مشارق الشموس في شرح الدروس - ج2

- الشيخ آقا حسين الخوانساري المزيد...
534 /
51

يثمر ظنّاً بالاشتراط، لأنّه و إن أمكن المناقشة في كلّ من الآيات و الروايات، لكن يتحدس من جميعها أنّ العبادة بدون القربة ليست عبادة، خصوصاً مع قصد الرياء، فإذن الأولى الأخذ بالاحتياط التام في هذا المقام.

و أمّا الثالث و الرابع: و هو وجوب الاستقلال بالنسبة إلى الرياء و اشتراطه، فهو أيضاً ممّا اشتهر بين الأصحاب، و خلاف المرتضى جارٍ هيهنا أيضاً، إمّا فيهما أو في الثاني فقط، و الدلائل و الأبحاث أيضاً يعلم ممّا سبق، و أنت خبير بأنّ إثبات الحكم في هذا المقام أصعب [منه] في سابقه.

و أمّا الخامس و السادس: و هو وجوب الاستقلال بالنسبة إلى غير الرياء من التبرّد و التسخّن و نحوهما و اشتراطه، فممّا اختلف فيه خلافاً شائعاً، فالشيخ (ره) في المبسوط حكم بعدم الاشتراط، و كذا المحقق في المعتبر و الشرائع، و العلامة في الإرشاد، و قد علمت أنّ الظاهر ذهاب المرتضى (ره) إليه أيضاً بطريق الأولى.

و العلامة في بعض كتبه، و جمع آخر مثل المحقق الثاني، و الشهيد الثاني مالوا إلى الاشتراط، و المصنف (ره) متردّد في هذا الكتاب و الذكرى.

و الظاهر أن لا فرق هيهنا بين الوجوب و الاشتراط، فمن قال بالوجوب قال

52

بالاشتراط، و من لم يقل بالاشتراط لم يقل بالوجوب أيضاً.

حجّة الشيخ و من تبعه: أنّه فعل الواجب (1) و زيادة غير منافيه، فيكون صحيحاً.

و فيه: أنّ عدم المنافاة أوّل البحث، إلّا أن يرجع كلامهم إلى منع المنافاة، و هم و إن كانوا مستدلين لا يقبل منهم (2) المنع، لكن استدلالهم في الحقيقة يؤول إلى أصل البراءة و عدم ثبوت قدر زائد على ما أثبتوه في هذا الاعتبار، و يتوجه منهم منع المنافاة.

و احتجوا أيضاً بأنّ اللازم واجب الحصول و إن لم ينوه، فيكون نيّتها كعدمها.

و فيه أوّلًا: النقض بالرياء، لأنّ رؤية الناس أيضاً لازم للفعل، سواء نويت أم لا.

و ثانياً: أنّ لزومه لا يقتضي جواز قصده و إيقاع الفعل لأجله، و هو ظاهر.

و احتج المشترطون بأنّه مناف للإخلاص.

و فيه: ما مرّ من منع المنافاة و عدم تسليم ثبوت قدر زائد على اشتراط القربة في الجملة، سواء استقلت أو لا.

هذا، و لا يذهب عليك أنّ// (98) الظاهر كما عرفت من المباحث ما ذهب إليه الشيخ من عدم البطلان، خصوصاً إذا كان قصد القربة مقتضياً تامّاً، بمعنى أنّه لو لم يكن الضميمة أيضاً لكان محرّكاً و باعثاً على الفعل.

و اعلم أيضاً أنّ الظاهر أنّ الخلاف فيما إذا لم يكن الضميمة راجحة بحسب

____________

(1) في نسخة «ب»: للواجب.

(2) في نسخة «ألف»: عنهم.

53

الشرع، و أمّا إذا كانت راجحة كقصد الإمام بإظهار تكبيرة الإحرام إعلام القوم، و ضمّ الصائم إلى نيّة الصوم قصد الحميّة، و مخرج الزكاة ظاهراً اقتداء غيره به، و نحو ذلك فيصحّ اتّفاقاً، و اللّٰه أعلم.

[و لا يصح الطهارة و غيرها من العبادات من الكافر]

و لا يصح الطهارة و غيرها من العبادات من الكافر.

بعد ما علمت من وجوب القربة و ظهور عدم إمكانها في حقّه لا خفاء في صحّة هذا الحكم.

[و لو نوى قطع الطهارة أو ارتدّ بطل فيما بقي فيبني مع العود و البلل و يستأنف مع الجفاف]

و لو نوى قطع الطهارة أو ارتدّ بطل فيما بقي، فيبني مع العود و البلل، و يستأنف مع الجفاف.

فيه حكمان: عدم بطلان ما سبق، و بطلان ما بقي.

أمّا الأوّل: فلصدوره بشرائطه صحيحاً، و البطلان لا بدّ له من دليل و لا دليل.

و أمّا الثاني: فلما علمت من وجوب الاستدامة الحكمية بالمعنى المذكور، فلو قطع نيّته لكان ما يأتي به بعده ليس بقصد القربة، و كذا لو ارتدّ.

و ما ذكره من البناء مع عدم الجفاف و الاستيناف معه فيظهر إن شاء اللّٰه تعالى في مبحث (1) الموالاة.

و لا يضرّ عزوبها إلّا مع نية المنافي، أو اللازم، قد علم وجهه ممّا سبق.

[و لو أمكن استحضاره فعلًا في جميع الوضوء أو بعضه لم يجب]

و لو أمكن استحضاره فعلًا في جميع الوضوء أو بعضه لم يجب.

هذا أيضاً ظهر ممّا تقدم، و قد تقدم أنّ العلامة قال في المنتهي بالاستحباب، و إثباته مشكل، إلّا أن يقال باندراجه تحت حضور القلب المندوب إليه في

____________

(1) في نسخة «ألف»: في بحث.

54

الروايات.

[و الخالي من موجب الوضوء ينوي الندب]

و الخالي من موجب الوضوء ينوي الندب، فلو نوى الوجوب أو نوى من وجب عليه الندب بطل في الأقوى.

وجه الحكم الأوّل: ظاهر على ما اختاروه من اشتراط قصد الوجه، و أمّا على ما اخترناه من عدم الاشتراط فلا يبطل.

و أمّا الحكم الثاني: فإن كان المراد منه أنّ فعل الوضوء الواجب الذي للصلاة مثلًا بقصد الندب باطل، فله وجه على رأيهم من اشتراط الوجه.

لكنّ الظاهر أنّه ليس بمراد، بل المراد أنّ وقت اشتغال الذمة بموجب الوضوء لا يندب الوضوء أصلًا مثل الوضوء الواجب، فلو نوى الندب كان باطلًا كما مرّ في بحث اشتراط الوجه، و هذا الحكم و إن كان دائراً في ألسنتهم، لكن لم نجد له وجهاً ظاهراً.

و ما يتخيل له من الوجه أمور:

الأوّل: أنّ الأمر بالشيء نهى عن ضدّه، فلو (1) كان الوضوء للصلاة مثلًا مأموراً به وجوباً، لما كان الوضوء لشيء آخر الذي هو ضدّ الوضوء الأوّل مأموراً به ندباً.

و ضعفه ظاهر، لأنّ هذا الحكم على تقدير تمامه إنّما هو في المأمور به المضيّق لا مطلقا.

و أيضاً: لا نسلم التضاد، لأنّ الوضوء المندوب يجامع الواجب، لما ذكرنا سابقاً

____________

(1) في نسخة «ب»: و لو.

55

من جواز التداخل بين الواجب و المندوب.

و فيه: أنّ تداخلهما إمّا مع نيّتهما معاً أو مع (1) نيّة الندب، فإن كان الأوّل فيمكن أن يقال: هذا لا يضرّهم، لأنّ مرادهم أنّ الوضوء حينئذٍ بقصد الندب فقط باطل؛ و إن كان الثاني فنقول: إنّ جعله امتثالًا للأمر الواجبي لا يصح، لما ثبت (2) عندهم من أنّ الوضوء الواجب لا بدّ فيه من قصد الوجوب؛ فتدبّر.

الثاني: أنّ تحقّق الندب حينئذٍ يخرج الواجب عن الوجوب، إذ يجوز أن يتوضّأ حينئذٍ ندباً و عنده يرتفع الحدث لما مرّ مراراً و عند ارتفاع الحدث لا يجب الوضوء، فيلزم ما ذكرنا، و اشتراط الوجوب بعدم الإتيان به ندباً تقييد من غير دليل.

و فيه: أنّه كما أنّ الأمر الواجبي مطلق لا بدّ لتقييده من دليل، فكذا الأوامر الندبيّة، فلِمَ تخصّصونها دونه؟

و أيضاً: خروج الواجب عن الوجوب ممنوع، إذ عند الإتيان به ندباً يمتثل الأمر الواجبي أيضاً. و فيه مثل ما مرّ آنفاً.

الثالث: أنّ اجتماع أمر الوجوب و الندب يستلزم اجتماع المتضادّين، إذ عند اجتماعهما يكون الوضوء الواحد متعلقاً لهما لصدق الامتثال، و حينئذٍ يلزم أن يكون واجباً و ندباً، و هو محال، و إذا لم نجز اجتماعهما فإمّا أن يرتفع الوجوب أو الندب، و الأوّل باطل بالإجماع فتعيّن الثاني و هو المراد.

و فيه: أنّ الملازمة ممنوعة، لجواز أن لا يجوز التداخل مطلقا كما هو رأي

____________

(1) لم ترد في نسخة «ألف و ب».

(2) في نسخة «ج»: لما يثبت.

56

بعض و على تقدير جوازه لا يجوز هيهنا لما ذكرتم، فيكون الامتناع قرينة على أنّ المراد بالأمرين تعدّد متعلقيهما، كما في الصور التي يعلم لزوم التعدّد بالدليل، مثل نافلة الصبح و فريضته و نحوهما، و لو سلّم فلا نسلم امتناع اجتماع الوجوب و الندب و قد مرّ مراراً.

و الحاصل: أنّ هذا الحكم ممّا يشكل إثباته، فالظاهر جواز الوضوء المندوب حال اشتغال الذّمة بموجب الوضوء، فإن جوّزنا التداخل كما هو الظاهر يكون كافياً عن الواجب أيضاً، و إلّا فلا بدّ من وضوء آخر للواجب.

[و لو نوى لكلّ عضو نيّة تامّة بطل]

و لو نوى لكلّ عضو نيّة تامّة بطل، و أولى منه لو نوى رفع الحدث عنه لا غير.

المراد بالنيّة التامّة لكلّ عضو: أن لا ينوي في الابتداء فعل الجميع بالوجه المذكور سابقاً، بل نوى (1) عند غسل الوجه أنّه يغسل الوجه للقربة و سائر الشروط المعتبرة، و كذا عند غسل اليد إلى آخر الوضوء.

و ذهب العلامة (ره) في جملة من كتبه إلى الصحّة و هو الأظهر.

لنا: أنّ القدر الثابت وجوبه بالدلائل السابقة أن يفعل الفعل لمحرّك قصد القربة، إمّا مع قصد الوجوب و الاستباحة أيضاً، كما هو رأيهم، أو لا، كما هو المختار، و لا ريب في تحقّق (3) هذا القدر في الفرض المذكور.

