مشارق الشموس في شرح الدروس - ج2

- الشيخ آقا حسين الخوانساري المزيد...
534 /
351

على الجبيرة، للإجماع و لإطلاق الروايتين المنقولتين آنفاً.

و بما ذكرنا من التفصيل ظهر ما في كلام المصنف من الإهمال الموجب للإخلال، كما لا يخفى.

و اعلم أنّ جمعاً من الأصحاب ذكروا أنّ المسح على الخرقة إنّما يكون عند طهارتها، فإن لم تكن طاهرة يضع عليها خرقة طاهرة و يمسح عليها، أو يطهّرها إن أمكن و يمسح عليها.

و احتمل المصنف (ره) في الذكرى الاكتفاء بغسل ما حولها، كالجرح المجرد على ما سيجيء.

و الاحتياط في الأوّل، بل الاحتياط التامّ أن يمسح أوّلًا (3) الخرقة النجسة ثمّ الخرقة الطاهرة فوقها، لإطلاق الأمر في الرواية. و اشتراط الطهارة غير واضح، إذ مستنده عسى أن يكون إجماعاً، و إثباته مشكل.

[و كذا الطلاء و اللصوق]

و كذا [حكم (4)] الطلاء و اللصوق، هذا هو المشهور بين الأصحاب.

و يدلُّ عليه: ما رواه التهذيب، في زيادات باب صفة الوضوء، في الصحيح، عن الحسن بن علي الوشّاء قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الدواء إذا كان على يدي الرجل (5)، أ يجزيه أن يمسح على طلي الدواء؟ فقال

نعم، يجزيه أن يمسح عليه.

____________

(3) لم ترد في نسخة «ألف».

(4) هكذا في الدروس.

(5) في المصدر: على يد الرجل.

352

و ما رواه أيضاً في هذا الباب، عن عبد الأعلى مولى آل سام، و قد تقدم في بحث تجديد مسح الرجل.

و قد تحمل أيضاً صحيحتا عمر بن يزيد، و محمّد بن مسلم المتقدمتان في بحث المسح على الحائل، الدالتان على جواز المسح على الحناء على هذا المعنى، لكنّه بعيد، و الظاهر حملها على إرادة مجرد اللون كما تقدم.

و أمّا ما رواه التهذيب، في أواخر زيادات باب المياه، في الموثق، عن عمّار الساباطي قال: سئل أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل ينقطع ظفره، هل يجوز له أن يجعل عليه علكاً؟ قال

لا، و لا يجعل عليه إلّا ما يقدر على أخذه عنه عند الوضوء، و لا يجعل عليه ما لا يصل إليه الماء

فالظاهر أنّه محمول على ما إذا لم يحتج إلى وضع العلك و لم يصل إلى حد الضرورة.

فإن قلت: إذا وضع عند عدم الاحتياج [كما هو متعارف (10)] ثمّ لم يمكن رفعه للضرر، كيف يصنع؟

قلت: هذه المسألة موضع إشكال، إذ الروايات الواردة بالمسح على الطلاء يمكن أن يحمل على الاحتياج، كما هو المتعارف، و لمّا لم يمكن الإزالة يسقط التكليف ببعض الوضوء، و عند سقوط التكليف بالبعض يسقط التكليف رأساً، لأنّه

____________

(10) أثبتنا الزيادة من نسخة «ب».

353

تكليف واحد.

و الانتقال إلى التيمم أيضاً لا يخلو من إشكال، لعدم دليل شامل ظاهراً لهذه الصورة، و ثبوت الإجماع أيضاً على أمر في هذه المسألة غير ظاهر، و الاحتياط أن يتوضّأ و يمسح عليه، و يضمّ إليه التيمم أيضاً، و اللّٰه أعلم.

[و يجب استيعاب ذلك بالمسح]

و يجب استيعاب ذلك بالمسح، أي استيعاب الجبيرة و ما في حكمها.

هذا مختار الفاضلين، و الشيخ في المبسوط جعل الاستيعاب أحوط، و حسّنه المصنف في الذكرى، و الظاهر الوجوب، لظهور الروايتين المنقولتين في الاستيعاب.

و الإيراد عليه بمنع الظهور لصدق المسح عليها بالمسح على جزء منها كصدق المسح على الرجلين و الخفّين عند الضرورة لا يخلو عن بعد، لأنّ تبعيض المسح في الرجلين إنّما هو لمكان البناء في المعطوف عليه و في الخفّين لتبعية مبدلهما.

و استدل أيضاً في المعتبر: «بأنّ المسح بدل عن الغسل، فكما أنّ الغسل يجب به الاستيعاب فكذا البدل»، و يمكن فيه المناقشة. نعم، لا خفاء في تأييده للوجه الأوّل.

و اعلم أنّ وجوب الاستيعاب إنّما يكون إذا كان في موضع الغسل، و أمّا إذا كان في موضع المسح فالظاهر عدم القول بوجوبه.

[و لا يجب إجراء الماء]

و لا يجب إجراء الماء.

354

أي على الجبيرة عند إمكانه و هو ظاهر، لعدم ورود الأمر به، بل (1) إنّما ورد بالمسح، فلا وجه لإيجابه.

و احتمل العلامة في النهاية وجوب أقلّ ما يسمّى غسلًا، و هو بعيد.

[و المجروح يغسل ما حوله]

و المجروح يغسل ما حوله.

المراد به: جراحة لا يكون مشدودة بخرقة أو نحوها، يدل عليه:

ما رواه التهذيب، في الباب المذكور، في الصحيح، عن عبد اللّٰه بن سنان، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: سألته عن الجرح، كيف يصنع به صاحبه؟ قال

يغسل ما حوله.

و هذه الرواية في الكافي أيضاً، في باب الجبائر.

و كذا حسنة الحلبي المتقدمة آنفاً.

و نسب إلى الشافعي القول بوجوب غسل ما حوله و التيمم، و لم يثبت عندنا مستنده.

و اعلم أنّ الكلام فيما إذا لم يمكن غسل الجرح، إذ عند الإمكان لا بدّ من غسله و هو ظاهر.

[و لو أمكن المسح عليه أي على نفس الجرح وجب في الأقرب]

و لو أمكن المسح عليه، أي على نفس الجرح وجب في الأقرب.

مال إليه المحقق في المعتبر، و العلامة في التذكرة، و هو المروي عن أحد

____________

(1) لم ترد في نسخة «ألف».

355

من العامة، و إثبات الوجوب مشكل و إن كان أحوط، لعدم دليل عليه.

و ما يقال: إنّ فيه تحصيلًا لشبه الغسل عند تعذر حقيقته لا محصّل له.

[و لو أمكن بلصوق وجب]

و لو أمكن بلصوق وجب.

أي لو لم يمكن المسح على نفس الجرح و أمكن وضع خرقة عليه و المسح عليها، وجب الوضع و المسح.

هذا بناءً على وجوب المسح عليه مع الإمكان، و قد عرفت الحال في المبني عليه، و مع تسليم الحكم فيه أيضاً يشكل إثبات هذا الحكم، إذ لا دليل عليه. و القول بأنّ المسح بدل عن الغسل فيتسبّب (1) إليه بقدر الإمكان ضعيف.

و احتمل المصنف في الذكرى على تقدير عدم القول بوجوب مسح الجرح أيضاً وجوب وضع الخرقة عليه و مسحها، ليحاذي الجبيرة و ما عليه لصوق ابتداءً.

ثمّ قال: «و الرواية مسلّطة على فهم عدم الوجوب. أمّا الجواز فإن لم يستلزم ستر شيء من الصحيح فلا إشكال فيه، و إن استلزم أمكن المنع لأنّه ترك للغسل الواجب (2)، و الجواز عملًا بتكميل الطهارة بالمسح» انتهى.

و لا يخفى ما في الاحتمال الأخير من البعد.

ثمّ إنّه على تقدير عدم وجوب الوضع و المسح عليه، هل يجب المسح عليه إذا وضع أم لا؟

____________

(1) في نسخة «ألف»: فيثبت.

(2) لم ترد في نسخة «ب».

356

فيه وجهان، بناء على إطلاق رواية الحلبي، و على أنّ المتبادر منه المسح على الخرقة التي يكون من ضروريات الجرح و لا أقلّ من مستحسناته.

و كذا القول فيما إذا شدّ خرقه ابتداءً ثمّ استغنى عنها و لم يحلّها و إن كان (1) القول بالوجوب فيه أقرب، و الاحتياط في المسح في جميع الصور (2).

و اعلم أنّ الأصحاب ألحقوا الكسر المجرد عن الجبيرة أيضاً بالجرح في الحكم، و كذا كلّ داء في العضو لا يمكن بسببه إيصال الماء إليه، و الإثبات بالدليل مشكل، لكنّ الأولى متابعتهم.

هذا،// (151) و قد بقي في المقام أمر لا بدّ من التنبيه عليه، و هو: أنّ جمعاً من الأصحاب (رحمهم اللّٰه) ذكروا هيهنا أنّ ذا الجبيرة يتوضّأ بالنحو المذكور، و ألحقوا به المجروح و المقروح و إن لم يكن جرحه و قرحه مشدوداً، ثمّ ذكروا في بحث التيمم أن من مسوغاته القرح و الجرح و ما أشبههما، و من هيهنا (3) يحصل الاشتباه و الحيرة.

و كذا الروايات قد اختلفت في هذا الحكم، فبعضها يدل على وجوب الغسل على المجروح و بعضها على وجوب التيمم، فلا بأس أن نذكر بعض عبارات الأصحاب لينظر في توجيهه و تأويله، و كذا الأخبار ليتحقق جليّة الحال.

أمّا العبارات:

____________

(1) لم ترد في نسخة «ألف».

(2) في هامش نسخة «ب»: «و كيف كان فينبغي الانتقال إلى التيمم في ما خرج عن مورد النص، كما في عضو المريض، و هو خيرة المعتبر، تمسّكاً بعموم قوله تعالى «وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضىٰ»*، إلى قوله «فَتَيَمَّمُوا»*، كذا في. و في الكتابة.

و لو تضرّر بعض أعضائه بالمرض تيمم و لم يغسل الصحيح. و قال الشيخ.»

(3) في نسخة «ب»: هنا.

