الاجتهاد و التقليد

- الوحيد البهبهاني المزيد...
484 /
431

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

432

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

433

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

434

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

435

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

436

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

437

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

438

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

439

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

440

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

441

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

442

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

443

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

444

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

445

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

446

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

447

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

448

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

449

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

450

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

451

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

452

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

453

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

454

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

455

[الفوائد الجديدة]

فائدة (25) [تقليد المجتهد]

تقليد المجتهد إنّما يصحّ في الأحكام الشّرعيّة الفرعيّة، و موضوعاتها الّتي هي العبادات التوقيفيّة، لا موضوعاتها التي ليست بتوقيفية، للأدلّة الكثيرة الدالّة على منع العمل بالظن و التّقليد، خرج الحكم الشّرعيّ الفرعيّ و موضوعاته التي هي وظائف الشرع بالدّليل الّذي ذكرنا في الفوائد، بل بأدلّة متعدّدة، و يبقى الباقي تحت المنع، و أدلّة المنع أيضا ذكرناها في الفوائد.

بل ذكرنا أيضا- في مسألة عدم معذوريّة الجاهل من الفوائد- عدم جواز التّقليد في أصول الدّين.

مع أنّ الآيات و الأخبار واردة في المنع عن التّقليد فيها (1) بالخصوص.

____________

(1) في الأصل: فيه.

456

و الإجماع واقع أيضا على (1) ذلك من الشّيعة، كما نقلوه، و الخلاف من أهل السنّة، بل معظم أهل السنّة على جواز التّقليد، و وافقهم شاذّ من متأخّري الشّيعة.

مع أنّ الخطأ غير مأمون على الظنون، فكيف يصحّ الابتناء عليها فيها؟! مع أنّ الخطأ فيها يوجب الخلود في النّار و القتل و الأسر و البيع و التملّك و أمثال ذلك في هذه الدّار. مع أنّ الكفّار حصل لهم الظّنّ، بل ربّما يكون أقوى ممّا حصل للمسلمين.

و اشتراط مطابقة ظنّهم للواقع غلط واضح، لأنّه إن أريد أنّه لا بدّ من أن يحصل لهم العلم بالمطابقة، فهذا ينافي كونه ظنّا، و إن أريد الظنّ بذلك، فالظنّ كان حاصلا لهم، و إن أريد بحسب نفس الأمر، لا أنّه يحصل لهم العلم أو الظنّ بذلك، فهذا تكليف بما لا يطاق، و إن أراد أنّ المعتبر في تحقّق الإيمان هو تحقّق المطابقة، فإن تحقّقت يكن مؤمنا، و إلاّ لا يمكن مؤمنا، فهذا تصريح بعدم جواز الاكتفاء بالتّقليد، و عدم اعتبار التّقليد، و أنّ اللازم تحصيل الجزم بالمطابقة.

و بالجملة عدم جواز التّقليد دليله في غاية المتانة و الوضوح، كما عرفت ممّا ذكر هنا، و ما ذكرنا في الفوائد.

و من هذا يظهر عدم جواز الاعتماد على الظنّ في أصول الدّين من غير جهة التّقليد أيضا. فما يعرف من بعض العلماء- من أنّ الاعتماد على أخبار الآحاد أو ظواهر الآيات، و من جماعة من الصّوفية من الاستناد إلى التخمينيّات و الخيالات و الشّعريّات- ظاهر الفساد، بل غالب المفاسد في

____________

(1) في الأصل: عن ذلك.، و الصحيح ما أثبتناه.

457

أصول الدّين من الاتّكال على الظنّ و التخمين و متابعتهما كما لا يخفى على من له أدنى تأمّل.

حجّة المجوّز للتّقليد أنّ الّذي يظهر من الأخبار أنّ الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) كان يكتفي بمجرّد القول بالشّهادتين و غيرهما ممّا يعتبر في أصول الدين من غير مطالبة ببيان الدّليل.

و هذه الحجّة- مع قطع النّظر عن عدم ارتباطها بالمقام، لأنّ مجرّد القول غير حصول الظنّ- سخيفة من وجوه:

الأوّل: إنّ الأدلّة الدّالّة على عدم الجواز منهما يقيني عقليّ، و منها نقليّ يقينيّ كما عرفت. و الظاهر لا يقاوم اليقين، و النّقل لا يقاوم العقل.

و الثاني: إنّها لو تمّت لزم عدم اعتبار الظنّ أيضا، و لم يقل به أحد، بل يلزم كون الإسلام و الإيمان هو الإظهار فقط، و إن كان المظهر شاكّا، بل و إن كان ظانّا حقّيّة خلاف ما يظهر، بل و إن كان جازما أيضا، و لذا كان الرّسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يكتفي من المنافقين أيضا بإظهارهم من دون تفاوت بينهم و بين غيرهم في الاكتفاء الّذي ذكرت.

فان أردت من الإسلام: هو الإسلام الظاهريّ، فلا تأمّل لأحد في أنّه يكفي مجرّد الإظهار، و إن كان معتقدا بعنوان الجزم ببطلان ما أظهر، فضلا عن الشكّ، فضلا عن الظنّ بالحقيقة، فلا يدلّ على اعتبار الظنّ و التّقليد أصلا.

و إن أردت أنّه بمجرّد الإظهار كان يحكم بالإسلام الواقعي، و الإيمان الباطنيّ.