و أمّا وجوب القصد في الابتداء لجملة الفعل فلا دليل عليه، و الأصل براءة

____________

(1) في نسخة «ج»: بل ينوي.

(3) في نسخة «ألف»: تحقيق.

57

الذمّة حتّى يثبت، بل قد يقال: هذا أولى من القصد الابتدائي للمجموع، لأنّ ارتباط النيّة الخاصّة بكلّ عضو أقوى من ارتباط النيّة العامّة به.

و احتجوا على البطلان: بأنّ الوضوء عبادة واحدة، فلا يفرد بعضها عن بعض، و بالقطع بأنّ صاحب الشرع لم يفعل ذلك، و كلاهما ممنوعان كما لا يخفى. و لا يخفى أنّ هذا قريب ممّا حكم بصحّته من فرض نيّة قطع الوضوء؛ فتأمل.

و أمّا الحكم الثاني: فظاهره البطلان على رأيهم من وجوب قصد الرفع، لأنّ الحدث ليس ممّا يتعلق بعضو عضو، بل إنّما يتعلق بالمجموع من حيث هو مجموع، و قصد رفعه عن العضو لا يستلزم الرفع عن المجموع، فلا يتحقق ما هو الواجب، فيكون باطلًا.

نعم، لو قيل بقيامه بالمجموع بطريق السريان لكان للصحّة وجه، بناءً على ما ذكر في صحّة الوضوء بقصد رفع حدث معيّن، و كذا الحكم لو قصد الرفع عن الأعضاء الأربعة.

و أمّا على رأينا من عدم وجوب قصد الرفع فالحكم الصحّة و هو ظاهر.

[و لو غسلت اللمعة بقصد الندب جهلًا بها فوجهان]

و لو غسلت اللمعة بقصد الندب جهلًا بها فوجهان، اللمعة بضمّ اللام، في الأصل قطعة من النبت إذا أخذت من اليبس، و المراد هنا: الموضع الذي لم يصبه الماء. و الوجهان: الصحّة و البطلان.

أمّا الصحّة: فلاقتضاء النيّة الأولى وجوب الغسل فالطاري لا يؤثر، و لأنّ شرعية المندوب إنّما هي بعد الفراغ من الواجب فقبله لا يشرّع، فقصده ممتنع،

58

فبقي على الأوّل.

و كلاهما ضعيفان، لأنّ النيّة الأولى إنّما يؤثر ما لم يطرأ نيّة مخالفة لها، و إلّا يلزم أن لا يبطل الوضوء بطريان نيّة ضدّ القربة، و لأنّ عدم المشروعية قبل الفراغ من الواجب إنّما يستلزم امتناع القصد مع العلم بعدم الفراغ، أمّا إذا اعتقد الفراغ فلا مانع من القصد، و هو ظاهر.

و أمّا البطلان: فلعدم وقوع الوضوء بتمامه بقصد الوجوب حقيقة أو حكماً، مع لزومه.

و قد أيّد الأوّل بأنّ شرعية الثاني إنّما هي لتدارك ما فات في الأوّل، فيجب أن يحصل.

و ينبّه عليه حسنة زرارة و بكير، عن الباقر (عليه السلام)، إذ سألاه عن إجزاء الغرفة الواحدة؟ فقال

نعم، إذا بالغت فيها، و الثنتان تأتيان على ذلك كلّه.

و فيه أيضاً ضعف، لأنّ كون الشرعية للتدارك ممنوع لا بدّ له من دليل، و الحسنة المذكورة ظاهرها الغسلة الأولى لا الثانية، كما لا يخفى.

و اعلم أنّ بطلان الوضوء هيهنا يمكن تعليله بوجهين، باعتبار نية الوجوب، و باعتبار نية الاستباحة، و ما ذكر من التصحيح و الإبطال إنّما هو بالاعتبار الأوّل، و قس عليه الاعتبار الثاني، و إذا كان الغسلتان واجبتين أو مندوبتين يسقط الاعتبار الأوّل، إلّا إذا اعتبر في النيّة قصد حيثية الوجوب و الندب.

و بما ذكرنا ظهر أنّ الأظهر على مختارهم من اشتراط قصد الوجه و الاستباحة

59

البطلان في هذه الصورة، و على ما اخترناه من عدم اشتراطه فالحكم (1) الصحّة، و لا يخفى أنّ البطلان إنّما هو عند جفاف الأعضاء، و إلّا فيغسل اللمعة بقصد الوجوب و الاستباحة و يأتي بما بعده.

[و في تجديدها بعد]

و في تجديدها بعد، أي لو غسلت اللمعة حال تجديد الوضوء ففي الصحّة حينئذٍ بعد. و وجه البعد بالنسبة إلى الأوّل ظاهر، إذ قد خرج عن الوضوء الأوّل بالكليّة، و الوضوء الثاني فعل آخر مباين له، فإبقاء حكم نيّة الأوّل فيه بعيد.

و لا يخفى أنّ هذا ينافي ما ذكره سابقاً من أنّ «في المجدّد قول قويّ بالرفع». إلّا أن يقال: إنّ السابق ليس مذهبه و إن اعتقد فيه قوّة، أو يقال بالرجوع. و كلاهما لا يخلو من شيء، و لا بأس أن نذكر هيهنا ما وعدنا سابقاً من القول برفع (2) المجدّد و توضيح الحال فيه.

اعلم أنّه على ما ذهبنا إليه من عدم اشتراط الوجه و الاستباحة لا إشكال في القول برفع المجدّد، و أمّا على ما ذهبوا إليه من اشتراطهما فيلزم في بادي النظر عدم الحكم بالرفع باعتبارين، لكنّ الشيخ (ره) مع القول باشتراط قصد الاستباحة قال في المبسوط:

«فإن توضّأ و لم يحدث ثمّ جدّد الوضوء و صلى عقيبه، ثمّ ذكر أنّه كان ترك عضواً من الأعضاء في إحدى الطهارتين كانت صلاته (3) صحيحة، لأنّه أيّ

____________

(1) في نسخة «ألف و ب»: من عدم الاشتراط الحكم.

(2) في نسخة «ألف و ب»: في رفع.

(3) لم ترد في المصدر.

60

الطهارتين، كانت كاملة صحّت الصلاة لصحّتها؟ سواء كانت الأولى أو الثانية».

و كذا قال فيه بإعادة الصلاة الأولى فقط لو صلّى بكلّ منهما صلاة، و به قال أيضاً في الخلاف، و هذه الأقاويل يدل على اعتقاده الرفع في المجدّد.

و تعجّب العلامة (ره) منه في المختلف أنّه في المبسوط اختار ما قلناه نحن في صفة النيّة، ثمّ ذكر هذا الفرع الذي لا ينسحب عليه.

و وجّه المصنف (ره) كلام الشيخ في الذكرى بأنّه إنّما قال في المجدّد بالرفع و إن لم يقصد مع اعتقاده اشتراط القصد، لأنّ شرعية المجدّد إنّما (6) هو لتدارك الخلل و كمالية الطهارة فيجب أن يحصل، و إلّا لكان لغواً، فكان هذا مستثنى من القاعدة المذكورة بدليل من الشرع، و هذا هو وجه قوّة القول بالرفع في المجدّد الذي ذكره المصنف (ره) سابقاً.

و فيه: أنّ كون شرعية المجدّد لتدارك الخلل ممنوع، إذ لا دليل عليه.

و ما ذكره في الذكرى و تبعه صاحب المدارك من أنّه الظاهر من فحاوى الأخبار غير ظاهر، إذ لم نجد في الأخبار ما يدل عليه، بل قد ورد في بعض الأخبار أنّ تماميّة الوضوء و تدارك خلله بغسل الجمعة، كما تقدم في بابه.

____________

(6) لم ترد في نسخة «ب».

61

و استدل أيضاً صاحب المدارك على هذا القول بأنّ نيّة الاستباحة إنّما تكون معتبرة إذا كان المكلّف ذاكراً للحدث، لا مع اعتقاده حصول الإباحة بدونه. و فيه: أنّ هذا تخصيص من غير دليل.

و استشهد له أيضاً بما رواه الفقيه من إجزاء [الجمعة عن (2)] غسل الجنابة.

و ما أجمع عليه الأصحاب من إجزاء صوم يوم الشك بنية الندب عن الواجب.

و ما ورد من استحباب الغسل في أوّل ليلة من شهر رمضان، تلافياً لما عساه فات من الأغسال الواجبة و نحو ذلك.

و فيه أيضاً: أنّ بعد تسليم تماميّة دليلهم على اشتراط قصد الوجه و الاستباحة، لا وجه لهذه الأمور، إذ يجب على هذا القول بخروج ما خرج بالدليل و إبقاء الباقي.

نعم، يمكن منع دليلهم ذلك و جعل هذه الأمور شاهداً (4) تدل على المنع، لكنّه غير المبحث، إذ الكلام على تقدير التسليم.

و المحقق (ره) في المعتبر قال باشتراط الاستباحة و حكم في المجدّد بالرفع، لكن اشترط فيه أن يجدّد بقصد الصلاة لا أن يقصد وضوءً مطلقا.

و استدل على الرفع بالقصد المذكور بأنّها طهارة شرعية قصد بها تحصيل فضيلة لا تحصل إلّا بها.

____________

(2) أثبتنا الزيادة من نسخة «ألف و ب».

(4) لم ترد في نسخة «ألف و ب».

62

و فيه: أنّ حصول الفضيلة إنّما يمكن بعد رفع الحدث، فلو لم يرتفع الحدث بالوضوء الأوّل لكان نيته عبثاً، در مورد ضبط اين كلمه به ص 99 مش 4 سطر به آخر مراجعة) إذ النيّة إنّما تحصل الأمر الممكن، و لو سلّم حصولها أيضاً فلا يكفي في صحّة الصلاة، لأنّ مجرد الفضيلة لا يكفي فيها، بل لا بدّ من الرفع و لم يحصل.

فإن قلت: لمّا نوى الفضيلة فيجب أن تحصل للرواية، و حصولها يتوقف على الرفع، فيجب أن يحصل هو أيضاً.

قلت:

أمّا أوّلًا: فيلزم حينئذٍ النقض برفعه لو قصد به وضوءً مطلقا أيضاً مع أنّه نفاه إذ يجري الدليل فيه، فنقول (1) أيضاً (2): إنّه قصد الوضوء الشرعي فيجب أن يحصل له وضوء شرعي، و حصوله يتوقف على الرفع، فيحصل أيضاً.

و أمّا ثانياً: فلما// (100) علمت من أنّ النيّة إنّما تحصل الأمر الممكن، و الفضيلة ليست بممكن، لأنّها موقوفة على الرفع، و الرفع هيهنا ليس بممكن، لأنّه موقوف على الوضوء بقصد الرفع و لم يتحقق.

و يمكن أن يقال: لا يتوقف حصول الرفع على الوضوء بقصد الرفع، بل إمّا بقصده أو بقصد ما يستلزمه، و هاهنا قصد ما يستلزمه و هو الفضيلة.