357

فمنها: ما ذكره الشيخ في المبسوط، قال فيه في بحث الوضوء: «و إن كان على أعضاء الوضوء جبائر أو جرح و ما أشبههما و كانت عليه خرقة مشدودة، فإن أمكنه نزعها [نزعها (1)]، و إن لم يمكنه مسح على الجبائر، سواء وضعت على طهر أو غير طهر، و الأحوط أن يستغرق جميعه».

و قال أيضاً: «و متى أمكنه غسل بعض الأعضاء و تعذّر في الباقي، غسل ما يمكنه غسله و مسح على حائل ما لا يمكنه غسله، و إن أمكنه وضع العضو الذي عليه الجبائر في الماء وضعه فيه و لا يمسح على الجبائر».

ثمّ قال في بحث التيمم: «و من كان في بعض جسده أو بعض أعضاء طهارته ما لا ضرر عليه، و الباقي عليه جراح أو عليه ضرر في إيصال الماء إليه جاز له التيمم"، و لا يجب عليه غسل الأعضاء الصحيحة، و إن غسلها و تيمّم كان أحوط، سواء كان الأكثر صحيحاً أو عليلًا، و إذا حصل على بعض أعضاء طهارته نجاسة و لم يقدر على غسلها لألم فيه، أو قرح، أو جراح، تيمّم و صلّى و لا إعادة عليه» انتهى.

و هذا الكلام يحتمل ضربين من التأويل:

أحدهما: أن يخصّ الحكم الأوّل بما يكون عليه خرقة مشدّدة و الثاني بما لا يكون عليه (4) خرقة.

____________

(1) لم يرد في المصدر.

(4) لم ترد في نسخة «ب».

358

و ثانيهما: التخيير (1) بين الوضوء و التيمم، كما يشعر به قوله: «جاز له التيمم».

و لا يخفى أنّ القول بالتخيير إنّما يمكن في الجرح المجرد و ما في حكمه من الكسر، و أمّا ذو الجبيرة فالظاهر أنّ تعيّن الوضوء عليه إجماع منّا.

و قال في النهاية في بحث الوضوء: «و إن كان على أعضاء طهارة الإنسان جبائر أو جرح، أو ما أشبهها و كان عليه خرقة مشدودة، فإن أمكنه نزعها وجب عليه أن ينزعها و إن لم يمكنه مسح الخرقة، و إن كان جراحاً غسل ما حولها و ليس عليه شيء».

ثمّ قال في بحث التيمم: «و المجروح و صاحب القروح و المكسور و المجدور، إذا خافوا على نفوسهم استعمال الماء وجب عليهم التيمم عند حضور الصلاة».

و هذا الكلام يحتمل وجوهاً من التأويل، اثنين منها ما تقدّم، و الآخر: أن يكون كلامه في التيمم مختصّاً بمن لا يتمكن من استعمال الماء أصلًا.

قال المحقق في المعتبر في بحث الوضوء: «إذا كانت الجبائر على بعض الأعضاء غسل ما يمكن غسله و مسح ما لا يمكن، و لو كان على الجميع جبائر أو دواء يتضرر بإزالته جاز المسح على الجميع، و لو استضر تيمّم».

و قال في بحث التيمّم: «لو كان به جرح و لا جبيرة غسل جسده و ترك الجرح» و لم يذكر التيمم للجرح، فعلى ظاهر كلامه لا إشكال.

____________

(1) في نسخة «ألف و ب»: بالتخيير.

359

و قال العلامة في المنتهي في بحث الوضوء: «و الجبائر تنزع مع المكنة، و إلّا مسح عليها و أجزأ عن الغسل، و كذا العصائب التي يعصّب بها الجرح و الكسر، و هو مذهب علمائنا أجمع».

و قال في بحث التيمم، عند عدّ أسبابه: «السبب الرابع: المرض و الجرح و ما أشبههما، و قد ذهب علماؤنا [أجمع] إلى أنّه إذا خاف على نفسه من استعمال الماء فله التيمّم».

و قال في موضع آخر

لو أمكن الجريح غسل بعض جسده أو بعض أعضائه في الوضوء جاز له التيمم قال الشيخ في الخلاف: «و لا يغسل الأعضاء الصحيحة أصلًا، فإن غسلها ثمّ تيمّم كان أحوط»

ثمّ نقل عن الشافعي و أحمد أنّه يجب عليه (6) غسل ما أمكن و تيمّم للباقي.

ثمّ نقل استدلالًا عن القائلين بالجمع بما رواه جابر قال: خرجنا في سفر فأصاب رجلًا منّا شجّة في وجهه ثمّ احتلم، فسأل أصحابه هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ قالوا: ما نجد لك رخصة و أنت قادر على الماء، فاغتسل فمات، فلمّا قدمنا على النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله) أخبر بذلك.

فقال: قتلوه قتلهم اللّٰه، أ لا يسألوا إذا لم يعلموا؟ فإنّما شفاء العيّ السؤال، إنّما

____________

(6) لم ترد في نسخة «ب».

360

كان يكفيه أن يتيمم و يعصّب على جرحه ثمّ يمسح عليه، ثمّ يغسل سائر جسده.

و أجاب (ره) عنه: بأنّه يجوز أن يكون «و يعصّب» عطفاً على «أن يتيمم» و نحن نقول بموجبه، فإنّه يجوز أن يعصّب على الجراح خرقة و يغسل جسده و يمسح على تلك الخرقة.

و حاصله: حصول الاكتفاء بالتيمم و التعصّب و المسح و غسل سائر الجسد، على معنى أنّ واحداً منهما كاف، و يحتمل أن يكون عطفاً على لفظ تيمّم و يكون الواو بمعنى أو، و لا استبعاد في ذلك.

ثمّ قال بعيد ذلك

لو كان الجرح ممّا يتمكّن من شدّه و غسل باقي العضو و مسح الخرقة التي عليه بالماء، وجب و لا يتيمم، و إن لم يتمكن من ذلك تيمّم.

و قال أيضاً

لو كان الجرح في غير الأعضاء و خاف من استعمال الماء في الأعضاء سقط الوضوء و وجب التيمم كالمريض.

و قال في التذكرة في بحث الوضوء

إذا كانت الجبائر على جميع أعضاء الغسل و تعذّر غسلها، مسح على الجميع مستوعباً بالماء، و مسح رأسه و رجليه ببقية البلل، و لو تضرّر بالمسح تيمّم.

و قال أيضاً

الجبيرة إن استوعب محلّ الفرض مسح عليه أجمع و غسل باقي

361

الأعضاء، و إلّا مسح على الجبيرة و غسل باقي العضو، و لو تعذّر المسح على الجبيرة تيمّم، و لا يجب غسل باقي الأعضاء.

و قال في بحث التيمم

الطهارة عندنا لا تتبعّض، فلو كان بعض بدنه صحيحاً و بعضه جريحاً تيمّم، و كفاه عن غسل الصحيح.

ثمّ قال بعيد ذلك: «لو تمكّن من المسح بالماء على العضو الجريح (2) أو على جبيرة و غسل الباقي وجب و لا يتيمم».

و قال أيضاً

لو كان بعض بدنه صحيحاً و بعضها جريحاً فأجنب تيمم.

و قال أيضاً

لو كان على قرحه دم يخاف من غسله تيمم للحدث و صلّى.

و قال أيضاً: «لو كان به جرح و لا جبيرة غسل جسده و ترك الجرح».

و قال في النهاية بعد ما ذكر أحكام الجبيرة على النحو المشهور: «و لا ينتقل فرضه إلى التيمم، لأنّ اعتلال بعض الأعضاء لا يزيد على فقدانه، و لو كان مقطوع طرف لم يسقط عنه غسل الباقي».

و قال أيضاً: «و لا يجب التيمم مع التمكّن من المسح على الجبيرة، سواء كان ما تحت الجبيرة يتمكّن من غسله لو كان طاهراً أو لا، و لو لم يتمكّن من استعمال الماء وجب التيمم بالتراب».

و قال أيضاً

و لو لم يحتج إلى إلقاء الجبيرة على موضع الكسر فإن لم يخف

____________

(2) هذا في المصدر، و في جميع النسخ الموجودة عندنا: «على الجرح».

362

من غسله أو مسحه وجب، و إن خاف من غسله و تمكّن من مسحه وجب، لأنّه أحد الواجبين لتضمّن الغسل إيّاه، فلا يسقط بتعذّر أصله.

و لو خاف من غسله و مسحه غسل الصحيح بقدر الإمكان، و يلطف إذا خاف سيلان الماء إليه بوضع خرقة مبلولة بقربه و تحامله عليها ليغسل بالتقاطر منها ما حوله، من غير أن يسيل إليه، و هل يسقط محل الكسر؟ إشكال أقربه العدم، فيضع عليه خرقة أو لوحاً ثمّ يمسح عليه للضرورة.

و يحتمل السقوط فيه خاصة، و سقوط فرض الوضوء لتعذّره، و ينتقل الفرض

(1)

إلى التيمم.

و قال أيضاً

و حكم العضو المجروح حكم المكسور،// (152) و نسبة التعصيب و اللصوق من خرقة و قطنة و نحوهما إليه كنسبة الجبائر.

و قال أيضاً

و إذا لم يكن على الجراح لصوق و ظاهر المحل طاهر، وجب مسحه إذا لم يتضرر، و لو كان نجساً أو تضرّر لم يجب، و في وجوب وضع خرقة حينئذٍ

(2)

إشكال.

و قال في بحث التيمم

لو تمكّن الجريح من غسل بعض جسده أو بعض أعضاء الوضوء لم يجب، و ساغ التيمم، لتعذّر كمال الطهارة و بالبعض لا يحصل الإجزاء، و الجمع بين البدل و المبدل غير واجب كالصيام و الإطعام في الكفّارة و لعموم الأمر بالتيمم للحرج.

____________

(1) لم ترد في المصدر.

(2) لم ترد في المصدر.

363

و قال أيضاً: «لو كان الجرح يتمكّن من شدّه و غسل باقي الأعضاء و مسح الخرقة التي عليه، وجب و لا تيمّم، و إلّا تيمم».

و قال أيضاً

لو كان الجرح في غير الأعضاء و خاف من استعمال الماء في الأعضاء، سقط و وجب التيمم، و لو كان الصحيح لا يمكن غسله إلّا بالوصول إلى الجريح، كان حكمه حكمه في جواز المسح.