فلا نسلّم ذلك. بل الّذي يظهر هو خلاف ذلك كما هو ظاهر.

و لئن تنزّلنا عن ذلك فظهور الخلاف من أين؟! و لئن تنزّلنا فظهور ذلك من الأخبار المتواترة من أين؟! و الثالث: غاية ما يحصل على تقدير التنزّل هو الظنّ و الظّهور،

458

و الاستناد إلى ذلك يوجب الدّور أو التّسلسل، إذ الكلام في الاكتفاء بالظنّ.

و على تقدير التنزّل و تسليم دعوى العلم ممّا ذكرتم، فلا شكّ في معارضته لما ذكرناه من الأدلّة، فعلى تقدير تسليم التّقاوم فالرجحان من أين؟! و لو سلّمنا الرّجحان فكونه بحيث يورث اليقين من أين؟! و الظّنّ قد عرفت حاله، و إن سلّمنا كونه متاخما للعلم.

الرّابع: إنّ دليل النبوّة هو المعجزة، و اطّلاع الحاضرين عليها في غاية السّهولة، بل كانوا أعلم بها منّا البتّة. و القدر الّذي كانوا مكلّفين به من أصول الدّين كان علمهم به من قول الرّسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أيضا كذلك، و هذا يكفي لكونه دليلا قطعيّا، و تقليد الرّسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بعد ثبوت رسالته، برهان لا تقليد.

لا يقال: يتوقّف ثبوت النبوّة منها على العلم بوجود اللّه تعالى و عموم علمه و قدرته و حكمته.

لأنّا نقول: من العلماء من يقول: بعدم التوقّف. و على تقدير التوقّف نقول: لا شكّ في أنّهم كانوا عالمين بالأمور المذكورة غير متأمّلين فيها أصلا، و لذا بمجرّد ثبوت المعجزة كانوا يجزمون و ما كانوا يناقشون، و لا نقاش أحد منهم و أحدا من الأنبياء في شيء منها أصلا: إمّا لكونها من الفطريّات على ما قاله جمع من العلماء، و هو الأظهر، كما لا يخفى على المتدبّر، و يظهر أيضا (1) من الخبر الوارد عن الصّادق (عليه السلام): «هل ركبت البحر» (2) .. إلخ.

____________

(1) ف: (و يظهر أيضا.). أي و يظهر أيضا كونها من الفطريات من الخبر الوارد.

(2) هذا قطعة من حديث راجع توحيد الصدوق (رحمه اللّه): 231 باب معنى بسم اللّه الرحمن الرحيم و فيه: هل ركبت سفينة ..، الحديث 5.

459

أو لكون مقدّماتها في غاية السّهولة كما قال آخرون.

أو لأنّ ذلك حصل لهم بالدّليل كما هو المحتمل، فتأمّل.

فظهر حقّيّة ما عليه الشّيعة، و بطلان ما هو المعروف عند أهل السنّة من جواز التقليد.

نعم الشيخ (رحمه اللّه) يقول: بأنّ المقلّد و إن كان آثما في تقليده إلاّ أنّه مؤمن واقعا إذا طابق اعتقاده الواقع، محتجّا بالحجّة المذكورة عن أهل السنّة في جواز التقليد.

و فيه أنّه إن تمّت فظاهرها الجواز و عدم الإثم أيضا، و إن بنى على أنّ الدّليل اليقينيّ يصرف عن الظّاهر فيمكن أن يقال: لعلّ الإسلام المقبول منهم هو الإسلام الظاهري، لا الواقعي، من جهة كونهم آثمين قطعا.

و بالجملة لا ثمرة للنّزاع بالنسبة إلى المجتهد، لأنّ معاملة أحكام الإسلام شأن المجتهد، و المعاملة متحقّقة، و إن لم يكونوا مؤمنين في الواقع.

و أمّا الثواب و العقاب، و الجنّة و النّار، فهي أمر من اللّه تعالى، و الرّجاء بالنسبة إليهم موجود متحقّق يقينا، إذ غاية ما يكون أنّهم مرجون لأمر اللّه تعالى، و ليسوا بالمشركين قطعا و إجماعا، و لا كافرين جزما و اتّفاقا، بل هم من المسلمين يقينا و وفاقا، و يعاملون معاملة المؤمنين بلا تأمّل، فتأمّل جدّاً.

و ممّا ذكرنا ظهر وجه عدم تجويز المجتهدين تقليد المجتهد مجتهدا آخر. نعم يجوز له في مقام تعويله على الظّنون و الأمارات بعد بذل جهده في التحرّي و تحصيل الأقوى، لأنّه نوع ظنّ و أمارة، فهذا التّقليد في الحقيقة اجتهاد.

و يظهر أيضا وجه عدم جواز التّقليد في الموضوعات فيما فعله بعض من يدّعي الاجتهاد من الأمر بتقليده في الموضوعات أيضا غفلة منه أو

460

قصور، مثلا يقول: فلان عندي عادل، فصلّوا خلفه، و اقبلوا قوله أو شهادته، أو يقول: فلان مات، فاقتسموا إرثه، و تزوّجوا زوجته. إلى غير ذلك من أمثال ما ذكر.

نعم إن كان عادلا، و يخبر بعنوان العلم و اليقين يكون شاهدا واحدا تعتبر شهادته في مقام اعتبار الشّهادة بعد استجماع جميع شرائط القبول، و منها أن يكون مستند علمه الحسّ، لا الحدس، كما هو المشهور عند الفقهاء.