و قد يقال: إنّ حصول ما يتوقف عليه المنويّ إنّما يسلّم فيما يمكن حصول المنويّ، و أمّا فيما لا يمكن كما فيما نحن فيه فلا، و السند ظاهر.

____________

(1) في نسخة «ألف»: و نقول.

(2) لم ترد في نسخة «ألف و ب».

63

و وجه عدم الإمكان هيهنا: أنّ هذا الوضوء لا يصلح لأن يكون محصّلًا للرفع و الفضيلة معاً، و إلّا لكان ابتدائياً و مجدّداً معاً و هو محال، بل عند كونه رافعاً يفوت التجديد.

اللهمّ إلّا أن يقال بعدم لزوم إمكان الموقوف، و أنّه بمنزلة قصد شيئين، فإذا لم يمكن أحدهما تحقّق الآخر؛ فتدبر.

و بما قرّرنا ظهر أنّ الأظهر على تقدير اشتراط الوجه و الاستباحة عدم رفع المجدّد كما لا يخفى.

هذا كلّه إذا حمل مراده (ره) من قصد الصلاة و تحصيل (1) الفضيلة على ما هو الظاهر من الإتيان (2) بالصلاة على الوجه الكامل، و أمّا إذا حمل على قصد الاستباحة التقديرية و تدارك ما عسى فاته في الوضوء الأوّل فلا يرد ما ذكر، لكن يبني الكلام حينئذٍ على اشتراط الجزم في النيّة و عدمه، فعلى الأوّل: لا يصح ما ذكر، و على الثاني: يصح.

و اعلم أنّ المصنف (ره) في الذكرى قال: «إنّ الوضوء المجدّد لا بدّ فيه من ذلك القصد، و بدونه لا يشرّع»، و فيه تأمّل لا يخفى وجهه.

[و في الغسلة الثانية منه أشدّ بعداً و أبعد من الجميع لو انغسلت في الثالثة]

و في الغسلة الثانية منه أشدّ بعداً، وجهه ظاهر.

و أبعد من الجميع لو انغسلت في الثالثة.

المراد: الغسلة الثالثة التي تكون بدعة، سواء كانت في (4) الوضوء الأوّل أو

____________

(1) في نسخة «ألف و ب»: و تحصيله.

(2) في نسخة «ألف»: منه من الإتيان و في نسخة «ب»: منه الإتيان.

(4) في نسخة «ب»: من.

64

الثاني، و يتفاوت البعد فيهما أيضاً، كما لا يخفى.

و وجه الأبعدية: أنّها بدعة ليست بشرعية، فكيف يحسب في الشرعي؟ و هو ظاهر.

و لا يذهب عليك أنّ الظاهر على ما اخترناه أيضاً، عدم الصحّة في هذه الصورة، لما قرّرنا من أنّه لا بدّ من أن لا ينوي إلى آخر الوضوء نيّة مخالفة للقربة، و هاهنا قد انتفي ذلك الشرط.

نعم، لو لم يعتقد بدعية الثالثة ففعلها معتقداً شرعيتها، أو اعتقد لكنّه غفل فأتى بها بقصد الشرعية لكان الوجه حينئذٍ الصحّة.

[و طهارة الصبي تمرينية فينوي الوجوب]

و طهارة الصبي تمرينية، فينوي الوجوب، ليقع التمرين موقعه.

و المراد بالوجوب: إمّا الوجوب في حقّه بمعنى اللابدّية، أو الوجوب في حقّ المكلّف، أو يقال بعدم كونه قصداً حقيقياً، بل تخيّلياً شبيهاً بالقصد ليعتاد و يمرّن عليه.

و قد يقال: إنّه ينوي الندب لتحققه في حقّه، دون الوجوب لعدم تحققه.

أمّا الثاني: فظاهر.

و أمّا الأوّل: فلأنّ الندب لا معنى له سوى أن يكون مطلوباً من الشارع و يثاب على فعله و لا يعاقب على تركه، و هذا المعنى متحقق في فعله. أمّا المطلوبية فلأمر الشارع الوليّ بأمره، و الأمر بالأمر أمر، و أمّا الثواب فلقبح أن يأمر أحد أحداً بمشقّة بدون عوض.

65

و أمّا الثالث: فظاهر.

و الظاهر أنّه إذا كان له تميّز و يفعل ما يفعله بقصد القربة، فلا يبعد حينئذٍ القول بأنّه مثاب، و أمّا إذا لم يكن كذلك فلا.

نعم، القول بلزوم العوض كأنّه لا بأس به.

[فلو بلغ في الوقت استأنف إن بقي قدر الطهارة و ركعة]

فلو بلغ في الوقت استأنف إن بقي قدر الطهارة و ركعة، و إلّا فلا.

وجوب الاستيناف بناءً على عدم كونها طهارة شرعية، و كذا سائر أفعاله، لعدم التكليف في حقّه، و به قال العلامة (ره) أيضاً.

و كلام الشيخ (ره) في المبسوط يدل على شرعية أفعاله، لمّا حكم بأنّ الصبي و الصبية إذا بلغا في أثناء الصلاة بما لا ينقض الطهارة أتمّا.

و في الخلاف أوجب إعادة الصلاة مع بقاء الوقت، محتجّاً بأنّ الندب لا يجزي عن الواجب و لم يذكر الطهارة.

و هذا أيضاً يشعر باعتقاده شرعيتها، من حيث حكمه بالندبية، و من حيث عدم ذكر الطهارة، إذ لو كان اعتقد عدم الشرعية لكان الظاهر الحكم بإعادة الطهارة أيضاً، فإذن الظاهر اعتقاده الشرعية، لكن حكم بإعادة الصلاة للوجه المذكور.

و لمّا لم يجر هذا الوجه في الطهارة إذ بالطهارة المندوبة يستباح الصلاة الواجبة لم يحكم بإعادتها.

و المحقق (ره) في (4) المعتبر وافق المبسوط في الصبية، و وجّه كونها شرعية

____________

(4) في نسخة «ألف»: أيضاً في.

66

بأمر الولي بأمره كما مرّ.

و استدل على شرعية طهارته خاصة بوجه آخر و هو: أنّها يستباح بها الصلاة التي هي حرام على المحدث.

و ضعفه ظاهر، و المسألة محل تردّد، و الحكم بوجوب استيناف الطهارة لا يخلو من إشكال، و ما ذكره من الاشتراط سيجيء القول فيه في كتاب الصلاة إن شاء اللّٰه تعالى.

[الثاني غسل الوجه]

[و هو ركن و كذا غسل باقي الأعضاء]

و غسل الوجه و هو ركن، و كذا غسل باقي الأعضاء.

المراد بالركن: الجزء، و يلزم الركنية بطلان الوضوء بترك واحد منها، لعدم الإتيان بالمأمور به معه.

و الذي يدل عليها: الآية، و الأخبار، و الإجماع.

[و هو من قصاص الشعر إلى المحادر طولًا و ما دار عليه الإبهام و الوسطى عرضاً]

و هو من قصاص الشعر إلى المحادر طولًا، و ما دار عليه الإبهام و الوسطى عرضاً.

القصاص مثلّثة القاف: منتهى منابت شعر الرأس، من مقدّمه و مؤخّره، و المراد هنا المقدم.

و المحادر جمع محدر، أي محل الانحدار، و المراد طرف الذقن، و هو بالتحريك: مجمع اللحيين اللذين فيهما منابت الأسنان السفلى.

و تحديد الوجه الواجب غسله في الوضوء بهذا الحدّ طولًا و عرضاً، هو المشهور بين الأصحاب، بل كاد أن يكون إجماعاً، و في المعتبر و المنتهي

67

أنّه مذهب أهل البيت (عليهم السلام).

و استدل عليه: بما رواه الفقيه، في باب حدّ الوضوء، في الصحيح، قال: قال زرارة بن أعين لأبي جعفر الباقر (عليه السلام): أخبرني عن حدّ الوجه الذي ينبغي أن يوضّأ، الذي قال اللّٰه عزّ و جلّ، فقال

الوجه الذي قال اللّٰه عزّ و جلّ و أمر اللّٰه عزّ و جلّ بغسله الذي لا ينبغي لأحد أن يزيد عليه و [لا] ينقص منه، إن زاد عليه لم يؤجر، و إن نقص منه أثم ما دارت عليه الإبهام و الوسطى، من قصاص شعر الرأس إلى الذقن، و ما جرت عليه الإصبعان مستديراً فهو من الوجه، و ما سوى ذلك فليس من الوجه، فقال [له]: الصدغ من الوجه؟ قال: لا.

و هذه الرواية في التهذيب، و الكافي أيضاً، في باب صفة الوضوء، و باب حدّ الوجه، مضمرة مع أدنى تغيير.

و معنى الرواية على ما فهمه القوم: أنّ قوله (عليه السلام)

ما دارت عليه الإبهام و الوسطى

بيان لعرض الوجه، و قوله

من قصاص شعر الرأس إلى الذقن

بيان (4) لطوله، و قوله (عليه السلام)

ما جرت عليه الإصبعان

إلى آخره كأنّه تأكيد لبيان العرض.

و حملها المحقق البهائي (ره) على معنى آخر و هو: أنّ كلا من طول الوجه

____________

(4) لم توجد هذه الكلمة في نسخة «ألف».

68

و عرضه [هو] ما اشتمل عليه الإبهام و الوسطى، بمعنى أنّ الخطّ الواصل من القصاص إلى طرف الذقن و هو مقدار ما بين الإصبعين غالباً، إذا فرض إثبات وسطه و أدير على نفسه ليحصل شبه دائرة فذلك القدر هو الوجه الذي يجب غسله».

قال في الحبل المتين: «و ذلك// (101) لأنّ الجارّ و المجرور في قوله (عليه السلام)

من قصاص شعر الرأس

إمّا متعلق بقوله: «دارت»، أو صفة مصدر محذوف، و المعنى أنّ الدوران يبتدأ من القصاص منتهياً إلى الذقن، و إمّا حال من الموصول الواقع خبراً عن الوجه، و هو لفظ «ما» (2) إن جوّزنا الحال عن الخبر.

و المعنى: أنّ الوجه هو القدر الذي دارت عليه الإصبعان حال كونه من القصاص إلى الذقن، فإذا وضع طرف الوسطى مثلًا على قصاص الناصية و طرف الإبهام على آخر الذقن، ثمّ أثبت وسط انفراجهما، و دار طرف الوسطى مثلًا على الجانب الأيسر إلى أسفل، [و] دار طرف الإبهام على الجانب الأيمن إلى فوق، تمّت الدائرة المستفادة من قوله (عليه السلام): «مستديراً»»، و تحقق ما نطق به قوله (عليه السلام)

و ما جرى عليه الإصبعان مستديراً فهو من الوجه انتهى.

____________

(2) في هامش نسخة «ب»: «ليت شعري، لِمَ لم يجعله حالًا عن عائد الموصول، حتّى لا يتوقف على أمر.»؟، (ر خ ب ص 63)

69

و أنت خبير بأنّه و إن دقّق في إبداع هذا الوجه، لكنّ الظاهر أنّ حمل الرواية عليه بعيد جدّاً، كما لا يخفى.

