الاجتهاد و التقليد

- الوحيد البهبهاني المزيد...
484 /
331

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

332

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

333

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

334

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

335

[الفوائد القديمة]

الفائدة السادسة و الثلاثون [في ذكر شرائط الاجتهاد على سبيل الإجمال]

و هي معرفة العلوم اللّغويّة، لأنّه إن لم يعرفها فربّما يزلّ، فيضلّ و يضلّ، و خطؤه ليس مثل خطأ المجتهد، لما عرفت من الدّليل على عدم ضرورة (1)، و أنّ خطأ غير المجتهد ليس بمعذور.

و أثبتنا شرطيّة هذه العلوم في رسالتنا في الاجتهاد مشروحا، و كذا دفع الشّكوك الّتي أوردوها (2) لنفي الحاجة إليها، و أظهرنا شناعتها.

____________

(1) كذا في الأصل، و العبارة غامضة و يحتمل ان تكون كلمة (ضرورة) تصحيف ل(ضرره) فتصبح العبارة متلائمة لقوله (رحمه اللّه) بعدها: ان خطأ غير المجتهد ليس بمعذور.

(2) في الأصل: أوردها.

336

و من الشّرائط معرفة العرف العامّ و الخاصّ الّذي هو حجّة في الفقه، و ربّما يدخل في ذهن المجتهد بعض الشبهات فيصير ذهنه مئوفا (1) في معرفة العرف، مع أنّه من جملة العرف، و لا يفهم مثلهم لتطرّق الشّبهة، فاللازم عليه أن يرجع في ذلك إلى غيره من الجماعة الذين لم يتطرّق إلى (2) أذهانهم شبهة، و من لم يتفطّن بما ذكرناه يخرّب كثيرا في الفقه.

و من الشرائط الكلام، لتوقّفه على معرفة أصول الدّين، و أنّ الحكيم لا يفعل القبيح، و لا يكلّف ما لا يطاق، و أمثال ذلك بالدّليل، و إلاّ لكان مقلّدا.

و من الشرائط المنطق، لشدّة الاحتياج إلى الاستدلال في الفقه، و في العلوم التي هي شرط في الاجتهاد لأنّ الجميع نظريّات، و كلّ واحد منها مجمع شكوك و شبهات لا تحصى، و لا يتمّ الاستدلال في أمثال هذه إلاّ بالمنطق.

و من الشرائط أصول الفقه، و الحاجة إليه من البديهيّات كما صرّح به المحقّقون و كلّ واحدة واحدة من الفوائد الّتي ذكرناها تنادي بأعلى صوتها بالاحتياج إليه من وجوه متعدّدة، و تنادي أيضا بخطر الجهل فيه، و ضرر الغفلة، بل شدّة الخطر و عظم الضّرر. بل و إنّه الميزان في الفقه، و المعيار لمعرفة مفاسده، و أعظم الشرائط، و أهمّها كما صرّح به المحقّقون الماهرون الفطنون الّذين ليسوا بجاهلين و لا غافلين و لا مقلّدين من حيث لا يشعرون. و بسطنا الكلام في الرّسالة في إظهار شنائع الشكوك المخالفة للبديهة، بل بيّنا أنّ هذا

____________

(1) أوف: الآفة و هي العاهة، و قد أيف الزرع .. أي أصابته آفة، فهو مئوف (مجمع البحرين 5: 29).

(2) في الأصل: لم يتطرق أذهانهم.

337

العلم ليس بحادث، بل كان في زمان المعصوم (عليه السلام) و من أراد الاطّلاع فليرجع إلى الرسالة. و من الشّرائط العلم بالأحاديث المتعلّقة بالفقه. و من الشّرائط العلم بالتّفسير. و من الشرائط معرفة فقه الفقهاء و كتب استدلالهم:

و كونه شرطا غير خفيّ على من له أدنى فطانة، إذ لو لم يطّلع عليها رأسا لا يمكن الاجتهاد و الفتوى، و إن كان ما ذكرنا ربّما يخفى على الغافل المطّلع على كتب فقه الفقهاء و استدلالهم الّذي لا يدري من أين حصل له.

و من الشّرائط معرفة الرّجال، للوثوق بالسّند من حيث العدالة أو الانجبار، أو لأجل الترجيح، فظهر وجه الحاجة ممّا أسلفناه و بيّنّاه مشروحا في الرّسالة.

