الاجتهاد و التقليد

- الوحيد البهبهاني المزيد...
484 /
481

بل لغتنا لا يمكن ذلك فيها، فكيف لغة الغير؟! مثلا: إذا سمعنا المداوى بماء الشّعير فلا يمكننا أن نقول هو الماء و الشعير كيف كانا، أو الممزوج منه كيف كان، و كذا الحال في المفرّح الياقوتي، و أمثال ذلك من الأدوية المركّبة، بل المفردة أيضا مثل: ماء الجبن، و غير ذلك.

فإذا كان لغتنا لا يمكن ذلك، فكيف الحال في تلك اللّغات؟! فإذا كانت اللّغات العامّة لا يمكن ذلك فيها، فما ظنّك بالاصطلاحات الخاصّة، و المجازات المستعملة؟! إذ كلّما كان الشيء أخصّ كان توغّله في الإبهام أزيد، و عدم معرفته أشدّ.

و إذا كانت الاصطلاحات الخاصّة كذلك فما ظنّك بالعبارات التوقيفية على خصوص الشرع ليس إلاّ. و المراد من التوقيفيّ: ما أحدثه الشرع خاصّة، و لو كان غير العبادة أيضا كذلك كان أيضا كذلك، إلاّ أنّه لم يوجد منه كما مرّ.

و جزء العبادة ربّما يكون توقيفيّا كالرّكوع، و السّجود، و ربّما لم يكن كالقيام، و القعود، في الصّلاة، و كذا شرطها: كالطّهارة من الحدث، و غسل الخبث. و أصل العدم يجري في غير العبادات، و إن كان جزء العبادة أو شرطها، إن لم يحتمل كون المنفيّ بهذا الأصل جزءا على حدة في نفس العبادة، و معتبرا في تحقّق ماهيّتها بملاحظة وفاق أو غيره من الأدلّة.

و يدلّ أيضا على عدم جريان أصل العدم في اللّغات- لغات العبادة و غيرها- (أنّ الأصل عدم كلّ شيء)، فكيف يستدلّ به على ثبوت كون شيء معنى اللفظ؟! مع أنّ ذلك الشيء يكون الأصل عدم كونه أيضا معناه، إذ لم يكن قبل الوضع معناه قطعا، و بعد الوضع لم يكن فرق بينه و بين ما تنفيه بالأصل، بل إذا كان المنفيّ جزءا واحدا، و المثبت أجزاء متعدّدة،

482

فكيف يغلب الأصل الواحد أصولا متعدّدة؟! لأنّ كلّ جزء يكون الأصل عدمه.

فإن قلت: ما تقول في جريانه في الموضع الّذي ثبت- من إجماع أو غيره- دخول تلك الأجزاء في المعنى و اعتبارها فيه فيكون النّزاع في خصوص جزء أو أزيد؟ مثلا بالإجماع ندري تسعة أجزاء فيه، و النزاع في جزء واحد، و أنّ المعنى عشرة أو تسعة، فنقول: التّسعة ثبتت بالإجماع، و الواحد ينفيه الأصل، فيكون تسعة.

قلت: (الشيء ما لم يتشخّص لم يوجد) بالبديهة، و مسلّم ذلك عند الكلّ، فما لم يوجد يكن (1) باقيا على العدم الأصليّ و لم يثبت خلاف العدم فيه، فالمعنى ما لم يتعيّن لم يكن موضوعا له و لا مستعملا فيه بالبديهة، بل يكن باقيا على الحالة السّابقة على الوضع و الاستعمال.

فإن أردت أنّ المعنى تسعة أجزاء- أعمّ من أن يكون الجزء العاشر جزءا من ذلك المعنى، بحيث لو لم يكن لم يكن المعنى تامّا، و أن لا يكون جزءا أصلا، بل يكون خارجا عن المعنى، و تمام المعنى بتلك التسعة من الأجزاء- فغلط واضح و تناقض محال.

و إن أردت أنّ المعنى تسعة أجزاء بحيث لا يكون للعاشر مدخليّة فيه أصلا، و لم يكن تمام المعنى به، بل بتلك التسعة، و إن كنّا قبل ملاحظة الأصل نجوّز الأوّل أيضا، إلاّ أنّه ظهر لنا من الأصل أنّه الثّاني.

ففيه أنّه كما كان قبل الوضع لم يكن العاشر معتبرا في معناه من جهة أنّه لم يكن وضع أصلا، لكن بعد الوضع بقي العاشر على العدم الأصليّ،

____________

(1) في الأصل:. يكون باقيا.، و ما أثبتناه هو الصحيح.

483

و كذلك التسعة بالنّحو الّذي ذكرت لم يكن قبل الوضع معناه قطعا، فكذا بعد الوضع بعين ما ذكرت، و ثبوت القدر المشترك بينها و بين العشرة لا يعيّن ما ذكرت، لأنّ العامّ لا يدلّ على الخاصّ، و تحقّق القدر المشترك لا يقتضي تحقّق خصوص فرد إذ التسعة التي ذكرت فرد من القدر المشترك الثابت، قسم التسعة التي تكون مع العاشرة. و الأصل كما يقتضي عدم خصوص فرد يقتضي عدم الآخر الّذي هو قسيمه.

على أنّ كلّ قسيم يتضمّن فصلا أو قيدا يتقوّم به و يتميّز به و بسببه عن قسيميه، يكون الأصل عدم ذلك الفصل و القيد، و إن كان مثل السّاذجيّة في التصوّر السّاذج الّذي هو قسيم التصوّر مع الحكم.

على أنّ الحادث الثابت من الإجماع مثلا: هو الوضع، أو تجويز النّوع، أو الإرادة في الاستعمال، و كلّ واحد منها شخص واحد من الحادث لا تعدّد فيه، سواء تعلّق ببسيط أو مركّب، قليل الأجزاء أو كثيرة. و التّركيب و زيادة الجزء في المتعلّق لا يصير منشأ لتعدّد الوضع و الإرادة كلفظ تسعة و لفظ عشرة، و ليس الوضع في لفظ العشرة متعدّدا: وضعا للتّسعة، و وضعا للواحد، إذ لو كان كذلك لزم أن يكون وضع لفظ العشرة عشرة أوضاع، بل عشرين، لأنّ نصف الواحد جزؤه، فيكون جزء الموضوع له، بل ثلاثة أيضا جزؤه، فيكون ثلاثين وضعا، و ربعه أيضا جزؤه، فيكون أربعين وضعا، و هكذا فيكون آلاف ألف وضع، بل لا نهاية للوضع، لعدم انتهاء الجزء و استحالة الجزء الّذي لا يتجزأ، و هو بديهيّ البطلان.

فظهر أنّ زيادة جزء الموضوع له لا يصير سببا للزّيادة في الوضع، فلا يكون الأصل عدم كون الوضع للمركّب بالقياس إلى الوضع للبسيط، و هكذا، بل لو صارت منشأ لزيادة الوضع كمّا أو كيفا- مع كون الوضع

484

حادثا- لا نسلّم أن يكون الأصل عدمه بالقياس إلى غير الواحد كذلك.

مثلا: إذا سمعنا صوت رجل في دار علمنا وجود رجل أمّا أن يكون أصغر ما يكون من الرّجال و أقصر- لأنّه أقلّ ما يكون من الرّجال، و الأصل عدم زيادة الجثّة أو الطّول أو غيرهما- فلا، و هو ظاهر. و حقّقناه في رسالتنا في الاستصحاب ردّا على من يقول: الأصل عدم البلوغ كرّا في الماء الموجود دفعة.

نعم فيما يوجد قليلا قليلا على سبيل التدريج يكون الأصل كما قال:

لأنّه موجودات متعاقبة و حوادث متعدّدة.

