شرح الرسالة الصلاتية

- الشيخ يوسف البحراني المزيد...
173 /
101

القول المشهور فيكون هو (الأحوط مرتباً) للسجود (بترتيبه) أي ترتيب السبب (على قول) هذا القول ظاهر (الشهيد في الذكرى) (متبادرا بهما قبل) فعل (المنافي) من كلام عمداً أو حدث و نحو ذلك (على الأحوط) و المشهور بين الأصحاب وجوبها على الفور و لا أعرف لهم دليلًا على ذلك إلا مجرد الأمر للفور و فيه منع قد حقق في الأصول و ربما استند بعضهم إلى الأخبار الدالة على الأمر بالإتيان بهما جالسا قبل أن يتكلم.

و غاية ما تدل عليه وجوب إيقاعهما قبل الكلام، و لا ملازمة بينه و بين الفورية.

«و كيف كان فالاحتياط في المبادرة بهما متى كان ذاكرا لهما» أما لو نسيهما فإنه يأتي بهما متى ذكر لإطلاق الأمر المقتضي لوجوب الامتثال و يدل على ذلك (موثقة عمار).

(مقدما لما يقضي الأجزاء المنسية) [17] مثل التشهد و السجدة و الصلاة على النبي و آله (صلى الله عليه و آله و سلم)، و على القول بقضائها (عليهما) أي على سجدتي السهو لتلك الأجزاء المنسية بل و غيرها (و كذلك) أي على الأحوط أيضا ظاهر (الشهيد في الذكرى) وجوب تقديم الأجزاء المنسية على السجود لها قال: «و لو كان هناك ما يقضي من الأجزاء قدمه على سجدتي السهو وجوباً على الأقوى و لو تكلم و نسي سجدة سجدها أولا ثم سجد لسهوها.

و كان متأخرا عن الكلام لارتباطه بها و يحتمل تقديم سجود الكلام لتقدم سببه، و لو نسي سجدات أتى بها متتالية و سجد السهو بعدها و ليس له أن يخلله بينهما على الأقرب صونا للصلاة عن الأجنبي» انتهى.

و في أكثر هذه الأحكام تأمل سيما بعد ما عرفت فيما تقدم من أن عمدة ما تقضي [18] عندهم من الأجزاءِ المنسية هو السجدة و التشهد، و روايات الواردة بقضاء السجدة ليس فيها ما يدل على سجود السهو بل فيها ما يدل على عدمه، و الروايات التي وردت في التشهد المنسي ما اشتمل منها على قضاءِ التشهد و ليس فيه تعرض للسجود بالكلية و ما اشتمل منها على السجود ليس فيه تعرض لذكر قضاءِ التشهد بالكلية و متى أتى بالسجدتين فليكن (ذاكراً فيهما بالمأثور وجوباً) اختلف الأصحاب في وجوب الذكر فيهما، و المشهور الوجوب.

و ذهب (المحقق في المعتبر، و العلامة في المنتهى) إلى العدم و يدل على ما ذكراه (موثقة عمار)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن سجدتي السهو هل فيهما تكبير أو تسبيح؟ قال: [لا إنما هما سجدتان فقط]

«الحديث».

و يؤيده أيضاً إطلاق الأمر بالسجود في كثير من الأخبار و يدل على المشهور (صحيحة الحلبي) الآتية، و كذا (حسنته) و بهما يفيد إطلاق الأخبار و أما (موثقة عمار) فهي قاصرة عن معارضة هذين الخبرين، و على المشهور فهل يتعين فيهما ما روي من الذكر أم يكفي مطلق الذكر؟ صرح جمع من الأصحاب بالأول استناداً إلى الروايتين الآتيتين، و آخرون بالثاني نظراً إلى إطلاق الأدلة و فيه ما عرفت.

(و صورته) أي صورة ذكر المأثور على ما ورد في (صحيحة الحلبي و حسنته) (بسم الله و بالله و صلى الله على محمد و آل محمد) أو يقول أيضاً (عوض جملة الصلاة اللهم صل على محمد و آل محمد) (أو) يقول أيضاً: (بسم الله و بالله السلام عليك أيها النبي و رحمة الله و بركاته) و المستند في جميع ذلك ما رواه (الصدوق في الفقيه

____________

[17] في نسخة ح لما يقتضي من.

[18] في نسخة ح ما المقتضي.

102

في الصحيح عن الحلبي)

عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: [تقول في سجدتي السهو «بسم الله و بالله و صلى الله على محمد و آل محمد» قال: و صفته مرة أخرى يقول: «بسم الله و بالله السلام عليك أيها النبي و رحمة الله و بركاته»].

و روى ذلك (الكليني في الكافي في الحسن إبراهيم بن هاشم) الذي هو ثقة عندنا و عند (جمع من متأخري أصحابنا) فحديثه صحيح و فيه يدل جملة «و صلى الله اللهم صل» [19] كما ذكرنا في الأصل، و هو في بعض نسخ (الفقيه) أيضاً.

و روى (الشيخ في الحسن لمحمد [20] بن عيسى الأشعري عن الحلبي) قال

سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول في سجدتي السهو

إلى آخر ما نقله (الصدوق)، و لكن فيه «و السلام» بإضافة العاطف «و العمل بالكل حسن» كما ذكر بعض أصحابنا (رضوان الله عليهم).

و يجب أن يأتي السجدتين (فاصلا بينهما بجلسة وجوباً) لتوقف يقين البراءة عليه.

و علله بعضهم بأنه ليتحقق التثنية في السجود، و فيه ما لا يخفى [21].

(مكبراً للأخذ في السجود، و الرفع منه استحباباً على المشهور) قالوا و صورتهما أن ينوي ثم يكبر ثم يسجد كسجود الصلاة، ثم يقول في حال السجود ما تقدم ثم يرفع و يجلس كرفعه في الصلاة ثم يسجد ثانية كذلك ثم يرفع رأسه كذلك و يتشهد مقتصراً على أقل الواجب فيه، ثم يسلم و استحباب التكبير فيهما صرح به جمع من الأصحاب منهم (الشيخ في المبسوط) و الذي وقفت عليه في هذا المقام (موثقة عمار) المتقدم ذكرها حيث قال فيها على أثر الكلام السابق

[فإن كان الذي سهى هو الإمام كبر إذا سجد و إذا رفع رأسه ليعلم من خلفه أنه قد سهى و ليس عليه أن يسبح فيهما و لا فيهما تشهد بعد السجدتين]

و أنت خبير بأن صدر الرواية صريح في نفي التكبير، و إنما أثبته للإمام خاصة.

و حينئذ فلا دلالة فيها على ما ادعوه من العموم، و من نسب الحكم إلى المشهور إيذاناً بما في الدليل من قصور.

(آتياً فيها ما يجب في سجود الصلاة) من السجود على المساجد السبعة و وضع الجبهة على ما يصح السجود عليه و الاستقبال، و الطهارة و الستر و نحو ذلك (احتياطاً) و المشهور وجوب جميع ذلك و قيل بالاستحباب في الثلاثة الأخيرة «و الأحوط الوجوب لتوقف يقين البراءة عليه».

(متشهداً بعد الرفع من) السجدة (الثانية) حال كونه (جالساً وجوباً) كما هو المشهور، (مخففاً له) أي للتشهد بالاقتصار على الواجب منه خاصة (استحباباً) و قيل يجب فيهما التشهد المعهود في الصلاة [22] و يدل على المشهور قوله (عليه السلام) في (صحيحة الحلبي)

[و اسجد سجدتين بغير ركوع و لا قراءة يتشهد فيهما تشهدا خفيفاً].

(مسلماً بعده) أي بعد التشهد (وجوباً) و هو المشهور، و وجوب التشهد و التسليم في سجدتي السهو هو المعروف من مذهب الأصحاب، و ذهب (العلامة في المختلف) إلى استحبابهما، و جعله وجه جمع بين الأخبار و قال: «إن الواجب فيها النية لا غير» مع أنّه في (المنتهى) ادعى الإجماع على وجوب التشهد و التسليم فيهما [23].

و قبله (المحقق في المعتبر) و مال إلى الاستحباب هنا (بعض أفاضل متأخري المتأخرين) و يدل عليه (موثقة عمّار) المتقدمة و يؤيده

____________

[19] في نسخة م صلاته اللهم صلى، و هذا وفق بعض الأصل.

[20] في نسخة ع محمد بن.

[21] لا يخفى من تحقق التثنية بمجرد رفع الرأس و العود إلى السجود و إن لم يجلس معتدلا أو فصل بينهما، بعيد السند و المدرك كما هو قول المحقق: فمن قال بذلك استلزم القول بوجوب الجلسة، و وجوبها خال من مستند سوى الاتفاق كما حققه المصنف في كيفية السجود في ص 174 تأمل يتضح لك الخفي.

[22] استحباباً أي يستحب الاقتصار على الواجب و القول المنقول بالوجوب أي في تعين التشهد له كما للصلاة، لا استحباب في ذكر أقل الواجب.

و قد مر علينا الدليل في ذكر أقل الواجب منه.

[23] في نسخة م فيهما و جعله وجه يجمع بين الأخبار.

103

إطلاق الأخبار بالأمر بالسجود، و الأظهر هو القول المشهور و يدل على التشهد فيهما (موثقة أبي بصير و رواية ابن مسكان و صحيحة علي بن يقطين) و غيرها و يدل على التسليم فيهما (صحيحة ابن سنان) و غيرها، و بذلك يعتمد إطلاق الأخبار و أما (موثقة عمار) فهي قاصرة عن معارضة تلك الأخبار مع ما في روايات (عمار) من الغرائب كما طعن به عليه (المحدث الكاشاني في الوافي) في غير موضع.

و مال (بعض أفاضل متأخري المتأخرين) إلى حمل (موثقة عمّار) على التقية قال: «لذهاب طائفة من العامة إلى مضمونها» و هو جيد.

(و ليس الإتيان بهما شرطاً في صحة الصلاة على الأشهر) الأظهر، لأن غاية ما يفهم من الأخبار الدالة على الأمر بهما هو وجوب الإتيان بهما فلو أخل بالإتيان بهما عمداً أثم لإخلاله بواجب.

و أما أنّه تبطل الصلاة بذلك، فلا دليل عليه خلافاً (للشيخ (رحمه الله) حيث ذهب في بعض أقواله إلى بطلان الصلاة بتركهما عمداً.

الباب الخامس في باقي الصلوات و فيه مطالب:

المطلب الأول في صلاة الجمعة

(تجب يوم الجمعة ساعة تزول الشمس) توقيت الجمعة بساعة الزوال و هو أحد الأقوال في المسألة بمعنى أنّه يبتدئ بها في أول الزوال إلى أن يفرغ منها و قيل إنّه إذا مضى مقدار الخطبة و ركعتي الصلاة فقد فاتت و لزم أداؤها ظهراً، و الظاهر أنّه يرجع إلى سابقه.

و المشهور امتداد وقتها إلى أن يصير ظل كل شيء مثله و قيل بامتداد وقتها بامتداد وقت الظهر و لم نقف لما عدا الأول على دليل بل ظاهر أدلة القول يرفع ما عداه.

و منها (صحيحة زرارة) قال

سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: [إن من الأمور أموراً مضيقة و أموراً موسعة إلى أن قال: فإن صلاة الجمعة من الأمور المضيقة إنّما لها وقت واحد حين تزول]

[24]. و في (صحيحة أخرى) له عنه (عليه السلام) قال

[وقت صلاة الجمعة يوم الجمعة ساعة تزول الشمس].

إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة.

و وجوبها في هذا الوقت (على كل مكلف ذكر حر حاضر) ليس بمسافر (غير أعمى و لا شيخ كبير) و قيد بعضهم الشيخ الكبير بالبالغ حد العجز و بعض آخر بالبالغ ذلك أو المشقة الشديدة و هو تقيد للنص من غير دليل إلا أن يدعي أخذ ذلك في معنى الشيخوخة أو الكبر، و الظاهر أيضاً بعده و الأخبار بعضها بلفظ الشيخ خاصة و بعضها بلفظ الكبير و بعضها بهما معاً (و لا مريض) إطلاق النصوص يقتضي عدم الفرق في المريض و الأعمى بين ما يشق معه [25] الحضور أم لا، و اعتبر (شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) تعذر الحضور أو المشقة التي لا يحتمل مثلها عادة، و هو تقييد للنص من غير دليل إلا أنّه أحوط.

(و لا بعيد بأزيد من فرسخين) [26] فلو بعد بفرسخين خاصة وجب عليه الحضور على المشهور و لا خلاف فيما أعلم في شيء من هذه الشروط عدا [27] الأخير و على ذلك تدل جملة من النصوص أيضاً منها (صحيحة زرارة) و فيها و وضعها يعني الجمعة عن تسعة الصغير و الكبر و المجنون و المسافر و العبد و المرأة و المريض و الأعمى و من كان على رأس فرسخين، و أما الأخير منها الذي هو عبارة عن البعد الموجب لسقوط السعي إليها، فالمشهور تحديده، بالأزيد من فرسخين.

و حينئذ فمن كان على رأس الفرسخين يجب عليه السعي و يدل على هذا القول (حسنة محمّد بن مسلم) و فيها

[تجب الجمعة على كل من كان فيها على فرسخين

____________

[24] في نسخة م ساعة تزول الشمس.

[25] في نسخة م عليه.

[26] في نسخة م فرسخين خاصة.

[27] في نسخة م و ما عدا الأخير.

104

فإن زاد على ذلك فليس عليه شيء].

و مثلها (حسنة زرارة) و قيل بأن حده الفرسخان فيجب السعي على من بعد بأقل منهما، و على هذا القول تدل (صحيحة زرارة المتقدمة) و لعل طريق الجمع حمل (الصحيحة المتقدمة) على أن المراد أزيد من فرسخين.

«و كيف كان فالظاهر أن الأمر فيه سهل» لأن الحصول على رأس فرسخين من غير زيادة و لا نقصان نادر جدّاً، فبناء الحكم الشرعي عليه بعيد، و كيف كان فمتى استجمع المكلف الشروط المذكورة وجب عليه (صلاة ركعتين عوض الظهر) فلا يجوز الجمع بينهما لكن وجوب ذلك على المكلف المذكور مشروط [28] بأمور: أحدها: أن يكون (بشرط وجود الإمام) فلا تشرع فرادى إجماعاً نصاً و فتوى، (ذكر) اتفاقاً فلا تصح إمامة المرأة في الجمعة.