و من الشّرائط، القوّة القدسيّة، و الملكة القوية و هو أصل الشّرائط، لو وجد ينفع باقي الشّرائط و ينتفع من الأدلّة و الأمارات و التنبيهات، بل و بأدنى إشارة يتفطّن بالاختلالات و علاجها، بل بأدنى توجّه من النّفس يتفطّن بالاحتياج إلى الشّرائط، و يدري أنّها لعلاج الاختلالات، و أنّ العلاج لا بدّ منه، و أنّه منحصر في الشّرائط، و لو لم يوجد لم ينفع تنبيه للبديهيّات، و لا دليل للنّظريّات، كما نشاهد الآن. و اعلم أنّ هذا الشرط يتضمّن أمورا:

الأوّل: أن لا يكون معوج السّليقة، فإنّه آفة للحاسّة الباطنة، كما أنّ الحاسّة الظّاهرة ربّما تصير مئوفة مثل: أن يكون بالعين آفة تدرك الأشياء بغير ما هي عليه، أو بالذّائقة أو غيرهما كذلك. و الاعوجاج: ذاتيّ- كما ذكر- و كسبيّ، باعتبار العوارض مثل: سبق تقليد، أو شبهة أعجبته غفلة، فإنّ الحاسّة تصير حينئذ مئوفة كالأوّل. و نظيره نظير عين لاحظت الخضرة أو الصّفرة إلى أن تأثّرت، فبعد هذا كلّ شيء تراه أصفر أو أخضر مثلا، و الذائقة ربّما صارت مرّا بالعوارض، و كلّ شيء تذوق تجده مرّا، و قس

338

عليهما سائر الحواسّ.

و طريق معرفة الاعوجاج: العرض على أفهام الفقهاء و اجتهاداتهم فإن وجد فهمه و اجتهاده وافق طريقة الفقهاء، فليحمد اللّه، و يشكره، و إن وجده مخالفا فليتّهم نفسه، كما أنّ من رأي الأشياء خضرا- فيقول له أولو الأبصار السّليمة: ليس فيها خضرة- يجزم بأنّ عينه مئوفة مغشوشة.

لكن ربّما يلقي الشّيطان في قلوبهم: أنّ موافقة الفقهاء تقليد لهم، و هو حرام و نقص فضيلة، فلا بدّ من المخالفة حتّى يصير الإنسان مجتهدا فاضلا.

و لا يدري أنّ هذا غرور من الشيطان، و أنّ حاله حينئذ حال ذي العين المئوفة، أو الذّائقة المئوفة، أو غير ذلك حين ما قالوا له: ليس هاهنا خضرة أو مرارة أو غير ذلك، فيقول لهم: أنا أرى خضرة و لا أقلّدكم فأفعل الحرام، و تكونون أفضل منّي.

الثّاني: أن لا يكون رجلا بحّاثا، في قلبه محبّة البحث و الاعتراض و الميل إليه، متى ما سمع شيئا يشتهي أن يعترض: إمّا حبّا لإظهار الفضيلة، أو انّه مرض قلبي كالكلب العقور، كما نشاهد الحالين في كثير من النّاس، و مثل هذا القلب لا يكاد يهتدي، و لا يعرف الحقّ من الباطل بل ربّما رأينا بعض الفضلاء الزاهدين البالغين أعلى درجة الفضل و الزهد فسد عليه بعض أصول دينه، فضلا عن الفروع بسبب هذه الخصلة الذّميمة.

الثالث: أن لا يكون لجوجا عنودا، فإنّا نرى كثيرا من النّاس- إذا حكموا بحكم في بادي نظرهم، أو تكلّموا بكلام غفلة أو تقليدا، أو من شبهة سبقت إليهم- أنّهم يلجّون، و يكابرون، و من قبيل الغريق يتشبّثون بكلّ حشيش، للتتميم و التّصحيح، و ليس همّتهم متابعة الحقّ، بل جعلوا الحقّ تابع قولهم.

339

و هذا أيضا كسابقيه لا يهتدي، بل ربّما ينكرون البديهيّ، و يدّعون خلاف البديهيّ.

هذا حالهم في البديهيّات فما ظنّك بالنّظريّات القطعيّة، فضلا عن الظّنيّة، فانّ الظنّ قريب من الشكّ و الوهم و بأدنى قصور أو تقصير يخرّب، سيّما الظنّيّات الّتي وقع فيها اختلالات من وجوه متعدّدة، يحتاج رفعها و علاجها إلى شرائط كثيرة.