هذه كلماتهم و لا يخلو ظواهرها من إجمال و تشويش. و الملخص الذي يلفّق من كلمات العلامة بحيث لا يأبى عن حمل جميعها عليه أن يقال:

إذا كان في أعضاء الطهارة كسر أو جرح أو نحوهما من القرح و كانت عليه جبيرة أو خرقة، يجب غسل الأعضاء الصحيحة أو مسحها و المسح على الجبيرة و نحوها إن لم يتمكن من النزع و الإيصال بالتفصيل الذي علم سابقاً و إن كان جروح مجرد أو كسر مجرد في أعضاء الغسل، و لم يتمكن من غسلهما، و تمكّن من مسحهما وجب، و لو لم يتمكن من المسح أيضاً فحينئذٍ الأقرب عنده وضع خرقة أو نحوها عليهما، و المسح عليها إن أمكن (2).

و احتمل احتمالين (3) آخرين أيضاً أحدهما: عدم وجوب وضع الخرقة و الاكتفاء بغسل الصحيح. و الآخر: الانتقال إلى التيمم، و إن (4) لم يتمكن من وضع الخرقة و المسح عليها فالحكم الانتقال إلى التيمم.

و الظاهر أنّه بناءً على الاحتمال الأوّل من الاحتمالين المذكورين إنّما يكتفي

____________

(2) في نسخة «ألف و ب»: لو أمكن.

(3) كما قاله السيد العاملي في مدارك الأحكام.

(4) في نسخة «ألف»: إذا.

364

في هذه الصورة أيضاً بغسل الصحيح، و منه يعلم حال ما إذا كانا في موضع المسح، و إن كانا في غير أعضاء الطهارة لكن لا يمكن وصول الماء بسببهما إلى أعضاء الطهارة فينقل (1) إلى التيمم البتة كالمريض، لعدم ورود نصّ فيه.

و الظاهر أنّه لا يفهم من كلامه أصلًا الفرق بين ما إذا كان الجرح أو الكسر مستوعباً لتمام عضو من أعضاء الطهارة أو لبعضه.

نعم، يفهم من بعض (2) كلماته التخيير بين الوضوء و التيمم في بعض الصور، و كأنّه أيضاً ليس مختاراً عنده، بل إنّما ذكره في مقام البحث.

و الغرض من هذا التطويل: الاطلاع على أطراف كلماتهم، ليسهل توجيه الجمع بينها، و يظهر أنّ أي وجه من التأويل أولى على من له طبع سليم.

و ظهر بما ذكرنا أنّ التأويلين اللذين ذكرهما المحقق الثاني في شرح القواعد [للجمع (5)] بين كلامي القوم أحدهما: ما نقلنا من الفرق بين الاستيعاب للعضو و عدمه، و ثانيهما: كون الحكم بالوضوء مختصّاً بالجرح و القرح و الكسر، و التيمم بما عداها من مرض و نحوه لا يصلحان للتعويل، كما لا يخفى عند التأمّل.

هذا، و الأهمّ في هذا المقام إيراد الروايات الواردة في هذا الباب، و النظر في أنّه ما يستفاد منها.

فمنها: ما نقلنا سابقاً.

____________

(1) في نسخة «ألف و ب»: فينتقل.

(2) لم ترد في نسخة «ب».

(5) أثبتنا الزيادة من نسخة «ألف و ب».

365

و منها: ما رواه التهذيب، في باب التيمم، في الصحيح، عن محمّد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الجنب تكون به القروح؟ قال

لا بأس بأن لا يغتسل، يتيمّم.

و قد روى عنه أيضاً في الكافي، في باب الكسر و المجدور، بأدنى تغيير.

و كذا في الفقيه، في باب التيمم.

و منها: ما رواه أيضاً في الباب المذكور، في الصحيح، عن داود بن سرحان، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، في الرجل تصيبه الجنابة و به جروح أو قروح، أو يخاف على نفسه من البرد، فقال

لا يغتسل و يتيمم.

[و منها: ما رواه أيضاً في الباب المذكور، في الصحيح، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، في الرجل يصيبه الجنابة و به قروح أو جروح، أو [يكون] يخاف على نفسه البرد قال

لا يغتسل، يتيمم

(5)

]

(6). و منها: ما رواه أيضاً في الباب المذكور، في الصحيح، عن محمّد ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال

يؤمّم المجدور

____________

(5) هذه الرواية من ترد في «ب».

(6) لم ترد هذه الرواية في نسخة «ب».

366

و الكسير بالتراب إذا أصابتهما الجنابة.

و هذه الرواية في الكافي أيضاً، في الباب المذكور.

و منها: ما رواه أيضاً في الباب المذكور، في الموثق، عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام)،

في الرجل تكون به القروح في جسده فتصيبه الجنابة، قال: يتيمم.

و منها: ما رواه أيضاً في الحسن، عن محمّد بن سكّين و غيره، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: قيل له: إنّ فلاناً أصابته جنابة و هو مجدور فغسلوه فمات، فقال

قتلوه، أ لا سألوا؟ أ لا يمّموه؟ إنّ شفاء العيّ السؤال

، قال: و روى ذلك في الكسير و المبطون

يتيمم و لا يغتسل.

و هذه الرواية في الكافي أيضاً، في الباب المذكور.

و روى هذا المضمون في الفقيه أيضاً مرسلًا.

و منها: ما رواه أيضاً في الباب المذكور، عن علي بن أحمد رفعه، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: سألته عن مجدور أصابته جنابة؟ قال

إن كان أجنب هو فليغتسل، و إن كان احتلم فليتيمم.

367

و هذه الرواية في الكافي أيضاً، في الباب المذكور.

و في الفقيه أيضاً مرسلة.

و منها: ما رواه في الكافي، في الباب المذكور، عن جعفر بن إبراهيم الجعفري، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال

إنّ النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) ذكر له أنّ رجلًا أصابته جنابة على جرح كان به، فأُمر بالغسل فاغتسل، فكزّ

(3)

، فمات، فقال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله): قتلوه قتلهم اللّٰه، إنّما كان دواء العيّ السؤال.

و هذه الرواية إنّما ذكرت استطراداً.

هذا ما رأينا من الأخبار في هذا الباب، و لا يخفى أنّ هذه الأخبار التي ذكرنا هيهنا إنّما هي ظاهرة في وجوب التيمم للمجروح و المقروح و الكسير مطلقا، فيقع التعارض بينهما و الروايات السابقة، فلا بدّ من الجمع بينهما.

إمّا بحمل الروايات السابقة على ذي الجبيرة و هذه الروايات بعدمها (5) لكنّه بعيد بالنظر إلى بعض الروايات السابقة و إمّا بحملها على الجرح و القرح الذي يمكن مسحهما أو شدّهما و المسح على الشدّ، و هذه على ما عداهما.

و إمّا بحملها على الذي لا يتضرّر بإيصال الماء إلى الأعضاء الصحيحة و هذه بما يتضرّر، و يجمع بينهما بالتخيير، أي بأن يكون المجروح و نحوه مخيّراً بين

____________

(3) كزّ فهو مكزوز: إذا انقبض من البرد.

(5) في نسخة «ب»: على عدمها.

368

غسل الأعضاء الصحيحة أو مسحها و مسح الأعضاء المجروحة، أو مسح الخرقة، أو تركها بالكلية على الاحتمالات كما هو مقتضى الروايات السابقة و بين التيمم، كما هو مقتضى هذه الروايات.

و الحاصل: أنّ هيهنا وجوهاً من التأويل، و لا دليل على تعيين أحدها، فالحكم به مشكل، فالصواب أن يؤخذ الحكم ممّا تقتضيه (1) الأصول فنقول:

لمّا تعذّر بعض أفعال الوضوء المأمور به فيجب أن يحكم بسقوط الأمر به، لأنّه تكليف واحد بهذا المجموع لا تكاليف متعددة بحسب الأجزاء.

و التكليف بالتيمم أيضاً في الآية لا يشمل بظاهره هذه الصورة، لأنّه مشروط// (153) بعدم وجدان الماء و ليس هيهنا ظاهراً، فيخرج عن هذا التكليف أيضاً، فحينئذٍ نقول:

إذا كان الكسر و ما في حكمه في موضع الطهارة، و كان عليه جبيرة طاهرة فالأمر فيه سهل، إذ الظاهر أنّ الحكم بوجوب الطهارة المائية في هذه الصورة إجماعي.

و إذا كان عليه جبيرة نجسة فالاحتياط كما عرفت- [في (2)] المسح عليها، ثمّ توضع خرقة و يمسح عليها، و الأحوط ضمّ التيمم أيضاً إليه حينئذٍ، و تمام الاحتياط ضمّ التيمم في الصورة الأولى أيضاً.

و إذا لم يكن عليه جبيرة فالظاهر نظراً إلى اقتضاء الدليل التخيير بين الطهارة المائية و الترابية، لعدم دليل ظاهر على تعيين أحدهما، و الإجماع على

____________

(1) في نسخة «ألف»: يقتضيه.

(2) زيادة اقتضاها السياق.

369

عدم المخرج عنهما، فلو اختير الطهارة المائية فالاحتياط المسح على نفس العضو إذا أمكن و لو لم يمكن فالمسح على الخرقة الموضوعة، و لو لم يمكن أيضاً فالاكتفاء بما عداه، و الاحتياط في جميع الصور في (1) الجمع بين الطهارتين.

و إذا لم يكن الكسر و ما في حكمه في (2) موضع الطهارة لكن يتضرّر بسببه أعضاء الطهارة أيضاً من الغسل أو المسح، فالظاهر حينئذٍ وجوب التيمم، و الاحتياط في ضمّ الطهارة المائية أيضاً.

و قد بقي في المقام شيء و هو: أنّ هذه الروايات المنقولة أخيراً المتضمنة لوجوب التيمم إنّما هي مختصّة بالجنب، و لا يشمل المحدث بالحدث الأصغر، و الروايات السابقة مختصّة ظاهراً بالمحدث سوى رواية عبد الرحمن بن الحجّاج، و رواية كليب و إن كانت مطلقة لكن لا يبعد ادعاء ظهورها في الوضوء، لأنّه الفرد الأكثر المتعارف.

فحينئذٍ ظهر أنّ الروايات الواردة في الوضوء قد بقيت خالية عن المعارض، فينبغي الحكم مطلقا بوجوب الوضوء دون التيمم في الحدث الأصغر.

و القول بعدم الفرق بين الوضوء و الغسل في هذا الحكم لا ظهور له، لأنّه نقل في المنتهي القول (5) بالفرق.