ثمّ اعلم أنّ توقيفيّة العبادات إنّما هي إذا ثبتت المطلوبيّة بألفاظ لا يعرف معناها إلاّ من الشّرع، لأنّها إمّا اصطلاح منه خاصّة: و كلّ لفظ في اصطلاح إنّما يرجع في معرفة معناه و ماهيّة ذلك المعنى إلى صاحب ذلك الاصطلاح. و إمّا مجاز: و قد عرفت أنّ معناه لا يعرف إلاّ من قرينة معيّنة نصبها المستعمل تدلّ على ما هو في قلبه و ذهنه، سيّما و أن يكون المجاز من المجازات الغريبة التي لم تتحقّق أصلا و رأسا في عصر أو مصر، و لا عند قوم أو جماعة و لا عند آحاد أيضا إلاّ عند الشارع و منه.

فلو قال الشّارع- من أوّل تكليفه بالغسل- مثل: اغسل رأسك و عنقك، ثمّ اغسل يمينك ثمّ شمالك من أوّلهما إلى آخرهما بقصد الطّاعة للّه لما كان هناك توقيف أصلا لفهمنا جميع ذلك من أوّل الأمر كالمعاملات.

و كذا إذا كان المثبت للتكليف هو الإجماع كما عرفت.

و كذا إذا كان هناك عموم أو إطلاق بحيث يصلح أن يكون نصّا و بيانا.

485

و كذا إذا فعل (1) فعلا ابتداء و اطّلعنا على ذلك الفعل، و أنّه عبادة، فالأصل براءة الذمّة عن الوجوب، فهو مستحبّ كما عرفت.

و ممّا ذكر ظهر أنّ ما صدر من البعض (2) من التمسّك بالأصل- فيما هو داخل في العبادة عند الخصم المنازع و إبطال مذهبه به، مجرّد توهّم- مع تصريحه (3) بأنّ العبادة توقيفيّة موقوفة على نصّ الشارع، و أمثاله من العبادات.

بل مع بنائه على عدم الفتوى من أوّل الفقه إلى آخره إلاّ من نصّ الشارع، حتّى مع ورود المطلقات منه، مثل: الاقتصار على هيئة أفعل في «اللّه أكبر» كما قلناه إلى غير ذلك.

و أعجب منه، عدم كون الاستصحاب حجّة عنده، مع أنّ أصل العدم استصحاب [1] حال العدم، يجري فيه ما ذكره عند منعه حجّيّة الاستصحاب.

لكنّ الظاهر أنّ هذا البعض لا يتمسّك به إلاّ للتأييد حيث يكون له مستند يعتمد عليه، كما يتمسّك بالخبر الضّعيف و الاعتبار و غيرهما من المؤيّدات الّتي ليست بحجّة عنده جزما، كما هو طريقة سائر الفقهاء، حتّى أنّهم يذكرون القياس- في مقام التأييد- و الاستحسان أيضا، مع تصريحهم بحرمة الاحتجاج بهما كما لا يخفى.

____________

[1] أي إذا فعل المعصوم (عليه السلام) فعلا بلا بيان قولي لاستحبابه أو وجوبه، و كان الفعل عبادة.

____________

(1) هو المولى محمّد أمين الأسترآبادي، راجع الفوائد المدنيّة: 16.

(2) أي هذا ينافي توقيفية العبادة حيث إنّ اجزاء العبادة نفيا و إثباتا متوقّفة على نصّ الشارع.

(3) الفوائد المدنيّة: 17.

486

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

487

فائدة (31) [حجّية خبر الواحد الضعيف المنجبر]

اتّفق المتقدّمون و المتأخّرون من القائلين بحجّية خبر الواحد على أنّ الخبر الضّعيف المنجبر بالشّهرة و أمثالها حجّة، بل استنادهم إلى الضّعاف أضعاف استنادهم إلى الصّحاح، بل الضّعيف المنجبر صحيح عند القدماء من دون تفاوت بينه و بين الصحيح، و لا مشاحّة في الاصطلاح، إلاّ أنّ اصطلاح المتأخّرين أزيد فائدة، إذ يظهر منه ثمر قواعد:

و هي أنّ كلّ خبر العدل حجّة إلاّ أن يمنع مانع، و خبر غير العدول بخلافه و عكسه. و خبر الموثّقين عند من يقول بأنّه مثل الصّحاح مثل الصحاح و عند من يقول بأنّه الضّعاف مثل الضّعاف، و كذا الحال في الحسان.

لكن كلّهم اتّفقوا على كون المنجبر حجّة، بل معظم الفقه من الأخبار الغير الصّحيحة بلا شبهة، بل الطّريقة فيه: أنّه عند معارضة الضعيف المنجبر

488

مع الصّحيح الغير المنجبر يرجّح ذلك الضّعيف على ذلك الصّحيح، كما ستعرف، و ستعرف وجهه أيضا.

و المحقّق في (المعتبر) (1) بالغ في التشنيع على من اقتصر على الصّحيح.

و العلاّمة في (الخلاصة) بنى على حجّيّة الخبر الغير الصحيح، و بنى خلاصته على القسمين في القسم الأوّل من أوّله إلى آخره.

و جميع تأليفات جميع الفقهاء مبنية على ذلك، بل ضعافهم أضعاف الصّحاح إلاّ النّادر من المتأخّرين، بل النّادر أيضا في كثير من المواضع عمل بالمنجبر، مصرّحا بأنّه و إن كان ضعيفا إلاّ أنّه عمل به الأصحاب، مثل:

حكم من أدرك ركعة من وقت الصّلاة و غيره، و إن كان في بعض المواضع يناقش: بأنّ العدالة شرط في حجّية الخبر الواحد، و المشروط عدم عند عدم شرطه.

و لا شكّ في فساد المناقشة، لاقتضائها سدّ باب إثبات الفقه بالمرّة، إذ لا شبهة في أنّ عشر معشار الفقه لم يرد فيه حديث صحيح، و القدر الّذي ورد فيه الصّحيح لا يخلو ذلك الصّحيح من اختلالات كثيرة بحسب السّند، و بحسب المتن، و بحسب الدّلالة، و من جهة التعارض بينه و بين الصّحيح الآخر، أو القرآن، أو الإجماع، أو غيرهما- كما أشرنا إليه في الفوائد و ظهر لك من التأمّل فيها، و في الملحقات أيضا إلى هنا- و بدون العلاج كيف يجوز الاحتجاج به؟! و كذا إذا لم يكن العلاج حجّة.

و كون العلاج هو الخبر الصّحيح أو مختصّا به بديهيّ البطلان، إذ لا شكّ في أنّ العلاج هو ظنّ المجتهد و لا خصوصيّة له بالصّحيح، بل ظنّه من الخبر

____________

(1) المعتبر: 29.

489

المنجبر بالشّهرة أقوى من الصّحيح الغير المنجبر بمراتب شتّى، كما ستعرف.

و كون العدالة شرطا: إن كان من قول الأصحاب فقد عرفت الاتّفاق على العمل بغير الصّحيح أيضا، بل ضعيفهم أضعاف صحيحهم، إلى غير ذلك ممّا أشرت. و إن كان من ظاهر إطلاق كلام البعض في كتب الأصول، فالظّاهر لا يقاوم المحسوس بالبديهة.

و التّوجيه أنّ مرادهم بحسب الأصل و من دون حاجة إلى التبيّن، إذ بعد التبيّن خبر الفاسق أيضا حجّة عندهم بلا شبهة، و يظهر من كلامهم في الأصول أيضا.