و يدل عليه مع الإجماع أنّها ليست من أهل الفرض [29]، (بالغ احتياطاً) اتفق الأصحاب

____________

[28] في نسخة م المكلف الشروط المذكورة.

[29] أي أنّها ليست ممن دخل في خطاب الوجوب بهذه الفريضة، و على القول بجواز اشتراك المرأة بذلك، و إجزائها عن الظهر، فإنّه لا تصح إمامتها لعدم عدها ممن تقام عليه الفريضة لأن العدد المذكور للذكور خاصة، فلو أكملته امرأة لا تقام الجمعة.

و جعله الإجماع سنداً له لا إفتاءه به.

105

على المنع من إمامة الصبي الغير المميز و إنّما اختلفوا في المميز المراهق فالمشهور المنع، و عن (الشيخ) جواز إمامته و بعض جوز ذلك مقيداً بكونها بمثله، و آخرون مطلقاً لكن في النافلة.

و يدل على المنع رواية (إسحاق بن عمار) و على الجواز رواية (طلحة بن يزيد و موثقة غياث بن إبراهيم) و يؤيده أيضاً (موثقة سماعة) و بالنظر إلى الأخبار ترجيح الجواز كما اختاره (الشيخ) و من ذلك نسب الحكم إلى الاحتياط و أما التقييد في القولين الأخيرين لم نقف له على مستند.

(مؤمن عدل عاقل إجماعاً) في الثلاثة نصاً و فتوى، و ينبغي أن يعلم أن المنع في إمامة المجنون إنّما هو إذا كان جنونه مطبقاً، فلو كان يعتوره أدواراً فلا منع من إمامته حال إفاقته على الأظهر، (حاضر غير مسافر على الأظهر) اشتراط الحضور في الإمام و عدم انعقادها بالمسافر هو المشهور و نقل في (الذكرى) الاتفاق على انعقادها بجماعة المسافرين، و صحاح الأخبار الدالة على أن المسافرين فرضهم الظهر كما في (صحيحة محمّد بن مسلم و صحيحة جميل) و غيرهما يرده و يدفعه (طاهر المولد) و هو أن لا يعلم كونه ابن زنا و يدل عليه أخبار منها (حسنة زرارة) و فيها

[لا يصلين أحدكم خلف المجذوم و الأبرص و المجنون و المحدود و ولد الزنا].

(قادر على الإتيان بالخطبتين) هذا الشرط ذكره (بعض الأصحاب)، و إليه يشير جملة من الأخبار ففي بعضها

[فإن كان لهم من يخطب بهم جمعوا إذا كانوا خمسة نفر]

و في آخر

[يصلون رابعاً إذا لم يكن من يخطب].

و حينئذ فيحتمل أن يكون بهذا الشرط هو كونه ذا ملكة في أثناء [30] الخطبة المناسبة للمقام من غير تلجلج فيها، و يحتمل و لعله الأقرب أن يكون ذلك إشارة إلى عدم التقية في الخطبة حيث إنّه لا بد في الخطبة الثانية من ذكر (الأئمة (صلوات الله عليهم) كما صرحت به الأخبار، فالمراد بمن يخطب يعني من ليس عليه تقية في الخطبة، و يشترط هذا الشرط مع سابقه (إجماعاً).

(و في اشتراط حريته) أي حرية الإمام (و سلامته من البرص و الجذام و العمى قولان أظهرهما العدم في الأول [31] (لدلالة جملة من الأخبار على أن العبد يؤم القوم إذا كان أفقههم و أكثرهم قرآناً أي أحفظهم للقرآن.

و رواية المنع ضعيفة لا تبلغ قوة المعارضة، (و الأخير) لاستفاضة الأخبار بجواز إمامة الأعمى إذا كان له من يسدده إلى القبلة.

(و الاشتراط في الوسط) و هو البرص و الجذام فيشترط سلامة الإمام من ذلك لدلالة جملة من الأخبار على المنع من إمامة الأبرص و المجذوم (كحسنة زرارة المتقدمة) و (صحيحة محمّد بن مسلم و صحيحة أبي بصير) و يدل على الجواز خبر (عبد الله بن يزيد) و هو ضعيف لا يبلغ قوة المعارضة.

(و) الشرط الثاني من شروط وجوب الجمعة (وجوب ستة يأتمون به) هذا الشرط في الحقيقة يتضمن شرطين: أحدهما العدد و الثاني الجماعة.

كما وقع في كلام الأصحاب حيث صرحوا بكل منهما على حدة و يدل على الثاني الأخبار المستفيضة منها قوله (عليه السلام) في (صحيحة عمر بن يزيد)

[فليصلوا في جماعة].

(و في صحيحة زرارة)

[فرضها الله في الجماعة].

و تتحقق الجماعة بنية المأمومين الاقتداء بالإمام.

و أما الأول فما ذكر من الستة أحد القولين في المسألة و عليه تدل جملة من الأخبار و قيل بوجوبها باقتداء الأربعة و عليه تدل جملة من الأخبار، و أصحاب القول الأول حملوا الأخبار الدالة على الثاني على التغيير، و هو الظاهر و إليه أشار بقوله (فتجب) باقتداء الستة المذكورين (بعد استكمال باقي الشروط) أي شروط الوجوب العيني (وجوباً عينياً أو أربعة كذلك) أي مع استكمال باقي الشروط (فتخييراً).

و أما من قال بالوجوب عينياً بالخمسة عملا بتلك الأخبار فيلزمه طرح أخبار السبعة و إلغاؤها مع صراحتها في كون أقل العدد سبعة أحدهم الإمام [32]. [الموجب لنفي الوجوب عما دونها و مهما أمكن العمل بدليلين فهو أولى من طرح أحدهما] و هاهنا دقيقة يحسن التنبيه عليها: و هو أنّه ربما يقال متى كان وجود العدد و إتمامهم بالإمام أحد شروط الوجوب العيني و بدونه لا تجب فعلى هذا يلزم أنّه لو لم يحضر مع الإمام العدد المذكور انتفى الوجوب فلا يجب على أحد حينئذ السعي لا على العدد المذكور و لا على غيرهم و هو خلاف ما دلت عليه الأدلة كتاباً و سنة من الوجوب العيني على كل مكلف متصف بما تقدم ذكره.

و الجواب: أنّه ينبغي أن يعلم أنّه يجب أولا الحضور على هذا العدد و الاجتماع وجوباً كفائياً [33] و هكذا لو تعددت الأئمة وجب الحضور على واحد منهم غير معين وجوباً كفائياً فلو أخلوا جميعاً بالحضور و الاجتماع شملهم الإثم، ثم إذا حضر العدد المذكور و الإمام توجه الوجوب العيني إلى كافة المكلفين.

(و) الشرط الثالث (تقديم الخطبتين) و هو إجماعي و يدل عليه قول الصادق (عليه السلام) فيما روي عنه (صحيحاً)

[و إنّما جعلت ركعتين لمكان الخطبتين].

و ما تقدم من الأخبار الدالة على أنّهم يجب عليهم الجمعة إذا كان فيهم من يخطب و وجوب تقديم الخطبتين هو المعروف من كلام الأصحاب عدا (الصدوق (رحمه الله) فإنّه ذهب في جملة من كتبه (كالفقيه و العيون و العلل و الهداية) إلى وجوب تأخيرهما و أن تقديمهما «بدعة عثمانية» و هو غريب من مثله جدّاً، فإن ذلك إنّما هو من صلاة العيدين كما هو المروي في الأخبار.

(عربيتين مشتملتين على حمد لله ثم الشهادتين و الصلاة على النبي و آله (صلى الله عليه و آله و سلم) و الوعظ و سورة خفيفة في الأولى و آية تامة الفائدة في الثانية) و ظاهر الأصحاب التخيير في كل من الخطبتين بين قراءة سورة كاملة خفيفة و آية تامة الفائدة، و المستفاد من الأخبار و من الخطب المروية عنهم

____________

[30] في نسخة ع ذا ملكة في إنشاء.

[31] أي الأظهر من القولين سلامته من البرص و الجذام و أما الحرية فلا تشترط في الإمام و أما الأعمى فتجوز إمامته، كما سيأتي.

[32] العبارة ناقصة من حيث لا يكتفى بها معنى و هو غير خفي.

فلذلك استدركنا عبارة من الحواشي و يمكن أن تكون من الأصل لرمزها بص و جعلنا المستدرك منها بين قوسين هكذا.

[33] أي كالوجوب الكفائي.

106

(عليهم السلام) هو ما ذكرناه من السورة الخفيفة في الخطبة الأولى و الآية المذكورة في الثانية و الأولى أن تكون الآية [إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسٰانِ] إلى آخرها.

(و تزيد) الخطبة (الثانية) على الأولى (باشتمالها بعد الوعظ على الصلاة على النبي و الأئمة واحداً واحداً إلى آخرهم) و يدل على ذلك (صحيحة محمّد بن مسلم) عن أبي جعفر (عليه السلام) و فيها

[في الخطبة الثانية بعد الحمد و الشهادتين الوعظ و الصلاة على محمّد و آله ثم يقول: «اللهم صل على أمير المؤمنين و وصي رسول رب العالمين» ثم تسمي الأئمة حتى تنتهي إلى صاحبك]

و يجب أن يكون الإتيان بالخطبتين (من الإمام نفسه) من غير أن يستنيب فيهما (احتياطاً) الظاهر أنّه لا خلاف في الاستنابة مع العذر و أما لا معه فهل يجوز ذلك أم لا قولان و المسألة لا تخلو من إشكال فالاحتياط فيها مطلوب.

و يكون حال الخطبة (قائماً) فيها (مع الإمكان وجوباً) و لا خلاف فيه بينهم عليه تدل (صحيحة معاوية بن وهب) (مؤخراً لهما) الخطبتين (عن الزوال احتياطاً) قد اختلف الأصحاب باختلاف الأخبار، و في وقت الخطبة فذهب جمع منهم إلى أن وقتها قبل الزوال فإذا زالت شرع في الصلاة و عليه تدل (صحيحة عبد الله بن سنان).

و ظاهر أخبار أخر و قيل إن وقتها بعد الزوال و عليه ظاهر (صحيحة محمّد بن مسلم) و غيرها، و التأويلات من الطرفين قائمة «و الاحتياط مما لا ينبغي تركه» في أمثال ذلك.

و يكون الإمام (مستقبلا للقوم بوجهه) حال الخطبة (مسلماً عليهم بعد صعوده المنبر جالساً بعده) أي بعد السلام على القوم (حتى يفرغ المؤذن) فيقوم للخطبة (معتماً متردياً معتمداً) على عصى أو قوس أو نحوهما (استحباباً في الجميع) لورود النصوص بذلك.

و ليكن (فاصلا بينهما) أي بين الخطبتين (بجلسة خفيفة) بقدر ما يقرأ «قل هو الله أحد» كما في (صحيحة محمّد بن مسلم) (وجوباً للتأسي) (و لصحيحة معاوية بن وهب).

متطهراً (مسمعا للعدد احتياطاً) اختلف الأصحاب في كل من المسألتين المذكورتين على قولين من الوجوب و العدم، و المسألتان عاريتان من النص و التعليلات من الجانبين متدافعة، و أصالة عدم الوجوب ظاهرة و الاحتياط في الدين مطلوب.

(و) الشرط الرابع (الوحدة في فرسخ) و هو عبارة عن ثلاثة أميال بلا خلاف، و المشهور أن الميل أربعة آلاف ذراع بمعنى عدم جواز إقامة جمعتين في مسافة الفرسخ فلو وقعا صحت السابقة منهما إن كان ثمة سبق و إلا فإن اقترنتا بطلتا معاً و أعادا [34] جمعة واحدة أما بالاجتماع على جمعة واحدة أو بالتباعد بمسافة الفرسخ إن بقي الوقت و إلا أعاد الظهر و مع جهل السبق و الاقتران فهل يعيدان جمعة نظراً إلى عموم الأوامر المقتضية للوجوب أو يجب الجمع بين الفرضين لعدم حصول يقين البراءة بدونه قولان أقربهما الأول و أحوطهما الثاني، و مع تحقق السبق و تيقنه ثم عروض الاشتباه فهل يعيدون ظهراً للعلم بوقوع جمعة صحيحة فلا تشرع جمعة أخرى بعدها، و لكن لما كانت مشتبهة وجبت الظهر عليهما لعدم حصول يقين البراءة بدونه أو يصلون مع سعة الوقت نظراً إلى عموم الأمر بها و عدم سقوطها بهذه الصلاة قولان: أولهما لا يخلو من قرب إلا أن الأحوط الجمع بين الفرضين.

____________

[34] في نسخة م و أعاد جمعة.

107

و المسألة بجميع شقوقها خالية من النص فسلوك سبيل الاحتياط فيها أسلم و لأن التعليلات من الطرفين لا تخلو من المناقشة.

مسائل:

المسألة الأولى: (ما ذكرناه من الحكم بالوجوب)

أي وجوب الجمعة وجوباً عينياً (بالشروط المذكورة هو المستفاد من الكتاب) لقوله سبحانه [إِذٰا نُودِيَ لِلصَّلٰاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلىٰ ذِكْرِ اللّٰهِ] الآية، (و السنة) و هي الأخبار المستفيضة بل المتواترة التي لا يوجد مثلها دليلا في مسألة من المسائل الفقهية.

و مجمل القول في ذلك أنّه قد اعترف الأصحاب كملا عدا شذوذ منهم بدلالة الأدلة المشار إليها على الوجوب و لكنّهم ادعوا الإجماع على انتفاء العيني حال الغيبة فصار إلى القول بالوجوب التخييري جمعاً بين الأدلة حيث إن الإجماع عندهم من الأدلة الشرعية.

و حينئذ فمن لا يرى حجية الإجماع و لا يعده دليلًا شرعياً كما هو الحق و به صرح جملة (محققي متأخري المتأخرين) تبقى عنده تلك الأدلة سالمة من المعارض و أما ما حدث في هذه الأوقات المتأخرة عن (بعض المعاصرين) من إعطاء التأمل حقه في المسألة من الأوامر بالاحتياط بالظهر بعد الجمعة فهو ساقط عن درجة القبول لما عرفت نعم لو كان الفقيه المصلي للجمعة متردداً في المسألة فالاحتياط حينئذ واجب بالإتيان بهما معاً.

