مشارق الشموس في شرح الدروس - ج2

- الشيخ آقا حسين الخوانساري المزيد...
534 /
101

و ثانيهما: ما ورد في حكاية وضوء رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)، و سيجيء إن شاء اللّٰه تعالى أنّه وضع الماء علىٰ جبهته و أسدّ له عل أطراف لحيته.

و فيه أيضاً: عدم ظهور دلالته على أيّ معنى كان من المعاني المذكورة التي يمكن أرادتها هيهنا.

و بالجملة: هذا الحكم لا يخلو من إشكال، خصوصاً أنّه لم نجده في كلام الأصحاب سوى المصنف (ره).

[و غسل الأذنين و مسحهما بدعة و لا تبطل]

و غسل الأذنين و مسحهما بدعة.

حكم المفيد (ره) في المقنعة بأنّ مسح الأذنين ظاهرهما و باطنهما بدعة.

و استدل عليه الشيخ بأنّ غسل الأعضاء في الطهارة و مسحها حكم شرعي، فينبغي أن يتبع في ذلك دليلًا شرعيّاً، و ليس في الشرع ما يدل على وجوب مسح الأذنين في الوضوء، و من أثبت في الشريعة حكماً من غير دليل شرعي فهو مبدع بلا خلاف بين المسلمين، و لا يخفى أنّ هذا الدليل جارٍ بعينه في الغسل أيضاً.

ثمّ إنّ البدعة كان معناها الحرمة أو كون الأمر مردوداً، كما يفهم من المعتبر في بحث الغسلة الثالثة، حيث قال: «و أمّا كون الثالثة بدعة فلأنّها ليست مشروعة، فإذا اعتقد التشرع (2) أثم، و لأنّه يكون إدخالًا في الدين ما ليس منه فيكون مردوداً، لقوله (عليه السلام)

من أدخل في ديننا ما ليس فيه، فهو ردّ

، و لا نعني «بالبدعة» إلّا ذلك» انتهى.

____________

(2) في نسخة «ألف»: التشريع.

102

و يفهم من كلام الشيخ و المحقق (ره) أنّ مثل هذه الأفعال إنّما يكون بدعة لو فعل بقصد المشروعية و العبادة، بل إنّ البدعة إنّما هي اعتقاد مشروعيته، و أمّا الإتيان بهذه الأفعال بدون اعتقاد الشرعية فلا، و سيجيء تفصيل القول في هذا المعنى في بحث الغسلة الثالثة إن شاء اللّٰه تعالى.

هذا، و الذي يدل على عدم وجوب غسل الأذنين و مسحهما، مضافاً إلى الأصل و الإجماع: ما رواه الشيخ، في التهذيب، في باب صفة الوضوء، في الموثق، عن زرارة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) أنّ أناساً يقولون: إنّ بطن الأذنين من الوجه و ظهرهما من الرأس؟ فقال

ليس عليهما غسل و لا مسح.

و هذه الرواية في الكافي أيضاً، في باب حدّ الوجه.

و ما رواه الكافي، في باب مسح الرأس و القدمين، في الحسن، عن محمّد بن مسلم، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال

الأذنان ليسا من الوجه، و لا من الرأس.

و يدلُّ أيضاً على خروجه من الوجه: التحديد الذي ذكر سابقاً.

فأمّا ما رواه التهذيب، في الباب المذكور، عن علي بن رئاب قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) الأذنان من الرأس؟ قال

نعم، قلت: فإذا مسحت رأسي،

103

مسحت أذني؟ قال: نعم

، فمع القدح في سنده لأنّ من جملة رجاله يونس و هو مشترك بين الموثق و غير الموثق كما في المنتهي فمحمول (3) على التقية، لموافقته لمذهب العامة.

و لا تبطل لصدق الامتثال، و حرمة ذلك الفعل لو كانت لا تستلزم الفساد، لأنّها نهي في الخارج.

[و يجزي في الغسل مسمّاه]

و يجزي في الغسل مسمّاه.

مرجع (4) التسمية إلى العرف، لأنّه الحاكم في أمثال هذه الأمور.

و قيل: أقلّ ما يحصل به المسمّى أن يجري جزء من الماء على جزئين من البشرة و لو بمعاونة، و كان العرف أيضاً يكتفي بذلك.

و لو كالدهن مع الجريان، قد تكرّر في الروايات ما يدل بظاهره على الاكتفاء في الوضوء بأقلّ من الجريان.

منها: ما رواه التهذيب، في باب حكم الجنابة، في الحسن، بإبراهيم بن هاشم، عن زرارة و محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال

إنّما الوضوء حدّ من حدود اللّٰه، ليعلم اللّٰه من يطيعه و من يعصيه، و إنّ المؤمن لا ينجّسه شيء، و إنّما يكفيه مثل الدهن.

____________

(3) في نسخة «ألف»: محمول.

(4) في نسخة «ج»: ترجع.

104

و هذه الرواية في الكافي أيضاً، في باب مقدار الماء الذي يجزي للوضوء، بسند أحسن ممّا في التهذيب، لضمّه (2) محمّد بن إسماعيل، عن الفضل أيضاً.

و في الفقيه أيضاً مرسلة، في باب صفة وضوء رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله).

و الدهن إمّا من الادهان بمعنى الاطلاء بالدهن، أو من دهن المطر الأرض إذا بلّها بلًّا يسيراً، و على التقديرين الظاهر أنّه لا جريان فيه.

و منها: ما رواه الكافي، في الباب المذكور، في الصحيح، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال

يأخذ أحدكم الراحة من الدهن، فيملأ بها جسده، و الماء أوسع من ذلك.

و منها: ما رواه التهذيب، و الكافي، في البابين المذكورين، في الصحيح، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) في الوضوء قال

إذا مسّ جلدك الماء فحسبك.

و منها: ما رواه التهذيب، في الباب المذكور، عن إسحاق بن عمّار، عن جعفر، عن أبيه (عليهما السلام)، أنّ علياً (عليه السلام) كان يقول

الغسل من الجنابة، و الوضوء يجزي منه ما أجزأ من الدهن الذي يبلّ الجسد.

____________

(2) في نسخة «ب»: لتضمنه.

105

و الأصحاب (ره) إنّما حملوها على المبالغة و المجاز، لورود الأمر بالغسل و هو لا يتحقق إلّا مع الجريان.

و يؤيّد أيضاً عدم الاكتفاء بما دون الجريان: ما رواه التهذيب، في باب صفة الوضوء، في باب الزيادات، في الصحيح، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل لا يكون على وضوء، فيصيبه المطر حتّى يبتلّ رأسه و لحيته و جسده و يداه و رجلاه، هل يجزيه ذلك من الوضوء؟ قال

إن غسله فإنّ ذلك يجزيه

(1)

.

و أنت خبير أنّه لو لم يكن الشهرة بين الأصحاب بل الإجماع ظاهراً، لأمكن القول بالاكتفاء بالدهن حقيقة، للروايات الكثيرة المعتمدة، لكنّ الأولى متابعتهم.

و اعلم أنّ المفيد (ره) في المقنعة قال في بحث غسل الجنابة: «و أدنى ما يجزي في غسل الجنابة من الماء ما يكون كالدهن للبدن يمسح به الإنسان عند الضرورة لشدّة البرد أو عوز الماء».

و لعل رأيه في الوضوء أيضا ذلك كما نسبه اليه المصنف (رحمه الله) في الذكرى و نسب إلى الشيخ أيضا و لعلّ مستنده: ما رواه التهذيب، في باب حكم الجنابة، في الصحيح، عن

____________

(1) في قرب الإسناد أنّه قال: «حتّى يغسل لحيته»، مسائل علي بن جعفر و زيد فيه: «و ليتمضمض و ليستنشق»

106

محمّد [بن علي (1)] الحلبي، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال

أسبغ الوضوء إن وجدت ماءً، و إلّا فإنّه يكفيك اليسير.

ثمّ إنّ هذا الكلام منه (ره) يحتمل وجهين:

الأوّل: أن يكون محمولًا على حقيقته من الاكتفاء بالمسح.

و الثاني: أن يكون مبالغة في الجريان القليل، كما ذكره الأصحاب في الروايات.

فإن كان مراده الأوّل: فإن استند في الحكم بالرواية المذكورة، ففيه: أنّه لا دلالة لها ظاهراً على هذا المعنى. و إن استند بالروايات السابقة بحملها على ظاهرها، ففيه: أنّه لا تقييد (3) فيها بالضرورة.

إلّا أن يقال: مستنده الروايات السابقة و هذه الرواية قرينة التقييد، و الجمع بين هذه الروايات و بين الروايات الواردة بالغسل.

// (108) و إن كان الثاني: فالتقييد بالضرورة لا وجه له، لجواز الاكتفاء بأقلّ الغسل حال الاختيار أيضاً لصدق الامتثال و الروايات، إلّا أن يحمل على الفضيلة، كما يحمل الرواية المذكورة أيضاً عليها.

و يمكن أن يؤيّد القول بالمسح حال الضرورة بما نقله الكافي مرسلًا، في باب صفة الوضوء قال: و روى في رجل كان معه من الماء مقدار كفّ و حضرت الصلاة قال: فقال

يقسّمه أثلاثاً، ثلث للوجه، و ثلث لليد اليمنى، و ثلث لليسرى،

____________

(1) هكذا في المصدر.

(3) في نسخة «ب»: تقيد.

107

و يمسح بالبلّة رأسه و رجليه.

و هذه الرواية إن لم يكن ضعيفة بالإرسال و الإضمار، لكان دليلًا ظاهراً على المراد.

هذا، و الاحتياط في المقام أن لا يكتفي في حال الاختيار بما دون الجريان، و عند الاضطرار يجمع بينه و بين التيمم.

[و لا يجب الدلك فلو غمس العضو أجزأ]

و لا يجب الدلك، فلو غمس العضو أجزأ.

عدم وجوب الدلك هو المشهور بين الأصحاب، و قال المصنف في الذكرى: «يلوح من كلام ابن الجنيد وجوب إمرار اليد على الوجه».

