مشارق الشموس في شرح الدروس - ج2

- الشيخ آقا حسين الخوانساري المزيد...
534 /
251

و هذه الرواية في الكافي أيضاً، في باب النوادر، قبل أبواب الحيض.

و في الفقيه، في باب صفة وضوء أمير المؤمنين (عليه السلام).

[و السواك]

و السواك.

استحباب السواك أيضاً إجماع منّا، و قال بعض العامّة بالوجوب.

و الذي يدل على عدم الوجوب، مضافاً إلى الإجماع: ما رواه الكافي، في باب السواك، عن عبد اللّٰه بن ميمون القدّاح، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال

ركعتان بالسواك أفضل من سبعين ركعة بغير سواك، قال: و قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله): لولا أن أشقّ على أمّتي، لأمرتهم بالسواك مع كلّ صلاة.

و روى الفقيه أيضاً، في باب السواك، هذا المضمون مرسلًا، عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله).

و الذي يدل على استحبابه، مضافاً إلى الإجماع و ما ذكر: ما رواه الفقيه، في الباب المذكور قال: و قال الصادق (عليه السلام)

نزل جبرئيل بالسواك، و الحجامة، و الخلال.

و قال الصادق (عليه السلام)

أربع من سنن المرسلين، التعطّر، و السواك، و النساء و الحناء.

252

و قال أمير المؤمنين (عليه السلام)

إنّ أفواهكم طرق القرآن، فطهّروها بالسواك.

و قال النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)، في وصيته لعلي (عليه السلام)

يا علي عليك بالسواك عند وضوء كلّ صلاة.

و الروايات في فضل السواك كثيرة، و سيجيء بعض آخر منها إن شاء اللّٰه تعالى فيما بعد.

ثم إنّهم اختلفوا في أنّ السواك هل هو من سنن الوضوء أم لا؟

فقيل: إنّه من سننه، لأنّه نوع من النظافة يؤمر به المتوضّي.

و قيل: إنّه سنة مقصودة في نفسه، لأنّه يؤمر به غير المتطهّر كالحائض و النفساء كما يؤمر به المتطهّر، و يظهر الفائدة فيما لو نذر الإتيان بسنن الوضوء.

و الظاهر الأوّل، لما رواه الفقيه، في الباب المذكور قال: و قال (عليه السلام)

السواك شطر الوضوء.

و يؤيّده أيضاً: ما تقدّم في وصيّة النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)، و كون غير المتطهّر أيضاً مأموراً به لا ينافيه كما لا يخفى.

[و المضمضة و الاستنشاق ثلاثاً ثلاثاً]

و المضمضة و الاستنشاق ثلاثاً ثلاثاً.

253

قد اتفق أصحابنا على استحبابهما أيضاً إلّا ابن أبي عقيل، فإنّ الظاهر من كلامه عدم الاستحباب و الوجوب جميعاً، و خالف بعض العامّة فقال بوجوبهما.

و الذي يدل على عدم وجوبهما: ما رواه التهذيب، في الباب المذكور، في الحسن، عن أبي بكر الحضرمي، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال

ليس عليك استنشاق و لا مضمضة، لأنّهما من الجوف.

و هذه الرواية في الكافي أيضاً، في باب المضمضة.

و ما رواه أيضاً في الباب المذكور، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال

ليس المضمضة و الاستنشاق فريضة و لا سنّة، إنّما عليك أن تغسل ما ظهر.

و الذي يدل على استحبابهما: ما تقدم من وضوء أمير المؤمنين (عليه السلام).

و ما رواه أيضاً في الباب المذكور، في الصحيح أو الموثق، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عنهما؟ فقال

هما من الوضوء، فإن نسيتهما فلا تعد.

254

و ما رواه أيضاً في الباب المذكور، في الموثق، عن سماعة قال: سألته عنهما؟ فقال

هما من السنة، فإن نسيتهما لم يكن عليك إعادة.

و ما رواه أيضاً في هذا الباب، عن عبد اللّٰه بن سنان، [عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2)] قال

المضمضة و الاستنشاق ممّا سنّ رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله).

و قال الصدوق (ره): «إنّ السنن الحنفيّة عشر سنن»، و عدّ من جملتها المضمضة و الاستنشاق.

و أمّا ما رواه التهذيب، في الباب المذكور، في الصحيح، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال

المضمضة و الاستنشاق ليسا من الوضوء

فمحمول على أنّهما ليسا من فرائض الوضوء.

و كذا ما رواه الكافي، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: سألته عن المضمضة و الاستنشاق؟ قال

ليس هما من الوضوء، هما من الجوف.

إلى غير ذلك من الأخبار الواردة بهذا المعنى.

و أمّا الرواية المتقدمة عن زرارة النافية لكونهما سنّة أيضاً، فمع جهالة سندها

____________

(2) هكذا في المصدر.

255

محمولة على السنّة التي لا يجوز تركها، لأنّ السنّة في عرفهم ليس بمعنى الاستحباب في عرفنا، بل ما ثبت بسنّة الرسول.

و ما ذكره المصنف من كونهما ثلاثاً ثلاثاً هو المشهور بين الأصحاب و لم نطلع على مستنده سوى ما تضمنه رواية معلّى بن خنيس المنقولة آنفاً من التمضمض ثلاث مرّات بعد الوضوء عند نسيان السواك، لكنّ الشهرة بين الأصحاب، كأنّها كافية في هذا الباب.

قال المصنف في الذكرى: «و كيفيتهما أن يبدأ بالمضمضة ثلاثاً، بثلاث أكفّ من ماء، و مع الإعواز بكفّ واحدة، فيدير الماء في جميع فيه ثمّ يمجّه ثمّ يستنشق، و ليبالغ فيهما».

[و الدعاء فيهما]

و الدعاء فيهما. قد تقدّم في حديث وضوء أمير المؤمنين (عليه السلام).

[و تثنية الغسل]

و تثنية الغسل.

المشهور بين الأصحاب استحباب تثنية الغسلات، و ادعى ابن إدريس الإجماع عليه، بناءً على عدم الاعتداد بخلاف معلوم النسب، و فيه ضعف.

و خالف فيه الصدوق و قال بعدم الاستحباب، و هو الظاهر من كلام الكافي أيضاً كما سننقله، و من كلام أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطي أيضاً، على ما نقل ابن إدريس عنه أنّه قال في نوادره

و اعلم أنّ الفضل في واحدة واحدة و من زاد

256

على اثنتين لم يؤجر.

ثم ان كلام الكافي صريح في عدم حرمته و بدعيته و هو الظاهر من كلام الصدوق أيضا لكن ابن إدريس نسب إلى بعض الأصحاب القول بالتحريم و يظهر منه انه الصدوق و الشيخ أيضا في الخلاف و نسب التحريم إلى بعض الأصحاب و بالجملة: الظاهر عدم الاستحباب، و أمّا الحرمة بل الكراهة أيضاً فلا.

لنا: الروايات الكثيرة المتقدمة في صفة الوضوء المتضمنة لفعلهم (عليهم السلام) مرّة مرّة.

و ما رواه التهذيب، في باب صفة الوضوء، في الصحيح، عن أبي عبيدة الحذّاء قال

وضّأت أبا جعفر (عليه السلام) بجمع و قد بال، فناولته ماءً فاستنجى، ثمّ صببت عليه كفّاً فغسل به وجهه، و كفّاً غسل به ذراعه الأيمن، و كفّاً غسل به ذراعه الأيسر، ثمّ مسح بفضل النداء رأسه و رجليه

(5)

.

و ما رواه الكافي، في باب صفة الوضوء، في الصحيح، عن حمّاد بن عثمان قال: كنت قاعداً عند أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، فدعا بماء فملأ به كفّه فعمّ به وجهه، ثمّ ملأ كفّه فعمّ به يده اليمنى، ثمّ ملأ كفّه فعمّ به يده اليسرى، ثمّ مسح على

____________

(5) التهذيب 1: 58/ 162، و الاستبصار 1: 58/ 172، و رواه في التهذيب 1: 79/ 204، و الاستبصار 1: 69/ 209، و فيهما: «ثمّ أخذ كفّاً» بدل «ثمّ صببت عليه كفّاً»،.

257

رأسه و رجليه و قال

هذا وضوء من لم يحدث حدثاً.

قال الكافي: «يعني به التعدي في الوضوء».

و يمكن أن يكون مراده (عليه السلام) معناه الظاهر، و كون ما فعله (عليه السلام) وضوء من لم يحدث باعتبار عدم غسل اليد قبل الوضوء، إذ المحدث يستحب له غسل اليد كما تقدم.

و ما رواه الكافي أيضاً، في الباب المذكور، في الصحيح، عن زرارة قال

حكى لنا أبو جعفر (عليه السلام) وضوء رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) فدعا بقدح و أخذ كفّاً من ماء، فأسدله على وجهه، ثمّ مسح وجهه من الجانبين جميعاً، ثمّ أعاد يده اليسرى في الإناء فأسدلها لها على يده اليمنى، ثمّ مسح جوانبها، ثمّ أعاد اليمنى في الإناء فصبّها على اليسرى، ثمّ صنع بها كما صنع باليمنى، ثمّ مسح بما بقي في يده رأسه و رجليه و لم يعدهما في الإناء.

و هذه الرواية في التهذيب أيضاً، في باب صفة الوضوء، ببعض التغييرات، و قد نقلنا بعضاً منها في بحث البدأة بأعلى الوجه.

و ما رواه الكافي أيضاً، في الباب المذكور، في الحسن، عن بكير بن أعين، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال

أ لا أحكي لكم وضوء رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)؟ فأخذ بكفّه اليمنى كفّاً من ماء فغسل به وجهه، ثمّ أخذ بيده اليسرى

258

كفّاً [من ماء

(3)

] فغسل به يده اليمنى، ثمّ أخذ بيده اليمنى كفّاً من ماء فغسل به يده اليسرى، ثمّ مسح بفضل يديه رأسه و رجليه.

و ما رواه الكافي أيضاً، في الباب المذكور، في الموثق، عن عبد الكريم قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الوضوء؟

فقال: ما كان وضوء علي (عليه السلام) إلّا مرّة مرّة.