و أمّا الحدث الأكبر فلا معارض لوجوب التيمم فيه للمجروح و المكسور،

____________

(1) لم ترد في نسخة «ألف و ب».

(2) لم ترد في نسخة «ألف».

(5) لم ترد في نسخة «ألف».

370

سوى رواية عبد الرحمن و رواية كليب أيضاً إن سلّم عمومها و هما مختصان بالجبيرة، فإذن الظاهر فيما عداها وجوب التيمم، لكنّ الاحتياط أيضاً في ضمّ الغسل مراعياً للأمور التي ذكرنا آنفاً. هذا ما بلغ إليه فهمنا، و اللّٰه الموفّق للصواب.

[و لو زال العذر فكوضوء التقية]

و لو زال العذر فكوضوء التقية.

قد مرّ في مبحث وضوء التقية ما يفي ببيان هذا المقام.

[و أما السلس و المبطون]

[يتوضّئان لكل صلاة]

و السلس و المبطون يتوضّئان لكل صلاة، خلافاً للمبسوط.

المراد بالسلس: من لا يتمكن من استمساك بوله، و بالمبطون: من يعتريه الحدث من ريح أو غائط على وجه لا يمكنه دفعه.

و المشهور في السلس أنّه يتوضّأ عند كل صلاة كالمستحاضة، و هو مختار الشيخ في الخلاف.

و قال في المبسوط: «و أمّا من به سلس البول فيجوز له أن يصلّي بوضوء واحد صلوات كثيرة، لأنّه لا دليل على تجديد الوضوء و حمله على الاستحاضة قياس لا نقول به».

و لا يخفى أنّ مختار المبسوط يحتمل وجهين:

أحدهما: أن لا يجعل البول بالنسبة إلى السلس حدثاً أصلًا (3)، بل يحصر إحداثه فيما سوى البول.

و ثانيهما: أن لا يجعل البول الذي يخرج بطريق التقاطر حدثاً، و أمّا الذي

____________

(3) لم ترد في نسخة «ألف».

371

يخرج بالطريق المعهود فيكون حدثاً.

و اختار العلامة (ره) في المنتهي مذهباً ثالثاً و هو: تجويز وضوء واحد للظهر و العصر يجمع بينهما، و للمغرب و العشاء أيضاً يجمع بينهما، و يفرد للصبح بوضوء (1)، و إذا صلّى غير هذه وجب تجديد الطهارة لكلّ صلاة.

و احتج المشهور بوجوه:

الأوّل: أنّ الحدث إنّما يوجب الوضوء (3) مطلقا، إلّا (4) ما أخرجه الدليل، لكنّ الضرورة أخرج الأحداث الواقعة في أثناء الصلاة، فبقي الباقي.

و أيضاً: الأمر وارد بالوضوء عند القيام إلى كلّ صلاة، فخرج المتطهّر بالدليل و بقي الباقي، و ما نحن فيه من قبيل الباقي.

و قد يناقش في الوجهين بمنع عموم إيجاب الأحداث للطهارة و وجوب الوضوء عند القيام إلى الصلاة، كما مرّ مراراً.

الثاني: أنّ الاحتياط يقتضي ذلك، فإنّه محدث و الحدث و إن لم يرتفع لأجل الضرورة فلا يسقط عنه وجوب الوضوء كالمستحاضة.

و فيه: أنّ الاحتياط لا يصير دليل الوجوب، و لو تمسّك بحديث الحدث و أنّه يقتضي الطهارة فيرجع إلى الوجه الأوّل بعينه.

الثالث: أنّ القول بتكرير الطهارة في حقّ المستحاضة، و عدمه في حقّ

____________

(1) في نسخة «ب»: بوضوء واحد.

(3) في نسخة «ألف»: الطهارة.

(4) لم ترد في نسخة «ب».

372

صاحب السلس ممّا لا يجتمعان، و الأوّل حقّ، فالثاني (1) باطل.

بيان التنافي: أنّ خروج الحدث المتكرّر إمّا أن يقتضي إيجاب الطهارة المتكرّرة أو لا، فإن اقتضى وجب التكرّر في حق صاحب السلس، عملًا بالمقتضى السالم عن المعارض.

و إن لم يقتض وجب عدم التكرير في حق المستحاضة، عملًا بالأصل و هو براءة الذمة السالمة عن معارضة كون الخروج المتكرّر موجباً فيه، و إنّا نختار الثاني.

قوله: «فيجب عدم التكرير في حق المستحاضة» الى آخره.

قلنا: ممنوع (2)، لأنّ براءة الذمة لا ينحصر معارضتها في كون الخروج المتكرّر موجباً، بل إنّما يعارضها النص، و هو مفقود في السلس.

و حجّة مختار المبسوط أيضاً وجوه:

أحدها (3): ما نقلنا عنه من عدم الدليل على التجديد، و الحمل على الاستحاضة قياس.

و ردّ: بأنّ الدليل على التجديد موجود (4)، و هو ما نقلنا من عموم الإيجاب و الوجوب و غيره ممّا ذكر، و قد عرفت ما فيه.

و ثانيها: ما رواه التهذيب، في باب أحداث الزيادات (5)، في الموثق، عن

____________

(1) في نسخة «ألف»: و الثاني.

(2) لم ترد في نسخة «ألف».

(3) في نسخة «ب»: أحدهما.

(4) لم ترد في نسخة «ألف».

(5) في نسخة «ب»: في الزيادات.

373

سماعة قال: سألته عن رجل أخذه تقطير من فرجه، إمّا دم و إمّا غيره؟ قال

فليصنع خريطة، و ليتوضّأ و ليصلّ، فإنّما ذلك بلاء ابتلى به، فلا يعيدنّ إلّا من الحدث الذي يتوضّأ منه

(1)

.

وجه الاستدلال: أنّ الحدث الذي يتوضّأ منه لا يجوز أن يكون شاملًا للبول أيضاً، لأنّه يلزم حينئذٍ وجوب إعادة الوضوء أو الصلاة على احتمالين للتقطير في أثناء الصلاة، و المشهور أيضاً لا يقول به، و إذا لم يكن شاملًا للبول فثبت المطلوب.

و ردّ بعد القدح في السند: بأنّه يجوز أن يكون شاملًا للبول، و يكون التقطير (2) في أثناء الصلاة خارجاً بالدليل كالجرح و نحوه.

فإن قلت: الأصل عدم التخصيص، فينبغي أن يحمل الكلام على ما لا يحتاج (3) إلى تخصيص.

قلت: التعميم في الجزء الإثباتي من نظائر هذا الكلام غير مسلّم، و قد مرّ نظيره.

و أورد أيضاً: بأنّه يجوز أن يكون المراد إعادة الوضوء لا الصلاة، و يكون الإعادة للصلاة الأخرى، و فيه بعد.

و لا يذهب عليك أنّ مراد المبسوط لو كان هو الاحتمال الأوّل الذي ذكرنا (4) يرد إيراد آخر، و هو: أنّه يجوز أن يكون المراد بالحدث الذي يتوضّأ منه: ما

____________

(1) في الوسائل: «من قرحه» بدل «من فرجه».

(2) في نسخة «ألف»: القطرة.

(3) في نسخة «ألف»: ما يحتاج.

(4) في نسخة «ب»: ذكرناه.

374

يشمل البول الخارج لا بطريق التقاطر، فيكون هو ناقضاً، و إنّما يخرج عنه الخارج بطريق التقاطر، و على هذا يحصل مذهب رابع.

فإن قلت: إذا كان الراوي عالماً بأنّ البول الخارج لا بطريق التقاطر ناقض و موجب للوضوء لا الخارج بالتقاطر، فما الحاجة إلى السؤال؟

قلت: كان السؤال إنّما هو لأجل الدم و نحوه من القيح و الصديد لا للبول أيضاً، مع أنّه يرد هذا على// (154) أصل الاستدلال أيضاً كما لا يخفى؛ فتأمّل.

و ثالثها: ما رواه الكافي، في باب الاستبراء من البول، في الحسن، عن منصور بن حازم قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): الرجل يعتريه البول و لا يقدر على حبسه، قال: فقال لي

إذا لم يقدر على حبسه فاللّٰه أولى بالعذر، يجعل خريطة.

وجه الاستدلال: أنّ المعذوريّة إنّما يستلزم سقوط حكم الخارج مطلقا، و إلّا لم يكن معذوراً.

و ردّ بأنّ المعذوريّة لا يستلزم إلّا سقوط حكم ما لا يمكن التوقّي عنه إلى الحرج و المشقّة، و أمّا الوضوء لكلّ صلاة فليس ممّا يعذّر فيه.

و احتج العلامة على ما ذهب إليه في المنتهي: بما رواه الفقيه، في باب ما ينقض الوضوء، في الصحيح، عن حريز، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، أنّه قال

إذا كان الرجل يقطّر منه البول و الدم، إذا كان حين الصلاة اتخذ كيساً و جعل فيه قطناً، ثمّ علّقه عليه و أدخل ذكره فيه، ثمّ صلّى يجمع بين الصلاتين، الظهر

375

و العصر، يؤخّر الظهر و يعجّل العصر بأذان و إقامتين، و يؤخّر المغرب و يعجّل العشاء بأذان و إقامتين، و يفعل ذلك في الصبح.

و هذه الرواية في التهذيب أيضاً، في الباب المذكور (2).

وجه الاستدلال: أمّا على جواز الجمع بين الصلاتين بوضوء واحد، فلأنّه لو لم يكف (3) الوضوء الواحد لهما لما كان للجمع بينهما وجه، و أمّا على عدم الجواز في الزيادة فلأنّ تخصيص الصلاتين بالذكر يدل على نفي ما عداهما.

و فيهما نظر؛ أمّا الأوّل: فلمنع قوله: «لو لم يكف الوضوء الواحد لما كان للجمع وجه»، إذ يجوز أن يكون الجمع باعتبار تقليل النجاسة الحاصلة منه، لا لأجل الحدث، و لو سلّم أنّه ليس كذلك فعدم معلوميته لنا لا يستلزم عدمه في الواقع، إذ العقل لا سبيل له إلى أحكامه تعالى.

و أمّا الثاني: فلأنّه يجوز أن يكون التخصيص بناءً على الغالب، بالنسبة إلى الأداء.

هذا مأخذ الأقوال، و قد علمت أنّ أكثرها لا يخلو عن خدشة، و متابعة الشهرة و الاحتياط يقتضي العمل بوجوب الوضوء عند كلّ صلاة، و إن كان إبطال مذهب المبسوط مشكلًا بحسب الدليل.