نعم يعتبر تقليده في مقام اعتبار الظنّ و التخمين، و لذا يجوّزون التّقليد في معرفة القبلة بعد العجز من العلم و الأمارات القويّة فيجوز حينئذ أن يقلّد المجتهد العاميّ، فضلا عن المجتهد.

بل ربّما يجوز تقليد العامي دون المجتهد إذا كان العامي أبصر، و الظنّ الحاصل من قوله أقوى، فهذا التقليد أيضا يرجع إلى الاجتهاد لا أنّه تقليد اصطلاحيّ كسابقه.

461

فائدة (26) [بيان معنى «أعطاك من جراب النورة»]

قد ورد في الأخبار: أنّ الشّيعة كانوا يقولون في الحديث الّذي وافق التقيّة: (أعطاك من جراب النّورة).

قيل: مرادهم تشبيه المعصوم (عليه السلام) بالعطّار، و كانوا يبيعون أجناس العطّارين بالجربان (1)، و كان النّورة أيضا يبيعونها في جرابها، فإذا أعطى التقيّة قالوا: أعطاك من جرابها- أي ما لا يؤكل، و لو أكل لقتل- و الفائدة فيه دفع القاذورات و أمثالها.

____________

(1) ف: (بجربان)، لكن الصحيح في جمع جراب- الّذي هو نوع وعاء من جلد- أجربة و جرب و جرب، أما جربان فجمع جريب- الّذي هو مقدار معلوم. اللسان، مادة (جرب).

462

و قيل: إنّ النقباء لمّا خرجوا في أواخر زمن بني أميّة في خراسان، و أظهروا الدّعوة لبني العباس بعثوا إلى إبراهيم الإمام منهم بقبول الخلافة، فقبل، و هو في المدينة، و كانت هي و سائر البلدان تحت سلطنة (1) بني أميّة و حكمهم، سوى خراسان إذ ظهر فيها النقباء، و كانوا يقاتلون و يحاربون، و لما اطّلع بنو أميّة قبول (2) إبراهيم الخلافة أخذوه، و حبسوه، و قتلوه خفية، و وضعوا جراب النّورة في (3) حلقه، فخنقوه، فصار ضرب المثل بالنسبة إلى (4) ترك التقيّة و تاركها، و كان هذا الكلام من الشيعة إشارة إلى هذه الحكاية، و مثلا مأخوذا منها.

____________

(1) في الأصل: في تحت سلطنة.

(2) م: بقول إبراهيم الخلافة. ف: بقبول إبراهيم الخليفة. و لعلّ ما أثبتناه هو الصحيح.

(3) ف: في حلقه، فخنقوه به.

(4) في (ف): (إشارة بالنسبة إلى من ترك التقية و تاركها) و في (م) نفس العبارة لكن بدون كلمة (إشارة)، و المثبت في المتن هو الصحيح.

463

فائدة (27) [أنّ الأئمّة كانوا يتكلّمون على طريقة المحاورات العرفيّة]

ربّما يقول: المعصوم (عليه السلام) أنّ الأمر كذا، و نرى في الخارج أنّه ليس كذا. و الظاهر أنّ المراد في الغالب كذا،- يعني و إذا كان واقعا يكون في الغالب كذا-، لأنّه الموافق لطريقة المحاورات العرفيّة، لأنّهم (عليهم السلام) منزّهون عن الخطأ و الكذب، فمرادهم ما هو المتعارف، بل بناء الفقه على ذلك.

مثلا قالوا: دم الحيض أسود (1)، و دم الاستحاضة أصفر (2)، و المنيّ دافق

____________

(1) الوسائل 2: 537 الباب 3 من أبواب الحيض الحديث 2.

(2) الوسائل 2: 537 الباب 3 من أبواب الحيض الحديث 2.

464

و مع الشّهوة (1)، و الوجه من قصاص شعر الرّأس إلى الذقن (2)، إلى غير ذلك ممّا لا يحصى كثرة.

و إذا لم يكن في الغالب كذلك فالظّاهر أنّه مجاز أو تشبيه، مثل:

«الطّواف بالبيت صلاة» (3)، «و الفقاع خمر» (4)، و «تارك الصّلاة كافر» (5)، و «النّاصب من نصب لكم العداوة» (6)، إلى غير ذلك ممّا لا يحصى. و المراد المشابهة في الحكم الشّرعيّ إمّا في الجملة فمجمل، أو عموما فعامّ، أو في الأحكام الشّائعة إن كان له أحكام شائعة، و إلاّ فعامّ أو مجمل على الأقوال التي أشرنا [إليها] (7) في الفوائد الحائريّة.

و وجهه ما ذكرنا: من أنّ المطلق ينصرف إلى الأفراد الشّائعة و الغالبة.

و من أنّ الأئمّة (عليهم السلام) كانوا يتكلّمون على طريقة المحاورات العرفيّة- كما حقّق في محلّه-، و أهل العرف يحاورون كذلك.

مع أنّ الاستعمال أعمّ من الحقيقة، و الأصل عدم النقل.

مع أنّه لو كان منقولا لشاع و ذاع، لأنّ النّقل لغرض التّفاهم، و لم يشع

____________

(1) الوسائل 1: 477- 478 الباب 8 من أبواب الجنابة الحديث 1 و 3 و 5.

(2) الوسائل 1: 284 الباب 17 من أبواب الوضوء الحديث 1.

