مشارق الشموس في شرح الدروس - ج2

- الشيخ آقا حسين الخوانساري المزيد...
534 /
151

فإن قلت: الأصحاب أيضاً قائلون بجواز الاستيناف حال الضرورة، فما الفرق بين مذهبهما؟

قلت: فرق بين الضرورتين، لأنّ الضرورة التي جوّز معها الأصحاب الاستيناف هي: أن يتعذر المسح بالبلّة، مع مراعاة المتابعة في الوضوء لفرط حرّ أو شبهه، و الضرورة التي جوّز معها ابن الجنيد الجفاف و الاستيناف هي: مثل أن ينقطع الماء في الأثناء فجفّ الأعضاء إلى وصوله، أو عرض حاجة فقطع الوضوء بسببها، و على هذا فالفرق بين المذهبين ظاهر.

فهاهنا أمور:

الأوّل: جواز المسح بالبقّية.

و الثاني: وجوبه عند وجود البلل على اليد.

و الثالث: وجوبه في غير هذه الصورة أيضاً و هو وجود البلل على اللحية و نحوها.

و الرابع: وجوب الاستيناف حال جفاف جميع الأعضاء في غير حال الضرورة.

و الخامس: عدم وجوب الاستيناف، بل جواز استيناف الماء الجديد عند الضرورة، كإفراط الحرّ و قلّة الماء بحيث كلّما توضّأ جفّ.

أمّا الأوّل: فيدل عليه مضافاً إلى الإجماع: صدق الامتثال، و الروايات الكثيرة (1) المتظافرة التي كادت أن تبلغ حدّ التواتر المتضمنة لفعلهم (عليهم

____________

(1) لم ترد في نسخة «ألف».

152

السلام) كذلك، و قد تقدم طرف منها.

و أمّا ما رواه التهذيب، في باب صفة الوضوء، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن مسح الرأس، قلت: أمسح بما في يدي من الندى رأسي؟ قال

لا، بل تضع يدك في الماء ثمّ تمسح

فمع إمكان المناقشة في صحّة سنده لا يعارض الروايات الكثيرة، و إنّما يحمل على التقية، لموافقته لمذهب جمهور العامّة.

و أوّله أيضاً الشيخ بأن يكون أراد به إذا جفّ وجهه أو أعضاء طهارته، فيحتاج أن يجدّد غسله فيأخذ ماء جديداً، أو (3) يكون الأخذ له أخذاً للمسح. و فيه ما فيه.

و كذا أوّله أيضاً بأن يكون المراد من قوله: «بل تضع يدك في الماء» الماء الذي بقي في لحيته أو حاجبيه. و فيه أيضاً ما فيه.

و كذا ما رواه أيضاً في الباب المذكور، عن جعفر بن عمارة، أبي عمارة الحارثي قال: سألت جعفر بن محمّد (عليه السلام) أمسح رأسي ببلل يدي؟ قال

خذ لرأسك ماءً جديداً

إنّما يحمل على التقية، سيّما مع أنّ رجاله رجال العامة و الزيدية، كما ذكره التهذيب.

و أمّا الثاني: فيدل عليه الإجماع، و استدل أيضاً بالروايات الواردة لبيان

____________

(3) في نسخة «ألف»: أن.

153

الوضوء، حيث ورد فيها أنّهم (عليهم السلام) لم يجدّدوا ماءً.

و فيه: ما مرّ من (1) أنّه لا يدل على الوجوب، لجواز أن يكون فعلهم (عليهم السلام) من أنّه أحد الأفراد لا لتعيّنه (2) بخصوصه.

و يستدل عليه أيضاً: بما نقلنا عن الكافي، في بحث مسح مقدّم الرأس، من رواية زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)

إنّ اللّٰه وتر

إلى آخر الحديث.

و هذه الرواية في التهذيب أيضاً، في زيادات صفة الوضوء، بطريق حسن، بإبراهيم بن هاشم.

و يناقش فيه أيضاً: بعدم ظهوره في الوجوب، كما مرّ غير مرّة.

و يستدل أيضاً على محاذاة ما ذكره المحقق في المعتبر بأنّ الأمر بالمسح مطلق و الأمر المطلق للفور، و الإتيان به ممكن من غير استيناف ماء فيجب الاقتصار عليه تحصيلًا للامتثال، و لا يلزم مثله في غسل اليدين، لأنّ الغسل يستلزم استيناف الماء.

و فيه: أنّه على تقدير تسليم أنّ الأمر للفور، فلا نسلّم أنّ مثل ذلك الفصل ينافي الفورية، لأنّ بنائها على العرف، و لا يعدّ فيه مثل هذا تأخيراً، و هو ظاهر.

و ما ذكره من أنّ الغسل يستلزم استيناف الماء منظور فيه أيضاً، لإمكان أن

____________

(1) لم ترد في نسخة «ألف».

(2) في نسخة «ألف»: لا لتقية.

154

يكون في اليد بلل كثير بحيث يمكن إجراؤه على العضو، و لا شبهة في ذلك. و الأولى أن يجاب عن النقض بأنّه خارج بالإجماع.

و بالجملة: التعويل في هذا الحكم على الإجماع، و الروايات و إن أمكن المناقشة فيها كما عرفت، لكنّها ممّا تصلح للتأييد.

و ما أورده ابن إدريس في السرائر، ممّا استطرفه من نوادر أحمد بن محمّد بن أبي نصر، من رواية مثنى، من أنّه (عليه السلام) وضع يده في الماء فلا يعارض الإجماع.

و أمّا صحيحة علي بن جعفر، المتضمنة لحديث المطر المنقولة سابقاً عند شرح قول المصنف: «و لو كالدهن مع الجريان» ففيها إجمال لا يظهر منها فهم المراد حتّى يكون ظاهراً في المنافاة، و يحتاج إلى التأويل؛ فتدبر.

و أمّا الثالث: فممّا (1) يمكن أن يستدل به عليه: ما رواه الصدوق (ره) في الفقيه، في باب فيمن ترك الوضوء أو بعضه، مرسلًا قال: و قال الصادق (عليه السلام)

إن نسيت مسح رأسك فامسح عليه و على رجليك من بلّة وضوئك، فإن لم يكن بقي في يدك من نداوة وضوئك شيء، فخذ ما بقي منه في لحيتك، و امسح به رأسك و رجليك، و إن لم يكن [لك] لحية فخذ من حاجبيك و أشفار عينيك و امسح به رأسك و رجليك، و إن لم يبق من بلّة وضوئك شيء أعدت

____________

(1) في نسخة «ألف»: فما.

155

الوضوء.

و هذه الرواية صريحة في (2) الدلالة على المدعى، لكنّها ممّا يخدشها الإرسال.

و الإيراد عليها بأنّها مخصوصة بحال النسيان، يمكن دفعه بالتمسك بالإجماع المركب، و لا يبعد القول بانجبار ضعفها للإرسال بالشهرة بين الأصحاب و العمل بها، مع أنّ ما في الفقيه حكم الصدوق بصحّته، و أنّه حجّة فيما بينه و بين ربّه.

و يمكن أن يستدل أيضاً: بما رواه التهذيب، في الباب المذكور، عن خلف بن حمّاد، عمّن أخبره، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: قلت له: الرجل ينسى مسح رأسه و هو في الصلاة؟ قال

إن كان في لحيته بلل فليمسح به، قلت: فإن لم يكن له لحية؟ قال: يمسح من حاجبيه أو من أشفار عينيه.

و فيه: أنّه مع عدم صحّة السند لا ظهور له في المدّعى، لجواز أن يكون الأمر بالمسح من بلل اللحية لكونه من أحد الفردين المخيّرين، مع عدم تيسّر الفرد الآخر في هذا الحال غالباً، إذ الغالب أنّ في حال الصلاة لا يتيسّر الماء الجديد، فلا دلالة على عدم جوازه.

و يؤيّد ما ذكرناه (5): ما رواه التهذيب، في أواخر باب أحكام السهو في الصلاة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، في رجل نسي أن يمسح على رأسه، فذكر و هو في الصلاة، فقال: «

إن كان [قد] استيقن ذلك انصرف فمسح

____________

(2) لم ترد في نسخة «ألف».

(5) في نسخة «ألف»: ما ذكرنا.

156

على رأسه و على رجليه و استقبل الصلاة، و إن شكّ فلم يدر مسح أو لم يمسح فليتناول من لحيته إن كانت مبتلّة و ليمسح على رأسه، و إن كان أمامه ماءً فليتناول منه فليمسح به رأسه.

و يمكن أن يستدل أيضاً: بما رواه التهذيب، في الباب المنقول آنفاً، عن مالك بن أعين، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال

من نسي مسح رأسه ثمّ ذكر أنّه لم يمسح رأسه، فإن كان في لحيته بلل فليأخذ منه و ليمسح رأسه، و إن لم يكن في لحيته بلل فلينصرف و ليعد الوضوء.

و فيه أيضاً بعد القدح في السند ما مرّ في سابقه. و الظاهر أنّ الكلام هيهنا في حال الصلاة، بقرينة فلينصرف.

و يمكن أن يقال: إنّ الاستدلال بهذه الرواية إن كان من جهة الأمر بالأخذ من اللحية لكان كما ذكر، أمّا إذا كان من جهة الأمر بالإعادة باعتبار أنّه إذا لم يكن الاستيناف مع جفاف جميع الأعضاء جائز الدلالة، الأمر بالإعادة عليه (3) حينئذٍ، فلم يجز مع جفاف بعض الأعضاء بطريق الأولى فلا.

نعم، يمكن أن يعترض حينئذٍ بأنّ الأمر بالإعادة يجوز أن يكون لأجل جفاف جميع الأعضاء لا للاستيناف، فلا يجري فيما نحن فيه.

و هذه إنّما ينافي إذا لم يكن ابن الجنيد قائلًا بالصحّة مع جفاف جميع الأعضاء للضرورة.

____________

(3) لم ترد في نسخة «ألف».

157

و يحمل ما نقوله عنه من الصحّة عند الجفاف مع الضرورة على جفاف البعض، لأنّه قائل باشتراط وجود البلّة على جميع الأعضاء حال الاختيار؛ فتدبر.

و يمكن أن يستدل أيضاً: بما رواه التهذيب، في الباب المذكور سابقاً، في الحسن، عن الحلبي، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال

إذا ذكرت و أنت في صلاتك أنّك قد تركت شيئاً من وضوئك المفروض عليك، فانصرف فأتمّ الذي نسيته من وضوئك و أعد صلاتك، و يكفيك من مسح رأسك أن تأخذ من لحيتك بللها إذا نسيت أن تمسح رأسك، فتمسح به مقدّم رأسك.