لكن ذكر أيضاً أنّه قال في موضع الجبائر ما يدل على عدم الوجوب حيث قال: «يوصل الماء إلى العضو بالصبّ أو الغمس». و الظاهر المشهور، لصدق الامتثال بدون الدلك.

حجّة الوجوب: ما ورد في حكاية وضوء رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) «أنّه أمرّ يده على وجهه و ظاهر جبهته».

و الكلام فيه توجيهاً و نقضاً مثل ما سبق في بحث وجوب البدأة بالأعلى.

و احتج بأنّه المعهود في الغسل، و ضعفه ظاهر.

ثمّ إنّ في تفريع المصنف إجزاء الغسل على عدم وجوب الدلك مناقشة، لأنّ

108

عدم وجوب الدلك لا يستلزم جواز الغمس، لجواز وجوب الصبّ و إن لم يجب الدلك.

و أيضاً: يفهم منه أنّ وجوب الدلك مستلزم لعدم جواز الغمس و هو أيضاً ممنوع، لجواز أن يجوز الغمس و يجب مع ذلك الدلك، لكن كأنّه لم يذهب إلى هذين الاحتمالين أحد، فلذا فرّع المصنف (ره) جواز الغمس على عدم وجوب الدلك.

هذا، و يمكن أن يستدل على جواز الغمس: بما رواه التهذيب، في زيادات صفة الوضوء، عن رجل، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال

إذا توضّأ الرجل، فليصفق وجهه بالماء، فإنّه إن كان ناعساً

(1)

فزع و استيقظ، و إن كان البرد فزع و لم يجد البرد.

لكن يناقش فيه: بأنّه يجوز أن لا يكون هذا الصفق غسل الوجه الذي هو جزء من الوضوء، بل يكون (3) فعلًا آخراً سابقاً على الوضوء للغرض المذكور في الرواية، أو يكون المراد ضرب الماء بالوجه، إمّا من باب القلب أو لا.

و بهذين الوجهين ظهر أيضاً وجه الجمع بينهما و بين ما رواه في هذا الباب، عن السكوني، عن جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)

لا تضربوا وجوهكم بالماء إذا توضّأتم، و لكن شنّوا

(4)

الماء شنّاً

(5)

.

____________

(1) النعاس: الوسن و أوّل النوم.

(3) في نسخة «ألف»: لا يكون.

(4) شنّ الماء على التراب: فرقه عليه.

(5) في الكافي: «بالماء ضرباً إذا توضّأتم.

109

و جمع الشيخ بينهما بحمل الأولى على الإباحة و الثانية على الاستحباب. و فيه بعد، لظهور الأوّل في الاستحباب، و يجمع أيضاً بينهما بتخصيص الأولى بحال النعاس و البرد، و الثانية بغيرهما.

و اعلم أنّه يمكن الاحتجاج لوجوب الصبّ أيضاً، بما ورد في الحكاية المذكورة. و الجواب الجواب.

ثمّ إنّ صاحب البشرى (ره) ذكر أنّه لو غمس العضو في الماء لم يمسح بمائه، لما يتضمن من بقاء آنٍ بعد الغسل يلزم منه استيناف و ذكر أيضاً أنّه لو نوى الغسل بعد خروجه من الماء أجزأ، إذ على العضو ماء جارٍ فيحصل به الغسل.

و قال المصنف في الذكرى: «و يمكن أن يقال: المراد بماء الوضوء الممسوح به ما تخلّف بعد الحكم بالغسل، و العضو الخارج من الماء محكوم بغسله، و إجزاء الغسل بعد الإخراج بعيد، لعدم صدق اسم الغسل عليه، و مع ذلك منعه من المسح قويّ» انتهى.

و لا يخفى أنّ ما ذكره أنّ الحكم بالغسل إنّما هو بعد الخروج منظور فيه.

نعم، يمكن أن يورد عليه: بأنّه لو غمس اليد في الماء و لم يستقر فيه زماناً كثيراً، بل بقدر ما يصدق عليه الغسل عرفاً و أخرجت، فلا يصدق عليه في العرف أنّه استيناف ماءٍ.

نعم، لو استقرّ زماناً كثيراً فلا يبعد صدق الاستيناف عرفاً حينئذٍ، و يمكن تنزيل

110

كلام المصنف (ره) أيضاً عليه، و سيجيء في بحث الاستيناف ما له نفع في هذا المقام.

[الثالث غسل اليدين]

[يجب غسل اليدين من المرفقين مبتدئاً بهما إلى أطراف الأصابع]

ثمّ غسل اليدين من المرفقين مبتدئاً بهما إلى أطراف الأصابع، و لو نكس بطل على الأصح.

غسل اليدين أيضاً من أحد أركان الوضوء، و يدلُّ على وجوبه: الآية و الأخبار و الإجماع.

و يدلُّ على تحديده بكونه من المرفق إلى الأصابع: الأخبار و الإجماع أيضاً، و قد وقع الإجماع منّا على دخول المرفقين، و خالف فيه بعض العامّة، مستدلًا بأنّ «إلى» للغاية و الغاية خارجة عن ذي الغاية.

و أجيب أوّلًا: بمنع كونها للغاية، بل بمعنى مع، كما في قوله تعالى مَنْ أَنْصٰارِي إِلَى اللّٰهِ*.

و ثانياً: بمنع خروج الغاية، فإنّ بعضهم ذهب إلى وجوب الدخول، و آخرون قالوا بالوقف، فإنّها تارة تدخل و أخرى لا تدخل فكان مجملًا.

و قال آخرون: إن كان الحدّ من جنس المحدود دخل، كقولهم: بعتك هذا الثوب من هذا الطرف [إلى هذا الطرف (5)]؛ و إلّا فلا كآية الصيام، و هنا المرافق من جنس الأيدي، مع أنّه ورد في روايات أصحابنا أنّ تنزيل الآية من المرافق كما

____________

(5) أثبتنا الزيادة من نسخة «ألف و ب».

111

سيجيء.

ثمّ الأصحاب بعد الاتفاق على دخول المرفق و وجوب غسله، اختلفوا في سبب الوجوب أنّه هل هو النصّ أو الاستنباط؟ من باب كونه مقدمة الواجب.

و احتج القائلون بالأوّل بالآية، إمّا لأنّ «إلى» بمعنى «مع» كما في الآية المتقدمة، أو لأنّ الحدّ المجانس داخل في الابتداء و الانتهاء (1).

و فيهما نظر، لأنّ كونها بمعنى مع مجاز لا بدّ له من قرينة، و دخول الحدّ المجانس ممنوع، لما مرّ من توقف بعضهم في الدخول مطلقا.

و احتج أيضاً: بما ورد (2) أنّ رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) أدار الماء على مرفقيه.

و فيه بعد قصور السند: أنّه لا يدل على عدم كونه من باب المقدمة، و تتمّة الكلام فيه سيجيء إن شاء اللّٰه تعالى في بيان ما جعلوه فائدة الخلاف من (3) غسل جزء من العضد لو قطعت اليد من المرفق.

[و أمّا الابتداء بالمرفق (4)] ففيه بحثان: جواز الابتداء و وجوبه. أمّا الجواز فهو أيضاً ممّا وقع عليه الاتفاق منّا، بل من العامّة أيضاً.

و يدلُّ عليه مضافاً إلى الإجماع روايات:

منها: ما رواه الكافي، في باب صفة الوضوء، في الحسن، عن زرارة قال: قال أبو جعفر (عليه السلام)

أ لا أحكي لكم وضوء رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه

____________

(1) لم ترد في نسخة «ب».

(2) في نسخة «ألف»: بما رواه.

(3) في نسخة «ب»: في.

(4) ما بين المعقوفتين لم ترد في نسخة «ألف».

112

و آله)؟ فقلنا: بلى، فدعا بقعب فيه شيء من ماء، فوضعه بين يديه، ثمّ حسر عن ذراعيه، ثمّ غمس فيه كفّه اليمنى، ثمّ قال: هكذا إذا كانت الكفّ طاهرة، ثمّ غرف فملأها ماءً، فوضعها على جبينه، ثمّ قال: بسم اللّٰه و سدّ له على أطراف لحيته، ثمّ أمرّ يده على وجهه و ظاهر جبينه مرّة واحدة.

ثمّ غمس يده اليسرى، فغرف بها ملأها، ثمّ وضعه على مرفقه اليمنى، فأمرّ كفّه// (109) على ساعده حتّى جرى الماء على أطراف أصابعه، ثمّ غرف بيمينه ملأها، فوضعه على مرفقه اليسرى، فأمرّ كفّه على ساعده حتّى جرى الماء على أطراف أصابعه، و مسح مقدّم رأسه و ظهر قدميه ببلّة يساره و بقية بلّة يمناه.

و هذه الرواية في الفقيه أيضاً، في باب صفة وضوء رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)، مرسلة، بأدنى تغيير.

و منها: ما رواه التهذيب، في الموثق، في باب صفة الوضوء، عن بكير و زرارة ابني أعين، أنّهما سألا أبا جعفر (عليه السلام) عن وضوء رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم)؟

فدعا بطست أو بتور فيه ماء فغسل كفّيه، ثمّ غمس كفّه اليمنى في التور فغسل وجهه بها، و استعان بيده اليسرى بكفّه على غسل وجهه.

ثمّ غمس كفّه اليسرى

(3)

في الماء فاغترف بها من الماء، فغسل يده اليمنى من المرفق إلى الأصابع، لا يرد الماء إلى المرفقين، ثمّ غمس كفّه اليمنى في الماء فاغترف بها من الماء، فأفرغه على يده اليسرى من المرفق إلى الكفّ، لا يرد الماء

____________

(3) في المصدر:" اليمنى".

113

إلى المرفق، كما صنع باليمنى، ثمّ مسح رأسه و قدميه إلى الكعبين بفضل كفّيه، و لم يجدّد ماءً.

و هذه الرواية في الكافي أيضاً، في الباب المذكور، بتغييرات لا يخلّ بغرضنا.