(3) مستدرك الوسائل 9: 410 كتاب الحجّ الباب 38 من أبواب الطواف الحديث 2.

(4) الوسائل 2: 1055- 1056، الباب 38 من أبواب النجاسات الحديث 5.

(5) الوافي 1: 175. و التهذيب 2: 8، الحديث 13.

(6) الاحتجاج 2: 288 عن سليم بن قيس عن الحسن (عليه السلام): «انّ الناس ثلاثة:

مؤمن يعرف حقّنا .. إلى أن قال: و ناصب لنا العداوة .. فهذا كافر مشرك».

(7) الزيادة منّا اقتضاها السياق.

465

أصلا، بل الفقهاء طريقتهم البناء على المجازات الشائعة، فالشائع خلاف ذلك.

مع أنّ في ثبوت الحقيقة الشّرعيّة خلافا، مع أنّ القائل بالثبوت إنّما يقول به فيما هو عند اصطلاح المتشرّعة حقيقة في المعنى الشّرعيّ، و منقول عن اللّغة البتّة، قائلا: بأنّ النقل و الحقيقة من الشّرع، لا فيما ليس كذلك، بل عند المتشرّعة خلاف ذلك.

فعلى فرض أن يكون الشارع نقل، لكن لم يطّلع عليه أصحابه أو أغلب أصحابه، لا ينفع أصلا، لأنّ غير المطّلع يبني على اللغة و العرف جزما، فيكون مراد الشارع منه هو الّذي يفهمه بلا شكّ، و من أين يدري أنّ الرّاوي اطّلع عليه أم لا؟! مع أنّ الأصل عدم اطّلاعه و بقاء ما كان على ما كان.

ثمّ إنّه ربّما يكون المراد ممّا ذكره المعصوم (عليه السلام): أنه كذا شرعا، و لا يجري هذا إلاّ فيما هو وظيفة الشارع، مثل الأحكام الشّرعيّة التكليفيّة، و الوضعيّة، و موضوع الأحكام إذا كان عبادة لكونها توقيفيّة، و لا يجري في غير ذلك قطعا، لاستلزامه الكذب، إلاّ أن يكون المراد الغالب و المجاز، على حسب ما عرفت. و صاحب المدارك توهّم اتّحاد ما يكون المراد منه الغالب مع ما هو المراد منه شرعا، (و وقع منه الاشتباه و عدم الفرق بينهما في خصوص الحيض و الاستحاضة. و اعترض على الفقهاء أيضا من جهة الاشتباه المذكور، و غيّر الطّريقة من أوّل بحث الحيض و الاستحاضة إلى آخرهما عن طريقة الفقهاء) (1) و تبعه غيره من المحقّقين أيضا غفلة، و إن كان

____________

(1) بما ان النسختين لا تخلوان عن تشويش في العبارة فما أثبتناه بين القوسين تلفيق منهما.

466

في بحث المنيّ وافق القوم كما لا يخفى على المطّلع المتأمّل.

ثمّ لا يخفى أنّه ربّما كان المراد منه شرعا مخالفا للقاعدة الشّرعيّة فلا عبرة به إلاّ أن يكون ثابتا ظاهرا مقاوما للقاعدة، فيكون قاعدة شرعيّة مستثناة من القاعدة الشرعيّة، على حسب ما عرفت سابقا.

467

فائدة (28) [الفرق بين مقام ثبوت التكليف و مقام الخروج عن عهدته]

فرق بين مقام ثبوت التكليف و مقام الخروج عن عهدة التّكليف الثابت، إذ بمجرّد الاحتمال لا يثبت التكليف على المجتهد و المقلّد له بعد استفراغ وسع المجتهد في الاجتهاد، و المقلّد في التقليد، لما عرفت من أنّ الأصل براءة الذّمّة حتّى يثبت التكليف و يتمّ الحجّة، و انّه ما لم يتمّ الحجّة لم يكن مؤاخذة أصلا و قبح في الارتكاب أو التّرك مطلقا.

نعم الاحتمال معتبر في مقام ترك الاستفصال عند السؤال كما عرفت، لكن في الحقيقة ليس المثبت للتكليف هو الاحتمال، بل العموم الحاصل من ترك الاستفصال حينئذ، و عرفت أنّ من ليس بمجتهد و لا مقلّد ليس بمعذور، لعدم معذوريّة الجاهل، بل عليه تقليد المجتهد إن أمكن، و إلاّ فعليه الاحتياط مهما تيسّر، و إن أمكنه التقليد، و لم يقلّد يكون مقصّرا، و مع ذلك

468

يكون عليه الاحتياط مهما أمكنه، و قد عرفت أنّ الاجتهاد و التّقليد إنّما يكونان في نظريّات الدّين و المذهب لا ضروريّاتهما، و أنّ الضروريّات لا فرق فيها بين المجتهد و المقلّد.

و أمّا مقام الخروج عن عهدة التّكليف، فقد عرفت أيضا أنّ الذمّة إذا صارت مشغولة فلا بدّ من اليقين في تحصيل براءتها، للإجماع و الأخبار، مثل قولهم: «و لا تنقض اليقين إلاّ بيقين مثله» و غيره، و لما يظهر من تتبّع تضاعيف الأخبار الواردة في مقام تحقّق الامتثال و الخروج عن العهدة أنّه بمجرّد الشكّ في الفعل لا يكون ممتثلا، بل بالظنّ أيضا إلاّ في مواضع مخصوصة.