و البناء على أنّ التبيّن لا بدّ أن ينتهي إلى اليقين، دون العدالة الّتي هي شرط- إذ يكفي فيها أيّ ظنّ يكون من المجتهد- فتحكّم، لأنّه تعالى اعتبر في قبول الخبر أحد الشيئين: إمّا العدالة أو التبيّن، و لم يثبت من الأدلّة، و لا أقوال العلماء أزيد من هذا، فالاكتفاء في أحدهما بأيّ ظنّ يكون دون الآخر فيه ما فيه. و المدار في التعديل على ظنون المجتهد- كما عرفت-، لأنّ التّعديل المعتبر من القدماء- إلاّ ما شذّ- و لم يظهر مذهبهم في العدالة أنّها الملكة، أو حسن الظّاهر، أو عدم ظهور الفسق، مع أنّ الأوّل خلاف ما يظهر من القدماء، و كذا لم يظهر أنّهم أيّ شيء اعتبروا في العدالة، و أنّ عدد الكبائر عندهم أيّ قدر، إلى غير ذلك ممّا وقع فيه الخلاف.

مع أنّهم يوثّقون الإماميّ بمثل ما يوثّقون غيره، حتّى أنّهم يوثّقون الغالي و أمثاله كتوثيق الإماميّ، و كثيرا ما لا يتعرّضون لرداءة مذهب الرّواة اتكالا على الظهور أو غيره، بل هذه طريقتهم في الغالب، مع أنّه قلّما يسلم جليل عن قدح، أو خبر يدلّ على ذمّه، فلا بدّ من التّرجيح أو الجمع، و لا يتأتيان إلاّ بظنون المجتهد.

490

و كذا الحال في تعيين المشترك، إلى غير ذلك، مثل: أنّه ربّما يقع في الطّريق سقط أو تبديل أو تصحيف و أمثال ذلك، و العلاج غالبا بالظّنون، بل ربّما كانت ضعيفة كما لا يخفى على المطّلع، بل لا نسبة بين هذه الظّنون و بين ما هو مثل الشّهرة بين الأصحاب كما سنشير إليه.

و الحاصل أنّ معاصري الأئمّة (عليهم السلام) و قريبي العهد منهم كان عملهم على أخبار الثقات مطلقا و غيرهم بالقرائن، و كانوا يردّون بعض الأخبار أيضا لما ثبت بالتواتر من أنّ الكذّابة كانوا يكذبون عليهم (عليهم السلام)، لكن خفي علينا الأقسام الثلاثة، و لا يمكننا العلم بها كما مرّ في الفوائد، كما أنّ نفس أحكامهم أيضا خفيت علينا كذلك، و انسدّ طريق العلم، فالبناء على الظنّ في تميّز الأقسام، كما أنّ البناء في نفس أحكامهم أيضا عليه، و الدّليل في الكلّ واحد كما مرّ هناك.

و ممّا ذكر ظهر فساد ما قيل: من أنّ الشّرط في حجّيّة المنجبر أن يظهر كون عمل المشهور على نفس ذلك الخبر لا ما يطابقه، لأنّ المدار إذا كان على حصول الظنّ بصدق ذلك الخبر من جهة التبيّن، فلا جرم يكون الحجّية دائرة مع تلك المظنّة، و لا شكّ في حصولها من الموافقة لما اشتهر بين الأصحاب، لظهور كونه حقّا، و الموافق للحقّ حقّ. نعم لو تضمّن ما زاد على ذلك لحصل الإشكال في الزّائد.

ثمّ إنّه ظهر من جميع ما ذكر فساد ما ذكره في المدارك: من أنّ الشّهرة إن بلغت حدّ الإجماع فهو الحجّة، لا الخبر، و إلاّ فأيّ فائدة فيها؟! مضافا إلى أنّ الإيمان و الإسلام و العدالة و غيرها شرط في كون الخبر حجّة عنده، مع أنّ شيئا منها ليس بحجّة وحده، و ليس الخبر حجّة بدونها، لكونها شرطا فيها. و كذا الحال في جميع الظنون الاجتهاديّة المتعلّقة سند

491

الخبر و متنه و دلالته و رفع تعارضه و غير ذلك، إذ ليست حجّة ما لم تتعلّق بالأدلّة الخمسة، و الأدلّة لا تكون حجّة بدون تلك الظّنون، و قس على ذلك شرائط سائر الأدلّة مع تلك الأدلّة.

و ممّا ذكر ظهر أيضا أنّه إذا وقع التّعارض بين الضّعيف المنجبر بالشّهرة و الصحيح الغير المنجبر، يكون الضّعيف مقدّما عليه، كما هو طريقة القدماء و أكثر المتأخّرين- كما لا يخفى على المطّلع و التنبيه على مواضع تقديمهم إيّاه عليه يوجب بسطا طويلا غاية الطّول- خصوصا بعد ملاحظة أنّ العدالة عندهم شرط في قبول الخبر، فمع وجود الشّرط في الصّحيح، و عدمه في الضّعيف لا يعدلون منه إليه إلاّ لداع عظيم، بعد ملاحظة كونهم من أهل الخبرة و المهارة و قرب العهد بالأئمّة (عليهم السلام)، و كونهم مشايخ الإجازة، و مؤسّسي مذهب الشيعة، و متكفّلي أيتام الأئمّة (عليهم السلام) بعد الغيبة، و فقهاء الشيعة في الحضور و الغيبة، و مجدّدي دين الرّسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في كلّ قرن و رأس كلّ مائة، و حجج اللّه على العباد بالنّصّ من الأئمّة (عليهم السلام)، و الحكّام عليهم بنصّهم (عليهم السلام) في مقبولة ابن حنظلة و رواية أبي خديجة، إلى غير ذلك ممّا ورد في شأنهم أو ظهر من حالتهم، و خصوصا بعد ملاحظة تحريمهم التّقليد على المجتهد، و إيجابهم استفراغ الوسع و أمرهم بالاحتياط و مبالغتهم فيه و في الاهتمام به و عدم المسامحة.

هذا مع نهاية كثرتهم و موافقة كلّ منهم الآخر، مع غاية الاختلاف بينهم في تأسيس الأصول، و تفريعهم الفروع، بل الواحد منهم كثر اختلافه في الفقه فكيف المجموع؟! إلى غير ذلك ممّا ذكرنا في حجّيّة إجماعهم في (الفوائد) و (الرّسالة)، فلاحظ و تأمّل جدّاً.

492

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

493

فائدة (32) [عدم جواز التقليد في أصول الدين]

الاجتهاد و التّقليد إنّما يتمشّيان في الأمور التّكليفية، و التي وقع الحاجة إلى معرفتها، و مع ذلك يكون باب العلم إلى معرفته مسدودا، و يكون الطّريق منحصرا في الظنّ، و لو لم يكن أحد هذين الشّرطين لم يجز فيه الاجتهاد و التّقليد عند المجتهدين.

أمّا جريانهما فيما اجتمع فيه الشرطان فواضح، و عرفت أيضا. و إذا انتفى الشرط الأوّل فعدم الجريان واضح أيضا، لعدم داع إلى اعتبار الظنّ، مع كون الأصل فيه عدم الاعتبار، و كونه مذموما شرعا، و منهيّا عن العمل به، كما عرفت في الفائدة الأولى.

و أمّا إذا انتفى الشرط الثاني: بأن يكون باب العلم غير مسدود فيه:

كأصول الدّين، و موضوعات الأحكام الّتي ليست من قبيل الألفاظ و القرائن

494

و المرجّحات الاجتهاديّة الّتي يعرف بها الأحكام من الكتاب و السنّة و ما يتوقّف عليها.

أمّا أصول الدّين فلا شكّ في عدم انسداد باب العلم فيها كما بيّن في الكلام، و ظهر منه، مع أنّه مع الانسداد كيف يكون الخاطئ فيه غير معذور، مع أنّ الخطأ غير مأمون على الظنون، و لا معنى للظنّ إلاّ بأن يجوز خلافه، مع أنّه لو كان ظنّيّا فلا وجه لجعله من أصول الدّين و سائر الظنيّات فروعه.

و لما ذكرنا اجتماع الشيعة على عدم جواز التّقليد في أصول الدّين الخمسة.

و ما صدر من البعض غفلة قد عرفت حاله.