____________

(2) في التهذيب: «في الصلاة» بدل «حين الصلاة».

(3) في نسخة «ب»: لو لم يكتف.

376

نعم، لا يبعد أن يقال: إنّ مقطوعة سماعة المتقدمة آنفاً، ممّا يومي إلى وجوب الوضوء على صاحب السلس لأجل البول في الجملة، فينافي القول بعدم كونه حدثاً بالنسبة إليه مطلقا.

و كذا ما رواه التهذيب، في باب آداب الأحداث، في الزيادات، عن عبد الرحيم قال: كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام) في الخصيّ يبول فيلقى من ذلك شدّة، فيرى البلل بعد البلل؟ قال

يتوضّأ و ينتضح في النهار مرّة واحدة.

و هذه الرواية في الكافي أيضاً في باب الاستبراء (4).

و في الفقيه أيضاً، في باب ما ينجس الثوب و الجسد، لكن لقصور سندهما و عدم ظهور دلالتهما لا يمكن التعويل عليهما.

ثمّ اعلم أنّهم ذكروا أنّ صاحب السلس إذا كانت له فترة معتادة تسع الطهارة و الصلاة، وجب انتظارها لزوال الضرورة التي هي مناط التخفيف.

و احتمل بعضهم أيضاً عدم وجوب الانتظار، بل له أن يصلّي أوّل الوقت، لعموم أدلّة الأوقات و الصلاة، و كون العذر موجباً للتأخير غير متيقّن، و للحرج و الضيق، و الأولى انتظار الفترة.

____________

(4) في الكافي: «ثم ينضح» بدل «و ينضح».

377

و ذكروا أيضاً وجوب المبادرة إلى الصلاة بعد الوضوء، و لا ريب أنّه أيضاً أولى.

هذا، و أمّا المبطون فقد قال المصنف في الذكرى

الظاهر أنّ المبطون يجدّد أيضاً لكلّ صلاة لمثل ما قلناه، و لم أرهم صرّحوا به، إلّا أنّ فتواهم بالوضوء للحدث الطاري في أثناء الصلاة يشعر به

انتهى.

و كأنّه أراد بقوله: «لم أرهم» المتقدمين أو الجماعة، و إلّا فالعلامة (ره) صرّح في المنتهي بوجوب الوضوء عليه و لكلّ صلاة، قال فيه: «و أمّا المبطون فإنّه يجدّد الوضوء لكل صلاة، لا يجمع بين صلاتي فرض، لأنّ الغائط حدث فلا يستباح معه الصلاة إلّا مع الضرورة، و هي متحقّقة في الواحدة دون غيرها» انتهى.

و لا يخفى أنّ ما ذكره جار في السلس أيضاً، لكن كأنّه قال بجواز الجمع فيه لأجل الصحيحة المذكورة و هي مختصّة بالسلس، و المحقق أيضاً في المعتبر صرّح بما صرّح به العلامة، و كذا ابن إدريس في السرائر.

ثمّ اعلم أنّ ظاهر المتن أنّ مخالفة المبسوط في السلس و المبطون معاً، و لم نطلع على خلاف في المبطون.

[و لو فجأه في الصلاة توضّأ المبطون]

و لو فجأه في الصلاة توضّأ المبطون و بنى في الأشهر (5).

اعلم أنّ المبطون إمّا أن لا يكون [له (6)] فترات يمكن أن يتحفّظ نفسه فيها (7)

____________

(5) في باقي نسخ الدروس: المشهور.

(6) أثبتنا الزيادة من نسخة «ألف و ب».

(7) لم ترد في نسخة «ألف».

378

بقدر الطهارة و الصلاة أو يكون، فإن كان فالظاهر انتظار الفترة بناءً على ما تقدم في السلس، و لو لم يكن فإمّا أن يمكنه التلبس بالصلاة بعد الطهارة من دون تخلّل حدث أو لا.

فإن لم يمكنه التلبس فظاهر المنتهي و المعتبر أنّه لا يبالي حينئذٍ بوقوع الحدث في أثناء الصلاة، و إن أمكنه التلبس فحينئذٍ لو تلبّس متطهّراً، ثمّ فجأه الحدث في الأثناء فيحتمل أن يكون محل الخلاف الذي سنذكره إن شاء اللّٰه تعالى.

و يمكن أن يكون فجأة الحدث في أثناء الصلاة لمن له فترة مع توخيه زمان الفترة محلا للخلاف أيضاً، و لنتكلم في كلّ من المقامين:

أمّا الأوّل: فإن كان بحيث يكون مفاجاة الحدث في أثناء صلاة واحدة متكرّرة بحيث تؤدّي إعادة الوضوء في كلّ مرتبة إلى الحرج و العسر فلا يبعد أن يكون الحكم بعدم وجوب إعادة الوضوء و البناء، بل استمرار في الصلاة إجماعاً، للزوم الحرج المنتفي في الدين.

و إن لم يكن كذلك و لم يصل إلى حدّ الحرج فحينئذٍ يحتمل أن يكون محل الخلاف، فالمشهور كما ذكره المصنف أنّه يتوضّأ و يبني على صلاته، و يفهم من المختلف ظاهراً أنّه يستمر في صلاته.

قال في المختلف بعد نقل القول بالتطهّر و البناء: «و الوجه عندي: أنّ عذره إن

379

كان دائماً لا ينقطع فإنّه يبني على صلاته، من غير أن يجدّد وضوءً كصاحب السلس، و إن كان يتمكّن من تحفّظ نفسه بمقدار زمان الصلاة فإنّه يتطهّر و يستأنف الصلاة» انتهى.

و قال المصنف في الذكرى بعد نقل مذهب المختلف: «و تشبيهه بالسلس: ينفي ما أثبته من وجوب إعادة الصلاة للمتمكّن، إلّا أن يرتكب مثله في السلس» انتهى.

و لا يخفى فساده، لأنّه شبّهه في عدم تجديد (1) الوضوء بصاحب السلس، و هذا لا يستلزم النفي المذكور، بل يمكن أن يقال: إنّ تشبيهه في الأوّل بالسلس دون الثاني يشعر بالفرق بينهما، فكيف يكون كلامه دالًّا على خلافه، مع أنّه لا يأبى عن الارتكاب المذكور، لأنّه صرّح في التذكرة به كما سيجيء.

حجّة المشهور: ما رواه الفقيه، في باب صلاة المريض، في الصحيح، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام)، أنّه قال

صاحب البطن الغالب يتوضّأ و يبني على صلاته

(2)

____________

(1) في نسخة «ج»: تجدّد.

(2) في هامش نسخة «ب»: «لاحظت الفقيه فكان هكذا: و روى عن أبي جعفر (عليه السلام) صاحب البطن. الغالب يتوضأ و يبنى على صلاته.

و في مشيخته و ما كان فيه عن محمّد بن مسلم ثقفي، فقد رويته عن على بن ابن أحمد ابن عبد اللّٰه بن أحمد بن أبي عبد اللّٰه البرقي عن أبيه عن جده أحمد بن أبي عبد اللّٰه. عن أبيه محمّد بن خالد عن العلاء بن رزين عن محمّد بن مسلم و قال السيد مصطفى: «و سنده إلى محمّد بن مسلم ثقفي ضعيف».

و قال الشيخ: «و كان منشأ الاشتباه هو حكم العلّامة بصحّتها في كتاب الطهارة، مع سكوته في حقه عن سنده إليه عن أصله و لنعم ما في شرح اللمعة.».

380

و ما رواه التهذيب أيضاً، في باب أحداث الزيادات، في الموثق بابن بكير، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال

صاحب البطن الغالب يتوضّأ ثمّ يرجع// (155) في صلاته، فيتم ما بقي.

و روى هذه الرواية في باب صلاة المضطر، في الزيادات، بدون كلمة «ثمّ يرجع».

و يرد على الروايتين: أنّه يمكن أن يكون المراد صاحب البطن الذي يمكنه التحفّظ بقدر الصلاة، إذ لا عموم في اللفظ، فحينئذٍ لو فجأه الحدث فحكمه ذلك، و هو غير مورد النزاع.

و أوّل العلامة الرواية الثانية بأنّ المراد بما بقي: [ما بقي (4)] من الصلاة الأخرى لا تتمّة الصلاة الأولى، و لا يخلو عن بعد.

و يمكن مثل هذا التأويل البعيد في الرواية الأولى أيضاً كما لا يخفى.

و احتج أيضاً: بما رواه التهذيب، في أواخر باب كيفية الصلاة، في الزيادات، في الصحيح، عن الفضيل بن يسار قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): أكون في الصلاة فأجد غمزاً في بطني، أو أذى، أو ضرباناً؟

فقال

انصرف ثمّ توضّأ، و ابن علي ما مضى من صلاتك ما لم تنقض الصلاة [بالكلام

(5)

] متعمّداً، فإن تكلّمت ناسياً، فلا شيء عليك، فهو بمنزلة من تكلّم في

____________

(4) ما بين المعقوفتين لم يرد في «ألف».

(5) هكذا في المصدر.

381

الصلاة ناسياً. قلت: و إن قلّب وجهه عن القبلة قال: نعم، و إن قلّب وجهه عن القبلة

(1)

.

و هذه الرواية في الفقيه أيضاً، في الباب المتقدم (2)، و هي و إن لم يكن صريحة في المبطون لكن بإطلاقها شاملة له.

و يرد عليه أيضاً مثل ما أوردنا أوّلًا، بل يمكن أن يكون المبطون مطلقا خارجاً عنها و يكون المراد: من حدث له هذه الحالة اتفاقاً.

و اعلم أنّ الخبر لا يدل على خروج الحدث، لكنّهم حملوه على ما إذا لم يمكن أن يملك نفسه، للإجماع كما قيل على (3) أنّه بمجرد وجدان الغمز في البطن و شبهه لا يكون الحكم كذلك، بل يجب المحافظة.

و يدلُّ بعض الروايات أيضاً على وجوب المحافظة عند إمكان التحفّظ مثل:

ما رواه التهذيب، في الباب المذكور، في الصحيح، عن عبد الرحمن بن الحجّاج قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يصيبه الغمز في بطنه و هو يستطيع أن يصبر عليه، أ يصلّي على تلك الحال أو لا يصلي؟ قال: فقال

إن احتمل الصبر و لم يخف إعجالًا عن الصلاة فليصلّ و ليصبر

(4)

.

