مشارق الشموس في شرح الدروس - ج2

- الشيخ آقا حسين الخوانساري المزيد...
534 /
401

و يؤيد بما رواه أيضا في هذا الباب، عن محمد بن مسلم قال

قلت لأبي جعفر (عليه السلام): رجل رأى في منامه، فوجد اللذة و الشهوة، ثم قام فلم ير في ثوبه شيئا، قال: فقال: إن كان مريضا فعليه الغسل، و إن كان صحيحا فلا شيء عليه.

ثم إن الظاهر بل الصريح من كلامهما أنه لا بد في الصحيح من الأمور الثلاثة و لا يكفي واحد منها أو اثنان و يكفي المريض الاثنان، و لا يخفى أن كل حكم من هذين الحكمين مشتمل على جزءين إيجابي و سلبي:

الأول: أنه يجب عليهما الغسل عند وجود هذه الأوصاف الثلاثة أو اثنين منها.

و الثاني: أنه لا يجب عند فقد أحد الثلاثة أو الاثنين.

أما الدليل الأول الذي أورداه في الصحيح، فدلالته على الجزء السلبي ظاهر، لأن الأصل براءة الذمة من الوجوب حتى يثبت، و الظاهر في المني بناء على الأغلب وجود هذه الأوصاف الثلاثة، فمع فقد إحداها لا يحصل العلم بكون الخارج منيا فينبغي أن يعمل بأصل البراءة بأصل استصحاب الطهارة، لكن يعارضه بعض الروايات المتقدمة المتضمنة لتعليق الغسل على مجرد الشهوة، كرواية إسماعيل بن سعد و معاوية و محمد بن الفضيل إلا أن تحمل على أنه اكتفى فيها بالشهوة، بناء على الغالب، إذ في الغالب لا ينفك الشهوة عن الوصفين الأخيرين، لكن لا يخفى أنه خروج عن ظاهر اللفظ

402

فلا بد له من دليل إلا أن يجعل الدليل رواية علي بن جعفر و نحوها، و حينئذ يلزم الاستدراك، إذ يكفي أن يتمسك أولا بالرواية.

و أما دلالته على الجزء الإيجابي، فالظاهر لو حصل العلم من هذه الأوصاف بكونه منيا، و أما إذا لم يحصل ففيه إشكال، من حيث إنه لا دليل ظاهرا على الاكتفاء بالظن في هذه الأمور إلا أن يتمسك بالروايات و يلزم حينئذ أيضا الاستدراك و قس عليه الحال في ما ذكروه في المريض من حديث العجز، و الأولى التعويل في الحكم على الروايات، فلنتكلم في كيفية دلالتها و معارضته الروايات الأخرى لها و وجه الجمع بينهما.

فنقول أما صحيحة علي بن جعفر المتقدمة فمنطوق جزئها الأول صريح في وجوب الغسل مع تحقق الأوصاف الثلاثة و لا معارض له في هذا المعنى، فيجب العمل فيه، فقد ثبت الجزء الإيجابي من المدعى المذكور في الصحيح و مفهومه دال على عدم وجوب الغسل مع عدم تحقق هذه الأوصاف، و قد عرفت سابقا أنه يلزم تأويله بما إذا لم يتيقن أنه مني و به يثبت الجزء السلبي أيضا من المدعى المذكور لكن يعارضه مفهوم الجزء الأخر من الرواية، لأن مفهومه دال على وجوب البأس مع تحقق الشهوة و الفترة و إن لم يكن دفع على وجه و مع تحقق إحداهما فقط على آخر و الجمع بينهما يمكن على الوجه الأول،

403

إما بحمل الجزء الأول على أن ذكر الدفع من باب الغالب، إذ الغالب وجوده مع الشهوة و الفترة، و إما بحمل الجزء الثاني على الغالب أيضا، لأن الغالب انتفاء عند انتفائهما فاكتفى به عنه و الحمل الثاني معتضدا بالأصل، فتعين المصير إليه، نظرا إلى مجرد هذه المعارضة و قس عليه الحال في الوجه الثاني و يعارضه أيضا رواية إسماعيل بن سعد و معاوية و محمد بن الفضيل و يحيى بن أبي طلحة المتقدمة و الجمع بينه و بينها أيضا بالوجهين المذكورين لكن الروايات غالبة عليه من حيث إن دلالتها من حيث المنطوق و هذه الدلالة من حيث المفهوم، مع أن مفهوم الجزء الآخر أيضا معارض له فحينئذ الترجيح مع الروايات، لأن معاضدة الأصل لا ينفع مع غلبة المعارض. هذا كله على تسليم أن مفهوم الجزء الأول من الصحيحة رفع الإيجاب الكلي لا السلب الكلي و على تسليم عموم المفهوم أيضا و لو لم يسلما أو أحدهما فالأمر أظهر، كما لا يخفى، فظهر أن ما يستنبط من النظر في هذه الرواية و معارضاتها عدم الاعتذار بالدفع و أما الفتر فالظاهر أنه لازم للشهوة فلا حاجة إلى التعرض له، و لو فرض عدم اللزوم فحاله يستنبط مما ذكر و يعلم منه أنه لا اعتداد به أيضا و اعلم أن ما ذكر من عدم الاعتداد بالدفع و الفتر نظرا إلى هذه الرواية و معارضاتها إنما هو باعتبار

404

عدمهما مع وجود الشهوة إذ الظاهر حينئذ بالنظر إلى ما ذكر وجوب الغسل و أما وجودهما مع عدم الشهوة فالظاهر عدم الاعتداد به أيضا في وجوب الغسل إذ لا دليل عليه إلا أن يحصل به العلم أو الظن على تقدير العمل به بأن الخارج مني و الشيخ في النهاية صرح بأن مع الدفق يجب الغسل و إن لم يكن عن شهوة، و أما صحيحة معاوية فالذي يمكن أن يستفاد منها ظاهرا أن الظن بخروج المني كاف في وجوب الغسل، لأن الظاهر بعد الاحتلام أن الخارج مني لكن كون البلل قليلا في الصحيح يعارض الظن المذكور، فلا يجب الغسل، بخلاف المريض لأنه لضعفه لا يعارضه قلة البلل فيجب الغسل، و على هذا يمكن الاستدلال بها على وجوب الغسل بمجرد الشهوة و كذا الخواص الأخر لو لم يعارضه شيء آخر و أما دلالته على ما ذكروه من اعتبار الثلاثة في الصحيح و الاكتفاء بالاثنين في المريض فلا ظهور لها إلا أن يكون تحقق الثلاثة في الصحيح موجبا للظن بأنه مني و بدونها لا يحصل الظن و في المريض إنما كان يحصل بالاثنين و لا يحصل بدونهما، و يعارض ما ذكرنا أن المستفاد من الرواية ظاهرا استصحاب الطهارة و إن اليقين إنما ينقضه يقين آخر، و الجمع بينهما، إما بتخصص الاستصحاب، أو بحمل اليقين على ما يشمل الظن، أو بحمل الصحيحة المذكورة على الاستحباب، و أصالة البراءة ترجح الجمع الأخير،

405

و أما صحيحة ابن أبي يعفور، فيستفاد منها ظاهرا أن الشهوة غير كافية في الصحيح بل لا بد من الدفق و القوة و إنما تكفي في المريض، و حينئذ يعارض الروايات المتقدمة الدالة على وجوب الغسل بالشهوة و الظاهر- كما يحكم به الوجدان- أن يجمع بينهما بأن بناء الروايات على الغالب.

فإن قلت: يمكن أن يكون هذه الرواية معارضته للروايات المذكورة، إذ لا تصريح فيها بوجود الشهوة في الواقع إذ يمكن أن يكون المراد وجدانها في النوم.

قلت: هذا لا يخلو عن بعد، مع أنه يمكن أن يستنبط ما ذكر من التعليل الواقع في الرواية، كما لا يخفى.

و اعلم أن هذه الرواية لا ظهور لها في وجوب الغسل بمجرد الظن، كما هو ظاهر الرواية المتقدمة، و أما حسنة زرارة فهي مثل صحيحة ابن أبي يعفور و ربما يستفاد منها وجوب الغسل بمجرد الظن أيضا، كصحيحة معاوية بناء على لفظة ربما كان هو الدافق بل بالاحتمال أيضا إلا أن يكون ربما للتكثير، كما ذكره بعض.

و أما رواية محمد بن مسلم، فهي قريبة من صحيحة معاوية.

هذا ما يستفاد من الروايات و المعارضات

406

و فذلكة ما يحصل منها ظاهرا وجوب الغسل مع تحقق الشهوة و الدفق و عدم الوجوب بمجرد الشهوة بدون الدفق في الصحيح و وجوبه في المريض، و أما الدفق بدون الشهوة، و كذا الخاصية الأخرى من الرائحة بدون الشهوة، فالظاهر عدم الوجوب به، إلا أن يقال باستفادة الوجوب بمجرد الظن مطلقا من صحيحة معاوية و يفرض حصول الظن بالخواص الأخر بدون الشهوة، فحينئذ يجب الغسل بدون الشهوة أيضا لكن لا يخلو إثباته من إشكال، و أما الفتور، فإن كان لازما للشهوة، فالأمر ظاهر، و إن لم يكن لازما، فحاله كالدفق و غيره و الاحتياط أن لا يترك الغسل فيما يتحقق إحدى هذه الخواص و إن لم يكن غيرها، و كذا الاحتياط في المريض، أن لا يترك الغسل لو رأى في المنام أنه احتلم و إن لم يكن يرى بعد الانتباه شيئا، و لو رأى بعد الانتباه بللا و لو كان قليلا و لم يكن فيه صفات المني أصلا، فالاحتياط فيه آكد، بل لم يبعد القول بالوجوب لصحيحة معاوية.