(و للأصحاب في المسألة) المذكورة (اختلاف و تطويل لا يرجع عند المحصل إلى تحصيل) كما لا يخفى على من راجع كلامهم في جملة المواضع و كان ممن عض على المسألة أو كان المصلي لها ليس بفقيه و لكنه فاقد للفقيه الذي يقلده في المسألة بضرس قاطع.

المسألة الثانية: (لا خلاف) بين الأصحاب (في وجوبها على المكلف الذكر ممن وضع عنه الحضور) للجمعة

كالأعمى و الشيخ الكبير و نحوهما مما تقدم ذكره فإنّها تجب عليه (لحضورها [1] (و الوجه في ذلك أن الساقط عندهم وجوب السعي لها، فإذا أتوا لها من أنفسهم توجه لهم الخطاب بفعلها و يدل عليه رواية (حفص بن غياث) عن بعض موالي أبي عبد الله (عليه السلام) و فيها

[إن الله فرض الجمعة على جميع المؤمنين و المؤمنات و رخص للمرأة و المسافر و العبد أن لا يأتوها فلما حضروها سقطت الرخصة].

و لزمهم الفرض الأول فمن أجل ذلك أجزأت عنهم، هذا كله فيما عدا المرأة.

(و في المرأة تردد) ينشأ من دلالة (رواية حفص) المذكورة على الوجوب عليها متى حضرت، و كذا ظاهر (صحيحة أبي همام) و من ظاهر الأخبار الدالة على سقوط الوجوب عن أولئك المعدودين، و لكن لا يخفى أن الإشكال لا يختص بالمرأة لدلالة رواية (حفص) على الوجوب على غير المرأة متى حضر، و دلالة تلك الأخبار على السقوط عن الجميع إلا أن الإجماع قائم على وجوب الصلاة على من عدا المرأة متى حضروا دونها «و الاحتياط يقتضي» إما عدم حضور هؤلاء موضع الجمعة أو الجمع بين الفرضين احتياطاً متى حضروا.

(و لا خلاف أيضاً بينهم في انعقادها) أي الجمعة (بما عدا المرأة و العبد و المسافر أما هؤلاء) فلو كانوا أو واحد منهم من جملة العدد الذي هو شرط في الوجوب و هو السبعة أو الخمسة فهل تنعقد الجمعة

____________

[1] في نسخة ع لو حضرها.

108

و يحصل شرط الوجوب أم لا؟ ففيه تفصيل.

(ففي المرأة لا خلاف) بين الأصحاب (و لا إشكال) أيضاً (في عدم الانعقاد بها) لتضمن أخبار العدد كونهم رهطاً و قوماً أو خمسة نفر و هذه الألفاظ كلها مختصة بالذكور كما يفهم من كلام أهل اللغة.

(و أما الأخيران [2] فمحل خلاف و إشكال) فقيل بانعقادها بهما ذهب إليه (الشيخ في الخلاف، و المحقق في المعتبر، و ابن إدريس) و غيرهم و قيل بالعدم ذهب إليه جمع منهم و به صرح (الشيخ في المبسوط، و ابن حمزة، و العلامة) في بعض كتبه و وجه الإشكال ينشأ من النظر إلى ظاهر الإطلاق ما دل على اعتبار العدد فإنّه يتناولهما كما يتناول غيرهما، و من النظر إلى ما دل على السقوط و أنّهما ليسا من أهل فرض الجمعة.

و لا يخفى أن كلا الدليلين شامل أيضاً لما عداهما من أولئك المعدودين لكن للاتفاق على الانعقاد بمن عداهما اختص الإشكال بهما.

و أنت خبير بأن من لم يعتمد على حجية الإجماع كما هو الحق عندنا يتجه الإشكال عنده في الجميع و الانعقاد بالجميع لا يخلو من قرب، و الاحتياط لا يخفى.

المسألة الثالثة: (يستحب يوم الجمعة

التطيب و لبس أنظف الثياب و أخذ الشارب و الأظفار و تسريح اللحية و المشهور عد الحلق أيضاً) أي حلق الرأس و إنّما نسبه إلى الشهرة لعدم الوقوف على دليل عليه بخلاف غيره من هذه الأشياء، فإن الأخبار بها متظافرة، و قد نفل غير واحد من أصحابنا أيضاً أنهم لم يقفوا فيه على نص حتى أن (المحقق في المعتبر) إنّما علله بأنّه يوم اجتماع النّاس فيتجنب ما ينفر.

و أقول يمكن الاستدلال عليه بما رواه (الفقيه) مرسلًا

عن الصادق (عليه السلام) قال: [إني لأحلق كل جمعة فيما بين الطلية إلى الطلية].

و المتبادر هو حلق الرأس، و العمل على حلق العانة بعيد غاية البعد! لأن المستفاد من الأخبار أفضلية الطلي فيها على الحلق و أنهم كانوا يطلونها سيما مع ملازمتهم على استعمال النورة حتى ورد عنهم استحبابها بعد ثلاث أيام و أنها طهور، و حينئذ فيكون داخلا في الطلية المذكورة في الخبر.

(و) يستحب أيضاً (الكون على سكينة و وقار و فعل الخير ما استطاع و التنفل بعشرين ركعة) زيادة عن كل يوم بأربع ركعات هذا هو المشهور و يدل عليه أخبار عديدة: منها (صحيحة يعقوب بن يقطين) و غيرها.

و عن (ابن الجنيد) أنّها اثنتان و عشرون ركعة و يدل عليه (صحيحة أسعد بن سعد الأشعري) و عن (ابني [3] بابويه) أنّها ستة عشر ركعة و يدل عليه (صحيحة سلمان بن خالد و صحيحة سعيد الأعرج) «و العمل بالكل حسن» كما يشير إليه قول الصادق (عليه السلام) في (صحيحة سعيد الأعرج) المذكورة بعد ذكر الستة عشر ركعة.

[و كان علي (عليه السلام) يقول: ما زاد فهو خير]

نعم ينبغي الكلام في وقتها و المستفاد من الجمع بين الأخبار الواردة في ذلك و اختلافها في التقديم على الصلاة و التأخير و التوزيع أن وقتها مجموع اليوم.

(و) يستحب أيضاً (الإصغاء حال الخطبة، و المشهور الوجوب و هو غير بعيد) قد نقل غير واحد من أصحابنا عن (البزنطي) في جماعة أنّه قال

[إذا قام الإمام يخطب وجب على النّاس الصمت].

و هو من قدماء الأصحاب و أجلاء الثقات، و يؤيد ذلك النهي عن الكلام حال الخطبة الدال بظاهره على التحريم كما هو المشهور.

(و) يستحب أيضاً (الغسل و قيل بوجوبه و لا يخل من شوب الإشكال لاختلاف الأخبار و تصادمها) على وجه

____________

[2] أي العبد و المسافر.

[3] في نسخة م ابن.

109

يعسر الجمع بينهما و قبول أخبار الطرفين للتأويل فإن جملة من الأخبار قد تضمنت وصفه بالوجوب، و إليها استند من قال بوجوبه و تأويلها بالحمل على أصل الثبوت: و هو المعنى اللغوي ممكن، فإن الوجوب بمعنى ما يعاقب على تركه اصطلاح أصولي متأخر! و استعمال الوجوب بالمعنى الأول في الأخبار شائع ذائع، و يحتمل أيضاً حمل الوجوب على التأكيد في فعله، و جملة من الأخبار قد تضمنت كونه سنة و إليها استند القائل باستحبابه، و تأويلها بالحمل على ما يثبت وجوبه بالسنة محتمل لشيوع ذلك في الأخبار، إلا أن ترادف الأخبار و استفاضتها بالحث عليه مما يمنع المؤمن المتدين من تركه.

(و الاحتياط يقتضي المحافظة) على الإتيان به (و عدم الإهمال) و إن كان الظاهر من بعض الأخبار هو الاستحباب.

(و وقته) أي وقت الغسل (ما بين طلوع الفجر إلى الزوال) هذا هو المشهور، بل نقل غير واحد منهم الإجماع عليه و يدل عليه جملة من الأخبار و قيل بامتداده إلى أن تصلي الجمعة، و لم نقف له على دليل مع إمكان تأويل العبارة المذكورة مما يرجع [4] إلى القول المشهور بأن يكون ذكر صلاة الجمعة كناية عن الزوال (و يقضيه لو فاته) المشهور إن الحكم بالقضاء مترتب على الفوات مطلقاً و لو عن عمد، و خصه (ابن بابويه) بما لو كان الفوات لنسيان أو لعذر، و إطلاق (موثقة سماعة و رواية عبد الله بن بكير) يدل على المشهور، و لما كان آخر وقته الزوال كما تقدم فقضاؤه يكون (بعد الزوال أو يوم السبت) مورد أخبار القضاء هو القضاء بعد الزوال من يوم الجمعة و إلا فيوم السبت و قيل بالقضاء ليلة السبت و لم أقف على دليله إلا أن يدعي شمول اليوم لليلة كما وقع الإطلاق به في مواضع عديدة.

(و يجوز تقديمه لمن خاف فوت أو عوز الماء يوم الخميس) هذا هو المشهور و عليه تدل الأخبار و قيل بالتقديم مع خوف الفوات مطلقاً، و مستنده غير معلوم و هل يكون ليلة الجمعة كيوم الخميس في جواز التقديم عند عوز الماء؟ صرّح (الشيخ) بذلك مدعياً عليه الإجماع و مورد النص الذي وقفنا عليه إنّما هو يوم الخميس، ثم إنّه لو تمكن بعد تقديمه يوم الخميس من الإتيان به يوم الجمعة فالظاهر كما صرّح به جماعة منهم (الصدوق في الفقيه) استحباب أو وجوبه على الخلاف.

(و) يستحب أيضاً (الجهر في الجمعة و الظهر) لو تعذر إقامة الجمعة سواء كانت الظهر (جماعة أو فرادى) هذا أحد الأقوال في المسألة و هو المشهور و عليه تدل (صحيحة عمران الحلبي) و هي شاملة بإطلاقها للمنفرد و الجامع.

و (صحيحة الحلبي) و هي صريحة في المنفرد.

و (صحيحة محمّد بن مسلم) و موردها الجماعة و قيل بعدم جواز الجهر مطلقاً نقله (المحقق في المعتبر) عن بعض الأصحاب.

و قال إنّه الأشبه بالمذهب و احتج عليه (بصحيحة محمّد بن مسلم)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الصلاة في السفر؟ قال: [يصنعون كما يصنعون في غير الجمعة [5] في الظهر و لا يجهر الإمام فيها بالقراءة و إنّما يجهر إذا كانت خطبة].

و نحوها رواية (جميل).

و أجاب عنهما (الشيخ في كتابي الأخبار [6] (بالحمل على حال التقية و الخوف.

أقول: و يؤيده ما تضمنته (صحيحة محمّد بن مسلم) المشار إليها

____________

[4] في نسخة ع بما يرجع.

[5] في نسخة ع في غير يوم الجمعة.

[6] أي التهذيب و الاستبصار

110

آنفاً حيث قال الراوي بعد أمر الإمام (عليه السلام)

[بالجهر في القراءة في الجماعة] فقلت إنّه ينكر علينا الجهر بها في السفر فقال: [اجهروا بها في السفر].

و قيل بعدم الجواز للمنفرد و يدفعه صريح (صحيحة الحلبي) و إطلاق (صحيحة عمران).

(و تتأكد سورة الجمعة) أي يستحب القراءة بها استحباباً مؤكداً (في أول ركعتيها) أي ركعتي صلاة الجمعة (و) كذا يستحب مؤكداً القراءة بسورة (المنافقين في ثانيهما بل قيل بالوجوب) و نقل عن (الصدوق و المرتضى (قدس سرهما) و يدفعه (صحيحة علي بن يقطين و رواية سهل الأشعري و رواية يحيى الأزرق بياع السابري).

(و) يستحب (صلاة العصر وقت الظهر سائر الأيام) للأخبار الواردة بذلك و منها (صحيحة الحلبي) و فيها

[و وقت العصر يوم الجمعة في الحضر نحو من وقت الظهر].

و في رواية (سفيان بن السمط) قال

سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن وقت صلاة العصر يوم الجمعة فقال: [في مثل وقت الظهر في غير يوم الجمعة].

و في هذه الأخبار دلالة على ما اخترناه سابقاً في وقت الجمعة من أنّها مضيقة و أنّها تصلى بعد الزوال بلا فصل، و وجه الدلالة فيها أن وقت الظهر في سائر الأيام بعد مضي مقدار القدمين المعنيين للنافلة كما دلّ عليه جملة أخبار الوقت و حينئذ فإذا كان هذا وقت العصر يوم الجمعة يكون قدر القدمين بعد الزوال و هو وقت النافلة وقتاً لفريضة الجمعة يوم الجمعة، و بمثل ذلك صرّح (الصدوق في المقنع) فقال: «فاعلم أن صورة صلاة العصر في يوم الجمعة وقت الأولى في سائر الأيام» انتهى.

(و يحرم البيع و السفر بعد النداء) الذي هو عبارة عن الأذان للجمعة و التعبير بهذا اللفظ وقع موافقاً للآية التي هي أحد أدلة الحكم المذكور و هي قوله عزّ و جلّ [إِذٰا نُودِيَ لِلصَّلٰاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلىٰ ذِكْرِ اللّٰهِ وَ ذَرُوا الْبَيْعَ] الآية.

فلا يجوز فعلها (قبل الصلاة) أما تحريم البيع في الوقت المذكور فإجماعي نصاً و فتوى بقي الكلام في أنّه لو خالف فهل يبطل البيع أو لا و إن أثم بالمخالفة؟ قولان أحوطهما الأول.

و أما تحريم السفر فهو إجماعي أيضاً بين أصحابنا بل و أكثر العامة و لعله الحجة.

و يؤيده فحوى قوله تعالى [وَ ذَرُوا الْبَيْعَ].

إذ الظاهر أن النهي عن البيع إنّما وقع لمنافاته السعي [7] للجمعة كما يشعر به التعليل المستفاد من قوله عزّ و جلّ [ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ].

فيكون السفر المنافي كذلك أيضاً.