و هذه الرواية في الفقيه أيضاً، في الباب المتقدم.

____________

(1) في الإستبصار: «فلا بأس عليك» بدل «فلا شيء عليك»، و في الوسائل: «فإنّما هو بمنزلة من تكلّم».

(2) في: «أو أزّاً» بدل «أو أذى».

(3) لم ترد في نسخة «ألف».

(4) في الوسائل: «أو لا يصلي؟ فقال».

382

و في الكافي أيضاً، في باب ما يقطع الصلاة.

و في هذه الرواية رخصة في إيقاع الحدث لخوف الإعجال أيضاً، و الظاهر أنّ الأصحاب لم يقولوا به.

و يمكن أن يقال: إنّها ليست ظاهرة في إصابة الغمز في أثناء الصلاة، فيجوز أن يكون المراد قبل الصلاة، فحينئذٍ لا ينافي كلام القوم.

و يمكن أن يحتج أيضاً: بما رواه التهذيب، في آخر باب أحكام السهو، في الزيادات، عن أبي سعيد القمّاط قال: سمعت رجلًا يسأل أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل وجد غمزاً في بطنه، أو أذى، أو عصراً من البول، و هو في صلاة المكتوبة في الركعة الأولى، أو الثانية، أو الثالثة، أو الرابعة؟

قال: فقال

إذا أصاب شيئاً من ذلك فلا بأس بأن يخرج لحاجته تلك، فيتوضّأ ثمّ ينصرف إلى مصلّاه الذي كان يصلي فيه، فيبني على صلاته من الموضع الذي خرج منه لحاجته، ما لم ينقض الصلاة بكلام.

قال: قلت: و إن التفت يميناً، أو شمالًا، أو ولّى عن القبلة؟ قال: نعم، كلّ ذلك واسع، إنّما هو بمنزلة رجل سها فانصرف في ركعة أو ركعتين أو ثلاث من المكتوبة، فإنّما عليه أن يبني على صلاته. ثمّ ذكر (عليه السلام) سهو النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)

(2)

.

و فيه: بعد القدح في السند، ما ذكر في سابقه.

____________

(2) في الوسائل: «بالكلام» بدل «بكلام»، و «ثلاثة من المكتوبة» بدل «ثلاث من المكتوبة»، و أورد ذيله في الحديث 15 من الباب 3 من أبواب الخلل.

383

و اعلم أنّ ما تضمّنه هذان الخبران من جواز البناء مع الاستدبار إنّما يخالف المشهور بين الأصحاب، و سيجيء بسط القول فيه إن شاء اللّٰه تعالى في كتاب الصلاة.

و أيّد أيضاً: بالروايات الدالّة على البناء مع سبق الحدث في الطهارة الترابية.

و فيه: أنّ قياس المائية على الترابية لا وجه له، مع أنّ الترابية لا تقييد فيها بالمبطون، فالتقييد في المائية بالمبطون أيضاً لا وجه له، إلّا أن يعمّم في المائية أيضاً، لكن حينئذٍ يعارض الروايات الدالّة على البطلان بالحدث، و سيجيء إن شاء اللّٰه تعالى مفصّلة.

و أيضاً: سيجيء إن شاء اللّٰه تعالى في بحث التيمم، أنّ الروايات المذكورة يمكن توجيهها بوجه لا يكون دالّاً على البناء مع الحدث.

احتج العلامة (ره) على ما في المختلف

بأنّ الحدث المتكرّر لو نقض الطهارة لأبطل الصلاة، لأنّ شرط صحّة الصلاة استمرار الطهارة.

و اعترض عليه المصنف في الذكرى، بأنّه: مصادرة على المطلوب.

و ردّ المحقق الشيخ على (ره) بأنّ الطهارة شرط الصلاة، و المشروط عدم عند عدم الشرط، و الحدث مانع اتفاقاً لإخلاله بالمشروط، و ليس في هذا مصادرة بوجه.

و ردّ الردّ الشهيد الثاني في شرح الإرشاد بقوله: «و هو ضعيف جدّاً، فإنّ المصادرة نشأت من ادعاء الملازمة بين نقض الطهارة و بطلان الصلاة، مع ورود

384

النصّ الصحيح على فساد هذه الملازمة، فلا معنى حينئذٍ لدفعها بدعوى الإجماع، على أنّ الطهارة شرط الصلاة مع تخلّفها في مواضع كثيرة» انتهى.

و لا يخفى أنّ هيهنا ليست مصادرة بالمعنى المصطلح، إذ مدّعى العلامة عدم انتقاض الطهارة في هذه الصورة، و الدليل هو الخلف الذي يبطل به نقيض المطلوب، و هو: أنّه لو انتقض الطهارة لانتقض الصلاة أيضاً و هو باطل، فعلى هذا لا مصادرة أصلًا.

نعم، يمكن منع الملازمة و إبطالها بالرواية، و كذا منع الإجماع الذي يثبت (2) به المقدّمة الممنوعة، إلّا أن يتكلّف و يقال: إنّ هذه الملازمة بمنزلة أصل الدعوى، فمن لم يسلّمه لم يسلّمها أيضاً، فلذا تسامح و سمّاه بالمصادرة.

و يمكن أن يحتج أيضاً: بما رواه التهذيب، في باب صلاة المضطرّ، في الزيادات، في الموثق بابن بكير، عن محمّد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن المبطون؟ فقال

يبني على صلاته.

و هذه الرواية في الكافي أيضاً، في باب صلاة الشيخ الكبير.

و يرد عليه: أنّه مطلق و ما تقدم مقيّد، فيجب أن يحمل عليه، مع أنّ في لفظ البناء أيضاً إشعاراً بتخلّل الطهارة.

هذا ما يمكن أن يقال من الجانبين، و قد عرفت عدم تماميته، لكن يمكن أن يقال: الأصل مع العلامة، لعدم دليل عام على وجوب الوضوء بعد الحدث مطلقا،

____________

(2) في نسخة «ألف»: ثبت.

385

فإنّما يتمسّك بالأصل حتّى يثبت خلافه، لكنّ الاحتياط أن يتوضّأ و يتم، و تمام الاحتياط أن يصلي بعد ذلك صلاة أخرى لم يتجدّد الوضوء في أثنائها بل يستمر مع الحدث.

و أمّا الثاني: و هو الذي للمبطون فترة تسع الطهارة و الصلاة و توخي تلك الفترة، ففاجأه الحدث في أثناء الصلاة، فعلى تقدير كون الخلاف فيه المشهور التطهّر و البناء، و مختار المختلف التطهّر و الاستيناف.

حجّة المشهور: الروايات المتقدمة في المقام الأوّل في احتجاج المشهور (2)، مع الرواية الأخيرة التي أوردناها للعلامة.

و يرد على الجميع: أنّه يمكن أن يكون المراد: المبطون الذي لا يتحفّظ نفسه بمقدار الطهارة و الصلاة، و قد تأوّل الرواية الأولى و الأخيرة بأنّ المراد بالبناء الاستيناف، و فيه بعد.

و احتج العلامة على الاستيناف: بأنّه يتمكن من فعل الصلاة كملًا بطهارة، فيجب عليه ما يتمكّن// (156) منه [ممّا كلّف به (4)].

و يمكن أن يقال: إنّه لو أراد بأنّه مكلّف بفعل الصلاة كملًا بطهارة، أنّه مكلّف بأن يكون جميع أفعال صلاته مقرونة (5) بالطهارة فمسلّم، لكن في صورة التطهير و البناء أيضاً هذا المعنى متحقّق، و إن أراد به أنّه مكلّف بفعل الصلاة مقروناً بطهارة

____________

(2) صحيحة محمّد بن مسلم المنقولة عن الفقيه، و موثقته المنقولة من التهذيب، و صحيحة فضيل بن يسار المنقولة عن التهذيب.

(4) ما بين المعقوفتين لم يرد في «ألف».

(5) في نسخة «ج»: مقروناً.

386

سابقة عليها مستمرة إلى آخرها فممنوع، إذ لا دليل عامّاً يدل على هذا، و لو فرض وجود عام أيضاً فنقول:

هذه الروايات المتقدمة إن سلّم عدم ظهورها في التخصيص بناءً على إمكان حملها على ما ذكر (1) فلا أقلّ من احتمالها للتخصيص، و حينئذٍ يحصل الشك في العام، و قد عرفت مراراً أنّ الإتيان بالأفراد المشكوكة لا دليل على وجوبه.

و يحتج أيضاً: بالروايات الدالّة على أنّ (2) الحدث يقطع الصلاة، كما سيأتي إن شاء اللّٰه تعالى في كتاب الصلاة.

و اعترض عليه الشهيد الثاني (ره) في شرح الإرشاد بقوله: «و هو ضعيف، لأنّ عام تلك الأخبار أو مطلقها مخصّص أو مقيّد إجماعاً بالمستحاضة و السلس، فلا وجه لإخراج هذا الفرد مع النصّ عليه بالتعيين» انتهى.

و لا يخفى ما فيه، لأنّ كونها مخصّصة أو مقيّدة بالمستحاضة و السلس لا دخل له في هذا الحكم، إذ الكلام في المبطون.

اللّهم إلّا أن يكون بناء كلامه على ما ذهب إليه بعض الأصوليين أنّ العام المخصّص لا يبقى حجّة في الباقي، لكن يأباه قوله: «فلا وجه» إلى آخره كما لا يخفى، و ما ذكره من النصّ على هذا الفرد قد عرفت حاله.

و اعلم أنّ الشهيد الثاني (ره) أورد المعارضة بهذه الأخبار الدالّة على أنّ

____________

(1) في نسخة «ب»: على ما ذكرنا.

(2) لم ترد في نسخة «ألف».

387

الحدث يقطع الصلاة للأخبار السابقة في المقام الأوّل (1) كما هو ظاهر، لكن لمّا (2) لم يظهر قول بوجوب الاستيناف في المقام الأوّل فلذا لم نذكرها هناك و أوردنا هيهنا.

و إذ قد عرفت هذا، فالظاهر بحسب الدليل المذهب المشهور، و الاحتياط أن يتوضّأ و يبني، ثمّ يستأنف صلاة أخرى.

[و أما السلس إن كان له فترات فكالمبطون]

بخلاف السلس، إلّا أن يكون له فترات فيساوي المبطون.