و أمّا تلك الموضوعات، مثل: صيرورة شيء نجسا بملاقاة النّجاسة، أو طاهرا بالمطهّر الشرعي، أو حراما بعروض المحرّم، أو حلالا بطروّ المحلّل، أو كون الرّجل عادلا ليصلّى خلفه، إلى غير ذلك من أمثال ذلك ممّا يكن العلم به بالمشاهدة، أو الخبر المحفوف بالقرينة، أو التّواتر، فلا يجري فيها الاجتهاد و التّقليد.

و ربّما جوّز الشارع ثبوتها بالظنون الشرعيّة أيضا مثل: شهادة العدلين، أو كونه في اليد، أو القسم، أو الإقرار، أو الظنّ بدخول وقت الصلاة مثلا مع عدم إمكان العلم، و أمثال ذلك، و هذه ليست بظنون اجتهادية و تقليديّة، بل أمور خاصّة صدرت من الشرع بخصوصها إمّا للقاضي من حيث هو قاض، أو للكلّ مثل: الظنّ بدخول الوقت و أمثاله.

و بالجملة هذه الموضوعات لا يجري فيها الاجتهاد و التّقليد لما عرفت من أنّ المجوّز لهما، و المبيح إيّاهما، ليس إلاّ اجتماع الشرطين جميعا لما عرفت وجهه، و عرفت من الأدلّة و من كلام المجتهدين في موضوعه، و أشرنا إليه في الجملة.

495

فظهر أنّ ما قال بعض: من أنّ نجاسة المتنجّس- يعني انفعاله بملاقاة النّجاسة- يكفي فيها المظنّة- اشتباه منه لأنّ مقتضى الأدلّة اشتراط العلم، مثل قولهم (عليهم السلام): «كلّ ماء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر» [1]، و قولهم (عليهم السلام):

«كلّ شيء نظيف حتّى تعلم أنّه قذر» (1) إلى غير ذلك، و كون ظنّ المجتهد و تقليده يثمران ثمرة العلم إنّما هو بدلائل عرفتها، و كون موردهما ما اجتمع فيه الشرطان أيضا قد عرفت. و ليس فيما (2) نحن فيه منه قطعا، بل التّقليد إنّما هو في نفس الأحكام الشرعيّة، و الاجتهاد فيها و في الموضوعات و المرجّحات الّتي يتوقّف عليها تلك الأحكام، لا مثل ما نحن فيه و التّقليد لا يجري في الموضوعات مطلقا، و قد عرفت الوجه.

مع أنّ ما نحن فيه من ظنون المكلّفين من حيث أنّهم مكلّفون مثل:

الظنّ بدخول الوقت، لأنّ المجتهد لا يبذل جهده لتحصيل ظنّه بملاقاة

____________

[1] الوسائل 1: 99 كتاب الطهارة الباب 1، الحديث 2: «كل ماء طاهر إلاّ ما علمت انه قذر» و في ص 100 حديث 5: «الماء كلّه طاهر حتى يعلم انّه قذر» و في ص 106 الباب 4 من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة حديث 2 لكن ورد فيه «حتى تعلم» و ذكر الفيض (رحمه اللّه) في الوافي 1: كتاب الطهارة و التزين من باب الطهارة الماء و طهوريته الحديث 2 ب(يعلم) و (تعلم) عن الكافي بإسنادين و عن الفقيه بإسناد واحد و عن التهذيب بإسنادين كما ذكره الميرزا النوري (رحمه اللّه) في مستدركه 1: كتاب الطهارة الماء المطلق الباب 1، أنّه طاهر مطهر الحديث 7 عن الصدوق في الهداية و في الباب 4 عن القطب الراوندي (رحمه اللّه) في فقه القرآن و ورد فيها ب(تعلم) و هذا هو أقرب نصّ إلى ما في المتن و في الجميع (الماء كلّه.). و ليس في واحد منها: (كل ماء) كما في المتن.

____________

(1) الوسائل 2: 1054، كتاب الطهارة الباب 37 من أبواب النجاسات، الحديث 4.

(2) كذا في الأصل لكن الظاهر أنّ الصحيح هو و ليس ما نحن فيه منه قطعا.

496

النّجاسة، فيعمل به، و يفتي مقلّده، و يأخذ بقوله من دون اطّلاع منه أصلا، أو من غير اعتماد منه إلاّ على ظنّ مجتهده.

على أنّه لو اتّفق أنّ مجتهدا فعل كذلك، و قلّده مقلّده بالنّحو الّذي ذكر فلا نسلّم جريان الاجتهاد و التقليد و صحّتهما في المقام، لعدم الدّليل، بل لدليل العدم. فما لم يثبت من الشّرع فيه جواز التعويل على الظنّ لا يجوز التعويل عليه، و إن ثبت جاز، كما هو الحال في الظنّ بدخول الوقت.

و أمثاله.

و ممّا ذكر ظهر فساد توهّم بعض آخر حيث لم يجوّز ثبوت نجاسة شيء أو ماء بالظنون الاجتهاديّة معلّلا بأنّها ظنون، و الوارد في الأخبار اشتراط العلم بالنّجاسة، مثل: نجاسة الماء القليل بملاقاة النّجاسة، لأنّ ظنّ المجتهد و تقليده يثمران ثمر العلم، لما عرفت من الأدلّة. مع أنّ مقتضى الآيات و الأخبار و غيرهما عدم جواز التّعويل على غير العلم- كما مرّ في إثبات أصل البراءة في الفائدة الأولى- فلو لم يثمر ثمر العلم لم يثبت تكليف أصلا، و لا حكم مطلقا في غير ضروريّات الدّين أو الإجماع اليقينيّ أو اليقين العقليّ.

و أمّا الموضوعات الّتي يتوقّف عليها معرفة الأحكام فحالها حال الأحكام- إلاّ أنّه لم يجر فيها التّقليد- بل انسداد باب العلم فيها مع شدّة الحاجة إليها أظهر.

و لذا وافق الأخباريّون المجتهدين في جريان الاجتهاد فيها مع مخالفتهم إيّاهم في نفس الأحكام. نعم منعوا الحاجة إلى علم الرّجال، بل و إلى العلوم اللّغويّة أيضا، و كذا إلى أصول الفقه و غيرهما، و هذا غير الحاجة إلى معرفة الموضوعات عندهم، و إن كانوا خاطئين في ذلك خطأ عظيما

497

واضحا غاية الوضوح، و أشبعنا الكلام في رسالتنا في «الاجتهاد» و «الأخبار».

498

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

499

فائدة (33) [الوظائف المحوّلة للمجتهد]

المجتهد و الفقيه و المفتي و القاضي و حاكم الشّرع المنصوب عبارة الآن عن شخص واحد، لأنّه بالقياس إلى الأحكام الشّرعية الواقعيّة يسمّى مجتهدا، لما عرفت من انسداد باب العلم.

و بالقياس إلى الأحكام الظاهريّة يسمّى فقيها، لما عرفت من كونه عالما بها على سبيل اليقين.

و بالقياس إلى أنّه يفتي يسمّى مفتيا.

و بالقياس إلى أنّه يرفع خصومة المترافعين إليه يسمّى قاضيا.

و مع قطع النّظر عن الترافع إليه يسمّى حاكم الشّرع بالنسبة إلى مثل:

ولاية الأيتام، و الغائبين، و غير ذلك ممّا لا يحصى كثرة، و مذكورة في الفقه.

و بالقياس إلى شرائط الاجتهاد يسمّى محدّثا متكلّما أصوليّا رجاليّا إلى

500

غير ذلك.

ثمّ اعلم أنّ أحواله بالنّسبة إلى الأسامي ربّما تتفاوت تفاوتا ظاهرا، فإنّ المجتهد منصبه العمل بالأدلّة الشّرعيّة لنفس الأحكام، و كذا موضوعاتها الّتي يتوقّف عليها ثبوت الأحكام، و يجوز للعامّي تقليده في الأوّل دون الثاني.