و يؤيده أيضاً (صحيحة أبي بصير) الدالة على أنّه إذا أراد الشخوص في يوم عيد فانفجر الصبح و هو في البلد فلا يخرج حتى يشهد ذلك العيد، و التقريب أنّه إذا حرّم السفر بعد الفجر في العيد حرّم بعد الزوال في الجمعة بطريق أولى لأن الجمعة أوكد من العيد.

(و في تحريم غير البيع من العقود تردد) ينشأ من اختصاص النهي في الآية بالبيع فلا يتعدى إلى غيره، و من مشاركة غير البيع في العلة المومي إليها بقوله تعالى [ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ].

(و يكره السفر بعد الفجر على المشهور) في نسبته إلى الشهرة إيذان بعدم الدليل عليه غيرها، فإن أصحابنا لم ينقلوا على هذا الحكم دليلا سوى حديث عامي، و أيّدوه ببعض التعليلات العليلة،

____________

[7] في نسخة م لمن فاته.

111

إلا أنّه قد روي في (الفقيه) [8] أنّه قد ورد عن أبي الحسن علي بن محمّد (عليهما السلام) في جواب السري أنّه يكره السفر و السعي في الحوائج يوم الجمعة من أجل الصلاة و أما بعد الصلاة فهو جائز يتبرك به.

في (نهج البلاغة)

عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في كتابه إلى (الحارث الهمداني) [لا تسافر في يوم جمعة حتى تشهد الصلاة إلّا فاصلا [9] في سبيل الله تعالى أو في أمر تعذر به].

(و يكره الكلام بل الصلاة حال الخطبة) ففي (كتاب قرب الإسناد) عن (علي بن جعفر) عن أخيه موسى الكاظم (عليه السلام) قال

سألته عن الإمام إذا خرج يوم الجمعة هل يقطع خروجه الصلاة، أو يصلي النّاس و هو يخطب؟ قال: [لا تصلح الصلاة و هو يخطب، إلّا أن يكون قد صلى ركعة فيضيف إليها أخرى و لا يصلي حتى يفرغ الإمام من خطبته].

و روى (الصدوق في المجالس [10] (مثله في الدلالة و كراهة الكلام حال الخطبة أحد القولين في المسألة.

(و تحريم الكلام غير بعيد) و هو المشهور و مما ورد في المقام مما يدل على النهي ما رواه (الصدوق في كتاب المجالس) من مناهي النبي (صلى الله عليه و آله)

[إنّه نهى عن الكلام يوم الجمعة و الإمام يخطب فمن فعل ذلك فقد لغى و من لغى فلا جمعة له].

و في (قرب الإسناد)

عن علي (عليه السلام) قال: [يكره الكلام يوم الجمعة و الإمام يخطب].

و في (كتاب المجالس) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) [في منازل النّاس في الجمعة

و رجل شهد بلفظ و ملّق (بلقط و قلق) [11] فذلك حظه].

و في (صحيحة محمّد بن مسلم)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) [إذا خطب الإمام فلا ينبغي لأحد أن يتكلم حتى يفرغ من خطبته]

و هذه الأدلة كلها قابلة للحمل على كل من القولين «و الاحتياط لا يخفى».

(و) يكره أيضاً (تخطي رقاب النّاس حالها) ففي (كتاب قرب الإسناد)

عن الصادق (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه و آله) قال: [لا بأس أن يتخطى الرجل يوم الجمعة إلى مجلسه حيث كان فإذا خرج الإمام فلا يتخطى أحد رقاب النّاس و ليجلس حيث يستمر]

الحديث.

المسألة الرابعة: (اختلفت كلمة الأصحاب في معنى العدالة)

المشروطة في الإمامة و الشهادة و النيابة (عنهم (عليهم السلام) و الحكم بين النّاس و الفتوى في أحكام الشريعة [12] بعد اتفاقهم ظاهراً فيما أعلم على اشتراك الجميع فيها بأي معنى اعتبرت، و إن كان هو الذي ظهر لي: هو أن المعنى المعتبر منها في الثالث أخص مما ذكروه في غيره كما نبهت عليه في (كتاب الدرر النجفية).

و المشهور سيما بين (المتأخرين): أنّها عبارة عن الملكة الباعثة عن ملازمة التقوى و المروة.

و بعضهم لم يتعرض لذكر المروة و قيل بأنها عبارة عن مجرد الإسلام مع عدم معلومية الفسق.

(و المستفاد من الأخبار بضم بعضها إلى بعض) و حمل المجمل منها على المبين، و المطلق على المقيد: أنّها عبارة عن الإيمان المتحقق باعتقاد الأصول الخمسة (مع حسن الظاهر الذي هو عبارة عن معرفته) أي معرفة المتصف بالعدالة بما يجب أصولًا و فروعاً (و القيام بالواجبات و ما تيسر من المسنونات و لا سيما ملازمة المسجد و الجماعة و اجتناب الكبائر و الإصرار على الصغائر) و الأصل في هذا المعنى (صحيحة ابن أبي يعفور) المروية في (الفقيه)، و رواها (الشيخ في التهذيب) بسند غير صحيح و اللفظ للفقيه و كلما كان في (التهذيب) زائداً فنضع له علامة (التهذيب) ليحصل نقل [13] الخبر كل بالروايتين قال

قلت لأبي عبد الله

____________

[8] في نسخة م التهذيب و يجوز أن يكون في كليهما.

[9] في نسخة م إلا فأيضا.

[10] أي في أماليه.

[11] أملق أي احتاج و افتقر إليه، و كما هو مورد كلام أمير المؤمنين في خطبته «و قد أملق».

[12] في نسخة ع في الأحكام الشرعية.

[13] في نسخة م و لفظ الفقيه كما كان في التهذيب زيدا فتصح له علامة التهذيب.

112

(عليه السلام): بما تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم و عليهم قال: فقال: [أن يعرفوه بالستر و العفاف و كف البطن و الفرج و اليد و اللسان و يعرف باجتناب الكبائر التي أوعد الله عليها النّار من شرب الخمر و الزنا و الربا و عقوق الوالدين و الفرار من الزحف [14] و غير ذلك].

و دلالة على ذلك كله بأن يكون ساتراً لجميع عيوبه، حتى يحرم على المسلمين تفتيش ما وراء ذلك من عثراته و عيوبه و يجب عليهم، و يجب عليهم تزكيته و إظهار عدالته في النّاس، و يكون منه التعاهد للصلوات الخمس فإذا واظب عليهن و حفظ مواقيتهن بحضور جماعة المسلمين، و أن لا يتخلف عن جماعة في مصلاهم إلا من علة فإذا كان كذلك لازماً لمصلاه عند حضور الصلوات الخمس فإذا سئل عنه في قبيلة و محلته قالوا ما رأينا منه إلا خيرا مواظباً على الصلاة متعاهداً لأوقاتها في مصلاه فإن ذلك يجيز شهادته و عدالته بين المسلمين و ذلك أن الصلاة ستر و كفارة للذنوب و ليس ممكن الشهادة على الرجل بأنّه يصلي إذا كان لا يحضر مصلاه و يتعاهد جماعة المسلمين و إنّما جعل الجماعة و الاجتماع إلى الصلاة لكي يعرف من يصلي ممن لا يصلي و من يحفظ مواقيت الصلاة ممن يضيع ذلك لم يكن أحد أن يشهد على آخر بصلاح.

لأن

[من لا يصلي لا صلاح له بين المسلمين]

(التهذيب).

[لأن الحكم جرى من الله و رسوله بالحرق في جوف بيته]

(التهذيب) [15].

فإن رسول الله (صلى الله عليه و آله) همّ بأن يحرق قوماً في منازلهم لتركهم الحضور لجماعة المسلمين، و قد كان فيهم من يصلي في بيته فلم يقبل منه ذلك، و كيف يقبل شهادته أو عدالته [16] بين المسلمين ممن جرى الحكم من الله عزّ و جلّ و من رسوله (صلى الله عليه و آله) فيه بالحرق في جوف بيته بالنّار، و قد كان يقول (صلى الله عليه و آله)

[لا صلاة لمن لا يصلي في المسجد مع المسلمين إلا من علة]

(التهذيب).

و

قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): [لا غيبة لمن صلى في بيته و رغب عن جماعتنا، و من رغب عن جماعة المسلمين وجب على المسلمين غيبته و سقطت بينهم عدالته، و وجب هجرانه، و إذا رفع إلى إمام المسلمين أنذره و حذره فإن حضر جماعة المسلمين و إلا أحرق عليه بيته، و من لزم جماعتهم حرمت عليهم منه غيبته و ثبتت عدالته بينهم].

و على العمل بهذا الخبر و ما شابهه عمل جملة من (متأخري المتأخرين)، و يستفاد منه أنّه لا بد في الحكم بالعدالة من نوع معاشرة مطلقة على باطن الأحوال، و كونه ممن له عفة و ورع يحجبه عن ارتكاب المحرمات، كما يشير إليه قوله

[أن يعرفوه بالستر و العفاف]

إلى آخره فإن معرفة الرجل بكونه متصفاً بهذه الصفات لا يحصل إلا بتجربته فيها، فإن كثيراً من النّاس قد يحصل لهم عفة و زهد في الدنيا من حيث عدم وصول أيديهم إلى شيء منها، و متى أمكنتهم الفرص خلطوا حلالها بحرامها كما شاهدناه في غير شخص من أبناء زماننا و لا بد مع ذلك من قيامه بالواجبات و ما تيسر من المسنونات.

لا يقال: إن ترك المستحب لا يوجب قدحاً في العدالة و لم يعتبر أحد أيضاً في معنى العدالة القيام بالمستحبات لأن تركها لا يوجب إثماً فكيف يكون مخلا بالعدالة.

لأنّا نقول: إن المستفاد من الأخبار خلافه ففي (صحيحة زرارة) عن الباقر (عليه السلام) المشتملة

____________

[14] في نسخة ع الزحق.

[15] في نسخة ع الفقيه.

[16] في نسخة ع شهادة أو عدالة.

113

على عدد الفرائض اليومية و نوافلها ما هذه صورته

[و إنّما هذا كله تطوع و ليس بمفروض، و أن تارك الفريضة كافر و أن تارك هذا ليس بكافر و لكنّها معصية].

و في (موثقة حنان بن سدير) قال

سأل (عمرو بن حريث) أبا عبد الله (عليه السلام) و ساق الخبر إلى أن قال: [قلت: جعلت فداك فإن كنت أقوى على أكثر من هذا أ يعذبني الله على كثرة الصلاة قال: لا و لكن يعذب على ترك السنة].

و روي في (الكافي) بسنده

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: [قال أمير المؤمنين (عليه السلام): السنة سنتان سنة في فريضة الأخذ بها هدى و تركها ضلال، و سنة في غير فريضة الأخذ بها فريضة و تركها إلى غيرها خطيئة].

فإن الظاهر أنّه إشارة إلى الواجب و المستحب، و في (صحيح ابن أبي يعفور) المذكور ما يؤيد ذلك أوضح تأييد فالاستبعاد بعد ورود الأخبار بذلك مما لا وجه له إلا أنّه يفهم من بعض الأخبار أيضاً أنّه

[من لقي الله تعالى بما أوجبه عليه لم يسأله عن المستحب].

و طريق الجمع الحمل على أن الترك إن وقع على جهة التهاون و عدم المبالاة بكمالات الشرع و لا سيما في صلاة الجماعة و حضور المساجد فإنّه يخل بالعدالة و موجب للمؤاخذة و إن وقع لعذر أو لا لعذر أحياناً فلا إثم.

لا يخفى أن للأصحاب (رضوان لله عليهم) في تفسير الكبيرة أقوالا مختلفة و آراء متعددة، و قد أنهاها (شيخنا البهائي (قدس سره) إلى عشرة أقوال [17] و الأظهر منها هو أنه ما توعد الله تعالى عليه العقاب في (الكتاب العزيز).

و يدل عليه (صحيحة ابن محبوب) و فيها

[الكبائر ما أوعد الله عليها النّار]

، و رواية (الحلبي) الواردة في تفسير قوله تعالى [إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبٰائِرَ مٰا تُنْهَوْنَ عَنْهُ] «الآية». قال

[الكبائر التي أوجب الله عليها النّار]

«الحديث».

و يدل عليه (صحيحة أبي بصير، و صحيحة عبد الله بن أبي يعفور) و لا ينافي ذلك ما اشتمل على عدد مخصوص فإنّه محمول على مجرد التمثيل دون الحصر.

(و أما تفسيرها) يعني العدالة (بالملكة) و هو كما عرفت المشهور بين (المتأخرين من العلامة (قدس سره) و من بعده، و نقل بعض أصحابنا: أن أول من ذكره (العلامة) و قال «إن الظاهر أنّه مأخوذ من كلام العامة قد تبعهم فيه غفلة» عن ملاحظة الأخبار. (أو بمجرد الإسلام) كما هو منقول عن (الشيخ) في بعض كتبه، و (ابن الجنيد) و مال إليه بعض المتأخرين. (فظني أنّه إفراط و تفريط) و ذلك لأن تفسير العدالة بالملكة المذكورة يوجب جعلها في المرتبة الثانية من العصمة، لا يكاد يوجد عدل بهذا المعنى لعسر الاطلاع على الملكة المذكورة التي هي من الأمور النفسانية فهو إفراط لكونه موجباً لتعطيل الأحكام الشرعية في أكثر الأقطار و الأمصار إن لم يكن نقل في جميعها.

و تفسيرها بمجرد الإسلام كما ذكروه يوجب الحكم بالعدالة لكل من اتصف به حتى يجر الأمر إلى إدخال المخالفين في ذلك بناء على الحكم بإسلامهم كما يظهر من (شيخنا الشهيد الثاني) حيث اختار هذا القول و اقتفاه (جمع ممن تأخر عنه) منهم (سبطه السيد السند في شرح مختصر النافع، و المحدث الكاشاني، الفاضل الخراساني صاحب الكفاية) فوجه التفريط فيه ظاهر، و هذا القول و إن دلّ عليه ظاهر جملة من الأخبار إلا أن منها ما يمكن إرجاعه إلى القول الذي اخترناه و حمله على أخباره و منها ما هو معارض بما هو أوضح

____________

[17] منها أن كل ذنب علم بجرمه بدليل قاطع، و قيل إنها ما نهى الله عنها في سورة النساء من أولها إلى قوله «إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبٰائِرَ مٰا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئٰاتِكُمْ وَ نُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً 1» الآية 31 و منها أن كل ذنب رتب الشرع عليه حدا و صرح فيه بالوعيد و منها لا صغيرة مع الإصرار و لا كبيرة مع الاستغفار.