و هذه الرواية في التهذيب أيضاً، لكن بسند ضعيف.

قال الكافي بعد نقل هذه الرواية: «هذا دليل على أنّ الوضوء، إنّما هو مرّة مرّة، لأنّه (صلى اللّٰه عليه و آله) كان إذا ورد عليه أمران كلاهما للّٰه طاعة، أخذ بأحوطهما و أشدّهما على بدنه، و إنّ الذي جاء عنهم (عليهم السلام) أنّه قال: «الوضوء مرّتان» إنّه هو [لمن] لو لم يقنعه مرّة و استزاده، فقال: «مرّتان»، ثمّ قال: «و من زاد على مرّتين لم يؤجر».

و هذا أقصى غاية الحدّ في الوضوء الذي من تجاوزه أثم و لم يكن له وضوء، و كان كمن قد صلّى الظهر خمس ركعات، و لو لم يطلق (عليه السلام) في المرّتين لكان سبيلهما سبيل الثلاثة». انتهى كلامه رفع مقامه.

و ما رواه التهذيب، في الباب المذكور، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال

الوضوء واحدة فرض، و اثنتان لا يؤجر، و الثالثة

____________

(3) هكذا في المصدر.

259

بدعة.

و ما رواه أيضاً في هذا الباب، عن يونس بن عمّار قال

سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الوضوء للصلاة؟ فقال: مرّة مرّة.

و هذه الرواية في الكافي أيضاً، في باب صفة الوضوء.

و ما تقدم من حسنة زرارة أو صحيحته، في بحث مسح مقدّم الرأس، من قوله (عليه السلام)

إنّ اللّٰه وتر

إلى آخره.

و ما تقدم من حسنة ميسر في بحث الكعب.

و ما رواه الفقيه، في باب صفة وضوء رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) قال: و قال الصادق (عليه السلام)

و اللّٰه ما كان وضوء رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) إلّا مرّة مرّة، و توضّأ النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) مرّة مرّة فقال: هذا وضوء لا يقبل اللّٰه الصلاة إلّا به.

و اعلم أنّ هذه الروايات و إن أمكن المناقشة في بعضها بحمله مثلًا على أنّ المراد صفة الوضوء البياني و أقلّ ما يجب، و أنّ عدم الأجر باعتبار اعتقاد الوجوب، و بضعف السند لكن بعضها ممّا لا يحتمل هذه المناقشات، و البعض الذي يحتملها يؤيّده في المطلب، فيحصل من جميعها ظنّ قويّ بالمراد كما يحكم

260

به الوجدان.

هذا ما يدل على عدم الاستحباب، و أمّا عدم الحرمة و الكراهة فلعدم دليل عليهما، مع اعتضاده ببعض الروايات الآتية.

و احتج القائلون بالاستحباب: بما رواه التهذيب، في الباب المذكور، في الصحيح، عن معاوية بن وهب قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الوضوء؟ فقال

مثنى مثنى.

و فيه: أنّه لا دلالة له على الاستحباب، لجواز أن يكون مراده (عليه السلام) بيان القدر الذي رخّص فيه للناس الذي لا يجوز التجاوز عنه.

و الحاصل: أنّ الثنتين، إنّما هو من باب الرخصة لا الاستحباب.

و يؤيّده: ما رواه الكشّي، عن حمدويه و إبراهيم قالا: حدّثنا محمّد بن إسماعيل الرازي، قال: حدّثني أحمد بن سليمان، قال: حدّثني داود الترقي، قال: دخلت على أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) فقلت: جعلت فداك، كم عدّة الطهارة؟ فقال

ما أوجب اللّٰه تعالى فواحدة، فأضاف إليها رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) لضعف الناس، و من توضّأ ثلاثاً ثلاثاً فلا صلاة له.

فإنّ هذا مشعر بأنّ إضافة الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله) مرّة أخرى إنّما هو من باب التسهيل و الرخصة لا من باب الرجحان و الأولويته.

فإن قلت: ما معنى الإضافة و الازدياد لضعف الناس و رخصتهم؟ بل ينبغي أن

261

يكون الأمر بخلافه.

قلت: وجهه أنّ المرّة الواحدة إنّما تحتاج إلى مبالغة كثيرة ليتحقق الغسل و يطمئن الخاطر، فبسبب تجويز المرّتين و رخصة الناس في التكرار يرتفع عنهم كلفة المبالغة و مشقّتها، فصحّ تعليل الإضافة بضعفهم.

و أيضاً: يجوز أن يكون المراد بضعفهم: ضعف عقولهم حيث لم يقاوم بالوساوس الوهميّة التي تعرض لهم في وصول الماء إلى جميع العضو عند الاكتفاء بالمرّة الواحدة و يعلّق خاطرهم، كما تشاهد من (1) أنفسنا، فحيث جوّز المرّتان يزول عنهم ذلك الوسواس و تطمئن قلوبهم، لجزمهم التامّ حينئذٍ بأنّه لو لم يصل في المرتبة الأولى إلى الجميع لوصل في الثانية البتة.

و هاهنا كلام آخر: و هو أنّه يجوز أن يكون المراد بمثنى بمثنى الغرفتين لغسلة واحدة لا الغسلتين، و الكلام إنّما هو في الغسلتين كما صرّح به المصنف (ره) في الذكرى.

و يؤيّده: ما رواه التهذيب و الكافي، في آخر حديث الطست المنقول سابقاً حيث قال الراوي: فقلنا

أصلحك اللّٰه فالغرفة الواحدة تجزأ للوجه و غرفة للذراع؟ فقال: نعم، إذا بالغت فيها، و الثنتان تأتيان على ذلك كلّه

، و حينئذٍ يصير توجيه ما رويناه عن الكشّي أظهر.

____________

(1) لم ترد في نسخة «ألف».

262

هذا، و قد حمله المحقّق البهائي علي معنى آخر و هو: أنّه يجوز أن يكون المراد غسلتين و مسحتين، خلافاً للعامّة حيث إنّهم يقولون بغسلات و مسحة. و أيّده بما روى (2) ابن// (134) عبّاس: «أنّ الوضوء غسلتان و مسحتان»، و ليس ببعيد.

و احتجوا أيضاً (3): بما رواه التهذيب، في الباب المذكور، في الصحيح، عن صفوان، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال

الوضوء مثنى مثنى.

و الكلام فيه أيضاً كالكلام في سابقه، مع أنّ فيه كلاماً آخر أيضاً من حيث السند، لأنّهم (5) ذكروا أنّ صفوان لم يرو عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) بلا واسطة، فيكون في الخبر إرسال، فيضعّف.

و قد ردّ بعضهم (6) هذا بأنّ الإرسال هيهنا ليس بضائر، للإجماع على تصحيح ما يصحّ عن صفوان.

و فيه شيء، لاحتمال أن يكون معنى هذا الإجماع: أنّ ما يصح عنه صحيح باعتباره [في (7)] نفسه، لا باعتبار ما فوقه أيضاً، فيكون في الحقيقة راجعاً إلى تعديله و توثيقه، و حينئذٍ لا يجدي في المرام.

هذا إذا كان المراد صفوان ابن يحيى كما هو الظاهر بالنظر إلى رواية أحمد بن

____________

(2) في نسخة «ألف و ب»: عن.

(3) لم ترد في نسخة «ألف».

(5) هو المحقق الشيخ حسن في المنتقى الجمان كما نقل عنه السبزواري في ذخيرة المعاد.

(6) هو المحقق السبزواري في ذخيرة المعاد/ الطهارة/ مستحبات الوضوء.

(7) أثبتنا الزيادة من «ب».

263

محمّد عنه لأنّ الظاهر أنّه إمّا ابن عيسى أو ابن خالد، لرواية الشيخ عنهما، و هما لا يرويان عن ابن مهران، و إن كان ابن مهران كما هو الظاهر بالنظر إلى روايته عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، فحينئذٍ الظاهر أنّ أحمد بن محمّد هو أحمد بن محمّد بن أبي نصر، لأنّه يروي عن ابن مهران. و علي هذا فيكون بينه و بين الشيخ واسطة، و طريق الشيخ في الفهرست إلى أحد كتابيه ليس بصحيح، فكان هذه الرواية منه، فإذن يحصل القدح في صحّته.

و إن حمل أحمد بن محمّد حينئذٍ على أحد السابقين بقرينة رواية الشيخ يحصل الإرسال بينه و بين صفوان (1)، و حال الواسطة غير معلومة، فعلى أيّ وجه لا يخلو عن قدح.

و لا يخفى أنّ أظهر الاحتمالات أن يكونا ابن أبي نصر و ابن مهران، لأنّ الإرسال في صدر الرواية أكثر منه في أوسطها بغير ذكر؛ فتدبر.

و بما رواه أيضاً، في باب آداب الأحداث، في الموثق، عن يونس بن يعقوب قال: قلت [لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (2)]: الوضوء الذي افترضه اللّٰه على العباد لمن جاء من الغائط أو بال؟ قال

يغسل ذكره و يذهب الغائط، ثمّ يتوضّأ مرّتين مرّتين.

و فيه أيضاً ما تقدم.

و بما رواه أيضاً في الباب المذكور، عن زرارة، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال

الوضوء مثنى مثنى، من زاد لم يؤجر عليه، و حكى لنا وضوء رسول

____________

(1) في نسخة «ألف»: صفوان بن يحيى.

(2) هكذا في المصدر.

264

(صلى اللّٰه عليه و آله)، فعسل وجهه مرّة واحدة، و ذراعيه مرّة واحدة، و مسح رأسه بفضل وضوئه، و رجليه.

و فيه أيضاً ما تقدم، مع أنّه ضعيف السند. و ما في آخر الخبر من حكاية الوضوء لا يخلو من تأييد لما ذكرناه.

و بما رواه الفقيه، في باب صفة وضوء رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال

فرض اللّٰه الوضوء واحدة واحدة، و وضع رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) للناس اثنتين اثنتين.

و يعلم حاله أيضاً ممّا سبق، مع أنّه مقطوع السند. و قد حمله الصدوق على الإنكار لا الإخبار، و هو بعيد.