و هذه الرواية في الكافي أيضاً، في باب الشكّ في الوضوء.

و فيه: أنّه لا دلالة له على تعيين الأخذ من اللحية، لِمَ لا يجوز أن يكون الأخذ من اللحية و الاستيناف كلاهما جائزين؟

نعم، لو كان مذهب ابن الجنيد وجوب استيناف الماء الجديد حين جفاف اليد، لكان حجّة عليه.

و يرد عليه حينئذٍ أيضاً: أنّ عند الأخذ من اللحية و المسح به يتحقق الامتثال، و لا بدّ للتكليف الزائد من دليل و ليس، فليس.

و يرد على هذا الاستدلال أيضاً ما أوردنا على سابقه.

و قس عليه أيضاً (4): الاستدلال بما رواه الفقيه، في الباب المذكور آنفاً قال

____________

(4) لم ترد في نسخة «ألف».

158

و روى أبو بصير، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، في رجل نسي مسح رأسه، قال

فليمسح، قال: لم يذكره حتّى دخل في الصلاة؟ قال: فليمسح رأسه من بلل لحيته.

و كذا الاستدلال عليه بما رواه التهذيب، في الباب المذكور، عن زرارة، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، في رجل ينسى مسح رأسه حتّى يدخل في الصلاة، قال

إن كان في لحيته بلل بقدر ما يمسح رأسه و رجليه فليفعل ذلك و ليصلّ

، مع أنّه ضعيف السند.

و أمّا الاستدلال بما رواه التهذيب، في الباب المذكور، في الصحيح، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)، في أثناء حديث-

فإن شككت في مسح رأسك فأصبت في لحيتك بللًا، فامسح بها عليه و على ظهر قدميك، فإن لم تصب بللًا فلا تنقض الوضوء بالشك.

و قد روى في الكافي أيضاً، في باب الشكّ في الوضوء بطريق حسن فأدون حالًا من سابقيه كما لا يخفى.

و يمكن أن يستدل على جواز الاستيناف حينئذٍ بصدق الامتثال، و عدم دليل دالّ على تقييد الأمر بمطلق المسح، لما عرفت [من (5)] حال الأدلّة، فينبغي أن يبقي على إطلاقه.

____________

(5) أثبتنا الزيادة من نسخة «ألف».

159

و ما ذكروه من تحقّق الإجماع بعد ابن الجنيد على عدم جواز الاستيناف، فممّا لا يصلح للتعويل، لأنّ إثبات تحقّق (2) الإجماع في زمان الغيبة أمر دونه خرط القتاد، لكن محافظة الاحتياط، خصوصاً مع وجود مرسلة الفقيه، يقتضي الأخذ بما عليه الأصحاب.

هذا كلّه إن حمل خلاف ابن الجنيد على ما يفهم من ظاهر كلامه كما ذكرنا، و أمّا إذا حمل على ما يفهم من كلام بعض الأصحاب فيرتفع الإشكال، إذ المسألة حينئذٍ تصير إجماعية، كما هو الظاهر.

ثمّ إنّه على المشهور هل يختص جواز أخذ الماء من اللحية بحال نسيان المسح أو لا؟ و هل يختص بحال جفاف اليد أو يجوز حال ابتلالها أيضاً؟

أمّا الاختصاص بالنسيان (4) فهو و إن كان ممّا يشعر به ظاهر كلام المعتبر و المنتهي، حيث خصّصا الحكم بهذه الصورة، لكن كلام التذكرة صريح في عدم الاختصاص، و هو الأقوى بالنظر إلى الدليل، و إن كانت الروايات الواردة في هذا الحكم مختصّة بحال النسيان، لما قد عرفت من إطلاق الأمر بالمسح و صدق الامتثال عند الأخذ من اللحية و المسح به من دون معارض، لأنّ الشهرة التي قد تحقّقت في عدم جواز الاستيناف منفية هيهنا، و الروايات المذكورة أيضاً خالية

____________

(2) لم ترد في نسخة «ألف».

(4) في نسخة «ألف»: بحال النسيان.

160

من الدلالة في هذه الصورة رأساً، فيبقى الإطلاق بحاله.

و أمّا الاختصاص بحال الجفاف فهو ظاهر من كلام الشيخ و المحقق و العلامة و المصنف (ره).

لكنّ الشهيد الثاني و صاحب المدارك ذكرا أنّه لا اختصاص له به (3) و أنّ التعليق في عبارات الأصحاب يخرج مخرج الغالب.

و استدل عليه الشهيد الثاني «باشتراك الجميع في كونه بلل الوضوء، فلا يصدق عليه الاستيناف» و لإطلاق قول الصادق (عليه السلام)، فيما رواه مالك بن أعين عنه، كما نقلنا (4) آنفاً.

و فيه نظر، لأنّ ما ذكره من اشتراك الجميع في كونه بلل الوضوء ممّا لا يجدي، لأنّ ما يستدل به على عدم جواز الاستيناف، إمّا الأحاديث التي ورد بياناً، و إمّا الحديث (5) الذي قد تقدم من قوله (عليه السلام)

إنّ اللّٰه وتر

إلى آخر الحديث.

و في أكثر الأحاديث// (117) الواردة بياناً إنّما وقع المسح ببلّة اليد، و هذا

____________

(3) لم ترد في نسخة «ألف».

(4) في نسخة «ألف»: نقلناه.

(5) في نسخة «ب»: الأحاديث.

161

الحديث أيضاً يدل على ذلك، فكما يستدل بها على عدم جواز الاستيناف، يمكن أن يستدل بها أيضاً على عدم جواز الأخذ من اللحية، إلّا ما أخرجه الدليل، و هو الأخذ حال جفاف اليد، فالفرق (1) تحكّم.

و ما ذكره من إطلاق الرواية إنّما (2) يعارضه مرسلة الفقيه المنقولة آنفاً، فيحمل على جفاف اليد كما هو الظاهر، لأنّ النسيان إنّما (3) يكون مظنّة الجفاف، خصوصاً مع ما ذكرنا سابقاً أنّ الظاهر أنّه بعد الدخول في الصلاة.

نعم، يمكن أن يقال بجواز الأخذ حال عدم الجفاف أيضاً، لما عرفت من أنّ الدلائل التي يستدل بها على عدم جواز الاستيناف ليست بتامّة، و إنّما التعويل على الشهرة العظيمة أو الإجماع، و لا يخفى أنّهما منتفيان فيما نحن فيه، فلا دليل على منعه، و الأمر بالمسح مطلق فيبقى على إطلاقه.

ثمّ إنّه هل يجب مراعاة الترتيب في الأخذ من اللحية و الحاجب و الأشفار أو لا؟ الظاهر بالنظر إلى كلام القوم عدمه، لكن ظاهر مرسلة الفقيه، و مرسلة خلف المتقدمتين الترتيب، إلّا أنّه لمّا لم تقوّيا من حيث السند، و الأصل جواز الأخذ من أيّ موضع كان و الظاهر أنّ الأصحاب [أيضاً (4)] لم يعملوا بهما في حكم الترتيب، مع إمكان أن يكون الأمر بهذا الترتيب من باب المتعارف فلا يبعد القول بعدم وجوب الترتيب.

____________

(1) في نسخة «ألف»: و الفرق.

(2) لم ترد في نسخة «ألف».

(3) لم ترد في نسخة «ألف».

(4) أثبتنا الزيادة من نسخة «ب».

162

و مقتضى الاحتياط أن لا يكتفي بالوضوء الذي أخذ فيه من اللحية في غير صورة النسيان، بل يجدّد وضوءً آخر، و كذا يراعى جفاف اليد في صورة النسيان و غيره، و كذا الترتيب بأن يأخذ أوّلًا من اللحية لو كان، ثمّ من الحاجب أو الأشفار، و لا ترتيب فيهما.

و الظاهر جواز الأخذ من مسترسل اللحية، لإطلاق الروايات مع ما علمت من الأصل.

و ما (1) يتوهم من أنّه ليس فضلة الوضوء ليس بشيء، إذ لا دليل على كون المسح بفضلة الوضوء، بل لو كان فإنّما يكون في بلّة اليد، فلمّا لم يبق معمولًا به فيها للروايات، فلا وجه لاعتبار فضلة الوضوء، مع أنّ عدم كونه فضلة الوضوء أيضاً ممنوع، لأنّ غسل المسترسل أيضاً من سننه و قد سبق.

و لا فرق أيضاً في جواز الأخذ من فضلة الغسلة الأولى أو الثانية، لما عرفت.

و أمّا فضلة الثالثة لو لم يجوّزها أحد فقد استشكل في الأخذ منها، بناءً على أنّها بدعة، فلا يعدّ من ماء الوضوء.

و قرّبه المصنف في الذكرى و من حيث عدم انفكاكه عن ماء الوضوء، و نصره المحقق في المعتبر، و الظاهر الثاني بالنظر إلى ما ذكرنا (4).

و كذا الظاهر جواز الأخذ من غير المواضع المذكورة، و لا يخفى وجهه.

و أمّا الرابع: و هو الذي يفهم من كلام بعض الأصحاب أنّ نزاع ابن الجنيد فيه،

____________

(1) في نسخة «ب»: و ممّا.

(4) في نسخة «ب»: ما ذكرناه.

163

فلا يخفى أنّه يحتمل وجهين، لأنّه إمّا أن يكون الجفاف مع التفريق بين أفعال الوضوء، سواء كان الضرورة أم لا، أو بدون التفريق.

فإن كان الأوّل فالظاهر بطلان الوضوء و وجوب الإعادة، للروايات الواردة به (1) و الإجماع أيضاً، على احتمال أن يكون تجويز ابن الجنيد الجفاف مع الضرورة تجويز جفاف البعض كما أشرنا إليه سابقاً لكن لا نعلم أنّ بطلانه لأجل الجفاف أو للاستيناف.

و إن كان الثاني فالظاهر أنّ ابن الجنيد قائل بالبطلان حينئذٍ، إذ ما نقل عنه من تجويز الجفاف إنّما هو عند الضرورة، كما صرّح به المصنف في الذكرى.

إلّا أن يعتبر الضرورة حال عدم الاشتغال، لكن يحتمل أن يكون الصدوق (ره) و أبوه أيضاً قائلين بالصحّة، و هو الظاهر بحسب الدليل أيضاً، فإن تحقق قول من الأصحاب به فالظاهر الحكم بالصحّة.