و أمّا ما استدل به على عدم صحّة توجيه القوم للرواية من أنّه يقتضي خروج بعض الأجزاء عن (3) حدّ الوجه مع دخوله في التحديد الذي عيّنه (عليه السلام) فيها، و دخول البعض فيه مع خروجه عن التحديد المذكور، و كيف يصدر مثل هذا التحديد الظاهر القصور الموجب لهذا الاختلاف عن الإمام (عليه السلام)؟ فيجيء تفصيل القول فيه إن شاء اللّٰه تعالى.

و اعلم أنّه وقع في نسخة التهذيب، و الكافي هكذا

ما دارت عليه السبابة و الوسطى و الإبهام

، و لم يظهر المراد منه حينئذٍ، و لم أقف على كلام من الأصحاب فيه، و لعلّ ذكر السبابة إنّما وقع في الرواية سهواً، بقرينة نسخة الفقيه؛ أو يكون المراد: التخيير بين ما دارت عليه السبابة و الإبهام، و الوسطى و الإبهام؛ أو يكون المراد: ممّا دارت عليه الثلاثة الحدّ الطولي و العرضي.

فالطولي: ما دارت عليه السبابة و الإبهام، لأنّ ما بين القصاص إلى الذقن بقدره غالباً؛ و العرضي: ما دارت عليه الوسطى و الإبهام، و حينئذٍ يكون قوله (عليه السلام)

من قصاص شعر الرأس إلى الذقن

، بياناً للحدّين معاً.

و يمكن توجيهات أخرى (4) غير ما ذكر، كما لا يخفى على المتأمل، و اللّٰه أعلم

____________

(3) في نسخة «ج»: من.

(4) في نسخة «ج»: آخر.

70

بحقيقة المراد.

و يدلُّ أيضاً على الحدّ الطولي للوجه: ما رواه الكافي و التهذيب، في البابين المذكورين، عن إسماعيل بن مهران قال: كتبت إلى الرضا (عليه السلام)، أسأله عن حدّ الوجه؟ فكتب إليّ

من أوّل الشعر إلى آخر الوجه، كذلك الجبينين.

و يمكن أن يجعل قوله (عليه السلام): «كذلك الجبينين» بياناً للحدّ العرضي، و هو قريب ممّا بين الإصبعين.

[و الأنزع و الأغمّ و قصير الأصابع و طويلها يغسلون ما يغسله المستوي]

و الأنزع و الأغمّ و قصير الأصابع و طويلها يغسلون ما يغسله المستوي.

المراد بالأنزع: من انحسر الشعر من بعض رأسه، و بالأغمّ: ما يقابله و هو: من (2) أنبت الشعر على جبهته، فالأنزع لا يغسل بعض بشرته الذي لا شعر فيه ممّا يعلو (3) الجبهة، و الأغمّ يغسل بعض منابت شعره ممّا يكون تحتها، و كذلك قصير الأصابع يغسل عرض الوجه ما زاد على ما بين إصبعيه بقدر ما يغسل المستوي، و طويلها يغسل أنقص ما بينهما.

و الوجه في الجميع: أنّ الواجب غسل الوجه دون ما زاد عليه أو نقص عنه، و التحديد المذكور مبنيّ على الغالب.

[و ليس الصدغ و العذاران منه]

و ليس الصدغ و العذاران منه، و إن غسلهما كان أحوط، و العذار: ما حاذى الأذن بين الصدغ و العارض.

____________

(2) في نسخة «ألف و ب»: و هو ما.

(3) في نسخة «ب»: ممّا تعلّق.

71

الصدغ: هو المنخفض الذي ما بين أعلى الأذن و طرف الحجب، و العذار: ما ذكره بينه و بين الأذن بياض يسير.

أمّا عدم دخول الصدغ في القدر الواجب غسله فلم نعرف فيه خلافاً، سوى ما ذكره المصنف (ره) في الذكرى، من أنّ ظاهر الراوندي في الأحكام غسل الصدغين.

و تدل عليه صريحاً: الرواية المتقدمة، و دخوله تحت التحديد المذكور لشمول (3) الإصبعين له غالباً ليس بضائر بعد ورود النص بخروجه.

و قد قيل: إنّ التحديد المذكور إنّما يعتبر في وسط التدوير من الوجه خاصّة، مع أنّ في شمول الإصبعين له أيضاً تأمّلًا، و كذا في دخوله في الوجه.

و هذا من جملة ما ذكره المحقق البهائي أنّه داخل في التحديد (5) و خارج عن الحدّ، و قد عرفت الحال فيه، مع أنّ الوجه الذي ذكره أيضاً قريب ممّا ذكره القوم في هذا المعنى، إذ على ذلك الوجه أيضاً يدخل بعض الصدغ فيما حواه الإصبعان.

و أمّا عدم دخول العذار فقد اختلف فيه، و الظاهر (6) من كلام الشيخ (ره) في المبسوط و الخلاف، و كذا من كلام ابن الجنيد دخوله في الوجه، و يلوح

____________

(3) في نسخة «ب»: بشمول.

(5) في هامش نسخة «ب»: الذي في الحديث.

(6) في نسخة «ألف و ب»: فالظاهر.

72

أيضاً من كلام ابن أبي عقيل.

و العلامة (ره) في جملة من كتبه ذهب إلى الخروج، بل ظاهر كلامه في التذكرة دعوى الإجماع منّا عليه، و كذا المحقق في المعتبر، و بهذا يشعر أيضاً كلام الشيخ (ره) في التهذيب.

و الظاهر أنّه لا نزاع بينهم في الحقيقة، بل القائلون بالدخول إنّما يريدون به دخول بعض منه ممّا يشمله الإصبعان، و القائلون بالخروج يريدون خروج البعض الآخر، كما يشعر به تتبّع كلماتهم.

و بالجملة: ما يقتضيه الدليل ظاهراً هذا التفصيل، للرواية السابقة، فمن ذهب إلى خلافه إمّا بإدخال القدر الخارج ممّا بين الإصبعين أو بإخراج القدر الداخل فلا يعتد (6) بقوله.

أمّا الثاني: فظاهر، لمنافاته للرواية بل للآية أيضاً، لأنّ الوجه يشمله ظاهراً.

و أمّا الأوّل: فلمنافاته للرواية.

و ما يقال: إنّ الوجه يصدق عليه فإخراجه بالرواية مشكل، لأنّه من باب تخصيص الكتاب بالخبر، و أيضاً: التكليف اليقيني لا بدّ له من البراءة اليقينية.

____________

(6) في نسخة «ب»: فلا يعتمد.

73

ففيه: أوّلًا: أنّ ظهور صدق الوجه على القدر الزائد ممنوع، بل غاية الأمر الإجمال، و الرواية مبيّنة، و هذا ممّا لا مجال للتوقف في صحّته، و لو سلّم الظهور أيضاً فنقول:

الظاهر أنّ تخصيص الكتاب بالخبر جائز، و ما ذكروا في عدم جوازه مدخول و موضعه في الأصول، و القول بأنّ التكليف اليقيني لا بدّ له من البراءة اليقينة فقد مرّ منعه مراراً.

و ما يقال أيضاً: إنّ غسله واجب من باب المقدّمة، و إنّ العارض يجب غسله قطعاً، و هو متصل بالعذار قريب من محاذاته، و كذا شعر الخدّين يجب غسله مع اتصاله به و عدم مفصل يقف الغسل عليه دون العذار فيجب غسله أيضاً فضعفه ظاهر.

لكنّ الاحتياط كما ذكره المصنف في غسله، بل في غسل الصدغ أيضاً، و هذا أيضاً من جملة ما ذكره المحقق المذكور أنّه خارج عن التحديد و داخل في الحدّ عند بعض المتأخرين، و أنت خبير بما فيه.

و أمّا البياض الواقع بينه و بين الأذن، فالظاهر أنّه لا خلاف في خروجه عن الوجه، و ليس بداخل تحت التحديد قطعاً، فلا وجوب فيه و لا احتياط.

[و العارضان من الوجه قطعاً]

و العارضان من الوجه قطعاً، و هو الشعر المنحط عن القدر المحاذي للإذن إلى الذقن و هو مجمع اللحيين، و المراد هيهنا محلّه.

و العلامة (ره) حكم في المنتهي بعدم وجوب غسله، و كان مراده القدر الذي

74

يخرج منه من شمول الإصبعين، كما يدل عليه كلامه في النهاية.

و الكلام في هذه المسألة أيضاً كالكلام في// (102) سابقه، من أنّ الظاهر فيه أيضاً التفصيل السابق.

و ما أورده صاحب المدارك على ما استدلوا به على وجوب غسله من أنّه يناله الإبهام و الوسطى بقوله: «و ضعفه ظاهر، فإنّ ذلك إنّما يعتبر في وسط التدوير من الوجه خاصّة، و إلّا لوجب غسل [كلّ] ما نالته الإبهام و الوسطى، و إن تجاوز العارض، و هو باطل إجماعاً» انتهى فضعفه (3) ظاهر، لأنّ تخصيص التحديد بوسط التدوير ممّا لا وجه له، و لا قرينة عليه، و ما ذكره من الدليل مردود.

أمّا أولًا: فإنّ هذا التحديد ظاهر أنّه فيما يصدق عليه الوجه، كما يشعر به أيضاً قوله (عليه السلام)

و ما جرت عليه الإصبعان من الوجه

كما في نسخة التهذيب و الكافي، و ما يتجاوز العارض لا يصدق عليه الوجه، فشمول الإصبعين له لا يجدي.

و أمّا ثانياً: فلأنّ خروج ما ذكره بالدليل لا يستلزم خروج ما لا دليل فيه، و هو ظاهر.

[و لا يجب غسل النزعتين]

و لا يجب غسل النزعتين، و هما: البياضان المكتنفان للناصية في

____________

(3) في نسخة «ب»: و ضعفه.

75

أعلى الجبينين.

و هما و إن كانا تحت القصاص حقيقة و ينالهما أيضاً الإبهام و الوسطى، لكنّ الظاهر عدم وجوب غسلهما، لأنّ المتبادر من القصاص ما يكون منتهى الناصية و ما يحاذيه.

و أيضاً: الظاهر دخولهما في الرأس كالناصية، لخروجهما عن التسطيح الذي يفصّل به الوجه عن الرأس و دخولهما في التدوير، فلا يكونان داخلين في التحديد.

و هذا أيضاً من جملة ما ذكره المحقق (ره) المذكور أنّه داخل في التحديد و خارج عن الحدّ، و قد علمت ما فيه.

و لم يذكر المصنف مواضع التحذيف بالذال المعجمة، و هو: ما ينبت عليه الشعر الخفيف بين ابتداء العذار و النزعة، أو ما بين الصدغ و النزعة؛ و إنّما يسمّى به لأنّ النساء و المترفين يحذفون الشعر عنه. و الأولى أن لا يحذفه، لأنّه محل الكلام.

و العلامة (ره) حكم في المنتهي و التذكرة بعدم وجوب غسله، و يشكل من حيث دخوله في التسطيح و التحديد.