هذا كله إذا لم يعلم أنه مني، و أما مع فرض العلم فيجب الغسل، و إن لم يتحقق فيه إلا صفة واحدة بل لو لم يوجد صفة أصلا كما ذكرنا سابقا.

ثم إن المحقق الشيخ علي (رحمه الله) قال في شرح القواعد عند قول المصنف: و صفاته الخاصة: رائحة الطلع، و التلذذ بخروجه، و التدفق، فإن اشتبه اعتبر بالدفق و الشهوة

407

و تكفي الشهوة في المريض فإن تجرد عنها لم يجب الغسل إلا مع العلم بأنه مني.

هذه الصفات إنما تعتبر حال اعتدال الطبع، و هي متلازمة حينئذ و لو تجرد عن بعضها، فإنما يكون لعارض، و حينئذ فوجود البعض و إن كان هو الرائحة وحدها كاف و قد نبه عليه في المريض فإن تجرد منيه عن الدفق لعارض و هو ضعف القوة غير قادح لتعلق الحكم به. ثم قال و يلوح من عبارة المصنف أن المعتبر عند الاشتباه، إنما هو الدفق و الشهوة دون باقي الصفات، و ليس بجيد. و ذكر أن ضمير عنهما راجع إلى كل من خاصتي المريض و الصحيح. ثم قال و لا ينبغي حمل العبارة على غير ذلك، لأنه يقتضي عدم وجوب الغسل مع وجود الرائحة، و هو باطل بغير خلاف، لما قدمناه من تلازم الصفات، إلا لعارض، فوجود بعضها كاف، و أنت بعد الاطلاع على ما قدمناه لا تحتاج إلى التصريح بما فيه و الشهيد الثاني (رحمه الله) أيضا تبعه في ذلك في شرح الإرشاد و ذكر أن العلامة في النهاية صرح به، و الظاهر أنه ليس كذلك، بل مراد النهاية أمر آخر، و لا بأس أن نذكر عبارة النهاية حتى تعلم جلية الحال، قال في النهاية بعد ما ذكر أن للمنيّ خواصا ثلاثا الرائحة، و الدفق، و التلذذ، و إن مني الرجل غالبا ثخين أبيض، و مني المرأة رقيق أصفر، و لو استيقظ و لم ير إلا الثخانة و البياض لم يجب الغسل، لاحتمال كونه وذيا،

408

فلا يجب بالشك و لو ظن أنه مني، باعتبار أن الوذي لا يليق بطبعه، أو تذكر وقاع تخيله، احتمل استصحاب يقين الطهارة، و البناء على الظن، للاحتياط، و لا يشترط اجتماع الخواص، فلو خرج مني بغير دفق و لا شهوة لمرض أو حمل شيء ثقيل، وجب الغسل. ثم قال و كيف حصل الإنزال، وجب الغسل، سواء كان بشهوة أو لا، و سواء كان نائما أو لا، و لو اشتبه الخارج اعتبره بالصحيح، باللذة، و الدفق، و فتور الجسد، لقول الكاظم (عليه السلام) و ذكر حديث علي بن جعفر، و المريض بالشهوة، و فتور الجسد، لضعف قوته عن التدفق. انتهى.

و لا يخفى أن الظاهر مراده من قوله و لا يشترط اجتماع الخواص أن في حال العلم بكونه منيا لا يشترط ذلك كما يشير إليه قوله فلو خرج مني و كذا ذكر الاشتباه بعده و حوالة اعتباره بما ذكر فيوافق ظاهر المعتبر و المنتهي و القواعد و الإرشاد و بالجملة الظاهر مما يستفاد من الروايات ما ذكرنا و هو الظاهر من كلام جمع من الأصحاب- كما عرفت- فإن كان مرادهم في الواقع ما هو الظاهر فنعم الوفاق و إن لم يكن ذلك بل ما فهمه المحقق الثاني و الشهيد الثاني فهم مطالبون بالدليل اللهم إلا أن يثبت إجماع عليه، كما هو الظاهر من كلام المحقق الثاني

409

هذا و بما ذكرنا ظهر ما في كلام المتن من التشويش و الإجمال و الله أعلم بحقيقة الحال. و قد بقي في المقام شيء و هو أن المراد بالشهوة في هذا المقام هل هو اللذة و معناها الحقيقي؟ الظاهر الأول، كما يشعر به عبارة القواعد المنقولة، و كذا ظاهر الروايات أيضا كما يحكم به الوجدان، و قال في شرح القواعد: و إنما ذكر في الصفات التلذذ بخروجه و هاهنا الشهوة للإشعار بأنهما في حكم صفة واحدة و ذلك لتلازمهما فإذا ذكرت إحداهما فكأنما ذكرت الأخرى، و فيه ما لا يخفى، إذ الشهوة لا تستلزم التلذذ أصلا أ لا يرى أن المذي قد يكون بشهوة مع أنه لا التذاذ فيه، بل الوجه في تغيير العبارة الإشعار بأن الشهوة المذكورة في هذا المقام إنما هي التلذذ.

و التقاء الختانين بمعنى التحاذي عطف على قوله إنزال المني و إنما فسره بالتحاذي لأن الملاقاة حقيقية غير متصورة، فإن مدخل الذكر أسفل الفرج و هو مخرج الولد و الحيض و موضع الختان أعلاه و بينهما ثقبة البول و حصول الجنابة بالتقاء الختانين إجماعي أيضا، و يدل عليه مع ذلك روايات منها

410

ما رواه التهذيب في باب حكم الجنابة في الصحيح، عن محمد بن إسماعيل قال

سألت الرضا (عليه السلام) عن الرجل يجامع المرأة قريبا من الفرج فلا ينزلان، متى يجب الغسل؟ فقال إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل، قلت: التقاء الختانين هو غيبوبة الحشفة؟ قال: نعم.

و هذه الرواية في الكافي أيضا في باب ما يوجب الغسل.

و منها: ما رواه أيضا في الباب المذكور في الصحيح، عن علي بن يقطين، قال

سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يصيب الجارية البكر لا يفضي إليها أ عليها غسل؟ قال إذا وقع الختان على الختان فقد وجب الغسل البكر و غير البكر.

و المراد من الإفضاء إما الإدخال بتمامه، أو الإنزال.

و منها: ما رواه أيضا في هذا الباب في الصحيح، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال

جمع عمر بن الخطاب أصحاب النبي صلى الله عليه و آله فقال: ما تقولون في الرجل يأتي أهله فيخالطها و لا ينزل، فقالت الأنصار: الماء من الماء، و قال المهاجرون: إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل عليه، فقال عمر لعلي (عليه السلام): ما تقول يا أبا الحسن، فقال علي (عليه السلام): أ توجبون عليه الرجم و الحد و لا توجبون عليه صاعا من ماء إذا التقى الختانان فقد وجب عليه الغسل، فقال عمر: القول ما قال المهاجرون و دعوا ما قالت الأنصار.

411

و قد تكلمنا في هذا الحديث في بحث كون وجوب الغسل لنفسه أو لغيره.

و منها: ما رواه الكافي في الباب المذكور في الصحيح، عن حسين بن علي بن يقطين قال

سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يصيب الجارية البكر لا يفضي إليها و لا تنزل، أ عليها غسل، و إن كانت ليست ببكر ثم أصابها و لم يفض إليها، أ عليها غسل؟ قال: إذا وقع الختان على الختان فقد وجب الغسل البكر و غير البكر.

و منها: ما رواه الفقيه في باب غسل الجنابة في الصحيح، عن الحلبي قال

قال و سئل عن الرجل يصيب المرأة فلا ينزل، أ عليه غسل؟ قال: كان علي (عليه السلام) يقول: إذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل، و كان علي (عليه السلام) يقول كيف لا يوجب الغسل و الحد يجب فيه، و قال يجب عليه المهر و الغسل.

و أما ما رواه التهذيب في الباب المذكور في الحسن، عن الحسين بن أبي العلاء، قال

سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يرى في المنام حتى يجد الشهوة و هو يرى أنه قد احتلم، فإذا استيقظ فلم ير في ثوبه الماء و لا في جسده، قال: ليس عليه الغسل، و قال: كان علي (عليه السلام) يقول لا إنما الغسل من الماء الأكبر فإذا رأى في منامه و لم ير الماء الأكبر فليس عليه غسل

،

412

فلا ينافي ما ذكرنا لأن الظاهر أن الحصر إضافي بالنسبة إلى رؤية الجماع في المنام و غير ذلك من المذي و غيره لا بالنسبة إلى التقاء الختانين أيضا و لو سلم الظهور في الحصر الحقيقي فيختص الالتقاء للجمع بين الروايات مع أنه غير صحيح، و كذا ما رواه أيضا في الباب المذكور عن عنبسة بن مصعب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال

كان علي (عليه السلام) لا يرى في شيء الغسل إلا في الماء الأكبر.