الرّابع: أن لا يكون في حال قصوره مستبدّا برأيه، فإنّا نرى كثيرا من طلاّب العلم في أوّل أمرهم في نهاية قصور الباع و فقدان الاطّلاع، و مع ذلك يستبدّون بهذا الرّأي القاصر الجاهل الغافل، فإذا رأوا كلام المجتهدين و لم يفهموا مرامهم- لقصورهم و فقد اطّلاعهم- يشرعون في الطّعن عليهم:

بأنّ ما ذكرتم من أين؟ و كلّما لا يفهمون، ينكرون، بل و يشنّعون عليهم، و لا يتأمّلون أن الإنسان في أوّل أمره قاصر عن كلّ علم، و كذا عن كلّ صنعة، و كذا عن كلّ أمر جزئيّ سهل، فضلا عن الأمور الكلّيّة العظام المشكلة، و أنّه ما لم يكدّ و يجدّ في الطّلب و التّعب في تحصيل ذلك الجزئي لم يحصل له، فكيف يتوقّع درك الأمور المشكلة العظيمة، و الوصول إلى مرتبة المحقّقين المجتهدين؟! مع أنّه لم يتّهم بعد رأيه القاصر، و لم يهتمّ (1) بتحصيل ما يخالف فهمه القاصر، و لم يدر «أنّ من طلب شيئا و جدّ وجد» (2)، و «من قرع بابا و لجّ ولج» (3)، و لا ينظر إلى أنّه في حال تعلّم الصنعة السهلة، أو الأمر

____________

(1) م: و يتهم. ف: و لم يتهم. و الصحيح ما أثبتناه.

(2) نهج الفصاحة: 622، الحكمة رقم: 3062.

(3) لم نعثر عليها لكن وجدنا مضمونها و هو قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «من يدم قرع الباب يوشك أن يفتح له» انظر نهج الفصاحة: 622، الحكمة رقم: 3065.

340

الجزئيّ، إذا لم يعتقد بإسناده، و لم يسلّم بأمره و قوله، و يستبدّ برأيه لا يحصل له ذلك الجزئي أبدا، و يكون في مرتبة قصوره باقيا دائما. هذا حال الطلبة، و أمّا المجتهد فهو أيضا لا بدّ من أن لا يستبدّ برأيه بمجرّد أوّل نظرة، بل يتردّد، و يتأمّل.

الخامس: أن لا يكون له حدّة ذهن زائدة، بحيث لا يقف و لا يجزم بشيء مثل أصحاب الجربزة [1].

السّادس: أن لا يكون بليدا لا يتفطّن بالمشكلات و الدّقائق، و يقبل كلّما يسمع، و يميل مع كلّ قائل، بل لا بدّ فيه من حذاقة و فطنة، يعرف الحقّ من الباطل، و يردّ الفروع إلى الأصول، و يدري في كلّ فرع يوجد و يبتلى به أنّه من أيّ أصل يؤخذ و يجري مسائل أصول الفقه في الآيات و الأخبار و غيرهما، و يدري موضع الجريان و قدره و كيفيّته.

السّابع: أن لا يكون مدّة عمره متوغّلا في الكلام، أو الرّياضي، أو النّحو، أو غير ذلك ممّا هو طريقته غير طريقة الفقه، ثمّ يشرع بعد ذلك في

____________

[1] الجربز و القربز معربان عن (كربز) الفارسية كما في القاموس و شرحه و هما بمعنى واحد هو: الخبّ- ضد الغرّ- و هو الخدّاع المفسد- لسان العرب مادة: جربز و خبب- هذا أصل الجربزة في اللغة، و لكن لها في اصطلاح علماء الأخلاق معنى آخر- له صلة بالمعنى اللغوي- و هو: صفة من رذائل القوة العاقلة في جانب الإفراط موجبة لخروج الذهن عن الاستقامة و الاستقرار على شيء، بل لا يزال يستخرج أمورا دقيقة غير مطابقة للواقع، و يتجاوز عن الحق، و لا يستقر عليه، و ربما أدّى في العقليات إلى الإلحاد و فساد الاعتقاد بل إلى نفي حقائق الأشياء كما في السوفسطائية و في الشرعيات إلى الوسواس. (جامع السعادات للنراقي (رحمه اللّه) ج 1 ص 100، بتصرف).

341

الفقه، فأنّه يخرّب الفقه بسبب أنس ذهنه بغير طريقته، و ألف فهمه بطريقة الكلام و أمثاله، كما شاهدنا كثيرا من الماهرين في العلوم من أصحاب الأذهان الدّقيقة السّليمة أنّهم خرّبوا الفقه من الجهة الّتي ذكرناها.

الثّامن: أن لا يأنس بالتوجيه و التأويل في الآية و الحديث إلى حد يصيّر المعاني المؤوّلة من جملة المحتملة المساوية للظاهر المانعة عن الاطمئنان به، كما شاهدنا من بعض، و لا يعوّد نفسه بتكثير الاحتمالات في التوجيه، فإنّه أيضا ربّما يفسد الذّهن.