114

منه دلالة و أرجح منه مقالة.

و بالجملة فذيل الكلام في المسألة واسع المجال يحتاج إلى مزيد بسط لا يليق بهذا الإملاء.

المطلب الثاني في صلاة العيدين

(تجب بشرائط الجمعة) بغير خلاف يعرف بل نقل عليه الاتفاق، و يقتضي ذلك وجوبها عيناً عند من أوجب الجمعة كذلك بالشروط المتقدمة (إلا الخطبتين) هنا (فإنّهما مستحبتان على الأشهر الأظهر) خلافاً (للعلامة في المنتهى و التذكرة، و الشيخ في المبسوط) و نقل عن (ابن إدريس) و الأخبار خالية عن التصريح بالوجوب، و مقتضى الأصل عدمه، و لأن الخطبتان متأخرتان عن الصلاة، لا يجب استماعهما إجماعاً فلا يكونا شرطاً في الصلاة التي هي مقدمة عليهما.

(و محلهما) أي الخطبتان (بعد الصلاة و تقديمهما بدعة عثمانية) ففي رواية (محمّد بن مسلم)

عن الباقر (عليه السلام) [إن عثمان لما أحدث أحداثه كان إذا فرغ من الصلاة قام النّاس، فلما رأى ذلك قدم الخطبتين و احتبس النّاس للصلاة].

(و كيفيّتهما كخطبتي الجمعة غير أن الإمام يذكر في خطبتي الفطر ما يتعلق بالفطرة قدراً و وقتاً و جنساً) و يذكر في (خطبتي الأضحى ما يتعلق بالأضحية) من صفتها و كيفية قسمتها.

و يجب الحضور لها على جميع المكلفين بالشروط المتقدمة في المكلف بحضور الجمعة.

(و مع العجز عن الحضور) لعذر من مرض و نحوه (أو اختلال الشرائط) أي شرائط الوجوب (تصلى جماعة و فرادى على الأصح) و هو المشهور، و عن (ابن بابويه، و ابن أبي عقيل) عدم مشروعية الانفراد فيها مطلقاً.

و عن (المرتضى) أنّها لا تصلى جماعة إلا مع الشرائط، و إلا تصلى فرادى.

و يدل على المشهور مما يرد القول الأول (صحيحة عبد الله بن سنان)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: [من لم يشهد جماعة النّاس في العيدين فليغتسل و ليتطيب بما وجد و ليصلي وحده كما يصلي في الجماعة].

و في (موثقة سماعة) (و موثقة الحلبي) مثل ذلك.

و الظاهر أن مستند (الصدوق (رحمه الله) ما ورد في جملة من الأخبار أنّه

[لا صلاة إلا مع إمام].

و هي محمولة على نفي الوجوب كما تضمنته (موثقة سماعة) حيث قال فيها

[لا صلاة في العيدين إلا مع الإمام و إن صليت وحدك فلا بأس].

و يدل عليه أيضاً مما يرد على القول الثاني في رواية (عبد الله بن المغيرة) قال: حدثني بعض أصحابنا قال

سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن صلاة الفطر و الأضحى فقال: [صلهما ركعتين في جماعة و غير جماعة]

«الحديث».

(و وقتها بعد طلوع الشمس إلى الزوال على المشهور) و الظاهر أن التوقيت بذلك مجمع عليه بين الأصحاب، كما حكاه بعضهم عن (العلامة) في (السعدية) [18] و نقل عن (بعض متأخري المتأخرين) عن (الشيخ في المبسوط) أن وقت صلاة العيد إذا طلعت الشمس و ارتفعت و انبسطت، و الذي وقفت عليه من الأخبار يؤيد ما ذهب إليه (الشيخ في المبسوط) فمن ذلك (صحيحة زرارة) قال

قال أبو جعفر (عليه السلام) [ليس في الفطر و الأضحى أذان و لا إقامة أذانهما طلوع الشمس إذا طلعت خرجوا].

و (موثقة سماعة) قال

سألته عن الغدو إلى المصلى في الفطر و الأضحى فقال: [بعد طلوع الشمس].

و لم أقف إلى ما ذهب إليه الأصحاب من الامتداد إلى الزوال على

____________

[18] في نسخة م تهذيب و هو للعلامة، وقع اختلاف النسختين في رمزين يه يب و العادة الجارية عند الأصحاب رمزها للفقيه و التهذيب و لكن بما أنه كان للعلامة لا يمكن القول بها، و لكن يوجد تهذيب للعلامة إلا أنها في الأصول و الأخلاق فيتعين أن يكون كتاب السعدية لأنها من جنس البحث، و الله أعلم.

115

دليل و لعل مستندهم إنّما هو الإجماع.

و المختار ما دلت عليه الأخبار (و كيفيتها: أن ينوي) و فيه إشارة إلى أنّه ليس فيها أذان و لا إقامة كما هو المتفق عليه نصاً و فتوى، (و يكبر) تكبيرة الإحرام (ثم يقرأ الحمد و سورة مقدماً لسورة الأعلى) في الاختيار على غيرها (استحباباً ثم يكبر بعد القراءة خمساً وجوباً على الأحوط، و يقنت بعد كل منها كذلك) أي على الأحوط (بالمأثور) و المروي عن (أصحاب العصمة (عليهم السلام) و هو «اللهم أهل الكبرياء و العظمة» إلى آخره (استحباباً، رافعاً يديه بالتكبير) في كل تكبيرة (كذلك) أي استحباباً فيكبر خمس تكبيرات و يقنت خمس قنوتات.

(ثم يكبر السادسة للركوع) فيركع بها (ثم يسجد سجدتين آتياً في ركوعه و سجوده بما تقدم في اليومية) من واجب و مستحب، (ثم يقوم إلى الركعة) الثانية (فيقرأ الحمد و سورة مرجحاً) في الاختيار (لسورة الشمس و ضحيها) (استحباباً، ثم يكبر و يقنت) عقيب كل تكبيرة بالدعاء المتقدم (كما تقدم) يفعل ذلك (أربعاً، ثم) التكبيرة (الخامسة) يجعلها (للركوع فيركع و يسجد سجدتين و يتشهد و يسلم) الأصل في هذه الكيفية المذكورة الأخبار المتظافرة و منها رواية (إسماعيل الجعفي)

عن أبي جعفر (عليه السلام) في صلاة العيدين قال: [تكبر واحدة تفتح بها الصلاة ثم تقرأ أم الكتاب و سورة ثم تكبر خمساً تقنت بينهن ثم تكبر واحدة و تركع بها ثم تقوم و تقرأ أم الكتاب و سورة تقرأ في الأولى «سبح اسم ربك الأعلى» و في الثانية «و الشمس و ضحيها»، ثم تكبر أربعاً و تقنت بينهن ثم تركع بالخامسة].

و بمثل ذلك أخبار عديدة.

و ينبغي التنبيه هنا على أمور: الأول: أنّه يستفاد من الأخبار المشار إليها أن القراءة بعد تكبيرة الافتتاح و أنّه هنا لا يستحب التكبيرات الست الافتتاحية التي تقدمت الصلاة اليومية فإنّها كلها قد اشتملت على أنّه يكبر ثم يقرأ، و ظاهر بعض الأخبار أن جعل التكبير سبعاً في الركعة الأولى في مقابلة المستحبة في الافتتاح في اليومية.

الثاني: المشهور بين الأصحاب وجوب التكبيرات الزائدة في هذه الصلاة و القنوتات و ذهب (الشيخان) إلى استحباب التكبيرات و (الشيخ في الخلاف) و استحباب القنوتات، و تبعه (المحقق) في كلا الموضعين، و الأحوط الوجوب كما ذكرناه في كلا الموضعين لقصور مستند الوجوب مع توقف يقين البراءة على الإتيان بذلك لكونه مذكوراً في بيان الصلاة في جملة من أخبارها المذكور في بيان الواجب يكون واجباً، و لفعله (صلى الله عليه و آله) لذلك و النص الصحيح ناطق بنفي البأس عن الاقتصار على بعض التكبيرات و هو مؤذن بعدم الوجوب، و بالجملة فالأحوط هو الوجوب لاشتباه الحكم.

الثالث: ما ذكرناه من التكبيرات بالعدد المذكور بعد القراءة هو الأشهر الأظهر، و به استفاضة الأخبار و قيل إن التكبير في الأولى قبل القراءة و في الثانية بعدها و يدل عليه (صحيحة هشام بن الحكم، و موثقة سماعة) و حملهما (الشيخ) على التقية قال: «لأنّها موافقة بعض العامة» و هو جيد.

و ظاهر (المحقق في المعتبر و السيد

116

في المدارك) الميل إلى التخيير.

الرابع: لا خلاف بين الأصحاب في وجوب سورة بعد الحمد و إنّما اختلف في الأفضل فقيل بأنها سورة الأعلى في الأولى و الشمس في الثانية، و هو قول (ابن بابويه في الفقيه و المقنع، و الشيخ في المبسوط) و غيرهما و عليه تدل رواية (إسماعيل بن جابر الجعفي) [19] المتقدمة، و رواية (أبي الصباح الكناني) و قيل بأن الشمس في الأولى و الغاشية في الثانية و هو قول (الشيخ في الخلاف و المفيد و السيد المرتضى) و غيرهم و عليه تدل (صحيحة جميل، و رواية معاوية بن عمار) «و العمل بالكل حسن».

الخامس: ظاهر أكثر الأخبار الواردة في هذا المقام و قولهم (عليهم السلام) يكبر خمساً و يقنت بينهن، و يكبر في الثانية أربعاً و يقنت بينهن إن القنوتات في الأولى أربعة و في الثانية ثلاثة، و هو خلاف ما عليه ظاهر اتفاق الأصحاب من كونها خمسة في الأولى و أربعة في الثانية و في رواية (أبي الصباح الكناني) ما هو صريح في كونها خمسة في الأولى لكنّها مشتملة على ست تكبيرات و كون التكبير و القنوتات قبل القراءة و ظاهر في الثانية خمس قنوتات و الكل مخالف لما عليه الأصحاب، و المسألة لا تخلو من إشكال و يمكن حمل المبيّنة في الأخبار على المجاز باعتبار وقوع أكثر القنوتات إذ لا يخرج منها إلا الخامس في الأولى و الرابع في الثانية و لكنّه فرع وجود المعارض.

السادس: الظاهر أنّه لا خلاف في أنّه يستحب رفع اليدين و كل تكبيرة و عليه تدلّ رواية (يونس) حيث سأله عن تكبيرة العيدين أ يرفع يده مع كلّ تكبيرة أم يجزيه أن يرفع في أول التكبير؟ فقال

[مع كل تكبيرة].

السابع: إن أدرك المأموم بعض التكبيرات مع الإمام و فاته بعض فالأحوط أنّه إن أمكن الإتيان بما فاته ثم يلحق الإمام في ركوعه دخل معه في تلك الركعة، و لا توقف عن الدخول إلى أن يقوم للثانية، هذا على تقدير وجوب التكبيرات و القنوتات و أما على القول بالاستحباب فلا إشكال في صحة الدخول معه.

(و يستحب الإصحار بها) و هو اتفاقي و عليه تدل (صحيحة معاوية بن عمّار)، (إلا بمكة) فإن أهلها يصلون في المسجد الحرام و عليه تدل (مرفوعة محمّد بن يحيى) و ألحق بها (ابن الجنيد) مسجد النبي (صلى الله عليه و آله) و هو مردود بالأخبار الدالة على خروجه (صلى الله عليه و آله) و خروج الأئمة (عليهم السلام).

(و) يستحب (أن يطعم قبل الخروج في الفطر) و هو اتفاقي و الأخبار به متظافرة، و يستفاد من رواية (النوفلي) استحباب الإفطار على التمر و التربة الحسينية و من خبر آخر التمر، (و بعده) أي و يطعم بعد الخروج (في الأضحى من أضحيته) إن كان ثمة أضحية أو هدي و إلا يطعم من غيرهما و هو كسابقه في الاتفاق نصاً و فتوى.

(و) يستحب (أن يخرج) للصلاة (بعد الغسل) و فيه إشارة إلى استحباب الغسل (لها كما ورد به النص على سكينة و وقار لابساً أحسن ثيابه متطيباً ماشياً حافياً مشمّراً ثيابه داعياً بالمأثور مغايراً بين طريقي الذهاب و الإياب و أن يقول المؤذن بأرفع صوته) إعلاماً للنّاس (الصلاة ثلاثاً) [20]. (و) يستحب أيضاً (التكبير في الفطر عقيب أربع صلوات أولهن مغرب ليلة العيد و في الأضحى عقيب خمسة عشر صلوات أولهن ظهر يوم العيد) و استحباب التكبير عقيب الخمسة عشرة للناسك بمنى، (و) عقيب (عشر) صلوات (لغيره)

____________

[19] في نسخة ع الجهني و لكن قد مرت رواية إسماعيل بن جابر الجعفي و هو الموقوف عليه.

[20] في نسخة م كالصلاة.

117

من أهل الأمصار، أما استحباب التكبير المذكور فهو المشهور و قيل بوجوبه و نقل ذلك عن (المرتضى و ابن الجنيد) و استحبه (ابن الجنيد) عقيب النوافل أيضاً.

و يدل على ما ذهب إليه من الوجوب ظواهر جملة من الأخبار صريحة بلفظ الوجوب، و لكن بإزائها ما هو صريح في الاستحباب (كصحيحة علي بن جعفر) عن أخيه موسى (عليه السلام) قال

سألته عن التكبير أيام التشريق بمنى أ واجب هو؟ قال: [يستحب فإن نسي فلا شيء عليه].

و نحو ذلك (صحيحة محمّد بن مسلم) عن أحدهما (عليهما السلام) في حديث فيه و

سألته عن التكبير بعد كل صلاة؟ فقال: [كم شئت أنّه ليس شيء موقت]

يعني في الكلام.

و في رواية (سعيد النقاش)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) [أما إن في الفطر تكبير و لكنّه سنة].