و عرفت أنّ الاجتهاد و التّقليد إنّما يجريان فيما يجب العمل به، و يحتاج إليه و ينسدّ باب العلم بمعرفته.

و أيضا لا يجوز للمجتهد تقليد المجتهد، نعم ربّما يستند إلى قوله من باب التأييد و المرجّحات الاجتهاديّة، فلا يكون مقلّدا.

و كذا استناده إلى قول علماء الرّجال و اللّغة و أمثالهما ليس تقليدا، لأنّه لا يستند بمجرّد قولهم حتّى يكون تقليدا، بل يبذل الجهد في أنّه هل له معارض أم لا؟ فإذا وجد المعارض يبذل جهده في التّرجيح و الجمع، و يبذل جهده في معرفة كون التّرجيح أو الجمع حجّة أم لا، و بعد معرفة الحجّة يبني عليها، و إذ لم يجد المعارض بنى على أصل العدم، و الظاهر كونهما حجّة، و كذا كون الاستناد إلى كون أقوال هؤلاء حجّة، فإذا علم حجّية الكلّ يعمل، فهذا ليس بتقليد.

و أيضا قد عرفت أنّ الشّيعة بحسب الظّاهر متّفقون على عدم جواز تقليد الميّت من المجتهد، عكس العامّة، فإنّ المشهور و المعروف بينهم جوازه.

هذه (1) أحوال المجتهد من حيث هو مجتهد، و ليست منحصرة فيما ذكر، بل ربّما يوجد غيره، فتتبّع مظانّه تجد منها أنّ كلامه حجّة على من قلّده،

____________

(1) في الأصل: (هذا).

501

و يجب على مقلّده العمل بقوله خاصّة، دون مجتهد آخر لا يعتقد به، فلا يقلّده، و مع وجود الأعلم الأفقه يتعيّن تقليده، و مع التّساوي يتخيّر. إلى غير ذلك.

و أمّا القاضي فشأنه القضاء في موضوعات الأحكام، فيكون عمله على الشّاهد و اليمين و النّكول و الإقرار و اليد و أمثالها، لا الأدلّة الخمسة الّتي هي مستند الفقيه.

و يجوز للمجتهد الترافع إليه، بل قد يجب، مع أنّه يجز له تقليد المجتهد، كما عرفت. و كذا الحال في غير المجتهد سواء كان مقلّده أم لا، فحكمه ماض على المجتهد و العاميّ المقلّد له، و غير المقلّد له، لأنّ من بلغ رتبة القضاء فهو منصوب من قبل المعصوم (عليه السلام) على سبيل العموم، فلا يوجد في هذه الأزمنة قاضي التحكيم. فتأمّل جدّاً.

و لأنّه لا يستقيم حكمه، و لا يصحّ إلاّ أن يكون كذلك، فإنّه لا بدّ من البيع و الشراء أو الانتقالات الأخر أو التصرّفات الأخر إلى غير ذلك.

و لأنّه نائب المعصوم (عليه السلام).

و أيضا بعد ما حكم به القاضي حكمه ثابت دائما، و إن مات، و حاله بعد موته كحاله في حياته بالنسبة إلى ما حكم به، و لا يموت حكمه بموته، و لا يجوز الترافع إلى الميّت، و لا يمكن، و لو قيل بجواز تقليد الميّت. هذا و غيره من الأحكام المختصّة بالقاضي المذكورة في موضعها.

و أمّا حاكم الشرع فقد أشرنا إلى أشغاله و مناصبه، و هي ممّا ينتظم به أمر المعاد و المعاش للعباد، و الظاهر أنّ حكمه مثل حكم القاضي ماض على العباد: مجتهدين أم مقلّدين: مقلّدين له أم لغيره. أم لا يكونون قلّدوا أحدا لاشتراك العلّة و هي كونه منصوبا من المعصوم (عليه السلام) و لأن حصول النظام

502

لا يكون إلاّ بذلك، و لأنّه نائب المعصوم (عليه السلام).

و المعروف من المتأخّرين: أنّ ثبوت الهلال من مناصبه فيثبت (1) عنده فيحكم بالصوم أو الفطر أو غيرهما.

و ربّما قيل: إنّ بعد الثبوت عنده يصحّ الصّوم أو الفطر أو غيرهما قبل تحقّق حكمه بذلك، و لا يتوقّف عليه.

و الدّليل على كونه من مناصبه: أنّ الأئمّة (عليهم السلام) كانوا يفعلون كذلك، يثبت عندهم فيأمرون المكلّفين بالصّوم و غيره.

و لأنّ الثبوت على كلّ مكلّف بشهادة العدلين عنده يوجب الحرج، سيّما مع عدم معرفته حكم الشّهادة و العدالة و غيرهما.

مع أنّ الفقهاء صرّحوا في كتاب القضاء: بأنّ الحكم بشيء من الشهادة، و العمل بالشهادة منصب الفقيه.

و لأنّه نائب المعصوم (عليه السلام)، و لو فعل المعصوم (عليه السلام) لكان صحيحا البتّة، فكذا نائبه.

و ربّما سمعنا من بعض العلماء، أو اطّلعنا على قوله: بعدم جواز التّقليد في ثبوت الهلال في الأمور المذكورة، لأنّه متعلّق بفعل المكلّف من حيث أنّه مكلّف، كالعلم بدخول الوقت، و أمثاله.

و لأنّه ربّما كان الظّاهر من الأخبار كون الحجّة هي الشّهادة خاصّة لا فتوى (2) الحاكم أيضا، و كون الاعتماد على خصوص الشّهادة لا على حكمه أيضا فتأمّل جدّاً.

____________

(1) م: فتثبت عنده و يحكم. ف: فثبت عنده فيحكم. و لعلّ ما أثبتناه هو الصحيح.

(2) ف: لا قبول الحاكم أيضا.

503

و لأنّ التقليد خلاف الأصل، و حرام حتّى يثبت المخرج، سيّما تقليد من لم يقلّده.

و يمكن الجواب عن الكلّ بما مرّ من الأدلّة، مضافا إلى أنّه بعيد غاية البعد أن يكون المشهور في عصر الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و الأئمّة (عليهم السلام) و من بعدهم من الفقهاء الخبيرين الماهرين القريبين للعهد منهم يدرون (1) في المحلاّت و البيوت ليشهدوا عند كلّ واحد من المكلّفين، أو يطّلع على شهادتهم، بحيث يعرفهم بالعدالة و استجماع الشرائط المعتبرة لقبول الشهادة، سيّما و أكثرهم النّساء و السّفهاء و غيرهم ممّن لا يتيسّر ذلك الاطّلاع بالحيثية المذكورة منهم البتّة، لو لم نقل كلّهم إلاّ الفقهاء.

بل لا يخفى على المتأمّل كون ما ذكر من القطعيّات، يعنى قطع أنّه لم يكن كذلك، سيّما بملاحظة أنه أمر يعمّ به البلوى، و يشتدّ به الحاجة، و يكثر وقوعه في الأزمنة بحسب العادة، فلو كان الشّهود يدارون (2)، أو يطّلع على شهادتهم بالحيثيّة المذكورة، لكون ذلك لازما، لاشتهر اشتهار الشّمس، مع أنّ الأمر بالعكس- كما ظهر لك- و فتوى المتأخّرين و عملهم أيضا في الأعصار و الأمصار على ما عرفت. و اللّه يعلم.

____________

(1) في ف: يدرون و لعله تصحيف من: يدورون.

(2) ف: يدرءون.

504

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

505

فائدة (34) [ردّ شبهة المانعين عن وجوب الاجتهاد]

شبهة أوردها المانعون عن وجوب الاجتهاد: بأنّ استفراغ الوسع إن أريد الوسع في جميع أوقات العمر، فلا يتحقّق رتبة الاجتهاد إلاّ عند الوفاة، و إنّ أريد في وقت التكليف و الحاجة إلى المسألة، فربّما كان في ذلك الوقت ما حصل شرائط الاجتهاد كلاّ أو بعضا، أو حصل على سبيل التّقليد، و أنتم لا ترضون به، لأنّه مركّب من الاجتهاد و التقليد الّذي تتحاشون عنه.