و يحصل بمواراة الحشفة أو قدرها من المقطوع الظاهر أنه لا خلاف في وجوب الغسل عند مواراة الحشفة مطلقا سواء حصل التقاء الختانين أو لا و إن كان إثباته في الصورة الأخيرة بالنظر إلى الروايات لا يخلو من إشكال لأن ما يمكن أن يستدل به عليه رواية محمد بن إسماعيل المتقدمة و هي لا تخلو عن مناقشة لجواز حملها على المتعارف و كذا الظاهر عدم الخلاف في عدم وجوب الغسل لو لم تغب الحشفة بتمامها و الروايات المتقدمة أيضا دالة عليه و أما ما رواه التهذيب في الباب المذكور، و الكافي أيضا في باب ما يوجب الغسل في الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام) قال

سألته متى يجب الغسل على الرجل و المرأة؟ فقال إذا أدخله فقد وجب الغسل و المهر و الرجم

، فمحمول على إدخال الحشفة بقرينة الروايات المذكورة،

413

و كذا صحيحة عمر بن يزيد و صحيحة محمد بن مسلم المتقدمتان في بحث أن الجنابة تحصل بإنزال المني مطلقا و أما مقطوع الحشفة فقد ذكر الأصحاب وجوب الغسل عليه عند غيبوبة قدر الحشفة و استدل عليه في المنتهي بصحيحة محمد بن مسلم المذكورة آنفا، و فيه نظر لأن هذه الرواية إما محمولة على الروايات المتقدمة و يكون المراد من الإدخال الواقع فيها إدخال الحشفة فلا دلالة لها على ما نحن فيه أصلا و إما محمولة على ظاهرها من الإطلاق فتدل على وجوب الغسل بمجرد الإدخال سواء كان بقدر الحشفة أو أقل، و كذا الكلام في صحيحة عمر بن يزيد و محمد بن مسلم المذكورتين لكن يمكن أن يقال لما كان الظاهر حمل هذه الروايات الثلاث على الروايات السابقة فيكون الدليل على وجوب الغسل على مقطوع الحشفة سواء أدخل بقدر الحشفة أو لا، مفقودا لكن لما كان الظاهر اتفاق الأصحاب على الوجوب في الصورة الأولى فيلزم اتباعهم و أما الصورة الثانية فلا اتفاق فيها فيعمل فيها بأصل البراءة، هذا و لا يذهب عليك أنه إذا كان بعض الحشفة مقطوعا فأدخل الباقي فإن كان بحيث يصدق مع إدخاله التقاء الختانين فالظاهر الوجوب لصدق الالتقاء بل غيبوبة الحشفة أيضا و إن لم يصدق ففيه إشكال و على تقدير عدم الوجوب حينئذ هل يشترط إدخال قدر الحشفة أو القدر الذي يحصل به الالتقاء؟

414

و لعل الظاهر الثاني، و قال المصنف في الذكرى: و لو قطع بعض الحشفة كفى الباقي إلا أن يذهب المعظم فيثبت تقدرها. انتهى. و هذا التفصيل مما لا مستند له إلا أن يرجع إلى ما ذكرنا.

و الدبر كالقبل مطلقا أي سواء كان للمرأة أو الرجل أما دبر المرأة فقد اختلف فيه الأصحاب فالأكثرون و منهم السيد المرتضى و ابن الجنيد و ابن حمزة و ابن إدريس و المحقق و العلامة في جملة مركبة على وجوب الغسل بالوطء فيه و الشيخ في الإستبصار و ظاهر النهاية و كذا ظاهر الصدوق و السلار على عدم الوجوب و يظهر من المبسوط التردد فيه، و احتج الموجبون بقوله تعالى وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضىٰ أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ أَوْ جٰاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغٰائِطِ أَوْ لٰامَسْتُمُ النِّسٰاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا* وجه الاستدلال أن التيمم بدل من الغسل و الوضوء فلو لم يجب الغسل باللمس مع وجود الماء لما وجبت التيمم به مع فقده، و فيه أن اللمس غير محمول على حقيقته اتفاقا فلا بد من حمله على المجاز و لا دليل على كونه مجازا عن الوطء في الفرجين معا. لم لا يجوز أن يكون مجازا عن الوطء المتعارف أي الوطء في القبل و بأن الدبر فرج إذ الفرج موضع الحدث قبلا كان أو دبرا و الجماع في الفرج موجب للغسل بالأحاديث المتقدمة؟

415

و فيه منع شمول الفرج في العرف للدبر سيما فيما نحن فيه بعد ورود الروايات بالتقاء الختانين و بصحيحة محمد بن مسلم المنقولة آنفا، و فيه أنها محمولة على التقاء الختانين بقرينة الروايات- كما عرفت- و بصحيحة زرارة المتقدمة الحاكية عن جمع عمر المهاجرين و الأنصار.

وجه الاستدلال أنه يفهم من كلامه (عليه السلام) أن عند وجوب الحد يجب الغسل و الحد يجب في وطء الدبر فيجب الغسل و قد مر ما فيها من الكلام في بحث وجوب الغسل لغيره، و بما رواه الإستبصار في باب الرجل يجامع المرأة فيما دون الفرج، عن حفص بن سوقة، عمن أخبره، قال

سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يأتي أهله من خلفها، قال: لا هو أحد الماءين فيه الغسل

، و فيه أنه ضعيف بالإرسال، و بأن عدم إيجاب الغسل هنا مع إيجابه عند التقاء الختانين من غير إنزال مما لا يجتمعان و الثاني ثابت فينتفي الأول.

بيان التنافي أن إيلاج الفرج في الفرج المشتهي طبعا بحيث تغيب الحشفة إما أن يكون موجبا للغسل أو لا و أيا ما كان يلزم عدم الاجتماع أما إذا كان موجبا فلأن الغسل يجب في صورة النزاع عملا بالمقتضى

416

و أما إذا لم يكن فلأن الغسل لا يجب هناك عملا بأصالة براءة الذمة السالمة عن معارض كون الغيبوبة علة للغسل و أما ثبوت الثاني فللروايات و الإجماع. و جوابه أن المراد بالفرج إما ما هو أعم من القبل و الدبر أو القبل فقط فإن كان الأول فنختار الشق الثاني من الترديد المذكور و لا نسلم عدم وجوب الغسل حينئذ عند التقاء الختانين لأن أصالة براءة الذمة معارضة بكون الغيبوبة في القبل علة للغسل و إن لم يكن الغيبوبة في القبل علة للغسل و إن لم يكن الغيبوبة في الفرج مطلقا علة للغسل و إن كان الثاني فنختار الأول و لا نسلم وجوب الغسل حينئذ في صورة النزاع لأن المقتضي ليس بمتحقق فيه، و أما ما يحتج به على عدم الوجوب منضما إلى أصل البراءة فما رواه التهذيب في الباب المذكور في الصحيح، عن الحلبي، قال

سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصيب المرأة فيما دون الفرج، أ عليها غسل إن هو أنزل و لم تنزل هي؟ قال: ليس عليها غسل و إن لم ينزل هو فليس عليه غسل

، و هذه الرواية في الفقيه أيضا في باب غسل الجنابة بأدنى تغيير لا يضر بالمقصود و أورد عليه أن الفرج اسم للقبل و الدبر معا لغة و عرفا أما لغة فلأنه مأخوذ من الانفراج

417

و أما عرفا فلقوله تعالى وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حٰافِظُونَ* و أشار بذلك إلى ذكر الرجل و سماه فرجا للمعنى الذي هو الانفراج كذا في المختلف، و ما رواه أيضا في الباب المذكور في الصحيح، عن البرقي رفعه عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال

إذا أتى الرجل المرأة في دبرها فلم ينزل فلا غسل عليهما، فإن أنزل فعليه الغسل و لا غسل عليها

، و هذه الرواية في الكافي أيضا في باب ما يوجب الغسل و أورد عليه أنه ضعيف بالإرسال و معارض برواية حفص المتقدمة و أيضا الإتيان في الدبر أعم من غيبوبة الحشفة و عدمها و لا دلالة للعام على الخاص فيحمل على عدم الغيبوبة لصحة تناول اللفظ له جمعا بين الأدلة و فيه أن التخصيص خلاف الظاهر لا حاجة إلى ارتكابه لما عرفت من عدم دليل على خلافه حتى يحتاج إلى الجمع إلا أن يجعل على عدم الغيبوبة للجمع بينه و بين رواية حفص لأنها تصلح لمعارضته لاشتراكهما في الإرسال، و احتج أيضا بمفهوم إذا التقاء الختانان و رد بضعف حجية المفهوم، مع أنه منفي هاهنا بالإجماع فإن الإنزال إذا تحقق من غير التقاء وجب الغسل فلو دل على نفي الحكم عما عداه لزم خرق الإجماع، و فيه أن خروج بعض ما عداه عن حكم المفهوم بالإجماع لا يستلزم خروج الباقي أيضا مما لا دليل على خروجه،

418

نعم يمكن أن يقال عموم المفهوم ممنوع و حينئذ لم يثبت ما ادعوه و بصحيحة عمر بن يزيد و محمد بن مسلم المتقدمتين في بحث حصول الجنابة بإنزال المني و فيهما أيضا ما في الرواية الأولى، هذا ما يمكن أن يستدل به على الجانبين.

و ظهر مما ذكر أن الظاهر بالنظر إلى الأدلة المذكورة عدم وجوب الغسل لأن أصل البراءة ليس ما يعارضه- كما عرفت- لكن قال السيد المرتضى لا أعلم خلافا بين المسلمين أن الوطء في الموضع المكروه من ذكر أو أنثى يجري مجرى الوطء في القبل مع الإيقاب و غيبوبة الحشفة في وجوب الغسل على الفاعل و المفعول به و إن لم يكن إنزال، و لا وجدت في الكتب المصنفة لأصحابنا الإمامية إلا ذلك و لا سمعت من عاصرني منهم من شيوخهم نحوا من ستين سنة يفتي إلا بذلك فهذه مسألة إجماع من الكل و لو شئت أن أقول إنه معلوم بالضرورة من دين الرسول صلى الله عليه و آله أنه لا خلاف بين الفرجين في هذا الحكم، و مع وجود هذا التشديد العظيم من مثل هذا السيد الكبير لا يمكن الاجتراء على القول بعدم الوجوب، فالأولى متابعة الأكثرين، و الاحتياط في إيقاع الحدث بعد ذلك الغسل و التوضي بعده.

419

و أما دبر الرجل، ففيه أيضا الخلاف كدبر المرأة و السيد المرتضى قائل هاهنا أيضا بالوجوب- كما نقلنا- و تردد الشيخ في المبسوط، و المحقق ذهب هاهنا إلى عدم الوجوب.