و حينئذ فيحمل لفظ الوجوب في تلك الأخبار إما على التأكيد أو على مجرد الثبوت نعم استدل (المرتضى (رضي الله عنه) على ذلك بقوله تعالى [وَ اذْكُرُوا اللّٰهَ فِي أَيّٰامٍ مَعْدُودٰاتٍ].

و قد وردت في الأخبار بتفسير الذكر بالتكبير في أيام التشريق و الأوامر القرآنية للوجوب اتفاقاً إلا ما دل الدليل على خروجه، و فيه أن الجمع بين الأدلة يقتضي حمل الأمر في الآية أيضاً على الاستحباب و يؤيده رواية (النقاش) المتقدمة حيث صرح في أولها: بأنه سنة، ثم قال في آخرها صورة التكبير: و هو قول الله تعالى [وَ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَ لِتُكَبِّرُوا اللّٰهَ عَلىٰ مٰا هَدٰاكُمْ].

(و صورته في عيد الفطر «الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله و الله أكبر و لله الحمد الله أكبر على ما هدانا و الحمد لله على ما أبلانا» و في الأضحى مثل ذلك إلى قوله «على ما هدانا» ثم يزيد «الله أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام و الحمد لله على ما أبلانا») أما التكبير الذي ذكرناه في عيد الفطر فمستنده رواية (سعيد النقاش) المتقدمة لكن في متنها اختلاف بين رواية (الصدوق) لها و رواية (الشيخ و الكليني (قدس سرهم) و ليس غير هذه الرواية في المقام.

و أما الذي ذكرناه في الأضحى فمستند (صحيحة زرارة و صحيحة منصور بن حازم و صحيحة معاوية بن عمار) إلا أن قوله في آخره «و الحمد لله على ما أبلانا» ليس في (الصحيحتين الأوليتين) بل في (الثالثة) (و روي فيهما غير ذلك) و هو ما أشرنا إليه من رواية (الكليني و الشيخ) لرواية (النقاش) بما هو أحضره ما نقلناه، و كذا في تكبير الأضحى من الانتهاء إلى قوله على ما رزقنا من بهيمة الأنعام كما في (صحيحة زرارة و منصور بن حازم) (و الكل حسن) لأن فيه جمعاً بين الأخبار بالتخيير.

(و يكره الشغل قبلهما و بعدهما) إلى الزوال، الظاهر أن الحكم المذكور اتفاقي نصاً و فتوى، و الأخبار به متظافرة و ظاهرها المنع من النافلة أداء كانت أو قضاء في أي مكان كان (إلا مسجد النبي (صلى الله عليه و آله) فإنّه يستحب أن يصلى فيه ركعتين قبل خروجه متى كان في (المدينة) لرواية (محمّد بن الفضل الهاشمي).

(المشهور أنّه يكره السفر بعد الفجر) الأصل في هذا الحكم (صحيحة أبي بصير)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: [إذا أردت الشخوص في يوم عيد فانفجر الصبح و أنت بالبلد فلا تخرج حتى تشهد ذلك

118

العيد].

و ظاهر النهي التحريم و لا معارض لها إلا أنّهم حملوها على الكراهة لعدم وجوب الصلاة في ذلك الوقت و حكموا بتحريم السفر بعد طلوع الشمس قبل الصلاة للزوم تفويت الحكم الواجب و ليس في المقام سوى هذا الخبر.

«و الأحوط العمل بما تضمنه».

(و إذا اجتمع عيد و جمعة فالأظهر وجوب الحضور على من حضر الأولى إلا قاصي المنزل فيتخير) بين الحضور للجمعة و عدمه و المشهور بين (المتأخرين) في هذه المسألة القول بالتخيير مطلقاً بمعنى أنّه يتخير من حضر العيد في حضور الجمعة و عدمه و استدلوا على ذلك (بصحيحة الحلبي)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه سأله عن الفطر و الأضحى إذا اجتمعا في يوم الجمعة؟ فقال: [اجتمعا في زمان علي (عليه السلام) فقال: من شاء أن يأتي إلى الجمعة فليأت، و من قعد فلا يضره و ليصل الظهر].

و قيل بوجوب الحضور على الجميع عدا الثاني فيتخير فتختص الرخصة به و هو الأظهر و وجه الأظهرية أن دليل وجوب حضور الجمعة من الكتاب و السنة قطعي (و صحيحة الحلبي) الدالة على التخيير مطلقاً و إن دلت بظاهرها على ذلك إلا أنّها: أولا تقصر عن معارض تلك الأدلة القطعية الدالة على وجوب الحضور فلا تخصص بها.

و ثانياً أنها معارضة بروايتي (إسحاق بن عمار و سلمة) الدالتين على تخصيص الرخصة بالنائي و وجه الجمع بين الجميع يقتضي تخصيص (صحيحة الحلبي) بهذين الخبرين، فتبقى أدلة وجوب الجمعة بالنسبة إلى القريب سالمة عن المعارض، و تختص الرخصة بالنائي، و كيف كان فإنّه (يستحب للإمام الإعلام) أي إعلام الحاضرين في صلاة العيد (بذلك) أي بالرخصة للجميع على القول المشهور أو الثاني [21] على القول الآخر.

(و لو فاتت صلاة العيد) و خرج وقتها (فلا قضاء) لها (على الأشهر الأظهر) و عن (ابن إدريس) أنّه يستحب قضاؤها و عن (ابن حمزة) إذا فاتت لا يلزم قضاؤها [22] إلا إذا وصل في حال الخطبة و جلس مستمعاً لها و عن (ابن الجنيد) من فاتته و لحق الخطبتين صلاها أربعاً مفصولات يعني بتسليمتين و نحوه عن (علي بن بابويه) إلا أنّه قال: «يصلي الأربع بتسليمة» و استدل على المشهور بأن القضاء فرض مستأنف فيتوقف على الدليل و ليس فليس.

(و صحيحة زرارة)

عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: [و من لم يصل مع الإمام في جماعة يوم العيد فلا صلاة له و لا قضاء عليه]

و استدل (لابن حمزة) برواية (زرارة)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت: أدركت الإمام على الخطبة قال: [تجلس حتى يفرغ من الخطبة ثم تقوم فتصلي]

«الحديث».

(و لابن الجنيد) برواية (أبي البختري)

عن جعفر عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) قال: [من فاتته صلاة العيد فليصل أربعاً].

و أنت خبير بما في كلامهم (رضوان الله عليهم) [23] من الإجمال في هذا المجال، فإنّهم قد اتفقوا كما تقدم على أن آخر وقت صلاة العيد الزوال.

و من الظاهر حينئذ أن القضاء إنّما هو عبارة عن الإتيان بها بعد الزوال، و قد ذكروا أيضاً كما تقدم أنّه مع العذر عن الحضور يستحب الإتيان

____________

[21] في نسخة م و الثاني.

[22] في نسخة م يلزم.

[23] أي الأصحاب مثل ابن إدريس و ابن حمزة و ابن الجنيد

119

و كلام هؤلاء المخالفين للقول المشهور و كذا أخبارهم التي استدل بها لهم و غاية ما يدل عليه الإتيان بها بعد انقضاء صلاة الإمام و هذا ليس من القضاء في شيء و إنّما هو داخل في مسألة استحباب الإتيان بها بعد تعذر الحضور مع الإمام.

بقي الكلام في رواية (أبي البختري) الدالة على كونها أربعاً و ضعفاً و كون راويها كذاباً مشهوراً يمنع من الالتفات إليها و العمل عليها و بالجملة فإنّه لا وجه للقول بالقضاء و لا دليل عليه بالكلية (إلا مع ثبوت الرؤية من الغد بعد الزوال على المختار) فإنّه يجب القضاء لما رواه (ثقة الإسلام في الكافي، و الصدوق في الفقيه في الصحيح عن محمّد بن قيس)

عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: [إذا شهد عند الإمام شاهدان أنّهما رأيا الهلال منذ ثلاثين يوماً من الشهر الأول بعد زوال الشمس أمر الإمام بإفطار ذلك اليوم و أخر الصلاة إلى الغد فصلى بهم].

و مثله (مرفوعة محمّد بن أحمد).

و الظاهر أن ذلك مذهب (الكليني و الصدوق) كما يدل عليه عنوان الباب في كتابيهما بمضمون الخبرين و إيرادهما، و العجب من الأصحاب (رضوان الله عليهم) حيث صرحوا بنفي القضاء مطلقاً حتى أنّه في (المنتهى) نقل اتفاق الأصحاب على نفيه في هذه الصورة التي ذكرناها و مثله (الشهيد في الذكرى) و نقلوا عن (ابن الجنيد) القول بالقضاء من الغد و نقلوا فيه أخباراً عامية، و ردها [24] بذلك مع أن هذين الخبرين كما ترى من أصرح الأدلة على الصورة المذكورة.

المطلب الثالث: في صلاة الآيات

(يجب على كل مكلف لكسوف النيرين) أي القمر و الشمس اتفاقاً نصاً و فتوى (و الزلزلة و كل مخوف سماوي) على المشهور و يدل على الوجوب للزلزلة أخبار عديدة منها رواية (سليمان الديلمي) و على الوجوب لكل مخوف (صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم) قالا

قلنا لأبي جعفر (عليه السلام) [25] هذه الرياح و الظلم التي تكون هل يصلي لها؟ فقال: [كل أخاويف السماء من ظلة أو ريح أو فزغ فصل له صلاة الكسوف].

و نسبة الأخاويف إلى السماء إما باعتبار كون بعضها منها أو المراد بالسماء مطلق جهة العلو، أو المراد المنسوبة إلى خالق السماء فيجب بكل هذه الأسباب (صلاة ركعتين) يأتي في كل ركعة بخمس ركوعات فيكون الإتيان في الركعتين (بعشر ركوعات).

و كيفيتها (بأن يكبر) للإحرام (ثم يقرأ الحمد و سورة ثم يركع ثم يقوم) من ركوعه منتصباً (فيقرأ الحمد و سورة ثمّ يقنت ثمّ يركع و هكذا حتى يكمل خمس ركوعات ثم يرفع من الخامس ثم يسجد بعده سجدتين ثم يقوم للركعة الثانية و يفعل ما فعله كالأولى قانتاً على كل مزدوج استحباباً) كما ذكرنا و نقل عن (الصدوق (رحمه الله) أنّه لو لم يقنت إلا في الخامسة و العاشرة فهو جائز لورود الخبر و لم نقف على ما ذكره من الخبر إلا أنّه الثقة (الصدوق) فيما ينقله، و ذكر بعض الأصحاب أنّه يكفي القنوت على العاشر خاصة و لم نقف له على دليل، و لعل وجهه جعل هذه الصلاة ثنائية كالصبح و القنوت إنما هو في الركعة الثانية قبل الركوع الذي يسجد عنه.

(جاهرا بالقراءة مكبرا بعد الرفع من الركوع) و هذا من خصوصيات هذه الصلاة

____________

[24] في نسخة ع ورودها.

[25] في نسخة م عن أبي عبد الله (عليه السلام).

120

(إلا في) الركوع (الخامس و العاشر) اللذين يسجد عنهما فإنه لا يكبر بعهدهما، (فيقول) بعد الرفع منهما كما يقوله في الصلاة اليومية ( «سمع الله لمن حمده» مرجحا لطوال السور) في صلاة الكسوف و الخسوف (إلا مع ضيق الوقت أو يكون إماما يشق على من خلفه) التطويل في القراءة.

(مساويا) في صلاة الكسوفين (بين كل من ذكر الركوع و السجود و القراءة إلا مع ضيق الوقت أو المشقة كما ذكر مصليا في المسجد في جماعة مطيلا لها في الكسوفين بقدر زمان السبب معيدا لها لو فرغ قبل الانجلاء) و إن شاء قعد في مصلاه و حمد الله و مجده إلى أن ينجلي (استحبابا في الجميع) لورود النصوص بجميع ذلك.

و الأصل في هذه الكيفية أخبار عديدة منها (صحيحة الرهط) و فيها

[فتكبر بافتتاح الصلاة ثم تقرأ أم الكتاب و سورة ثم تركع ثم ترفع رأسك من الركوع فتقرأ أم الكتاب و سورة ثم تركع الثانية ثم ترفع رأسك من الركوع فتقرأ أم الكتاب و سورة ثم تركع الثالثة ثم ترفع رأسك من الركوع فتقرأ أم الكتاب و سورة ثم تركع الرابعة ثم ترفع رأسك من الركوع فتقرأ أم الكتاب و سورة ثم تركع الخامسة فإذا رفعت رأسك قلت «سمع الله لمن حمده» ثم تخر ساجدا فتسجد سجدتين ثم تقوم فتصنع مثل ما صنعت في الأولى قال: قلت: و إن هو قرأ سورة واحدة في الخمس ركعات ففرقها بينها قال: أجزأه أم القرآن في أول مرة و إن قرأ خمس سور فمع كل سورة أم الكتاب و القنوت في الركعة الثانية قبل الركوع إذا فرغت من القراءة ثم تقنت في الرابعة مثل ذلك ثم في الثامنة ثم في العاشرة].

مسائل

المسألة الأولى: (يجوز تفريق سورة أو أزيد)

(في كل من الركعتين على ركوعاتها كملا أو بعضاً) منها (قارئاً) متى فرق من حيث (قطع غير معيد الفاتحة حتى تم السورة) أما جواز التفريق فقد تقدم في (صحيحة الرهط) ما يدل عليه، و هي دالة على جواز تفريق سورة في جميع الخمس و أما ما يدل على الجميع [1] في الركعة الواحدة من الإتمام و التبعيض، و كذا على جواز التبعيض في ركعة و تقرأ في الأخرى خمساً فإطلاق قوله (عليه السلام) في (صحيحة الحلبي)

[و إن شئت قرأت سورة في كل ركعة، و إن شئت قرأت نصف سورة في كل ركعة، و إذا قرأت سورة في كل ركعة فاقرأ فاتحة الكتاب، و إن قرأت نصف السورة أجزأك أن لا تقرأ فاتحة الكتاب إلا في أول ركعة حتى تستأنف أخرى].

و المراد بالركعة في الخبر الركوع و في (صحيحة زرارة، و محمّد بن مسلم)

[و إن قرأت سورة في كل ركعة فاقرأ فاتحة الكتاب و إن نقصت من السورة شيئاً فاقرأ من حيث نقصت، و لا تقرأ فاتحة الكتاب].