و إن (4) لم يتحقق، بل كان مختار الصدوق و أبيه من تجويز الجفاف حين (5) الاشتغال بأفعال الوضوء مختصاً بحال الغسل لا المسح أيضاً و يكون الحكم بالبطلان عند الجفاف حال المسح مجمعاً عليه، و إنّما (6) يتبع الإجماع و إن لم يظهر له دليل سواه، و سيجيء تفصيل القول فيه إن شاء اللّٰه تعالى في بحث الموالاة.

____________

(1) لم ترد في نسخة «ألف».

(4) في نسخة «ألف»: إن.

(5) في نسخة «ب»: حتّى.

(6) في نسخة «ج»: فإنّما.

164

و أمّا الخامس: فقد ذكره (1) المحقق في المعتبر، و العلامة في المنتهي، و الشهيد الثاني في شرح الإرشاد.

و قال العلامة في التذكرة: «لو جفّ ماء الوضوء للحرّ أو الهواء المفرطين استأنف الوضوء، و لو تعذّر أبقى جزءً من يده اليسرى ثمّ أخذ كفّاً غسله به، و عجّل المسح على الرأس و الرجلين»، و لم يذكر استيناف الماء الجديد عند عدم إمكان ذلك المعنى. و قال المصنف في الذكرى أيضاً مثل ما في التذكرة.

و استدل المحقق في المعتبر على جواز الاستيناف برفع الحرج، و لا يخفى أنّا لو اعترفنا بأنّ الروايات المتضمنة لبيان الوضوء إنّما تدل على أنّ الوضوء المفروض هو الذي كان مسحه ببلّة اليد كما هو الظاهر من كلام القوم يلزم علينا أن لا نجوّز الاستيناف في هذه الصورة، لأنّ المأمور به إذا كان هذا (6) الوضوء الخاص، فالإتيان بغيره من عند أنفسنا بلا دليل شرعيّ على أنّه بدل منه لا معنى له و يكون تشريعاً.

و ما ذكر من الحرج ليس بشيء، إذ لا حرج هيهنا، بل يسقط الوضوء و ينتقل الفرض إلى التيمم.

نعم، لو لم نسلّم دلالة الروايات على ذلك كما ذكرنا و لم نمنع جواز

____________

(1) في نسخة «ألف و ب»: ذكر.

(6) لم ترد في نسخة «ألف».

165

الاستيناف، أو منعناه أيضاً لكن للشهرة أو الإجماع، فحينئذٍ الظاهر الحكم بجواز استيناف الماء الجديد، لإطلاق الأمر بالمسح مع عدم شهرة أو إجماع على التقييد في هذه الصورة، و الاحتياط (1) أن يستأنف الماء الجديد و يمسح، ثمّ يضمّ إليه التيمم أيضاً.

و الأحوط أيضاً لو كان (2) رجاء أن يكسر صورة الحرّ مثلًا إلى آخر الوقت، أن يؤخّر الوضوء إليه ليمكن المسح بنداوة الوضوء، و اللّٰه أعلم.

[و لا يجزي الغسل عنه]

و لا يجزي الغسل عنه.

لا خفاء في عدم إجزاء الغسل المجرد عن المسح باليد عنه، لعدم صدق الامتثال، و كذا الغسل المقارن لإمرار اليد فيما فرض أنّه لم يصدق عليه المسح في العرف، لكثرة جريان الماء مثلًا.

و أمّا الغسل المقارن للمسح الذي يصدق المسح عليه في العرف لكونه غسلًا خفيفاً، فالظاهر حينئذٍ الإجزاء، لصدق الامتثال و عدم ما يدل على خلافه.

و أمّا ما رواه التهذيب، في باب صفة الوضوء، عن محمّد بن مروان قال: قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام)

إنّه يأتي على الرجل ستّون و سبعون سنة ما قبل اللّٰه منه صلاة. قلت: و كيف ذلك؟ قال: لأنّه يغسل ما أمر اللّٰه بمسحه

(3)

فالظاهر أنّه تعريض بالعامّة في غسلهم الرجلين مجرّداً عن المسح، مع أنّه ضعيف السند.

____________

(1) في نسخة «ب»: فالاحتياط.

(2) في نسخة «ب»: أو الأحوط لو كان.

(3) في الإستبصار: «محمّد بن سهل» بدل «محمّد بن مروان»

166

و ما نقل في التذكرة من الإجماع على عدم إجزاء الغسل، فالظاهر أنّه في غير هذه الصورة، كما يشعر به دليله من اشتماله على الاستيناف كما لا يخفى.

و ما يتوهم من أنّه لمّا وقع المسح في مقابلة الغسل فيجب أن يكون حقيقة مخالفة لحقيقة الغسل و إلّا لا معنى للتقابل.

ففيه: أنّه لو أريد بالمخالفة التباين الكلّي، فلا نسلم استلزام التقابل [ل] هذا (2) المعنى.

و إن أريد بها أعمّ منه فمسلّم، و لكنّها (3) متحقّقة فيهما، لأنّ بينهما عموماً من وجه، إذ يصدق الغسل على الصبّ المجرّد عن الإمرار بدون المسح، و بالعكس في المسح الخالي عن الجريان، و يصدقان في الإجزاء بالإمرار، و لا خفاء في كفاية هذا المعنى في صحّة التقابل.

و لا يخفى أنّ الظاهر من طريقتهم (عليهم السلام) أيضاً ذلك، لاكتفائهم بالأمر بالمسح ببلّة اليد من غير إشعار برعاية عدم حصول الجريان، مع أنّ الغالب أن لا ينفكّ اليد بعد// (118) الفراغ من الوضوء عن قدر بلّة يحصل معه جريان يسير.

و على هذا: فإن نزل كلام المصنف (ره)، و كذا كلام غيره من الأصحاب (4) الذي يؤدّي مؤدّاه على ما ذكرنا فنعم الوفاق، و إلّا فالظاهر خلافه.

و قد صرّح المصنف في الذكرى بما ذكرنا، حيث قال في مسألة تعذر المسح

____________

(2) زيادة اقتضاها المتن.

(3) في نسخة «ألف»: و لكنّهما.

(4) كما مرّ آنفاً في المعتبر، المنتهي، تذكرة الفقهاء و روض الجنان.

167

بالبلل لإفراط الحرّ: «و إنّه يبقى حينئذٍ جزء من اليسرى أو كلّها، ثمّ تغمس في الماء أو يكثر الصبّ و يمسح به، و لا يقدح قصد إكثار الماء لأجل المسح، لأنّه من بلل الوضوء. و كذا لو مسح بماء جارٍ على العضو و إن أفرط الجريان؛ لصدق الامتثال، و لأنّ الغسل غير مقصود» انتهى. و لا يخفى ضعف تعليله الأخير.

[و لا المسح بآلة غير اليد]

و لا المسح بآلة غير اليد.

لظهور الروايات في المسح باليد، و الظاهر الإجزاء بأيّ جزء كان من اليد، و الحديثان المنقولان سابقاً في بحث المسح على الحائل المتضمّنان لذكر الإصبع كأنّهما بناءً على المعتاد.

قال المصنف في الذكرى: «و الظاهر أنّ باطن اليد أولى. نعم، لو اختص البلل بالظاهر و عسر نقله أجزأ، و لو تعذّر المسح بالكفّ فالأقرب جوازه بالذراع» انتهى.

و هذا التفصيل و إن كان إثباته بالدليل مشكلًا (4)، لكنّ الاحتياط في رعايته.

و قال العلامة في النهاية: «و لو مسح بخرقة مبلولة [بماء الوضوء (5)] فإن كانت الأصابع مشدودة فالأقرب عدم الإجزاء، لأنّ ماء الوضوء هو المتصل بالأصابع لا ما على الحاوي. أمّا لو كان المسح على الخرقة في اليد لضرورة الجرح و شبهه فمسح به، فالأقرب الجواز لو كانت اليد الأخرى كذلك، و لو كانت

____________

(4) لم ترد في نسخة «ألف».

(5) ما بين المعقوفتين لم يرد في المصدر.

168

سليمة فإشكال» انتهى. و حاله أيضاً كحال ما في الذكرى؛ فتأمّل.

[و يكره مسح جميع الرأس]

و يكره مسح جميع الرأس، و حرّمه ابن حمزة، و في الخلاف بدعة إجماعاً.

لا خفاء في عدم استحبابه، لعدم توظيفه شرعاً؛ و أمّا كراهته فعلّله المصنف (ره) في الذكرى بأنّه «تكلّف ما لا يحتاج إليه» و فيه ضعف.

و علّل ابن حمزة الحرمة بمخالفة الشرع، و هو أيضاً ضعيف. و البدعة التي ادّعى الإجماع عليها في الخلاف لم يظهر المراد منها.

و الحاصل: أنّ إثبات قدر زائد على عدم الاستحباب مشكل.

قال المصنف (ره) في الذكرى: «و قال ابن الجنيد: لو مسح من مقدّم رأسه إلى مؤخّره أجزأه إذا كان غير معتقد فرضه، و لو اعتقد فرضه لم يُجزه، إلّا أن يعود إلى مسحه. و يضعّف باشتماله على الواجب، فلا يؤثر الاعتقاد في الزائد.

و أبو الصلاح أبطل الوضوء لو تدين بالزيادة في الغسل أو المسح، و هو كالأوّل في الرد. نعم، يأثم باعتقاده» انتهى.

و سيجيء إن شاء اللّٰه تعالى في بحث الغسلة الثالثة، ما ينفع في هذا الموضع.

[و الزائد عن إصبع من الثلاث مستحب]

و الزائد عن إصبع من الثلاث مستحب.

قال في الذكرى: «لو مسح بثلاث أصابع، فالأقرب أنّ الزائد موصوف

169

بالاستحباب، لجواز تركه. و يمكن الوجوب، لأنّه أحد جزئيّات الكلّي. هذا إذا أوقعه دفعة، لو أوقعه تدريجاً فالزائد مستحب قطعاً» انتهى.

و الظاهر فيما إذا أوقعه دفعة خلاف ما قرّبه المصنف، لأنّ الامتثال إنّما يتحقق بهذا المجموع فيكون من أفراد الواجب، و جواز تركه مع الإتيان بفرد آخر لا يقدح في كونه من أفراد الواجب المخيّر.