و كونه منبت الشعر ليس بضائر، لعدم القطع بأنّه ممّا يعدّ من شعر الرأس، لكن لمّا كان يشك في كونه شعر الرأس و قد علمت أنّ القدر المشكوك لا دليل على وجوب الإتيان به في التكاليف اليقينية فالظاهر هيهنا أيضاً عدم الوجوب، لكنّ

76

الأولى الأخذ بالاحتياط التام و عدم ترك غسله.

[و لا غسل ما استرسل من اللحية]

و لا غسل ما استرسل من اللحية (1).

المراد به ما زاد من اللحية عن التحديد المذكور طولًا و عرضاً، و وجه عدم وجوب غسله ظاهر، لخروجه عن التحديد.

و أمّا ما عدا المسترسل فيجب غسله، لصدق الوجه عليه، لأنّه ممّا يواجه به و دخوله في التحديد. و الظاهر أنّ الحكمين إجماعي أيضاً.

[و يجب البدأة من الأعلى على الأصح]

و يجب البدأة من الأعلى على الأصح.

هذا هو المشهور بين الأصحاب، و خالف فيه السيد المرتضى (ره) فقال بجواز النكس لكن كرهه، و وافقه ابن إدريس.

احتج العلامة في المنتهي على المشهور بما رواه التهذيب، في باب صفة الوضوء، في الصحيح، عن زرارة بن أعين قال

حكى لنا أبو جعفر (عليه السلام) وضوء رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)، فدعا بقدح [من] ماء، فأدخل يده اليمنى، فأخذ كفّاً من ماء، فأسدلها على وجهه من أعلى الوجه

إلى آخر الحديث. قال: «و فعله إذا كان بياناً للمجمل، وجب اتّباعه فيه.

و أيضاً: نقل عنه (عليه السلام) حين أكمل وضوءه، أنّه قال

هذا وضوء لا يقبل اللّٰه الصلاة إلّا به.

و أيضاً: لا شك أنّه توضّأ بياناً، فإن كان قد ابتدأ بأسفل الوجه لزم وجوبه و لا

____________

(1) في الأصل: مسترسل اللحية.

77

قائل به و يكون قد فعل المكروه فإنّه وافق على الكراهة و هو منزّه عنه، و إن كان قد غسل من أعلاه وجب اتّباعه»، هذا كلامه.

و قد يجاب عن الأوّل: بأنّا لا نسلّم أنّ حكاية أبي جعفر (عليه السلام) للوضوء الذي فعله رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) بيان، لِمَ لا يجوز أن يكون المراد حكاية وضوئه الذي كان يفعله غالب الأوقات؟ و لو سلّم فنقول: إنّ قوله: «إنّ الفعل يجب اتباعه إذا كان بياناً للمجمل» مسلّم، لكن لا إجمال هيهنا في الغسل، و فعله (عليه السلام) ليس قرينة على أنّ المراد الغسل بهذا الوجه، لأنّه من أحد جزئيات طرق الغسل الذي لا بدّ له من أحدها، خصوصاً أنّه ليس طريقاً غير متعارف حتّى يجعل العدول عن المتعارف إليه قرينة على أنّه المراد.

و عن الثاني: بأنّ هذه الرواية لم توجد في طريقنا، سوى ما رواه الفقيه، في باب صفة وضوء رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) مرسلًا، قال: و توضّأ النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) مرّة مرّة، فقال

هذا وضوء لا يقبل اللّٰه الصلاة إلّا به.

و هذا مع كونه مرسلًا ليس فيه أنّه ابتدأ من أعلى الوجه.

و أيضاً: إمّا أن يحمل الوضوء في قوله (عليه السلام): «هذا وضوء» على الجزئي أو الكلي.

و على الأوّل: لا يمكن أن يحمل الكلام على ظاهره، إذ يلزم أن لا يقبل اللّٰه صلاة غيره (عليه السلام)، إذ ليس لها هذا الوضوء الخاص، بل صلاته (عليه السلام) أيضاً التي ليست بهذا الوضوء؛ فيجب أن يؤوّل بأنّ المراد: لا يقبل اللّٰه

78

الصلاة إلّا بمثله مثلًا، و حينئذٍ لا دلالة لها (1)، لأنّ المماثلة لا نسلّم ظهورها في المساواة في جميع الصفات و الأحوال الممكنة.

غاية ما في الباب: ظهورها هيهنا في المساواة في الأمور التي يعلم أنّه ليس من باب العادات و الاتفاقات، و أمّا فيما عداه مثل الغسل من الأعلى فيما نحن فيه فلا، لأنّه من قبيل الأمور الآخر (2) من كيفيات (3) الحركات الواقعة فيه، (4) و حدودها من السرعة و البطء و غير ذلك ممّا لا ريب في عدم وجوب متابعته. و لو لم نقل بظهور عدم وجوب رعاية المساواة فيه فلا أقل من عدم ظهور الوجوب، و على هذا يصير من باب القدر المشكوك، و قد عرفت مراد الحال فيه.

و على الثاني: فإمّا أن يكون المشار إليه ب «هذا»، الوضوء الخاص الذي فعله، أو الطبيعة المتحققة فيه؛ فإن كان الثاني فلا يبقى الدلالة بحالها، لأنّ الطبيعة التي في ضمنه إمّا أن يقال بظهور عدم اعتبار مثل هذه الأمور فيها، أو بعدم ظهور اعتباره، و على التقديرين لا يفيد كما مر آنفاً، و أمّا ظهور الاعتبار فلا.

و إن كان الأوّل فالكلام إمّا على الحصر أو لا، فإن كان على الحصر فيلزم المحذوران المذكوران، فلا بدّ أن يؤول مثلًا بأنّ المراد هذا و مثله وضوء لا يقبل اللّٰه الصلاة إلّا به، و يصير مثل الشقّ الأوّل؛ و إن لم يكن على الحصر فالأمر ظاهر، لأنّ كون هذا الفرد من أفراد هذا الوضوء لا يستلزم عدم كون غيره فرداً منه، مع إمكان المناقشة أيضاً في استلزام عدم القبول عدم الصحة، سيّما على مذاق

____________

(1) لم توجد هذه الكلمة في نسخة «ألف».

(2) في نسخة «ألف»: الأخرى.

(3) في نسخة «ألف و ب»: كيفية.

(4) في نسخة «ب»: فيها.

79

السيّد (ره).

و عن الثالث: بأنّا نختار أوّلًا أنّه ابتدأ بالأسفل.

قوله: «لو كان هكذا لزم وجوبه و لا قائل به».

قلنا: الملازمة// (103) ممنوع، لما تقدم من أنّ غسله (عليه السلام) بوجه خاص لا يستلزم وجوبه.

و قوله: «و أيضاً يلزم أن يكون فعل مكروهاً و هو منزّه عنه».

قلنا: لعلّه فعل المكروه لبيان الجواز.

فإن قلت: لو ابتدأ (عليه السلام) من الأسفل لكان ينبغي أن لا يقع الخلاف في جوازه.

قلت: ممنوع، إذ يجوز أن لا يصل هذا الخبر إلى جميع الفريقين.

و ثانياً: أنّه ابتدأ من الأعلى.

قوله: «فيجب اتباعه».

نقول: قد علمت ما فيه.

و قد يستدل أيضاً على هذا المطلب بوجه آخر و هو: أنّ المطلق ينصرف إلى الفرد الشائع المتعارف، و الشائع المتعارف في غسل الوجه غسله من فوق إلى أسفل، فينصرف الأمر في قوله (عليه السلام): «فاغسلوا» إليه.

و فيه أيضاً: أنّ شيوع هذا الفرد بحيث صار اللفظ حقيقة عرفية فيه ممنوع.

هذا، و احتج السيّد المرتضى (ره) بإطلاق الآية و الأخبار، و بما رواه حمّاد

80

عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام):

لا بأس بمسح الوضوء مقبلًا و مدبراً.

و ضعف الأخير ظاهر، لأنّ الكلام في الغسل دون المسح.

و إذا (2) عرفت المأخذ من الجانبين فنقول: الظاهر مذهب السيد، لقوّة دليله الأوّل و ضعف دلائل المشهور، لكنّ الشهرة بين الأصحاب و التكليف اليقيني بالغسل إنّما يقتضيان ملازمة الاحتياط و عدم الاجتزاء على خلاف المشهور.

و اعلم أنّ غاية ما يلزم من دلائل المشهور على تقدير تمامها وجوب البدأة بالأعلى بمعنى صبّ الماء عليه ثمّ اتّباعه بغسل الباقي، و أمّا عدم جواز غسل شيء من الأسفل قبل الأعلى و إن لم يكن في سمته كما تخيّله بعض فلا دلالة لها عليه، و إنّما هو متعسّر جدّاً بل متعذّر، فلا معنى للقول به. و نعم ما قيل: أنّه من الخرافات الباردة و الأوهام الفاسدة.

[و يجب تخليل ما يمنع وصول الماء إذا خفّ احتياطاً و المشهور عدم الوجوب]

و تخليل ما يمنع وصول الماء إذا خفّ احتياطاً، و المشهور عدم الوجوب.

المراد بالموصول الشعر (3)، و تخفيفه أن يتراءىٰ البشرة من خلاله في مجلس التخاطب.

و قد يفسّر بأن يصل الماء إلى منبته من غير مبالغة، و يفترق التفسيران بحسب سيوطة الشعر و جعودته.

و لا بدّ أوّلا من تحرير محل النزاع الذي في هذا المقام، لأنّه ممّا اشتبه فيه كلام

____________

(2) في نسخة «ألف و ب»: و إذ.

(3) لم توجد هذه الكلمة في نسخة «ب».

81

الأقوام، ثمّ الاشتغال بذكر الدلائل من الجانبين، و ما يتعلق بها من النقض و الإبرام.

اعلم أنّ الشيخ (ره) في المبسوط أطلق القول و قال: «و لا يلزم تخليل شعر اللحية، سواء كانت خفيفة أو كثيفة، أو بعضها خفيفةُ و بعضها كثيفة. و يكفيه إمرار الماء عليها».

و كذا قال المحقق في المعتبر: «لا يلزم تخليل شعر اللحية، و لا الشارب، و لا العنفقة، و لا الأهداب، كثيفاً كان الشعر أو خفيفاً، بل لا يستحب، و أطبق (2) الجمهور على الاستحباب.

و قال ابن أبي عقيل: «و متى خرجت اللحية و لم تكثر، فعلى المتوضئ غسل الوجه حتّى يستيقن وصول الماء إلى بشرته، لأنّها لم تستر مواضعها» انتهى كلام المعتبر.

و قال العلامة (ره) في المنتهي: «لا يلزم تخليل شعر اللّحية، و لا الشّارب، و لا العنفقة، و لا الأهداب (4) سواء كانت كثيفة أو خفيفة، و لا يستحب أيضاً، بل الواجب إن فقد الشعر غسل هذه المواضع، و إن وجد فإمرار الماء على ظاهر الشعر»، ثمّ نقل العبارة المنقولة عن ابن أبي عقيل و نسبها إلى ابن الجنيد.

و كذا حكم في الإرشاد بعدم وجوب التخليل مطلقا.

____________

(2) في المصدر: و أطلق.

(4) الهدب بالضّم: شعر أشفار العينين.