و أيضا ثبت- من العقل و النّقل و الآيات القرآنيّة و الأخبار المتواترة و الإجماع من جميع المسلمين بل الملّيين- وجوب إطاعة الشارع، بل كلّ أمر و نهي منه يقتضي وجوب إطاعته، و معلوم أنّ الإطاعة من جملة موضوعات الأحكام الّتي مرجعها إلى العرف، و اللّغة. و معلوم أنّ معناها هو الإتيان بما أمر به، فلا يكفي احتمال الإتيان و لا الظنّ به، لأنّ الظنّ بالإتيان غير نفس الإتيان، و الإتيان هو الإيجاد واقعا، فعلى هذا لا يكفي الشكّ بالبراءة و لا الظنّ، إلاّ أن يكون الشارع يرضى بهما، و يثبت منه ذلك.

و ممّا ذكرنا علم أنّه إن استيقن بأنّ عليه فريضة فاتته، فلا يعلمها بخصوصها أنّها الظّهر أو الصبح، أو يعلم أنّ عليه فريضة، و لم يعلم أنّها فائتة، أو حاضرة، مثل: أنّه لا يدري أنّها الظّهر أو صلاة الزلزلة، يجب عليه أن يأتي بهما جميعا حتّى يتحقّق الامتثال.

و لا يتوهّم أحد أنّ الإتيان بالثانية زيادة في الدّين، لأنّ الواجب عليه كان واحدا لا غير، فيكون تشريعا. لأنّ التّشريع هو: إدخال ما ليس في

469

الدّين فيه عمدا و تقصيرا، لا من جهة تحصيل البراءة الشّرعيّة، و لا من جهة الاحتياط، إذ لو كان يعلم أنّه في الدّين، فلا معنى لكونه احتياطا، بل يكون واجبا بالأصالة و لو لم يعلم، فلا يتأتّى الاحتياط على ما توهّم، مع أنّ الاحتياط ثابت عقلا و نقلا و إجماعا. و كذا الحال في مقدّمة الواجب.

على أنّا نقول في هذا المقام: إنّ الثانية داخلة في الدّين على الجزم و اليقين، لما عرفت من البراهين، و لما في كتب الأصول في مقدّمة الواجب و في الاحتياط و ممّا ذكرنا علم أيضا أنّ المكلّف في يوم الجمعة مثلا يعلم يقينا أنّه لم يخرج عن التكليف، و لم يصر مثل الأطفال و المجانين، بل عليه إمّا الظهر أو الجمعة عند استجماع جميع الشّرائط سوى المنصوب من قبل الإمام (عليه السلام). و علمه بذلك من جهة ضروري الدين، لا من جهة الاجتهاد أو التّقليد، أو غيرهما من الظّنون أو العلم النّظريّ. نعم تعيين كونها الظّهر أو الجمعة من نظريّات الدّين، بل من معضلاته عند المطّلعين الخبيرين، و إن كان عند الجاهلين الغافلين أنّها ليست كذلك.

و كيف كان، لا شكّ في كونها من النّظريّات، لا الضّروريّات، فالمجتهد إن لم يرجّح إحداهما، و يكون متوقّفا متحيّرا لا جرم يكون عليه الإتيان بهما جميعا بإجماع جميع العلماء، لما عرفت من البراهين. و كذا الحال في مقلّده، و كذا الحال فيمن لم يجتهد و لم يقلّد.

بل عرفت أنّه إن حصل له ظنّ بتعيّن إحداهما لا ينفعه أصلا، لعدم حجّية ظنّه، بل و حرمة العمل به، لما عرفت من أنّ العمل بالظنّ حرام إجماعا، للأدلّة الكثيرة الواضحة، إلاّ الظنّ الّذي رخّص الشارع العمل به، و ليس ظنّه من جملته قطعا، فلا شبهة في حرمته، و إن كان عنده في غاية القوّة، بل و إن ادّعى الجزم، كما يدّعيه بعض الجاهلين الغافلين المنغمرين في

470

بحار الغفلة، التّائهين في براري الجهالة، إذ لا شكّ و لا شبهة في كونه جهلا مركّبا يعرف ذلك من له أدنى اطّلاع بحقيقة الحال.

فإذا كان ظنّه بل جزمه أيضا غير معتبر في نفسه شرعا، فكيف يمكنه الاكتفاء به في مقام تحصيل البراءة اليقينيّة، سيّما بعد ملاحظة قولهم:

«لا تنقض اليقين إلاّ بيقين مثله»، إذ أين اليقين الحاصل بالضّرورة من الدّين من هذا الجزم الّذي يدّعي حصوله بالنّظر؟! سيّما مع ما يرى من اختلاف الفقهاء الخبيرين المطّلعين المتّقين العادلين المقدّسين، أرباب القوى القدسيّة و الملكة التّامة في الفقه مع نهاية كثرتهم و شهرتهم و قرب عهد قدمائهم إلى المعصوم (عليه السلام) بل و متأخّروهم أيضا أقرب عهدا منه بمراتب، و مع ذلك اتّفقوا على خلاف ما فهم، أو كاد أن يتّفقوا، بل اتّفقوا على عدم اليقين، و كونه من المسائل الاجتهاديّة.