و بما رواه الفقيه أيضاً، عن عمرو بن أبي المقدام، قال: حدّثني من سمع أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول

إنّي لأعجب ممّن يرغب أن يتوضّأ اثنتين اثنتين، و قد توضّأ رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) اثنتين اثنتين.

و فيه أيضاً ما تقدّم، مع القدح في السند.

و قس عليهما ما رواه أيضاً أنّ مرّتين أفضل، و أنّه إسباغ.

و قد حمل الفقيه الروايات الواردة بالمرّتين و الاثنتين على التجديد، و لا يخلو عن بعد، و اللّٰه أعلم.

265

و قد يستدل أيضاً: بما رواه التهذيب، في الموثق، عن عبد اللّٰه بن بكير، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال

من لم يستيقن أنّ واحدة من الوضوء تجزيه، لم يؤجر على الثنتين.

وجه الاستدلال: أنّ مفهومه هو: أنّ مع اليقين بإجزاء الواحدة يؤجر على الثنتين فيكون الثنتان مستحبّاً، إذ الأجر إنّما يكون على المستحب.

و يمكن أن يقال: إنّه يجوز أن يكون المراد من منطوق الخبر: أنّ من لم يستيقن بإجزاء الواحدة لم يؤجر على الثنتين، أي مجموعهما لا المرّة الثانية فقط.

و الحاصل: عدم الأجر على هذا العمل أصلًا، فيكون مفهومه الأجر على هذا العمل مع اليقين بإجزاء الواحدة، و هو حاصل إمّا باعتبار جزئه و إمّا باعتباره مجموعاً أيضاً، بناءً على أنّه أحد الفردين الواجبين، على قول من يجعل في أمثال هذه الصور الامتثال بالمجموع، و لا يلزم منه حصول الأجر على المرّة الثانية بنفسها؛ فتدبر.

[لا تثنية المسح فيكره]

لا المسح، فيكره.

عدم الاستحباب في تكرار المسح ممّا لا خفاء فيه، لإجماعنا عليه، و للروايات المتقدمة المتضمنة لوضوئهم (عليهم السلام) حيث لا تكرار فيهما في المسح، و لمرفوعة أبي بصير المتقدمة في بحث مسح مقدّم الرأس (2)، و لأنّ الامتثال إنّما يحصل بواحدة فاستحباب الزائد لا بدّ له من دليل لأنّه حكم شرعي

____________

(2) في نسخة «ألف»: في بحث الرأس.

266

و لا دليل.

و ما تقدم من الروايات الدالّة على أنّ الوضوء مثنى مثنى مع معارضتها بما سبق أيضاً، و ورود (2) الإيرادات المذكورة عليها غير ظاهرة في شمول المسح، لاحتمال اختصاصها بالغسل.

و أمّا مرسلة يونس المتقدمة في بحث النكس في مسح القدم، فلا دلالة لها على التكرار، لاحتمال المعنيين اللذين ذكرناهما هناك.

و أمّا كراهة التكرار فقد علّلوه بأنّه تكلّف (3) ما لا يحتاج إليه، و فيه ضعف ظاهر.

و يفهم من ظاهر المبسوط و الخلاف التحريم، و عدّه ابن حمزة من التروك المحرّمة، و ابن إدريس جعله بدعة، و وجه الكلّ غير ظاهر.

و احتمل المصنف في الذكرى أن يكون مرادهم: التكرار مع اعتقاد شرعية، و فيه أيضاً كلام سيجيء في البحث التالي إن شاء اللّٰه تعالى.

نعم، لا بأس بالقول بالكراهة، للشهرة بين الأصحاب بل الإجماع ظاهراً، لكن لا خلاف في عدم إبطال الوضوء به كما ذكره ابن إدريس في السرائر.

[و تحرم الثالثة]

و تحرم الثالثة.

____________

(2) في نسخة «ألف»: و ردّ.

(3) في نسخة «ج»: تكليف.

267

لا خفاء في عدم استحباب الغسلة الثالثة، للإجماع، و للروايات المتقدمة آنفاً في بحث تثنية الغسل.

و أمّا ما رواه التهذيب، في باب صفة الوضوء في الصحيح، عن داود بن زربي (1) قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الوضوء؟

فقال لي

توضّأ ثلاثاً ثلاثاً، قال: ثمّ قال لي: أ ليس تشهد بغداد و عساكرهم؟ قلت: بلى، قال: فكنت يوماً أتوضّأ في دار المهدي، فرآني بعضهم و أنا لا أعلم به، فقال: كذب من زعم أنّك فلاني و أنت تتوضأ هذا الوضوء، فقال: فقلت: لهذا و اللّٰه أمرني

فمن باب التقية، كما يدل عليه عجز الرواية، و القصة كما نقل في الكشّي صريحة في هذا المعنى.

و احتمل المحقق البهائي (ره) أن يكون المراد من تثليث الوضوء تثليث الغسل بمعنى غسل الرجل أيضاً، إذ التقية فيه أظهر من التقية في تثليث عدد الغسلات، و اللّٰه أعلم.

ثمّ إنّ المشهور بين الأصحاب تحريمها كما في الذكرى، و قال ابن بابويه [في كتابه (6)]: «من توضّأ مرّتين لم يؤجر، و من توضّأ ثلاثاً فقد أبدع».

____________

(1) داود بن زربي بكسر الزاء ثم الراء الساكنة، ثم الباء الموحدة-، أبو سليمان الخندقي البندار الكوفي، عدّه الشيخ في رجاله من أصحاب الإمامين الصادق و الكاظم (عليهما السلام)، له كتاب. (رجال النجاشي: 160، رجال الطوسي 190، 349).

(6) ما بين المعقوفتين لم يرد في «ألف».

268

و الشيخ أيضاً في المبسوط قال: «و الثالثة بدعة»، و في النهاية أيضاً حكم بذلك.

و قال ابن أبي عقيل و ابن الجنيد بعدم التحريم، و هو الظاهر من كلام المفيد في المقنعة، حيث قال: و الثالثة كلفة (4).

و احتج القائلون بالتحريم بأنّها أحداث في الدين ما ليس منه فيحرم و يمنعها عن الموالاة الواجبة، و بأنّها بدعة، لما تقدم من رواية بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، في بحث تثنية الغسل فيكون حراماً.

[و] لما رواه أصول الكافي، في باب البدع، عن عبد الرحيم القصير، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال

قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله): كلّ بدعة ضلالة، و كلّ ضلالة في النّار.

و لما رواه أيضاً في هذا// (135) الباب، عن الفضل بن شاذان رفعه، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّٰه (عليهما السلام) قالا

كلّ بدعة ضلالة، و كلّ ضلالة سبيلها إلى النار

، إلى غير ذلك من الروايات الواردة في ذمّ البدعة.

و قد يؤيّد أيضاً: بما روى في الكافي و الفقيه، من

أنّ الوضوء حدّ من حدود

____________

(4) في المقنعة/ الطهارة/ صفة الوضوء و الفرض منه: «و تثليثه تكلّف».

269

اللّٰه تعالى، ليعلم اللّٰه من يطيعه و من يعصيه.

و يرد على الأوّل: أنّه إن أردتم بالأحداث في الدين ما ليس منه أنّه يفعل في الوضوء ما ليس من واجباته و مستحباته، فهو مسلّم، لكن لا نسلّم تحريمه، و هو ظاهر.

و إن أردتم أنّه يدخل في أحكام اللّٰه تعالى ما ليس حكمه تعالى، فحينئذٍ إمّا أن أريد بالحكم الذي يدخله في أحكام (2) اللّٰه مع أنّه ليس منها، الحكم باستحباب الثالثة أو الحكم بإباحتها.

فإن كان الثاني: فغير مسلّم، إذ هو أوّل البحث.

و إن كان الأوّل: فنقول: إنّ غاية ما يلزم منه تحريم اعتقاد ندبيتها لا فعلها بدون ذلك الاعتقاد بل مع الاعتقاد أيضاً، و الكلام إنّما هو في حرمة الفعل لا الاعتقاد كما هو الظاهر، اللهمّ إلّا أن يكون الكلام فيه.

و هاهنا شيء آخر و هو: أنّ حرمة ذلك الاعتقاد أيضاً ممنوعة، لأنّ الاعتقاد لو كان ناشياً من الاجتهاد أو التقليد لا وجه لحرمته، غاية الأمر أن يكون خطأً و لا أثم على الخطأ، كما تقرّر عندهم.

اللهمّ إلّا أن يجعلوا هذا الحكم من قبيل الضروريات.

و فيه مع أنّه خلاف الواقع-: أنّه يلزم حينئذٍ الحكم بكفر معتقده لا بتماميته فقط، مع أنّ الظاهر أنّه لا يقول به أحد.

____________

(2) في نسخة «ألف»: حكم.

270

أو يقال: إنّه لم يصل إلى حد الضرورة، لكنّه ظاهر جدّاً قريب من الضرورة، و مخالفة مثل هذه الأحكام حرام لكن لم يصل إلى حدّ الكفر، و اللّٰه أعلم.

و على الثاني: أنّه مبني على وجوب الموالاة بمعنى المتابعة، و قد علمت ما فيه، مع أنّ الظاهر أنّ القائلين بالوجوب أيضاً، لا يعتدون بأمثال تلك الفواصل.

و على الثالث: أنّ الرواية غير نقية السند.

و على التأييد: أنّه مجمل لا يفهم المراد منه ظاهراً.

و تمسّك القائلون بأنّها بدعة: «بأنّها ليست مشروعة، فإذا اعتقد التشريع أثم، و لأنّه يكون إدخالًا في الدين ما ليس منه فيكون مردوداً، لقوله (عليه السلام): «من أدخل في ديننا ما ليس منه، فهو ردّ»، و لا نعني بالبدعة إلّا ذلك». هكذا قاله المحقق في المعتبر.

و يمكن الاحتجاج بالمرسلة المذكورة أيضاً، و أنت بعد الاطلاع على ما ذكرنا آنفاً لا تحتاج إلى تفصيل القول فيه.

و حجّة القول بعدم التحريم: الأصل، و رواية زرارة المتقدمة في بحث تثنية الغسل، من

أنّ الوضوء مثنى مثنى، من زاد لم يؤجر عليه.