و منها: ما رواه التهذيب، في الباب المذكور، عن الهيثم بن عروة التميمي قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن قوله تعالى فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ؟ فقال

ليس هكذا، تنزيلها إنّما هي

فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ

من

الْمَرٰافِقِ

، ثمّ أمرّ يده من مرفقه إلى أصابعه.

و هذه الرواية في الكافي أيضاً، في باب حدّ الوجه، و زيد فيه بعد إلى المرافق

فقلت: هكذا و مسحت ظهر كفّي إلى المرافق.

فإن قلت: هذا منافٍ لما في الآية من قوله تعالى إِلَى الْمَرٰافِقِ.

قلت: قد سبق أنّه يجوز أن يكون بمعنى «مع».

و أيضاً: يمكن أن يكون التحديد للمغسول لا للغسل، مع أنّ الرواية الأخيرة تدل على أنّ تنزيلها ليس هكذا.

و أمّا وجوب الابتداء فقد اختلف فيه، فالأكثر على الوجوب، و السيد اختار

114

الاستحباب، و تبعه ابن إدريس، و الكلام فيه كما تقدم في الابتداء بأعلى الوجه.

[و يجب تخليل شعر اليد و إن كثف و غسله أيضاً]

و يجب تخليل شعر اليد و إن كثف و غسله أيضاً.

وجه وجوب التخليل بشرط منع وصول الماء إلى اليد توقف الواجب عليه، لأنّ اليد معناها هذا العضو الخاص و قد أمر بغسله، فيجب أن يغسل بتمامه، لظاهر اللفظ، و لما ورد أيضاً في الروايات من التصريح بوجوب غسله بتمامه كما سيجيء إن شاء اللّٰه تعالى في بحث المسح خرج المنبت الحقيقي للشعر بالإجماع، فيبقى الباقي.

و يمكن أن يحتج على عدم الوجوب بالرواية المتقدمة من قوله (عليه السلام): «كلّما أحاط به الشعر» إلى آخر الحديث، لأنّه بعمومه شامل لليد أيضاً، لكن لمّا كان السابق عليه الحديث عن (4) الوجه، فلا يبعد أن يجعل قرينة على اختصاصه به.

و يمكن أيضاً الاحتجاج بما سيجيء إن شاء اللّٰه تعالى في بحث المضمضة، من قوله (عليه السلام)

إنّما عليك أن تغسل ما ظهر

، لكنّ الرواية ضعيفة، مع احتمال أن يكون الظاهر في مقابلة الجوف بقرينة المقام، فالأولى أن يؤخذ بالوجوب.

____________

(4) في نسخة «ألف»: من.

115

و أمّا وجوب (1) غسل الشعر ففيه إشكال، من حيث عدم دليل تام عليه.

و احتج المصنف في الذكرى بأنّه من توابع اليد، و فيه ضعف. و الظاهر عدم الوجوب، للأصل إن (3) لم يكن إجماع.

نعم، لو قلنا بعدم وجوب إيصال الماء إلى ما تحته، انتقل حكم الوجوب إليه.

[و غسل الظفر و إن طال]

و غسل الظفر و إن طال.

لو لم يخرج الظفر عن سمت اليد عرفاً بحيث يعدّ في العرف من أطراف الأصابع، فوجوب غسله ظاهر.

و أمّا إذا خرج عن ذلك الحدّ ففيه وجهان: الوجوب لأنّه من أجزاء اليد، و عدمه كالمسترسل من اللحية.

و فرّق المصنف في الذكرى بينه و بين فاضل اللحية باتصاله بمتصل دائماً، و ليس بشيء، و الظاهر عدم الوجوب، للأصل و عدم دليل صالح للخروج عنه.

و يحتمل على القول بعدم وجوب غسله، القول بوجوب قبضه (5) و تقليمه ليصل الماء إلى أطراف الأصابع، فمقتضى الاحتياط أن لا يترك الأظفار بحيث يخرج عن حدّ المتعارف، و اللّٰه أعلم.

[و السلعة تحت المرفق و اليد الزائدة كذلك]

و السلعة تحت المرفق و اليد الزائدة كذلك.

يحتمل جرّ السلعة و اليد عطفاً على الظفر، و يكون معنى قوله «كذلك» تحت

____________

(1) في نسخة «ألف و ب»: وجوب.

(3) في نسخة «ألف»: و إن.

(5) في نسخة «ألف و ب»: نصه.

116

المرفق، و رفعها على الابتداء، و كذلك خبرهما أي كالظفر. و الأوّل أولى، لأنّ تحتية المرفق في اليد مرادة البتة، فالأولى أن يكون في اللفظ عليه دليل و لم يكتف بالقرينة.

و السلعة في اللغة: زيادة تحدث في الجسد كالغدّة، تتحرّك إذا حرّكت، و قد يكون من حمصة إلى بطيخة (1)، و لعل المراد هيهنا كلّ زيادة تحت المرفق لحماً أو إصبعاً أو غيرهما، لم نقف على خلاف بين الأصحاب في هذا الحكم.

و استدلوا عليه: بأنّه في محلّ الفرض فيكون تابعاً له. و الاستدلال و إن أمكن المناقشة فيه، لكنّ التعويل على الشهرة بل الإجماع ظاهراً، مع رعاية الاحتياط.

[و لو كانت فوق المرفق غسلت مع الاشتباه و إلّا الأصلية]

و لو كانت فوق المرفق غسلت مع الاشتباه، و إلّا الأصلية.

الحكم الأوّل كأنّه مجمع عليه، و الشيخ (ره) أطلق القول في المبسوط بعدم وجوب غسل الزائد (2) فوق المرفق، لكن نزلوه على المتميز، و كذا أطلق الحكم في المعتبر.

و استدل عليه: بأنّ غسلهما واجب من باب المقدمة، كما لو تنجّست (5) إحدى يديه و لم يعلمها بعينها.

و أيضاً: قد ورد الأمر بغسل الأيدي، و كلّ منهما تصدق عليه اليد.

____________

(1) في مجمع البحرين: السلعة زيادة في الجسد كالغدّة، تتحرك إذا حركت؛ و بالفتح الشجة.

(2) في نسخة «ألف»: الزيادة.

(5) في نسخة «ج»: نجست.

117

و الحكم الثاني كأنّه مختلف (1) فيه، فظاهر الشرائع و المختلف الحكم بوجوب الغسل، و المبسوط و المعتبر و المنتهي على عدم الوجوب، و هو الظاهر، للأصل و عدم دليل مخرج (2).

و استدل في المختلف على الوجوب بصدق اليد عليها فيتناولها الأمر بالغسل، ثمّ أورد على نفسه أنّ الأمر يتناول المعهود ممّا يسمّى يداً، و هو إنّما يكون في الأصل، إذ الزائد لا يطلق عليه اسم اليد.

و أجاب أوّلًا: بمنع عدم تناول اسم اليد له (3)، و أسنده بصحّة تقسيم اليد إلى الزائدة و الأصلية، و مورد التقسيم يجب اشتراكه بين الأقسام التي قسّم إليها.

و ثانياً: بالنقض بالزائدة تحت المرفق.

و يمكن أن يجاب عنه:

أمّا عن المنع: فبأنّ كلامه خارج عن القانون، لأنّه مستدل فليس منصبه المنع. و لو صرف عن ظاهره و حمل على الاستدلال و يجعل ما هو السند بحسب الظاهر دليلًا، فيرد عليه منع أنّ اليد الحقيقي ينقسم إليهما.

و لو تمسّك بأنّ الأصل في الإطلاق الحقيقة نقول:

____________

(1) في نسخة «ألف»: اختلف.

(2) في نسخة «ألف»: يخرج.

(3) لم ترد في نسخة «ألف».

118

غاية ما يلزم منه أن يكون اليد صادقة على اليد الزائدة لغة، و كلامنا إنّما هو في العرف و العادة، و لو سلّم الإطلاق في العرف أيضاً فيمكن أن يقال: إنّ الإضافة في «أيديكم» للعهد بناءً على أصلها، و المعهود إنّما هو اليد الأصلية.

و أمّا عن النقيض: فبأنّ الوجوب في الزائدة (1) تحت المرفق إن كان// (110) إجماعيّاً أو يكون تبعيتها لمحلّ الفرض ظاهراً فبان الفرق، إذ ليس هذان الوجهان في المتنازع فيه، و إن لم يكن شيء منهما، فيمنع الحكم فيها فلا نقض.

و في المسألة احتمال آخر كما ذهب إليه بعض العامّة و هو: وجوب غسل ما حاذى منه محلّ الفرض إن كان دون ما لم يحاذه، تنزيلًا له بمنزلة (3) ما خلق تحت المرفق، و هو أيضاً ضعيف.

قال بعض الفضلاء: «و لو لم يكن لليد الزائدة مرفق، لم يجب غسلها»، و هو جيّد بناءً على أنّ الأمر ورد بغسل (5) اليد إلى المرفق، فعند عدم المرفق لا يمكن الإتيان بذلك الأمر، فيسقط. و وجوب شيء آخر محتاج إلى الدليل و ليس، و من هيهنا أيضاً يستفاد عدم وجوب غسل يدٍ ليس لها مرفق و إن انحصر اليد فيها.

اللهمّ إلّا أن يكون إجماع على وجوب غسلها، و على تقدير الوجوب يشكل الأمر في تقدير ما يغسل منها، و أنّه هل يغسل الجميع أو ما هو بقدر اليد إلى

____________

(1) في نسخة «ب»: الزائد.

(3) في نسخة «ألف»: تنزيلًا منزلة.

(5) في نسخة «ألف»: أنّ الأمور بغسل، و في نسخة «ب»: على أنّه الأمر ورد بغسل.

119

المرفق؟ و اللّٰه أعلم.

[و الأقطع يغسل ما بقي و لو استوعب سقط و استحب غسل العضد نصّاً]

و الأقطع يغسل ما بقي و لو استوعب سقط، و استحب غسل العضد نصّاً.

قطع اليد إمّا أن يكون من دون المرفق أو من نفسه أو من فوقه.

فإن كان الأوّل: فقد ادعى الإجماع على وجوب غسل ما بقي من الذراع إلى المرفق. قال في المنتهي: «و هو قول أهل العلم».