اعلم أنّ السلس أيضاً تجري فيه الاحتمالات المذكورة في المبطون، و بعض الاحتمالات الذي ذكرنا وقوع الإجماع فيه ظاهراً في المبطون، يكون ظهور الإجماع فيه (3) في السلس بطريق الأولى.

و أمّا الاحتمالان اللذان ذكرنا إمكان تحقّق الخلاف فيهما في المبطون فكذا هيهنا أيضاً، لأنّ ابن إدريس صرّح بالمساواة بينهما، و ذكر أنّ صاحب السلس أيضاً عند تراخي زمان الحدث يتطهّر و يبني.

و لا يخفى أنّ تراخي زمان الحدث يحتمل وجهين:

أحدهما: التراخي بقدر الطهارة و الصلاة.

و الثاني: عدم الاتصال دائماً بحيث لا يمكن الطهارة له، أو بحيث يتعسّر و يفضي إلى الحرج.

____________

(1) مثل: صحيحة محمد بن مسلم، و موثقته المنقولتان عن أبي جعفر (ع)، و صحيحة فضيل بن يسار المنقولة عن كتاب صلاة التهذيب.

(2) لم ترد في نسخة «ب».

(3) لم ترد في نسخة «ألف».

388

و يفهم من ظاهر كلام المبسوط و النهاية أيضاً أنّه يتطهّر و يبني كالمبطون، فكما يمكن أن يكون حكمه بالتطهير و البناء في المبطون محمولًا على الوجهين، فكذا في السلس.

و العلامة في التذكرة ذهب إلى أنّ (4) صاحب السلس عند عدم إمكان التحفّظ بقدر الطهارة و الصلاة يستمر في الصلاة بدون تطهير، و عند الإمكان يتطهّر و يستأنف، فظهر من ذلك إمكان تحقّق الخلاف في الموضعين، فلنتكلّم فيهما.

أمّا في الموضع (5) الأوّل، أي عند عدم إمكان التحفّظ بقدر الطهارة و الصلاة: فيكون مذهب الشيخ و ابن إدريس وجوب التطهّر (6) و البناء، و مذهب العلامة في التذكرة وجوب الاستمرار.

و لا يخفى أنّه لا يمكن استدلال يتجه ظاهراً بالروايات المذكورة في هذا الباب على أحد من الجانبين سوى رواية أبي سعيد القمّاط المتقدمة، فإنّها ممّا يمكن أن يستدل به على مذهب الشيخ و ابن إدريس، لكنّها ضعيفة لا تصلح للتعويل، و مع ذلك يمكن حملها على صورة إمكان التحفّظ.

و الدليل الخلفي الذي نقلنا من (8) المختلف يمكن إجراؤه هيهنا أيضاً على ما

____________

(4) لم ترد في نسخة «ألف».

(5) في نسخة «ألف و ب»: التقدير.

(6) في نسخة «ألف و ب»: التطهير.

(8) في نسخة «ب»: عن.

389

ذهب إليه العلامة، و الجواب الجواب أيضاً، لكن لمّا كان الأصل معه فالظاهر ما اختاره، لكنّ الاحتياط أن يصلي صلاتين، إحديهما [مع التطهّر و البناء (1)]، و الأخرى مستمراً مع الحدث.

و أمّا في الموضع الثاني، أي عند إمكان التحفّظ: فيكون مذهبهما وجوب التطهّر (2) و البناء أيضاً، و مذهب العلامة وجوب الاستيناف.

و يحتمل هيهنا وجهاً آخر أيضاً و هو: وجوب الاستمرار بدون تطهّر، و هو الظاهر من كلام بعضهم.

و لا يذهب عليك أيضاً أنّ الاستدلال بالروايات ممّا لا يتجه على أحد من المذاهب أصلًا، سوى الرواية المذكورة (3) على المذهب الأوّل، و الجواب ما عرفت.

و يمكن أيضاً الاستدلال بالدليل المذكور على المذهب الثاني، و الجواب الجواب أيضاً.

و أمّا المذهب الثالث لو كان فمتمسّكه الأصل بلا معارض، فله الدست، لكنّ الاحتياط أن يتطهّر و يبني، ثمّ يستأنف صلاة أخرى.

قال المصنف في الذكرى: «هل ينسحب مضمون الرواية في السلس؟ يمكن ذلك لاستوائهما في الموجب، و إشارة الروايات إلى البناء بالحدث مطلقا، و الوجه العدم، لأنّ أحاديث التحفّظ بالكيس و القطن مشعرة باستمرار الحدث و أنّه لا

____________

(1) ما بين المعقوفتين لم يرد في نسخة «ألف».

(2) في نسخة «ألف و ب»: التطهير.

(3) و هي: رواية أبي سعيد القماط.

390

مبالات به، و الظاهر أنّه لو كان في السلس فترات و في البطن تواتر أمكن نقل حكم كلّ منهما إلى الآخر» انتهى.

و لا يخفى ما في القول بالاستواء في الموجب، لأنّه مجرد قياس، و الروايات قد عرفت حالها.

و ما ذكر من إشعار التحفّظ بالكيس و القطن، ففيه أيضاً: أنّه إمّا أن يجري في المقام الثاني أو الأوّل، فإن كان في الثاني فنحمله على عدم إمكان التحفّظ بقدر الطهارة و الصلاة، سواء كان متواتراً أو لا، و إن كان في الأوّل فنحمله على التواتر، و لا بعد في شيء ممّا ذكر أصلًا.

و ما ذكره من الظاهر فيظهر حاله ممّا ذكر (2)؛ فتأمّل في المقام، لتحيط بجميع الاحتمالات و الشقوق بعون اللّٰه و توفيقه، إنّه خير موفّق و معين.

درس: 5- [في غسل الجنابة]

[الجنابة تحصل للرجل و المرأة بإنزال المني مطلقا]

الجنابة تحصل للرجل و المرأة بإنزال المني مطلقا.

لا خلاف بين المسلمين ظاهراً في أنّ إنزال المني سبب للجنابة الموجبة للغسل بالإجماع أيضاً، سواء كان في النوم أو اليقظة، و سواء كان للرجل أو المرأة، إلّا أنّه اشترط بعض الجمهور مقارنة الشهوة و الدفق كما سيجيء.

و يدلُّ عليه أيضاً روايات كثيرة كادت أن تبلغ حد التواتر، و لنذكر طرفاً منها.

____________

(2) في نسخة «ألف»: ممّا ذكر أصلًا.

391

فمنها: ما رواه التهذيب، في باب حكم الجنابة، في الصحيح، عن عبد اللّٰه بن سنان قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن المرأة ترى أنّ الرجل يجامعها في المنام في فرجها حتّى تنزل؟ قال

تغتسل.

و هذه الرواية في الكافي أيضاً، في باب احتلام الرجل و المرأة.

و منها: ما رواه أيضاً في هذا الباب، في الصحيح، عن أديم بن الحرّ قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل، عليها غسل؟ قال

نعم، و لا تحدثوهنّ فتتخذنه علّة

(3)

.

و هذا المضمون في الكافي أيضاً، في الباب المذكور مرسلًا.

و منها: ما رواه أيضاً في هذا الباب، في الصحيح، عن إسماعيل بن سعد الأشعري قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن الرجل يلمس فرج جاريته حتّى تنزل الماء من غير أن يباشر، يعبث بها بيده حتّى تنزل؟ قال

إذا// (157) أنزلت من شهوة فعليها الغسل.

و منها: ما رواه أيضاً في هذا الباب، في الصحيح، عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع قال

سألت الرضا (عليه السلام) عن الرجل يجامع المرأة فيما دون الفرج فتنزل المرأة، هل عليها غسل؟ قال: نعم.

____________

(3) في الإستبصار: «أ عليها غسل؟»

392

و منها: ما رواه أيضاً في هذا الباب، في الصحيح، عن الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن المرأة ترى في المنام ما يرى الرجل؟ قال

إن أنزلت فعليها الغسل، و إن لم تنزل فليس عليها الغسل.

و هذه الثلاثة في الكافي أيضاً، في الباب المذكور و سابقه.

و منها: ما رواه أيضاً في هذا الباب، في الصحيح، عن محمّد بن إسماعيل قال

سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن المرأة ترى في منامها فتنزل، عليها غسل؟ قال: نعم

(3)

.

و منها: ما رواه أيضاً في هذا الباب، في الحسن، عن الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن المفخّذ، أ عليه غسل؟ قال

نعم، إذا أنزل.

و هذه الرواية في الكافي أيضاً، في سابق الباب المذكور.

و منها: ما رواه أيضاً في الموثق ظاهراً، عن معاوية قال: سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول

إذا أمنت المرأة و الأمة من شهوة جامعها الرجل أو لا يجامعها، في نوم كان ذلك أو في يقظة فإنّ عليها الغسل.

و منها: ما رواه أيضاً في هذا الباب، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: قلت: تلزمني المرأة و الجارية من خلفي و أنا متّك على جنب،

____________

(3) في الإستبصار: «أ عليها غسل».

393

فتتحرك على ظهري فتأتيها الشهوة فتنزل الماء، أ فعليها غسل أم لا؟ قال

نعم، إذا جاءت الشهوة و أنزلت الماء وجب عليها الغسل

(1)

.

و هذه الرواية في الكافي أيضاً، في باب ما يوجب الغسل على الرجل و المرأة، إلى غير ذلك من الروايات.

و أمّا ما ورد بخلافها مثل: ما رواه التهذيب، في الباب المذكور، في الصحيح، عن عمر بن يزيد قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): الرجل يضع ذكره على فرج المرأة فيمني، أ عليها غسل؟

فقال

إن أصابها من الماء شيء فلتغسله و ليس عليها شيء، إلّا أن يدخله. قلت: فإن أمنت هي و لم يدخله؟ قال: ليس عليها الغسل

فمطروق (4)، لمعارضة إجماع المسلمين، و الروايات الصحيحة المستفيضة.

و قد أوّله الشيخ بأنّه يمكن أن يكون «أمذت» بدل «أمنت»، فوهم السامع في سماعه، فرواه على ما ظنّ.

و كذا ما رواه أيضاً، عن عمر بن يزيد قال: اغتسلت يوم الجمعة بالمدينة و لبثت ثيابي و تطيّبت، فمرّت بي وصيفة ففخّذت لها، فأمذيت أنا و أمنت هي، فدخلني من ذلك ضيّق، فسألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن ذلك؟ فقال

ليس عليك

____________

(1) في الإستبصار: «و أنا متكئ على جنب» و في الوسائل: «قلت له:».