حجة الموجبين وجوه:

الأول: إنكار علي (عليه السلام) على الأنصار كما تقدم، و فيه ما تقدم أيضا. الثاني: أنه إيلاج فرج في دبر مشتهى طبعا، فيجب الغسل، كدبر المرأة و قبلها، و لا يخفى ضعفه.

الثالث: الإجماع المركب فإن كل من قال بوجوبه في دبر المرأة قائل بوجوبه في دبر الرجل، و قد ثبت الوجوب في دبر المرأة، فثبت في دبر الرجل أيضا، هكذا نقلوا عن السيد المرتضى- (رحمه الله)- و أنت خبير بأنه لا حاجة له إلى دعوى الإجماع المركب إذ قد عرفت أنه ادعى الإجماع، بل الضرورة على وجوب الغسل في وطء الدبر، سواء كان للذكر أو الأنثى إلا أن يكون مراده إقامة دليل آخر على المدعى من غير ما ادعاه من الإجماع المنقول

420

سابقا و يكون المراد من ثبوته في دبر المرأة ثبوته بأدلة أخرى غير الإجماع، و قد رد المحقق- (رحمه الله)- في المعتبر هذا الدليل بعدم ثبوت الإجماع المركب، و اعترض عليه بأن الإجماع المنقول بخبر الواحد حجة و للكلام فيه مجال و يرد أيضا على الدليل أن الثبوت في دبر المرأة ممنوع- كما عرفت- إلا أن يتمسك بالإجماع، و حينئذ لا حاجة إلى الإجماع المركب لأن الإجماع المنقول شامل لهما معا و حجة القول بعدم الوجوب الأصل و مفهوم الشرط في إذا التقى الختانان و الثاني لا قوة له و الأول قوي لكن هاهنا لا يجزي النفس على ذلك لما ذكره السيد- (رحمه الله)- و الاحتياط أن يغتسل و يحدث و يتوضأ.

و القابل كالفاعل لا خلاف في هذا الحكم كما ظهر من الكلام المنقول عن السيد (رحمه الله)، و القائلون بعدم الوجوب في الدبر أيضا لا يفرقون بين الفاعل و القابل.

و الحي كالميت الأولى العكس نص عليه الشيخ في المبسوط، و قال في الخلاف: أما فرج الميتة فلا نص لهم فيه أصلا، ثم ذكر أن الظاهر وجوب الغسل، لما روي عنهم (عليهم السلام) من أن حرمة الميت، كحرمة الحي و لأن الظواهر المتضمنة لوجوب الغسل على من أولج في الفرج تدل على ذلك بعمومها و طريقة الاحتياط يقتضيه

421

و لا يخفى أن هذه الدلائل لا تكاد تتم، أما الأول فلأن كون حرمته كحرمة الحي لا يدل على المرام أصلا، لأن وجوب الغسل بالوطء ليس لأجل حرمة الحي، و أما الثاني فلأن الظواهر المذكورة إنما يحمل على المعهود المتعارف- كما هو الظاهر- و أما الثالث فظاهر و قد يستدل عليه أيضا بإنكار علي (عليه السلام) على الأنصار، و فيه أيضا ما مر. فالظاهر التمسك بالأصل و السكوت عما سكت الله عنه، اللهم إلا أن يكون إجماع عليه و الأمر الاحتياط واضح.

اعلم أنه لا فرق في كون الميت فاعلا أو مفعولا لإجراء الوجوه فيهما معا.

و في البهيمة قولان أحوطهما الوجوب القول بعدم الوجوب قول الشيخ في بحث الجنابة من الخلاف و المبسوط و إن كان ظاهر كلامه في كتاب الصوم منه الوجوب، و يفهم من كلام السيد المرتضى أيضا ذهاب أصحابنا إلى الوجوب و اختاره العلامة في المختلف و الأول أظهر للأصل و عدم ما يعارضه، و احتج في المختلف بقول علي (عليه السلام) في إنكار الأنصار، و قد عرفت ما فيه، و يحتج أيضا بقول ما أوجب الحد أوجب الغسل و لم يثبت عندنا، و بأنه جماع في فرج فأشبه فرج الآدمي، و لا يخفى ضعفه. و اعلم أن العلامة في النهاية استشكل في إيجاب الغسل بالإيلاج في فرج البهيمة، ثم قال في موضع آخر و كذا يجب الغسل على من غاب فرج الميت و الدابة في فرجه

422

و كان مراده أنه على تقدير القول بالوجوب في وطء البهيمة يجب على المفعول أيضا إذا كان الفاعل بهيمة لا أنه يختص بالفاعل و إلا فالفرق بين الفاعل و المفعول في الاستشكال و عدمه مما وجه له ظاهرا و الاحتياط هاهنا أيضا مثل ما سبق.

و واجد المني على جسده أو ثوبه المختص يغتسل و يعيد كل صلاة لا يمكن سبقها و في المبسوط يعيد ما صلاه بعد آخر غسل رافع و هو احتياط حسن الظاهر أن وجدان المني على الجسد أو الثوب المختص إنما يكون هذا حكمه إذا لم يحتمل أن يجيء من خارج، و إلا فلا للإجماع على أن اليقين بالطهارة لا ينقض بالشك، ثم إن وجوب الغسل على ذلك الواجد فمما لا شك فيه، إذ الفرض حصول العلم بالجنابة و بعد العلم يجب الغسل البتة لما سبق، و يدل عليه أيضا ما رواه التهذيب في زيادات باب الأغسال في الموثق، عن سماعة، قال

سألته عن الرجل يرى في ثوبه المني بعد ما يصبح و لم يكن رأى في منامه أنه قد احتلم، قال: فليغتسل و ليغسل ثوبه و يعيد صلاته

، و ما رواه أيضا في هذا الباب عن سماعة في الموثق، قال

سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل ينام و لم ير في نومه أنه قد احتلم فوجد في ثوبه و على جسده [فخذه] الماء هل عليه غسل؟ قال: نعم

،

423

و أما ما رواه في هذا الباب، عن أبي بصير، قال

سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصيب بثوبه منيا و لم يعلم أنه احتلم، قال: ليغسل ما وجد بثوبه و ليتوضأ

، فسنده لا يخلو عن جهالة، و يمكن حمله أيضا على ما إذا احتمل أن يكون من غيره جمعا بين الأخبار و أما إعادة كل صلاة لا يمكن سبقها على الجنابة فبناء على وجوب قضاء الصلاة التي صليت بغير طهارة، سواء كان عمدا أو نسيانا أو جهلا في الوقت و خارجه، و سيجيء القول فيه إن شاء الله تعالى في موضعه و وجه التقييد بعدم إمكان سبقها على الجنابة أنه مع الإمكان يرجع إلى الشك في الحدث و اليقين في الطهارة فلا عبرة به، و أما قول المبسوط فلا وجه له ظاهرا سوى الاحتياط و هو لا يصلح دليل الوجوب، و لا يخفى أن لا احتياط في إعادة كل ما يكون بعد آخر الأغسال إذ ما وقع بعده و قبل النوم لا احتياط في إعادتها أصلا و أيضا مقتضى الاحتياط أن يعيد ما صلاه قبل آخر الأغسال أيضا إذا احتمل أن يكون خروج المني سابقا عليه و الأولى أن يقال بإعادة كل صلاة لا يعلم سبقها على المني و لم يفصل بينها و بينه على تقدير سبقه غسل رافع.

ثم اعلم أن إعادة الصلاة هاهنا يمكن أن يكون بالنظر إلى الحدث و الخبث معا و بالنظر إلى أحدهما فقط

424

و ما ذكرنا من الشيخ إنما هو بالنظر إلى الحدث و أما بالنظر إلى الخبث، فقد ذكر في المبسوط أنه يستحب أن يعيد كل صلاة صلاها من أول نومة نامها في ذلك الثوب و يجب أن يعيد ما صلاها من آخر نومة نامها فيه ثم قوى عدم وجوب إعادة شيء من الصلوات عليه إلا ما لم يخرج وقتها، بناء على أن الظاهر عنده عدم الإعادة الجاهل بالنجاسة إذا خرج الوقت و سيجيء تفصيل القول فيه إن شاء الله تعالى.

و اعلم أن صاحب المدارك- (رحمه الله)- ذكر أن الأظهر أنه إنما يحكم عليه بالجنابة من آخر أوقات إمكانها تمسكا بأصالة عدم التيقن و استصحابا للطهارة المتيقنة إلى أن يقين الحدث، و حينئذ يحكم عليه بكونه محدثا و يجب عليه قضاء ما يتوقف على الطهارة من ذلك الوقت إلى أن يتحقق منه طهارة رافعة، ثم قال و ذهب الشيخ (رحمه الله) في المبسوط أولا إلى إعادة كل صلاة لا يعلم سبقها على الحدث ثم قوى ما اخترناه و قوته ظاهرة. انتهى.

و أنت خبير بما نقلنا عن المبسوط أن ما نقله- (رحمه الله)- عنه لا يوافق الواقع.

و لو اشترك الثوب أو الفراش فلا غسل نعم يستحب وجه عدم الوجوب ظاهرا لاستصحاب يقين الطهارة

425

و أما الاستحباب فلا دليل عليه ظاهرا إلا أن يتمسك بعموم الأدلة المقتضية لرجحان الاحتياط في الدين و بذهاب الأصحاب إليه.

و لو قيل بأن الاشتراك إن كان معا سقط عنهما و إن تعاقب وجب على صاحب النومة كان وجها و ذهب إليه الشهيد الثاني (رحمه الله) أيضا في شرح الإرشاد و لا وجه له ظاهرا لأنه مع احتمال أن يكون خروج المني سابقا على النومة يرجع أيضا إلى الشك في الحدث و يقين الطهارة فلا عبرة به و كون الوجدان في نومته لا مدخل له أصلا، إلا أن يورث علما بأنه منه فيخرج عن محل النزاع أو ظنا فيبني الكلام على العبرة بالظن و عدمها، و بالجملة الفرق بين كون الاشتراك بطريق الاجتماع و التعاقب لم يظهر له وجه فالأولى التعميم.