و يمكن بناء الكلام على أنّ حال المسح بثلاث أصابع دفعة هل أجزاء ذلك الفعل موجودة مع الكلّ بوجود واحد أو بوجودات متعددة؟

فعلى الأوّل: يكون ذلك الفعل ممّا يحصل به الامتثال فيكون واجباً، لكن هذا الاحتمال خلاف الظاهر، لأنّ الظاهر أنّ هذه الأجزاء من قبيل الأجزاء الخارجية، فلا يكون موجودة مع الكلّ بوجود واحد.

و على الثاني: يكون وجود الأجزاء مقدّماً على الكلّ، فيحصل الامتثال بالأجزاء، فلا يكون الكلّ واجباً، لعدم حصول الامتثال به بل قبله، إلّا أن لا يعتد بالتقدم الذي أتى في العرف و يقال: إنّ الامتثال يحصل بالمجموع أيضاً.

و ما ذكره من استحباب الزائد إذا أوقعه تدريجاً منظور فيه، بل الظاهر عدم الاستحباب، للزوم التكرار في المسح؛ و لا نسلّم خروجه من تحت التكرار بالأمر الوارد بالمسح بثلاث أصابع، لأنّ ظاهره المسح دفعة.

نعم، ما ذكره من استحباب الزائد، إنّما يصح في غير هذا الموضع، مثل التسبيحات الثلاث في الركوع و السجود.

170

هذا إذا حكمنا بأنّ الإتيان بالمأمور به يكفي في الامتثال و إن لم يكن بقصد أنّه امتثال لذلك الأمر، و أمّا (1) إذا اعتبر هذا القيد فحينئذٍ لو قرأ إحدى ثلاث تسبيحات بقصد أنّ المجموع امتثال للأمر بالذكر لا كلّ واحد، يكون المجموع واجباً، لعدم حصول الامتثال قبله.

[الخامس مسح بشرة الرجلين]

ثمّ [مسح (2)] بشرة الرجلين.

وجوب مسح الرجلين دون غسلهما ممّا انعقد عليه إجماعنا، و خالف فيه العامّة.

فقال أبو الحسن البصري، و ابن جرير الطبري، و أبو علي الجبائي بالتخيير بين المسح و الغسل.

و قال الفقهاء الأربعة، و باقي الجمهور بوجوب الغسل دون المسح.

و قال داود بوجوبهما معاً.

و يدلُّ على وجوب المسح مضافاً إلى الإجماع الكتاب و السنة. أمّا الكتاب: فقوله تعالى وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ.

وجه الاستدلال: أنّ الأرجل إمّا مجرورة كما في بعض القراءات، أو منصوبة كما في بعض الآخر.

____________

(1) لم ترد في نسخة «ب».

(2) أثبتناها من الأصل.

171

و على الأوّل: الظاهر عطفه على الرؤوس فيكون في حكمها من وجوب المسح عليها و جعله معطوفاً على الأيدي. و القول بأنّ الجرّ من باب المجاورة ضعيف، لوقوع (1) الفصل بين المعطوف و المعطوف عليه.

و أيضاً: إعراب المجاورة شاذّ و إنّما يقتصر على السماع. و أيضاً: فيما لا لبس فيه مثل حجر ضبت حزب و هيهنا اللبس حاصل.

و على الثاني أيضاً: الظاهر أنّه كذلك للقرب (2)، و يكون النصب حينئذٍ لكونه معطوفاً على محلّ الرؤوس و العطف على المحلّ شائع.

فإن قلت: أولويّة العطف على اللفظ يعارض القرب.

قلت: لنا مرجّح آخر من حصول التطابق بين القرائتين حينئذٍ، و أمّا السنة فكثيرة كاد أن يبلغ حدّ التواتر.

فمنها: الروايات المتضمنة لوصف الوضوء كما تقدم، و صحيحة زرارة المتقدمة الدالّة على التبعيض في المسح، و رواية محمّد بن مروان المتقدمة الدالة على عدم قبول الصلاة لترك المسح.

و منها أيضاً: ما رواه التهذيب، في باب صفة الوضوء، في الصحيح، عن زرارة قال: قال لي

لو أنّك توضّأت فجعلت مسح الرجلين غسلًا ثمّ أضمرت

____________

(1) في نسخة «ب»: بوقوع.

(2) لم ترد في نسخة «ب».

172

أنّ ذلك من المفروض لم يكن ذلك بوضوء. ثمّ قال: ابدأ بالمسح على الرجلين، فإن بدا لك غسل فغسلته فامسح بعده ليكون آخر ذلك المفروض.

و هذه الرواية في الكافي أيضاً، في باب مسح الرأس.

و منها: ما رواه أيضاً في الباب المذكور، عن غالب بن هذيل قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن المسح على الرجلين؟ فقال

«هو الذي نزل به جبرئيل (عليه السلام)

، إلى غير ذلك من الأخبار.

و بعض الروايات الواردة على خلافها محمول على التقية لما عرفت من مذهب الجمهور مثل:

ما رواه في الباب المذكور، عن عمّار بن موسى، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، في الرجل يتوضّأ الوضوء كلّه إلّا رجليه ثمّ يخوض بهما الماء خوضاً، قال

أجزأه ذلك.

و ما رواه أيضاً في الباب المذكور، في الصحيح، عن أيّوب بن نوح قال: كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام) أسأله عن المسح على القدمين؟ فقال

الوضوء بالمسح،// (119) و لا يجب فيه إلّا ذلك، و من غسل فلا بأس.

و لا يخفى أنّ حمل هذه الرواية على التقية لا يخلو عن مناقشة، و حملها الشيخ على أنّ المراد: الغسل للتنظيف لا للوضوء.

173

و أيّد بما رواه في الصحيح، عن أبي همام، عن أبي الحسن [الرضا] (عليه السلام)، في الوضوء الفريضة في كتاب اللّٰه تعالى

المسح و الغسل في الوضوء للتنظيف.

و أنت خبير ببعد الحمل المذكور، و عدم صلاحية ما ذكره للتأييد، إذ ظاهره أنّ الفرض هو المسح، لكن لو غسل أحد فيكون من باب التنظيف لا أنّه مفروض متعين.

و لو لا مخافة مخالفة الإجماع بل الضرورة كما ادعاها بعض (2) لأمكن القول بإجزاء الغسل عن المسح، بالنظر إلى ما يستفاد من الروايات، كما لا يخفى على المتأمّل.

ثمّ إنّه انعقد إجماعنا أيضاً على أنّ محل المسح هو ظاهر القدم دون باطنه، و الروايات أيضاً ناطقة به، و قد تقدّم طرف منها في الأبواب السابقة.

و يزيده بياناً: ما رواه التهذيب، في الباب المذكور، في الصحيح، عن أحمد بن محمّد قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن المسح على القدمين، كيف هو؟ فوضع بكفّه على الأصابع ثمّ مسحهما إلى الكعبين، فقلت له: لو أنّ رجلًا قال بإصبعين من أصابعه هكذا إلى الكعبين؟ قال

لا، إلّا بكفّه كلّها

(3)

.

و ما رواه الفقيه أيضاً، مرسلًا، في باب حدّ الوضوء، قال: و قال أمير المؤمنين

____________

(2) منهم: العلّامة في النهاية.

(3) في التهذيب و ضمه «عن احمد بن محمَّد بن ابي نصر»،.

174

(عليه السلام)

لولا أنّي رأيت رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) يمسح ظاهر قدميه لظننت أنّ باطنهما أولى بالمسح.

و ما رواه أيضاً مرسلًا، قال

و سئل موسى بن جعفر (عليه السلام) عن الرجل يكون خفّه مخرقاً فيدخل يده و يمسح ظهر قدميه [من تحتها

(2)

]، أ يجزيه؟ فقال: نعم.

و ما رواه الكافي أيضاً، في باب مسح الرأس و القدمين، عن جعفر بن سليمان [عمّه (4)] قال: سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) قلت: «جعلت فداك، يكون خفّ الرجل مخرقاً فيدخل يده فيمسح ظهر قدميه، أ يجزيه ذلك؟ قال

نعم.

إلى غير ذلك.

فأمّا ما ورد من مسحهما ظاهراً و باطناً فشاذّ ضعيف لا يعمل عليه، و كأنّه محمول على التقية، مثل: مرفوعة أبي بصير المتقدمة، في بحث المسح على الرأس، و حملها الشيخ على أنّ المراد المسح مقبلًا و مدبراً، و فيه بعد.

و مثل: ما رواه أيضاً في الباب المذكور، عن سماعة بن مهران، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال

إذا توضّأت فامسح قدميك ظاهرهما و باطنهما، ثمّ قال هكذا: فوضع يده على الكعب و ضرب الأخرى على باطن قدمه ثمّ مسحهما إلى

____________

(2) ما بين المعقوفتين لم يرد في المصدر.

(4) هكذا في المصادر.

175

الأصابع.

و اعلم أنّ الشهيد الثاني (ره) قال في شرح الإرشاد عند قول مصنفه: «و مسح بشرة الرجلين»: «و اعلم أنّه يستفاد من قوله: «بشرة الرجلين» مع قوله: «في الرأس كذلك أو شعره المختص» أنّه لا يجزي المسح على الشعر في الرجلين بل يتحتم البشرة، و الأمر فيه كذلك» انتهى.

و هذا الحكم ممّا لم أقف فيه على تصريح في كلام القوم، غير أنّهم أقحموا لفظة البشرة في هذا الموضع.

و يمكن أن يكون مرادهم الاحتراز عن الخفّ و نحوه لا الشعر كما هو الظاهر بحسب النظر (3) لأنّ المسح على الرجلين يصدق عرفاً [على المسح (4)] على شعرهما أيضاً، إلّا إذا كان طويلًا جمّا بحيث يخرج عن المعتاد، سيّما ليس فيه الباء الدالّة على الإلصاق.

و أيضاً: عدم التعرض له في الأحاديث مطلقا مع أنّ الغالب أنّ الرجل لا ينفك عن الشعر يؤيّد ذلك.

لا يقال: إنّ الغالب خلوّ بعض مواضع الرجل عن الشعر و سيأتي أنّ الاستيعاب ليس بلازم فيقع القدر المفروض من المسح على البشرة غالباً، فلهذا لم يتعرضوا (عليهم السلام) له، لأنّ الاستيعاب الطولي لازم كما سيجيء، و وقوع خطّ طولي غالباً على البشرة معلوم الانتفاء بل إنّما يتحقق ذلك مع الملاحظة

____________

(3) في نسخة «ألف»: النقل.