و روى (ابن إدريس في مستطرفات السرائر عن جامع البزنطي)

عن الرضا (عليه السلام) قال: و سألته عن القراءة في صلاة الكسوف قال: [تقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب و قال إذا اختتمت سورة و بدأت بأخرى فاقرأ فاتحة الكتاب و إن قرأت سورة في ركعتين أو ثلاث فلا تقرأ بفاتحة الكتاب حتى تختم السورة].

و رواه كذلك (علي بن جعفر في كتابه) و (الحميري في قرب الإسناد).

(و للأصحاب في) هذه (المسألة تفصيلات بعيدة الانطباق على النصوص) كما لا يخفى على من راجع

____________

[1] في نسخة م على الجمع.

121

كتبهم و مطولاتهم.

المسألة الثانية: (من لم يدرك الإمام إلا بعد مضي ركوعات [2]) الركعة (الأولى)

(فالأحوط له التوقف) و عدم الدخول معه (إلى الركعة الثانية).

(أو لم يدرك) إلا بعد مضي (بعض ركوعات) الركعة (الثانية فالانفراد) أي فالأحوط الانفراد و الوجه في ذلك أنّه إذا لم يدركه إلا بعد مضي بعض ركوعات الركعة الأولى ثم دخل معه و تابعه في بقية ركوعاتها و أفعالها فإذا أتم الإمام الركوعات الخمسة و سجد فالمأموم إما أن يجب عليه الالتحاق به في السجود فيلزم نقصان صلاته و لم يقم دليل على تحمل الإمام ذلك عنه و إما أن يجب عليه الإتمام فيلزم تخلفه عن الإمام في المتابعة للسجود الموجب لبطلان القدوة «عندنا».

و العجب من جمع من الأصحاب أنّهم ذكروا هذا الإشكال في هذا المقام، و توقفوا في جواز المتابعة في الصورة المذكورة لعين ما ذكرناه مع أنّهم صرحوا في صلاة الجماعة كما سيأتي بأنه لا يخل بالقدوة و الإخلال بالمتابعة في ركن بل ركنين عمداً كان أو سهواً و بمقتضى كلامهم ثمة يجوز الدخول هنا و يختلف المأموم عن الإمام لأجل الإتيان بما بقي عليه ثم يلتحق به و لو في الركعة الثانية و حيث إن ما ذكروه من جواز التخلف مما لا يقم عليه دليل «عندنا» كما سيأتي إنشاء الله تعالى في صلاة الجماعة «كان الحكم في المسألة ما ذكرناه» و إنّما نسبناه إلى الاحتياط لعدم النص في المسألة بل الدليل على ذلك إنّما هو الاحتياط و هو أحد مواضع وجوبه كما نبهنا عليه كما سبق.

المسألة الثالثة: (وقتها)

أي وقت هذه الصلاة (في الكسوفين من حين ابتداء السبب إلى تمام الانجلاء على الأظهر) هذا أحد القولين في المسألة و قيل إن آخر وقتها هو الأخذ بالانجلاء و هو المشهور عندهم [3].

و ربما كان مستنده (صحيحة حماد بن عثمان)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ذكروا عنده انكساف [4] الشمس و ما يلقى النّاس من شدته فقال: [إذا انجلى منه شيء فقد انجلى].

قال (المحقق (رحمه الله) «و لا وجه في ذلك لاحتمال أن يكون أراد تساوي الحالتين في زوال الشدة لا بيان الوقت» انتهى.

و هو جيد.

و يدل على ما اخترناه أولا أن وجوب الصلاة يتحقق بتحقق الكسوف، و لا دليل على السقوط بمجرد الأخذ في الانجلاء فيستصحب الوجوب.

و ثانياً (موثقة عمار)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: [إن صلاة الكسوف إلى أن يذهب الكسوف من الشمس و القمر و تطول في صلاتك فإن ذلك أفضل].

و الذهاب إنّما يكون بالانجلاء، و يؤيده الأمر بالإعادة لو فرغ قبل الانجلاء في (صحيحة معاوية بن عمار) فإنّها محمولة على الاستحباب اتفاقاً و لو كان آخر الوقت هو الأخذ في الانجلاء لما استحبت الإعادة.

و حينئذ «فالأظهر هو الامتداد إلى تمام الانجلاء».

(فلو قصر) الوقت (عنها) أي عن الصلاة (سقطت) و لم يجب الإتيان بها (على المشهور) و قيل يكتفى بسعة الركعة، فإن وسع الوقت قدر ركعة وجب إتمامها عملا «بحديث»

[من أدرك من الوقت ركعة فقد أدرك الوقت كله].

و الظاهر ضعفه، أما أولا: فلأن مورد الخبر الصلاة اليومية و تعديته إلى غيرها محل نظر.

و أما

____________

[2] في نسخة ع إلا بعد مضي بعض.

[3] أي الأصحاب.

[4] في نسخة م عنده الكسوف انكساف.

122

ثانياً: فلتصريح بعض الأصحاب يكون الخبر المذكور عاميا و حينئذ فيضعف الاعتماد عليه و استدلوا على القول المشهور بأنه إنّما لم تجب الصلاة مع قصر الوقت عنها لاستحالة التكليف بشيء يقصر وقته عنه و مقتضى كلامهم أنّه لو شرع فيها من أول الوقت ثم حصل الانجلاء قبل الفراغ لو يجب إتمامها لانكشاف عدم الوجوب بقصر الوقت عن أدائها مع أن (صحيحة زرارة) التي هي من جملة الروايات الواردة في بيان كيفية هذه الصلاة تضمنت

[أنّه إذا انجلى قبل أن تفرغ من صلاتك فأتم ما بقي منها]

هذا و ربما يقال إن الظاهر من إطلاق الأدلة إنّما هو سببية الكسوف لهذه الصلاة لا الوقتية كما ذكروه.

و حينئذ فلا يتقيد بسعة الوقت و ضيقه إلا أن ظاهر أخبار القضاء كما سيأتي في المسألة الخامسة يدفع ذلك و كذا قوله في (موثقة عمار المتقدمة) إن صلاة الكسوف إلى أن يذهب الكسوف فإنّها ظاهرة في التوقيت بهذا المقدار.

(و) وقت هذه الصلاة (في الزلزلة مدة العمر) فيصليها و إن سكنت و هو قول أكثر الأصحاب و مرجع ذلك إلى كون الزلزلة سبباً لوجوب هذه الصلاة دون أن يكون وقتاً و هو غاية ما يستفاد من الأدلة.

و حينئذ فما ذكره بعض الأصحاب بناء على كونها وقتاً للصلاة من منافاة ذلك القواعد الأصولية لامتناع التكليف بفعل في زمان لا يسعه ليس في محله.

المسألة الرابعة: (يتخير المكلف لو اتفقت) صلاة الكسوف (مع) الصلاة (الحاضر) مع سعة وقتها (في تقديم أيهما شاء)

هذا هو أحد القولين في المسألة، و هو المشهور و نقل عن (ابن بابويه و الشيخ في الفقيه) وجوب تقديم الفريضة و الوجه في التخيير هو الجمع بين ما دل على الأمر بالبدأة بالفريضة إذا وقع الكسوف في وقتها (كصحيحة محمّد بن مسلم) عن أحدهما (عليهم السلام) قال

سألته عن الكسوف في وقت الفريضة قال: [ابدأ بالفريضة].

و بين ما دل على أنّه يصلي الكسوف ما لم يتخوف أن يذهب وقت الفريضة (لصحيحة يزيد بن معاوية و محمّد بن مسلم) عن أبي جعفر (عليه السلام) و أبي عبد الله (عليه السلام) قالا

[إذا وقع الكسوف أو بعض هذه الآيات صلها ما لم تتخوف أن يذهب وقت الفريضة فإن تخوفت فابدأ بالفريضة و اقطع ما كنت فيه من صلاة الكسوف فإذا فرغت من الفريضة فارجع إلى حيث كنت قطعت و احتسب بما مضى].

و حينئذ فيتخير في تقديم أيهما شاء (ما لم يتضيق أحدهما) مع سعة وقت الثانية (فيقدمها) أي التي يتضيق وقتها، و الحكم هنا إجماعي (و لو تضيقتا معاً قدمت الحاضرة) إجماعاً.

و للأخبار الدالة على قطع صلاة الكسوف لو تبين الضيق في أثنائها، و منها (صحيحة محمّد بن مسلم المتقدمة) (و لو تبين الضيق) أي ضيق وقت الحاضرة (في أثناء صلاة الكسوف قطعها) أي قطع صلاة الكسوف (و صلى الحاضرة).

لا خلاف في وجوب قطع صلاة الكسوف في الصورة المذكورة، و إنّما الخلاف في أنّه بعد القطع و صلاة الفريضة الحاضرة هل يستأنف أو يبني على ما فعله منها؟ المشهور الثاني و إليه أشار بقوله (أتم من حيث قطع على الأظهر) و يدل عليه (صحيحة يزيد و محمّد بن مسلم المتقدمة) و مثلها (صحيحة أبي أيوب الخزار [5] و صحيحة محمّد بن مسلم) و نقل عن (الشيخ في المبسوط و الشهيد في الذكرى) وجوب

____________

[5] في نسخة م الخزاز.

123

الاستئناف، الصحاح المذكورة حجة عليهما [6].

المسألة الخامسة: (يقضي المكلف) هذه الصلاة متى فات وقتها

(مع العلم بالسبب) أي سبب كان من أسبابها (و إن نسي) الإتيان بالصلاة بعد العلم (على المشهور) خلافاً (للشيخ في المبسوط و النهاية) حيث لم يوجب القضاء على الناسي ما لم يستوعب الاحتراق و يرده ما رواه (الكليني مرسلا) قال

[إذا علم بالكسوف و نسي أن يصلي فعليه القضاء، و إن لم يعلم فلا قضاء عليه].

و الخبر مختص بالكسوف و هو و إن كان ظاهراً في الحجية على (الشيخ)، إلا أنّه غير ظاهر في العموم المدعى في هكذا مقام، فلذا قال (و هو) أي وجوب القضاء مع العلم و النسيان (في غير الكسوفين محل إشكال) و إن كان هو المشهور فإن مورد أخبار القضاء هو صلاة الكسوفين خاصة لما عرفت من (المرسلة المتقدمة) و مثلها ما سيأتي من الأخبار.

و الاستناد في التعميم إلى إطلاق (صحيحة زرارة) الدالة على أنّه أربع صلوات يصليها الرجل في أي ساعة وعد منها صلاة فاتتك، فمتى ذكرتها أديتها و نحوها مما دل على قضاء الفوائت فيه أن احتمال الاختصاص باليومية التي هي الفرد المتكرر الشائع المنساق إلى الذهن عند الإطلاق «قريب».

فإن التعميم بالنسبة إلى الأفراد النادرة الوقوع «بعيد».

و لهذا لم يستند أحد من الأصحاب في وجوب القضاء مع العلم بالسبب إليها مع قبولها لذلك بناء على الاستدلال بها هنا.

و بالجملة فإن حكمهم بالقضاء في غير الكسوفين غير خال من الإشكال لما ذكرنا (و إن كان الأحوط ذلك، و أما فيهما) أي الكسوفين (فأظهر القولين هو القضاء) و هو المشهور و ظاهر (المرتضى في المصباح) عدم القضاء إلا مع استيعاب الاحتراق، و مال إليه (السيد السند في المدارك).

و يدل على المشهور رواية (حريز) و فيها

[إذا انكسف القمر و استيقظ الرجل و لم يصل فيغتسل من عذر و يقضي الصلاة].

(و موثقة عمار الساباطي) و فيها

[فإن لم تعلم حتى يذهب الكسوف ثم علمت بعد ذلك فليس عليك صلاة الكسوف، و إن أعلمك أحد و أنت نائم فعلمت ثم غلبتك عيناك فلم تصل فعليك قضاؤها].

و استند في (المدارك) إلى (صحيحة علي بن جعفر) عن أخيه موسى (عليه السلام) أنّه سأله عن صلاة الكسوف هل على من تركها قضاء؟ فقال

[إذا فاتت فليس عليك قضاء].

و مثلها رواية (الحلبي)، و قضية الجمع بين هذه الأخبار حمل الإطلاق في هذين الخبرين على التفصيل في الخبرين الأولين لأن المفصل يحكم على المجمل كما هو القاعدة المقررة.

و حينئذ: فيجب تقيد هذين الخبرين بعدم العلم لدلالة جملة من الأخبار على نفي القضاء مع عدم العلم (كموثقة عمار المتقدمة، و موثقة زرارة [7] (و لكن لما كان نظر (السيد (قدس سره) قصوراً على صحاح الأخبار و اطراح ما عداها و إن كان موثقاً جرياً على هذا الاصطلاح المحدث [8] أطرح تلك الأخبار و عمل على (الصحيحة المذكورة).

هذا كله مع العلم بالسبب (و أما مع الجهل فلا قضاء) على المشهور، و قيل بوجوب القضاء أيضاً، و نقل عن (المرتضى في الانتصار [9] و ابن بابويه و أبي الجنيد و أبي صلاح) و لم أقف على دليل مع دلالة الروايات

____________

[6] في نسخة م عليها.

[7] أما موثقة زرارة

عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: انكسفت الشمس و أنا في الحمام فعلمت بعد ما فرغت فلم أقض ..

الخبر، و قد يكون مستدل المصنف (رحمه الله) غير هذا إلا أنه متجها بالراوي و المدلول فنسبناه لقول المصنف المبرور (رحمه الله).

[8] في نسخة ع الحدث.

[9] قال في الانتصار ما هذا لفظه: «إن من فاتته هذه الصلاة يجب عليه قضاؤها و باقي الفقهاء يخالفون في ذلك» ثم قال: «و الحجة على ما ذهبنا إليه ما يروونه عن النبي (صلى الله عليه و آله)» ثم سرد الرواية، لكن هذا يدل على وجوب صلاة الكسوف لا قضائها إن فاتت مع عدم العلم بها.

124

(المتقدمة كموثقة عمار و زرارة و صحيحة علي بن جعفر) و غيرها أيضاً على عدم القضاء.

و بالجملة فالأظهر هو عدم القضاء مع الجهل مطلقاً (إلا في الكسوفين مع الاحتراق) أي احتراق القرص أجمع، و يدل على وجوب القضاء في هذه الصورة روايات.

