مشارق الشموس في شرح الدروس - ج2

- الشيخ آقا حسين الخوانساري المزيد...
534 /
201

في المسح يرتفع الخلاف بين العلامة (ره) و الجمهور.

[يجب المسح بالبلّة الغالبة على رطوبتهما]

بالبلّة الغالبة على رطوبتهما إن كانت، أي إن كانت رطوبة.

هيهنا حكمان:

أحدهما: وجوب المسح بالبلّة.

و ثانيهما: ببلّة غالبة على رطوبة الرجلين.

أمّا الأوّل: فقد مرّ في بحث مسح الرأس بالبلّة و عدم جواز الاستيناف ما يمكن أن يستنبط منه حال مسح الرجلين.

و قد بقي رواية متعلّقة بالرجلين لم نوردها هناك فلنورد هيهنا، و هي: ما رواه التهذيب، في باب صفة الوضوء، في الصحيح، عن معمّر بن خلّاد، قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام)، أ يجزي الرجل أن يمسح قدميه بفضل رأسه؟ فقال

برأسه لا، فقلت: أ بماءٍ جديد؟ فقال: برأسه نعم.

و هذا ممّا لا كلام في عدم العمل بظاهره، لمخالفته للأخبار الكثيرة المتظافرة التي كادت أن تبلغ مبلغ التواتر، لكنّ الكلام في أنّه على ما يحمل؟ و بأيّ شيء يأوّل؟ لأنّه لصحّته لا ينبغي طرحه بالكلية، فالشيخ (ره) في التهذيب حمله على التقية.

و أورد عليه أنّ العامّة لم يقولوا بمسحهما لا ببقيّة البلل و لا بماءٍ جديد، فكيف يحمل على التقية؟

و أجيب بأنّهم يجوّزون إطلاق المسح على الغسل، فيمكن تنزيل الكلام على

202

ما يوافق زعمهم.

و ردّ بأنّ ما تضمّنه الحديث من المسح بفضل الرأس يأبى هذا التنزيل.

و أنت خبير بأنّ الإباء غير ظاهر، إذ لا بعد في أن يقال: سأل أوّلًا عن المسح ببقيّة البلل، فلمّا لم يجوّزه سأل عن المسح بالماء الجديد كناية عن الغسل، فأجازه تقيّة، بل يمكن أن لا يقدّر المسح في الكلام بل يقال: تقدير ما يغسل بماء جديد و قيل تنزيله على مسح الخفّين أولى.

و فيه بعد، و الأولى أن يقال في توجيه الحمل على التقية: إنّ العامّة كما عرفت مختلفون، فبعضهم يقولون بالتخيير بين الغسل و المسح، و بعضهم بوجوبها معاً، و بعضهم بوجوب الغسل وحده// (124).

فالفرقتان الأولى ان يمكن أن يقولا بلزوم الماء الجديد في المسح، كما يقولون بلزومه في مسح الرأس، و على هذا فالحمل على التقية موجّه، لموافقته لمذهب فريقين منها.

قال المحقّق البهائي (ره) في توجيه هذا الخبر، في الحبل المتين: «و الذي ما زال يختلج بخاطري أنّ إيماءه (عليه السلام) برأسه نهى لمعمّر بن خلّاد عن هذا السؤال، لئلّا يسمعه المخالفون الحاضرون في المجلس فإنّهم كانوا كثيراً ما يحضرون مجالسهم (عليهم السلام)، فظنّ معمّر أنّه (عليه السلام) إنّما نهاه عن المسح ببقيّة البلل فقال: أ بماءٍ جديد؟ فسمعه الحاضرون فقال (عليه السلام): برأسه نعم. و مثل هذا يقع في المحاورات كثيراً» انتهى كلامه.

203

و فيه نظر، لأنّ ما ذكره من التوجيه مع بعده لا يكاد ينفع فيما هو محل الإشكال، إذ ظاهر أن لا إشكال في الجزء الأوّل من الخبر، لإمكان حمله على ظاهره من باب التقية لموافقته لمذاهب العامة جميعاً كما هو الظاهر أو أكثرها؛ إنّما الإشكال في الجزء الأخير. و هذا التوجيه لا ينفع في تصحيحه أصلًا.

و أمّا الثاني: فقد اختلف فيه، فذهب ابن الجنيد و ابن إدريس و المحقق إلى جواز المسح على الرجلين مع كونهما رطبتين، سواء كانت رطوبتهما أنقص من رطوبة اليد أو لا.

قال ابن إدريس: « [و] من كان قائماً في الماء توضّأ ثمّ أخرج رجليه من الماء و مسح عليهما، من غير أن يدخل يده في الماء فلا حرج عليه».

و قال ابن جنيد: «من تطهّر إلّا رجليه فدهمه أمر احتاج معه إلى أن يخوض بهما نهراً، مسح يديه عليهما و هو في النهر إن تطاول خوضه و خاف جفاف ما وضّأه من أعضائه، و إن لم يجف كان مسحه [إيّاهما] بعد خروجه أحبّ إليّ و أحوط».

و قال المحقق في المعتبر: «لو كان في ماء و غسل وجهه و يديه و مسح برأسه و رجليه جاز».

و عبارة المحقق يحتمل وجهين: تجويزه المسح في الماء، كما ذهب إليه ابن الجنيد؛ و المسح بعد خروجه، كما هو رأي ابن إدريس.

204

و بالجملة: يظهر من كلام الثلاثة تجويز المسح مع الرطوبة، أعمّ من أن يكون غالبة على بلّة اليد أو مغلوبة.

و نقل العلامة (ره) عن والده في المنتهي و المختلف القول بالمنع، و مال إليه في المختلف.

حجّة الجواز: صدق الامتثال، و تناول إطلاق الآية و الأخبار، و أنّ اليد لم ينفكّ عن ماء الوضوء فلم يضرّه ما كان على القدمين من الماء.

و قال المصنف في الذكرى: «و كان ابن الجنيد قال به، بناء على مذهبه من جواز الاستيناف».

و فيه نظر، لأنّ قوله بجواز الاستيناف إنّما هو حال جفاف اليد لا مطلقا كما تقدم.

و احتج العلامة في المختلف على المنع بأنّ المسح يجب بنداوة الوضوء و يحرم التجديد، و مع رطوبة الرجلين يحصل المسح بماء جديد.

و الظاهر القول الأوّل، لما علمت سابقاً من عدم دليل تامّ على عدم جواز الاستيناف سوى التمسك بالشهرة أو (5) الإجماع، و هما منتفيان هيهنا، فينبغي القول بالجواز، لصدق الامتثال.

ثمّ إنّ الظاهر من كلام المصنف (ره) في هذا الكتاب اشتراط غلبة رطوبة اليد

____________

(5) في نسخة «ألف»: و.

205

على رطوبة الرجل، و قال في الذكرى بعد نقل كلام المجوّزين و العلامة: «نعم، لو غلب ماء المسح رطوبة الرجلين ارتفع الإشكال، و بالجملة ما ذكروه قويّ و ما ذكره أحوط» انتهى.

و هذا يدل على تجويزه المسح على الرطوبة، سواء كانت رطوبة اليد غالبة أو لا.

نعم، في صورة الغلبة يكون التجويز عنده أظهر و يرتفع في نظره الإشكال، و الظاهر التجويز مطلقا بدون اشتراط الغلبة، لما عرفت.

و اعترض المحقق الثاني على قوله: «بارتفاع الإشكال عند غلبة الرطوبة»، بأنّ التعليل المذكور إنّما يقتضي بقاء الإشكال حينئذٍ أيضاً، و كان نظر المصنف إلى أنّ في صورة الغلبة لا يصدق عليه المسح بالماء الجديد عرفاً و إن صدق عليه لغة.

هذا، و الاحتياط أن راعى الجفاف مهما أمكن.

[و لا يجزي النكس على الأولى]

و لا يجزي النكس على الأولى.

المشهور بين الأصحاب جواز النكس، و هو مختار الشيخ و ابن أبي عقيل و سلّار و ابن البرّاج و المحقق، و العلّامة في جملة من كتبه.

و ذهب ابن إدريس إلى عدم جوازه، و هو الظاهر من كلام ابن بابويه

206

و المرتَضى (رحمهم اللّٰه) أيضاً.

و الظاهر المشهور، لصحيحة حمّاد المتقدمة في جواز النكس في مسح الرأس.

و لما رواه التهذيب، في باب صفة الوضوء، عن يونس قال

أخبرني من رأى أبا الحسن (عليه السلام) بمنىٰ يمسح ظهر قدميه من أعلى القدم إلى الكعب، و من الكعب إلى أعلى القدم.

و هذه الرواية في الكافي أيضاً، في باب مسح الرأس و القدمين، و زاد فيه بعد ما ذكرنا

و يقول: الأمر في مسح الرجلين موسّع، من شاء مسح مقبلًا و من شاء مسح مدبراً، فإنّه من الأمر الموسّع إن شاء اللّٰه تعالى.

و يرد عليه: أنّه يمكن أن يكون المراد بالمسح من أعلى القدم إلى الكعب، و من الكعب إلى أعلى القدم مسح القدم ظاهراً و باطناً تقيّة، كما ورد في مرفوعة أبي بصير، و رواية سماعة المتقدمتين؛ لا أن يكون المراد: المسح تارة مقبلًا و تارة مدبراً كما هو المدّعى، مع أنّ الرواية ضعيفة بالإرسال.

و يندفع الإيراد بالزيادة التي نقلنا من الكافي، كما لا يخفى.

نعم، ما ذكره من الإرسال متّجه، لكن لا يدفع تأييدها للرواية السابقة، إنّما يدفع كونها حجّة مستقلّة.

207

و يؤيّد جواز النكس رواية سماعة (1) المتقدمة، المتضمّنة لمسح القدم ظاهراً و باطناً.

حجّة المانعين: قوله تعالى إِلَى الْكَعْبَيْنِ.

و فيه: أنّ الغاية يجوز أن يكون للمسوح لا المسح.

و الروايات المتضمّنة لفعلهم (عليهم السلام) كذلك.

و فيها أيضاً: ما مرّ غير مرّة، و أمر الاحتياط واضح.

[و لا تقديم اليسرى على اليمنى و لا مسحهما معاً احتياطاً]

و لا تقديم اليسرى على اليمنى، و لا مسحهما معاً احتياطاً.

قال العلامة في المختلف

المشهور بين علمائنا سقوط وجوب ترتيب المسح بين الرجلين، بل يجوز مسحهما دفعة واحدة بالكفّين و مسح اليمنى قبل اليسرى، و بالعكس.