82

قال في المختلف

قال الشيخ (ره) في المبسوط: لا يجب تخليل شعر اللحية، سواء كان خفيفة أو كثيفة، أو بعضها كثيفة و بعضها خفيفة.

و قال ابن الجنيد: «إذا خرجت اللحية، فلم تكثر فتوارى بنباتها البشرة من الوجه، فعلى المتوضئ غسل الوجه كما كان قبل أن ينبت الشعر حتّى يستيقن وصول الماء إلى بشرته التي يقع عليها حسّ البصر إمّا بالتخليل أو غيره، لأنّ الشعر إذا ستر البشرة قام مقامها و إذا لم يسترها كان على المتوضي

(1)

إيصال الماء إليها».

و هو الظاهر من كلام السيد في المسائل الناصرية، فإنّه قال: «الأمرد و كلّ من لا شعر على وجهه يجب عليه غسل وجهه، و من كان ذا لحية كثيفة تغطيّ بشرة وجهه فالواجب عليه غسل ما ظهر من بشرة وجهه، و ما لا يظهر ممّا تغطّيه اللحية لا يلزمه إيصال الماء إليه، و يجزيه إجراء الماء على اللحية من غير إيصال الماء إلى البشرة المستورة».

و الحق عندي قول ابن الجنيد.

لنا: قوله تعالى

فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ

. دلّ على وجوب غسل الوجه، و إنّما انتقل إلى اللحية النابتة عليه لانتقال الاسم إليها لأنّ الوجه اسم لما يقع به المواجهة، و إنّما يحصل لها ذلك مع الستر، أمّا مع عدمه فلا، فإنّ الوجه مرئيّ فهو المواجه دون اللحية، لأنّها لم تستر الوجه فلا ينتقل الاسم إليها

انتهى.

____________

(1) في المصدر: المتطهّر.

83

و لا يخفى أنّ الظاهر على ما نقلنا أنّ الشيخ و المحقق (ره)، و العلامة (ره) في المنتهي و الإرشاد [إنّما] ذهبوا إلى عدم وجوب تخليل اللحية الخفيفة و إيصال الماء إلى البشرة الظاهرة خلال الشعر.

و ابن الجنيد و المرتضى، و ابن أبي عقيل و العلامة (ره) في المختلف ذهبوا إلى وجوب إيصال الماء إلى البشرة الظاهرة خلال الشعر في الخفيف، و أمّا ما يستر تحت الشعر و لو كان في الخفيف فالظاهر أنّه لا نزاع لأحد في عدم وجوب غسله، و لا أظنّك في مرية من هذا.

لكنّ المصنف (ره) في الذكرى حكم بأنّه لا خلاف ظاهراً بين الشيخ و المحقق و المرتضى و ابن الجنيد في شيء أصلًا، بل الكلّ متفقون على وجوب غسل البشرة الظاهرة خلال الشعر و عدم وجوب غسل المستورة.

و ذكر أنّ العلامة (ره) في التذكرة حمل كلام السيّد و ابن الجنيد على أنّ مرادهما: وجوب غسل ما يستر من البشرة تحت الشعر الخفيف، و تبعهما في ذلك، و أوجب غسل الشعر الساتر و منبته، و حكم بأنّ غسل أحدهما لا يجزي عن الآخر، و الحال أنّ كلامهما يحتمل غير هذا المعنى و هو: قصر الوجوب على غسل البشرة التي لا شعر عليها، بل الظاهر من كلامهما هذا خصوصاً كلام السيد، و على

84

هذا لا نزاع بينهما و بين الشيخ.

و اعترض أيضاً على ما في التذكرة بأنّه مع مخالفته لظاهر الأصحاب يخالف مشهور العامّة أيضاً، لأنّه لم يفرّق بين شعر اللحية و غيرها من الحاجب و الأهداب و نحوهما في هذا الحكم، مع أنّهم فرّقوا بينهما.

و الحق: أنّ ما ذكره المصنف في الذكرى من الاتفاق على وجوب غسل البشرة الظاهرة خلال الشعر، و من أنّ العلامة إنّما حمل كلامهما في التذكرة على المعنى المذكور دون وجوب غسل البشرة الظاهرة منظور فيه.

أمّا الأوّل: فلأنّه لا دليل على ذلك الاتفاق أصلًا، بل الظاهر من إطلاقاتهم خلافه كما علمت، بل لا يبعد دعوى التصريح أيضاً في كلام المختلف.

و أنت خبير بأنّ بعد ظهور كلامهم في هذا المعنى، و تصريح العلامة بالحمل عليه، و عدم معارض يدل على خلافه، لا وجه للقول بأنّ مرادهم ليس ذلك.

و كان الباعث على هذا الدعوى حسبان أنّ البشرة إذا لم تستر بالشعر فيصدق عليها الوجه قطعاً، فكيف يمكن الحكم بعدم وجوب غسله؟// (104) و هو ضعيف، لأنّ بعد ورود الرواية بعدم الوجوب كما سنذكره إن شاء اللّٰه تعالى لا وجه لهذا القول و لو فرض عدم تماميّة الدليل عليه لأنّ عدم تماميّة الدليل لا يدل على عدم القول بالمدلول، أو ما يتوهم من الدليل الذي ذكره المحقّق في المعتبر على هذا المطلب، بأنّ الوجه اسم لما ظهر فلا يتّبع المغاير من إشعاره بأنّ المراد عدم وجوب [غسل] ما يستر، لا ما ظهر خلال الشعر، لأنّ هذا الدليل إنّما يدل

85

على الأوّل فقط.

و هذا أيضاً ضعيف، لأنّ مدعى المحقق عدم وجوب تخليل الكثيف و الخفيف مطلقا، فيكون هذا دليلًا على بعض أجزاء مدّعاه لا كلّه، و لم يقتصر عليه حتّى لا يصحّ، بل أورد غيره أيضاً ممّا يدل على العموم.

و أمّا الثاني: فلأنّ ما نسبه إلى التذكرة فهي بريئة منه، بل كلام التذكرة أيضاً قريب من كلام المختلف، و لا بأس بذكر ما فيها حتّى يتضح حقيقة الحال.

قال فيها

يجب أن يغسل ما تحت الشعور الخفيفة في محل الفرض، كالعنفقة الخفيفة و الأهداب، و الحاجبين، و السبال، لأنّها غير ساترة فلا ينتقل اسم الوجه إليها، و لو كانت كثيفة لم يجب غسل ما تحتها، بل غسل ظاهرها. أمّا الذقن فإن كان شعره كثيفاً لم يجب تخليله، و لا إيصال الماء إلى ما تحته، بل غسل ظاهره أيضاً. ذهب إليه علماؤنا و به قال الشافعي.

ثمّ قال: و أمّا إن كان الشعر خفيفاً لا يستر البشرة، فالأقوى عندي غسل ما تحته و إيصال الماء إليه، و به قال ابن أبي عقيل، و هو مذهب الشافعي، لأنّها بشرة ظاهرة من الوجه. و قال الشيخ: «لا يجب تخليلها كالكثيفة»، و الفرق ظاهر

انتهى.

و قال في موضع آخر: «لو أدخل يده و غسل بشرة اللحية لم يُجزئ، لأنّها إن كانت كثيفة فالغسل للظاهر، و إن كانت خفيفة فالغسل لهما، فلا يجزي

86

أحدهما»، و لا شكّ أنّ هذه الكلمات إنّما تدل على [وجوب] غسل البشرة الظاهرة تحت الشعر الخفيف لا البشرة المستورة، فيكون بعينه مثل ما حمل المصنف كلام السيد و ابن الجنيد عليه، و ليس فرق بينه و بين كلامه في المختلف، مع أنّ المصنف قال بأنّ ظاهر المختلف أنّه فسّر كلامهما بما فسّرناه.

إذا تقرّر هذا فنقول: إذا كان مراد الشيخ و من تبعه من عدم وجوب تخليل الشعر مطلقا سواء كانت خفيفة أو كثيفة عدم وجوب إيصال الماء إلى البشرة التي في الشعر، سواء كان ظاهراً في خلاله أو لا كما ذكرنا أنّه الظاهر فالخلاف حينئذٍ ظاهر في أنّه في أي شيء، و هو وجوب غسل البشرة الظاهرة خلال الشعر، كما هو رأي المرتضى و ابن الجنيد و ابن أبي عقيل و العلامة في بعض كتبه، و عدم وجوبه كما هو رأي الشيخ و المحقق و العلامة في بعض آخر.

و أمّا إذا كان مرادهم منه عدم وجوب إيصال الماء إلى البشرة المستورة، سواء كان بالكثيف أو الخفيف كما ذكره المصنف (ره) فحينئذٍ فالظاهر أنّه لا خلاف بينهم و بين السيد و ابن الجنيد، إذ كلامهما أيضاً ظاهره ذلك.

87

نعم، لمّا كان كلام العلامة (ره) في المختلف و التذكرة صريحاً في الخلاف فلا بدّ من توجيه له، و هو أن يقال: إنّ الخلاف حينئذٍ في وجوب غسل البشرة المستورة بالخفيفة و عدمه، و إن اتفقوا على وجوب غسل البشرة الظاهرة خلاله.

و الحاصل: أنّ الشعر إذا كان كثيفاً ساتراً لجميع ما تحته فلا يجب تخليله و إيصال الماء إلى تحته اتفاقاً، و إن كان خفيفاً ساتراً لبعضها غير ساتر لبعض، فلا خلاف أيضاً في وجوب غسل ما ليس يستره، إنّما الخلاف في وجوب غسل ما يستره.

فالشيخ و المحقق على العدم، و كذا السيد و ابن الجنيد و ابن أبي عقيل على ما هو الظاهر من كلامهم؛ و العلامة على الوجوب في المختلف و التذكرة، و كذا (3) الثلاثة المذكورة بزعم العلامة.

و لا يذهب عليك أنّ الخلاف على التقدير الأخير قليل الفائدة جدّاً، كما ذكره الشهيد الثاني (ره) في شرح الرسالة، لأنّ خفيف الشعر إذا وجب عليه إيصال الماء إلى البشرة الظاهرة خلال الشعر، فلا شكّ أنّه عند إيصال الماء إليها يصل إلى البشرة المستورة أيضاً و يندر أن لا يصل إليها، فحصول العلم أو الظن بالوصول إلى الظاهرة لا ينفك عادة عن حصول العلم أو الظن بالوصول إلى المستورة، فتقلّ فائدة الخلاف.

____________

(3) لم توجد هذه الكلمة في نسخة «ب».

88

و بهذا ظهر فساد ما في حبل المتين حيث قال: «و اعلم أنّه لا خلاف بين الفريقين في وجوب غسل ما يرى من البشرة خلال الشعر في مجلس التخاطب، و في عدم وجوب غسل ما لا يرى منها. و من هنا قال بعض مشايخنا (ره): إنّ النزاع في هذه المسألة قليل الجدوى» انتهى-، لأنّك قد عرفت أنّ النزاع على هذا التقدير في عدم وجوب غسل ما لا يرى منها، و قد صرّح به الشهيد الثاني (ره) في شرح الرسالة.