(4) أثبتنا الزيادة من «ب».

176

[و الالتفات التامّ (1)].

و بالجملة: استنباط هذا الحكم من الآية و الروايات مشكل، و كذا من كلام الأصحاب، لأنّ إقحام لفظة البشرة لا ظهور له في هذا المعنى، مع أنّه ليس في كلام بعضهم، و الأصل براءة الذمة. و حديث لزوم تحصيل يقين البراءة من التكليف اليقيني قد مرّ مراراً.

[يجب المسح من رؤوس الأصابع إلى الكعبين]

من رؤوس الأصابع إلى الكعبين، و هما أعلى القدمين.

تحديد الرجل الممسوح بكونه من رؤوس الأصابع إلى الكعبين ممّا لا خلاف فيه، و كذا في جواز الابتداء من الأصابع، إنّما الكلام في ثلاثة مواضع: في تعيين الابتداء من الأصابع، و في تحقيق (2) معنى الكعب، و في تحديد المسح.

أمّا الأوّل: فسيأتي إن شاء اللّٰه تعالى الكلام فيه عند شرح قوله: «و لا يجزي النكس».

و أمّا الثاني: فنقول: الظاهر من كلام الأصحاب (ره) أنّ الكعب هو: العظم الناشز في وسط القدم، و أنّ إجماعنا قد انعقد عليه.

و خالف الجمهور في ذلك فقالوا: «الكعبان هما: العظمان النابتان عند مفصل الساق و القدمين عن الجنبين، اللذان يقال لهما: المنجمان (5) و الرهرهيان سوى محمّد بن الحسن الشيباني منهم، فإنّه أيضاً قال

____________

(1) ما بين المعقوفتين لم يرد في «ألف».

(2) في نسخة «ألف»: تحقّق.

(5) في هامش نسخة «ب»: «المنجمان كمجلس و منبر عظمان. القدم.» ق.

177

بالأوّل.

و احتجوا (رحمهم اللّٰه) على نفي ما ذهب إليه العامّة بوجوه و حجج.

و أجابوا عمّا استدلوا به بأجوبة، و لا حاجة بنا إلى التعرض لها، لأنّ الخطب سهل، إذ هو من الظهور عندنا بحيث لا يحتاج إلى دليل.

نعم، يجب التعرض هيهنا لشيء آخر و هو: أنّ العلامة (ره) ذكر في جملة من كتبه: أنّ الكعب هو المفصل بين الساق و القدم، و بعبارة أخرى: مجمع القدم و أصل الساق، و قد صبّ عبارة الأصحاب أيضاً عليه.

و قال في كتابيه المنتهي و المختلف: «إنّ عبارة علمائنا يشتبه على من ليس له مزيد تحصيل»، لكنّ المحصّل يعلم أنّ مرادهم بالكعب المفصل، لا العظم الذي في وسط القدم.

و احتج عليه أيضاً بوجوه:

الأوّل: ما رواه التهذيب، في الصحيح، في باب صفة الوضوء، عن زرارة و بكير، عن أبي جعفر (عليه السلام) آخر حديث الطست المنقول في بحث جواز مسح الرأس بمسمّاه قلنا: أصلحك اللّٰه فأين الكعبان؟ قال: هيهنا، يعني المفصل دون عظم الساق، فقالا: هذا ما هو؟ قال

هذا عظم الساق.

و في الكافي أيضاً، بعد ما نقلنا في البحث المذكور، بأدنى تغيير في العبارة لا يؤثر في المراد. و فيه بعد قوله (عليه السلام)

هذا عظم الساق و الكعب

178

أسفل من ذلك.

و الثاني: ما روي في حديث القعب المنقول سابقاً، في بحث نكس غسل اليدين و مسح مقدم رأسه و ظهر قدميه، فإنّه يعطي استيعاب المسح لجميع ظهر القدم فيجب أن يمسح إلى المفصل.

الثالث: أنّه أقرب إلى ما حدّوه أهل اللغة به.

و قد أخذ المصنف (ره) في الذكرى، و المحقق الشيخ علي (ره) في شرح القواعد، و الشهيد الثاني في شرح الإرشاد، و غيرهم أيضاً في التشنيع عليه من (6) وجوه:

الأوّل: أنّ عبارة (7) الأصحاب صريحة في خلاف ما يدّعيه، ناطقة بأنّ الكعبين هما: العظمان الناتيان (8) في ظهر القدم أمام الساق حيث يكون معقد الشراك، فحملها على المفصل و ادعاء أنّ فيها اشتباهاً على غير المحصّل، و أنّ المحصّل لا يشتبه عليه أنّ مرادهم هذا عجيب جدّاً.

الثاني: أنّ ما ذكره إحداث قول ثالث مستلزم لرفع ما أجمع عليه الأمّة لأنّ الخاصّة على أنّ الكعب هو: العظم الناتي (9) في وسط القدم، و العامّة على أنّه

____________

(6) لم ترد في نسخة «ألف».

(7) في نسخة «ألف و ب»: العبارات.

(8) في نسخة «ألف و ب»: النابتان.

(9) في نسخة «ألف»: الثاني، و في نسخة «ب»: الناشر.

179

ما نتأ عن يمين الرجل و شماله، فالقول بأنّه المفصل قول ثالث إن أراد به ظاهره، و إن// (120) أراد بالمفصل ما نتأ عن يمين القدم و شماله، فهو بعينه مقالة العامّة المخالفة لما أجمعنا عليه.

و هذا الإيراد كأنه راجع إلى الإيراد الأوّل عند التأمّل.

الثالث: أنّ ما ذكره مخالف لظواهر الأخبار الواردة عن (1) أصحاب العصمة (عليهم السلام).

الرابع: أنّه مخالف لكلام أهل اللغة، و لم يساعد عليه الاشتقاق الذي ذكروه، فإنّهم قالوا: «إنّ اشتقاقه من كعب إذا ارتفع، و منه كعب ثدي الجارية، و المفصل لا ارتفاع له».

و أجابوا عن دلائله (2) الثلاثة: أمّا عن الأوّل: فبأنّ المراد من المفصل ما يقرب منه مجازاً، للجمع بين الأخبار.

و عن الثاني: بأنّ الظهر المطلق هنا يحمل على المقيّد، لأنّ استيعاب الظهر لم يقل به أحد منّا، كما قال المحقق في المعتبر: «و لا يجب استيعاب الرجلين بالمسح، بل يكفي المسح من رؤوس الأصابع إلى الكعبين و لو بإصبع واحدة، و هو إجماع فقهاء أهل البيت (عليهم السلام)».

و عن الثالث: بأنّه إن أراد بأهل اللغة لغوية (4) العامّة فهم مختلفون و إن أراد

____________

(1) في نسخة «ألف»: من.

(2) في نسخة «ج»: دلائل.

(4) في نسخة «ألف»: اللغوية.

180

لغوية الخاصة فهم متفقون على أنّه: العظم الناتي في وسط القدم، حتّى أنّ العلامة اللغوي عميد الرؤساء صنّف في الكعب كتاباً مفرداً، و أكثر فيه من الشواهد على أنّه قبّة القدم.

هذا، و ينبغي أن يذكر هيهنا عبارات الأصحاب و الأخبار الواردة في هذا الباب التي ادعوا مخالفة كلام العلامة لهما، ليتضح جليّة الحال.

أمّا عبارات: فقد قال ابن الجنيد: «الكعب في ظهر القدم دون عظم الساق، و هو المفصل الذي هو قدّام العرقوب» (1).

و قال السيد المرتضى (ره): «الكعبان هما العظمان الناتيان في ظهر القدم عند معقد الشراك».

و قال ابن أبي عقيل: «الكعبان ظهر القدّم».

و قال أبو الصلاح: «الكعبان [موضع] معقد الشراك».

و قال الشيخ في أكثر كتبه: «هما: الناتيان في وسط القدّم».

و قال المفيد: «الكعبان هما: قبّتا القدمين أمام الساقين ما بين المفصل و المشط».

و قال ابن إدريس: «الكعبان هما، العظمان اللذان في ظهر القدمين عند معقد

____________

(1) لم نعثر عليه و لكن نقل عنه العلّامة في المختلف/ الطهارة/ كيفية الوضوء 1: 293.

181

الشراك».

و قال المحقق في المعتبر: «و عندنا الكعبان هما: العظمان الناتيان في وسط القدم و هما معقد الشراك، و هذا مذهب فقهاء أهل البيت (عليهم السلام)».

و أمّا الأخبار: فمنها: ما نقلنا في الوجه الأوّل من وجوه العلامة.

و منها: ما رواه التهذيب، في باب صفة الوضوء، في الصحيح، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: سألته عن المسح على القدمين كيف هو؟ فوضع كفّه على الأصابع فمسحها إلى الكعبين إلى ظاهر القدم، فقلت: جعلت فداك، لو أنّ رجلًا قال بإصبعين من أصابعه؟ فقال

لا، إلّا بكفّه.

و هذه الرواية في الكافي أيضاً، في باب مسح الرأس و القدمين.

و منها: ما رواه أيضاً في الباب المذكور، في الحسن، عن ميسر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال

الوضوء واحد، و وصف الكعب في ظهر القدم.

و أورد في موضع آخر هذه الرواية بعينها بذلك السند، لكن فيه: بدل «ميسر» «ميسرة»، و بدل «واحد» «واحدة» كما في الكافي، في باب صفة الوضوء.

182

و منها: ما رواه أيضاً في الباب المذكور، عن ميسر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال

أ لا أحكي لكم وضوء رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)؟ ثمّ أخذ كفّاً من ماء فصبّها عل وجهه، ثمّ أخذ كفّاً فصبّها على ذراعه، ثمّ أخذ كفّاً آخر فصبّها على ذراعه الأخرى، ثمّ مسح رأسه و قدميه، ثمّ وضع يده على ظهر القدم، ثمّ قال: هذا هو الكعب. قال: فأومأ بيده إلى أسفل العرقوب

(4)

ثمّ قال: إنّ هذا هو الظنبوب

(5)

.

و ما يتعلق (6) بهذا البحث أيضاً، ما رواه في الباب المذكور، في الصحيح، عن زرارة و بكير ابني أعين، عن أبي جعفر (عليه السلام)، أنّه قال في المسح

تمسح على النعلين، و لا تدخل يدك تحت الشراك.

و ما رواه أيضاً في الصحيح، في الباب المذكور، عن ثعلبة بن ميمون، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)

أنّ عليّاً (عليه السلام) مسح على النعلين، و لم يستبطن الشراكين.