و قال سلّار: «يجب مسح اليمنى قبل اليسرى» قال: «و في أصحابنا من

(3)

لا يرى بين الرجلين ترتيباً».

و قال ابن أبي عقيل عقيب ذكر ترتيب الأعضاء: «و كذا إن بدأ فمسح رجله اليسرى قبل اليمنى، رجع فبدأ باليمنى ثمّ أعاد على اليسرى».

و قال ابن الجنيد: «لو بدأ بيساره على يمينه في اليد أو في الرجل رجع على يساره بعد يمينه، و لا يجزيه إلّا ذلك».

[و] قال ابن بابويه: «يبدأ بالرجل اليمنى [في المسح] قبل اليسرى»،

و كذا قال

____________

(1) لم ترد في نسخة «ألف».

(3) لم ترد في نسخة «ألف».

208

ولده أبو جعفر انتهى.

و قال المصنف في الذكرى

و في كلام بعضهم يجوز مسحهما معاً لا تقديم اليسرى

انتهى.

و الظاهر من المذاهب ما هو المشهور، لإطلاق الأوامر، و صدق الامتثال.

و احتج على وجوب الترتيب بالوضوء البياني، و قد عرفت ما فيه.

و بما رواه الكافي، في باب مسح الرأس، في الحسن، عن محمّد بن مسلم، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) [في حديث]، قال: و ذكر المسح فقال

امسح على مقدّم رأسك و امسح على القدمين، و ابدأ بالشّق الأيمن.

و فيه بعد المناقشة في السند: أنّ الأمر لا ظهور له في الوجوب كما مرّ مراراً سيّما مع شهرة خلافه بين الأصحاب.

نعم، الاستحباب مسلّم بهذه الرواية، و القول بالتفصيل الذي في الذكرى لم نقف له على مستند،// (125) و الاحتياط كما ذكره المصنف في رعاية الترتيب، و اللّٰه أعلم.

[و المقطوع يمسح على ما بقي و لو استوعب سقط]

و المقطوع يمسح على ما بقي، و لو استوعب (4) سقط، و استحب المسح على موضع القطع.

حال الحكم الأوّل و الثاني معلوم ممّا سبق في قطع اليد، و أمّا الحكم الثالث فلم نجده في كلام الأصحاب، و ليس في الروايات أيضاً ما يدل عليه، سوى ما رواه

____________

(4) في الأصل: لو أوعب.

209

الفقيه مرسلًا، في باب حدّ الوضوء، حيث قال بعد نقل الرواية التي نقلناه عنه في باب قطع اليد: «و كذلك روى في قطع الرجل».

و هو مع إرساله لا يخلو من إجمال أيضاً، فالحكم بمجرّده مشكل، و بعض الأبحاث التي سبقت في قطع اليد جارٍ هيهنا أيضاً، فعليك بالمقايسة.

[و لا يجزى المسح على حائل من خفّ أو غيره إلّا لتقية أو ضرورة]

و لا يجزى المسح على حائل من خفّ أو غيره، إلّا لتقية أو ضرورة.

عدم إجزاء المسح على الحائل بدون ضرورة ممّا انعقد عليه إجماعنا، و خالف فيه العامّة، و يدلُّ عليه مضافاً إلى الإجماع: عدم صدق الامتثال، و الأخبار الكثيرة المتظافرة.

منها: ما رواه التهذيب، في باب صفة الوضوء، في الزيادات، في الصحيح، عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام)، أنّه سئل عن المسح على الخفّين و على العمامة؟ فقال

لا تمسح عليهما.

و منها: ما رواه أيضاً في هذا الباب، في الصحيح، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سمعته يقول

جمع عمر بن الخطّاب أصحاب النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و فيهم علي (عليه السلام)، و قال: ما تقولون في المسح على الخفّين؟

فقام المغيرة بن شعبة فقال: رأيت رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) يمسح على الخفّين.

فقال علي (عليه السلام): قبل المائدة أو بعدها؟ فقال: لا أدرى، فقال علي

210

(عليه السلام): سبق الكتاب الخفّين، إنّما أنزلت المائدة قبل أن يقبض بشهرين أو ثلاثة.

و منها: ما رواه أيضاً في هذا الباب، في الصحيح، عن الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن المسح على الخفّين؟ فقال

لا تمسح، و قال: إنّ جدّي قال: سبق الكتاب الخفّين.

و منها: ما رواه أيضاً في هذا الباب، عن أبي بكر الحضرمي قال: سألته عن المسح على الخفّين و العمامة؟ فقال

سبق الكتاب الخفّين، و قال: لا تمسح على خفّ.

و منها: ما رواه أيضاً في هذا الباب، عن رقبة بن مصقلة قال: دخلت على أبي جعفر (عليه السلام)، فسألته عن أشياء فقال

إنّي أراك ممّن يفتي في مسجد العراق، فقلت: نعم، فقال لي: من أنت؟ فقلت: ابن عمّ لصعصعة، فقال: مرحباً بك يا ابن عمّ صعصعة.

فقلت له: ما تقول في المسح على الخفّين؟ فقال: كان عمر يراه ثلاثاً للمسافر، و يوماً و ليلة للمقيم، و كان أبي لا يراه في سفر و لا حضر، فلمّا خرجت من عنده فقمت على عتبة الباب، فقال لي: أقبل يا ابن عمّ صعصعة فأقبلت عليه، فقال: إنّ القوم كانوا يقولون برأيهم، فيخطؤون و يصيبون، و كان أبي لا يقول برأيه

، إلى غير ذلك من الأخبار، و سيجيء بعض منها أيضاً.

211

و أمّا جواز المسح على الحائل للتقيّة أو الضرورة كالبرد و شبهه، فممّا نطق به كلام الأصحاب، و لم نجد مخالفاً له.

و استدل عليه: بما رواه التهذيب، في الباب المذكور، عن أبي الورد قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): إنّ أبا ظبيان حدّثني أنّه رأى عليّاً (عليه السلام) أراق الماء ثمّ مسح على الخفّين، فقال

كذب أبو ظبيان، أما بلغكم قول علي (عليه السلام) فيكم: سبق الكتاب الخفّين؟ فقلت: هل فيها رخصة؟ فقال: لا، إلّا من عدوّ تتّقيه أو ثلج تخاف على رجليك

؛ و بانتفاء الحرج و الضرر في الدين.

و اعترض عليه: بأنّ أبا الورد مجهول فلا يعتد بما رواه. و لزوم الحرج و الضرر بدون المسح على الحائل ممنوع، لجواز اندفاعه بالانتقال إلى التيمم، بل هو الظاهر بالنظر إلى ما يقتضيه الدليل، إذ عند تعذّر جزء من (2) الوضوء يسقط التكليف به رأساً، لانتفاء الكلّ عند انتفاء الجزء لأنّه تكليف واحد، و عند سقوط التكليف به ينتقل الفرض إلى التيمم.

و أمّا التكليف بالأمر الآخر الذي جزؤه المسح على الحائل، فلا بدّ له من دليل، و لا دليل سوى رواية أبي ورد، و قد عرفت عدم صلاحيتها للاعتماد.

و يمكن أن يقال: هب، إنّ التكليف الذي ثبت عندنا بالوضوء قد سقط هيهنا لتعذر جزئه، لكن لا نسلّم أنّه حينئذٍ ينتقل الفرض إلى التيمم، لأنّه معلوم الاشتراط بشرط لا يعلم تحقّقه حينئذٍ (4)، و عند الشك في تحقّق الشرط يكون

____________

(2) في نسخة «ألف»: جزء الوضوء.

(4) لم ترد في نسخة «ألف».

212

وجوب المشروط مشكوكاً، فلا يلزم انتقال الفرض إلى التيمم.

غاية ما في الباب: أنّ في هذه الصورة نعلم بالإجماع أنّ ترك الوضوء المشتمل على المسح على الحائل و التيمم معاً مستلزم (1) للعقاب، فلا بدّ من الإتيان بأحدهما، و حينئذٍ لا يخلو إمّا أن يقال بوجوب تحصيل اليقين بالبراءة في أمثال هذه الصورة بالإتيان بالأمرين معاً، أو يكتفي بأحدهما كما ذكرنا مراراً.

فعلى الأوّل: ينبغي القول بوجوبهما معاً، إن لم يثبت إجماع على إجزاء المسح على الحائل.

و على الثاني: يكتفى بأحدهما، و لا ريب أنّه حينئذٍ الإتيان بالوضوء أولى، لموافقته للمشهور، بل للإجماع، بل لظاهر الآية أيضاً، مع تأييده بالرواية المتقدمة، بل برواية عبد الأعلى مولى آل سام أيضاً المتقدمة في بحث استيعاب ظهر القدم، كما لا يخفى.

هذا، و قد يعارض الرواية المتقدمة الدالّة على جواز المسح على الخفّ حال التقيّة و الضرورة بما رواه التهذيب، في الباب المذكور، في الصحيح، عن زرارة قال: قلت له: هل في المسح على الخفّين تقيّة؟ فقال

ثلاثة لا أتّقي فيهنّ أحداً، شرب المسكر، و مسح الخفّين، و متعة الحج.

هذه الرواية في الكافي أيضاً، في باب مسح الخفّ.

____________

(1) في نسخة «ب»: يستلزم.

213

و الصدوق (ره) أيضاً نقلها مرسلًا، عن الصادق (عليه السلام)، في باب حدّ الوضوء.

و بما رواه الكافي، في الباب المذكور، عن إسحاق بن عمّار قال

سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن المريض، هل له رخصة في المسح؟ قال: لا.

و دفع المعارضة الأولى بوجوه:

الأوّل: ما نقل عن زرارة، و هو أنّه أخبر عن نفسه بأنّه لا يتّقي فيهنّ أحداً، و يجوز أن يكون إخباره بذلك لعلمه بأنّه لا يحتاج إلى ما يتّقي فيه في ذلك (3) و لم يقل لا تتّقوا أنتم فيه أحداً.

و الثاني: أن يكون أراد لا أتّقي فيه (4) أحداً في الفتيا بالمنع من جواز المسح عليها دون الفعل، لأنّ ذلك معلوم من مذهبه، فلا وجه لاستعمال التقيّة.

و فيه: أنّ التخصيص بالفتيا على هذا لا وجه له، لأنّه إذا كان ذلك معلوماً من مذهبه، فكما لا وجه لاستعمال التقية في الفتيا فكذا لا وجه لاستعمالها في الفعل أيضاً.

