في تفسيره ج 32 ص 94.

(2) أخرجه الإمام الرازي ج 32 ص 94 و أخرجه الخازن في تفسيره ج 4 ص 406 عن الترمذي عن أبي هريرة.

420

و ألف سنة حتّى اسودّت فهي سوداء مظلمة.

«الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ» تدخل في أجوافهم حتّى تصل إلى صدورهم و تطّلع على أفئدتهم و لا شيء في بدن الإنسان ألطف من الفؤاد و لا أشدّ تألما منه بأدنى مماسة فكيف إذا اطّلعت نار جهنّم و استولت عليه، و لعلّ تخصيص الأفئدة بذلك لأنّها مواطن الكفر و الاعتقادات الخبيثة و النيّات الفاسدة، و عنه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) أنّ النّار (1) تأكل أهلها حتّى إذا اطّلعت على أفئدتهم انتهت، ثمّ إنّها تأكل لحومهم و عظامهم مرّة.

اخرى.

«إِنَّهٰا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ» مطبقة من أصدت الباب و أوصدته «فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ» قرئ بضمّتين و بفتحتين و سكون الميم جمع عمود، و هو المستطيل من الخشب أو الحديد و المعنى أنّها عليهم مؤصدة حال كونهم في المقاطير الّتي يقطر فيها اللّصوص.

اللّهم نجّنا بكرمك من النّار].

بسمه تعالى كان مرجعنا في تحقيق المتن نسخا أربعة تقدم ذكرها في صدر الجزء الأول و قد رمزنا في هذا الجزء للنسخة الأولى قض و للثانية چا و للثالثة عش و للرابعة سن فلا يذهب عليك.

محمد الباقر البهبودى

____________

(1) تفسير النيسابوري تفسير سورة الهمزة و الامام الرازي ج 32 ص 94.