و استدل عليه أيضاً: بما رواه التهذيب، في زيادات صفة الوضوء، في الصحيح، عن رفاعة، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: سألته عن الأقطع اليد و الرجل، كيف يتوضّأ؟ قال

يغسل ذلك المكان الذي قطع منه.

و في الكافي أيضاً، في باب حدّ الوجه، في الحسن، عن رفاعة قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الأقطع؟ قال

يغسل ما قطع منه.

و لا يخفى أنّ الاستدلال بهاتين الروايتين على هذا المطلب لا يخلو من إشكال، للإجمال الواقع فيهما، لجواز أن يكون المراد من الأقطع: الذي قطع من المرفق و يكون أمره (عليه السلام) بغسل محلّ القطع، خصوصاً في الرواية الأولى، بل لا يبعد ادعاء ظهورها في الأمر بغسل محلّ القطع فقط.

فحينئذٍ إمّا أن يحمل القطع على القطع من دون المرفق، أو منه، أو الأعمّ منهما، و على التقادير لا يجدي في المطلوب.

120

و استدل أيضاً: بما رواه التهذيب، في الباب المذكور، في الحسن، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال

سألته عن الأقطع اليد و الرجل؟ قال: يغسلهما.

و هذه الرواية في الكافي أيضاً، في الباب المذكور، و هذه أيضاً لا يخلو من إجمال.

و استدل أيضاً: بالأصل و الاستصحاب، و أنّ غسل الجميع بتقدير وجوده واجب، فإذا زال البعض لم يسقط الآخر، لأنّ الميسور لا يسقط بالمعسور.

و فيه ضعف، لأنّ الاستصحاب في مثل هذا الموضع ممّا لا يمكن (3) إجراؤه، لأنّ الحكم السابق إنّما هو الأمر بغسل المجموع من حيث هو مجموع أمراً واحداً، و ليس أوامر متعلقة كلّ جزء جزء منه، و لمّا لم يبق متعلقه هيهنا فقط التكليف به، فلا بدّ في غسل الجزء الباقي من تكليف عليحدة.

و قس عليه أيضاً حال قولهم

الميسور لا يسقط بالمعسور.

و الحاصل: أنّ هذه الدلائل ممّا يشكل إتمامه، فالعمدة في التعويل الإجماع.

و إن كان الثاني: فقد اختلف فيه عبارة الأصحاب.

فالشيخ (ره) في المبسوط قال: «و من كانت يده مقطوعة من المرفق أو دونها، وجب عليه أن يغسل ما بقي من العضو إلى المرفق مع المرفق».

____________

(3) في نسخة «ألف و ب»: لم يمكن.

121

و قال المحقق (ره) في المعتبر: «من قطعت يداه من المرفقين سقط عنه غسلهما، و يستحب مسح موضع القطع بالماء، و لو قطعت إحديهما غسل الأخرى، و لو بقي المرفق وجب غسله»، و في الشرائع: «فإن قطعت من المرفق سقط فرض غسلها».

و قال ابن الجنيد: «إذا كان أقطع من مرفقه غسل ما بقي من عضده».

و قال العلامة (ره) في المنتهي: «لو انقطعت يده من المرفق سقط غسلها، لفوات محل [الغسل]»، و حكم في الإرشاد أيضاً بذلك.

و قال في التذكرة: «و إن قطعت من المرفق فقد بقي من محلّ الفرض بقيّة و هو طرف عظم العضد، لأنّه من جملة المرفق، فإنّ المرفق مجمع عظم العضد و عظم الذراع».

و قال المصنف (ره) في الذكرى: «و لو قطعت من مفصل المرفق فالأقرب وجوب غسل الباقي، لأنّ المرفق مجموع عظم العضد و عظم الذراع، فإذا فقد بعضه غسل الباقي».

و لا بدّ أوّلًا من تحقيق معنى المرفق حتّى يتضح جلية الحال.

اعلم أنّ صاحب الصحاح و القاموس فسّرا المرفق بموصل الذراع

122

و العضد، و قريب منه ما في التذكرة: من أنّه مجمع عظم العضد و عظم الذراع.

و قد فسّر أيضاً بالمفصل و هو أيضاً مثل الأوّل، لكنّ المصنف (ره) فسّره كما نقلنا بمجموع العظمين، و تبعه الشهيد الثاني في شرح الإرشاد.

و الظاهر أنّه لا دليل عليه من كلام اللغويين، لكن وقوع الخلاف فيما بين العلماء في دخول المرفق في الغسل و عدم دخوله، و التعرض لإثبات دخوله بأنّ «إلى» بمعنى «مع»، و أنّ الغاية قد دخل في المغيّا حيث لا مفصّل محسوس، و أنّ الحد المجانس (2) داخل في الابتداء و الانتهاء ممّا يؤيّد هذا التفسير.

لأنّه إذا كان المرفق الحدّ المشترك بين الذراع و العضد، لما كان حاجة في إثبات وجوب غسله إلى دليل، لأنّه إذا غسل اليد إلى هذا الحدّ واجباً فلا بدّ أن يغسل ذلك الحدّ أيضاً، إذ لا يخلو إمّا أن يكون منتهى الغسل هذا الحد أو لا؛ فإن كان الأوّل فقد ثبت المطلوب من غسله أيضاً.

و إن كان الثاني فلا بدّ أن يكون بين الحدّ الذي هو منتهى الغسل و الحدّ الذي هو المرفق فصل ما البتة، لامتناع تتالي الحدّين، فيلزم عدم الإتيان بالمأمور به و هو غسل اليد إلى المرفق.

اللهمّ إلّا أن يقال: إنّه على الأوّل لا يلزم المطلوب، إذ المراد بغسل المرفق أن يكون داخلًا في الغسل لا حدّا له، لكن لا يخفى أنّه على هذا أيضاً لا محصّل للنزاع، إذ لا بدّ من غسل قدر ما فوق اليد الواجب غسله من باب المقدمة، و حينئذٍ

____________

(2) في نسخة «ألف»: المجاز.

123

يدخل المرفق في الغسل قطعاً.

أو يبنى الكلام على قاعدة المتكلمين من القول بوجود الجزء الذي لا يتجزى، إذ حينئذٍ يوجد حدّ (1) قبل المرفق، فيمكن أن يكون انتهاء الغسل ذلك الحدّ، على تقدير عدم القول بدخول المرفق في الحكم. [و فيه أيضاً مثل ما في سابقه (2)].

أو يقال: إنّ الخلاف حقيقة إنّما هو في أنّ دخول المرفق في الغسل (3) إمّا بالأصالة أو بتبعية اليد، لكن يخالفه (4) ظاهر بعض كلماتهم.

و إذ قد تقرّر هذا فنقول: إن كان المرفق هو الحدّ المشترك كما هو الظاهر من كلام أهل اللغة فعند قطع اليد منه لا يخلو إمّا أن يطلق المرفق على طرف العضد، بأن يكون كلّ من الخطّين المتداخلين اللذين هما طرفا الساعد و العضد عند الوصل مرفقاً، فعند القطع يبقى (5) الإطلاق على الخطّ الباقي أو لا، بل يكون إطلاق المرفق على الحدّ المشترك باعتبار كونه طرف الساعد، أو بشرط التداخل، فعند القطع ينتفي محلّ الإطلاق قطعاً.

فعلى الأوّل: لا يخلو أيضاً إمّا أن يقال بدخول المرفق في الغسل أصالة// (111) أو تبعاً.

فإن كان الأوّل: فينبغي أن يحكم على طريقتهم (6) بوجوب غسل طرف العضد حين القطع من المرفق البتة، بناءً على ما ذكروه في وجوب غسل بقية

____________

(1) في نسخة «ألف»: يجد حدّه.

(2) أثبتنا الزيادة من نسخة «ألف و ب».

(3) في نسخة «ألف»: الحكم.

(4) في نسخة «ألف»: لا يخالفه.

(5) في نسخة «ألف و ب»: لا يبقى.

(6) في نسخة «ب»: طريقهم.

124

الساعد عند قطع اليد من دون المرفق، كما نقلنا من الاستصحاب و عدم سقوط الميسور بالمعسور. لكن يرد عليه أيضاً ما ذكرنا، فلا تغفل.

و اعلم أنّه على تقدير القول بوجوب غسل طرف العضد حينئذٍ يتحقق احتمالان: وجوب غسل الخطّ المخيط بالطرف، بناءً على أنّه كان عند الوصول هو المرفق أو جميع سطحه الظاهر، بناءً على أنّ عند الوصل (2) لمّا لم يكن ظاهراً فلم يمكن غسله، فلمّا ظهر الآن و أمكن غسله وجب.

و الأصل فيه البناء على إطلاق المرفق، فعلى أيّهما ثبت الإطلاق حكم بوجوب غسله، و على تقدير الاشتباه يبنى الأمر على وجوب الإتيان بالقدر المشكوك و عدمه.

و إن كان الثاني: فلا يجب غسله لانتفاء متبوعه.

و على الثاني: فينبغي القطع بعدم وجوب غسل طرف العضد، لأنّه خارج من محل الفرض البتة و إنّما يغسل عند الوصل باعتبار تداخله مع المرفق.

و قس عليه الحال في الجزء الذي كان يغسل من العضد باعتبار كونه مقدّمة لغسل اليد إلى المرفق، لأنّه أيضاً خارج عن محلّ الفرض البتة، و غسله إنّما هو باعتبار كونه مقدّمة، فإذا انتفي ذو المقدمة انتفي هو أيضاً.

و إن لم يكن المرفق الحدّ المشترك بل يكون ممّا له عرض، فعند القطع إمّا أن لا يبقى منه شيء، فلا إشكال في عدم وجوب غسل طرف العضد حينئذٍ، لأنّه خارج عن محل الفرض البتة، سواء كان المرفق داخلًا في الحكم أصالة أو تبعاً؛ أو يبقى

____________

(2) في نسخة «ب»: الوصول.