و الثالث: أن يكون أراد لا أتّقي فيه أحداً إذا لم يبلغ الخوف على النفس و المال و إن لحقه أدنى مشقّة احتمله، و إنّما يجوز التقيّة في ذلك عند الخوف الشديد على النفس و المال.

و وجّه المصنف (ره) في الذكرى بوجه آخر قال: «و يمكن أن يقال: إنّ هذه

____________

(3) في نسخة «ب»: فيه بذلك.

(4) في نسخة «ألف»: فيهنّ.

214

الثلاث لا يقع الإنكار فيها من العامّة غالباً، لأنّهم لا ينكرون متعة الحج و أكثرهم يحرم المسكر، و من خلع خفّه و غسل رجليه فلا إنكار عليه، و الغسل أولى منه عند انحصار الحال فيهما: و على هذا يكون نسبته إلى غيره كنسبته إلى نفسه في أنّه لا ينبغي التقيّة [فيه]،// (126) و إذا قدّر خوف ضرر نادر جازت التقيّة» انتهى.

و يمكن أن يدفع المعارضة الثانية بأنّ الرواية مجملة لا ظهور لها في مخالفة الرواية المذكورة، لجواز أن يكون المراد عدم الرخصة للمريض في مسح الرجل دون غلسها، بناءً على التقيّة؛ أو يكون المراد مسح ما يجب غسله من الأعضاء، و على التقديرين لا منافاة.

و اعلم أنّ الأصحاب ألحقوا المسح على العمامة أيضاً بالمسح على الخفّ في جوازه عند الضرورة، و الكلام فيه أيضاً كالكلام فيه، لكنّ الأمر فيه أخفي، لخلوه من الرواية الدالّة عليه صريحاً رأساً، و الاحتياط في الموضعين: الجمع بين الوضوء مع المسح على الحائل و التيمم.

[و لو زال السبب فالأقرب بقاء الطهارة]

و لو زال السبب فالأقرب بقاء الطهارة، و قيل ينقض (2).

القول بالنقض للشيخ في المبسوط و المحقق في المعتبر و قرّبه العلامة في التذكرة و استدل عليه بأنّها طهارة مشروطة بالضرورة فيزول بزوالها و يتقدّر بقدرها.

____________

(2) في الأصل: ينتقض.

215

قال المحقق الثاني في شرح القواعد في هذا الموضع

و تحقيق البحث يتمّ بمقدّمات:

الأولى: امتثال المأمور به يقتضي الإجزاء، و الإعادة على خلاف الأصل، فيتوقف على الدليل، و بيانهما في الأصول.

الثاني: يجوز أن ينوي صاحب هذه الطهارة رفع الحدث، لانتفاء المانع، و متى نواه يحصل له، لقوله (عليه السلام): و إنّما لكل امرء ما نوى.

الثالثة: بعد ارتفاع الحدث إنّما ينقض الرافع له حدث [مثله، و زوال السبب ليس من الأحداث إجماعاً، فيجب استصحاب الحكم

(1)

] إلى أن يحصل حدث آخر، و متى تقرّرت هذه المقدمات لزم الجزم بعدم الإعادة هنا و في الجبيرة، و هو الأصح.

و تقدّر الطهارة بقدر الضرورة، إن أريد به عدم جواز الطهارة كذلك بعد زوال الضرورة فحقّ، و إن أريد به عدم إباحتها فليس بحقّ، لأنّ المقتدر هي لا إباحتها، فإنّ ذلك هو محل النزاع

انتهى كلامه.

و فيه نظر؛ أمّا أوّلًا: فلأنّ ما ذكره من أنّ امتثال المأمور به يقتضي الإجزاء حقّ، لكن لا دخل له بهذا المقام، لأنّ الإجزاء معناه الخروج به عن عهدة الأمر المتعلق به، و هاهنا الإتيان بذلك الوضوء أيضاً إنّما يستلزم الخروج عن عهدة الأمر المتعلق به، لكنّ الكلام في وجوب وضوء آخر و ليس هو بإعادة للأوّل حتّى يكون منافياً

____________

(1) هكذا في المصدر.

216

للإجزاء.

فإن قلت: هب، إنّه ليس بإعادة للأوّل، لكن لا شكّ أنّ وجوبه إنّما يحتاج إلى دليل البتة و إن لم يكن إعادة.

قلت: الدليل عليه الأوامر الواردة بالوضوء الكذائي عند كلّ صلاة، خرج الصلاة التي يتحقق فيها الضرورة بالنص أو الإجماع فبقي الباقي، و هاهنا لا ضرورة فيجب الوضوء الكذائي.

و أمّا ثانياً: فلما عرفت مراراً من إجمال الرواية و عدم ظهورها في حصول كلّ ما ينوي المرء.

و أمّا ثالثاً: فلبناء المقدمة الثانية و ما يتلوها على المقدّمات التي قد مرّ غير مرّة، عدم تماميّتها، و انتفاء دليل عليها من ثبوت معنى هو الحدث، و ارتفاعه بالوضوء، و استباحة الصلاة بعد ارتفاعه.

و أمّا رابعاً: فلأنّ الظاهر من كلامه (ره) أنّ تلك المقدمات الثلاث بجميعها دليل واحد على المطلوب، و الحال أنّ الأولى على تقدير تمامها يستغني من (1) الأخيرين، و كذا العكس كما لا يخفى.

و الظاهر أن يبنى الكلام على أنّ الأمر بالوضوء عند القيام إلى الصلاة هل هو عامّ أو لا؟ فإن قلنا بالعموم فينبغي الحكم بوجوب استيناف الوضوء حينئذٍ، لأنّ ما خرج بالدليل عدم وجوب الوضوء الكذائي عند تحقّق الضرورة و هاهنا لا ضرورة.

____________

(1) في نسخة «ألف»: عن.

217

إلّا أن يقال: قد ظهر تخصيصه بأمر يشك في تعيينه و شموله لهذه الصورة، فيكون هذه الصورة من قبيل الأفراد المشكوكة ممّا لا ظهور له.

و إن لم نقل بالعموم بل نقول بأنّ «إذا» للإهمال و إنّما يفهم العموم بالإجماع، فينبغي الحكم بعدم وجوب الاستيناف، لعدم تحقّق الإجماع في هذه الصورة، و كذا لو كان الشك في العموم و الإهمال. و بما ذكرنا ظهر أنّ الظاهر عدم وجوب الاستيناف كما لا يخفى.

و يمكن تأييده أيضاً بموثقة ابن بكير المتقدمة مراراً من قوله (عليه السلام)

إذا استيقنت أنّك توضّأت فإيّاك أن تحدث وضوء أبداً حتّى تستيقن أنّك أحدثت.

فرع [لو عاد السبب فإن كان قبل التمكن من الإعادة فلا إعادة و إلّا فالأقرب الإعادة]

لو عاد السبب فإن كان قبل التمكن من الإعادة فلا إعادة، و إلّا فالأقرب الإعادة و إن كان كالوضوء الأوّل.

هذا الفرع بالنظر إلى القول بالنقض، و وجه الحكمين ظاهر على قياس وجود الماء بعد التيمم و فقده قبل التمكن من الاستعمال أو بعده، ففي الأوّل لا يلزم استيناف التيمم و في الثاني يلزم.

[و يجوز المسح على العربي و إن لم يدخل يده تحت شراكة]

و يجوز المسح على العربي و إن لم يدخل يده تحت شراكة.

النعل العربي: ما لا يستر ظهر القدم.

اعلم أنّ الكعب إمّا أن يكون هو المفصل أو قبّة القدم، و على الثاني: إمّا أن

218

يكون داخلًا في الممسوح أو خارجاً عنه لكن إنّما يجب مسح جزء منه من باب المقدّمة.

و على الثاني و الثالث: إمّا أن يستر شراك النعل الكعب أو القدر الذي يجب مسحه من باب المقدّمة أو لا، فإن لم يستر فلا خفاء في جواز المسح عليه و عدم وجوب إدخال اليد تحت الشراك، لإطلاق الأوامر و صدق الامتثال، مع اعتضاده بالروايات المتقدمة الدالّة على جواز المسح على النعل بدون إدخال اليد تحت الشراك.

و إن ستر فإن لم نقل بوجوب الاستيعاب الطولي فلا إشكال أيضاً، و إن قلنا به فيشكل من حيث وجوب الاستيعاب؛ و عدم صراحة الروايات المتضمنة للمسح على النعل بدون إدخال اليد تحت الشراك لاستثناء ما تحت الشراك، لجواز (1) أن يكون بناؤها على العرف، و يكون متعارف ذلك الزمان أن لا يستر شراكهم قدر الوجوب؛ و من حيث إطلاق الروايات.

و على الأوّل: فالظاهر القول باستثناء ما يستره الشراك عن الحكم، للروايات.

و ما يقال: إنّها لا تدل على عدم وجوب مسح ما تحته بل على عدم إدخال اليد و هو لا يستلزم عدم المسح، فضعيف جدّاً، لظهور الروايات في عدم المسح، كما يحكم به الوجدان، و حينئذٍ لو بقي فوق الشراك بقية إلى المفصل فالظاهر وجوب المسح عليه (2) على القول بالاستيعاب الطولي.

و على القول بالاستثناء هل يسري الحكم إلى غير النعل من السير المركب

____________

(1) في نسخة «ج»: جواز.

(2) لم ترد في نسخة «ألف».

219

على الخشب أو السير المربوط بالرجل لحاجة أو عبثاً أو لا؟ الظاهر عدم السراية، للوقوف فيما خالف الأصل على القدر المتيقّن، إلّا في الربط لحاجة فإنّه يكون حينئذٍ من باب الجبائر، و سيجيء حكمها إن شاء اللّٰه تعالى.

[السادس الترتيب]

و الترتيب كما ذكر ركن أيضاً.

قال المحقق في المعتبر: «الترتيب واجب في الوضوء و شرط في صحّته، يبدأ بغسل الوجه ثمّ باليد اليمنى ثمّ باليسرى، ثمّ يمسح الرأس، ثمّ يمسح الرجلين، و هو مذهب علمائنا أجمع».

و كذا العلامة في التذكرة ادّعى إجماعنا على وجوب الترتيب و اشتراطه، و في المنتهى

قال علماؤنا: الترتيب واجب في الوضوء.

و يدلُّ عليه أيضاً مضافاً إلى الإجماع روايات كثيرة متظافرة.

منها: ما رواه التهذيب، في باب صفة الوضوء، في الصحيح، عن زرارة قال: سئل أحدهما (عليهما السلام) عن رجل بدأ بيده قبل وجهه، و برجليه قبل يديه؟ قال

يبدأ بما بدأ اللّٰه به، و ليعد ما كان

(4)

.