و اعترض عليه: بأنّ عدم الأجر لا ينافي التحريم، مع أنّها ضعيفة السند.

و لا يذهب عليك أنّه يمكن إجراء جميع ما ذكرنا في تثليث الغسلات، في تثليث المسح أيضاً.

271

هذا، و قد ظهر بما ذكرنا أنّ إثبات التحريم مشكل، لكنّ الاحتياط أن لا يزيد على الثنتين بل على الغرفتين، و تمام الاحتياط أن لا يزيد على غرفة واحدة، للروايات المتضمنة لوصف وضوئهم (عليهم السلام)، و عدم ظهور معارض قويّ، لما عرفت من الاحتمال (1) في الروايات الواردة بالمرّتين و الثنتين.

فإن قلت: ما تقول في رواية الغرفة المتقدمة؟ أ ليس لها ظهور أيضاً في جواز الغرفتين؟

قلت: كأنّها كذلك، لما ذكره بعض الأصحاب من أنّه يجوز أن يكون اللام في الثنتين إشارة إلى الغرفتين المذكورتين سابقاً، غرفة للوجه و غرفة للذراع، و يكون المراد: أنّ الغرفتين تأتيان على الوجه و الذراع، و لا حاجة إلى الزيادة.

فإن قلت: هب إنّ هذه العبارة ليست ظاهرة في جواز الغرفتين، لكن ما تقول في قوله (عليه السلام)

نعم، إذا بالغت فيها

؟ فإنّ المفهوم منه أنّ مع عدم المبالغة لا بدّ من الاثنتين، و هو صريح في الجواز.

قلت: لا نسلّم أنّ المفهوم منه أنّ مع عدم المبالغة لا بدّ من الاثنتين، بل المفهوم منه أنّه لا يجزي الغرفة مع عدم (2) المبالغة، و هو أعمّ ممّا ذكر، لجواز البطلان مع عدم المبالغة و إيصال الماء إلى الجميع بغرفة واحدة.

[و تبطل إن مسح بماء الثالثة]

و تبطل إن مسح بمائها. أي ماء (3) الثالثة.

اختلف الأصحاب فيه على أربعة أقوال، كما هو الظاهر.

____________

(1) في نسخة «ألف»: من الاحتمالات.

(2) لم ترد في نسخة «ألف».

(3) في نسخة «ألف»: بماء.

272

الأوّل: بطلان الوضوء بالغسلة الثالثة، سواء مسح بمائها أو لا، و هو الظاهر من أبي الصلاح.

الثاني: عدم البطلان مطلقا، سواء مسح بمائها أو لا، و هو مختار المعتبر.

و الثالث: البطلان إن مسح بمائها مطلقا، سواء كانت الغسلة في اليد اليسرى أو لا، و هو ظاهر هذا الكتاب و الذكرى.

و الرابع: البطلان إن كانت في اليد اليسرى و مسح بمائها، و هو مختار العلامة (ره) في النهاية.

و الذي يمكن أن يستدل به على المذهب الأوّل: ما رويناه سابقاً في بحث تثنية الغسل عن الكشّي، و ذكر أيضاً بعد ما روينا عنه عقيب قصّة طويلة، ثمّ قال

يا داود بن زربي توضّأ مثنى مثنى و لا تزيدنّ عليه، فإنّك إن زدت عليه فلا صلاة لك.

و هذه الرواية ظاهرة في المراد، لكن فيها أحمد بن سليمان و هو غير موثق.

و ما رواه الفقيه، في باب صفة وضوء رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) مرسلًا، قال: و قال (عليه السلام)

من تعدّى في وضوئه كان كناقضه

(2)

.

و فيه أيضاً: القدح في السند للإرسال، مع أنّ في ظهور الدلالة أيضاً مناقشة.

____________

(2) في الوسائل الحديث 24 من الباب 31 من أبواب الوضوء: «من تعدّى في الوضوء».

273

و حجّة القول الثاني: الأصل، و صدق الامتثال، و عدم دليل صالح للإخراج (1)، لما عرفت من ضعف دليل القول الأوّل، و ستعرف ضعف دليل (2) القولين الأخيرين أيضاً.

و حجّة القول الثالث: أنّه يستلزم المسح بماء جديد فيبطل.

و فيه ما عرفت سابقاً في بابه أنّ إبطال الاستيناف مطلقا ممّا لا دليل عليه. نعم، في بعض الصور كأنّه يمكن التمسك بالإجماع، و ما نحن فيه ليس منه.

و أيضاً: غاية ما يلزم من دلائل بطلان الاستيناف وجوب المسح ببقية ماء الوضوء، و هو هيهنا حاصل، لأنّ اليد حينئذٍ لا ينفك عن ماء الوضوء الأصلي كما ذكره المعتبر.

فإن قلت: قد تقدم سابقاً أنّ ابن الجنيد المخالف في حكم الاستيناف إنّما خالف الأصحاب في جواز الاستيناف عند جفاف الأعضاء، و أمّا عند رطوبتها فهو أيضاً موافق لهم، و ما ذكرته من جواز الاستيناف حينئذٍ يكون مخالفاً للإجماع.

و أيضاً: لو لم يكن أخذ الماء الجديد مع رطوبة اليد بماء الوضوء استينافاً و مبطلًا باعتبار بقاء ماء الوضوء كما هو رأي هذا الفريق فكيف يتصور حينئذٍ القول بأنّ الاستيناف مع رطوبة الأعضاء مبطل اتفاقاً؟.

قلت: القول بعدم جواز الاستيناف مع رطوبة الأعضاء لا ينافي القول الذي ذكرنا، لأنّ عدم الجواز فيما إذا كان بعض الأعضاء مثلًا رطباً و اليد جافّة فيستأنف

____________

(1) في نسخة «ألف و ب»: كما.

(2) في نسخة «ألف»: دليلين.

274

حينئذٍ ماء باليد و يمسح، و هذا هو الذي نقلوا الإجماع عليه؛ و الجواز فيما إذا كان اليد رطبة و مع ذلك يأخذ ماءً جديداً، مع أنّ ما ذكرته من خلاف الإجماع يمكن أن يدفع بوجه آخر و هو: أنّ ابن الجنيد كما يخالف الأصحاب في جواز// (136) الاستيناف حال الجفاف، كذلك يخالفهم في جوازه إذا غسل وجهه أو يديه مرّتين، فحينئذٍ لو قال أحد بجواز المسح بماء الغسلة الثالثة، لم يكن مخالفاً للإجماع.

و حجّة القول الرابع أيضاً: لزوم الاستيناف، لكن كأنّه روعي فيه أنّ عند غسل اليسرى مرّتين قد تمّ أخذ الماء للوضوء، فكلّ ما أخذ بعده يكون ماءً جديداً، فيكون مبطلًا؛ و أمّا عند غسل اليمنى أو الوجه فليس كذلك، و الحال فيه أيضاً كما علمت في سابقه.

و بما ذكرنا ظهر أنّ الأظهر من الأقوال القول الثاني، و الأحوط هو الأوّل، ثمّ الثالث، ثمّ الرابع.

و إنكار ابن بابويه التثنية ضعيف، كما ضعف قول ابن أبي عقيل بعدم تحريم الثالثة، و قول أبي الصلاح بإبطالها الوضوء، و لم يقيّده بالمسح بمائها. قد فصّلنا الكلام في هذه الأمور.

[و بدأة الرجل بظاهر ذراعيه في الأولى و بباطنه في الثانية عكس المرأة]

و بدأة الرجل بظاهر ذراعيه في الأولى و بباطنه في الثانية عكس المرأة، و يتخيّر الخنثى، و أكثر الأصحاب أطلقوا بدأة الرجل بالظهر

275

و المرأة بالبطن (1).

الأصل في هذا الحكم، ما رواه التهذيب، في باب صفة الوضوء، عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال

فرض اللّٰه على النساء في الوضوء أن يبدأن بباطن أذرعهنّ، و في الرجال بظاهر الذراع.

و هذه الرواية في الكافي أيضاً، في باب حد الوجه.

و روى الفقيه أيضاً مرسلًا، في باب حدّ الوضوء قال: و قال الرضا (عليه السلام)

فرض اللّٰه عزّ و جلّ على الناس في الوضوء أن تبدأ المرأة بباطن ذراعها و الرجل بظاهر الذراع.

و الرواية و إن كانت مجهولة السند و مرسلة، لكنّ الشهرة بين الأصحاب و تلقّيهم بالقبول مع المسامحة في استحباب كافية في هذا الباب.

ثمّ إنّها كما ترى لا دلالة لها على التفصيل الذي ذكره المصنف و جماعة منهم الشيخ (ره) في المبسوط.

فالأولى الحكم باستحباب بدأة الرجل بالظاهر و المرأة بالباطن بدون التفصيل كما ذكره جماعة أخرى و لكن لا بمعنى استحباب البدأة بهما في الغسلتين، كما هو المستفاد من كلام الشهيد الثاني و صاحب المدارك.

____________

(1) في بعض نسخ الدروس: بالظاهر و بالباطن.

276

لأنّ الرواية لا تدل على هذا المعنى أيضاً، إذ غاية ما تدل عليه رجحان البدأة بالظاهر و الباطن، و عند الابتداء بهما في الغسلة الأولى يتحقق هذا المعنى، ففي رجحانه أيضاً في الغسلة الثانية لا بدّ من دليل آخر، إذ دلالتها على رجحان الابتداء في كلّ غسلة ممنوع.

و قس عليه كلام الأصحاب أيضاً، و وجه ما ذكره من تخيير الخنثى ظاهر.

[و الدعاء عند الغسل و المسح و بعد الفراغ]

و الدعاء عند الغسل و المسح و بعد الفراغ.

قد مرّ في بحث استحباب التسمية و الدعاء عندها ما يتضمّن هذه الأدعية أيضاً.

[و فتح العين عند الوضوء]

و فتح العين (1) عند الوضوء، قاله ابن بابويه.

و مستنده: ما رواه الفقيه، في باب حدّ الوضوء مرسلًا قال: و قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)

افتحوا عيونكم عند الوضوء لعلّها لا ترى نار جهنّم.