و أيضاً: لو كان [كما ذكره (2)] من عدم الخلاف في المعنيين لما كان للنزاع معنى، لا أنّه كان قليل الجدوى.

هذا، و قد بقي في المقام شيء و هو أنّ الستر الذي يعتبر في عدم وجوب غسل البشرة عند العلامة و السيد و ابن الجنيد على ما هو الظاهر و عند الجميع على ما هو زعم المصنف و تابعيه هل هو الستر في جميع كيفيّات مجالس التخاطب أو يكفي في بعضها؟ الكلّ محتمل، و لم أقف في كلامهم على نصّ فيه. و الشهيد الثاني رجّح الأوّل مع احتماله الثاني، و سنذكر في ضمن الأدلّة أنّ الظاهر أنّهما بالنظر إلى الدليل.

و المحقق البهائي (3) (ره) احتمل أن يكون النزاع في الخفيف باعتبار هذا المعنى، بأن يكون الاتفاق حاصلًا في أنّ ما يستر بالشعر في جميع مجالس التخاطب سواء كان بالخفيف أو الكثيف لا يجب وصول الماء إليه، و ما لا يستر

____________

(2) ما في القوسين لم توجد في نسخة «ب».

(3) على هذه الكلمة في نسخة «ب»: الثاني. و عليها علامة نسخة بدل.

89

في حال أصلًا يجب الوصول إليه، و يكون النزاع فيما يستر في بعض الأحوال دون بعض.

فالشيخ (ره) و تابعوه على عدم وجوب الوصول إليه، و العلامة و من تبعه على الوجوب، و على هذا لا يكون النزاع قليل الجدوى.

و هذا و إن كان احتمالًا قريباً في نفسه، لكن في حمل كلامهم عليه بعد، إذ ليس في كلماتهم ما يشعر إليه ظاهراً، و اللّٰه أعلم بكيفيّة الحال.

و يمكن أيضاً أن يكون الاتفاق واقعاً على وجوب غسل البشرة الظاهرة في جميع الأحوال؛ و كذا على عدم وجوب غسل ما يعلوه الشعر، سواء كان ساتراً له في جميع الأحوال أو لا، و يكون الخلاف فيما لا يعلوه الشعر، و يكون ظاهراً في بعض الأحوال دون بعض.

و التفصيل التام في هذا المقام: أنّ كلام الشيخ و من يحذو حذوه إمّا أن يحمل على ظاهره و لم يسلّم الاتفاق على خروج شيء منه أو لا.

فعلى الأوّل: لا شكّ أنّ كلام السيد و ابن الجنيد و ابن أبي عقيل مخالف له، و ذلك الخلاف يحتمل وجوهاً:

الأوّل: أن يكون في البشرة الظاهرة في جميع الأحوال.

و الثاني: أن يكون في الظاهرة في حال (4).

____________

(4) في نسخة «ألف»: في حال ما.

90

و الثالث: أن يكون فيما لا يعلوه شعر، و يكون الاتفاق في (1) عدم الوجوب فيما يعلوه، سواء كان ساتراً له في جميع الأحوال أو لا.

و يحتمل بعيداً أيضاً أن يكون في مطلق بشرة الخفيف، سواء كان مستوراً دائماً بالشعر أو لا. و قس على كلامهم، كلام العلامة (ره).

و أيضاً (2) على الثاني؛ فنقول: ذلك الأمر المتفق على خروجه من تلك الإطلاق و وجوب غسله يحتمل أن يكون الظاهر في جميع الأحوال، أو حال ما، أو ما لا يعلوه شعر.

و على التقادير: إمّا أن يكون الحكم بعدم الوجوب في جميع ما عدا الخارج من كلام الشيخ و تابعيه اتفاقياً أو لا.

فإن كان اتفاقياً فلا بدّ من حمل كلام الثلاثة على ما يوافق كلامهم، بأن يحمل ما حكموا بوجوب غسله على الأمر الخارج من إطلاقاتهم بأيّ معنى كان، لئلّا يلزم أن يكون كلامهم مخالفاً للإجماع، و يلزم حينئذٍ على العلامة غلط البتة، إمّا حكم بخلاف الإجماع إن كان ما حكم بوجوب غسله في التذكرة و المختلف سوى ما هو المستثنى من كلام الشيخ و غيره، أو عدم فهم المراد من كلام الجماعة إن كان هو بعينه.

و إن لم يكن اتفاقياً فحينئذٍ إمّا أن يكون الثلاثة أيضاً موافقين للشيخ أو لا.

و على الثاني: فإن كان القدر الخارج هو الأوّل فيحتمل أن يكون خلافهم

____________

(1) في نسخة «ألف»: على.

(2) لم توجد هذه الكلمة في نسخة «ب».

91

في الثاني أو الثالث، أو مطلق بشرة الخفيف على بعد.

و إن كان هو الثاني فالخلاف إنّما هو في الأخير فقط، أي في مطلق بشرة الخفيف، بل في المستور منها دائماً.

و إن كان هو الثالث فالخلاف إمّا في الثاني أو في مطلق البشرة بالمعنى المذكور. و قس عليه أيضاً كلام العلامة.

و على الأوّل: فيلزم غلط على العلامة من حيث حكمه بكونهم مخالفين للشيخ مع أنّه لا خلاف، و حينئذٍ لا يخلو إمّا أن يكون مراده ممّا حكم بوجوب غسله، ما هو المستثنى من كلام الشيخ، فيلزم غلط آخر أيضاً عليه من عدم فهمه مراد الشيخ أو غيره، و حينئذٍ فيه الاحتمالات السابقة.

و إذ قد تقرّر هذا، فلنشرع في ذكر أدلّة طرفي الخلاف على ثلاثة تقادير و يحال الباقي عليها، و ترجيح ما هو الظاهر بحسب النظر.

أمّا التقدير الأوّل: و هو الذي ذكرنا أنّه الظاهر من كلامه فالظاهر فيه ما ذهب إليه الشيخ و تابعوه من عدم وجوب التخليل مطلقا، سواء كان في اللحية أو غيرها من الحاجب و الأهداب و الشارب و نحوها، و سواء كان كثيفاً أو خفيفاً، و سواء كان لإيصال الماء إلى البشرة الظاهرة خلال الشعر أو المستورة لوجوه:

الأوّل: ما رواه الفقيه، في باب حدّ الوضوء، في الصحيح، عن زرارة، قال في آخر الحديث المنقول سابقاً في حدّ الوجه: قال زرارة: قلت له: أ رأيت ما أحاط

92

به الشعر؟ فقال

كلّ ما أحاط به من الشعر فليس على العباد أن يطلبوه و لا يبحثوا عنه، و لكن يجري عليه الماء.

و هذه الرواية في التهذيب أيضاً في باب صفة الوضوء، في الزيادات، في الصحيح مضمرة، و فيه: موضع «يطلبوه» «يغسلوه».

و قد يناقش فيه بأنّ الإحاطة إنّما يصدق إذا ستره دائماً، فلا يكون دالّاً على تمام المدّعى، بل على بعضه ممّا لا نزاع لعلمائنا فيه، بل لبعض العامّة عي هذا التقدير.

و لا يخفى أنّ الإحاطة ليست بمعنى الستر، لا في اللغة و لا في العرف، و لا شكّ أنّ معناها العرفي حاصل في جميع ما يدّعيه، لأنّ في العرف يقولون للبشرة الظاهرة في خلال الشعر: إنّها محاطة بالشعر.

نعم، لو كان الظاهر قدراً كثيراً و يكون (3) الشعر بعيداً بعضها عن بعض جدّاً، فحينئذٍ لا يصدق عليه الإحاطة في العرف، و ليس كلامنا أيضاً فيه، لأنّ كلامنا في التخليل، و مثله لا يكون محتاجاً (4) إلى التخليل.

و لو سلّم عدم ظهور صدق الإحاطة عليه فلا أقلّ من عدم ظهور عدمه، فآل الأمر إلى الإجمال، و عند إجمال المخصّص يصير الآية و الروايات الواردة بغسل الوجه أيضاً بمنزلة المجمل، و قد مرّ مراراً أنّ في التكليف المجمل يكفي الإتيان بالقدر الثابت، كما هو الظاهر.

____________

(3) في نسخة «ألف و ب»: أو يكون.

(4) في نسخة «ألف»: و مثله لا يحتاج.

93

الثاني: ما رواه التهذيب، في الباب المذكور، في الصحيح، عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام) قال

سألته عن الرجل يتوضّأ، أ يبطن لحيته؟ قال: لا.

و هذه الرواية في الكافي أيضاً، في باب حدّ الوجه، و هي مخصوصة باللحية.

و يمكن أن يتمسك فيما عداها بالإجماع المركب منّا.

و يناقش فيه أيضاً: بأنّه يدل على عدم وجوب غسل المستورة، لأنّه المفهوم من (3) التبطين.

و هي أيضاً ضعيفة، لأنّ التخليل يستلزم التبطين البتة. نعم، لا تبطين فيما لا يحتاج إلى التخليل، و لا كلام فيه.

الثالث: ما ورد في الروايات كما سيجيء إن شاء اللّٰه تعالى من الاجتزاء بالغرفة الواحدة للوجه مطلقا، من غير تقييد بعدم خفّة الشعر، و لا ريب أنّ الغرفة الواحدة لا يمكن وصولها إلى جميع ما أحاط به الشعر.

و يمكن أن يقال على الجميع: إنّ بينها و بين الآية و الروايات الواردة بغسل الوجه عموماً من وجه، فلِمَ يخصّصونها بها دون العكس؟ بأن يخصّصوا هذه الروايات بعدم وجوب غسل ما لا يصدق عليه الوجه من البشرة المستورة.

لكن لا يخفى أنّ الحكم في العموم من وجه إذا لم يكن مرجّح التساقط

____________

(3) في نسخة «ب»: عن.

94

و التوقف و الرجوع إلى الأصل، و لمّا لم يوجد مرجّح هيهنا فيحكم بالتساقط، و يرجع إلى الأصل من براءة الذمة.

و أنت خبير بأنّ الأدلّة المذكورة كما تدل على بعض أجزاء المدّعى المذكور سابقاً ممّا خالف فيه علمائنا على النحو الذي ذكرنا تدل على البعض الآخر ممّا وقع فيه الإجماع منّا من البشرة المستورة بطريق أولى (1)، كما لا يخفى.

و يدلُّ على هذا البعض أيضاً مضافاً إلى الإجماع: عدم صدق الوجه على المستور، لأنّه من المواجهة، و عند الستر ينتقل المواجهة إلى الشعر.

و ما روي من أنّه (صلى اللّٰه عليه و آله) توضّأ، فغرف غرفة غسل بها وجهه و هو (صلى اللّٰه عليه و آله) كان كثّ اللحية، كما وصفه [به] علي (عليه السلام). و لا ريب أنّ الغرفة الواحدة لا تصل إلى أصول الشعر مع كثّه.

و ما يمكن أن يحتج به المخالف: ما نقلنا سابقاً من المختلف من الاحتجاج.

و جوابه: أنّ بعد ورود الروايات بعدم وجوب غسل غير المستور لا يجدي صدق الوجه عليه، لأنّها بمنزلة المخصّص.