و إن حصل على سبيل الاجتهاد فالاجتهاد متفاوت، لأنّه يحتمل عند المحصّل أنّه لو استفرغ وسعه أزيد ممّا فعله لربّما ظهر له خلاف ما ظهر أوّلا، و أنتم أوجبتم شرائط الاجتهاد فرارا من هذا، و قلتم كيف يعتمد على ظنّه مع هذا؟! فمع كونه موجودا هنا فكيف اكتفيتم؟ و إن لم تكتفوا إلاّ باستفراغ ثان، فننقل الكلام إليه، و هكذا لعدم الانتهاء إلى العلم.

506

و إن بنيتم في الاكتفاء على الاعتماد على تصديق مجتهد و تجويزه فهو تركّب الاجتهاد و التقليد، مع أنّا ننقل الكلام إلى المجتهد المجوّز.

و الجواب أوّلا: بالنّقض: بأنّكم إن جوّزتم أنّ كلّ إنسان- سواء كان ذكرا أو أنثى، سفيها أو عاميّا أو أعجميّا قحّا، إذا فهم من الأحاديث شيئا بأيّ نحو فهم من غير جهة قاعدة و ضابطة بل بخلاف القاعدة، و إن فهم ضدّ المطلوب أو نقيضه، بل ربّما لم يكن رابطة لفهمه، بل رجما بالغيب- يكون فهمه حجّة يجب عليه العمل به، و لا يمكنه تقليد غيره- و لو في حكمه. بأنّ فهمه غلط فاسد جزما- فوا فضيحتاه، و لستم حينئذ أهلا للمكالمة و مستأهلين (1) للجواب.

و إن قلت: إنّه لا بدّ للفهم من اطّلاع على أمر و تتبّع و معرفة، ننقل الكلام إليه و نورده عليك حرفا بحرف، إلاّ أن تجوّز التركّب، و هو في الحقيقة تقليد لا اجتهاد، و الكلام فيه. مع أنّه لا يصدّقه مجتهد، و لا يجوّزه فقيه، لأنّ الشيعة بأجمعهم، بل أهل السّنة أيضا لا يجوّزونه، و بيّنّا بطلانه في رسالتنا في الاجتهاد. هذا مع أنّكم لا تجوّزون تقليد غير المعصوم (عليه السلام)، و التركّب ليس تقليد المعصوم (عليه السلام)، كما هو ظاهر.

هذا مع أنّ الّذي أورد الشبهة يعتبر في الفقاهة و فهم الحديث معرفة العلوم العربيّة و اللغويّة و التتبّع التامّ في الأحاديث و أمثال ذلك، فالنّقض عليه في غاية الشدّة.

و أيضا جميع العلوم و الحرف و الصّنائع- التي [هي] واجبة كفاية أو

____________

(1) م: و لستم حينئذ أهلا للمكالمة و متأهّلا للجواب. ف: و ليس حينئذ أهلا للمكالمة و مستأهلا للجواب. و ما أثبتناه في المتن هو الصحيح.

507

عينا، لنظم أمر المعاد و المعاش- هذه الشبهة واردة فيها: بأنّه إن لم يحتج إلى مهارة و خبرة و اطّلاع على ما تبتني عليه و تتوقّف عليه (1) فباطل بالبديهة، و لا يتحقّق نظم المعاد و المعاش، بل به يصير الفساد أزيد بلا شبهة. و معلوم أنّ علم الفقه أيضا من جملة تلك العلوم واجب عينا أو كفاية لنظم المعاد و المعاش، بل أشدّ مدخليّة فيه بمراتب شتّى، بل جميع تلك العلوم و الصنائع من شعبات الفقه و مسائله: أرى فسادها من فساد الفقه، كما مرّ في أوّل الفوائد.

و مع ذلك انّ جميع ما هو علم أو صنعة أو حرفة باقية على حالها من القول بلزوم المهارة و الخبرة، و الاطّلاع على ما تتوقّف عليه، أو عسى أن تتوقّف عليه. و كذا مراعاة الأساتيذ و احترامهم، و قبول قولهم، و كون الحقّ معهم، لأنّ الأساتيذ و أهل الخبرة و المهارة يسمعون فيها البتّة، و إن كان في نظر التلامذة أنّ ما قالوا ليس كذلك، إلاّ أنّهم يقولون: إنّهم أساتيذ هذا الفنّ، فالخطأ منّا، و من هذه يسمعون قولهم و يطيعونهم و يخدمونهم إلى أن يبلغوا مرتبة الأستاذيّة، و مع ذلك أستاذهم أسنادهم ما داموا في الحياة، و مع ذلك يعظّمونهم غاية التّعظيم، و إذا وقع كسر في خطّهم، أو غيره من صنائعهم لا يجبرونه، و يجعلون التصرّف في صنعهم، و إن كان خبيرا لكسرها دليلا على سلب التوفيق، و سوء الأدب، و موجبا لنكال شديد، من حيث كونهم أساتيذ، مع كون العلماء و الأساتيذ في الغالب كفّارا أو ضلاّلا أو فسّاقا، بل ربّما كان كفرهم أشدّ كفر، و فسقهم أعظم فسق، يعظّمونه من حيث الأستاذيّة، و يقبلون

____________

(1) في الأصل: (به).

508

قولهم بسبب الخبريّة، كما قال عزّ و جلّ وَ لٰا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (1).

بخلاف الفقيه، فإنّ الشيطان- لغاية عظم رتبته، و نهاية شدة ضرر الغلط فيه- ألقى في قلوب القاصرين: أنّه لو وافق أحد فهمه و فقهه فهم الفقهاء و فقههم يكون مقلّدا لهم، فلا بدّ من مخالفة الفقهاء، و عدم الموافقة لهم، و تخريب فهمهم و فقههم، حتّى يصير فقيها، و ربّما يطعنون عليهم و يسيئون الأدب معهم، مع أنّهم يرونهم أئمّة هذا الفنّ، و المؤسّسين له، و الماهرين الخبيرين القريبين لعهد الأئمّة (عليهم السلام) أو أقرب عهدا منهم بمراتب، و أعرف بجميع ما له دخل، و أزيد تتبّعا للأدلّة، أصحاب الكمالات النفسيّة، و أرباب القوى القدسيّة في حال صغر سنّهم فضلا عن الكبر، مع نهاية تقواهم و ورعهم و عدالتهم و قربهم إلى اللّه تعالى، إلى غير ذلك، مع نهاية كثرتهم، و زيادة حقوقهم، بحيث لولاهم لما كنّا نعرف الدّين و المذهب و الفروع و الأصول.

مع كونهم المجدّدين لدين الرّسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في رأس كلّ مائة، و المروّجين له في كلّ قرن، و المتكفّلين لأيتام الأئمّة (عليهم السلام) في زمان الغيبة، المستنقذين لهم من أيدي الأباليس و المنتحلين و المبطلين و الغالين، و الحجج على الخلق و الأئمّة (عليهم السلام) حجج عليهم، إلى غير ذلك ممّا ورد في الأخبار و الآثار، و شهد له الاعتبار، و لا يفي لجمعها الدّفاتر، و كلّ قلم و لسان عن الذّكر قاصر، بل لو لم نطّلع على أقوالهم، أو لم نلاحظ كتبهم لم يمكننا فهم حكم و استنباط مسألة من الحديث، و لا يخفى ذلك على المنصف الفطن.

و ثانيا بالحلّ: بأنّ من سمع مقالة أئمّة هذا الفنّ: و هي أنّه لا يتأتّى

____________

(1) فاطر: 14.