و منها: ما رواه// (127) أيضاً في هذا الباب، في الصحيح، عن منصور بن حازم، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في الرجل يتوضّأ فيبدأ بالشمال قبل اليمين، قال

يغسل اليمين، و يعيد اليسار.

____________

(4) في الإستبصار: ما كان فعل.

220

و منها: ما رواه أيضاً في الصحيح، عن منصور بن حازم قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عمّن نسي أن يمسح رأسه حتّى قام في الصلاة؟ قال

ينصرف و يمسح رأسه و رجليه.

و منها: ما رواه أيضاً في هذا الباب، في الحسن، عن زرارة قال: قال أبو جعفر (عليه السلام)

تابع بين الوضوء كما قال اللّٰه تعالى، ابدأ بالوجه، ثمّ باليدين، ثمّ امسح بالرأس و الرجلين، و لا تقدّمنّ شيئاً بين يدي شيء تخالف ما أمرت به.

فإن غسلت الذراع قبل الوجه فابدأ بالوجه و أعد على الذراع، و إن مسحت الرجل قبل الرأس فامسح على الرأس قبل الرجل ثمّ أعد على الرجل، ابدأ بما بدأ اللّٰه عزّ و جلّ به.

و منها: ما رواه أيضاً في الباب المذكور، في الحسن، عن الحلبي، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال

إذا نسي الرجل أن يغسل يمينه فغسل شماله، و مسح رأسه و رجليه فذكر بعد ذلك، غسل يمينه و شماله و مسح رأسه و رجليه، و إن كان إنّما ينسي شماله فليغسل الشمال و لا يعيد على ما كان توضّأ، و قال: اتّبع وضوؤك بعضه بعضاً.

و منها: ما رواه أيضاً في هذا الباب المذكور، في الموثق، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال

إن نسيت فغسلت ذراعيك قبل وجهك فأعد

221

على غسل وجهك ثمّ اغسل ذراعيك بعد الوجه، فإن بدأت بذراعك الأيسر قبل الأيمن فأعد على الأيمن ثمّ اغسل الأيسر، و إن نسيت مسح رأسك حتّى تغسل رجليك فامسح رأسك ثمّ اغسل رجليك.

و هذه الروايات الثلاث الأخيرة في الكافي أيضاً، في باب الشك في الوضوء.

و منها: ما رواه أيضاً في هذا الباب، عن زرارة، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، في رجل ينسي مسح رأسه حتّى يدخل في الصلاة، قال

إن كان في لحيته بلل بقدر ما يمسح رأسه و رجليه فليفعل ذلك و ليصلّ، قال: و إن نسي شيئاً من الوضوء المفروض فعليه أن يبدأ بما نسي و يعيد ما بقي لتمام الوضوء

، إلى غير ذلك، و فيما ذكرناه كفاية.

و أمّا ما رواه أيضاً في هذا الباب، في الصحيح، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال: سألته عن رجل توضّأ و نسي غسل يساره؟ فقال

يغسل يساره وحدها و لا يعيد وضوء شيء غيرها

فلا يعارض ما ذكرناه، لجواز أن يكون المراد منه: أنّه لا يعيد وضوء شيء غيرها ممّا تقدّمها دون ما تأخّرها.

و قس عليه الحال في الجزء الأخير من حسنة الحلبي المنقولة آنفاً.

222

فإن قلت: إذا خالف أحد الترتيب فغسل يمينه ثمّ غسل الوجه مثلًا، فهل يجب حينئذٍ إعادة غسل الوجه أيضاً ثانياً أم يكتفي بإعادة اليمين؟

قلت: الظاهر من كلام الأصحاب الثاني، و قد صرّح به المحقق في المعتبر، و المحقق الثاني في شرح القواعد، و هو الظاهر بالنظر إلى إطلاق الأوامر الواردة بالوضوء.

فإن قلت: ما تقول في صحيحة زرارة و منصور، و حسنة زرارة، و موثقة أبي بصير المذكورات آنفاً أ هل يدل على خلاف ما ذكرت أم لا؟

قلت: أمّا صحيحة زرارة فلا، لجواز أن يكون قول السائل: «بدأ بيده» إلى آخره سؤالين، و حينئذٍ لا دلالة في الكلام على حصول غسل الوجه في الأوّل و غسل اليدين في الثاني، فلا مخالفة لما ذكر. و لو سلّم حمله على سؤال واحد فحينئذٍ و إن كان الظاهر حصول غسل الوجه، لكن يمكن أن يقال بجواز (3) أن يكون الأمر بالإعادة لعدم مقارنة النيّة، إذ المتعارف أن لا يبقى الاستدامة الحقيقية إلى آخر الوضوء، فحكمه (عليه السلام) بالإعادة مطلقا بناءً على الغالب.

و يمكن أيضاً أن يحمل الإعادة على إعادة ما يحصل معه الترتيب أو على الاستحباب، لكن يشكل فيما يلزم فيه قطع العمل.

و ممّا ذكرنا يستنبط حال صحيحة منصور و حسنة زرارة، و أمّا موثقة أبي بصير فالظاهر منها خلاف ما ذكر، لكن لمّا كان طريقها غير نقيّ و الظاهر أنّ الأصحاب

____________

(3) في نسخة «ألف و ب»: يجوز.

223

لم يعملوا بها أيضاً فبمجردها لا يمكن الحكم بوجوب الإعادة، مع أنّ الأمر أيضاً ليس بظاهر في الوجوب، لكن مقتضى الاحتياط الإعادة.

نعم، يشكل فيما يستلزمه قطع العمل، و الأولى حينئذٍ تركها، و اللّٰه أعلم.

[السابع الموالاة]

و الموالاة، و الأقرب أنّها مراعاة الجفاف، و قد حقّقناه في الذكرى.

لا خلاف بين أصحابنا في اشتراط الموالاة، و إنّما الخلاف في معناها.

فقال بعضهم: هي أن لا يؤخّر بعض الأعضاء عن بعض بمقدار ما يجفّ ما تقدّمه و هو اختيار الشيخ في الجمل، و المرتضى في شرح الرسالة، و أبي الصلاح، و ابن حمزة، و ابن البراج، و ابن إدريس، و المحقق في الشرائع، و المصنف في هذا الكتاب و الذكرى، و البيان.

و قال بعضهم: هي أن تتابع بين غسل (1) الأعضاء و لا يفرق إلّا لعذر، و هو قول المفيد، و الشيخ في النهاية و الخلاف، و المرتضى في المصباح،

____________

(1) لم ترد في نسخة «ألف».

224

و المحقق في المعتبر، و العلامة في جملة من كتبه.

ثمّ إنّ بعض القائلين بالقول الأخير كالمحقق و العلامة صرّحا بأنّ الإخلال بالموالاة بهذا المعنى لا يبطل الوضوء و إن كان حراماً مع الاختيار ما لم يجفّ الأعضاء.

و يفهم ظاهراً من كلام الشيخ في المبسوط مجرد الإخلال بهذا المعنى مبطل للوضوء و إن لم يجفّ حال الاختيار، و أمّا حال الاضطرار فيراعى الجفاف.

و كلامه في النهاية و الخلاف محتمل للأمرين، فعلى ظاهر كلام المبسوط يكون الأقوال في المسألة ثلاثة، و إن أوّل بما يوافق كلام المحقق و العلامة يصير قولين، كما نقله العلامة في المختلف.

و بالجملة: الظاهر القول الأوّل و هو مراعاة الجفاف، لكن بمعنى اشتراطها في الوضوء لا وجوبها بمعنى استحقاق الذمّ على تركها.

اللهمّ إلّا أن يثبت إجماع على الوجوب أو على حرمة إبطال العمل.

ثمّ اعلم أنّ الظاهر من كلام علي بن بابويه أنّ مع مراعاة الموالاة بالمعنى الثاني إذا جفّ الأعضاء فلا بأس به مطلقا.

نعم، إذا لم يوال بهذا المعنى سواء كان لضرورة أو لا و جفّ أعضاء الوضوء

225

بطل، و الظاهر أنّ ابنه الصدوق أيضاً قائل به حيث نقل كلام أبيه في الفقيه و لم ينكره.

و المصنف (ره) في الذكرى و في هذا الكتاب قال بالإبطال مع الجفاف في الصورة الأولى أيضاً، إلّا مع الضرورة مثل إفراط الحرّ و شبهه. و الظاهر ما ذهب إليه الصدوقان.

فصار حاصل ما اخترناه ثلاثة أمور:

الأوّل: عدم وجوب الموالاة بمعنى المتابعة، و كذا اشتراطها، سواء كان في حال الاختيار أو لا.

الثاني: بطلان الوضوء بالجفاف مع التفريق بين أفعال الوضوء للضرورة أو لا.

الثالث: عدم بطلانه مع الجفاف بدون التفريق مطلقا.

أمّا الأوّل: فللأصل، و صدق الامتثال، و عدم دليل صالح على خلافه، كما يظهر من جواب أدلّة المخالفين.

و يدلُّ على عدم الاشتراط أيضاً بعض الروايات المتقدمة آنفاً في بحث الترتيب، و كذا بعض الروايات المتقدمة في بحث استيناف الماء للمسح.

و يمكن أيضاً أن يجعل بعض تلك الروايات مؤيّداً لعدم الوجوب، من حيث إنّ الإمام (عليه السلام) لم يذمّ فيه بترك (2) المتابعة.

إلّا أن يجيب القائل بالاشتراط عن الروايات// (128) المتضمنة للنسيان

____________

(2) في نسخة «ب»: ترك.

226

بتخصيص الاشتراط بحال عدم النسيان أيضاً، و أنّ النسيان أيضاً من جملة الأعذار التي جوّز معها عدم الموالاة؛ و عن الروايات الخالية عنه باغتفار أمثال تلك الفواصل المذكورة فيها، بل إنّما يقول بإبطال الفصل المعتد به عرفاً.

و قس على هذه الروايات استدلالًا و جواباً ما رواه التهذيب أيضاً، في الباب المذكور، في الصحيح، عن زرارة قال: قال لي

لو أنّك توضّأت فجعلت مسح الرجلين غسلًا ثمّ أضمرت أنّ ذلك من المفروض، لم يكن ذلك بوضوء، ثمّ قال: ابدأ بالمسح على الرجلين، فإن بدا لك غسل فغسلته فامسح بعده، ليكون آخر ذلك المفروض.