و اعلم أنّ الظاهر بحسب ما وجدناه من الأدلّة كما علمت عدم وجوب غسل البشرة الظاهرة خلال الشعر، سواء كان ظهوره في بعض الأحوال أو الجميع، لكن لمّا وقع دعوى الإجماع على خلافه من المصنف ظاهراً و تابعيه إمّا في الثاني فقط أو فيهما معاً على احتمالين فالأحوط أن لا يترك غسلها و يبالغ في وصول الماء إليها.

____________

(1) في نسخة «ألف»: بطريق الأولى.

95

هذا، و أمّا التقدير الثاني: و هو ما فهمه المصنف من كلام العلامة، و حمل تابعوه الخلاف عليه، فالظاهر فيه أيضاً ما ذهب إليه الشيخ و من تبعه// (106) بالطريق الأولى (3)، لدلالة الأدلّة المذكورة حينئذٍ صريحة، من غير ورود خدشة و مناقشة. و الاحتجاج الذي ذكرنا من المختلف يصير حينئذٍ ظاهر الفساد، لأنّه يخرج (4) من محل النزاع.

اعلم أنّ المصنف (ره) قال في الذكرى

المشهور عدم وجوب تخليل الشعر النابت على الوجه، خفّ كلّه أو كثف كلّه أو تبعّض، لرجل كان أو لامرأة حتّى لا يجب تخليل لحية المرأة، نصّ على ذلك كلّه الشيخ في المبسوط و صاحب المعتبر.

ثمّ استدل عليه بأنّ الوجه اسم لما يواجه به ظاهراً فلا يتّبع غيره، و بالأدلّة الثلاثة السابقة، و بما روى من وضوئه (عليه السلام) بغرفة واحدة و هي لا تبلغ أصول الشعر، خصوصاً مع أنّه كان كثّ اللحية كما ذكرنا، و بأنّ كل شعرة تستر ما تحتها ضرورة فلا يجب غسله كالساتر للجميع، لقيام المواجهة [فيه].

و اعترض عليه في الحبل المتين بأنّ

دليله الأوّل إنّما يجري بظاهره في الكثيف، و ليس النزاع فيه.

____________

(3) في نسخة «ألف و ب»: بطريق الأولى.

(4) في نسخة «ب»: مخرج.

96

و العلاوة التي ظنّها مؤيّدة لدليله الثالث، تأييدها غير ظاهر بل الظاهر خلافه.

و قوله في الرابع: «إنّ كل شعرة تستر ما تحتها»، إن أراد أنّ أصلها تستُر نفس منبتها الحقيقي فليس الكلام فيه، و إن أراد أنّ الشعرة تستر شعاع البصر عن الوقوع على ما يحاذيها من أجزاء الوجه.

فإن أراد أجزاء شخصية بعينها في كلّ مجالس التخاطب فالخفيف ليس كذلك، فإنّ المستوريّة به يتبدل بتبدل مجلس التخاطب، بل بأدنى حركة بين الرائي و المرئي يظهر ما كان مستوراً و يستر ما كان ظاهراً.

و إن أراد أجزاء نوعية متبدّلة الأفراد بتبدل المجالس، توجّه المنع إلى الكبرى، لحصول المواجهة بها في بعض الأوقات

هذا كلامه.

و يمكن أن يجاب عن الأوّل: بمنع اختصاص دليله بالكثيف (2)، لأنّك قد علمت أنّه (ره) اعتقد أنّه لا خلاف في وجوب غسل ما ظهر في خلال الشعر، فيكون مراده من عدم وجوب تخليل اللحية مطلقا عدم وجوب غسل المستور بالشعر، خفيفاً كان أو كثيفاً، و لا ريب في جريان هذا الدليل في جميع ما ادّعاه، و لا اختصاص له بالكثيف.

و أيضاً: لو سلّم اختصاصه بالكثيف نقول: إنّ مراده من هذه الدلائل ليس الاستدلال على ما هو المتنازع فيه بين علمائنا فقط، بل على جميع ما ادّعاه، سواء كان إجماعاً منّا أو لا، و حينئذٍ فيكون هذا الدليل دليلًا على بعض ما ادّعاه.

____________

(2) في نسخة «ج»: بالكثف.

97

و عن (1) الثاني: بما ذكر في الوجه الأخير، لأنّه إذا كان المراد الاستدلال على بعض المدعى و إن لم يكن خلافاً منّا فلا ريب في تأييد العلاوة المذكورة كما لا يخفى.

و عن الثالث: بأنّ مراده من التخليل في قوله: «عدم وجوب تخليل الشعر» تخليله لغسل ما يستر به، لا لغسل ما هو الظاهر خلاله كما هو معتقده، و حينئذٍ نقول:

إنّ قوله: «كلّ شعرة تستر ما تحتها ضرورة» يعني به أنّها تستر ضرورة في الفرض الذي فيه الخلاف في وجوب التخليل و عدمه، و حينئذٍ لا إيراد. نعم، يرد عليه: أنّه بعينه هو الوجه الأوّل، فلا وجه لإعادته.

إلّا أن يقال: إنّ الوجه الأوّل مختص بالكثيف لظهور إجزائه فيه، و هذا للخفيف (2) بقياسه عليه و ادّعاء جريان المذكور فيه أيضاً، و حينئذٍ لا قصور فيه و لا تكرار، كما لا يخفى.

و أمّا التقدير الثالث: و هو ما احتمله المحقق البهائي فالظاهر فيه أيضاً عدم وجوب التخليل، للأدلّة الثلاثة المذكورة سابقاً. و الإيراد عليها و الجواب عنه أيضاً يستنبط ممّا سبق، فقس عليه.

فصار فذلكة القول على ما اخترناه عدم وجوب تخليل الشعر مطلقا، سواء كان من اللحية أو غيرها، و سواء خفّ أو كثف، و سواء كان ظاهراً خلاله البشرة في

____________

(1) في نسخة «ج»: من.

(2) في نسخة «ج»: التخفيف.

98

جميع الأحوال أو بعضها أو لا، إن لم يكن إجماع على الوجوب في الظاهر في جميع الأحوال، أو فيه و في الظاهر في بعضها أيضاً بناءً على الاحتمالين السابقين، و إلّا ففي ما عدا الإجماع.

و الاحتياط في الصورتين اللتين يحتمل الإجماع فيهما أن لا يترك غسل البشرة، خصوصاً في غير اللحية. و كذا في المستور بالخفيف ستراً دائمياً (1)، لاحتمال الخلاف فيه و اللّٰه تعالى أعلم بحقائق أحكامه.

[نعم يستحب و إن كثف]

نعم، يستحب و إن كثف.

نفي المحقق في المعتبر، و العلامة في المنتهي استحباب التخليل مطلقا، لكنّه حكم في التذكرة باستحباب تخليل الكثيف، للاستظهار، و لأنّه (عليه السلام) كان يخلّل لحيته.

و الظاهر أنّ الخفيف إن لم يكن تخليله واجباً، كان الاستحباب فيه أظهر منه في الكثيف، لشدّة الاستظهار فيه، لكنّ الحكم بالاستحباب بمجرد هذا الوجه مشكل. و ما روي من فعله (عليه السلام) لا يمكن إجراؤه في الخفيف، و القياس عليه بالطريق (5) الأولى لا يخلو من إشكال، إلّا أن يقال بدخوله تحت إسباغ الوضوء المندوب إليه.

[كما يستحب إفاضة الماء على ظاهر اللحية]

كما يستحب إفاضة الماء على ظاهر اللحية، ذكر العلامة في النهاية أنّ

____________

(1) في نسخة «ب»: دائماً.

(5) في نسخة «ألف»: بطريق.

99

الاصطلاح إنّما وقع على إطلاق الإفاضة على غسل الظاهر فقط و الغسل على غسل الظاهر و الباطن معاً.

اعلم أنّ ظاهر اللحية له ثلاثة أفراد:

الأوّل: ظاهر اللحية الكثيفة التي في محل الفرض، و هو ليس بمراد هيهنا، لأنّ الظاهر الإجماع منّا على وجوب غسله و انتقال حكم محله إليه. نعم، نقل من أبي حنيفة الخلاف فيه.

الثاني: ظاهر اللحية الخفيفة التي في محل الفرض، و لا يخفى أنّ الشعر الخفيف الذي في محل الفرض يحتمل وجهين:

أحدهما: أن يكون قائماً غير مائل، سواء كان يستر ما وراءه (3) من البشرة دائماً أو في بعض الأحوال أولا، و لا شك أنّ هذا الشعر إنّما ينتقل إليه حكم منبته الحقيقي و يجب غسله، لكنّ الكلام في أنّه هل يجب غسل رأسه فقط أو غسل ما سواه أيضاً ممّا يظهر على حسّ البصر؟

فيه وجهان: فإن قلنا بالثاني فلا يكون هذا أيضاً مراداً هيهنا. و إن قلنا بالأوّل فيمكن أن يكون مراداً هيهنا، باعتبار غسل ما عدا رأسه، و لا يأباه لفظ الظاهر، كما لا يخفى.

و الثاني: أن يكون مائلًا، فإمّا أن يحكم بانتقال حكم ما تحته إليه إمّا لكونه ساتراً له ستراً دائمياً على قول من يعتبره، أو لا يستره ستراً دائمياً لكن على

____________

(3) في نسخة «ب»: ما وراه.

100

قول من يكتفي بالستر في الجملة، و حينئذٍ يجب غسله و لا يكون ممّا نحن فيه أو لا يحكم بانتقال حكم ما تحته إليه، إمّا لكونه غير ساتر له ستراً دائمياً على قول من يكتفي بالستر الدائمي أو يكون يستره ستراً دائمياً (1) لكن على قول من لا يكتفي به، بل يعتبر ستر الجميع كما مرّ من احتمال الخلاف فيه.

و فيه أيضاً وجهان:

وجوب غسله أيضاً كما يجب غسل ما تحته كما يشعر به كلام التذكرة المنقول سابقاً بناءً على صدق الوجه عليه أيضاً، لأنّه// (107) ممّا يواجه به. و عدم وجوب غسله بل يجب غسل ما تحته فقط، بناءً على أنّ الوجه لا يزيد بنبات اللحية، فعلى تقدير وجوب غسل ما تحته لا وجه لوجوب غسله أيضاً.

فعلى الأوّل: لا يكون ممّا نحن فيه، و على الثاني: يمكن أن يكون منه. و لا يخفى أنّه على الثاني وجوب غسله بقدر ما يحاذي منبته الحقيقي باقٍ بحاله.

الثالث: ظاهر المسترسل من اللحية عن محل الفرض طولًا و عرضاً، و هو أيضاً ممّا يمكن أن يكون مراداً هيهنا.

إذا تقرّر هذا فنقول: إنّ المصنف (ره) استدل في الذكرى على هذا الحكم بوجهين:

أحدهما: أنّه إذا كان تخليل اللحية مستحباً فيكون استحباب الإفاضة على ظاهرها بطريق الأولى، و لا يخفى ما فيه، خصوصاً في المعنى الأخير الذي ذكرنا إمكان إرادته هيهنا.

____________

(1) في نسخة «ألف»: دائماً.