و أمّا المجتهد الّذي رجّح إحداهما (1) فالظاهر من طريقة بعض فقهائنا أنّه أيضا في مثل هذه المسألة لا يجوز له الاكتفاء بظنّه، لما عرفت من البراهين، و أنّ اليقين بشغل الذّمّة يستدعي اليقين بالبراءة، و أنّ ظنّ المجتهد حجّة فيما لم يتأتّ له اليقين، إلاّ فيما يثبت من الشّرع تجويز التعويل عليه، و لم يثبت في مثل المقام، و أيضا من المسلّمات عند المجتهدين أنّه مع تيسّر العلم لا يجوز التعويل على الظنّ، و مع تيسّر الأقوى لا يجوز التعويل على الأضعف.

لكن الظّاهر من طريقة الباقين تجويز التّعويل على ظنّه حينئذ، لما دلّ على كون ظنّه حجّة، و تيسّر اليقين ليس مخصوصا بالمقام، بل غالب مقامات

____________

(1) في الأصل: أحدهما.

471

الفقه يتيسّر حصول اليقين بالنسبة إلى آحاده، إلاّ أنّه بالنّسبة إلى المجموع لا يتيسّر، بل لا يمكن، و ترجيح خصوص مقام على آخر من غير مرجّح شرعي ممّا لا يمكن، و التزام تحصيل اليقين مهما تيسّر بعنوان الوجوب ربّما يوجب العسر و الحرج أيضا، بل لعلّه لا يمكن، لعدم إمكان معرفة خصوص حدّ الواجب الّذي على تركه العقاب بحيث لا يحتمل الزّيادة و النقيصة أصلا و رأسا، حتّى يراعى في العمل، و في المقام تحصيل امتثال الواجب، فلا يدري عادة أنّه أيّه يختار، و أيّه لا يختار، و أيّ حدّ منه صار حرجا منفيّا و أيّ حدّ لم يصر، و التزام المقدّمات لحصول ذلك الحدّ يوجب العسر و الحرج بلا شبهة.

و بالجملة: ذلك أيضا ربّما ينافي الملّة السمحة السّهلة. لكن مع هذا يأمرون بالاحتياط استحبابا، و يبالغون، و لذا طريقتهم في الفقه أنّهم يقولون: الأقرب كذا، و الأحوط كذا، و أمثال هذه العبارة.

فإن قلت: الاحتياط كيف يتحقّق هنا؟ لأنّ جمعا منهم يقولون بحرمة الجهة، و دليلهم يقتضيها.

قلت: يقولون بحرمتها على من وافقهم رأيه، و إلاّ فهم متّفقون على أنّ كلّ مجتهد مكلّف بما ادّعى إليه اجتهاده، و كذا مقلّده، و متّفقون على أنّ المجتهد المتحيّر يجب عليه و على مقلّده الجمع بينهما كما عرفت، و كذا من لم يجتهد و لم يقلّد بمقتضى ما عرفت من البراهين، و متّفقون على حسن الاحتياط على المجتهد المعوّل على ظنّه مهما أمكنه.

و ما ذكرت من أنّ دليلهم يقتضيها.

ففيه: أنّ احتمال الحرمة إنّما هو من المقام الأوّل و هو مقام ثبوت التكليف، و الثّاني: مقام الخروج عن العهدة كما ذكرت في أوّل الفائدة.

و جميع الفقهاء متّفقون، على أنّه ما لم يتمّ الحجّة لم يحرم شيء، و لم يكن

472

في ارتكابه قبح أصلا، و أنّ الأصل براءة ذمّتنا حتّى يثبت التكليف و القبح.

و أمّا فعل الجمعة في مقام تحصيل البراءة اليقينية فقد عرفت أنّه مقتضى البراهين و متّفق عليه. غاية ما في الباب أن يكون المجتهد المرجّح لإحداهما يجوز له التعويل على ترجيحه، من باب أنّ الضّرورات تبيح المحظورات، لما عرفت من أنّ التعويل على الظنّ محظور، سيّما في مقام تحصيل البراءة اليقينيّة المأمور به و لأجله، و هذا لا يمنع حسن الاحتياط، و فرق واضح بين الشيء الّذي لم يثبت حرمته و الشيء الحرام الّذي أبيح لنا من جهة أنّ عدم إباحته يوجب الحرج علينا، فإنّا لو تركناه، و ضيّقنا على أنفسنا فلا شكّ في حسنه، كما إذا اشتغلنا في جميع أوقاتنا بالصّلاة النّافلة أو غيرها من العبادات، إذ لا شكّ في حسنه مع أنّه حرج، على أنّ الجمع بينهما ليس بحرج جزما، و إنّما الحرج لو حصلنا اليقين بعنوان الوجوب في جميع ما يمكننا تحصيل اليقين فيه كما عرفت، و أين هذا من ذاك؟

هذا كلّه مع قطع النّظر عمّا ذكرنا في الفوائد من أنّ الصلاة الفريضة إذا احتملت الوجوب و الحرمة يقدّم جانب الوجوب فيها عند علمائنا، لأنّه ليس شيء بعد معرفة اللّه تعالى و الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و الإمام (عليه السلام) أوجب من الصّلاة (1).

و لأنّها «إذا قبلت قبل ما سواها» (2).

و لأنّها «مثل عمود الفسطاط» (3) إلى غير ذلك من التأكيدات. و منها

____________

(1) الوسائل 3: 25، الباب 10 من أبواب أعداد الفرائض و نوافلها الحديث 1.