و يمكن أن يجاب عنه بوجه آخر أيضاً، بحمله على الفصل للضرورة.

و أمّا الثاني: فللإجماع، و لما رواه التهذيب، في الباب المذكور، في الصحيح، عن معاوية بن عمّار قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام)

ربّما توضّأت فنفد الماء، فدعوت الجارية فأبطأت عليّ بالماء، فيجب وضوئي؟ قال: أعد.

و إذا ثبت وجوب الإعادة مع الضرورة فبدونها أولى.

و قد يعترض عليه بإمكان الحمل على الاستحباب، و هو بعيد بعد اشتهار حرمة إبطال العمل مطلقا.

و لما رواه أيضاً في الباب المذكور، في الموثق، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال

إذا توضّأت بعض وضوئك فعرضت لك حاجة حتّى يبس

227

وضوؤك فأعد وضوءك، فإنّ الوضوء لا يبعّض.

و هاتان الروايتان في الكافي أيضاً، في باب الشكّ في الوضوء.

و يدلُّ أيضاً على البطلان بالجفاف في خصوص حال المسح: مرسلة الصدوق عن الصادق (عليه السلام) و رواية مالك بن أعين، المتقدمتان في بحث استيناف الماء الجديد.

و أمّا ما رواه التهذيب، في أواخر باب أحكام السهو في الصلاة، عن أبي الصباح الكناني قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل توضّأ فنسي أن يمسح على رأسه حتّى قام في الصلاة؟ قال

فلينصرف فليمسح على رأسه، و ليعد الصلاة

الدالّ بإطلاقه في الأمر بالمسح على عدم البطلان حال الجفاف، و جواز استيناف الماء الجديد فمع عدم صحّة سنده إنّما يحمل على بقاء البلّة، جمعاً بين الأخبار.

و أيضاً: الأمر بالمسح يمكن أن يكون المراد منه الأمر بإعادة الوضوء، أي يتوضّأ وضوءً يمسح فيه رأسه (4).

و قس عليه الحال أيضاً، في حسنة الحلبي، و رواية أبي بصير المتقدمتين في بحث الاستيناف، و صحيحة منصور المتقدمة في بحث الترتيب و نظائرها.

____________

(4) في نسخة «ألف و ب»: على رأسه.

228

و أمّا الثالث: فللأصل، و صدق الامتثال، و عدم دليل على خلافه، و ما ذكره المصنف في الذكرى من ورود الأخبار الكثيرة بخلافه لا وجه له، لأنّ الأخبار الواردة في هذا الباب الموجودة في الكتب الأربعة المتداولة، لا دلالة فيها على هذا المعنى رأساً، إذ ما يمكن أن يستدل به من بينها هاتان الروايتان المذكورتان آنفاً، و هما كما ترى مخصوصتان بالتفريق، و لا وجه لإجرائهما في غير صورة التفريق.

و كذا مرسلة الصدوق، و رواية مالك بن أعين المتقدمتان سابقاً، مع أنّهما مختصتان بحال المسح، فيجوز أن يكون البطلان حينئذٍ لأجل لزوم الاستيناف لا للجفاف.

و ممّا يتراءىٰ إمكان (2) الاستدلال به على ما اخترناه، ما رواه أيضاً في الباب المذكور، في الصحيح، عن حريز، في الوضوء يجفّ قال: قلت: فإن جفّ الأوّل قبل أن أغسل الذي يليه؟ قال

جفّ أو لم يجفّ اغسل ما بقي، قلت: و كذلك غسل الجنابة؟ قال: هو بتلك المنزلة، ابدأ بالرأس ثمّ أفض على سائر جسدك، قلت: و إن كان بعض يوم؟ قال: نعم.

وجه الاستدلال: أنّه حكم بعدم البطلان بالجفاف مطلقا، خرج الجفاف مع التفريق بالدليل فيبقى الباقي و هو المطلوب، لكنّ الظاهر أنّه محمول على التقية، لموافقة ظاهره لمذهب العامة.

و الشيخ (ره) إنّما حمله على ما إذا لم يقطع المتوضّي وضوءه، و إنّما تجفّفه

____________

(2) ورد في هامش نسخة «ب» هكذا

إنّما قال يتراءى، لأنّه مقطوع.

229

الريح الشديدة أو الحرّ العظيم، و فيه بعد.

و اعلم أنّ عروض الجفاف بدون التفريق إن كان عند بقاء بعض الغسلات فالحال كما عرفت.

و إن كان عند تمامها فحينئذٍ فيه إشكال، من حيث احتمال أن يكون الحكم بالصحّة حينئذٍ مخالفاً للإجماع، لأنّ ابن الجنيد القائل بجواز الاستيناف من بين الأصحاب الظاهر أنّه لا يقول بالصحّة في هذه الصورة، إذ مذهبه اشتراط وجود البلّة على جميع الأعضاء إلّا لضرورة، و هاهنا لا ضرورة.

و الصدوقين القائلين بالصحّة حال الجفاف مع الاشتغال بأفعال الوضوء لم يظهر أنّ مذهبهما الصحّة مع لزوم الاستيناف أيضاً، لأنّ كلام علي بن بابويه على ما نقل في الفقيه مخصوص بغسل ما بقي عند الجفاف، مع أنّ الصدوق أطلق القول بأن لا يجدّد الماء للمسح، فحينئذٍ الأولى في هذه الصورة إعادة الوضوء، خوفاً لمخالفة الإجماع.

ثمّ إنّ القائلين ببطلان الوضوء في هذه الصورة بدون اضطرار و عدمه معه، فالظاهر أنّه لا متمسّك لهم في الجزء الأوّل كما علمت، و أمّا في الجزء الثاني فكأنّهم تمسّكوا بالحرج و الاضطرار، كما استدل به المحقق في المعتبر.

و فيه نظر، إذ بعد تسليم دلالة الأخبار على أنّ الجفاف مبطل للوضوء لا وجه لإخراج هذا الفرد للحرج، إذ لا حرج و لا اضطرار، لانتقال الفرض إلى التيمم،

230

اللهمّ إلّا أن يدّعوا الإجماع.

هذا، و احتج القائلون بالقول الثاني، أي وجوب المتابعة و عدم البطلان بتركها إلّا مع الجفاف.

أمّا على الجزء الأوّل فبوجوهٍ:

الأوّل: قوله تعالى فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ الآية، و الاستدلال به من وجهين:

أحدهما: أنّه أمر فيقضي فيه بالفور، لأنّه أحوط، و لقوله تعالى سٰارِعُوا إِلىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ، فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرٰاتِ*.

ثانيهما: أنّه أوجب غسل الوجه و اليدين و المسح عقيب إرادة القيام إلى الصلاة بلا فصل، و فعل الجميع دفعة متعذّر، فيحمل على الممكن و هو المتابعة.

و الجواب عنه:

أمّا عن الوجه الأوّل: فبمنع أنّ الأمر للفور، و موضع بحثه في الأصول، و لو سلّم فليس هذا الأمر للفور إجماعاً، و إلّا لزم أن يكون تأخير الوضوء عن أوّل الوقت ممّن يريد القيام إلى الصلاة عصياناً و لم يقل به أحد.

و أمّا عن الثاني: فبمنع أنّ هذه الفاء للتعقيب بلا فصل، لأنّ الفاء الموضوعة له إنّما هي فاء العاطفة لا الداخلة (4) على الجزاء.

و أيضاً: لو كان كذلك للزم ما ذكرنا آنفاً.

____________

(4) في نسخة «ألف»: الدالة.

231

الثاني: موثقة أبي بصير المتقدمة آنفاً.

وجه الاستدلال: حكمه (عليه السلام) بأنّ الوضوء لا يبعّض، و هو صادق مع الجفاف و عدمه.

و الجواب: أنّ تعليل البطلان بالتفريق مع اليبس بأنّ الوضوء لا يبعّض قرينة على أنّ المراد بالتبعيض: هو أن (1) يصير بعضه جافّاً و بعضه رطباً مع التفريق.

و أيضاً: لو كان المراد بالتبعيض مجرد التفريق لزم عليهم القول ببطلان الوضوء بدون الجفاف أيضاً، لأنّه (عليه السلام) علّل الإعادة بأنّ الوضوء لا يبعّض، مع أنّهم لم يقولوا به.

الثالث: قوله (عليه السلام)، في حسنة الحلبي، المتقدمة في بحث الترتيب

اتبع وضوؤك// (129) بعضه بعضاً

، لأنّ المفهوم من المتابعة فعل كل واحد عقيب الآخر.

و الجواب: منع كون المفهوم من المتابعة فعل كلّ عقيب الآخر بلا فصل، بل (3) فعله عقيبه الذي هو الترتيب، بل هو الظاهر بقرينة السياق، و أولويّة التأسيس من التأكيد لا ظهور لها مطلقا سيّما هيهنا، لمعارضة السياق.

و يؤيّد هذا المعنى وقوعها في رواية زرارة المتقدمة في بحث الترتيب أيضاً بمعنى الترتيب.

الرابع: الاحتياط، و جوابه ظاهر.

____________

(1) في نسخة «ألف»: أنّه.

(3) في نسخة «ألف»: عقيب الآخر بل.

232

الخامس: الوضوء البياني و قوله (عليه السلام) بعده (1)

هذا وضوء لا يقبل اللّٰه الصلاة إلّا به.

و وجه الاستدلال و الجواب عنه قد مرّ غير مرّة.

السادس: صحيحة زرارة و موثقة أبي بصير، المتقدمتان سابقاً في بحث الترتيب.

وجه الاستدلال بهما: أنّه لو لم يكن الموالاة واجبة لما حكم بإعادة غسل الوجه.

و الجواب: أنّك قد عرفت سابقاً توجيه صحيحة زرارة و أنّها لا تدل على إعادة غسل الوجه، و لو سلّم فقد مرّ أيضاً أنّه يمكن أن يكون الأمر بالإعادة لعدم مقارنة النيّة، فلم يتمّ الاستدلال على وجوب الموالاة.

و أيضاً: لا وجه للقول بأنّ الإعادة هيهنا لفوات الموالاة، إذ ليس في الخبر على تقدير حمل السؤال على أنّه سؤال واحد إشعار بوقوع فصل بعد غسل الوجه، و لو حمل على السؤالين أيضاً ليس في السؤال الأوّل ما يشعر بذلك، فالحكم بالإعادة مطلقا لأجل فوات الموالاة لا يصح إلّا بارتكاب تخصيص و تقييد، و ليس ارتكابهما أولى من ارتكاب التجوّز بحمل الإعادة لو سلّم فهمها على الاستحباب، على أنّه قد مرّ غير مرّة أنّ الأمر في أحاديثنا ليس بظاهر في الوجوب.