و نقل في علل الشرائع أيضاً عن محمّد بن الحسن الصفّار، عن ابن عبّاس، عن رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) مثله.

و هذه الرواية و إن كانت غير ظاهرة في الاستحباب، لكن لمّا كانت مرسلة و غير ظاهرة أيضاً في الوجوب فلذا حملت على الاستحباب، مع أنّ الظاهر أنّ أحداً منّا لم يقل بوجوبه، إلّا أن يكون غسل بعض الوجه موقوفاً عليه، فيكون حينئذٍ واجباً من باب المقدّمة.

____________

(1) في الدروس: العينين.

277

و اعلم أنّ الظاهر أنّ مرادهم باستحباب فتح العين مجرّد فتحها، استظهاراً لغسل نواحيها لا مع ضمّه بغسلها أيضاً، لأنّه مضرّة عظيمة كادت أن تكون حراماً، و روى أنّ ابن عمر كان يفعله فعمي لذلك.

و الشيخ أيضاً في الخلاف ادّعى الإجماع منّا على عدم وجوبها و استحبابها.

[و الوضوء بمُدّ]

و الوضوء بمُدّ.

عدم وجوب الوضوء بمدّ ممّا أجمع عليه أصحابنا، كما ذكر في المنتهي و النهاية.

و في المعتبر: مستحب عند أهل البيت (عليهم السلام).

و قد خالف فيه أبو حنيفة و قال بعدم إجزاء أقلّ منه.

و يدلُّ على عدم الوجوب مضافاً إلى الإجماع و الأصل: الروايات السابقة في بحث إجزاء الغسل بمسمّاه و لو كالدهن.

و اتفقوا أيضاً على استحبابه، و يدلُّ عليه أيضاً، منضمّاً إلى الاتفاق: ما رواه التهذيب، في باب حكم الجنابة، في الصحيح، عن أبي بصير و محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّهما سمعاه يقول

كان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) يغتسل بصاع من ماء، و يتوضّأ بمدّ من ماء.

278

[و ما رواه أيضاً في هذا الباب، في الصحيح، عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال

كان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) يغتسل بصاع من ماء و يتوضّأ بمدّ من ماء

(1)]. و ما رواه أيضاً في هذا الباب، في الصحيح، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال

كان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) يتوضّأ بمدّ و يغتسل بصاع.

و المدّ رطل و نصف، و الصاع ستّة أرطال، و حمله الشيخ على الرطل المدني، فيكون تسعة أرطال بالعراقي، و هو الظاهر، لأنّه رطل بلدهم (عليهم السلام).

و ما رواه أيضاً في هذا الباب، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الوضوء؟ فقال

كان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) يتوضّأ بمدّ من ماء و يغتسل بصاع.

و ما رواه أيضاً في هذا الباب، عن سماعة قال: سألته عن الذي يجزي من الماء للغسل؟ فقال

اغتسل رسول اللّٰه بصاع و توضّأ بمدّ، و كان الصاع على عهده خمسة أرطال

(5)

، و كان المدّ قدر رطل و ثلاث أواق.

____________

(1) أثبتنا الزيادة من «ب».

(5) في هامش الأصل: «لعلّه أمداد و اشتبه على الراوي.».

279

و ما رواه أيضاً في هذا الباب، عن سليمان بن حفص المروزي قال: قال أبو الحسن (عليه السلام)

الغسل بصاع من ماء و الوضوء بمدّ من ماء، و صاع النبي خمسة أمداد، و المدّ وزن مأتين و ثمانين درهماً، و الدرهم وزن ستّة دوانيق، و الدانق وزن ستّة حبّات، و الحبّة وزن حبّتي شعير من أوساط الحبّ، لا من صغاره و لا من كباره.

و هذه الرواية في الفقيه أيضاً مرسلة، في باب مقدار الماء للوضوء.

و يحتمل أن يكون من «و كان الصاع» أو من «و كان المدّ»، و كذا «و صاع النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)» أو من «و المدّ وزن» إلى الآخر كلام الإمام (عليه السلام)، كما هو الظاهر من كلام التهذيب و الفقيه، كما حمله المصنف في الذكرى.

و ما رواه الفقيه أيضاً، في الباب المذكور مرسلًا، قال: و قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)

الوضوء مدّ و الغسل صاع، و سيأتي أقوام بعدي يستقلون ذلك، فأولئك على خلاف سنتي، و الثابت على سنتي معي في حظيرة القدس.

و اعلم أنّ ما تضمّنه بعض هذه الروايات من أنّ الصاع خمسة أمداد، يخالف المشهور من أنّه أربعة أمداد، و كذا تحديد المدّ بالقدر المذكور يخالف ما ذكروه من أنّه وزن (1) مأتين و اثنين و تسعين درهماً، و سيجيء تفصيل القول فيه إن شاء اللّٰه تعالى في بحث الزكاة.

____________

(1) لم ترد في نسخة «ألف و ب».

280

ثمّ إنّ المصنف (ره) قال في الذكرى: «هذا المدّ لا يكاد يبلغه الوضوء فيمكن أن يدخل فيه ماء الاستنجاء».

و استشهد عليه برواية ابن كثير المتقدمة في بحث الدعاء عند التسمية، و [رواية (3)] أبي عبيدة الحذّاء المتقدمة في بحث استحباب تثنية الغسلات، و تابعه في ذلك صاحب المدارك أيضاً.

و لا يخفى ما في هذا الاستشهاد من الضعف، لأنّ// (137) الاستشهاد بهما إن كان باعتبار أنّه استنجى أيضاً (عليه السلام) من هذا الماء، فحينئذٍ إنّما يتمّ لو ثبت أنّ ذلك الماء كان بقدر مدّ فقط، و أنّى لهما بذلك؟

و إن كان باعتبار قوله (عليه السلام)

ايتني بإناء من ماء أتوضّأ للصلاة

مع أنّه استنجى به أيضاً، فيدل على أنّ الاستنجاء أيضاً داخل في الوضوء، و كذا قوله

وضّأت أبا جعفر (عليه السلام)

، مع أنّه ناوله الماء للاستنجاء أيضاً، كما هو الظاهر من كلام الذكرى، ففيه: أنّ طلب الماء للوضوء مع إرادة الاستنجاء لا يدل أصلًا على دخوله في الوضوء، لشيوع أن يكتفوا في ذكر الغرض بما هو الأصل و العمدة.

____________

(3) أثبتنا الزيادة من «ب».

281

و قس عليه أيضاً القول الآخر، مع أنّه ليس قول الإمام (عليه السلام) بل قول الراوي، فلا يصلح للاحتجاج.

و اعترض المحقق البهائي (ره) أيضاً في الحبل المتين على هذا الكلام من المصنف (ره) بقوله

و ظنّي أنّ كلامه هذا إنّما يتمشّى على القول بعدم استحباب الغسلة الثانية و عدم كون المضمضة و الاستنشاق من أفعال الوضوء الكامل، و أمّا على القول بذلك كما هو مختاره (قدس سره) فلا، فإنّ المدّ على ما اعتبرناه لا يزيد على ربع المن التبريزي المتعارف في زماننا هذا بشيء يعتد به، و هذا المقدار إنّما يفي بأصل الوضوء المسبغ و لا يفضل عنه شيء للاستنجاء.

فإنّ ماء غسل اليدين كفّ أو كفّان و ماء كلّ مضمضة و الاستنشاق و الغسلات الواجبة و المندوبة ثلاث أكفّ، فهذه ثلاث عشرة أو أربع عشرة كفّاً، و هذا إن اكتفى في غسل كلّ عضو بكفّ واحدة و إلّا زادت على ذلك، فأين ما يفضل للاستنجاء؟

و أيضاً: ففي كلامه (طاب ثراه) بحث آخر و هو: أنّه إن أراد بماء الاستنجاء الذي حسبه من ماء الوضوء ماء الاستنجاء من البول وحده، فهو شيء قليل حتّى قدر بمثلي ما على الحشفة، و هو لا يؤثّر في الزيادة و النقصان أثراً محسوساً.

و إن أراد ماء الاستنجاء من الغائط أو منهما معاً، لم يتمّ استدلاله بالروايتين المذكورتين، إذ ليس في شيء منهما دلالة على ذلك، بل في رواية الحذّاء ما يشعر بأنّ الاستنجاء كان من البول وحده، فلا تغفل

هذا كلامه رفع مقامه.

282

[و أما المكروه]

[الاستعانة من الغير]

و يكره الاستعانة.

الظاهر أنّ مرادهم من الاستعانة هيهنا: الاستعانة بصبّ الماء على اليد ليغسل المتوضّي بنفسه، لا الصبّ على نفس العضو، لأنّه من التولية المحرّمة، و لا الإتيان بالماء و نحوه، كما يشعر به عبارة المبسوط و المنتهى.

قال في المبسوط: «و يكره أن يستعين بغيره في صبّ الماء».

و في المنتهي: «يكره الاستعانة في الوضوء بصبّ الماء».

و احتجوا على الكراهة برواية الوشّاء المتقدمة في بحث وجوب المباشرة بنفسه مع الاختيار.

و فيه: أنّه يجوز أن يكون المراد منها الصبّ على نفس العضو، بقرينة قوله (عليه السلام): «أوزر أنا»، إذ لا وزر في الاستعانة بهذا المعنى اتفاقاً، كما هو الظاهر.

و بما رواه الفقيه مرسلًا، في باب صفة وضوء أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: و كان أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا توضّأ لم يدع أحداً يصبّ عليه الماء، فقيل له: يا أمير المؤمنين لِمَ لا تدعهم يصبّون عليك الماء؟ فقال

لا أحبّ أن أشرك في صلاتي أحداً.

و فيه أيضاً: ما تقدم من الاحتمال، لكن لا يخفى أنّه لا يلائمه قوله (عليه

283

السلام): «لا أحبّ»، لأنّ ظاهره الكراهة، و الصبّ على نفس العضو حرام، فينبغي حمله على المعنى المطلوب.

و بأنّ وضوء رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) و وضوء أمير المؤمنين (عليه السلام) اشتملا على ترك الاستعانة.