125

منه شيء؛ فحينئذٍ لا يخلو إمّا أن يقال بدخول المرفق في الحكم أصالة، أو يقال: إنّ غسله باعتبار كونه مقدّمة، فعلى الأوّل يحكم بوجوب غسل البقيّة قطعاً على طريقتهم كما علمت، و على الثاني لا وجوب.

هذا كلّه بالنظر إلى ما يستفاد من نفس الأمر الوارد بغسل اليد إلى المرفق، مع قطع النظر عن الروايات الواردة في القطع، و لنذكر الآن ما يستنبط من الروايات الواردة فيه:

فمنها: ما رواه التهذيب، في زيادات صفة الوضوء، في الصحيح، عن عليّ بن جعفر (عليه السلام)، عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال: سألته عن رجل قطعت يده من المرفق، كيف يتوضّأ؟ قال

يغسل ما بقي من عضده.

و هذه الرواية في الكافي أيضاً، في باب حدّ الوجه، و في الفقيه أيضاً مرسلة، في باب حدّ الوضوء.

و لا يخفى أنّ هذه الرواية ظاهرة في غسل العضد، و يصلح لأن يحتج بها على ما هو ظاهر ابن الجنيد من وجوب غسل العضد.

لكنّ العلامة في المنتهي ادعى الإجماع على عدم وجوب غسله و أنّه ممّا لم يقل به أحد و حمل الرواية على الاستحباب، و على هذا يحمل كلام ابن الجنيد

126

أيضاً على الاستحباب.

و مع قطع النظر عن الإجماع أيضاً يمكن أن يقال: إثبات الوجوب بها مشكل، لعدم ظهور الجملة الخبرية فيه، مع أنّ صريح الأمر أيضاً لا ظهور له (1) فيه في أحاديث أئمّتنا (عليهم السلام) كما مرّ غير مرّة، فيبقى أصل العدم بحاله.

نعم، الاستحباب حسن، كما هو رأي هذا الكتاب و رأي المنتهي، لورود هذه الرواية الصحيحة.

و قال الشهيد الثاني (ره) في شرحه للإرشاد، بعد نقل الاحتجاج بهذه الرواية على الاستحباب: «و الظاهر أنّ المراد به رأس العضد الذي كان يغسل قبل القطع و أطلق عليه العضد لعدم اللبس، للإجماع على عدم وجوب غسل جميع العضد في حال، و هو أولى من حمله على الاستحباب، لأنّه خبر معناه الأمر و هو حقيقة في الوجوب» انتهى.

و فيه نظر: أمّا أوّلًا: فلما عرفت من القول في وجوب غسل رأس العضد، و أنّه مبني على مقدّمات يتطرق (4) إليها المنع.

و أمّا ثانياً: فلما ذكرنا (5) آنفاً من عدم ظهور الجملة الخبرية في الوجوب، فليحمل العضد على ظاهره و الخبر على الاستحباب كما ذكرنا من غير لزوم محذور.

____________

(1) لم نزد في نسخة «ألف و ب».

(4) في نسخة «ألف»: يطرق.

(5) في نسخة «ألف و ب»: ذكر.

127

و كان المحقّق (ره) أيضاً حمل العضد على رأسه، لكنّه حمل الرواية على الاستحباب، و لهذا حكم في المعتبر في هذه الصورة باستحباب مسح موضع القطع بالماء كما نقلنا سابقاً، و فيه ما فيه.

و يمكن أن يكون مستنده في هذا الحكم الرواية الأخرى كما سنذكره.

و منها: صحيحة رفاعة، و حسنته المنقولتان في صدر البحث عن التهذيب و الكافي.

و أنت خبير بأنّ صحيحته ظاهرة في غسل محلّ القطع، فالأولى أن يحمل القطع الواقع في السؤال على القطع من المرفق لا القطع من دونه، للإجماع على وجوب غسل ما بقي إلى المرفق في هذه الصورة.

فحينئذٍ إمّا أن يقول بوجوب غسل محل القطع، بناءً على تسليم المقدمات السابقة، فلا إشكال؛ و إمّا أن لا يقول، فيحمل الرواية على الاستحباب، لما علمت من عدم ظهور الخبر في الوجوب.

و الشهيد الثاني (ره) استدل بهذه الرواية على وجوب غسل رأس العضد، و قد عرفت ما فيه.

و الظاهر أنّ مستند المحقّق (ره) في الحكم المذكور هذه الرواية، و توجيهه ما ذكرنا.

فإن قلت: كيف يجمع بين هذه الرواية و سابقها، حيث حكم [فيها] باستحباب

128

غسل رأس العضد، و في السابقة باستحباب جميعها؟

قلت: لا منافاة، إذ يجوز أن يكون للاستحباب مراتب، فيكون غسل الجميع مستحباً و يكون بعده استحباب غسل الرأس.

و الظاهر أنّ مراد المحقق (ره) من المسح هو الغسل كما في الرواية: و إن كان محمولًا على ظاهره فلم نقف له على مستند.

و لو لم يحمل الرواية على ظاهرها من غسل موضع القطع بل يحمل على غسل العضو الذي قطع منه، فلا يخفى أنّها بعمومها أيضاً شاملة لهذه الصورة، فيكون دالّة على غسل العضد، و يحمل على الاستحباب كالرواية المتقدمة.

لكن يستشكل حينئذٍ من حيث لزوم عموم المجاز أو (1) الاشتراك لو حمل القطع في السؤال على أعمّ من القطع من المرفق، فإمّا أن يقال بمنع اللزوم، بناءً على أنّ الخبر يحمل على الرجحان المطلق و إن كان أحد فرديه واجباً و الآخر ندباً أو يخصّ القطع بهذه الصورة، و يمكن تخصيصه أيضاً حينئذٍ بما دون المرفق، و حينئذٍ يكون خارجاً عمّا نحن فيه.

و أمّا الحسنة المذكورة فهي و إن لم يكن ظاهرة جدّاً في غسل محلّ القطع، بل يحتمله و يحتمل غسل العضو المقطوع، لكنّها تحمل أيضاً بقرينة الصحيحة المرويّة عمّن يرويها على الأوّل، و جميع ما ذكرنا من الاحتمالات في الصحيحة جارية فيها أيضاً، فقس عليها.

و منها: رواية محمّد بن مسلم المتقدمة أيضاً في صدر البحث، و لما فيها

____________

(1) في نسخة «ألف»: و.

129

من الإجمال لا يمكن استنباط حكم ظاهر منها.

هذا ما يمكن أن يقال في هذا المقام، و ملخّص القول على ما اخترناه عدم وجوب شيء في هذه الصورة.

نعم، يستحب غسل العضد، و كذا غسل محلّ القطع، و الاحتياط أن لا يترك غسل محلّ القطع، للرواية و الخلاف من العلماء قطعاً؛ بل غسل العضد أيضاً للرواية، و احتمال الخلاف من ابن الجنيد.

و أنت بعد خبرتك بما فصّلنا لا تحتاج إلى التصريح بما في كلام القوم (رحمهم اللّٰه تعالى).

و أمّا الصورة الثالثة: و هو الذي يكون القطع فوق المرفق، فادعى العلامة في المنتهي الإجماع على عدم [وجوب (2)] شيء على هذه التقدير لفوات// (112) المحلّ، لكنّه حكم باستحباب غسل الباقي من العضد، مستنداً إلى صحيحة [علي (3)] المتقدمة، و بها استدل المصنف أيضاً في الذكرى على الاستحباب.

و فيه نظر، لاختصاص الصحيحة بالقطع من المرفق، فإجراء الحكم في القطع من فوقه لا بدّ له من دليل.

و المصنف بعد نقل هذه الرواية قال: «و في قوله (عليه السلام) إشارة إلى

____________

(2) أثبتنا الزيادة من نسخة «ألف و ب».

(3) أثبتنا الزيادة من نسخة «ألف و ب».

130

استحباب غسل العضد مع اليد، كما روى العامّة استحباب تطويل الغرّة و التحجيل» انتهى. و أنت خبير بما فيه.

و قال الشيخ في المبسوط: «و إن كانت مقطوعة [من] فوق المرفق فلا يجب عليه شيء، و يستحب أن يمسحه بالماء»، و كذا قال العلامة (ره) أيضاً في التذكرة.

فإن كان مرادهما من المسح ظاهره فلم نطلع على مستند له، و إن كان المراد الغسل فيمكن أن يستدل عليه بصحيحة رفاعة المتقدمة، لشمولها بعمومها هذه الصورة و ظهورها في غسل محلّ القطع كما سبق، و كذا حسنته.

و لا يخفى أنّه يمكن الاستدلال بهاتين الروايتين على استحباب غسل باقي العضد كما هو رأى المنتهي و الذكرى بحملهما على غسل العضو المقطوع منه، بل برواية محمّد بن مسلم المتقدمة أيضاً.

و لمّا كان أمر الاستحباب موسّعاً فالظاهر أنّه لا يضرّ إمكان المناقشة في الدليل بعد ذهاب جمع من الأصحاب إليه. و اللّٰه سبحانه أعلم بحقائق أحكامه.

[و لو افتقر إلى معين بأجرة وجبت من رأس ماله و لو كان مريضاً]

و لو افتقر إلى معين بأجرة وجبت من رأس ماله و لو كان مريضاً.

وجه الوجوب توقّف الواجب المطلق عليه.

[و إن زادت عن أجرة المثل ما لم يجحف]

و إن زادت عن أجرة المثل ما لم يجحف، أي ما لم يصل إلى حدّ الضرر،

131

و احتمل في الذكرى عدم وجوب الزائد عن أجرة المثل، لأنّ الغبن ضرر.

و الأوّل أظهر، لصدق التمكن و عدم دليل ظاهر على الرخصة بمثل هذا النحو من الضرر.

و يؤيّده أيضاً: ما رواه التهذيب، في الزيادات، في باب صفة التيمم، في الصحيح قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل احتاج إلى الوضوء للصلاة و هو لا يقدر على الماء، فوجد قدر ما يتوضّأ به بمأة درهم أو بألف درهم و هو واجد لها، يشتري و يتوضأ أو يتيمم؟ قال

لا، بل يشتري، قد أصابني مثل هذا فاشتريت و توضّأت، و ما يشتري بذلك مال كثير.