و لو لم يعلم صاحب النومة فكالمعية وجهه ظاهر و باجتماعهما يقطع بجنب على الأقرب ذهب إليه المحقق في المعتبر و قيل بسقوط اعتبار الجنابة في الجميع مال إليه العلامة في جملة من كتبه و تظهر فائدة الخلاف في انعقاد الجمعة بهما و ائتمام أحدهما بصاحبه إذ على الأول لا تنعقد الجمعة بهما لأن أحدهما جنب البتة و لا تصح صلاة المأموم لأنه نفسه أو إمامه جنب، و نقل عن بعض الجمهور فساد صلاتهما معا و على الثاني ينعقد و تصح صلاتهما معا، و الظاهر هو القول الثاني،

426

حجة الأول القطع بحدث أحدهما البتة، و فيه أنه لو أريد القطع بخروج المني عن أحدهما فمسلم لكن خروج المني عن واحد لا بعينه لا يوجب حكما، و لو أريد القطع بكون أحدهما لا بعينه جنبا لا تصح منه الأفعال التي لا تصح من الجنب و تتعلق صلاة به أحكامه فظاهر الفساد لأن عدم صحة أفعال واحد منهما لا بعينه و تعلق أحكام الجنب به، مع أن كل واحد بعينه أفعاله و أعماله صحيحة و لا يتعلق به حكم الجنب مما لا معنى له، و بالجملة القدر المسلم في اشتراط انعقاد الجمعة أن تكون صلاة كل من العدد صحيحة في الواقع و هاهنا كذلك، و أما ما وراء ذلك فلا، و كذا يلزم في صحة صلاة المأموم عدم علمه بفساد صلاة الإمام و قد تحقق هاهنا و من يدعي الزائد على ذلك فعليه البيان، و بما ذكرنا ظهرت حجة القول الثاني.

و اعلم أنه لا خلاف ظاهرا في جواز دخولهما المساجد دفعة و قرائتهما العزائم دفعة و نحو ذلك، نعم لو حمل أحدهما الآخر و أدخله المسجد لكان الظاهر على القول الأول أنه فعل حراما لأنه دخل جنبا، و لا يخفى أن الحكم بالحرمة هاهنا أقرب من الحكم بعدم انعقاد الجمعة و عدم صحة صلاة المأموم و إن كان الإثبات هاهنا أيضا مشكلا، و لا يبعد أن يكون الحال في إدخال من يعلم أنه جنب مع عدم علمه نفسه أيضا كذلك و كأنه أقرب إلى الحرمة و الاحتياط في الجميع واضح.

427

و لو خرج المني من المرأة بعد الغسل أجنبت إن علمت اختلاطهما أي مني الرجل بمنيها أو شكت في الأقرب و إلا فلا لإخفاء في وجوب الغسل بعد العلم باختلاط الماءين و أن الخارج منهما جميعا، و أما ما رواه التهذيب في أواخر باب حكم الجنابة عن سليمان بن خالد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال

سألته عن رجل أجنب فاغتسل قبل أن يبول فخرج منه شيء، قال يعيد الغسل، قلت فالمرأة يخرج منها بعد الغسل قال لا تعيد الغسل، قلت فما الفرق بينهما؟ قال لأن ما يخرج من المرأة ماء الرجل

، و ذكر أيضا أن مثل ذلك ورد بطريق آخر أيضا و ذلك الطريق صحيح، و رواه الكافي أيضا في باب الرجل و المرأة يغتسلان من الجنابة فكان المراد منه أن مع عدم العلم بخروج منيها لا يجب الغسل لأن ما يخرج منها يمكن أن يكون ماء الرجل و إلا فظاهره لا يخلو من إشكال، إذ الظاهر إمكان أن يخرج مني المرأة من فرجها، و الله أعلم، و أما مع الشك فقد ذكر المصنف في الذكرى أن الأحوط حينئذ، وجوب الغسل و هو أقرب من قوله في الأقرب هاهنا لأنه يرجع إلى الشك في الحدث و اليقين في الطهارة فلا عبرة به و لا دليل على الوجوب هاهنا بخصوصه، مع أن الرواية المذكورة تعضد الاستصحاب المذكور، و أما عدم الوجوب مع عدم التعليم و الشك فظاهر للأصل و الرواية المذكورة،

428

و يدل عليه أيضا ما رواه التهذيب في الباب المذكور عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال

سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة تغتسل من الجنابة ثم ترى نطفة الرجل بعد ذلك هل عليها غسل؟ فقال لا

، و هذه الرواية في الكافي أيضا في الباب المتقدم و سيجيء لهذا تتمة في مبحث وجدان البلل المشتبه بعد الغسل.

و لا يجب ببعض الحشفة قد تقدم الكلام فيه و لا بإيلاج الخنثى فرجه في امرأة أو خنثى المراد بالخنثى المشكل إذ غير حكمه حكم ما ألحق به و عدم وجوب الغسل بإيلاج فرجه في فرج المرأة بناء على جواز أن يكون زائدا فلا يتعلق به حكم و احتمل العلامة في التذكرة وجوب الغسل عليهما معا و كأنه لعموم إذا التقى الختانان، و يمكن منعه بحمله على المتعارف و كذا إيلاجه في فرج الخنثى، و فيه أيضا الاحتمال المذكور. و لا بإيلاج الرجل في قبله على الأقوى هذا أيضا لجواز الزيادة و وجه التذكرة الوجوب للعموم المذكور و وجوب الحد و قد يمنع الوجهان- كما مر غير مرة- و ألزمه المصنف في الذكرى بالوجوب و لو علم رجولية المولج فيه و لا يبعد أن يلتزمه، اللهم إلا أن يكون إجماع على عدمه، و حينئذ يظهر الفرق و لا نقض.

429

و يجب لو أولج الرجل في دبره بناء على الوجوب في الدبر و وجهه ظاهر أو أولج رجل في قبله و أولج الخنثى في فرج امرأة لأنه لا يخلو من أن يكون رجلا أو امرأة، فإن كان رجلا فيجب عليه الغسل بإيلاجه في فرج المرأة، و إن كان امرأة فيجب بإيلاج الرجل في قبله.

و أما الرجل و المرأة فأحدهما جنب لا بعينه إذ على تقدير الأنوثية الرجل جنب دون المرأة و على تقدير الذكورية بالعكس فيكون أحدهما لا بعينه جنبا و يكون الحكم كما في واجدي المني في الثوب المشترك، و على الاحتمال المنقول من التذكرة الجميع جنب.

و الأقرب تعلق الأحكام بإيلاج الصبي و الصبية بناء على عموم إذا التقى الختانان و يحتمل العدم بحمله على المتعارف و ادعاء ظهوره في التعلق بالمكلفين و يعضده أصل البراءة، و ثمرة النزاع وجوب منعهم من المساجد و مس المصحف و قراءة العزائم و وجوب الغسل و عليهم بعد البلوغ، و في الثمرة الأولى نظر.

و لو كان أحد الطرفين بالغا، فقد قطع العلامة في التذكرة و المصنف في الذكرى بالوجوب عليه.

430

و الملفوف بناء على صدق التحاذي و يحتمل عدمه لأن استكمال اللذة إنما يحصل بارتفاع الحجاب كذا في النهاية، و فيه نظر. نعم يمكن تعليله بمنع صدق الالتقاء و التمسك بالأصل، و احتمل في النهاية التفصيل باعتبار الخرقة، فإن كانت لينة لا تمنع وصول بلل الفرج إلى الذكر و وصول الحرارة من أحدهما إلى الأخر وجب، و إلا فلا، و لا ظهور به أيضا إلا أن يقال إن في الأول يصدق الالتقاء دون الثاني.

و في المقطوع أي الذكر الذي قطع و انفصل من البدن و آلة البهيمة نظر، بناء على صدق الالتقاء و عدم التعارف، و الظاهر العدم، تمسكا بالأصل و عدم ظهور ما يعارضه، و لعل الفرق بين فرج البهيمة و إدخال آلته، حيث فصل بينهما في الذكر، بناء على وجوب الحد في الأول دون الثاني، فيكون دليل وجوب الغسل في الأول أظهر، لكن الظاهر من كلام النهاية- كما نقلنا سابقا- أنه يرى الأمر بالعكس، و لا يبعد أن يفهم هذا من كلام المصنف أيضا، حيث استشكل هاهنا و حكم باحتياط وجوب الغسل في الأول المشعر باعتقاد عدم الوجوب، و لم يظهر له وجه.

و يجب على الكافر بناء على أن الكفار مكلفون بالفروع لكن لا يصح منهم حال كفرهم، و قد منعه بعض، و موضعه في الأصول. و لا يجبه الإسلام و الظاهر لا خلاف بيننا في عدم سقوطه بالإسلام،

431

إذ لم ينسب إلى أحد منا القول بخلافه و إنما نسب في المنتهي القول به إلى أبي حنيفة و احتج على عدم السقوط بقوله تعالى وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا، و كذا عموم الروايات الواردة بالغسل، و بأنه لو كان محدثا بحدث أصغر لم يجز له الدخول في الصلاة إلا بالطهارة فكذا في الغسل، و الأخير ضعيف، و احتج بالمسقطون بأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه و آله أنه أمر أحدا بالغسل مع كثرة من أسلم من البالغين و هم غالبا لا يكادون يسلمون عن حدث الجنابة و بقوله (عليه السلام)

الإسلام يجب ما قبله

و أجيب عن الأول بالمنع من الترك، إذ قد روى أبو داود عن قيس بن عاصم قال

أتيت النبي صلى الله عليه و آله أريد الإسلام فأمرني أن اغتسل

، مع أنه لا يلزم أن يأمرهم بخصوصهم، بل تكفي الأوامر الواردة بالغسل عموما، و هو أيضا مثل سائر التكليفات التي لم يأمرهم بها حين الإسلام بخصوصهم، و عن الثاني بالقدح بالسند و منع عمومه بحيث يشمل ما نحن فيه.