التاسع: أن لا يكون جريئا غاية الجرأة في الفتوى، كبعض الأطبّاء الذين هم في غاية الجرأة، فإنّهم يقتلون كثيرا بخلاف المحتاطين منهم.

العاشر: أن لا يكون مفرطا في الاحتياط، فإنّه أيضا ربّما يخرّب الفقه، كما شاهدنا كثيرا ممّن أفرط في الاحتياط، بل كلّ من أفرط فيه لم نر له فقها، لا في مقام العمل لنفسه، و لا في مقام الفتوى لغيره.

و اعلم أيضا أنّ علم المعاني و البيان و البديع، و الحساب، و الهيئة، و الهندسة و الطّبّ من مكمّلات الاجتهاد. و جعل جمع علم المعاني و البيان من شروط الاجتهاد مثل: السيّد المرتضى (1) و الشهيد الثّاني (2) و الشّيخ أحمد بن المتوّج البحراني (3)، بل الأخيران عدّا علم البديع أيضا من الشّرائط. و قد أشرنا إلى أنّه ربّما يحصل العلم من جهة الفصاحة و البلاغة بكون الكلام عن

____________

(1) لم نعثر على هذا التعبير في كتب السيّد- التي بأيدينا- و ما وجدناه لفظه عام حيث قال: «و يكون أيضا عالما .. و عارفا من اللغة و العربيّة بما يحتاج إليه في ذلك».

راجع الذريعة إلى أصول الشريعة 2: 800.

(2) الروضة البهيّة 3: 63.

(3) هو من مشايخ ابن فهد و تلميذ فخر المحقّقين لم تتيسّر كتبه لدينا.

342

الإمام (عليه السلام)، فمن هذه الجهة ربّما يكون لهما مدخليّة في الاشتراط، بل البديع أيضا.

و أمّا الهيئة فبعض مسائله ربّما يكون شرطا، أيضا مثل: ما يتعلّق بالقبلة، و كون الشهر ثمانية و عشرين يوما بالنّسبة إلى بعض الأشخاص (1) و القدر الّذي هو شرط من جميع العلوم المذكورة هو الّذي يندفع به الضّرورة، و إن كان لا يحصل إلاّ بعد الاطّلاع على الجميع من كلّ واحد واحد منها، لكن اطّلاع في الجملة من دون حاجة إلى المبالغة و الإكثار و صرف العمر الكثير في تحصيل المهارة التّامّة كما لا يخفى.

____________

(1) ورد في «ف» بعد هذا: (و واحدة و ثلاثين بالنسبة إلى بعض) كنسخة بدل.

343

خاتمة [خطورة طريق الاجتهاد]

قد عرفت ضرر عدم معرفة شرائط الاجتهاد، و عدم مراعاتها، و الخطر الشّديد الّذي فيها، لكن في معرفة تلك الشّرائط خطر أيضا لا بدّ من عدم الغفلة عنه، و حفظ النّفس عنه، و ذلك الخطر من وجوه:

الأوّل: أنّه- من شدّة الأنس بها، و الاستناد إليها و الاعتماد عليها- ربّما يغفل عن قرائن الحديث غافل، و لا تنجلي له (1) سيّما إذا كانت خفيّة.

مثلا: حقّق في أصول الفقه أنّ مفهوم الوصف ليس بحجّة، و في كثير من الأخبار يظهر اعتبار ذلك المفهوم باعتبار خصوصيّة المقام، فالغافل يعترض عليه: بأنّه مفهوم الوصف، و هو ليس بحجّة- على ما هو محقّق في

____________

(1) في الأصل: و لا ينجلي عليه.

344

الأصول- سيّما إذا كانت القرينة لم تكن بذلك الجلاء، إذ قد عرفت أنّ تعليق الحكم على الوصف مشعر بالعلّيّة، و الإشعار موجود على أيّ حال، فإذا تقوّى ذلك الإشعار بخصوصية مقام يحصل القدر المعتبر من الظّهور، و إن كان الإشعار لا يكفي لو لم يكن القوّة. و بالعكس إلاّ أنّه بانضمامهما معا حصل الكفاية، بل ربّما يجد القرينة في غاية الظّهور، و مع ذلك يعترض ذلك الاعتراض.

مثل: ما ورد في صحيحة الفضيل في غاية خيار الحيوان، فإنّه قال له:

قلت: ما الشرط في الحيوان؟ فقال: «ثلاثة أيّام للمشتري»، فقلت:

ما الشّرط في غير الحيوان؟ قال: «البيّعان بالخيار ما لم يفترقا» (1).