509

الاجتهاد إلاّ بعد استجماع شرائطه، و لا يجوز العمل بالظّنّ الّذي ورد في القرآن و الأخبار المنع عن العمل به، و جعله حكم اللّه، مضافا إلى أنّه خلاف الأصل و العقل، فإنّ حكم اللّه حقّ و من اللّه، و ظننا ظنّ و منّا، فكيف يكون أحدهما عين الآخر؟! إلاّ أن نعلم علما يقينا أنّ اللّه تعالى يرضى به عوض حكمه، و لا يكفي الظنّ به، لأنّه أيضا ظنّ، فيدور أو يتسلسل، إلى غير ذلك ممّا ذكرنا في أوّل الفوائد و غيره، و لا يتحقّق العلم و اليقين إلاّ لمن استجمع الشرائط ..

و بالجملة من سمع مقالتهم، و يكون قلبه خاليا من الشّوائب، سالما عن المعايب، ليبادر بالقول البتّة، و لا يجعلهم أسوأ حالا من أرباب العلوم و الصنائع الّذين هم في الغالب يعلم عدم عدالتهم، بل و فسقهم و كفرهم أيضا، و مع ما عرفت قولهم بأنّ ما ذكروه حقّ يقينا- كما لا يخفى على من له أدنى فهم- مضافا إلى أدلّتهم على لزوم كلّ شرط شرط على حدة- كما بيّنّا في رسالتنا في الاجتهاد- بحيث لا يبقى للجاهل تأمّل أصلا، فضلا عن العالم، فيشرع في تحصيل الشرائط: من العلوم، و القوّة القدسيّة.

أمّا القوة القدسيّة فبجهاد النّفس، و السّؤال من اللّه تعالى، و التضرّع إليه، و الإلحاح عليه، و الاستمداد من الأرواح القدسيّة المعصومة، و بعدهم من الفقهاء (رضوان اللّٰه عليهم)، و يبالغ في تعظيمهم و أدبهم و محبّتهم و الرّكون إليهم، «فإنّ القلب يهدي إلى القلب» (1)، فإذا استحكم الرّوابط بين القلوب أو بين القلب و الأرواح الّذين هم أحياء عند ربّهم يفتتح أبواب الفيوض و الكمالات،

____________

(1) الظاهر هذا مثل و ليس بحديث و لم نعثر عليه بهذه الصورة حسب فحصنا، و ما وجدناه ما هو لفظه: من القلب إلى القلب، راجع المنجد، باب فرائد الأدب.

510

و ينشرح بأنوار المعرفة و العلم، «فإنّه نور يقذفه اللّه في قلب من يشاء» [1].

يا أخي قد حصل التّجربة لي، فعليك بما ذكرت، ثمّ عليك بما ذكرت، و إيّاك، ثمّ إيّاك من تنفّر قلبك من فقهائنا، و ميله عنهم إلى نفسك، فإنّ فيه المحرومية عن نيل درجة الفقه البتّة أصلا و رأسا، و الوقوع في وادي التّيه و الحيرة و الضّلالة و الجهل و الحمق الشّديد، كما شاهدت عيانا باللّٰه من ذلك.

و أمّا تحصيل العلوم فبالشّروع في المذاكرة و المطالعة، مع الاستمداد من اللّه تعالى و التضرّع إليه و التّوسّل و التشفّع بالنّفوس المقدّسة، و تخلية القلب عن الميل و النّفرة، فما وجد من المسائل المسلّمة غير المشكلة أخذها، و أمّا المشكلة و الخلافيّة فيجتهد فيها بحسب وسعه كما ذكرنا.

فبعد تحصيل الكلّ يشرع في الفقه، و يجعل تحصيله من مقدّمتين:

الأولى: هذا ما أدّى إليه اجتهادي، و الثانية: كلّ ما أدّى إليه اجتهادي فهو حكم اللّه يقينا في حقّي، و لا بدّ أن يكون في المقدّمة الأولى صادقا، و بالثانية عالما متيقّنا حتّى تصير النتيجة صادقة يقينيّة.

و أمّا أجزاء الشّرائط على سبيل الإجمال: فبأن يعرف أنّ أدلّة الفقه منحصرة في الخمسة المعروفة، و يتأمّل في كلّ دليل دليل هل هو دليل أم لا؟

و كونه دليلا بشرط أو بغير شرط؟ و على الأوّل الشّرط ما ذا؟

مثلا يتأمّل في أنّ خبر الواحد حجّة أم لا، و على الأوّل مشروط

____________

[1] لم نعثر على هذه الرواية بهذا اللفظ في الجوامع الحديثيّة حسب فحصنا و الّذي ظفرنا عليه ما هو لفظه: «ليس العلم بالتعلّم إنّما هو نور يقع في قلب من يريد اللّه تبارك و تعالى أن يهديه»، راجع البحار 1: 225 ذيل الحديث 17، و قد نقله صاحب كنز العمّال بهذه النصّ «علم الباطن سرّ من أسرار اللّه عزّ و جلّ و حكم من حكم اللّه يقذفه في قلوب من يشاء من عباده» كنز العمّال 10: 159 الحديث 28820.

511

بالعدالة أو الموثقيّة أيضا أو الحسن أيضا أو القوّة أيضا، أم لا و أنّ الضعيف ينجبر أم لا؟ و الجوابر ما هي؟ إلى غير ذلك ممّا ذكرنا في الفوائد. مثل: أنّ العدالة هل هي الملكة، أو حسن الظّاهر، أو عدم ظهور الفسق؟ و أنّ ثبوتها من باب الشّهادة أو الخبر أو الظنّ الاجتهادي؟ و يتجسّس عن الثبوت، و في الثّبوت يحتاج غالبا إلى الاجتهاد، بل كلّيّا- كما ذكرنا- إلى غير ذلك ممّا يتعلّق بالسّند، أو المتن، أو الدّلالة، أو رفع التعارض، أو علاجه، إلى غير ذلك ممّا ذكرناه في الفوائد و الملحقات، فإنّ جميعها معالجات للاحتمالات و الاختلافات الّتي لا بدّ من علاجها، حتّى يتمكّن من الاستدلال بعنوان الاجتهاد لا بالتقليد، فجميع الشرائط إنّما هي علاجات الاستدلال بالاجتهاد و لا يمكن إلاّ بها- اللّهمّ إلاّ أن يكون مقلّدا.

فإذا حصل المسألة بالنحو الّذي ذكرناه فهو مجتهد.

و مع ذلك، الأحوط أن يعرض اجتهاده على اجتهاد المجتهدين: فإن وجده في الغالب يوافق طريقتهم، فليحمد اللّه تعالى على هذه النّعمة العظمى حمدا كثيرا كثيرا، و يشكره شكرا كثيرا كثيرا، فيظهر أنّه نال هذه الرّتبة الهنيّة السنيّة، و يتضرّع إليه في حفظه عن الخلاف في البقيّة.

و إن وجده بخلاف ذلك فليتّهم البتّة نفسه نهاية التّهمة، و ليسرع في إصلاحها بالمجاهدات و التضرّعات و الاستمدادات و غيرها، و تخليتها عن الشوائب، و تخليصها عن المعايب، حتّى يهب اللّه تعالى له هذه الرّتبة.

و هذا القدر يكفي، يعني أيّ مسألة تحتاج إلى الاجتهاد،- سواء كان مقدّمة الفقه أو نفسه- حين ما أراد الاجتهاد فيها استفرغ وسعه ذلك الحين، فأيّ شيء أدّاه إليه اجتهاده يكفي، و إن كان يحتمل عنده أنّه بعد ما زاد مهارته أو ممارسته ربّما يتغيّر ظنّه، إلاّ أنّ الظّاهر عنده أنّه ليس كذلك، و مع

512

ذلك هذا الحين هذا القدر وسعه، و هذا الّذي أدّى إليه اجتهاده، و هو مكلّف، و لٰا يُكَلِّفُ اللّٰهُ نَفْساً إِلّٰا وُسْعَهٰا (1).