و أيضاً: قد ظهر من بعض الروايات المتقدمة في بحث الترتيب، عدم الاحتياج إلى استيناف الوضوء عند تقديم بعض الأعضاء على بعض أو نسيانه، و كذا في

____________

(1) لم ترد في نسخة «ب».

233

بحث استيناف الماء، فقد عارض هذه الصحيحة، و الرجحان معه لتأييده بالأصل.

و أمّا موثقة أبي بصير فيجري فيها أيضاً بعض ما ذكر، مع أنّ الجزء الأخير منها قرينة على أنّ الأمر بإعادة غسل الوجه في الأوّل ليس (1) لفوات الموالاة و إلّا لوجب إعادته في الصورة الثانية أيضاً، مع أنّ الظاهر منها عدم وجوبها كما لا يخفى.

هذا كلّه مع أنّ من احتج بهما كالعلامة (ره) لا يقول بالبطلان بترك الموالاة، و الاستدلال بهما لو تمّ لدلّ على البطلان.

و قد يستدل أيضاً: بما رواه الكافي، في باب الشكّ في الوضوء، عن حكم بن حكيم قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل نسي من الوضوء الذراع و الرأس؟ قال

يعيد الوضوء، إنّ الوضوء يتّبع بعضه بعضاً.

وجه الاستدلال: أنّ المتابعة لو لم يكن واجبة لما حكم (عليه السلام) بالإعادة.

و أيضاً: تعليل الإعادة بأنّ الوضوء يتّبع بعضه بعضاً يدل على أنّ المراد بالمتابعة عدم الفصل لا الترتيب، لأنّ حصول الترتيب لا يتوقف على إعادة الوضوء، بل يكفي فيه الإتيان على العضو المنسيّ و بما بعده.

و الجواب: أنّك خبير بأنّ حمل الرواية على ظاهرها من إعادة الوضوء مطلقا لا معنى له، لما عرفت من ورود الروايات الكثيرة (3) بعدم الإعادة حال النسيان،

____________

(1) لم ترد في نسخة «ألف».

(3) لم ترد في نسخة «ألف».

234

مع أنّ مذهبهم أيضاً ليس الإعادة مطلقا، فلا بدّ من الجمع بينهما بحمل هذه الرواية على الفصل الكثير أو الجفاف و الروايات السابقة على ما يقابلهما.

و الظاهر الثاني، لإشعار بعض من تلك الروايات المتضمنة لعدم الإعادة بوقوع الفصل الكثير، و بعضها أيضاً على مراعاة الجفاف، و على هذا فلا دلالة.

و أمّا ما ذكره من التعليل ففيه: أنّ بعد ما علمت من ظهور الحمل على الإعادة مع الجفاف لا بدّ أن يحمل المتابعة على ما يوافقه، نحو ما حملنا التبعيض عليه آنفاً و يمكن أيضاً أن يحمل إعادة الوضوء على الإتيان بما نسي و إعادة ما بعده.

هذا كلّه مع أنّ الرواية ضعيفة السند، و قس عليه أيضاً الاستدلال بما رواه التهذيب، في الباب المذكور، في الموثق، عن سماعة، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال

من نسي مسح رأسه أو قدميه أو شيئاً من الوضوء [الذي ذكره اللّٰه تعالى في القرآن، كان عليه إعادة الوضوء و الصلاة.

هذا، و أمّا على الجزء الثاني أي عدم البطلان إلّا مع الجفاف، فبتحقق الامتثال مع الإخلال بالمتابعة في غسل المغسول و مسح الممسوح فلا يكون قادحاً في الصحة، هكذا ذكره المحقق و العلامة (رحمهما اللّٰه).

و أنت خبير بأنّ وجوب المتابعة بهذا المعنى لو استنبط من الروايات الدالّة على وجوب المتابعة فما ذكراه موجّه، لأنّ الأمر بالوضوء مطلق و هذه الروايات لا ظهور لها في تقييدها إيّاه، بل إنّما يدل على وجوب المتابعة فقط، فعند الإتيان

235

بالوضوء بدون المتابعة يتحقق امتثال ذلك الأمر و إن خولف تلك الأوامر، و أمّا لو استنبط من فوريّة الأمر أو من الوضوء البياني كما أورداهما أيضاً في طيّ الأدلّة ففيه نظر كما لا يخفى.

و أمّا القول بالثالث أي وجوب المتابعة و بطلان الوضوء بالإخلال بها اختياراً و إن لم يجفّ و عدم البطلان به اضطراراً لا مع الجفاف فعلى تقدير تحقّقه الاستدلال على جزئيّة الأوّلين؛ و الجواب عنه إنّما يستخرج من الكلمات السابقة.

و أمّا الجزء الأخير: فيمكن الاستدلال عليه بالإجماع، و بمفهوم قوله (عليه السلام) في موثقة أبي بصير المتقدمة

حتّى يبس وضوءك.

هذا، و الاحتياط يقتضي الإعادة مع الجفاف مطلقا إلّا لضرورة، مثل فرط الحرّ و شبهه؛ و كذا مع الإخلال بالمتابعة اختياراً؛ و كذا ترك الإخلال بالمتابعة اختياراً احتياطاً للحرمة.

[فلو والى و جفّ بطل إلّا مع إفراط الحرّ]

فلو والى و جفّ بطل، إلّا مع إفراط الحرّ و شبهه قد تقدم القول فيه.

[و لو فرّق و لم يجفّ فلا إثم و لا إبطال إلّا أن يفحش التراخي فيأثم مع الاختيار]

و لو فرّق و لم يجفّ فلا إثم و لا إبطال، إلّا أن يفحش التراخي، فيأثم مع الاختيار.

وجه عدم الإثم و الإبطال بالتفريق مع عدم التفاحش قد ظهر ممّا سبق.

و أمّا الإثم مع التفاحش فلم يظهر له وجه، لأنّ ما ذكرنا سابقاً إنّما يدل على عدم الإثم بالتراخي مطلقا، سواء كان متفاحشاً أو لا، إلّا إذا جفّ، فإنّه حينئذٍ يحصل الإثم مع الاختيار، بناءً على حرمة إبطال العمل أو إجماع إن كان.

236

و أمّا الإثم بالتراخي مع التفاحش و إن لم يجفّ فلا وجه له ظاهراً، و لم نقف في كلام الأصحاب أيضاً على القول بهذا التفصيل الذي ذكره المصنف"، و لعلّ وجهه أنّه مع التفاحش لا يصدق عليه المتابعة و يندرج تحت التبعيض، و رفعه ظاهر ممّا سبق، مع أنّه لو سلّم اندراجه تحت التبعيض لكان الظاهر لزوم البطلان أيضاً لا مجرّد الإثم؛ فتدبر.

ثمّ إنّ الجفاف الذي يراعى في صحّة الوضوء و عدمه هل هو جفاف جميع الأعضاء المتقدمة على العضو المفرّق أو بعض ما تقدّمها و العضو (1) السابق؟ ظاهر الأكثر الأوّل، و صرّح ابن الجنيد بالثاني، و ظاهر المرتضى و ابن إدريس الثالث، هكذا ذكره المصنف في الذكرى.

و ما ذكره الشيخ في الخلاف-: و إن جفّت أعضاء الطهارة أعاد الوضوء، و إن بقي في يده نداوة بنى على ما قطع عليه فكان مراده فيه من بقاء النداوة على اليد بقاؤها في الجملة، و إنّما ذكر اليد على سبيل التمثيل، بقرينة مقابلته لجفاف أعضاء الطهارة، فيرجع إلى المشهور// (130).

و الظاهر من الأقاويل قول الأكثر، لأنّه حكم على خلاف الأصل، فيقتصر على القدر المتيقن، و لا يقين فيما سوى جفاف الجميع، و الروايتان السابقتان الدالّتان على الإعادة مع الجفاف لا ظهور لهما في جفاف البعض، كما لا يخفى.

و يؤيّده أيضاً: الروايات السابقة في بحث استيناف الماء للمسح، المتضمنة

____________

(1) في نسخة «ألف»: ما تقدّم أو العضو.

237

للأخذ من اللحية و الحاجب و الأشفار.

و اعلم أيضاً أنّ الأصحاب ذكروا أنّ مراعاة الجفاف إنّما هو بالقياس إلى الهواء المعتدل، و ظاهره أنّ تعجيل الجفاف في الهواء الحارّ جدّاً، و كذا تأخيره في الهواء الرطب جدّاً ممّا لا يعتد به، بل إنّما يراعي حكم التوسط.

لكنّ المصنف (ره) في الذكرى حكم بأنّ وجود البلل حسّا كافٍ البتة، و لم يضرّ الجفاف على تقدير اعتدال الهواء، و حمل كلام الأصحاب على أنّ مرادهم من التقييد إخراج طرف الإفراط في الحرارة، و هو جيّد، لأنّ الإعادة إنّما علّقت على الجفاف و لا يصدق الجفاف هيهنا لا لغة و لا عرفاً، و الجفاف التقديري لا عبرة به.

و أنت خبير بأنّ [زكاة (2)] التقييد لإخراج طرف الإفراط فقط أيضاً فيه إشكال، لأنّ الحكم معلّق على الجفاف و قد تحقّق في هذا الفرض، فالتقدير لا وجه له.

إلّا أن يقال: المتبادر منه الجفاف حال اعتدال الهواء، و فيه ضعف، أو يتمسك بالحرج و الاضطرار، و هو أيضاً ضعيف، سيّما في بعض الصور.

نعم، يمكن أن يقال: إنّ هذا الحكم على خلاف الأصل فيقتصر على القدر المتيقن، و لا يقين فيما سوى الجفاف على تقدير الاعتدال، لعدم الاتفاق فيه.

و الروايتان المنقولتان آنفاً الدالّتان على الإعادة مع الجفاف، إحديهما موثقة فلا يصلح للتعويل، و الأخرى منقولة بطريقين:

____________

(2) أثبتنا الزيادة من نسخة «ب».

238

أحدهما: ما اشترك فيه التهذيب و الكافي و هو ضعيف.

و ثانيهما: ما اختص به التهذيب، و هو و إن كان صحيحاً لكن فيه حسين ابن سعيد عن معاوية بن عمّار و هو ممّا (1) يختلج الشك فيه، من حيث بعد رواية حسين عنه بلا واسطة، فهي أيضاً ممّا يضعّف الاعتماد عليه، خصوصاً مع عدم عمل الأصحاب بظاهرها.