و بأنّ فيه زيادة مشقّة في تحصيل أمر مطلوب شرعاً فيكون فيه زيادة ثواب، و مع الاستعانة يفقد ذلك القدر. و فيهما ضعف ظاهر.

و لا يذهب عليك أنّه لمّا كان دأبهم المسامحة في المندوبات و المكروهات، فلا يبعد القول بكراهة الصبّ، للشهرة بين الأصحاب، و ورود الرواية و إن كانت مرسلة، لانجبار إرسالها بقبول الأصحاب.

و أمّا رواية أبي عبيدة الحذّاء المتقدمة في بحث تثنية الغسلات المتضمنة لصبّ الماء على يده (عليه السلام) فيمكن حملها على الضرورة أو بيان الجواز، مع أنّه روى هذه الرواية في موضع آخر من التهذيب، في الباب المذكور، و فيه: موضع «ثمّ صببت عليه»، «ثمّ أخذ» و حينئذٍ فلا إشكال.

و أمّا الإتيان بالماء و نحوه فالحكم بكراهته مشكل، لما عرفت من أنّ الأصل في هذا الحكم الشهرة بين الأصحاب و تلقّيهم الرواية بالقبول، و لا دلالة للرواية على كراهة مثله، و الظاهر أنّ الشهرة أيضاً فيه مفقودة، مع أنّ رواية ابن كثير المتقدمة في بحث الدعاء عند التسمية دالّة ظاهراً على عدم الكراهة.

284

[و التمندل]

و التمندل في المشهور، و قيل لا يكره.

استدل على الكراهة: بما رواه الكافي، في باب النوادر قبل أبواب الحيض، عن إبراهيم بن محمّد بن حمران، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال

من توضّأ فتمندل كانت له حسنة، و إن توضّأ و لم يتمندل حتّى يجفّ وضوؤه كانت له ثلاثون حسنة.

و هذه الرواية في الفقيه أيضاً مرسلة، في باب حدّ الوضوء.

و فيه مع القدح في السند (3): أنّه لا دلالة له على الكراهة بالمعنى المصطلح، بل إنّما يدل على قلّة الثواب.

إلّا أن يقال: إنّ الكراهة في العبادات بهذا المعنى كما ذكره بعضهم. و فيه نظر ليس هيهنا موضع ذكره.

و برواية ابن كثير المتقدمة أيضاً من قوله (عليه السلام)

خلق اللّٰه له من كلّ قطرة

، إذ مع التمندل يزول التقاطر.

و فيه مع ما تقدم: أنّه لا يدل على تمام المدّعى، إذ هو مختص بالكراهة حال التقاطر.

و أيضاً: لو تمّ ذلك للزم أن يكون نفض اليد أيضاً مكروهاً، إذ يفوت معه التقاطر.

____________

(3) في نسخة «ب»: المستند.

285

و بأنّ فيه إزالة أثر العبادة. و لا يخفى ضعفه.

و الذي يحتج به على عدم الكراهة مضافاً إلى الأصل: ما رواه التهذيب، في باب زيادات صفة الوضوء، في الصحيح، عن محمّد بن مسلم قال

سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن التمسح بالمنديل قبل أن يجفّ؟ قال: لا بأس به.

و أورد عليه: أنّ نفي البأس يتبادر منه نفي التحريم.

و بما رواه أيضاً في هذا الباب، عن أبي بكر الحضرمي، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال

لا بأس بمسح الرجل وجهه بالثوب إذا توضّأ، إذا كان الثوب نظيفاً.

و فيه أيضاً ما تقدم.

و بما رواه أيضاً، في الباب المتقدم عليه، في الموثق، عن إسماعيل بن الفضل قال: رأيت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) توضّأ للصلاة ثمّ مسح وجهه بأسفل قميصه ثمّ قال

يا إسماعيل افعل هكذا، فإنّي هكذا أفعل.

و دفع أيضاً بأنّه يجوز أن يكون فعله (عليه السلام) و أمره لعارض، و فيه بعد.

و يمكن أن يجمع بينه و بين رواية الكافي بأنّها مختصة بالتمندل، و المسح بالذيل لا يسمّى تمندلًا.

و بما رواه [الفقيه (4)] في باب ما يجوز للمحرم إتيانه، في الصحيح، عن منصور بن حازم قال: «رأيت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) و قد توضّأ و هو محرم، ثمّ أخذ

____________

(4) أثبتنا الزيادة من نسخة «ب».

286

منديلًا فمسح به وجهه».

و أورد عليه (5) أيضاً بجواز أن يكون لعارض// (138).

و بما ذكرنا ظهر أنّ الحكم بالكراهة نظراً إلى الروايات مشكل، إلّا أن يتمسك بالشهرة بين الأصحاب.

هذا، و اعلم أنّ العلامة (ره) أسند الخلاف في هذه المسألة إلى الشيخ في الخلاف.

و الظاهر أنّ القول بعدم الكراهة الذي ذكره المصنف إشارة إليه، و ذكر في المنتهي أنّ الشيخ استدل على هذا القول بصحيحة محمّد بن مسلم المنقولة، ثمّ أجاب عنه بما ذكر.

و الظاهر أنّ إسناد هذا القول و هذا الاستدلال عليه إلى الخلاف خلاف الواقع، لأنّه قال فيه

لا بأس بالتمندل من نداوة الوضوء و تركه أفضل، و به قال أكثر الفقهاء، و قال مالك و الثوري: «لا بأس به في الغسل دون الوضوء»، و حكى ذلك عن ابن عباس، و روى عن ابن عمر أنّ ذلك مكروه في الوضوء و الغسل معاً، و به قال ابن أبي ليلى.

دليلنا على جوازه: أنّ الأصل الإباحة، و الحظر يحتاج إلى دليل، و عليه إجماع

____________

(5) لم ترد في نسخة «ألف و ب».

287

الفرقة المحقّة.

و روى حريز، عن محمّد بن مسلم قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن المسح بالمنديل قبل أن يجفّ؟ قال: لا بأس به»

انتهى.

و لا يخفى أنّ هذا الكلام لا يدل على ما ذكره، بل الظاهر أنّ مراده الكراهة، و الاستدلال بالرواية إنّما هو على الجواز كما صرّح به ردّاً على المالك و الثوري لا نفي الكراهة.

ثمّ إنّ الكراهة عندهم هل هو مختص بالتمندل أو يعمّه و التمسح أيضاً بالذيل و الكمّ و نحوهما، بل يعمّهما و التجفيف بالنار و الشمس و نحوهما؟

ظاهر بعض العبارات الأوّل و بعضها الثاني، و قيل بالثالث أيضاً، نظراً إلى الدليلين الأخيرين.

و المحقق الثاني (ره) خصّ الحكم بالمنديل و الذيل، و أخرج الكمّ لعدم صدق المنديل عليه.

و ضعف بأنّ هذا التعليل يقتضي إخراج الذيل أيضاً، لعدم صدق المنديل عليه أيضاً.

ثمّ الظاهر على تقدير الكراهة اختصاصها بالمنديل فقط، إذ الرواية الأولى التي لا يخلو عن قوّة مختصّة به، و الدليلان الأخيران في غاية الضعف، و الشهرة بين الأصحاب أيضاً تحقّقها في غيره غير معلوم، فالأولى الاقتصار في هذا

288

الحكم المخالف للأصل عليه.

[و الوضوء في المسجد من البول و الغائط]

و الوضوء في المسجد من البول و الغائط.

يدل عليه: ما رواه التهذيب، في زيادات باب آداب الأحداث، عن رفاعة قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الوضوء في المسجد؟ فكرهه من البول و الغائط».

و لا ينافيه ما رواه أيضاً في هذا الباب، عن بكير بن أعين، عن أحدهما (عليهما السلام) قال

إذا كان الحدث في المسجد فلا بأس بالوضوء في المسجد

لأنّه مختص بما إذا كان الحدث في المسجد كالنوم مثلًا.

ثمّ إنّ هيهنا شيئين:

أحدهما: أنّ النوم إذا كان واقعاً في غير المسجد فهل يكره الوضوء لأجله في المسجد أو لا؟ الظاهر الأوّل، نظراً إلى مفهوم الرواية الثانية، و مفهوم الرواية الأولى لا يصلح لمعارضته، لأنّه من باب مفهوم اللقب، مع أنّه عبارة الراوي، و عبارة الإمام (عليه السلام) غير معلومة أىّ شيء هي.

الثاني: أنّ البول و الغائط إذا حدث في المسجد فكيف حال الوضوء له في المسجد؟ يحتمل وجهين:

الكراهة، إبقاءً لإطلاق الأولى بحاله و حمل الثانية على أنّ وقوع حدث البول و الغائط لمّا كان نادراً في المسجد فلذا أطلق الحكم بعدم البأس في الوضوء في

289

المسجد للحدث الواقع فيه.

و عدمها، إبقاءً لعموم الثانية أو إطلاقها بحاله و حمل الأولى على أنّ البول و الغائط لمّا كان حدوثهما في المسجد نادراً فلذا أطلق الحكم بكراهة الوضوء لهما في المسجد، و الثاني أظهر لاعتضادها بالأصل.

[و تقديم الاستنشاق على المضمضة]

و تقديم المضمضة على الاستنشاق مستحب، و في المبسوط لا يجوز العكس.

قال المصنف (ره) في الذكرى بعد أن قال مثل ما في المتن-

و المأخذ: أنّ تغيير هيئة المستحب هل يوصف بالحرمة لما فيه من تغيير الشرع، أو بترك المستحب تبعاً لأصلها؟ هذا مع قطع النظر عن اعتقاد شرعيّة التغيير، أمّا معه فلا شكّ في تحريم الاعتقاد لا عن شبهة، أمّا الفعل فالظاهر لا. و تظهر الفائدة في التأثيم و نقص الثواب و إيقاع النيّة»

انتهى.

اعلم أنّ هيئة المستحب إمّا أن يكون مستفادة من نفس الأمر بذلك المستحب مثل أن يرد في الشرع تمضمض ثمّ استنشق و نحوه، أو من أمر آخر مثل أن يرد أوّلًا تمضمض و استنشق ثمّ ورد أمر آخر بأن قدّم المضمضة على الاستنشاق، و حينئذٍ لا يخلو إمّا أن يستفاد من الأمر الثاني تقييد الأوّل و اشتراطه به أو لا.