و لأنّه لو لم يكفه لم ينفعه اجتهاده ما دام حيّا، فلا بدّ له من التّقليد، و ربّما لم يوجد له فتوى فقيه حتّى يقلّده، و التزام الاحتياط بالنّسبة إلى جميع المسائل حرج، بل تكليف بما لا يطاق، و ترجيح البعض من غير مرجّح فاسد على حسب ما عرفت سابقا.

مع أنّ الفقهاء متّفقون على أنّ المجتهد لا يجوز له تقليد غيره، و يريدون من المجتهد هذا الّذي ذكرناه، لأنّه بعد اطّلاعه على جميع ما له دخل في الفهم و بذل جهده فيه يظهر عنده أنّ حكم اللّه كما فهمه، و غيره ليس حكم اللّه، فإن كان فتواه موافقا لفتوى الكلّ فنعم الوفاق، و يتعيّن عليه العمل به، و كذا إن كان موافقا لفتوى المشهور أو الأكثر لغاية قوّة فتواه.

و أمّا إذا وافق البعض دون البعض فكذلك لما عرفت، سيّما و أنّ المجتهد في مثله يبذل جهده في تعريف دليل المخالف و صحّته و سقمه، و يبالغ، و مع ذلك يجد أنّ الحقّ معه و مع من وافقه، و كذا لو خالف البعض و لم يجد موافقا، لأنّ الظاهر عنده أنّ حكم اللّه كذا، و أنّ ما عليه البعض ليس حكم اللّه، فكيف يصحّ التمسّك به، و يدع فتواه؟! مع أنّه في هذا المقام يبالغ أزيد ممّا تقدّم.

و أمّا إذا خالف فتوى الكلّ فيجب عليه ترك فتواه، لأنّه خطأ البتّة، و كذلك لو خالف المشهور بين القدماء و المتأخّرين إلاّ النادر، و ذلك النّادر أيضا كان رجع عن فتواه، و وافق القوم، و يظهر ذلك مع أنّه في كتابه المتأخّر

____________

(1) البقرة: 286.

513

وافقهم، و غير ذلك، و هذا يرجع إلى الأوّل، فما تعارف الآن- من اعتداد فقهائنا بقول النّادر الّذي يرجع عنه القائل- ظاهر الفساد، إذا لا فرق بينه و بين أن لا يكون نادرا من القول. و مع الوفاق لا يخالفون إلاّ نادرا غفلة، أو بناء على أنّه ليس وفاق الكلّ عنده.

و مثل الصّورتين السّابقتين أن تكون المسألة ممّا يعمّ به البلوى، و يشتدّ إليه الحاجة، و مع هذا صار المشهور عند قدمائنا و المتأخّرين إلاّ النّادر كذا، فإن خالفه يكون معلوم الفساد كما لا يخفى على المتأمّل.

و أمّا المشهور بين خصوص القدماء فليس بتلك المثابة، يمكن الفتوى بخلافه، إذا كان الدّاعي عظيما، و كذلك المشهور بين المتأخّرين خاصّة، إلاّ أنّ الأحوط مراعاة المشهور في العمل كيف كان، كما هو دأب المحقّقين.

بل الأحوط مراعاة كلّ فقيه مهما أمكن كما هو دأبهم في مقام الاحتياط، لكن ليس بمثابة المشهور، إذا تراكم أفواج الأفهام السّديدة من أصحاب القوى القدسيّة و المهارة التّامّة عليه إلى أن اعتقد الفحول كونه حجّة كما مرّ، و مرّ الكلام.

و إنّي تتبّعت فوجدت: أنّ كلّما هو المشهور يكون دليله أقوى و أمتن البتّة، إلاّ ما شذّ، و لعلّ ما شذّ يكون بسبب قصوري ما علمت كون دليله أمتن.

فإن قلت: ربّما كان مخالف هذا المجتهد أزيد مهارة، أو متعدّدا و جماعة، و فيهما مظنّة الأصوبية.

قلت: لا شكّ في أنّ الأحوط مراعاتهم في العمل- كما عرفت-، و أمّا الفتوى فهذا المجتهد مطّلع على ما ذكرت، و يلاحظه في مقام اجتهاده، بأن يبالغ في الاجتهاد عند ملاحظة الأدلّة، و يزيد التأمّل و التدبّر، و يكثر إلى أن

514

يحصل له ما يقابل ما ذكرت من المظنّة، و يغلب عليه، و ربّما يظهر أنّ الحقّ معهم، فيرجع هذا.

مع أنّهم إن كانوا أمواتا فلا يجوز تقليدهم مطلقا، و إن كانوا أحياء فيتمكّن من المناظرة معهم لتعرّف الحال، و لو لم يتمكّن فيزيد التأمّل في الأدلّة.

و مع ذلك قد عرفت أنّهم متّفقون على أنّ المجتهد لا يجوز له التّقليد، للأدلّة الدالّة على حرمته، خرج عنها العاميّ للإجماع و غيره، و هما لا يشملان المجتهد، فلاحظ.

ثمّ اعلم أنّ المجتهد إذا تجدّد له الحاجة إلى ما اجتهد فيه يجب عليه تجدّد الاجتهاد و النّظر لأنّه في وسعه، و لٰا يُكَلِّفُ اللّٰهُ نَفْساً إِلّٰا وُسْعَهٰا (1)، فلعلّه بتجدّد الاجتهاد يظهر له خطاؤه سابقا، نعم إن لم يكن في وسعه تجدّده يجز له العمل باجتهاده السّابق، و على ما ذكرناه غير واحد من المحقّقين، و قد حقّقناه في رسالتنا في الاجتهاد تحقيقا تامّا أيضا أتمّ ممّا حقّقناه هنا، فليلاحظ.

فإن قلت: لم لم يصر قوله تعالى لٰا يُكَلِّفُ اللّٰهُ نَفْساً إِلّٰا وُسْعَهٰا (2) و أمثاله عذر غير المجتهد أيضا إذا أمكنه فهم الأدلّة بوجه من الوجوه؟

قلت: لما عرفت من الأدلّة، مع أنّه لو كان قلبه سالما من العيب و الشّوب كيف يطمئن بفهمه و ترجيحه؟، مع أنّه لا يعرف أسبابهما و شروطهما.

____________

(1) البقرة: 286.

(2) البقرة: 286.

515

فإن قلت: إذا كان العالم الّذي ما بلغ رتبة الاجتهاد عنده (1) أن مجتهده أخطأ في اجتهاده في مقدّمة من المقدّمات أو غيرها، فكيف يجوز له تقليده، فضلا عن أن يجب عليه؟

قلت: إن كان المجتهد ميّتا فلا يجوز له تقليده على حال- كما عرفت- و إن كان حيّا فليناظره ليعرف الحقّ، فإن ظهر أنّ الحقّ مع المجتهد فلا كلام، و إن ظهر للمجتهد أنّ الحقّ كما قال العالم فكذلك، و إن كان بعد المناظرة يكون المجتهد على رأيه و العالم على اعتقاده يكون الحقّ مع المجتهد، لأنّه غير غافل، و هو الأستاذ الماهر، و إمام الفنّ، إلاّ أن يكون العالم أيضا إماما في هذا الفنّ خاصّة، و ماهرا فيه، لكن الماهر في جميع الفنون يمكن أن يكون أقوى، مع أنّ فرض من لا يعرف الرجوع إلى من يعرف كما مرّ سابقا، و هذا العالم ممّن لا يعرف البتّة كما عرفت، و هذا المجتهد ممّن يعرف البتّة، لأنّه مكلّف بما أدّى إليه اجتهاده كما عرفت، و مع ذلك غاية ما في الباب أن يكون العالم في خصوص هذه المسألة يحتاط، و لا يجوز له العمل باجتهاده لما عرفت، فتأمّل جدّاً.

____________

(1) أي: إذا كان العالم .. معتقدا أنّ ..