(4) في نسخة «ألف و ب»: فمطروح.

394

وضوء، و لا عليها غسل.

و أوّل الشيخ هذه الرواية بوجه آخر أيضاً، و هو: «أنّه يحتمل أن يكون إنّما أجابه (عليه السلام) على حسب ما ظهر له في الحال منه، و علم أنّه اعتقد أنّها أمنت و لم يكن كذلك، فأجابه (عليه السلام) على ما يقتضيه الحكم لا على اعتقاده».

و احتمل العلامة في المنتهي أن يكون المنيّ مجازاً عن المذي، للمصاحبة، و قال فيه أيضاً بعد ما نقل هاتين الروايتين عن عمر بن يزيد: «إنّ اختلاف روايته دالّ على عدم الضبط فيجب اطراحها».

و لا يخفى ما فيه، لأنّه لا اختلاف بين روايتيه أصلًا، و كأنّه ظنّ أنّه واقعة واحدة قد عبّر عنها بهاتين العبارتين المختلفتين، و أنت خبير بأنّه لا دليل على ذلك، لِمَ لا يجوز أن يكونا خبرين متعدّدين؟

و لعلّ منشأ ما ذكره كلام الشيخ في التهذيب، حيث قال بعد نقل الرواية الأولى: «و روى هذا الحديث الحسن بن محبوب، في كتاب المشيخة بلفظ آخر، عن عمر بن يزيد»، ثمّ ذكر الرواية الأخيرة.

و الظاهر أنّ (5) مراد الشيخ أنّه روى هذا الحكم أي عدم وجوب الغسل على المراء و إن أمنت بدون الإدخال، لأنّه الحديث الأوّل بعبارة أخرى.

____________

(5) في نسخة «ألف»: أنّه.

395

و كذا: ما رواه أيضاً في هذا الباب، في الصحيح، عن محمّد بن مسلم قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): كيف جعل على المرأة إذا رأت في النوم أنّ الرجل يجامعها في فرجها الغسل، و لم يجعل عليها الغسل إذا جامعها دون الفرج في اليقظة فأمنت؟

قال

لأنّها رأت في منامها أنّ الرجل يجامعها في فرجها، فوجب عليها الغسل، و الآخر إنّما جامعها دون الفرج، فلم يجب عليها الغسل، لأنّه لم يدخلها

(1)

، و لو كان أدخله في اليقظة وجب عليها الغسل، أمنت أو لم تمن.

و أوّله الشيخ (ره) أيضاً بما ذكر في خبر عمر بن يزيد.

و لا يخفى ما فيه، لأنّ التوجيه الأوّل إن أجري فيه لاقتضى أن يكون المرأة إذا أمذت في المنام يجب عليها الغسل، و ليس بصحيح. و أمّا التوجيه الآخر فعدم إجرائه ظاهر.

و كذا: ما رواه أيضاً في هذا الباب، في الصحيح، عن عمر بن أذينة قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): المرأة تحتلم في المنام، فتهريق الماء الأعظم؟ قال

ليس عليها الغسل

(4)

.

و روى مثل ذلك أيضاً بطريق صحيح، عن عمر بن يزيد.

____________

(1) في المصدر: «لم يدخله».

(4) في الوسائل: «ليس عليها غسل».

396

و أوّله الشيخ بأنّها إذا رأت الماء الأعظم في منامها، فإذا انتبهت لم تر شيئاً فإنّه لا يجب عليها الغسل.

و كذا: ما رواه أيضاً في هذا الباب، عن عبيد بن زرارة قال: قلت له: هل على المرأة غسل من جنابتها إذا لم يأتها الرجل؟ قال

لا، و أيّكم يرضى أو يصبر على ذلك، أن يرى ابنته أو أخته أو أمّه أو زوجته أو أحداً من قرابته قائمة تغتسل، فيقول: ما لك؟ فتقول: احتلمت، و ليس لها بعل.

ثمّ قال: لا، ليس عليهنّ ذلك، و قد وضع اللّٰه ذلك عليكم، قال

وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا

و لم يقل ذلك لهنّ.

و احتمل الشيخ تأويله أيضاً بمثل ما ذكر، و لا يخفى ما فيه.

و لا يذهب عليك أنّه لو لم يكن دعوى الإجماع على وجوب الغسل على المرأة بمجرد الإنزال سواء كان في النوم أو اليقظة لأمكن حمل الأحاديث الدالّة على الغسل عليها بالإنزال على الاستحباب، جمعاً بين الأخبار، و لكنّ الأولى حينئذٍ العمل على الإجماع، و الأخذ بالاحتياط.

[و مع الاشتباه يعتبر برائحة الطلع و العجين رطباً و بياض البيض جافّاً و مقارنة الشهوة و فتور الجسد و الدفق غالباً إلّا في المريض فيكفي الشهوة]

و مع الاشتباه يعتبر برائحة الطلع و العجين رطباً، و بياض البيض جافّاً، و مقارنة الشهوة، و فتور الجسد، و الدفق غالباً إلّا في المريض، فيكفي الشهوة.

397

اعلم أنّه إذا تيقّن أنّ الخارج منيّ فيجب عليه الغسل، سواء كان مع الصفات المذكورة من مقارنة الشهوة و غيرها أو لا، و هذا ممّا أجمع عليه أصحابنا.

و نسب إلى أحمد و مالك و أبي حنيفة القول بأنّه لا يجب إلّا إذا كان مع شهوة و دفق.

و يدلُّ على ذلك مضافاً إلى الإجماع: بعض الروايات المتقدمة المتضمنة لتعليق الغسل على مطلق الإنزال و الماء (1) بدون تقييد.

و لا ينافيه ما رواه التهذيب، في الباب المذكور، في الصحيح، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يلعب مع المرأة و يقبّلها، فيخرج منه المني، فما عليه؟

قال

إذا جاءت الشهوة و دفع، و فتر بخروجه، فعليه الغسل، و إن كان إنّما هو شيء لم يجد له فترة و لا شهوة فلا بأس

(2). لما ذكره الشيخ أيضاً من أنّ: «قوله (عليه السلام): «و إن كان إنّما هو شيء لم يجد له فترة و لا شهوة فلا بأس»، معناه: إذا لم يكن الخارج الماء الأكبر، لأنّ من المستبعد من العادة و الطبائع أن يخرج المنيّ من الإنسان، و لا يجد منه شهوة و لا لذّة.

و إنّما أراد أنّه إذا اشتبه على الإنسان فاعتقد أنّه منيّ و إن لم يكن في الحقيقة

____________

(1) مثل: صحيحة الحلبي و حسنته، و كذا صحيحة محمد بن إسماعيل.

(2) في مسائل علي بن جعفر: «فيخرج منه الشيء» بدل «فيخرج منه المني»

398

منيّاً يعتبره بوجود الشهوة من نفسه،// (158) فإذا وجد وجب عليه الغسل، و إذا لم يجد علم أنّ الخارج منه ليس بمني» انتهى كلامه رفع مقامه، و هذا كلام جيّد مطابق لما يحكم به الوجدان.

و أيّد أيضاً: بأنّ السائل رتّب خروج المنيّ على الملاعبة و التقبيل، مع أنّ الغالب حصول المذي عقيبهما لا المني، فبيّن (عليه السلام) حكم الخارج بقسميه.

و قس عليه أيضاً ما رواه في هذا الباب، عن يحيى بن أبي طلحة، أنّه سأل عبداً صالحاً (عليه السلام)، عن رجل مسّ فرج امرأته أو جاريته يعبث بها حتّى أنزلت، عليها غسل أم لا؟

قال

أ ليس قد أنزلت من شهوة؟ قلت: بلي، قال: عليها غسل

(1)، مع أنّه غير صحيح السند، و أيضاً: الاستدلال به (2) بطريق المفهوم الذي لا يعتد به.

و كذا أيضاً بعض الروايات المتقدمة مثل: رواية إسماعيل بن سعد و معاوية و محمّد بن الفضيل.

هذا، و أمّا إذا اشتبه الخارج و لم يعلم أنّه مني أو لا، فقد ذكر جمع من الأصحاب كالمحقق في المعتبر و العلامة في المنتهي أنّه يعتبر في حال

____________

(1) في الإستبصار: «أ عليها غسل أم لا؟»

(2) لم ترد في نسخة «ألف».

399

الصحّة باللذة و الدفق و فتور البدن، و في المرض باللذة و فتور البدن، و لا عبرة فيه بالدفق، لأنّ قوّة المريض ربّما عجزت عن دفقة.

و زاد جمع آخر كالمصنف في الذكرى و في هذا الكتاب علامة أخرى يرجع إليها عند الاشتباه و هو قرب رائحته من رائحة الطلع و العجين إذا كان رطبا و بياض البيض إذا كان جافا، و احتج المحقق و العلامة على ما ذكراه في الصحيح بأنها صفات لازمة في الأغلب، فمع الاشتباه يستند إليها

400

و بصحيحة علي بن جعفر المتقدمة آنفا و في المريض بما تقدم من العجز و بما رواه التهذيب في باب أغسال الزيادات في الصحيح، عن عبد الله بن أبي يعفور، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال

قلت له الرجل يرى في المنام و يجد الشهوة و يستيقظ فينظر فلا يجد شيئا، ثم يمكث الهوين بعد فيخرج، قال: إن كان مريضا فليغتسل و إن لم يكن مريضا فلا شيء عليه، قال: قلت له فما الفرق بينهما؟ قال: لأن الرجل إذا كان صحيحا جاء الماء بدفعة قوية و إن كان مريضا لم يجيء إلا بعد.

و احتج المنتهي بما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح، عن معاوية بن عمار قال

سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل احتلم، فلما انتبه وجد بللا قليلا، قال: ليس بشيء إلا أن يكون مريضا، فإنه يضعف فعليه الغسل.

و هاتان الروايتان في الكافي أيضا بطريق حسن في باب احتلام الرجل و المرأة. و يمكن أن يحتج بما رواه أيضا في هذا الباب في الحسن، عن زرارة قال

إذا كنت مريضا فأصابتك شهوة، فإنه ربما كان هو الدافق لكنه يجيء مجيئا ضعيفا ليست له قوة لمكان مرضك ساعة بعد ساعة قليلا قليلا فاغتسل منه.

و هذه الرواية في الكافي أيضا في الباب المذكور،