[المحرمات على الجنب]

و يتعلق بالجنابة، حرمة الصلاة و الطواف بالإجماع و مس خط المصحف بالإجماع أيضا، قال في المعتبر و هو إجماع فقهاء الإسلام، و في المنتهي و هو مذهب علماء الإسلام،

432

و لعلهما حملا الكراهة في كلام ابن الجنيد على التحريم أو لم يعتدا بخلافه أو انعقد الإجماع بعده، و الفاضل الأردبيلي و صاحب المدارك- رحمهما الله- أسندا القول بالكراهة إلى المبسوط أيضا، و هو سهو لأنه إنما قال بها في المحدث و أما في المجنب، فقد صرح بالتحريم، و استدل أيضا بقوله تعالى لٰا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ، و قد تقدم الكلام فيه في فواتح الكتاب، و قد مر أيضا في بحث تحريم المس للمحدث بعض الروايات الذي يمكن أن يستدل به على هذا المطلب.

و لو لم يكن دعوى الإجماع لم يبعد القول بالكراهة، لكن الأولى حينئذ، الأخذ بالحرمة، ثم إنه قد تقدم في أوائل الكتاب في بحث مس المحدث الفروع التي يتعلق بالمس من المس باليد و الجسد و الكم، و كذا مس الآيات و إن لم يكن في المصحف و نحوها فقس هاهنا عليه.

و اعلم أنه قال المصنف- (رحمه الله)- في الذكرى: و لا يمنع من مس كتب الحديث و لا الدراهم الخالية من القرآن أو المكتوب عليها القرآن، ففي خبر محمد بن مسلم، عن الباقر (عليه السلام)

إني لأوتى بالدرهم فآخذه و إني لجنب

، ثم ذكر أنه عليه سورة من القرآن. انتهى.

433

و الظاهر أن الخبر الذي رواه ما في المعتبر قال فيه، و في جامع البزنطي، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام)

سألته هل يمس الرجل الدرهم الأبيض و هو جنب؟ فقال: و الله إني لأوتى بالدرهم فآخذه و إني لجنب

، و ما سمعت أحد يكره من ذلك شيئا إلا أن عبد الله بن محمد كان يعيبهم عيبا شديدا يقول جعلوا سورة من القرآن في الدرهم فيعطى الزانية و في الخبر و يوضع على لحم الخنزير. انتهى. و لا يخفى أن ما فهمه المصنف من هذا الكلام لا يخلو من شيء، إذ لم يظهر أن من قوله و ما سمعت إلى آخر كلام الإمام (عليه السلام)، فحينئذ لا دلالة إلا أن يقال إنه يشعر بأن الدراهم البيض التي كانت في زمانه (عليه السلام) يجعل فيها السورة و هذا أيضا إنما يتم لكان من كلام محمد بن مسلم أو يكون عبد الله بن محمد في زمان الإمام (عليه السلام).

و ما عليه اسم الله تعالى المراد مس نفس الاسم لا مس شيء كتب عليه الاسم و عموم ما عليه يدل على تحريم المس و إن كان على درهم أو دينار، و استدل عليه بأن فيه التعظيم لشعائر الله بما رواه التهذيب في باب حكم الجنابة في الموثق، عن عمار بن موسى، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال

لا يمس الجنب درهما و لا دينارا عليه اسم الله تعالى

، و يمكن المناقشة في كل من الدليلين،

434

مع أن التهذيب روى في الباب المذكور في الموثق، عن إسحاق بن عمار، عن أبي إبراهيم (عليه السلام)، قال

سألته عن الجنب و الطامث يمسان بأيديهما الدراهم البيض؟ قال: لا بأس

، و أيضا نقل المحقق في المعتبر عن كتاب الحسن بن محبوب، عن خالد عن أبي الربيع، عن أبي عبد الله (عليه السلام)

في الجنب يمس الدراهم و فيها اسم الله و اسم رسوله؟ قال: لا بأس به ربما فعلت ذلك

، و قد أجاب الشيخ عن الرواية الأولى بأنه يمكن أن يكون إنما إجازة ذلك إذا لم يكن عليها اسم الله تعالى و إن كانت الدراهم بيضا، و يمكن أن يجاب عن الأخرى أيضا بأن المراد مس موضع ليس فيه الإسلام من الدراهم لكن لا يخفى أنه خلاف الظاهر الذي يقتضيه النظر بالنظر إلى هذه الأدلة جواز مس اسم الله تعالى، سيما إذا كان في دينار أو درهم، لكن رعاية التعظيم و متابعة الأصحاب ربما يمنع النفس عن الاجتراء على الحكم بالجواز.

أو أسماء الأنبياء و الأئمة (عليهم السلام) قال المحقق في المعتبر: قاله الشيخان و لا أعرف المستند، و لعل الوجه رفع أسمائهم (عليهم السلام) عن ملاقاة ما ليس بطاهر، و ليس حجة موجبة للتحريم، و القول بالكراهة أنسب.

435

و قراءة العزائم العزائم في اللغة: الفرائض- كما في القاموس- و المراد هاهنا السور التي فيها السجدات الواجبة. و هي أربع سورة: الر، و حم السجدة، و النجم، و اقرأ باسم ربك، و تسميتها بالعزائم باعتبار إيجاب السجدة عند قراءتها و تحريم قراءتها على الجنب إجماعي منا، كما نص عليه المنتهي و المعتبر، و يدل عليه أيضا ما رواه التهذيب في باب حكم الجنابة في الموثق، عن زرارة و محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال

الحائض و الجنب يقرءان شيئا؟ قال: نعم، ما شاء إلا السجدة و يذكران الله تعالى على كل حال

، و ما رواه أيضا في زيادات باب الأغسال في الحسن، عن محمد بن مسلم، قال: قال أبو جعفر (عليه السلام)

الجنب و الحائض يفتحان المصحف من وراء الثوب و يقرءان القرآن ما شاء إلا السجدة و يدخلان المسجد مجتازين و لا يقعدان فيه و لا يقربان المسجدين الحرمين.

و هاتان الروايتان و إن أمكن المناقشة فيهما من حيث السند لكن معاضدتهما بالإجماع يكفي في الحكم و قد روى الصدوق (رحمه الله) في علل الشرائع رواية صحيحة، عن زرارة، قال

قلت فهل يقرءان من القرآن شيئا؟ قال: نعم، ما شاء إلا السجدة و يذكران الله من القرآن على كل حال

، و بهذه يزيد الحكم تقوية، و روى المعتبر أيضا ذلك الحكم عن جامع البزنطي، عن الحسن الصيقل، عن أبي عبد الله (عليه السلام)،

436

و قد استدل الشيخ (رحمه الله) في التهذيب على الحرمة بأن في هذه السور سجودا واجبا و لا يجوز السجود إلا لطاهر من النجاسات بلا خلاف، و فيه توقف، إذ لم يثبت الإجماع على ما ادعاه- كما سيجيء في بابه إن شاء الله تعالى- مع أنه (رحمه الله) قال: بعيد هذا باستحباب السجدة على الطامث إذا سمعتها، و قد يعتذر بأن مراده من عدم جواز السجود إلا للطاهر السجود الواجب، و لا يخلو عن بعد، و لعل مراده من النجاسات الحكمية و العينية و إلا فلا دلالة على ما ادعاه لو اختص بالعينية، كما هو الظاهر.

و أبعاضها الظاهر أنه أيضا لا خلاف فيه بيننا و إن كان دلالة الأدلة المذكورة سابقا عليه محل نظر، إذ غاية ما يدل عليه الروايات حرمة نفس السجدة و أما غيرها فلا، و كذا ما استدل به الشيخ (رحمه الله)، لكن الإجماع- ظاهرا- هو المتبع.

و لو اشتركت الآية و نواها حرمت هذا الحكم بناء على حرمة الأبعاض ظاهر.

و دخول المساجد إلا اجتيازا لا المسجدين أي المسجد الحرام و مسجد الرسول صلى الله عليه و آله حرمة لبث الجنب في المساجد و جواز اجتيازه فيها سوى المسجدين مما أطلق عليه الأصحاب سوى ما نقل عن سلار أنه قال: بكراهة اللبث في المساجد و أطلق الحكم و لم يفرق بين المسجدين و غيرهما،

437

و الظاهر ما ذهب إليه الأكثر، و لا يخفى أنه يرجع إلى ثلاثة أمور: اللبث في المساجد مطلقا، و جواز الاجتياز فيما عدا المسجدين، و حرمته فيهما، فلنستدل على كل منها:

أما عدم جواز اللبث في المساجد مطلقا، فلقوله تعالى وَ لٰا جُنُباً إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ إذ الظاهر أن المراد من الصلاة مواضعها يتحقق معنى العبور و القربان، مع أنه فسر في الرواية الصحيحة بما ذكر، و هي ما رواه الصدوق في علل الشرائع، عن زرارة و محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قالا

قلت له الحائض و الجنب يدخلان المسجد أم لا؟ فقال: الحائض و الجنب لا يدخلان المسجد إلا مجتازين إن الله تبارك و تعالى يقول

وَ لٰا جُنُباً إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا

و يأخذان من المسجد و لا يضعان فيه شيئا، قال زرارة: قلت له فما بالهما يأخذان منه و لا يضعان فيه؟ قال: لأنهما لا يقدران على أخذ ما فيه إلا منه و يقدر أن على وضع ما بيدهما في غيره

، و لتلك الرواية الصحيحة، و لما رواه التهذيب في باب حكم الجنابة في الحسن، عن جميل، قال

سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الجنب يجلس في المساجد؟ قال: لا، و لكن يمر فيها كلها إلا المسجد الحرام و مسجد الرسول صلى الله عليه و آله

،

438

و هذه الرواية في الكافي أيضا في باب الجنب يأكل و يشرب و فيه موضع الرسول النبي صلى الله عليه و آله و لحسنة محمد بن مسلم المتقدمة آنفا، و لما رواه الكافي في الباب المذكور، عن جميل بن دراج، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال

للمجنب أن يمشي في المساجد كلها و لا يجلس فيها إلا المسجد الحرام أو مسجد الرسول صلى الله عليه و آله

، و لما رواه التهذيب في زيادات تحريم المدينة، عن محمد بن حمران، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال

سألته عن الجنب يجلس في المسجد؟ قال لا، و لكن يمر فيه إلا المسجد الحرام و مسجد المدينة.