و اعلم أنّ هذا الحكم في غير المريض ظاهر (3)، و أمّا فيه ففيه خفاء، و سيجيء تفصيل القول فيه في كتاب الوصايا إن شاء اللّٰه تعالى.

[و لو تعذّرت الأجرة قضى مع الإمكان]

و لو تعذّرت الأجرة قضى مع الإمكان.

الظاهر أنّه إذا تعذّرت الأجرة للوضوء ينتقل فرضه إلى التيمم، و لو تعذّر ذلك أيضاً يكون حكمه حكم فاقد الطهورين، و سيجيء إن شاء اللّٰه تعالى في بحث التيمم.

[و يجب تقديم اليمنى على اليسرى]

[و يجب تقديم اليمنى على اليسرى (4)]

[الرابع مسح مقدّم الرأس]

ثمّ مسح مقدّم الرأس.

مسح الرأس أيضاً من أحد أركان الوضوء الثابت وجوبه بالآية و الأخبار

____________

(3) لم نزد في نسخة «ألف».

(4) هكذا في الدروس.

132

و الإجماع، و ما ذكره (1) من كونه بمقدم الرأس يتضمن حكمين: أحدهما: عدم وجوب مسح جميع الرأس. و ثانيهما: اختصاصه بالمقدّم، فلو مسح المؤخّر أو الوسط أو جانبيه لم يجز.

أمّا الأوّل: فيدل عليه مضافاً إلى الإجماع: ما رواه الفقيه، في الصحيح، في باب التيمم قال: و قال زرارة: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): أ لا تخبرني من أين علمت و قلت إنّ المسح ببعض الرأس و بعض الرجلين؟ فضحك و قال:

يا زرارة قاله رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)، و نزل به الكتاب من اللّٰه عزّ و جلّ، لأنّ اللّٰه عزّ و جلّ قال

فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ

فعرفنا أنّ الوجه كلّه ينبغي أن يغسل.

ثمّ قال

وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ

فوصل اليدين إلى المرفقين بالوجه، فعرفنا أنّه ينبغي لهما أن يغسلا إلى المرفقين.

ثمّ فصل بين الكلام فقال

وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ

فعرفنا حين قال

بِرُؤُسِكُمْ

أنّ المسح ببعض الرأس لمكان الباء.

ثمّ وصل الرجلين بالرأس كما وصل اليدين بالوجه فقال

وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ

، فعرفنا حين وصلهما بالرأس أنّ المسح على بعضهما.

ثمّ فسّر ذلك رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) للناس فضيّعوه

[الحديث].

____________

(1) في نسخة «ألف»: و ما ذكر.

133

و هذه الرواية في التهذيب أيضاً، في باب صفة الوضوء (1)، و في الكافي في باب مسح الرأس.

فإن قلت: قد أنكر سيبويه في سبعة عشر موضعاً في كتابه مجيء الباء للتبعيض، و أنكر ابن جنّي أيضاً، فكيف يتمسّكون بهذا الخبر الدالّ على أنّ الباء للتبعيض؟

لا يقال: بعد ورود الرواية عن أصحاب العصمة (عليهم السلام) لا مجال للالتفات إلى كلام سيبويه و ابن جني، لأنّ القطع بصدوره (3) عن المعصوم (عليه السلام) غير حاصل، و إنّما العمل به باعتبار الظنّ، و عند تحقّق مثل هذا المعارض يضعّف الظنّ بصدوره عنه، فلا يبقى صالحاً للاحتجاج.

قلت: إنكار سيبويه و ابن جنيّ معارض بإصرار الأصمعي على خلافه، و قد وافقه أيضاً جمع من النحويين كأبي علي، و ابن كيسان، و ابن مالك، و نقل أيضاً عن الكوفيين جميعاً.

و حملت على التبعيض أيضاً في قوله تعالى عَيْناً يَشْرَبُ بِهٰا عِبٰادُ اللّٰهِ، و في قول الشاعر:

شربن بماء البحر ثمّ ترفعت

و إنكار سيبويه و نفيه له كأنّه من أصحاب البصريين، كما صرّح به ابن جنيّ.

و يمكن أن يقال أيضاً: إنّ الإمام (عليه السلام) ما حكم بأنّ معنى الباء

____________

(1) التهذيب 1: 61/ 168، إلّا أنّه أسقط قوله: «فوصل اليدين إلى المرفقين بالوجه، فعرفنا أنّه ينبغي لهما أن يغسلا إلى المرفقين».

(3) في نسخة «ألف»: قطع الصدور.

134

التبعيض، بل إنّ تغيير الأسلوب و إدخال الباء هيهنا يدل على أنّ المراد المسح ببعض الرأس، و يدلُّ عليه أيضاً بعض الروايات الموردة (1) في المباحث الآتية.

و أمّا الثاني: فيدل عليه أيضاً مضافاً إلى الإجماع: ما رواه التهذيب، في الباب المذكور، في الصحيح، عن محمّد بن مسلم، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال

مسح الرأس على مقدّمه.

و روى عنه أيضاً في هذا الباب، بطريق آخر صحيح، قال: قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام)

مسح الرأس على مقدّمه.

و روى الكافي أيضاً، في باب مسح الرأس عنه، بطريق حسن، بإبراهيم في آخر حديث قال: و ذكر المسح فقال

امسح على مقدّم رأسك، و امسح على القدمين، و ابتدأ بالشقّ الأيمن.

و الضمير في قال الأوّل لمحمّد بن مسلم، و [في] الثاني لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام).

و ما رواه الكافي أيضاً، في باب صفة الوضوء، في الحسن أو الصحيح، عن زرارة في آخر حديث القعب المتقدم قال: و قال أبو جعفر (عليه السلام)

إنّ اللّٰه وتر و يحبّ الوتر، فقد يجزيك من الوضوء ثلاث غرفات، واحدة للوجه، و اثنتان للذراعين، و تمسح ببلّة يمناك ناصيتك، و ما بقي من بلّة يمينك ظهر قدمك

____________

(1) في نسخة «ألف»: المورودة.

135

اليمنى، و تمسح ببلّة يسارك ظهر قدمك اليسرى.

و هذه الرواية في زيادات التهذيب أيضاً بسنده الحسن، و يؤيّده أيضاً: ما ورد في الوضوء البياني من المسح بمقدّم الرأس كما تقدم.

فأمّا ما رواه الشيخ في التهذيب، في الباب المذكور عن الحسين بن عبد اللّٰه قال

سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يمسح رأسه من خلفه و عليه عمامة بإصبعه، أ يجزيه ذلك؟ فقال: نعم

فلا يعارض ما ذكرناه، لعدم صحّة سنده مع موافقته لمذهب بعض العامّة، فيحمل على التقية كما في التهذيب.

و احتمل الشيخ أن يكون المراد أن يدخل إصبعه من خلف، و مع ذلك يمسح مقدّم (1) الرأس، و فيه بعد.

و أمّا الروايات الدالّة على مسح مقدّم الرأس و مؤخّره مثل: ما رواه التهذيب، في الباب المذكور، في الحسن، عن الحسين بن أبي العلاء، قال: قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام)

امسح الرأس على مقدّمه و مؤخّره.

و ما رواه أيضاً في الباب المذكور// (113) مرفوعاً، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، في مسح القدمين و مسح الرأس قال

مسح الرأس واحدة من مقدّم الرأس و مؤخّره، و مسح القدمين ظاهرهما و باطنهما.

____________

(1) في نسخة «ب»: بمقدم.

136

و ما رواه أيضاً في هذا الباب، في الحسن، عن الحسين بن أبي العلاء قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن المسح على الرأس؟ فقال

كأنّي أنظر إلى عكنة في قفاء أبي يمرّ عليها يده، و سألته عن الوضوء بمسح الرأس مقدّمه و مؤخّره؟ قال: كأنّي أنظر إلى عكنة في رقبة أبي يمسح عليها

فمع عدم صحّة إسنادها إنّما تحمل على التقية، لموافقتها لمذهب العامّة.

و الظاهر أنّ إجماعنا منعقد على عدم استحباب الزائد على مقدّم الرأس، فلو لم يكن كذلك لأمكن حمل هذه الروايات على الاستحباب.

ثمّ اعلم أنّ إجماعنا انعقد على جواز المسح ببشرة مقدّم الرأس و شعره المختص به، و نقل من بعض الشافعية جواز المسح على البشرة إذا كان محلوقاً، و إلّا فيجب المسح على الشعر قياساً على اللحية.

و فسّروا الشعر المختص بما لا يخرج بالمدّ عن حدّ (3) المقدّم، و حكموا بعدم جواز المسح على القدر الخارج، و سنذكر إن شاء اللّٰه تعالى في بحث المسح على الحائل.

[يحصل المسح بمسمّاه و لا يحصل بأقلّ من إصبع]

بمسمّاه و لا يحصل بأقلّ من إصبع، و قيل ثلاث (4) مضمومة للمختار، أي بما يسمّى مسحاً.

و فيه أيضاً حكمان: الاكتفاء بالمسمّى، و عدم حصوله إلّا بالإصبع.

و الحاصل: وجوب مقدار الإصبع و عدم وجوب الزائد عليه، أمّا عدم

____________

(3) في نسخة «ألف»: حدّه.

(4) في بعض نسخ الدروس: بثلاثة.

137

وجوب الزائد [عليه] فهو المشهور بين الأصحاب، و حكموا باستحباب قدر ثلاث أصابع مضمومة.

و الظاهر من كلام الصدوق (ره) في الفقيه حيث قال: «و حدّ مسح الرأس أن يمسح بثلاث أصابع مضمومة من مقدّم الرأس».

و كلام الشيخ في النهاية حيث قال: «و المسح بالرأس لا يجوز أقلّ من ثلاث أصابع مضمومة مع الاختيار، فإن خاف البرد من كشف الرأس أجزأه مقدار إصبع واحدة» وجوب ذلك المقدار».