و رواه الفقيه أيضاً، مرسلًا، عن أبي جعفر (عليه السلام)، في باب صفة وضوء أمير المؤمنين (عليه السلام)، بأدنى تغيير.

____________

(4) في هامش نسخة «ب»: «قوله (عليه السلام):. أي أسفل العرقوب الذي أومأ إليه، و المعنى أنّه ليس.، بل إنّما الكعب ما عرفناك.، و في الصحاح: العرقوب: العصب.» العرقوب: العقب، و عقب كلّ شيء آخره (لسان العرب 1: 611).

(5) الظنوب: حرف الساق أو عظمه.

(6) في نسخة «ألف»: ينطق.

183

و ما رواه الكافي، في الحسن، في أثناء حديث الطست المنقول سابقاً في بحث مسح الرأس بمسمّاه-، من قول الراوي: ثمّ قال

و لا يدخل أصابعه تحت الشراك.

و ما رواه الكافي أيضاً، في باب مسح الرأس و القدمين، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال

توضّأ عليّ (عليه السلام)، فغسل وجهه و ذراعيه، ثمّ مسح على رأسه و على نعليه، و لم يدخل يده تحت الشراك

(2)

.

و إذ قد علمت هذا، فاعلم أنّ المحقق البهائي (ره) قد تعصّب للعلامة (ره) و تصدّى لتصحيح كلامه و دفع (4) أبحاث القوم عنه فقال: «الكعب يطلق على معان أربعة: الأوّل: العظم المرتفع في ظهر القدم، الواقع فيما بين المفصل و المشط.

الثاني: المفصل بين الساق و القدم.

الثالث: عظم مائل إلى الاستدارة، واقع في ملتقى الساق و القدم، له زائدتان في أعلاه يدخلان في حفرتي قصبة الساق، أو زائدتان في أسفله يدخلان في حفرتي العقب، و هو نأت في وسط ظهر القدم أعني وسطه العرضي و لكن نتوة غير ظاهر لحسّ البصر، لارتكاز أعلاه في حفرتي الساق.

و قد يعبّر عنه بالمفصل أيضاً، إمّا لمجاورته له، أو من قبيل تسمية الحالّ باسم

____________

(2) الشراك: أحد سيور النعل.

(4) في نسخة «ب»: رفع.

184

المحلّ.

الرابع: [أحد] الناتيين عن يمين القدم و شماله اللذين يقال لهما: المنجمان (1) و هذا المعنى الأخير هو الذي حمل أكثر العامّة الكعب في الآية عليه، و أصحابنا (رضي اللّٰه عنهم) مطبقون على خلافه.

و أمّا المعاني الثلاثة الأول فكلامهم (قدس اللّٰه أرواحهم) لا يخرج عنها، و إن كان بعض عباراتهم أشدّ انطباقاً على بعضها من بعض.

فالمعنى الأوّل: ذكره من أصحابنا اللغويين عميد الرؤساء في كتابه الذي ألّفه في الكعب، و صريح عبارة المفيد طاب ثراه منطبق عليه، فإنّه قال: «الكعبان هما: قبّتا القدمين أمام الساقين ما بين المفصل و المشط».

و المعنى الثاني: ذكره جماعة من أهل اللغة كصاحب القاموس حيث قال: «الكعب: كلّ مفصل العظام»، و الرواية الأولى (4) ظاهرة فيه، و هو المفهوم بحسب الظاهر من كلام ابن الجنيد.

و المعنى الثالث: هو الذي يكون في أرجل البقر و الغنم أيضاً و ربّما يلعب به الناس، كما قاله صاحب القاموس، و هو الذي يبحث عنه علماء التشريح، و قال

____________

(1) في هامش نسخة «ب»: «المنجمان:. عظمان.».

(4) في هامش نسخة «ب»:.

185

به الأصمعي و محمّد بن الحسن الشيباني كما نقله عنهما العامة في كتبهم، و هو الكعب على التحقيق عند العلامة (ره).

و عبّر عنه في بعض كتبه بحدّ المفصل، و في بعضها بمجمع الساق و القدم، و في بعضها بالناتي وسط القدّم، و في بعضها بالمفصل، و صبّ عبارات الأصحاب عليه.

و قال في المنتهي بعد ما فسّره بالناتي في وسط القدّم «قد تشتبه عبارة علمائنا على بعض من لا مزيد تحصيل له في معنى الكعب، و الضابط فيه ما رواه زرارة و بكير في الصحيح» ثمّ أورد الرواية الأولى.

و قال في المختلف: «يراد بالكعبين هنا: المفصل بين الساق و القدم، و في عبارة علمائنا اشتباه على غير// (121) المحصّل».

و استدل بتلك الرواية، و بأنّ استيعاب ظهر القدم كما يعطيه بعض الروايات يوجب الانتهاء إليه، و إنّما عبّر (قدّس روحه) عنه بالمفصل لموافقة الرواية، و لئلّا يشتبه بالمعنى الأوّل.

و أيضاً: فالمفصل أظهر للحسّ، و المسح إليه مسح إلى المفصل في الحقيقة، و أراد (قدس اللّٰه روحه) باشتباه عبارة علمائنا أنّها لمّا كانت مجملة بحيث

186

يحتمل المعنى الأوّل و الثالث، بل ظاهرها أقرب إلى الأوّل وقع الاشتباه فيها على غير المحصّلين، فحملوها على المعنى الأوّل.

و التحقيق يقتضي حملها على الثالث و هو الذي انطبق عليه الرواية الصحيحة، و اعتضد بكلام علماء التشريح، و شاع نسبته إلى كلّ من قال بالمسح». انتهى كلامه رفع مقامه.

ثمّ قال بعد نقل عبارات الأصحاب كما نقلنا «و لا يخفى عدم إبائها عن الانطباق على ما قاله العلامة (طاب ثراه)، فإنّه (قدس اللّٰه روحه) لا ينكر أنّ الكعب عظم نأت في وسط القدم، كيف؟ و قد فسّره بذلك في المنتهي و التذكرة و غيرهما، و لكنّه يقول: «ليس هو العظم الواقع أمام الساق بين المفصل و المشط، بل هو العظم الواقع في ملتقى الساق و القدم و هو الذي ذكره المشرّحون و غيرهم».

و أنت خبير بأنّ تنزيل عبارات الأصحاب على هذا المعنى غير بعيد.

نعم، عبارة المفيد (ره) صريحة في المعنى الأوّل، فذكره لها في المختلف في طيّ (4) هذه العبارات ليس على ما ينبغي، و لعلّه (طاب ثراه) حمل المشط في كلامه على نفس القدم، و جعل قوله: «أمام الساقين» بالنظر إلى امتداد (5) القامة، لكنّه مجمل بعيد. و اللّٰه أعلم بحقائق الأمور.

و اعلم أنّ كتب العامّة مشحونة بذكر ما ذهب إليه علماء الخاصة (رضى اللّٰه

____________

(4) في المصدر: بعض.

(5) في المصدر: امتداده.

187

عنهم) من أنّ الكعب هو ذلك العظم الواقع في ملتقى الساق و القدم، المعبّر عنه بالمفصل.

قال الفخر الرازي في تفسيره عند قوله تعالى وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ: «قالت الإماميّة و كلّ من ذهب إلى وجوب المسح: إنّ الكعب عبارة عن عظم مستدير مثل كعب البقر و الغنم موضوع تحت عظم الساق، حيث يكون مفصل الساق و القدم، و هو قول محمّد بن الحسن، و كان الأصمعي يختار هذا القول.

ثمّ قال: «حجّة الإماميّة أنّ اسم الكعب يطلق على العظم المخصوص الموجود في أرجل جميع الحيوانات، فوجب أن يكون في حقّ الإنسان كذلك، و المفصل يسمّى كعباً، و منه كعاب الرمح لمفاصله، [و في وسط القدم مفصل (1)] فوجب أن يكون هو (2) الكعب» انتهى كلامه.

و قال صاحب الكشّاف عند تفسير هذه الآية: «لو أريد المسح لقيل إلى الكعاب أو الكعب، إذ ذاك مفصل القدم و هو واحد في كلّ رجل، فإن أريد (3) كلّ واحد فالأفراد و إلّا فالجمع» انتهى كلامه.

و شبهته هذه ضعيفة، فإنّه يجوز كون التثنية بالنظر إلى كلّ (4) متوض.

____________

(1) ما بين المعقوفتين لم يرد في المصدر.

(2) لم ترد في نسخة «ألف».

(3) ورد في هامش نسخة «ب» هكذا: «أريد كلّ واحد من الرجل لا كلّ واحد من الرجلين ص».

(4) في هامش نسخة «ب»: «على ما ذهبوا إمّا أن يكون الخطاب متوجّهاً إلى كلّ واحد من المكلّفين أو الجمع، و على أيّ تقدير كالجمع، لصدقه مع. للمرافق، و لا معنى لاعتبار الرجل الواحد أصلًا أو لا. الخطاب، و أمّا على ما ذهبنا إليه فإنّ الخطاب إلى كلّ واحد؛ و. للإشعار بأنّ المطلوب ليس إلّا الإتيان، فإنّه لو أبقى بحاله و قيل الكعاب لاعترض الارتياب ص».

188

و قال النيشابوري في تفسيره: «إنّ الإماميّة و كلّ من قال بالمسح ذهبوا إلى أنّ الكعب عظم مستدير تحت عظم الساق حيث يكون مفصل الساق و القدم، و المفصل يسمّى كعباً، و منه كعوب الرماح لمفاصله».

ثمّ قال: «إنّ العظم المستدير الموضوع في المفصل الذي يقول الإماميّة شيء خفيّ لا يعرفه إلّا علماء التشريح» هذا حاصل كلامه.

و ليس الغرض من نقل كلام هؤلاء الاستدلال على أنّ مذهب أصحابنا (رضى اللّٰه عنهم) في الكعب هو ما نسبه العلامة (طاب ثراه) إليهم، فإنّه (قدس اللّٰه روحه) مصدّق في تلك النسبة غير محتاج إلى التأييد بموافقة العامّة له فيها، و تلك الرواية الصحيحة الخالية عن المعارض مساعدة له على ذلك؛ و إنّما الغرض أنّ نسبة هذا القول إلى أصحابنا (رضى اللّٰه عنهم) ممّا اشتهر بين العامّة أيضاً، و اللّٰه أعلم بحقائق الأمور». انتهى كلامه زيد إكرامه.