و على الأوّلين: لو غيّر هيئة المستحب فالظاهر عدم الامتثال لذلك المستحب أصلًا، لعدم الإتيان بالمأمور به، و عدم استحقاق الثواب بالكلية، و أمّا الإثم فلا، إلّا بدليل من خارج.

290

و على الأخير: الظاهر الامتثال لأحد الأمرين و استحقاق الثواب به دون الأمر الآخر، و الإثم أيضاً منتف إلّا بدليل من خارج.

ثمّ إنّ ما ذكرنا إنّما هو فيما ثبت الترتيب بالشرع و ما نحن فيه لا يعلم كونه من هذا الباب، إذ الأوامر بالمضمضة و الاستنشاق مطلقة، و لا دليل على الترتيب سوى التمسّك بالتأسّي بفعل أمير المؤمنين (عليه السلام) فيما رواه ابن كثير كما تقدم.

و في صلاحيته للاحتجاج نظر، فلو لم يسلّم الدلالة على الترتيب فالأمر ظاهر من أنّ تقديم الاستنشاق لا بأس فيه من حيث الحرمة و لا من حيث نقض الثواب، و لو سلّم الدلالة فهل يدل على تقييد الأوامر المطلقة أو لا؟

الظاهر الثاني، فحينئذٍ لو غيّر الترتيب فينتقض الثواب من حيث عدم الإتيان بمستحب التأسّي، لكن يحصل له ثواب الأوامر المطلقة و لا تأثيم.

نعم، لو سلّم دلالته على التقييد أيضاً فلا ثواب عند التغيير أصلًا، لكن لا تأثيم أيضاً، إلّا أن يظهر دليل آخر على الحرمة.

و بما ذكرنا ظهر ما في كلام الذكرى من الإخلال من وجهين؛ فتأمل.

[و أما الأحكام]

[لو شكّ في عدد الغسل بنى على الأقل]

و لو شكّ في عدد الغسل بنى على الأقل.

قال (ره) في الذكرى: «لو شكّ في عدد الغسلات السابقة بنى على الأقل، لأنّه المتيقن. و في الغسلات المقارنة وجهان من التعرض للثالثة و قضية الأصل، و هو

291

أقوى» انتهى.

و تفصيل القول فيه أن يقال: الشكّ إمّا في الواحد و الاثنين [أو الاثنين (2) و الثلاثة، و على التقديرين إمّا في السابق أو المقارن، فهاهنا أربعة أقسام اثنان منها في السابق و اثنان في المقارن.

أمّا السابق فإن كان الشكّ فيه في الواحد و الاثنين فلا يخلو إمّا أن لا يكون الغسلة الثانية واجبة على ما هو أصل الشرع سواء قلنا برجحانها أو لا أو يكون واجبة بنذر و شبهه، على تقدير انعقاد نذرها على القول برجحانها.

و على الأوّل: لا إشكال فيه و هو ظاهر.

و على الثاني: فإن لم يتضيق وقت النذر فلا إشكال أيضاً، و إن تضيّق فإن كان بعد الفراغ من الوضوء فالظاهر عدم لزوم الكفّارة، إذ لا يقين و لا ظنّ بحنث النذر عمداً، لكن هل يحكم بكون ذلك الوضوء امتثالًا للنذر على قياس عدم الالتفات إلى الشكّ في أفعال الوضوء الأصلية بعد الفراغ و يعد ذلك الوضوء امتثالًا للأمر أم لا؟ فيه إشكال.

و تظهر الفائدة في الشقّ السابق على هذا الشقّ، إذ لو لم يتضيق وقت// (139) النذر و حصل الشك بعد الفراغ في الإتيان بالغسلة الثانية، فلو قلنا بعدم الالتفات إليه فلا حاجة إلى الإتيان بالغسلة الثانية في وضوء آخر و إلّا فلا، و أمّا في هذا الشقّ فلا، كما لا يخفى.

و إن كان في أثناء الوضوء، فإمّا أن لا نقول بحرمة الغسلة الثالثة أو نقول بها.

____________

(2)] ما بين المعقوفتين لم يرد في «ب».

292

فعلى الأوّل: إن لم يلزم من الإتيان بالغسلة المشكوكة خلل في المتابعة عند القائلين بوجوبها، أو استيناف مبطل على القول بعدم جوازه فلا إشكال حينئذٍ أيضاً، إذ يأتي بها و بما بعدها.

و إن لزم أحدهما ففيه إشكال، من حيث إنّها هل هي مثل (1) الأفعال الأصلية حتّى يؤتى بها عند الشك قبل الفراغ كما سيجيء أو لا؟ و هذا الإشكال جار في صورة العلم بعدم الإتيان بالغسلة الثانية أيضاً في هذا الشقّ.

و على الثاني: ففيه إشكال، بناءً على أنّ الإتيان بالغسل تعرّض للثالثة المحرمة و أنّ (2) الحرمة إنّما هي بعد العلم أو الظن بها ثالثة، و كان الظاهر الثاني، إذ الأصل عدم الحرمة حتّى تثبت، و ثبوتها في هذه الصورة ممنوع.

ثمّ على القول بعدم الحرمة يجري فيه ما يجري في سابقه من الاحتمالين و حكمهما (3)، و على القول بالحرمة فإنّما يتمّ وضوءه بدون الإتيان بالغسلة المشكوكة و ما بعدها، و لا كفّارة على ما هو الظاهر و لا الإتيان بالوضوء الآخر على النحو المنذور، و لفوات وقته على ما هو المفروض.

و إن كان الشك فيه في الاثنين و الثلاثة فإن كان بعد الوضوء فالظاهر صحّته و عدم الالتفات إلى الشك، لما سيأتي من الروايات المطلقة الشاملة لهذه الصورة فيما بعد إن شاء اللّٰه تعالى.

و إن كان في أثنائه فإن لم نقل بإبطال الغسلة الثالثة للوضوء سواء قلنا

____________

(1) لم ترد في نسخة «ألف».

(2) في نسخة «ب»: إنّما.

(3) في نسخة «ألف»: و حكمها.

293

بتحريمها أو لا فلا شك في صحّة ذلك الوضوء و عدم الاحتياج إلى الإعادة.

اللهمّ إلّا أن يتطرّق الشك باعتبار احتمال لزوم استيناف الماء الجديد، و أمره سهل لما علمت من ظهور عدم الفساد في المسح بماء الغسلة الثالثة يقيناً، فكيف بمشكوكه؟

و إن قلنا بإبطالها فحينئذٍ يرد الإشكال من حيث إنّ الوضوء المأمور به على هذا، ما لا يكون غسلاته ثلاثة و في هذه الصورة لا علم و لا ظنّ بالإتيان بهذا الوضوء، فيبقى في عهدة التكليف.

و من حيث إنّ الأمر بالوضوء مطلق، و التقييد على تقدير تسليمه إنّما يسلّم في صورة العلم أو الظن بحصول الغسلة الثالثة، و أمّا بدونهما فلا. و هو الظاهر، إذ إثبات التقييد مطلقا مشكل، و الأصل عدمه، مع أنّ الروايات الآتية عن قريب الدالّة على عدم الالتفات إلى الشك بعد الفراغ شاملة بعمومها لهذه الصورة أيضاً، و أمّا المقارن فيستنبط حاله ممّا ذكر في السابق؛ فتدبر.

[و لو شكّ في فعل أو في النيّة و هو بحاله أتى به]

و لو شكّ في فعل أو في النيّة و هو بحاله أتى به.

الظاهر أنّه لا خلاف بين الأصحاب في وجوب الإتيان بالمشكوك و بما بعده عند عروض الشك حال الوضوء، و عدم الحاجة إلى الاستيناف، و المصنف كأنّه لم يتعرض لما بعده للظهور.

و يدلُّ على وجوب الإتيان به مضافاً إلى الإجماع: لزوم تحصيل العلم أو الظنّ بالإتيان بالمأمور به، و بدونه لا يحصل.

294

و أمّا الإتيان بما بعده، فيدل عليه منضمّاً (1) إلى الإجماع: بعض ما تقدم في بحث الترتيب، من أمرهم (عليهم السلام) باتّباع الوضوء بعضه بعضاً.

و يدلُّ على عدم لزوم الاستيناف مضافاً إلى الإجماع أيضاً: أصالة البراءة، و عدم دليل مخرج.

و ما يتوهم معارضاً، من لزوم الخلل بالمتابعة و الاستيناف على تقدير عدم الاستيناف فقد مرّ ما فيه غير مرّة.

و يدلُّ أيضاً على الأوّل و الثالث: ما رواه التهذيب، في باب صفة الوضوء، في الصحيح، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال

إذا كنت قاعداً على وضوئك فلم تدر أ غسلت ذراعيك أم لا، فأعد عليهما و على جميع ما شككت فيه أنّك لم تغسله، أو تمسحه ممّا سمى اللّٰه ما دمت في حال الوضوء، فإذا قمت من الوضوء و فرغت منه و قد صرت في حال أخرى في الصلاة أو في غيرها، و شككت في بعض ما قد سمّى اللّٰه ممّا أوجب اللّٰه عليك فيه وضوؤه لا شيء عليك فيه.

فإن شككت في مسح رأسك فأصبت في لحيتك بللًا، فامسح بها عليه و على ظهر قدميك، فإن لم تصب بللًا، فلا تنقض الوضوء بالشك و امض في صلاتك، و إن تيقّنت أنّك لم تتمّ وضوءك فأعد على ما تركت يقيناً حتّى تأتي على الوضوء.

____________

(1) في نسخة «ألف»: مضافاً، و عليها علامة نسخة بدل.

295

و هذه الرواية في الكافي أيضاً، في باب الشك في الوضوء.

و أمّا ما رواه أيضاً في الباب المذكور، في الموثق، عن عبد اللّٰه ابن أبي يعفور، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «إذا شككت في شيء من الوضوء و قد دخلت في غيره فليس شكّك بشيء، إنّما الشك إذا كنت في شيء لم تجزه»، فلا يصلح معارضاً للرواية السابقة، لعدم صحّة مستنده، و اعتضادها بالإجماع، و الاستصحاب، فليحمل على أنّ ضمير غيره راجع إلى الوضوء ليحصل الجمع بينهما.