و نسب في المعتبر و المنتهي القول بوجوب ذلك القدر إلى المرتضى أيضاً في مسائل الخلاف.

و احتمل العلامة (ره) في المختلف أن يكون كلام النهاية و الفقيه محمولًا على الفضيلة دون الوجوب، و قال: «فإنّهُ الشيخ كثيراً ما يطلق على المندوب أنّه لا يجوز تركه».

و بالجملة: الظاهر ما هو المشهور، لصدق الامتثال و أصل البراءة عن الزائد.

و يدلُّ عليه أيضاً: ما رواه التهذيب، في الباب المذكور، في الصحيح، عن زرارة و بكير ابني أعين، عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه قال في المسح

تمسح

138

على النعلين و لا تدخل يدك تحت الشراك، و إذا مسحت بشيء من رأسك أو بشيء من قدميك ما بين كعبيك إلى أطراف الأصابع فقد أجزأك.

و ما رواه أيضاً في هذا الباب، في الصحيح، عنهما أيضاً، أنّهما سألا أبا جعفر (عليه السلام) عن وضوء رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)؟ فدعا بطست أو تور فيه ماء، ثمّ حكى وضوء رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)، إلى أن انتهى إلى آخر ما قال اللّٰه تعالى وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ فقال

فإذا مسح بشيء من رأسه، أو بشيء من قدميه ما بين الكعبين إلى آخر أطراف الأصابع، فقد أجزأه.

و هذه الرواية في الكافي أيضاً، بطريق حسن، بإبراهيم، في باب صفة الوضوء، و قد نقلنا رأس الرواية في باب نكس غسل اليدين.

و ما [رواه (5)] في الكافي هكذا، بعد إتمام صفة الوضوء ثمّ قال

و لا يدخل أصابعه تحت الشراك، ثمّ قال: إنّ اللّٰه عزّ و جلّ يقول

يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ

فليس له أن يدع شيئاً من وجهه إلّا غسله.

و أمر بغسل اليدين إلى المرفقين، فليس له أن يدع من يديه إلى المرفقين شيئاً إلّا غسله، لأنّ اللّٰه يقول

فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ

.

____________

(5) أثبتنا الزيادة من «ب».

139

ثمّ قال

وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ

، فإذا مسح بشيء من رأسه و بشيء من قدميه ما بين الكعبين إلى أطراف الأصابع فقد أجزأه.

و ما رواه أيضاً في هذا الباب، في الصحيح، عن حمّاد بن عيسى، عن بعض أصحابه، عن أحدهما (عليهما السلام) في الرجل يتوضّأ و عليه العمامة قال

يرفع العمامة بقدر ما يدخل إصبعه، فيمسح على مقدّم رأسه.

و يمكن أن يناقش فيه: بحمله على الضرورة بقرينة المقام، فيكون موافقاً لما في النهاية.

و استدل العلامة في المختلف على المشهور بما رواه التهذيب، في هذا الباب، عن الحسين قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): رجل توضّأ و هو معتمّ، و ثقل عليه نزع العمامة لمكان البرد، فقال: «ليدخل إصبعه».

و فيه نظر، لأنّه لا ينافي ظاهر كلام النهاية من عدم الاكتفاء بما دون ثلاث أصابع عند عدم الضرورة، مع أنّه ضعيف السند أيضاً.

و الذي يمكن أن يحتج به على ظاهر ما ذهب إليه الصدوق و المرتضى: ما رواه في التهذيب، في الباب المذكور، بطريقين صحيح و حسن، عن زرارة قال: قال

140

أبو جعفر (عليه السلام)

المرأة يجزيها من مسح الرأس أن تمسح مقدّمه قدر ثلاث أصابع، و لا تلقي عنها خمارها.

و هذه الرواية في الكافي أيضاً، بالطريق الحسن، في باب مسح الرأس.

و الجواب بحمله على الفضيلة و الاستحباب، جمعاً بين الروايات، مع أنّه يمكن أن يكون الحكم بالإجزاء بالنظر إلى عدم إلقاء الخمار لا المسح.

فإن قلت: لِمَ لم تحمل الروايات المتقدمة على الضرورة ليحصل الجمع؟

قلت أمّا أوّلًا: فلكثرة تلك الروايات، فينبغي أن تبقي على حالها و يرتكب التأويل في خلافها الذي ليس بتلك الكثرة.

و أمّا ثانياً: فلأنّه على تقدير تسليم صلاحية المعارضة لمّا كان الأصل عدم وجوب الزائد فيصار إليه.

و يمكن أن يحتج أيضاً عليه بما رواه التهذيب، في الباب المذكور، عن معمّر بن عمر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال

يجزي من المسح على الرأس

(3)

موضع ثلاث أصابع، و كذلك الرجل.

و هذه الرواية في الكافي أيضاً، في باب مسح الرأس.

و الجواب ما عرفت، مع أنّ الرواية ضعيفة السند، و لو أخذت هاتان الروايتان مع رواية الحسين المتقدمة، يكون حجّة لظاهر النهاية، و الجواب أيضاً ما

____________

(3) في المصدر: «يجزي من مسح الرأس».

141

عرفت.

و أمّا وجوب قدر الإصبع فقد نسب المصنف (ره) في الذكرى القول به إلى الراوندي في أحكام القرآن.

و هو الظاهر أيضاً من كلام المفيد (ره) في المقنعة حيث قال: «و يجزي الإنسان في مسح رأسه أن يمسح من مقدّمه مقدار إصبع يضعها عليه عرضاً مع الشعر إلى قصاصه، و إن مسح منه مقدار ثلاث أصابع مضمومة [بالعرض] كان قد أسبغ و فعل الأفضل».

و من كلام الشيخ (ره) أيضاً في التهذيب، حيث قال في شرح هذا الكلام المنقول عن المقنعة: «يدل على ذلك قوله تعالى وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، و من مسح رأسه و رجليه بإصبع واحدة فقد دخل تحت الاسم و يسمّى ماسحاً، و لا يلزم على ذلك ما دون الإصبع، لأنّا لو خلّينا و الظاهر لقلنا بجواز ذلك، لكنّ السنة منعت منه».

و من المختلف أيضاً حيث قال: «المشهور بين علمائنا الاكتفاء في مسح الرأس و الرجلين بإصبع واحدة».

لكنّ الظاهر من كلام المبسوط و المعتبر و التذكرة و المنتهي

142

و السرائر عدم التحديد بهذا الحدّ أيضاً، بل يكفي ما يسمّى مسحاً، و هو الظاهر.

لنا: الأصل، و صدق الامتثال، و روايتا زرارة و بكير المنقولتان آنفاً.

و الذي يمكن أن يحتج به على وجوب قدر الإصبع: روايتا حمّاد و الحسين المتقدمتان.

و فيه: أنّهما لا دلالة لهما على// (114) وجوب المسح بتمام عرض الإصبع، لجواز أن يكون الأمر بإدخال الإصبع لأن يكون آلة للمسح.

و الشهيد الثاني (ره) في شرح الإرشاد حمل كلام القوم أيضاً في التحديد بالإصبع على هذا المعنى و على هذا لا خلاف، لكن كأنّ الظاهر من التهذيب بل من الذكرى أيضاً خلافه.

ثمّ إنّ القائلين بثلاث أصابع هل يقولون بوجوب المسح بثلاث أصابع، أو بوجوب المسح بقدره (6) و إن كان بطول إصبع واحدة؟

لم أقف فيه على نصّ منهم، لكنّ الظاهر من الروايتين الدالّتين على مطلوبهم وجوب ذلك القدر، سواء كان بثلث أصابع أو أقلّ منها.

____________

(6) في نسخة «ألف»: بقدره.

143

و اعلم أنّ ما ذكره كلّه إنّما هو بالنسبة إلى عرض مقدّم الرأس، و أمّا بالنسبة إلى طوله فالظاهر فيه (1) أيضاً الاكتفاء بإمرار اليد في الجملة بما يسمّى مسحاً.

نعم، لا يكفي وضع الإصبع بدون إمرار، لعدم صدق المسح عليه (2).

هذا، و الاحتياط أن لا يترك المسح بثلاث أصابع عرضاً بل طولًا أيضاً.

[و لا يجوز استقبال الشعر فيه على المشهور]

و لا يجوز استقبال الشعر فيه على المشهور.

في كونه مشهوراً تأمّل، لأنّ كثيراً من أصحابنا العظماء ذهبوا إلى جواز الاستقبال، كالشيخ في المبسوط، و ابن أبي عقيل كما نقل عنه في المختلف، و ابن إدريس و المحقق في المعتبر و الشرائع (7)، و العلامة في جملة من كتبه.

و بالجملة: الظاهر جواز الاستقبال، لصدق الامتثال، و لما رواه التهذيب، في الصحيح، عن حمّاد بن عثمان، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال

لا بأس بمسح الوضوء مقبلًا و مدبراً.

و قد يناقش فيه: بأنّه لا دلالة له (10) على جواز مسح الرأس مدبراً، لإمكان اختصاصه بالقدمين.

____________

(1) لم تردّ في نسخة «ألف».

(2) لم ترد في نسخة «ب».

(7) قال في شرائع الإسلام/ الطهارة/ كيفية الوضوء: بكراهيّة الاستدبار.

(10) لم ترد في نسخة «ألف و ب».

144

و يؤيّده: أنّه روى الشيخ في موضع آخر عن حمّاد أيضاً بأدنى تغيير (1) في السند، و فيه موضع «الوضوء» «القدمين»، و هذا ممّا يضعّف الاحتجاج به (3)، فالتعويل على الدليل الأوّل.

و احتج السيد المرتضى على عدم جواز الاستقبال بأنّ مسح الرأس من غير استقبال رافع للحدث بلا خلاف بخلاف المسح مستقبلًا، فيجب فعل المتيقن. و جوابه ظاهر.

و العجب أنّه (ره) ذهب في الوجه و اليدين إلى جواز العكس دون الرأس، مع أنّ الأمر بالعكس أولى.

و يمكن أيضاً أن نحتج عليه بما تقدم من الاحتجاج بالوضوء البياني على عدم جواز النكس في الوجه و اليدين. و الجواب الجواب.