ثمّ قال بعد نقل التشنيعات التي أوردها الشهيدان (2) و المحقق الثاني على العلامة كما أشرنا إليه-: «و لا يخفى أنّ حاصل ما شنعوا به على العلامة (طاب ثراه) يدور إلى سبعة أمور:

الأوّل: أنّ ما ذهب إليه مخالف لما أجمع عليه أصحابنا، بل لما أجمع عليه الأمّة من الخاصّة و العامّة، و هذا [من] أقبح التشنيعات.

الثاني: أنّه مخالف للأخبار الصريحة.

الثالث أنّه مخالف لأهل اللغة، إذ لم يقل أحد منهم أنّ المفصل كعب.

____________

(2) في نسخة «ألف»: الشهيد.

189

الرابع: أنّه مخالف للاشتقاق من كعب إذا ارتفع.

الخامس: أنّه زعم أنّ عبارات الأصحاب تنطبق على ما ادّعاه، مع أنّها ناطقة بما يخالف دعواه غير قابلة للتأويل.

السادس: أنّ الكعب في ظهر القدم، و المفصل الذي ادعى أنّه الكعب ليس في ظهر القدم.

السابع: أنّ قوله بوجوب استيعاب ظهر القدم بالمسح، مخالف للنص و الإجماع، فكيف جعله دليلًا على وجوب إيصال المسح إلى المفصل؟.

و الجواب عن الأوّل: أنّ إجماع أصحابنا (رضى اللّٰه عنهم) إن تحقّق فإنّما يتحقق على أنّ الكعب عظم نأت في ظهر القدم عند معقد الشراك، و العلامة (طاب ثراه) قائل به و مصرّح بذلك في كتبه-، كما تلوناه عليك قبيل هذا-، و تحقّق الإجماع على ما وراء ذلك ممّا ينافي كلامه، ممنوع.

و عن الثاني: أنّه لا خبر في هذا الباب أصرح من خبر الأخوين، و عدم مخالفته لكلامه (قدس اللّٰه روحه) لا يخفى على المتأمّل (2).

و العجب من شيخنا الشهيد (طاب ثراه) كيف أهمله عند ذكر دلائل العلامة، مع أنّه أقوى دلائله؟

و أمّا الأخبار المتضمنة لكون الكعب في ظهر القدم، فظاهر أنّها لا تخالف كلامه، فإنّ الكعب واقع عنده في ظهر القدم غير خارج عنه، على أنّ قول ميسّرة بضم الميم و فتح الياء المثناة التحتانية و كسر السين المهملة المشدّدة، في الحديث

____________

(2) في المصدر: المشهور.

190

الثالث أنّ الباقر (عليه السلام) وصف الكعب في ظهر القدم يعطي أنّ الإمام (عليه السلام) ذكر للكعب أوصافاً ليعرفه الراوي بها، و لو كان الكعب هذا الارتفاع المحسوس المشاهد لم يحتج إلى الوصف، بل كان ينبغي أن يقول هو هذا.

و قس عليه قوله (عليه السلام) في الحديث الأوّل-: «هيهنا» بالإشارة إلى مكانه، دون الإشارة إليه.

و عن الثالث: أنّ صاحب القاموس و غيره صرّحوا بأنّ المفصل يسمّى كعباً كما مرّ، و ما ذكره صاحب الصحاح من أنّ الكعب هو العظم الناشز (3) عند ملتقى الساق و القدم، لا ينافي كلامه (طاب ثراه). و كذا ما ذكره صاحب القاموس من أنّ الكعب هو العظم الناشز (5) فوق القدم.

و عن الرابع: أنّ دعوى المخالفة غير مسموعة، و حصول الارتفاع فيما قاله ظاهر.

و عن الخامس: أنّ كون تلك العبارات ناطقة بخلاف ما ادّعاه ممنوع، و تطبيقها عليه غير محتاج إلى التأويل.

نعم، تطبيق عبارة المفيد (ره) على ذلك محتاج إلى ضرب من التأويل، كما مرّ.

____________

(3) في المصدر: العظم الناتي.

(5) في المصدر: الناتي.

191

و عن السادس: بما مرّ في الجواب عن الثاني.

و عن السابع: أنّ المخالف للنص و الإجماع إنّما هو القول بوجوب استيعاب كلّ ظهر القدم طولًا و عرضاً، و العلامة غير قائل به، بل نقل الإجماع على خلافه، قال في المنتهي:

«لا يجب استيعاب الرجلين بالمسح، بل الواجب من رؤوس الأصابع إلى// (122) الكعبين و لو بإصبع واحدة، و هو مذهب علمائنا أجمع».

و إنّما قال (طاب ثراه) بوجوب استيعاب الطولي، أعني إيصال خط المسح من رؤوس الأصابع إلى الكعب، على أن يكون الكعب داخلًا في الممسوح، و هذا ممّا لم ينعقد إجماع على خلافه». انتهى كلام المحقق البهائي في هذا المقام.

و لنبيّن الآن بتوفيق اللّٰه تعالى ما هو الظاهر بحسب نظرنا القاصر، بحسب ما يستفاد من الأخبار و كلام القوم (رحمهم اللّٰه) و كلام أهل اللغة.

اعلم أنّه لا يشك من به أدنى مسكة أنّ كلام الأصحاب صريح في أنّ الكعب هو العظم الناشز في الوسط الطولي من الرجل، لوصفهم إيّاه بالنتو، و كونه في وسط القدم و معقد الشراك؛ إذ لا نتو لغيره و ليس غيره معقد الشراك و كذا التوسط. و حمله على التوسّط العرضي بعيد جدّاً، خصوصاً مع انضمامه بالوصفين الأخيرين.

و ما ذكر من أنّ العظم الذي في المفصل أيضاً له نتو و ارتفاع فلا يخفى ما فيه، لأنّ النتو الذي لا يظهر للحس لا يمكن حمل الكلام عليه، كيف؟ و هذا العظم ممّا

192

لا يعرفه إلّا علماء التشريح، فإرادة القوم إيّاه من هذه العبارات الظاهرة في معنى آخر بلا تفسير و توضيح له ممّا لا يقبله الطبع السليم.

و أيضاً: قد اعترف هذا القائل بأنّ كلام المفيد (ره) صريح في أنّ المراد العظم الناشز في الوسط الطولي، و الحال أنّ الشيخ (ره) في التهذيب ادّعى الإجماع منّا على أنّ الكعب بالمعنى الذي أورده المفيد (ره).

و أيضاً: إطلاق الكعب على هذا المعنى، لم نجده في كلام أهل اللغة و كتبهم المشهورة من النهاية و الصحاح و القاموس و المغرب و المجمل، بل إنّما هو في كلام أهل التشريح.

و ما ذكره المحقق المذكور من نسبة هذا الإطلاق إلى القاموس فغير ظاهر، بل الظاهر أنّ المراد من قوله في أثناء تفسير الكعب «و الذي يلعب به كالكعبة»: كعب النرد، لا ما فهمه (ره) على محاذاة ما ذكره صاحب النهاية، حيث قال: «الكعاب: فصوص النرد، واحدها كعب و كعبة، و اللعب بها حرام».

و لا شكّ أنّه إذا لم يكن هذا الإطلاق في كلام أهل اللغة، فحمل الكعب عليه خطاء و إن كان موافقاً لكلام أهل التشريح، لأنّ بناء الكتاب و السنة على اللغة و العرف و الاصطلاح الشرعي إن كان-، لا على اصطلاحات الخاصة غير الشرع.

و لو تنزّلنا عن صراحة العبارات في هذا المعنى و عدم قبول التأويل فلا خفاء في ظهورها فيه، فما الحاجة إلى ارتكاب خلاف الظاهر.

193

و التأويل فإن كان الباعث حديث الأخوين فسنذكر إن شاء اللّٰه تعالى ما يدفع المنافاة و يظهر منه انطباقه على ظاهر العبارات.

و إن كان نسبة بعض المخالفين خلافه إلى علمائنا من الإمام و صاحب الكشف و النيشابوري كما أورده المحقق المذكور ففيه: أنّ كلامهم لا يصلح للاعتماد و التعويل و لا اطلاع لهم على مذاهب الخاصة، أ لا ترى أنّ صاحب النهاية الذي هو أعرف منهم بأمثال هذه الأمور قد نسب إلى الشيعة ما هو الظاهر من عباراتهم؟.

قال في النهاية: «الكعبان: العظمان الناتيان عند مفصل الساق و القدم عن (1) الجنبين، و ذهب قوم إلى أنّهما العظمان اللذان في ظهر القدم و هو مذهب الشيعة، و منه قول يحيى بن الحرث: «رأيت القتلى يوم زيد بن علي فرأيت الكعاب (2) في وسط القدم».

هذا إن حمل كلام العلامة (ره) على أنّ مراده أنّ الكعب الوارد في الكتاب و السنّة هذا العظم الواقع في الملتقى، و صبّ عبارات الأصحاب عليه.

و إن حمل على أنّ مراده أنّ الكعب الوارد فيهما بمعنى المفصل، و حمل عبارات القوم عليه بأن جعل تفسيرهم إيّاه بالعظم الواقع في الملتقى من باب إطلاق الحالّ على المحلّ، ففيه بعد ما ذكرنا-: أنّ كلامهم لا يحتمل ذلك العظم أنّه أيّ شيء دعاهم إلى تفسير المفصل الظاهر عند كلّ أحد بالعظم الذي يخفى

____________

(1) في نسخة «ألف و ب»: على.

(2) في نسخة «ألف»: الكعبان.

194

على كثير من الناس؟

و أيضاً: إطلاق الكعب على المفصل ممّا لم يشتهر بين أهل اللغة، و إنّما رأيناه في كلام القاموس فقط، و لعلّه إنّما استنبطه من كعوب الرمح للنواشز في أطراف الأنابيب. و ليس بجيّد، لأنّ إطلاق الكعب عليه ليس باعتبار كونه مفصلًا، بل باعتبار النشوز و الارتفاع، و اللّٰه أعلم.

و أيضاً: ما الدليل على الحمل على ذلك المعنى المخالف للمشهور؟ فإن كان الحديث فسنذكر الحال فيه، و إن كان كلام المخالفين فلا عبرة به كما عرفت.

فإن قلت: لعلّ الداعي إلى هذا الحمل كلام ابن الجنيد، لأنّه صريح في أنّه المفصل، كما تقدم.