و أمّا مرسلة الفقيه عن الصادق (عليه السلام)، و رواية مالك بن أعين المنقولتان في بحث استيناف الماء للمسح، فهما أيضاً لا يصلحان للتعويل، للإرسال و الجهالة، مع أنّهما يختصان بنسيان المسح و إعادة الوضوء مع الجفاف عنده، فحينئذٍ يجوز أن يكون الإعادة لأجل عدم جواز الاستيناف للمسح (2) لا لبطلان الوضوء بالجفاف؛ فتأمل.

ثمّ إنّ الشهيد الثاني في شرح الإرشاد قال: «و المعتبر في البلل الحسّي، فلا اعتبار بتقدير الهواء حال كونه مفرط الرطوبة بكونه معتدلًا، و لا بتقييد بعضهم الهواء بالمعتدل ليخرج طرف الإفراط في الحرارة، فإنّ زوال البلل حينئذٍ مغتفر كما تقدم» انتهى.

و لا يذهب عليك أنّ ما ذكره من اغتفار زوال البلل حينئذٍ هو بعينه ما ذكروه من تقييد الهواء بالمعتدل لإخراج طرف الإفراط بالحرارة، فلا وجه للإيراد عليهم أصلًا؛ فتدبر.

____________

(1) في نسخة «ج»: ما.

(2) لم ترد في نسخة «ب».

239

و ذكر المصنف (ره) أيضاً في الذكرى أنّه لو أسبغ الماء بحيث لو اعتدل لجفّ، لم يضرّ أيضاً، و هو أيضاً حسن كما ظهر وجهه.

[و يصح نذر الولاء فيلزم]

و يصح نذر الولاء فيلزم، و يبطل الإخلال به الوضوء إن جفّ، و إلّا ففيه وجهان و يكفر إن تعيّن.

المراد بالولاء: المتابعة بدون فصل؛ و اعلم أنّ نذر الولاء يحتمل وجهين:

الأوّل: أن ينذر أن يتابع بين أعضاء الوضوء الواجبي أو الندبي إن فعله.

الثاني: أن ينذر الإتيان بوضوء يوالي فيه، و لا خفاء في صحّة النذر بالوجهين، أمّا على تقدير عدم وجوب الموالاة فمطلقا، لما فيه من المسارعة إلى الطاعة، و أمّا على وجوبها فعلى القول بصحّة نذر الواجبات.

و أمّا لو أخلّ بالولاء فهل يبطل الوضوء بدون الجفاف أم لا؟ ففيه وجهان، نظراً إلى أنّ المعتبر في صحّة الفعل حاله الذي اقتضاه النذر أم أصله؟

و تحقيق المقام أن يقال: إنّ النذر إن كان بالنحو الأوّل فلو توضّأ بالوضوء (2) الذي نذر أن يوالي فيه و لم يوال فالظاهر صحّته، لأنّ النذر المذكور لم يقيّد الأمر المطلق به كما هو الظاهر، فيتحقق الامتثال.

نعم، لم يأت بما نذره، فإن كان مضيّقاً و فات وقته لزم الكفارة و إلّا فلا، بل إنّما يلزم الإتيان به في وقت آخر في وضوء آخر.

و إن كان بالنحو الثاني: فإن أتى بوضوء بدون الولاء فإن قصد به المنذور فلا خفاء في عدم إجزائه عنه، فحينئذٍ إن كان في ذمّته وضوء آخر واجب أو مندوب،

____________

(2) في نسخة «ألف و ب»: الوضوء.

240

فلا يخلو إمّا أن قصده أيضاً أو لا، فإن قصده فإنّما يجزي عنه البتة، و إن لم يقصده فإجزاؤه عنه و عدمه بناء على وجوب قصد التكليف بخصوصه في الامتثال و عدمه، فعلى الأوّل الثاني، و على الثاني الأوّل.

ثمّ هذا النذر إن كان مضيّقاً فيلزم الكفارة و إلّا فلا، و إن لم يقصد به المنذور فالأمر واضح.

[الثامن المباشرة بنفسه مع الاختيار]

و المباشرة بنفسه مع الاختيار، و عدّ ابن الجنيد ذلك ندباً باطل.

المراد بالمباشرة بنفسه: صبّ الماء على أعضاء الغسل و المسح بنفسه، فأمّا صبّ الماء على اليد ليصيب على العضو الآخر فليس بمراد ظاهراً، لأنّه ليس من أفعال الوضوء.

و اعلم أنّ وجوب المباشرة بنفسه مع الاختيار قد ادعى العلامة في المنتهي الإجماع عليه.

و قال المحقق أيضاً في المعتبر: «هذا مذهب الأصحاب».

و قال المرتضى في الانتصار: «إنّه انفرد به الإماميّة».

و نقل عن ابن الجنيد أنّه قال: «يستحب أن لا يشرك الإنسان في وضوئه غيره بأن يوضّيه أو يعينه عليه».

و هذا القول ضعيف، أمّا أوّلًا: فلدعوى الإجماع على خلافه، و أمّا ثانياً: فلأنّ الأوامر الواردة بالوضوء، إنّما يتبادر منها توضّؤ المكلّف بنفسه، لأنّ إسناد الفعل

241

إلى فاعله هو الحقيقة.

ثمّ إنّه لا خفاء في بطلان الوضوء بدون المباشرة. و أمّا أنّه هل يحرم ذلك أم لا؟

ظاهر المعتبر و المنتهى الإجماع على عدم الجواز، لكنّ الظاهر عدم حصول الظنّ بأمثال هذه العبارات في مثل هذا الموضع، إذ كثيراً ما يستعملون في عدم الإجزاء عدم الجواز، و يشتبه أحدهما بالآخر جدّاً.

إلّا أن يقال ببدعيّة العبادات على النحو الغير المتلقى من الشارع و أنّ كلّ بدعة حرام، و كلاهما لا يخلو من إشكال؛ أو يقال بدخوله تحت إبطال العبادة، و أنّه منهي عنه. و فيه أيضاً خفاء.

و يمكن أن يستدل عليه بما رواه التهذيب، في زيادات صفة الوضوء، عن الحسن بن علي الوشّاء قال: دخلت على الرضا (عليه السلام) و بين يديه إبريق يريد أن يتهيّأ منه للصلاة، فدنوت لأصبّ عليه، فأبىٰ ذلك و قال

مه يا حسن، فقلت: لم تنهاني أن أصبّ على يدك، تكره أن أؤجر؟

فقال: تؤجر أنت و أوزر أنا، فقلت له: و كيف ذلك؟ فقال: ما سمعت اللّٰه يقول

فَمَنْ كٰانَ يَرْجُوا لِقٰاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صٰالِحاً وَ لٰا يُشْرِكْ بِعِبٰادَةِ رَبِّهِ أَحَداً

، و ها أنا ذا أتوضّأ للصلاة و هي العبادة، فأكره أن يشركني فيها أحد.

و هذه الرواية، في الكافي أيضاً، في باب النوادر، قبل أبواب الحيض.

242

و وجه الاستدلال: أنّ الوزر ظاهره الإثم، لكنّه لمّا كان سند الرواية [غير نقي (1) لم يظهر صحّته.

و يمكن أيضاً حمل الوزر على الكراهة، سيّما مع قرينة لفظة «فأكره» مع أنّ حسنات الأبرار سيئات المقربين، فلم يصلح للتعويل عليها في الحرمة.

فإن قلت: ما معنى قوله (عليه السلام): «تؤجر أنت و أوزر أنا»؟ لأنّه إذا حصل الوزر له كيف يحصل الأجر للراوي؟ لأنّ معاونة الإثم إثم و معاونة المكروه مكروه.

قلت: كان مراده (عليه السلام) أنّه لمّا كان الراوي يظنّ أنّه أعانه على البرّ فهو إنّما يثاب بظنّه لو لم// (131) ينهه و يكون هو (عليه السلام) مأزوراً، و اللّٰه أعلم.

ثمّ إنّه يجوز تولية الغير مع الاضطرار، للإجماع كما ذكره العلامة في المنتهي، و المحقق في المعتبر.

و استدل عليه المصنف في الذكرى، و تبعه الشهيد الثاني (ره) في شرح الإرشاد بأنّ المجاز إنّما يصار إليه عند تعذّر الحقيقة.

و فيه نظر، لأنّ مرادهما من الصيرورة إلى المجاز: إمّا أنّ الأوامر العامّة الواردة

____________

(1)] أثبتنا الزيادة من نسخة «ب».

243

بالوضوء مثل قوله تعالى فَاغْسِلُوا الآية، إنّما يحمل بالنسبة إلى المختار على الغسل بنفسه الذي هو الحقيقة، و بالنسبة إلى المضطر على الغسل بتولية الغير الذي هو المجاز، لامتناع الحمل على الحقيقة بالنسبة إليه.

ففيه: أنّه لِمَ لم يصر إلى تخصيص المضطر من العموم بدلالة العقل من حيث امتناع التكليف بما لا يطاق، و يصار إلى عموم المجاز [الذي هو (2)] المرجوح أو الممتنع.

و إمّا أنّ تلك الأوامر إنّما يختص بالمختارين و يكون المضطرون مكلّفين بتكليف آخر بالغسل المجازي.

ففيه مع بعده من العبارة-: أنّه حينئذٍ ما الدليل على ثبوت تكليف آخر بالغسل المجازي؟ لأنّ التكاليف المعلومة إنّما هي بهذه العمومات المختصة بالمختارين على هذا التقدير، فإن تمسّكتم بالإجماع أو دليل آخر على ثبوت ذلك التكليف فليعوّل عليه ابتداءً.

و استدل في المعتبر أيضاً

بأنّه توصّل إلى الطهارة بالقدر الممكن

، و فيه أيضاً نظر كما لا يخفى.

درسٌ 4- [في سنن الوضوء و بعض أحكامه]

[أما المندوب]

[وضع الإناء على اليمين و الاغتراف بها]

سنن الوضوء: وضع الإناء على اليمين و الاغتراف بها.

المراد بالإناء: الذي يغترف منه باليد، لا ما يصبّ منه كالإبريق.

____________

(2) لم ترد في نسخة «ب».

244

أمّا استحباب وضع الإناء على اليمين فذكر المحقّق أنّه مذهب الأصحاب.

و استدل عليه: بأنّه أمكن في الاستعمال، و هو نوع من تدبير.

و بما روى عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)

أنّ اللّٰه يحبّ التيامن في كلّ شيء.

و بما روي عن عائشة

أنّ النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) كان يحبّ التيامن في تنعّله، و ترجّله، و طهوره، و في شأنه كلّه.