و هذه الروايات و إن أمكن المناقشة فيها بحملها على الكراهة لكن يدفعها شهرة الحرمة بين الأصحاب و كذا الآية، مع أن في الآية مرجحا آخر للحمل على الحرمة هو كون النهي عن قربان الصلاة سكارى محمولا على الحرمة، و مما يمكن أن يستدل به لسلار الأصل، و قد عرفت ما يعارضه، و ما رواه التهذيب في زيادات باب الأغسال في الصحيح ظاهرا، عن محمد بن القاسم، قال

سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الجنب ينام في المسجد؟ فقال: يتوضأ و لا بأس أن ينام في المسجد و يمر فيه

، قال في المعتبر: و هذه الرواية متروكة بين أصحابنا، لأنها منافية لظاهر التنزيل،

439

و يمكن أن تحمل على التقية لموافقتها لمذهب بعض العامة، و لا يذهب عليك أنه لو لم يكن الشهرة العظيمة بين الأصحاب لأمكن الجمع بين الروايات بحمل ما تقدم على الكراهة و حمل هذه الرواية على نفي الحرمة، لكن الأولى اتباع الشهرة.

و أما جواز الاجتياز فيما عدا المسجدين، فيدل عليه- مضافا إلى الإجماع- الآية، و الراويات المنقولة، و اعلم أن الظاهر من كلام القوم جواز العبور في المساجد و أما المشي في جوانبها فلم يجوزوه- كما صرح به في النهاية- و كذا اللبث بدون الجلوس بطريق الأولى، و لا يخفى أنه الظاهر من الآية و الصحيحة المذكورة، و أما الروايات الأخرى ففي ظهورها في هذا المعنى تأمل، سيما رواية جميل المنقولة عن الكافي لكن الأولى العمل بما هو ظاهر الآية و الصحيحة و كلام القوم، و أيضا مقتضى الاحتياط أن يكون المرور بأن يدخل من باب و يخرج من آخر، لا بأن يذهب و يرجع و إن كان إثباته بالدليل مشكلا.

و أما حرمة الجواز في المسجدين، فتدل عليه الروايات المتقدمة، و اعلم أن الصدوق (رحمه الله) في الفقيه أطلق القول بجواز الجواز في المساجد و لم يستثن المسجدين، و نسب المصنف في الذكرى هذا الإطلاق إلى أبيه و المفيد أيضا،

440

و ذكر أيضا في الفقيه أنه لا بأس أن ينام الجنب في المسجد و كان مستنده خبر محمد بن القاسم المذكور، و الحكم به مشكل مع معارضته بالروايات الكثيرة و عدم عمل الأصحاب بمضمونه، و اعلم أيضا أن المصنف و الشهيد الثاني (رحمه الله) ألحقا المشاهد المقدسة و الضرائح المشرفة بالمساجد في هذا الحكم لاشتمالها على فائدة المسجدية و زيادة تشرفها بمن نسبت إليه، و لا يخلو من إشكال، و إن كان الأحوط التجنب عنها حال الجنابة.

و وضع الشيء فيها و يجوز الأخذ منها هذا أيضا هو المشهور بين الأصحاب و نقلوا عن سلار القول بكراهة الوضع، و الظاهر المشهور، لما رواه التهذيب في باب حكم الجنابة في الصحيح عن عبد الله بن سنان قال

سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الجنب و الحائض يتناولان من المسجد المتاع يكون فيه؟ قال: نعم، و لكن لا يضعان في المسجد شيئا

، و هذه الرواية في الكافي أيضا في باب الجنب يأكل و يشرب و للصحيحة المنقولة عن علل الشرائع.

حجة سلار: الأصل، و بحمل الروايتين على الكراهة، لكن الأصل قد خرج عنه بالدليل، و الحمل على الكراهة- و إن كان احتمالا قريبا- لكن الشهرة بين الأصحاب يدفعه

441

[المكروهات على الجنب]

و يكره قراءة ما زاد على سبع، و لم يجوز الزيادة ابن البراج، و عن سلار تحريم القراءة مطلقا المشهور بين الأصحاب جواز قراءة ما عدا العزائم مطلقا و كراهة ما زاد على السبع أو السبعين، و في التذكرة أن ما زاد على السبع مكروه و ما زاد على السبعين أشد كراهة، و قال الفقيه: و لا بأس بأن يقرأ الجنب القرآن كله ما خلا العزائم، و قال ابن إدريس: له أن يقرأ جميع القرآن سوى العزائم، و أنت خبير بإمكان حملهما على المشهور بأن يحملا على نفي الحرمة و الجواز، و قال الشيخ في النهاية: و يقرأ من القرآن من أي موضع ما شاء ما بينه و بين سبع إلا أربع سور، و في المبسوط: يجوز أن يقرأ من القرآن ما شاء غير العزائم، و الاحتياط أن لا يزيد على سبع آيات أو سبعين آية، و يمكن حملهما أيضا على المشهور، سيما عبارة المبسوط، بل ظاهرها ما هو المشهور، و قال العلامة في المختلف و بعض أصحابنا: لا يجوز إلا ما بينه و بين سبع آيات أو سبعين آية و الزائد على ذلك محرمة مثل الأربع سور، و قال في المنتهي و قال بعض الأصحاب: يحرم ما زاد على سبعين، و كان المراد بهذا البعض ابن البراج، و حينئذ ما نسب إليه المصنف من عدم تجويزه الزيادة على سبع غير صحيح،

442

لكن قال الشيخ في الخلاف: يجوز للجنب و الحائض أن يقرءا القرآن، و في أصحابنا من قيد ذلك بسبع آيات، و هو موافق لما ذكر المصنف، و نسب العلامة إلى الشيخ القول بتحريم الزيادة على السبعين في كتابي الأخبار، و هو إن كان ظاهر التهذيب لكن كلامه في الإستبصار يدل على تردده بين جواز ما زاد و حرمته و قد نقل المصنف في الذكرى عن سلار قولين: أحدهما: ما ذكره في هذا الكتاب، و ثانيهما: الجواز مطلقا، و المرتضى في الإنتصار، و الشيخ في الخلاف ظاهرا، و المحقق في المعتبر ادعوا الإجماع على الجواز، فإن كان مرادهم الجواز مطلقا فيكون ما نسب إلى سلار و ابن البراج مخالفا للإجماع، و إن كان المراد الجواز في الجملة فنقول سلار مخالف دون ابن البراج.

و الظاهر الجواز مطلقا و كراهة ما زاد على السبع و اشتدادها فيما زاد على السبعين، أما الجواز مطلقا فعليه- مضافا إلى الأصل- روايات:

منها: ما رواه التهذيب في باب حكم الجنابة في الصحيح عن عبيد الله بن علي الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام)

عن الجنب يأكل و يشرب و يقرأ القرآن؟ قال: نعم، يأكل و يشرب و يقرؤه و يذكر الله عز و جل ما شاء.

و هذه الرواية في الكافي أيضا في باب الجنب يأكل و يشرب.

443

و منها: ما رواه أيضا في هذا الباب في الموثق عن الفضيل بن يسار عن أبي جعفر (عليه السلام) قال

لا بأس أن يتلو الجنب و الحائض القرآن.

و منها: ما رواه الكافي في باب الحائض و النفساء تقرءان القرآن في الحسن عن زيد الشحام عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال

الحائض تقرأ القرآن و النفساء و الجنب أيضا.

و منها: روايتا محمد بن مسلم الموثقة و الحسنة المنقولتان في بحث قراءة العزائم.

و أما كراهة ما زاد على السبع، فلما رواه التهذيب أيضا في الباب المذكور في الموثق عن سماعة قال

سألته عن الجنب هل يقرأ القرآن؟ قال: ما بينه و بين سبع آيات.

فإن قلت لمَ لم يجعل هذه الرواية مخصصة و مقيدة للروايات السابقة؟

قلت: أما أولا: فلعدم صحتها. و أما ثانيا: فلعدم ظهورها في حرمة ما زاد، و لو سلم ظهورها أيضا فتخصيص ما تقدم و تقييده بها ليس بأولى من حملها على خلاف ظاهرها،

444

و أما اشتداد ما زاد على السبعين، فلما قال الشيخ أيضا بعد نقل الرواية السابقة و في رواية زرعة عن سماعة سبعين آية، و التقريب ظاهر، و الذي يمكن أن يحتج به على ما ذهب إليه ابن البراج هاتان الروايتان و قد ظهر جوابهما مما ذكر، و أما ما ذهب إليه سلار فقد احتج عليه باشتهار النهي عن قراءة القرآن للجنب في عهد النبي صلى الله عليه و آله بين الرجال و النساء، كما نقل أن عبد الله بن رواحة رأته امرأته مع جاريته فذهبت لتأخذ سكينا، فقال: ما رأيتني أ ليس نهى رسول الله صلى الله عليه و آله أن يقرأ أحدنا و هو جنب، فقالت اقرأ، فأنشد شعرا موهما أنه القرآن، فقالت: صدق الله و كذب بصري، فجاء إلى النبي صلى الله عليه و آله فضحك حتى بدت نواجده، و بما نقل عن علي (عليه السلام) أنه قال

لم يكن يحجب النبي صلى الله عليه و آله عن قراءة القرآن شيء سوى الجنابة.