قلت: صراحته فيه بل ظهوره أيضاً ممنوع، لاحتمال أن يكون الضمير في قوله: «و هو المفصل الذي قدّام العرقوب» راجعاً إلى عظم الساق و يكون المراد: أنّه عند المفصل، بقرينة سابق كلامه: «أنّ الكعب في ظهر القدم».

و لو سلّم ظهوره في المفصل فلا وجه لارتكاب خلاف الظاهر بل الصريح في الكتاب و السنة و كلام كثير من الأصحاب بمجرد كلام ابن الجنيد (ره).

هذا ما يستفاد بالنظر إلى اللغة و كلام الأصحاب، و لنذكر ما يستفاد بالنظر إلى الروايات، فنقول: لا يخفى عليك أنّ صحيحة أحمد بن محمّد بن أبي نصر المتقدمة، ظاهرة بل صريحة في العظم الناشز في الوسط الطولي، و لا مجال للكلام

195

فيه، و إنكاره مكابرة؛ و حسنة ميسر أيضاً ظاهرة فيه، كما يحكم به الوجدان و إن لم يكن بمنزلة الصحيحة.

و ما ذكره هذا المحقق [المذكور (1)] من قوله: «على أنّ قول ميسّرة» إلى آخره فضعيف جدّاً، إذ المراد من وصفه (عليه السلام) الكعب في ظهر القدم بيانه (عليه السلام) أنّ الكعب هو ظهر القدم، لا أنّه (2) (عليه السلام) ذكر له أوصافاً ليعرفه الراوي و هو ظاهر.

و أمّا الرواية الأخرى من ميسر فأظهر في المراد من أخته كما لا يخفى.

و أمّا الثلاثة الأخرى الدالّة على عدم وجوب دخول الإصبع تحت الشراك فدلالتها أيضاً على هذا المعنى ظاهرة، لأنّ الشراك غالباً إنّما يعقد أسفل من المفصل.

إلّا أن يناقش فيها بأنّها لا دلالة لها على أنّ الكعب دون المفصل، لجواز أن يكون الكعب هو المفصل لكن لم يجب الاستيعاب الطولي، لكن يمكن إلزامها على العلامة (ره) حيث قال بوجوب الاستيعاب الطولي، كما اعترف به ذلك المحقق أيضاً في آخر كلامه، مع أنّ الظاهر أنّ أحداً لم يقل بعدم وجوب الاستيعاب الطولي، و سيأتي تفصيل القول فيه إن شاء اللّٰه تعالى.

و أمّا صحيحة الأخوين التي تمسّك بها العلامة (ره) فهي و إن كان يتراءى

____________

(1) أثبتنا الزيادة من نسخة «ألف».

(2) في نسخة «ألف»: لأنّه.

196

منها في بادي النظر أنّ الكعب هو المفصل، لكن عند التأمّل يظهر خلافه، نظراً إلى الصحيحة التي في الكافي، من قوله (عليه السلام)

و الكعب أسفل من ذلك

كما نقلنا.

و ذلك لأنّ قوله (عليه السلام)

هذا عظم الساق

على ما في التهذيب أو

من عظم الساق

على ما في الكافي، إمّا إشارة إلى المنجم أو المنتهي عظم الساق.

فإن كان الأوّل: فهو عند المفصل كما نقلنا من النهاية أيضاً فحكمه (عليه السلام) بأنّ الكعب أسفل منه ظاهر في أنّه المعنى المعروف، و إن كان الثاني: فالأمر أوضح.

فعلى هذا ظهر أنّه يجب حمل قوله: «هيهنا يعني المفصل» على أنّه أشار إلى قريب من المفصل، لئلا يلزم التناقض.

فإن قلت: يمكن حمل قوله (عليه السلام)

أسفل من ذلك

على التحتية أو نحوها، فلا يلزم// (123) التناقض لو لم يرتكب التأويل في الأوّل.

قلت: التأويل الثاني أبعد من الأوّل و لا أقلّ من مساواتهما، فلم يبق للرواية ظهور في المدّعى، سلّمنا ظهورها فيه فلتحمل على التجوز و التأويل، جمعاً بينها و بين ما ذكرنا من المعارضات مع كثرتها و اعتضادها بالأصل، و عند هذا ظهر حال ما قاله المحقق المذكور من أنّ هذه الرواية الصحيحة الخالية عن المعارض مساعدة

197

للعلامة.

و لا يخفى ضعف ما قاله أيضاً، من أنّ قوله (عليه السلام) في هذا الخبر: «هيهنا» بالإشارة إلى مكان الكعب دون الإشارة إليه يعطي أنّه العظم المخفيّ لا الناتي ظهر القدم؛ فتدّبر.

فخلاصة القول على ما قرّرنا أنّ الظاهر أنّ الكعب هو: العظم الناتي في (1) وسط القدم، و أنّ ما ذكره العلامة (ره)، و تبعه المصنف (ره) في الرسالة، و المقداد في الكنز ممّا لا وجه له ظاهراً.

نعم، الاحتياط في الأخذ بقولهم، للخروج عن عهدة الخلاف.

و يحتمل أن يكون المصنف (ره) أيضاً حكم في الرسالة بهذا المعنى، رعاية للاحتياط كما يشعر به كلامه في البيان لا أنّه رجّحه و قوّاه، كيف؟ و قد شنع كثيراً في الذكرى على هذا القول، و اللّٰه أعلم بحقائق أحكامه.

و أمّا الثالث: و هو تحديد المسح، فقد ذكرنا سابقاً أنّ الإجماع منعقد على أنّ المسح بالظاهر دون الباطن.

ثمّ الظاهر من كلام المحقّق في المعتبر أنّ استيعاب الظاهر أيضاً عرضاً ممّا لا يجب إجماعاً، بل يكفي المسح و لو بإصبع واحدة، قال فيه: «و لا يجب استيعاب الرجلين بالمسح، بل يكفي المسح من رؤوس الأصابع إلى الكعبين و لو بإصبع واحدة، و هو إجماع فقهاء أهل البيت (عليهم السلام)».

____________

(1) لم ترد في «ألف و ب».

198

و كذا قال العلامة في التذكرة، لكن قال بعد ذلك بأسطر: «و يستحب أن يكون بثلاث أصابع مضمومة، و قال بعض علمائنا: يجب»، و هو بظاهره منافٍ لسابقه.

إلّا أن يقال: إنّ الإجماع الذي ادّعاه إنّما هو على مجرّد عدم وجوب الاستيعاب، لا على كفاية إصبع واحدة أيضاً:

فهاهنا مقامان: وجوب الاستيعاب و عدمه، و وجوب مقدار ثلاث أصابع مضمومة و عدمه.

أمّا الأوّل: فقد عرفت دعوى الإجماع على العدم، و يدلُّ عليه أيضاً: صحيحتا زرارة و بكير، المنقولتان في بحث مسح الرأس بمسمّاه عن التهذيب، و حسنتهما المنقولة عن الكافي.

فأمّا صحيحة أحمد بن محمّد بن أبي نصر المتقدمة آنفاً الدالّة على الاستيعاب فمحمولة على الاستحباب جمعاً.

فإن قلت: لِمَ لا تقيّد الروايات المطلقة بهذه الرواية؟

قلت: أمّا أوّلًا: فلعدم ظهورها في الوجوب.

و أمّا ثانياً: فلدعوى الإجماع على خلافها.

199

و أمّا ثالثاً: فلكثرة الروايات و اعتضادها بالأصل.

و قس عليه أيضاً: ما رواه التهذيب، في زيادات صفة الوضوء، في الحسن، عن عبد الأعلى مولى آل سام، قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): عثرت فانقطع ظفري فجعلت على إصبعي مرارة، فكيف أصنع بالوضوء؟ فقال

يعرف هذا و أشباهه من كتاب اللّٰه عزّ و جلّ، قال اللّٰه تعالى

مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ

امسح عليه.

و هذه الرواية في الكافي أيضاً، في باب الجبائر.

و يمكن أن يحمل أيضاً على ظفر اليد أو جميع الأظفار، لكنّه بعيد.

و أمّا الثاني: فالظاهر فيه أيضاً عدم الوجوب، للروايات المتقدمة، و لظاهر الإجماع المنقول عن المعتبر.

و احتج على الوجوب بالصحيحة المذكورة. و فيه ضعف؛ لعدم دلالتها على مرادهم، بل لا بدّ من حملها على مرادهم من ارتكاب تخصيص فيها، و هي ليس بأولى من حملها على الندب مجازاً، على تقدير تسليم ظهورها في الوجوب.

و برواية معمّر بن عمر المتقدمة في البحث المذكور أيضاً، و الجواب بعد القدح في السند: بحملها على الاستحباب للجمع.

و بما ذكرنا يمكن استنباط الحال في وجوب المسح بالإصبع و إجزاء ما دونها؛ فتدّبر.

200

و الاحتياط في المسح بجميع الكفّ، للصحيحة و الحسنة المتقدمتين.

هذا كلّه بالنظر إلى استيعاب العرضي، أمّا الاستيعاب الطولي فقد تردّد فيه المحقق في المعتبر، ثمّ رجّح وجوب الاستيعاب بقوله تعالى إِلَى الْكَعْبَيْنِ، فلا بدّ من الإتيان بالغاية. و كذا قال العلامة في التذكرة.

و لا يخفى أنّ هذا الاستدلال إنّما يتمّ (3) لو كانت الغاية للمسح، و أمّا إذا كانت للممسوح فلا»، فحينئذٍ الظاهر بالنظر إلى الروايات المتقدمة، جواز المسح بأيّ جزء كان (4) من ظاهر الرجل، سواء ابتدئ من الأصابع أو لا، و سواء انتهى إلى الكعب أو لا، لكن لم نقف على قول من الأصحاب به.

فالأولى متابعة ما اشتهر بينهم، خصوصاً مع اعتضاده بالحسنة المنقولة آنفاً، و إشعار «ما» أيضاً في الآية به.

ثمّ الكلام في دخول الكعبين في المسح و عدمه كالكلام في المرفقين، فقس عليه.

و استدل المعتبر على عدم وجوب الدخول بصحيحة زرارة و بكير المتقدمة المتضمّنة لعدم وجوب إدخال اليد تحت الشراك، و لك بما ذكرنا سابقاً في المرفق غنية عن تفصيل القول هيهنا.

و لا يخفى أنّه على تقدير كون الكعب العظم الناشز بتمامه و اعترف بدخوله

____________

(3) في نسخة «ألف»: يصح.

(4) لم ترد في نسخة «ألف».