ثمّ إنّ جمعاً من القائلين بجواز الاستقبال صرّحوا بكراهته، و وجّهه المحقق في المعتبر بالتفصّي عن الخلاف، و فيه ما فيه.

[و لا المسح على حائل]

و لا المسح على حائل.

الحائل ثلاثة: العمامة و نحوها من المقنعة، و الحنّاء و شبهه من الأطلية، و الشعر.

أمّا الأوّل: فقد ادّعى الإجماع على عدم جواز المسح عليه.

____________

(1) في نسخة «ألف و ب»: تغيّر.

(3) لم ترد في نسخة «ألف».

145

و يدلُّ عليه أيضاً مضافاً إلى الإجماع عدم صدق الامتثال، لأنّ المسح على العمامة لا يطلق عليه المسح بالرأس، و هو ظاهر.

و ما رواه التهذيب أيضاً، في زيادات صفة الوضوء، في الصحيح، عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام)، أنّه سئل عن المسح على الخفّين و على العمامة؟ فقال

لا تمسح عليهما.

و الروايتان المنقولتان سابقاً أيضاً، عن حمّاد و الحسين في العمامة.

و أمّا الثاني: فقد ذكر المصنف في الذكرى أنّ المشهور عدم جواز المسح عليه.

يدل عليه أيضاً: عدم صدق الامتثال، و ما رواه التهذيب، في الزيادات أيضاً، عن محمّد بن يحيى، رفعه، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، في الذي يخضب رأسه بالحنّاء ثمّ يبدو له في الوضوء، قال

لا يجوز حتّى يصيب بشرة رأسه الماء

(4)

.

و هذه الرواية في الكافي أيضاً، في باب مسح الرأس.

لكن يعارض بما رواه التهذيب في هذا الباب، في الصحيح، عن عمر بن يزيد قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يخضب رأسه بالحنّاء ثمّ يبدو له في الوضوء؟ قال

يمسح فوق الحنّاء.

____________

(4) في الإستبصار: «في رجل» بدل «في الذي».

146

و ما رواه التهذيب أيضاً في هذا الباب، في الصحيح، عن محمّد بن مسلم، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، في الرجل يحلق رأسه ثمّ يطليه بالحناء و يتوضّأ للصلاة، فقال

لا بأس بأن يمسح رأسه و الحنّاء عليه.

و جمع الشيخ بين الروايات بأنّه إذا أمكن إيصال الماء إلى البشرة من غير مشقّة فلا يجوز غيره، فإذا تعذّر ذلك جاز أن يمسح فوق الحناء، و لا دليل على هذا الجمع.

نعم، لو كان الحناء للدواء لأمكن إدخاله تحت حكم الجبائر و شبهها، كما سيجيء إن شاء اللّٰه تعالى، و كذا الأطلية الآخر غير الحناء.

و يمكن الجمع بين الروايات بحمل الروايتين الدالّتين على الجواز على جوازه فوق أثر الحناء و هو اللون المجرّد، أو مع قيامه أيضاً بجسم رقيق لا يعدّ في العرف حائلًا.

و بالجملة: الظاهر عدم جواز المسح فوق الحناء الذي له جسمية بحيث يعد في العرف حائلًا، و كذا شبهه من غير ضرورة، لعدم صدق الامتثال ظاهراً، و عدم صلاحية الروايتين المذكورتين لإخراج هذا الفرد، لاحتمال أن يكون المراد بهما الحناء الغير الحائل احتمالًا غير مرجوح، سيّما مع وجود قرينة المرفوعة المذكورة. و أمّا عند الضرورة فيظهر حالها في الجبائر إن شاء اللّٰه تعالى.

و أمّا الثالث: فقد ذكرنا أنّ الإجماع واقع منّا على جواز (4) المسح على

____________

(4) في نسخة «ج»: بجواز.

147

البشرة و الشعر.

و أيضاً: نعلم بالضرورة أنّ النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام) كان على رؤوسهم الشعر و يمسحون عليه.

و أيضاً: يلزم العسر و الجرح.

و بالجملة: جواز المسح على شعر المقدّم في الجملة من ضروريات الدين، إنّما الكلام في تحديده.

فاعلم أنّ الشعر الذي يمسح عليه إمّا أن يكون شعر مقدّم البشرة أو غيره.

امّا لأوّل: إمّا على المقدّم أو استرسل منه، فان استرسل منه فلا خفاء في عدم جواز المسح عليه، إذ لا يصدق عليه المسح على المقدّم، و إن لم يسترسل فإمّا أن يكون بحيث لو مدّ خرج عن حدّ المقدّم أو لا.

فإن لم يكن كذلك فالظاهر جواز المسح عليه للإجماع كما هو الظاهر، و إن كان كذلك فإمّا أن يمسح على أصوله ممّا لا يخرج عن الحدّ فكالسابق أيضاً.

و إن كان على الذي من شأنه أن يخرج، فالمشهور بين القوم بحيث لم نعرف خلافاً عدم الجواز، لكن في إثباته بالدليل إشكال إذا أطلق عليه في العرف أنّه مسح على الرأس أو (1) الناصية، لكنّ الأولى متابعة القوم، خصوصاً مع عدم معلومية ذلك الإطلاق.

و أمّا الثاني: فإن كان على غير المقدّم فالأمر فيه ظاهر، و إن كان على المقدّم فهو أيضاً مثل الاحتمال الأخير في الشقّ الأوّل، بل هو أولى بعدم الجواز.

____________

(1) في نسخة «ألف»: و.

148

ثمّ اعلم أنّ الظاهر من كلام الصدوق في الفقيه، [و المفيد في المقنعة]، و الشيخ في المبسوط و النهاية أنّه يجب على النساء وضع القناع في الصبح و المغرب عند المسح، و رخّص لهنّ في سائر الصلوات، فيجوز أن يكتفي فيها بإدخال الإصبع تحت القناع.

و العلامة و المحقق صرّحا باستحباب الوضع مطلقا، و تأكّده في الغداة (8) و المغرب.

و الظاهر عدم الوجوب، للأصل و الامتثال بالمسح تحته، و إطلاق رواية (9) زرارة المنقولة بطريقين صحيح و حسن، المتقدمة في بحث جواز الاكتفاء بمسمّى المسح.

و الذي يمكن أن يحتج به على الوجوب: ما رواه التهذيب، في باب صفة الوضوء، عن عبد اللّٰه بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)، عن أبيه، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال

لا تمسح المرأة بالرأس كما يمسح الرجال، إنّما// (115) المرأة إذا أصبحت مسحت رأسها و تضع الخمار عنها، و إذا كان الظهر و العصر و المغرب و العشاء تمسح

____________

(8) في نسخة «ج»: الغداوة.

(9) في نسخة «ج»: صحيحة.

149

بناصيتها.

و فيه نظر؛ أمّا أولًا: فلأنّه ضعيف السند.

و أمّا ثانياً: فلعدم ظهوره في الوجوب، لأنّ الجملة الخبرية ليست بظاهرة فيه، و على تقدير الظهور أيضاً فليحمل على الاستحباب، جمعاً بينه و بين صحيحة زرارة.

ثمّ إنّ الرواية مختصة بالصبح، فضمّ المغرب إليه في الوجوب أو تأكّد الاستحباب كما فعلوه، ممّا (2) لا وجه له.

اللهمّ إلّا أن يكون مستندهم رواية أخرى، لكنّ الشيخ في التهذيب استدل بهذه الرواية، و كذا العلامة في المنتهي، و لا يخفى أنّ الاستحباب أيضاً لا دليل عليه فيما سوى الصبح كما تقدم، فالقول به مطلقا لا يخلو من الإشكال، إلّا أن يتسامح فيه و يكتفي بتبعية جمع من الأصحاب.

أو يقال باستنباطه من مفهوم صحيحة زرارة، بأن يجعل الإجزاء الواقع فيها بالنظر إلى عدم إلقاء الخمار، و يدّعى أنّ الإجزاء إنّما هو فيما يكون خلافه أولى، و اللّٰه أعلم.

[و يجب كونه بنداوة الوضوء]

و يجب كونه بنداوة الوضوء، و تجويز ابن الجنيد غيرها عند عدمها شاذّ، و لو جفّ كفاه ما على اللحية و الحاجب و الأشفار، فإن فقد

____________

(2) لم ترد في نسخة «ألف».

150

استأنف الوضوء.

لا خلاف بين علمائنا في جواز المسح ببقيّة البلل، خلافاً للعامّة، فإنّهم أوجبوا استئناف الماء الجديد، سوى مالك فإنّه أجاز المسح بالبقية.

و كذا لا خلاف بيننا أيضاً- كما هو الظاهر في وجوب المسح بالبقية و عدم جواز الاستيناف عند بقاء النداوة على اليد.

و أمّا عند جفاف اليد فالمشهور أيضاً عدم جواز الاستيناف، بل يؤخذ من اللحية و نحوها لو كان بها بلّة، و يستأنف الوضوء لو جفّ أيضاً.

نعم، جوّزوا في حال الضرورة كإفراط الحرّ مثلًا بحيث لا يقدر على المسح ببقية الوضوء أن يستأنف ماءً جديداً.

و قد نقلوا عن ابن الجنيد ما يدل بظاهره على جواز الاستيناف عند جفاف اليد مطلقا، سواء وجد بلل على اللحية و نحوها أو لا، و سواء كان في حال الضرورة أو لا، لكن يظهر من كلام بعض الأصحاب أنّ خلافه إنّما هو حال جفاف جميع الأعضاء، و حينئذٍ فلفظة اليد في كلامه إنّما هي على سبيل التمثيل.

فإن قلت: سيجيء أنّ ابن الجنيد حاكم ببطلان الوضوء مع الجفاف، فكيف يصح منه الحكم بجواز الاستيناف حال الجفاف؟

قلت: سيجيء أيضاً أنّه لا يحكم بالبطلان إذا كان الجفاف لضرورة، فحينئذٍ يمكن الحكم منه بجواز الاستيناف حال الجفاف.