و أمّا ما ورد في حديث القعب المتقدم من أنّه (عليه السلام) وضعه بين يديه، فيمكن أن يقال: إنّه لا ينافي ما ذكر، لأنّ الوضع على اليمين أيضاً يطلق عليه هذا المعنى كثيراً و إن كان على سبيل المسامحة.

و لا يذهب عليك أنّه لو لم يكن الشهرة بين الأصحاب لكان الأولى الحكم باستحباب الوضع بين يديه، لظهور دلالة الرواية و عدم تمامية الأدلّة المذكورة لا (4) على استحباب الوضع على اليمين كما لا يخفى.

و أمّا الاغتراف باليمين فهو أيضاً مثل سابقه في ذهاب الأصحاب إليه و جريان الدلائل المذكورة، مع ما ورد في الروايات المتضمنة لوضوئهم (عليهم السلام) من الاغتراف بها.

و يدلُّ عليه أيضاً: ما في حكاية الثقفي و الأنصاري، المنقولة في باب نوادر

____________

(4) لم ترد في نسخة «ألف و ب».

245

الكافي، قبل أبواب الحيض، و في باب فضائل الحج، في الفقيه، لكن لا يذهب عليك أنّ استحباب الاغتراف باليمين لغسل الوجه و غسل اليد اليسرى ممّا لا خفاء فيه.

و أمّا استحبابه لغسل نفسها كما ذكره الأصحاب من أنّه يغترف بها و يدير على اليسرى ففيه خفاء، لأنّ جميع الروايات الواردة في هذا الباب التي في الكتب الأربعة على حسب ما وجدناه إنّما يتضمن الاغتراف باليسرى لغسل اليمنى، سوى حديث الطست المنقول عن زرارة و بكير على النحو الذي في التهذيب، فإنّ فيه الاغتراف باليمنى لغسل نفسها؛ و أمّا على النحو الذي في الكافي، فهو أيضاً متضمن للاغتراف باليسرى.

و الذي رواه الكافي، في باب صفة الوضوء، في الصحيح، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال

يأخذ أحدكم الراحة من الدهن، فيملأ بها جسده و الماء أوسع، أ لا أحكي لكم وضوء رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)؟

قلت: بلى، قال: فأدخل يده في الإناء و لم يغسل يده، فأخذ كفّاً من ماء فصبّه على وجهه، ثمّ مسح جانبيه حتّى مسحه كلّه، ثمّ أخذ كفّاً آخر بيمينه فصبّه على يساره، ثمّ غسل به ذراعه الأيمن، ثمّ أخذ كفّاً آخر فغسل به ذراعه الأيسر، ثمّ مسح رأسه و رجليه بما بقي في يديه.

246

فحينئذٍ الحكم باستحباب الاغتراف باليمنى مطلقا مشكل، لأنّ الروايات الدالّة على الاغتراف باليسرى لغسل اليمنى أكثر من الدالّ عل خلافه، لأنّها أربع و هي اثنتان، سيّما أنّ رواية الطست قد وقع في الكافي على خلاف التهذيب، و بهذا يتطرّق ظنّ الغلط إليه، لأنّه أثبت من التهذيب.

و الرواية الأخرى فيها محمّد بن عيسى عن يونس، و فيه أيضاً خدشة، فالأولى الحكم باستحباب الاغتراف باليسرى لغسل اليمنى أو بالتساوي بينهما.

و قال الشهيد الثاني (ره) في شرح الإرشاد: «و في حديث عن الباقر (عليه السلام): أنّه أخذ باليسرى فغسل اليمنى، و هو لبيان الجواز» انتهى، و هو كما ترى (2)، و اللّٰه أعلم.

[و التسمية]

و التسمية.

استحباب التسمية عند الوضوء إجماع منّا، و قال الظاهرية بالوجوب.

و الذي يدل على عدم الوجوب، مضافاً إلى الإجماع: ما رواه التهذيب، في الزيادات، في باب صفة الوضوء، في الصحيح، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال

إذا سمّيت في الوضوء طهر جسدك كلّه، و إذا لم تسمّ، لم يطهر من جسدك إلّا ما مرّ عليه الماء.

و ما رواه أيضاً في هذا الباب، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)

____________

(2) في هامش نسخة «ب»: ملاحظة گردد.

247

بهذا المضمون.

و قال الفقيه أيضاً، في باب حدّ الوضوء

و روى أنّ من توضّأ فذكر اسم اللّٰه طهر جميع جسده، و كان الوضوء إلى الوضوء كفّارة لما بينهما من الذنوب، و من لم يسمّ لم يطهر من جسده إلّا ما أصابه الماء.

و يؤيّده أيضاً: بعض ما ورد في صفة الوضوء، و ليس فيه ذكر التسمية كما تقدم في الأبواب السابقة.

و كذا ما رواه في الباب المذكور أيضاً، في الصحيح (3)، عن عيص بن القاسم، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال

من ذكر اسم اللّٰه تعالى على وضوئه فكأنّما اغتسل.

و هذه الرواية في الفقيه أيضاً، مرسلة، في الباب المذكور.

و أمّا ما رواه أيضاً في هذا الباب، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال:

إنّ رجلًا توضّأ و صلّى فقال له رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله): أعد وضوءك و صلاتك، ففعل و توضّأ و صلّى، فقال النبي (صلى اللّٰه عليه و آله): أعد وضوءك و صلاتك، ففعل و توضّأ و صلّى، فقال النبي (صلى اللّٰه عليه و آله): أعد وضوءك

____________

(3) في هامش نسخة «ب»: ملاحظة گردد.

248

و صلاتك، فأتى أمير المؤمنين (عليه السلام)، فشكا ذلك إليه، فقال: هل سمّيت حين توضّأت؟

قال: لا، قال: فسمّ على وضوئك، فسمّى و توضّأ و صلّى، و أتى النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)، فلم يأمره أن يعيد

فلا ينافي ما ذكرناه، لعدم ظهوره في الوجوب، فليحمل على الاستحباب، مع أنّه مرسل.

و حمل الشيخ التسمية على النية، و فيه بعد.

و الذي يدل على استحباب التسمية، مضافاً إلى الإجماع و الروايات المنقولة آنفاً: ما رواه أيضاً في باب صفة الوضوء، في الصحيح، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال

إذا وضعت يدك في الماء فقل: بسم اللّٰه و باللّٰه، اللهمّ اجعلني من التوابين، و اجعلني من المتطهرين، فإذا فرغت فقل: الحمد للّٰه ربّ العالمين.

و ما رواه الفقيه، في باب صفة وضوء أمير المؤمنين (عليه السلام) قال

و كان أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا توضّأ قال: «بسم اللّٰه و باللّٰه، و خير الأسماء للّٰه، و أكبر الأسماء للّٰه، و قاهر لمن في السماء، و قاهر لمن في الأرض، الحمد للّٰه الذي جعل من الماء كلّ شيء حيّ، و أحيى قلبي بالإيمان، اللهمّ تب عليّ و طهّرني، و اقض لي بالحسنى، و أرني كلّ الذي أحبّ، و افتح لي بالخيرات

249

من عندك، يا سميع الدعاء».

و أمّا صفة التسمية فيستفاد// (132) من هاتين الروايتين، و الظاهر أنّه لو اكتفى ببسم اللّٰه لأجزأ، كما يدل عليه حديث القعب المتقدم، و إطلاق الروايات المنقولة آنفاً.

و كذا ما رواه الكافي، في باب النوادر، قبل أبواب الحيض، عن محمّد بن قيس، في حديث طويل، فيه حكاية الثقفي و الأنصاري.

و قد روى الفقيه أيضاً، هذه الرواية، في باب فضائل الحجّ، لكن فيه: بدل «بسم اللّٰه»، «بسم اللّٰه الرحمن الرحيم»، و لا يخفى أنّه أولى، سيّما أنّ التسمية في العرف كأنّه ينصرف إليه.

[و الدعاء]

و الدعاء.

المراد: الدعاء عند التسمية، و قد مرّ آنفاً ما يتضمن طريقين منه.

و يتضمن طريقاً آخر أيضاً، ما رواه التهذيب، في الباب المذكور، عن عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال

بينا أمير المؤمنين (عليه السلام) ذات يوم جالس مع ابن الحنفيّة، إذ قال له: يا محمّد ايتني بإناء من ماء أتوضّأ للصلاة، فأتاه محمّد بالماء، فأكفاه بيده اليسرى على يده اليمنى، ثمّ قال: «بسم اللّٰه، و الحمد للّٰه الذي جعل الماء طهوراً، و لم يجعل نجساً».

قال: ثمّ استنجى، فقال: «اللهمّ حصّن فرجي و أعفه، و استر عورتي، و حرّمني

250

على النار».

قال: ثمّ تمضمض، فقال: «اللهمّ لقّني حجّتي يوم ألقاك، و أطلق لساني بذكرك».

ثمّ استنشق فقال: «اللهمّ لا تحرّم عليّ ريح الجنة، و اجعلني ممّن يشمّ ريحها و روحها و طيبها».

قال: ثمّ غسل وجهه، فقال: «اللهمّ بيّض وجهي يوم تسودّ فيه الوجوه، و لا تسوّد وجهي يوم تبيضّ فيه الوجوه».

ثمّ غسل يده اليمنى فقال: «اللهمّ أعطني كتابي بيميني، و الخلد في الجنان بيساري، و حاسبني حساباً يسيراً».

ثمّ غسل يده اليسرى فقال: «اللهمّ لا تعطني كتابي بشمالي

(1)

، و لا تجعلها مغلولة إلى عنقي، و أعوذ بك من مقطّعات النيران».

ثمّ مسح رأسه فقال: «اللهمّ غشّني برحمتك و بركاتك».

ثمّ مسح رجليه فقال: «اللهمّ ثبّتني على الصراط يوم تزلّ فيه الأقدام، و اجعل سعيي فيما يرضيك عنّي»

(2)

.

ثمّ رفع رأسه، فنظر إلى محمّد فقال: يا محمّد من توضّأ مثل وضوئي، و قال مثل قولي، خلق اللّٰه له من كلّ قطرة ملكاً يقدّسه و يسبّحه و يكبّره، فيكتب اللّٰه له ثواب ذلك إلى يوم القيامة.

____________

(1) في هامش نسخة «ب»: بشمالي و لا من وراء ظهري و لا تجعلها.

(2) في نسخة «ألف»: يرضيك عنّي، يا ذا الجلال و الإكرام.