(2) الوسائل 3: 78، الباب 1 من أبواب المواقيت الحديث 2 مع اختلاف يسير.

(3) الوسائل 3: 22، الباب 8 من أبواب أعداد الفرائض و نوافلها الحديث 6.

473

«أنّ المتهاون بها كافر» (1)، إلى غير ذلك.

ثمّ لا يخفى أنّ عند الجمع بعنوان الوجوب، يفعلان بقصد الوجوب على القول بوجوب قصد الوجه، لأنّ إحداهما واجبة بالأصالة، و الثّانية من باب المقدّمة على ما هو المشهور، و مقدّمة الواجب المطلق واجبة شرعا على المشهور، مع أنّ من لم يقل بوجوبها شرعا يقول بوجوبها عقلا في مثل المقام، لما عرفت من الأدلّة على وجوب خصوص المقدّمة أيضا، و تعلّق خطاب الشرع به على حدة. و النّزاع إنّما هو فيما لم يتعلّق به خطاب الشارع على حدة، على أنّ من الفقهاء من يقول بوجوب الصّلاتين معا بالأصالة بالنّسبة إلى تلك الجماعة، للأدلّة المذكورة فتأمّل.

____________

(1) الوسائل 3: 29، الباب 11 من أبواب أعداد الفرائض و نوافلها الحديث 6 مع اختلاف في اللفظ.

474

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

475

فائدة (29) [هل المعاملات كالعبادات توقيفيّة]

اعلم أنّه ربّما يقول بعض الفقهاء في العبادات و المعاملات في مقام التّعريف: إنّه لغة كذا، و شرعا كذا.

و لعلّ المراد (1): معنى اللّفظ المذكور لتلك العبادة أو المعاملة أعمّ من أن يكون حقيقيّا أو مجازيّا، لنزاعهم في ثبوت الحقيقة الشّرعيّة.

أو يكون مراده أعمّ من الشرع و المتشرّعة. أو يكون المراد من المعنى: المعنى الصّحيح شرعا، و المعتبر عند الشارع، و المثمر بحسب الشرع.

و هذا هو الأقرب، فيندفع الإشكال الأخير: و هو أنّ العبادات توقيفيّة دون المعاملات. فلو كان المعنى في المعاملات بحسب الشّرع مغايرا للمعنى

____________

(1) أي المراد من قولهم «شرعا».

476

العرفيّ و اللّغويّ لكانت المعاملات أيضا توقيفيّة و وظيفة للشّرع، لعدم إمكان الاطّلاع على المعنى الاصطلاحيّ إلاّ من جهة صاحب الاصطلاح و تعريفه، مع أنّ الفقهاء متّفقون على أنّ العبادات توقيفيّة دون المعاملات، كما لا يخفى على من لاحظ طريقتهم.

مع أنّهم يصرّحون في المعاملات- في مقام الاستدلال على محلّ النّزاع و الجدال:- أنّ المعتبر هو المعنى العرفيّ أو اللّغوي. مثلا يقولون في البيع:

ما يعدّ في العرف بيعا، و في الصلح ما يعدّ فيه و في اللّغة صلحا، إلى غير ذلك، و يجعلون ما ورد من الأمور المعتبرة من الشرع شرطا للصحّة.

477

فائدة (30) [عدم جريان الأصل في لغات العبادة و غيرها]

صرّح الأصوليّون و الفقهاء بأنّ اللّغة لا تثبت بالدّليل، بل مقصورة على السّماع، و نصّ الواضع، أو فهم منه بالتّرديد بالقرائن، هذا في الحقائق.

و أمّا المجازات فتجويز نوعها، و أمّا إفادتها فبالقرينة الصّارفة، عن الحقيقي، و المعيّنة للمجازي.

و من جملة اللّغات ألفاظ العبادات، و المعاجين و الأدوية المركّبة و البسيطة.

و لذا صرّح في الأصول المبسوطة بأنّ أصل العدم لا يجري في بيان ماهيّة العبادات.

و في كتب الفقه و الاستدلال بأنّ العبادات توقيفيّة موقوفة على نصّ الشّارع، أو يقولون كيفيّة متلقّاة من الشرع و وظيفة الشرع و موقوفة على

478

بيان الشارع، أو على قوله أو فعله، إلى غير ذلك من التّصريحات، حتّى أنّهم ربّما لا يكتفون بالإطلاقات الكثيرة الصّادرة منه مثل: قوله (عليه السلام): «كبّر للإحرام» أو «للافتتاح»، أو «سبع تكبيرات» إلى غير ذلك. و مع ذلك يقولون: لا بدّ من الاقتصار على قول «اللّه أكبر» بهمزة «اللّه» المفتوحة، و لا تقطع، و لا تغيّر هذه الهيئة مطلقا، لأنّها القدر الّذي ثبت لنا من فعل الشّارع.

و تمسّكهم بأصل العدم في بعض المقامات إنّما هو بالنّسبة إلى الشرط الخارج، بناء على ترجيحهم كون اللّفظ اسما للأعمّ من الصحيحة، و كون الأعمّ معلوما بالنّصّ و الإجماع، لا في ماهيّة العبادات، و لذا منعهم الّذين يقولون بأنّ اللّفظ اسم لخصوص الصّحيحة، و هذا واضح في أنّهم متّفقون على عدم الجريان في الماهيّة.