فإن قلت: ما تقول فيما رواه التهذيب، في الزيادات، في باب أحكام السهو، في الصحيح، عن زرارة، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: ثمّ قال

يا زرارة إذا خرجت من شيء ثمّ دخلت في غيره فشكّك ليس بشيء.

و ما رواه أيضاً في هذا الباب، في الموثق، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال

كلّما شككت فيه ممّا [قد] مضى، فامضه كما هو.

قلت: هذان الخبران عامّان و الخبر المتقدم خاص، فليحملا عليه، مع أنّ الخبر الأوّل بعد بيان الشك في أفعال الصلاة فهو ممّا يشعر بكونه مخصوصاً بأفعال الصلاة، و الأصل في هذا الباب أنّ الخبر المتقدم يؤيّده عدم الجزم بالامتثال بدون الإتيان بالمشكوك، و كذا الإجماع على الظاهر، فلذا نحكم بتعيّن (5) التأويل فيما

____________

(5) في نسخة «ألف»: بتعيين.

296

يعارضه، و لو لم يكن كذلك لأمكن القول بحمله على الاستحباب و إبقاء ما يعارضه على العموم.

هذا، و بما قدّمنا ظهر ما في كلام الشهيد الثاني (ره) في شرح الإرشاد، حيث قال في هذا المقام بعد ما ذكر: «إنّ ضمير حاله في كلام المصنف يحتمل أن يكون راجعاً إلى الوضوء أو إلى المتوضّي، و احتمال عود الضمير في حاله إلى الشيء المشكوك فيه المذكور قبله صريحاً لا دليل عليه من النقل، و إن أمكن بحسب اللفظ» انتهى.

و ذلك لما عرفت أنّ هذه الروايات الثلاثة إنّما يقتضي بظاهرها هذا الاحتمال، لكن يعدل عنه للإجماع.

اللهمّ إلّا أن يمنع الظهور و يقال: إنّ الدخول في الغير و كذا الجواز عن الشيء و الخروج منه و مضيّه إنّما يتحقق إذا وقع التلبس بذلك الشيء في الجملة، و عند الشكّ في فعل من أفعال الوضوء عند التلبس بفعل آخر منه لا يعلم تحقّق هذه المعاني بالنسبة إلى الفعل المشكوك.

نعم، إنّما يتحقق هذه الأمور بالنسبة إلى الوضوء بعد الفراغ منه و الدخول في غيره، لأنّه قد وقع التلبس به في الجملة يقيناً؛ فتدبّر.

فإن قلت: ما تقول فيما رواه التهذيب، في زيادات صفة الوضوء، عن أبي يحيى الواسطي، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: قلت: جعلت فداك، أغسل وجهي، ثمّ أغسل يدي، و يشكّكني الشيطان أنّي لم أغسل

297

ذراعي و يدي، قال

إذا وجدت برد الماء على ذراعك فلا تعد

، حيث تدل بإطلاقه على عدم الالتفات إلى الشك و إن لم يحصل الفراغ أيضاً؟

قلت: أمّا أوّلًا: فإنّه مرسل لا يصلح للاعتماد.

و أمّا ثانياً: فإنّه لا ينافي ما ذكر، إذ عند وجدان برد الماء على الذراع فلا أقلّ من أن يحصل الظنّ بغسله إن لم يحصل اليقين، فيخرج [عن] الشك و كلامنا فيه و لو سلّم عدم الخروج عن الشك فليحمل على ما بعد الفراغ، جمعاً للأخبار.

ثمّ إنّ المصنف (ره) جعل النية أيضاً في حكم الأفعال في هذا المعنى، و استدل عليه في الذكرى بأنّها أيضاً من الأفعال [في هذا المقام (2)]، و الأصل عدم فعلها إذا كان الحال باقياً.

و فيه إشكال من (3) حيث إنّ الرواية المتقدمة كما ترى مختصّة بغير النية، فما يمكن أن يستدل به حينئذٍ على حكم النية إمّا الإجماع أو الاستصحاب، و تحقّق الإجماع في النية غير ظاهر، و الروايات المذكورة إنّما يعارض الاستصحاب و تغلبه كما هو الظاهر، فحينئذٍ الظاهر الحكم بعدم الإعادة، للشك في النية.

اللهم إلّا أن يثبت الإجماع، أو يتمسّك بما ذكرنا آنفاً في دفع الإيراد عن الشهيد الثاني.

و اعلم أنّ المصنف قال في الذكرى: «لو كثر شكّه فالأقرب إلحاقه بحكم الشك

____________

(2) أثبتنا الزيادة من نسخة «ألف».

(3) لم ترد في نسخة «ألف».

298

الكثير في الصلاة، دفعاً للعسر و الحرج»، و كذا حكم ابن إدريس أيضاً، و ليس ببعيد.

و قد أيّده صاحب المدارك بما رواه التهذيب، في الصحيح، عن زرارة و أبي بصير، أنّه قال في كثير الشك

يمضي في شكّه، ثمّ قال: لا تعوّدوا الخبيث من أنفسكم نقض الصلاة فتطمعوه، فإنّ الشيطان خبيث معتاد لما عوّد به فليمض أحدكم في الوهم، و لا يكثرنّ نقض الصلاة فإنّه إذا فعل ذلك مرّات لم يعد إليه الشك.

فإنّ ذلك بمنزلة التعليل لوجوب المعنى، فيتعدى إلى غير المسئول عنه، كما قرّر في محله.

[و لو جفّ البلل استأنف]

و لو جفّ البلل استأنف.

هذا الحكم لا دخل له بالشك، إذ الجفاف في أثناء الوضوء موجب للاستيناف مطلقا على زعم المصنف كما تقدم فإعادته هيهنا ممّا لا وجه له، إلّا أن يكون للتأكيد.

و يمكن أن يقال: إنّه سيظهر فيما بعد أنّ مختاره ظاهراً أنّ المراد بحاله ليس حال الاشتغال بالوضوء، بل يشمله و ما بعده أيضاً ما لم يقم أو يمكث طويلًا.

و حينئذٍ يظهر وجه ما ذكره، إذ لو فرض عروض الشك بعد الوضوء و قبل القيام

299

فحينئذٍ لا يدخل فيما سبق و يحتاج إلى الإشارة إلى أنّ الجفاف حينئذٍ أيضاً مثل الجفاف في الأثناء، إذ الإتيان بالمشكوك و ما بعده من تتمّة الوضوء، و لم يخصّ الحكم بهذه الصورة بل عمّمه، لأنّه أفيد و أخصر.

ثمّ اعلم أنّ الظاهر من الرواية المذكورة الإعادة على العضو المشكوك مطلقا بدون تقييده بعدم الجفاف، فالتخصيص به إمّا لروايتي معاوية بن عمّار و أبي بصير، المتقدمتين في بحث الموالاة.

فيرد عليه: أنّهما لا يشملان ما نحن فيه، إذ هما تختصان (1) بصورة خاصة.

فإن تمسك بعموم التعليل بأنّ الوضوء لا يبعّض، ففيه: أنّك قد عرفت أنّه لا ظهور له في مجرد التفريق و لا مجرد الجفاف، بل يمكن أن يكون المراد منه (2): قطع الوضوء مع الجفاف. و تحقّقه فيما نحن فيه ممنوع، خصوصاً في بعض صوره ممّا لم يقع فصل كثير بين الإتيان على العضو السابق و الإعادة على المشكوك، مع أنّه عام أيضاً مثل هذه الرواية، فتخصيص الرواية به دون العكس (3) ترجيح بلا مرجح، بل ينبغي أن يكون الأمر بالعكس، لصحّتها دونه.

فإن قيل: إنّه معتضد بحصول البراءة اليقينية من التكليف اليقيني.

قلنا: قد عرفت ما فيه غير مرّة، مع أنّ التكليف اليقيني هيهنا ليس إلّا بالغسل و المسح مطلقا، و هو يصدق مع الجفاف أيضاً، فالبراءة اليقينة أيضاً حاصلة، إذ الامتثال يستلزم (4) الإجزاء، و التقييد لا بدّ له من دليل و ليس.

____________

(1) في نسخة «ألف»: مختصان.

(2) في نسخة «ب»: به.

(3) في نسخة «ألف»: هذه الرواية دون العكس.

(4) في نسخة «ب»: يقتضي، و عليها علامة نسخة بدل.

300

و إمّا لبعض الروايات المتقدمة، في بحث استيناف الماء الجديد المتضمن للإعادة مع جفاف الأعضاء.

ففيه أيضاً: أنّه مخصوص بالنسيان و لا يشمل ما نحن فيه، مع أنّه مختص بالمسح، فلا وجه لإجرائه (1) في الغسل أيضاً، كيف؟ و يجوز أن يكون الإعادة مع جفاف الأعضاء عند نسيان المسح لأجل لزوم الاستيناف في المسح لا لأجل جفاف الأعضاء المتقدمة.

و إمّا للزوم الاستيناف، ففيه مع اختصاصه بالشك في العضو الممسوح كما هو الظاهر-: ما عرفت مراراً من عدم تسليم بطلان الاستيناف مطلقا، بل (2) في بعض الصور.

اللّهم إلّا أن يدّعى الإجماع في الحكم، لكن إثباته مشكل.

[و لو انتقل عن محلّه و لو تقديراً لم يلتفت]

و لو انتقل عن محلّه و لو تقديراً لم يلتفت.

هذا الحكم إجماع منّا، و يدلُّ عليه أيضاً: صحيحة زرارة، و موثقة عبد اللّٰه بن أبي يعفور المتقدمتان آنفاً، و كذا الروايتان المنقولتان عن كتاب صلاة التهذيب.

و ما رواه أيضاً في باب صفة الوضوء، عن بكير بن أعين قال: قلت له: الرجل يشكّ بعد ما يتوضّأ. قال

هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشكّ.

____________

(1) في نسخة «ألف»: لأجل أنّه.

(2) لم ترد في نسخة «ألف».