و عنه (عليه السلام)

لا يقرأ الجنب و لا الحائض شيئا من القرآن.

و الجواب عن الجميع: أنه لم يثبت عندنا، و على تقدير ثبوته يحمل على الكراهة، جمعا بين الأخبار.

و مس المصحف عطف على قراءة ما زاد، هذا هو المشهور بين الأصحاب، و قال المرتضى بالتحريم،

445

و الظاهر الأول، أما الجواز فللأصل، و أما الكراهة فللشهرة بين الأصحاب، مضافا إلى التعظيم و إلى ما رواه التهذيب في الباب المذكور عن إبراهيم بن عبد الحميد عن أبي الحسن (عليه السلام) قال

المصحف لا تمسه على غير طهر و لا جنبا و لا تمس خيطه و لا تعلقه إن الله تعالى يقول

لٰا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ

.

و احتج السيد بقوله تعالى لٰا يَمَسُّهُ و ضعفه ظاهر، و بهذه الرواية و فيها بعد القدح في السند أنها لا ظهور لها في التحريم كيف و السيد نفسه لا يقول بحرمة التعليق.

و حمله كأنه للتعظيم و يجوز مس الكتب المنسوخة للأصل و عدم معارض و ما نسخ تلاوته من القرآن للأصل أيضا و عدم صدق القرآن عليه عرفا.

و الأكل و الشرب و النوم ما لم يتوضأ و يكفي في الأكل و الشرب المضمضة و الاستنشاق عطف على مس المصحف، أما الأكل و الشرب فالظاهر من كلام الخمسة، و هو المشهور كراهتهما قبل المضمضة و الاستنشاق و لم يتعرضوا للوضوء، و المحقق في المعتبر ذهب إلى أنه يكفيه غسل يده و المضمضة، و العلامة في النهاية و المنتهي ذهب إلى كراهتهما قبل المضمضة و الاستنشاق و الوضوء- كما هو مختار المصنف في هذا الكتاب-

446

و قال الصدوق في الفقيه غير أن الرجل إذا أراد أن يأكل و يشرب قبل الغسل لم يجز له إلا أن يغسل يديه و يتمضمض و يستنشق فإنه إن أكل أو شرب قبل أن يفعل ذلك خيف عليه البرص، و ظاهر هذه العبارة التحريم لكن لا يبعد أن يكون مراده الكراهة، إذ كثيرا ما يفعل مثل ذلك و ينبغي أن نذكر الروايات الذي رأيناها في هذا الباب حتى يظهر عليه الحال:

فمنها: ما رواه التهذيب في زيادات باب الأغسال في الصحيح عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال

سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يواقع أهله أ ينام على ذلك؟ قال: إن الله يتوفى الأنفس في منامها، و لا يدري ما يطرقه من البلية، إذا فرغ فليغتسل، قلت أ يأكل الجنب قبل أن يتوضأ؟ قال إنا لنكسل و لكن ليغسل يده، و الوضوء أفضل.

و منها: ما رواه أيضا في باب حكم الجنابة في الحسن عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال

الجنب إذا أراد أن يأكل و يشرب غسل و تمضمض و غسل وجهه و أكل و شرب

، و هذه الرواية في الكافي أيضا في باب الجنب يأكل و يشرب.

447

و منها: ما رواه أيضا في هذا الباب و الكافي أيضا في الباب المذكور عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال

لا بأس بأن يختضب الرجل و يجنب و هو مختضب و لا بأس بأن يتنور الجنب و يحتجم و يذبح و لا يذوق شيئا حتى يغسل يديه و يتمضمض، فإنه يخاف منه الوضح.

و منها: ما رواه الفقيه في باب غسل الجنابة قال: و قال أبو جعفر عن أبيه (عليه السلام)

إذا كان الرجل جنبا لم يأكل و لم يشرب حتى يتوضأ

، و قال أيضا

و روى أن الأكل على الجنابة يورث الفقر

، و روى أيضا في باب ذكر جمل من مناهي رسول الله صلى الله عليه و آله عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال

نهى رسول الله عن الأكل على الجنابة و قال إنه يورث الفقر.

هذا ما رأينا من الروايات، و لا يخفى أنه لا يظهر من الأولى و الثانية إلا استحباب غسل اليد و الوضوء قبل الأكل، و كذا استحباب غسل اليد و المضمضة و غسل الوجه و لا يدلان ظاهرا على كراهة الأكل، اللهم إلا أن يقال بالفهم عرفا، نعم الروايات الأربع الأخير، سيما الأوليين منها و الأخيرة تدل ظاهرا عليها، و هي مع انضمامها بقول الأصحاب كما فيه في هذا الباب، ثم أنه يستفاد ظاهرا من الروايتين الأخيرتين كراهة الأكل قبل الغسل مطلقا،

448

و من الرواية السابقة عليهما ارتفاعهما بالوضوء، بناء على مفهوم الغاية، فإما أن تقيد الأولى بالثانية، أو يقال أن الوضوء يخفف الكراهة، و يفهم من رواية السكوني الكراهة قبل غسل اليدين و المضمضة و ارتفاعها بهما، و هي منافية ظاهرا لكل من الروايات السابقة، و دفع المنافاة بينها و بين الأخيرتين على قياس ما ذكر في دفع المنافاة المذكورة آنفا، و أما بينها و بين الرواية التالية لها، فإما بالحمل على التخيير بين الوضوء و بين غسل اليد و المضمضة، و إما بأن يقال إن لرفع الكراهة مراتب فالأولى الوضوء و بعده غسل اليد و المضمضة.

و أما حسنة زرارة فلا منافاة ظاهرا بينها و بين غيرها، نعم نفهم منها أن غسل اليد و المضمضة و غسل الوجه مما ينبغي على أن يفعل قبل الأكل، و ذلك أيضا يحتمل وجهين: إما أن يكون لرفع الكراهة مطلقا و يكون بدلا آخر للوضوء، فيكون حينئذ لرفع الكراهة ثلاث أمور: الوضوء و غسل اليد و المضمضة، و غسل الوجه و غسل اليد و المضمضة، أو يكون لتخفيف الكراهة و يكون بعد الوضوء ثم يجري الوجهان أيضا بينه و بين غسل اليد و المضمضة، و قس عليه حال الرواية الأولى و حال غسل اليد الواقع فيها بالنظر إلى ما في الرواية الأخرى، فالذي يقتضيه الاحتياط أن لا يؤكل و لا يشرب قبل الغسل،

449

و لو أكل أو شرب لأتى بالوضوء، و لو لم يتيسر، فيغسل اليد و يتمضمض و يغسل الوجه، و إن لم يتيسر فغسل اليد و المضمضة، و إلا فغسل اليد وحده، و لا يبعد أن يقال بضم الاستنشاق أيضا إلى المضمضة في الصورتين- كما ضمه الأصحاب- بناء على أن المراد بالمضمضة الواقعة في الخبر هما معا و إنما اكتفى به وحده لما يكتفي كثيرا في ذكر أمرين يتعارف اقترانهما بأحدهما.

و بما ذكرنا ظهر أن ما نقلنا أنه المشهور لا دليل عليه أصلا مما وصلنا إليه، و كذا ما ذهب إليه العلامة- (رحمه الله)- و ما ذهب إليه المحقق في المعتبر يدل عليه رواية السكوني لكنه- (رحمه الله)- استدل عليه بحسنة زرارة، و لا يخفى ما فيه، و أما ما قاله الصدوق، فلا دليل عليه أيضا إلا أن يؤول التأويل المذكور آنفا في رواية السكوني، فتكون حينئذ مستندا له.

فإن قلت: على تقدير كراهة الأكل و الشرب قبل الغسل مطلقا أو قبل الوضوء على ما تحمل ما في صحيحة عبد الرحمن المذكورة من قوله (عليه السلام)

إنا لنكسل

لأنه ينافي مرتبة الإمامة.

قلت: قد حمله بعض علمائنا على أنه (عليه السلام) قد تكلم بلسان الحاضرين أي

450

أنكم لتكسلون، و يمكن أن يقال: المراد أنا لنكسل عن الأكل و لم نتسارع إليه قبل الغسل، هذا ثم إنه هل يكفي الإتيان بالمأمور المذكور مرة واحدة، أو لا بد عند كل أكل مع الفصل الكثير بين الأكلين، أو مع تخلل الحدث، أو مع التعدد عرفا؟ الكل محتمل، و الأول أظهر، و الأخير أحوط، و الأحوط أيضا أن لا يتراخى بينهما كثيرا على وجه لا يبقى بينهما ارتباط في العادة.

و أما النوم، فقد أجمع علماؤنا على جوازه للجنب و كراهته قبل الوضوء، و يدل عليه أيضا روايات.

أما الجواز: فيدل عليه ما رواه التهذيب في زيادات باب الأغسال في الصحيح عن سعيد الأعرج قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول

ينام الرجل و هو جنب و تنام المرأة و هي جنب

، و ما رواه أيضا في هذا الباب في الموثق عن سماعة قال

سألته عن الجنب يجنب ثم يريد النوم قال: أن أحب أن يتوضأ فليفعل، و الغسل أفضل من ذلك، و إن هو نام و لم يتوضأ و لم يغتسل فليس عليه شيء إن شاء الله تعالى

، و هذه الرواية في الكافي أيضا في الباب المتقدم، أما صحيحة عبد الرحمن المتقدمة فمحمولة على الاستحباب.