و أيضا ضبطوا أمارات الحقيقة و المجاز و ما به يعرفان، و هي: نصّ الواضع فيها، و التبادر و عدم صحّة السّلب و ما ماثلهما في معرفة الحقيقة، و عدم التّبادر، و صحّة السّلب، و ما ماثلهما في معرفة المجاز.

و ليس شيء من ذلك دليلا، بل خاصّة لهما غير منفكّ عنهما، فحاله حال القرائن المعيّنة لأحد معنيي المشترك، و لا فرق بين كون المعنيين حقيقيّين، أو أحدهما حقيقة و الآخر مجازا.

و المراد من الدّليل الأدلّة العقليّة. و إن كانت معتبرة شرعا في غير المقام مثل أصل العدم و غيره على أنّك عرفت أنّ كلماتهم صريحة في انحصار معرّفات المعنى و ما اعتبر فيه في الأمور الّتي أشرنا إليها. و أصل العدم و ما ماثله ليس داخلا في تلك الأمور قطعا.

و تمسّكهم بالأصل في عدم تعدّد المعنى، أو عدم تغيّره بعد معلوميّة

479

المعنى و ثبوته- كما ذكرنا في الفوائد- ليس تمسّكا في بيان ماهيّة المعنى أو ما هو داخل فيها، بل في أمر آخر، و لا مانع من هذا التمسّك كما ستعرف.

على أنّهم كثيرا ما لا يجدون معرّفاتهم للحقيقة أو المجاز فيتوقّفون و لا يتمسّكون بالأصل، مع وضوح جريانه لو صحّ، و لم يكن له مانع.

و بالجملة: طريقة الفقهاء و الأصوليّين فيما ذكرنا في غاية الوضوح، إلاّ أن يكون جاهلا بطريقتهم، أو غافلا عنها يحتاج إلى ما نبّهنا، و أشرنا إليها.

و أمّا عدم إمكان معرفة اللّغة بالدّليل فهو من أجلى البديهيّات، إذ يعرف كلّ طفل أنّه لا يمكنه معرفة لغة أهل الفرنج، أو الهند، أو الخزر، أو الصقالبة (1)، أو اللّغة اليونانيّة، أو السّريانية (2)، أو العبرانية (3)، أو غيرها بدليل من الأدلّة، و لا بمجموع الأدلّة، و يعرف أنّهما مقصورة على السّماع، أو التّرديد بالقرائن ليس إلاّ. و كذا الحال في مجازات تلك اللّغات على حسب ما أشرنا.

و كذا الحال في معرفة حقائق اصطلاحه عن مجازاته من غير جهة خواصّهما الّتي أشرنا إلى بعضها، و ضبطوها في كتبهم.

مع أنّهم تأمّلوا في المعرفة ببعض ما ذكروه، فكيف الحال في الأدلّة مع

____________

(1) في (ف): (الصعالبة)، و في (م): (الصقالبة) و الظاهر أنهما تصحيف من الصقالبة و الصقالبة هم الشعوب السلافية القاطنة بين جبال أورال و البحر الأدرياتيكي في أوربا الشرقية و الوسطى. (المنجد- في الأعلام-) بتصرف.

(2) السريانية لغة سامية لا يزال السّريان و الموارنة و الكلدان يستعملونها في طقوسهم الدينية. (المنجد- ملحق- مادة سري).

(3) العبرانية: لغة اليهود، كما تطلق على الديانة اليهودية. (المنجد مادة- عبر-) و المراد هنا المعنى الأوّل.

480

اتّفاقهم على عدم المعرفة بها (1).

على أنّه ربّما نطّلع على شيء من هذه المعاني بعنوان اللا بشرط بسبب الشّياع أو القرائن، فلا يمكننا أن نقول: المعنى هو الّذي اطّلعنا عليه لأصالة عدم الزّيادة، فعلمنا هذه اللّغات، و عرفناها.

مثلا: اطّلعنا بالشياع أنّ «الأيارج»- باللّغة اليونانيّة- دواء، و لم نعرفه أنّه مطلق الدّواء أو دواء خاصّ، فلا يمكننا أن نقول: هو مطلق الدّواء، للأصل.

أو اطّلعنا أنّه دواء الصبر، و لم نعرف أنّه هل فيه جزء آخر أم لا؟

فنقول: هو مطلق الصّبر يداوى به من غير اعتبار شيء في كيفيّة المداواة به أصلا، لأصالة العدم.

أو علمنا أنّه فيه جزء آخر هو الإهليلج (2) و لم نعرف أنّه هل فيه جزء آخر أم لا، و لم نعرف أيضا أنّه تعتبر في هذين الجزءين كميّة أو كيفيّة في التّركيب و الترتيب، أو كونهما مسحوقين أو غير مسحوقين، أو منقوعين أم لا، أو مطبوخين أم لا، أو أحدهما كذلك دون الآخر بالنسبة إلى الكلّ أو البعض، إلى غير ذلك. فنقول: الأصل عدم اعتبار جميع ذلك ف«الأيارج» هو الجزءان لا غير، كيف كانا و لو قلنا ذلك و داوينا المرض بالجزءين كيف كانا لألحقنا بالمجانين في حكمنا بأنّه «الأرياج». و كنّا مؤاخذين على اليقين في المداواة.

____________

(1) في الأصل: اتفاقهم في عدم.

(2) الهليلج و الإهليلج و الإهليلجة: عقّير من الأدوية معروف، و هو معرّب. (اللسان 2: 392 مادة هلج).