و هذا كالصّريح في تخصيصه بالمشتري، و مع ذلك يعترض: بأنّ دلالته بمفهوم الوصف، و هو ليس بحجّة.

و قس على ذلك سائر القواعد الأصوليّة، و كذا القواعد النّحويّة، أو الصّرفيّة، أو غيرهما.

الثّاني: انّه بعد ما عرف علما من تلك العلوم، ربّما يعجبه التكرار و الإكثار في المعاودة، و المباحثة، و تحصيل المهارة الكاملة، و ربّما يتوهّم لزوم ذلك إلى أن يصرف عمره فيه، و لذا ترى غالب الطّلبة لا يبلغون درجة الاجتهاد بل يموتون، و غاية ما يصل إليه آحادهم أنّه نحويّ، أو صرفيّ، أو منطقيّ، أو كلاميّ، إلى غير ذلك، فيصرف تمام عمره في تحصيل مقدّمة من مقدّمات ذي المقدّمة.

مع أنّ الفقه أيضا مقدّمة للعبادة الّتي خلق لأجلها فيضيّع عمره،

____________

(1) الكافي 5: 170، الحديث 6. و في ذيله «فإذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما».

345

و يصرفه في غير مصرفه.

و أعجب من هذا أنّهم يصرفون عمرهم في الرّياضي و الحساب، و أمثال ذلك، و يعتذرون أنّه ربّما يكون له نفع للفقه. و ربّما يشرعون في الفقه في أواخر عمرهم، و بحسب العادة يصعب حصول معرفة صنعة، أو علم في أواخر العمر، و سيّما إذا تشوّش الذّهن بسبب أنسه بالاحتمالات و الاعتراضات الحكميّة و الكلاميّة و غيرها، و لذا ربّما يتكلّمون بكلمات يشمئز منها الفقيه غاية الاشمئزاز. و لعدم أنسهم بطريقة الفقاهة يعترضون على أدلّة الفقه بأيّ احتمال يكون، فلا يكاد يثبت عندهم مسألة فقهيّة، و مدارهم في عملهم، و فتواهم لغيرهم على قول الفقهاء، و عدم الخروج عنه.

و أيضا لا بدّ من صرف مدّة من العمر في تهذيب الأخلاق، لما عرفت من اشتراط القوّة القدسيّة. و لأنّ «العلم نور يقذفه اللّه في قلب من يشاء» [1]، سيّما الفقه، و النّور لا يقذف في قلب رديّ، مع أنّه لو قذف فنعوذ باللّٰه من العالم الرّديّ، فإنّه شرّ النّاس بعد «فرعون» و «شدّاد» و فلان و فلان، و إنّه من الصّادّين عن سبيل اللّه، و قطّاعي الطّريق إليه تعالى.

و صرف العمر فيما ذكر من العلوم يمنع عن التّهذيب، بل و ربّما يورث القساوة كما ورد في الحديث في معرفة النحو، و نشاهد في غيرها، مع أنّ تهذيب الأخلاق من أوجب الأشياء كما لا يخفى.

____________

[1] لم نعثر على هذا الحديث بهذا اللفظ في الجوامع الحديثيّة حسب فحصنا و الّذي ظفرنا عليه ما هو لفظه: ليس العلم بالتعلم انما هو نور يقع في قلب من يريد اللّه تبارك و تعالى ان يهديه راجع البحار 1: 225، ذيل الحديث 17. و كذا نقل في كنز العمّال بهذا النص «علم الباطن سر من أسرار اللّه عزّ و جلّ و حكم من حكم اللّه يقذفه في قلوب من يشاء من عباده» راجع كنز العمال 10: 159 حديث 28820.

346

و اللّه الهادي إلى طريقه، و لا يحصل الهداية إلاّ بالإرشاد و توفيقه و إليه حسن المآب.

تمّ هذا الكتاب المستطاب من تأليفات المحقّق المدقّق مولانا آغا محمّد باقر المسمّى ب(الفوائد الحائريّة) في يوم الاثنين، العشرين من شهر ربيع الأوّل، سنة الف و مائتين و اثنتين و أربعين سنة 1242.

و صلّى اللّه على أشرف الأنبياء و المرسلين و آله المعصومين، و الحمد للّه ربّ العالمين.

347

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

348

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

349

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

350

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

351

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

352

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

353

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

354

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

355

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

356

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

357

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

358

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

359

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

360

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

361

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

362

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

363

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

364

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

365

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

366

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

367

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

368

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

369

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

370

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

371

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

372

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

373

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

374

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

375

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

376

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

377

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

378

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

379

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

380

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}