منها (صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: [إذا انكسفت الشمس كلها و احترقت و لم تعلم و علمت بعد ذلك فعليك القضاء، و إن لم يحترق كلها فليس عليك قضاء].

و في معناها غيرها أيضاً بقي الكلام في الجهل بالسبب في غير الكسوفين و هو خال من الدليل نفياً و إثباتاً، إلا أنّه قد صرح (العلامة في التذكرة) بسقوط صلاة الزلزلة في صورة الجهل عملا بالأصل السالم من المعارض.

و أورد عليه أن المعارض موجود و هو عموم ما دل على وجوب الصلاة للزلزلة من غير توقيت و لا تقييد بالعلم المقارن لحصولها.

«و هو جيد» و لهذا قال في (النهاية) و يحتمل في الزلزلة قوياً الإتيان بها لأن وقتها العمر، و ظاهر الأصحاب سقوط القضاء في عدا الكسوفين مطلقاً «و الأحوط القضاء مطلقاً» لعين ما ذكر في (النهاية) من الاحتمال.

المطلب الرابع في الملتزم بالنذر و شبهه

(الملتزم بالنذر و شبهه) من العهد و اليمين كأن ينذر أو يعاهد أو يحلف على أصل الصلاة على الوجه الذي يأتي تفصيله.

(و صلاة الملتزم بها) على صيغة المفعول بأحد الوجوه الثلاثة المذكورة (تابعه) في الفعل و الإتيان بها (لما التزم) المكلف به على نفسه في صيغة «أنذر» أو أحد أخويه [10] (من الاعداد و الهيئات و القيود بشرط المشروعية) لأنّه لا ينعقد منه إلا ما كان مشروعاً قبل النذر، إلا ما استثني، (و في انصراف) النذر (المطلق) كأن ينذر صلاة غير مقيدة بعدد فهل تنصرف (إلى ركعة) و يتأدى النذر بها أم لا؟ (قولان) أحدهما: أن أقل ما يتأدى به النذر صلاة ركعتين لأنّه المعهود الغالب في النوافل و قيل بركعة لصدق اسم الصلاة عليهما حقيقة لا بخصوصية كونها وتراً، «و لعل الأول أقرب» لإشعار رواية (مسمع بن عبد الملك)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: [إن أمير المؤمنين (عليه السلام) سُئل عن رجل نذر و لم يسم شيئاً؟ قال: إن شاء صلى ركعتين و إن شاء صام يوماً و إن شاء تصدق برغيف].

بأن أقل ذلك الشيء المطلق بالنسبة إلى الصلاة صلاة ركعتين كما أن أقله بالنسبة إلى الصوم صوم يوم.

و بالجملة فإن صحة النذر لما كانت موقوفة على مشروعية الفعل قبل النذر و صلاة ركعة لم يعلم مشروعيتها مطلقاً بل في موضع خاص فلا يحصل يقين البراءة بالإتيان بها مطلقاً.

و حينئذ فهذان القولان (أحوطهما العدم) لما عرفت (إلا أن) يكون الناذر (يجعلها الوتر) يعني يعين تلك الصلاة المنذورة بأنّها هي صلاة الوتر فينعقد النذر و يجزي الإتيان بالوتر و لكن يخرج الكلام بذلك عن فرض المسألة.

(و لو قيد العدد) الذي نذره (بخمس) ركعات لكن (بتسليمة) واحدة (فالأشهر الأظهر عدم الانعقاد) لعدم ثبوت مشروعية ذلك و صحة النذر متوقفة على مشروعية الفعل قبل النذر كما قدمنا ذكره [11] و قيل بالانعقاد و لعموم الوفاء بالنذر لأنها عبادة لا يخرجها عدم التعبد بها عن ذلك. [10] أي أعاهد أو أحلف أو أقسم، هذه أخوات أنذر المشار إليها.

____________

[11] لأن عموم الوفاء بالنذر المخصوص ما إذا لم يكن مرجوحاً شرعاً و كونها غير ما وردت من الشارع و لم تثبت هذه الصورة عنه.

فيتعين عدم الانعقاد، و رجحانه شاهر ظاهر.

125

«و ضعفه ظاهر».

(فإن أطلق) نذر الخمس و لم يقيدها بتسليمة صح نذره (و انصرف إلى) الوجه (المشروع) فيصلي ثلاث ركعات على حدة و ركعتين على حدة.

(و لو كانت الهيئة المشروعية) ليست مطلقة يصح الإتيان بها في جميع الأوقات و على أي الحالات كسائر الصلوات بل (مخصوصة بوقت خاص) كصلاة العيدين المخصوصة بذلك اليومين المعينين لها شرعاً واجبة كانت أو مندوبة فلا تشرع في غيرها.

(أو سبب خاصة) أي و تكون تلك الهيئة مسببة عن سبب خاص كصلاة الآيات فإنّها لا تشرع إلا بأحد الأسباب المقررة لها شرعاً و حينئذ فلو نذر أحد هاتين الهيئتين مطلقاً، (فالأظهر عدم الانعقاد مطلقاً) لما عرفت من عدم المشروعية كذلك نعم لو قيد النذر بالوقت المذكور أو السبب المذكور بنى على انعقاد نذر الواجب فيما وجب منها [12].

(و لو قيد) النذر (زمان) معين (أو مكان) معين (تعين القيد مطلقاً) سواء كان له مزية أم لا (على الأشهر الأظهر) لا خلاف بينهم [13] في أن من قيد نذره بزمان معين يقيد به سواء كان لذلك الزمان مزية أم لا لعموم ما دل على وجوب الوفاء بالنذر مع عدم ما يفيد المنع.

أما لو قيده بمكان فالمشهور أنّه كذلك و نقل عن (العلامة) في بعض كتبه التفصيل بين ذي المزية و غيره فيجب الإتيان بالمقيد في الأول دون الثاني فإنّه إنّما ينعقد أصل النذر و يتخير في الإتيان به في ذلك المكان أو غيره [14] «و هو ضعيف».

لأن فتح هذا الباب يؤدي إلى عدم إيجاب شيء بالنذر، كما لو نذر صوم يوم معين أو حج سنة معينة فلا يتعين ذلك اليوم و لا تلك السنة بالنذر إذا لا يعقل هنا فرق بين الزمان و المكان لأن رجحان القيد إن كان معتبراً في تعين المنذور و تقيده يلزم عدم التعين في الزمان لانتفاء الرجحان في القيد، و لا قائل به و إلا يلزم التعين في الزمان و المكان من غير فرق.

(و وقته) أي المنذور (العمر إن كان) النذر (مطلقاً) غير مقيد بوقت مخصوص (و) لكن (يتضيق بغلبة ظن الوفاة و بقاء الوقت) فلو غلب عليه ظن الوفاء في وقت لا يسع الإتيان به ثم مات قضاه وليه إن كان مما يقضى كما سيأتي في المقام إنشاء الله تعالى.

(و إلا) أي و إن لم يكن النذر مطلقاً بل معيناً بوقت (فما عينه) أي فوقته ما عينه فيجب عليه الإتيان به فيه.

المسائل

المسألة الأولى: (إذا حنث) بأن خالف ما نذره

حال كونه (عالماً) بوجوب الإتيان عليه بما نذره (عامداً) غير ساهي و لا ناسي (مختار) غير مكره (أثم و كفر) إجماعاً نصاً و فتوى (و إلا) أي و إن اختل بشيء من هذه الشروط (فلا) إثم و لا كفارة لحديث [رفع القلم].

و لأن الغرض من النذر إما الزجر عن الفعل أو تركه أو البعث عليه و إيقاعه و كل من هذين النوعين إنّما يكون مع التذكر و الاختيار ليتعلق به الزجر أو البعث على المنذور و يصح الحث على الوفاءِ به و إيقاعه لأجل النذر و حيث لا اختيارا أو لا يذكر [15] لم يوجد المقصود من النذر أعني الترك أو الفعل لأجله.

(و على الأول) و هو الحنث عالماً عامداً مختاراً (فهل ينحل النذر) فلا يجب بعد ذلك الإتيان بالمنذور و لا يترتب على المخالفة إثم و لا كفارة لأن المخالفة قد حصلت و هي لا تتكرر لاستحالة تحصيل الحاصل (متعدداً كان) المنذور كما لو نذر صلاة ركعتين في كل يوم من أيام عمره أو شهرة أو سنته (أو متحداً) و هو

____________

[12] فأما صلاة العيدين المندوبة فإنّه ينعقد نذرها لخروجه مما خصه المصنف.

[13] أي الأصحاب.

[14] و المشهور أنّه لو خالف في الصورة المذكورة و أوقع المنذور قبل الزمان المعين وجب إعادته فيه و إن أخره عنه، فإن كان لعذر قضى و لا كفارة عليه و إن كان لا عذر له قضى و كفر.

[15] في نسخة ع و تذكر.

126

ظاهر (أم لا ينحل) بل يبقى على ما كان عليه و إن وجب القضاء و العذية فيما أخل به (المشهور) بين الأصحاب بل ربما ادعي عليه الإجماع (الأول) و هو الانحلال لعين ما ذكر.

(و جزم البعض) و هو (شيخنا البهائي) على ما صرح به في (شرح المفاتيح) حيث عبر عنه المصنف ببعض المعاصرين في المتن (بالثاني) و هو عدم الانحلال لكن لا مطلقاً بل في المتعدد بجواز تكرر المخالفة و عدم لزوم تحصيل الحاصل حينئذ بخلاف ما إذا لم تتعدد الانفراد، و (لصحيحة علي بن مهزيار)

قال: كتب (بندار مولى إدريس): يا سيدي نذرت أن أصوم كل يوم سبت فإن أنا لم أصمه ما يلزمني من كفارة؟ فكتب (عليه السلام) و قرأته: [لا تتركه إلا من علة و ليس عليك صومه في سفر و لا مرض إلا أن تكون نويت ذلك و إن كنت أفطرت فيه من غير علة فتصدق بعدد كل يوم لسبعة مساكين].

و أجاب (المحدث الكاشاني في المفاتيح) و شارحة في شرحه عن الرواية: بأن ما تضمنته فدية نذر الصيام و ليس كفارة لحنث النذر، و إلا لذكر عشرة مكان سبعة ليكون أحد خصال كفارة اليمين.

أقول: ما ذكراه متجه بالنسبة إلى نقل (الشيخ (رحمه الله) لهذا الخبر في (التهذيب) فإنّه رواه بلفظ السبعة، إلا أن (الصدوق في الفقيه و المقنع) الذي اقتصر فيه على الفتوى بمتون الأخبار قد صرح بلفظ عشرة مكان السبعة فيتعين أن يكون كفارة.

و حينئذ: فالرواية دالة على تعدد الكفارة بتعدد المخالفة و هو صريح في عدم الانحلال و إلّا لم تجب إلّا كفارة واحدة، و أما ما يظهر من تتمة كلام (المحدث الكاشاني) و شارح كتابه مما طوينا نقله من حمل الرواية على من لم يرد الحنث في نذره و إبطاله بل يريد الثبات عليه و أنّه مع المخالفة عمداً فعليه الفدية عن كل يوم بمد أو مدين كما في غير هذه الرواية، ففيه أن الروايات التي ورد فيها الفدية بالمد و المدين موردها الترك عن عذر و لم أقف على رواية صريحة في الترك عمداً قد أوجبوا فيها الفدية خاصة دون الكفارة كما ادعياه.

و بالجملة فإن القول المذكور لما ذكرنا لا يخلو من قرب.

المسألة الثانية: (مخالفة الوصف)

من الإتيان بها قائماً أو جالساً أو بسورة مخصوصة أو في مكان مخصوص أو على هيئة خاصة أو نحو ذلك (اختياراً موجبة للإعادة مع عدم التوقيت) يعني أنه إذا التزم عبادة على وصف مخصوص ثم اتجه لها مجردة عن ذلك الوصف مع القدرة عليه فمع عدم تعين الوقت في صيغة النذر أو تعيينه و لكن أتى بها في غير يجب عليه الإتيان بالعبادة بغير ذلك الوصف في غير ذلك الوقت المعين مع فواته فإنه (يكفر) وجوباً لتحقيق الحنث و المخالفة.

(و في وجوب القضاء) في صورة المخالفة الموجبة للكفارة (خلاف أحوطه ذلك) فقيل بوجوب القضاء [16] إلحاقاً للنذر بالموقتات الشرعية أصالة حيث يقضي مع الفوات و فيه أن القضاء فرض مستأنف لا ترتب له على الأداء و الإلحاق المذكور قياس، نعم ورد في حكاية (علي بن مهزيار) [17] أنّه سأله عن رجل نذر أن يصوم يوماً بعينه فوقع ذلك اليوم على أهله ما عليه من الكفارة؟ فكتب إليه

[يصوم يوماً بدل يوم و تحرير رقبة]

و هي

____________

[16] القول بالوجوب منقول عن الشهيد الثاني في الروضة و الدروس و جماعة و القول بالعدم منقول عن المحقق و جماعة و الأصح المذكور في المتن.

[17] و في صحيحة علي بن مهزيار أنّه كتب إليه

يا سيدي رجل نذر أن يصوم يوماً من الجمعة دائماً ما بقي و وافق ذلك اليوم عيد فطر أو أضحى أو أيام التشريق أو سفر أو مرض .. هل عليه صوم ذلك اليوم أو قضاؤه و كيف يصنع يا سيدي؟ فكتب (عليه السلام) إليه: [قد وضع الله الصيام في هذه الأيام كلها و يصوم يوماً بدل يوم إنشاء الله تعالى].

و أما ما يدعى من أنّه لا يقضي لقاعدة «من نذر صوم يوم لا يقدر فعلها» غير في محله، لصراحة النص به، و لبعد مصدر الأخذ.

127

دالة على القضاء إلا أن موردها الصوم، و يحتمل قريباً أنّه لا خصوصية للحكم به فيمكن الاستدلال بها على غير من باب تنقيح المناط إلا أنّه لا يخلو من شيء.

«و كيف كان فالأحوط القضاء كما ذكرنا».

(و كذا الأحوط القضاء مع المخالفة مطلقاً) عمداً أو نسيانا أو لعذر إلا أن موردها الصوم لكن الأصحاب لم يفرقوا و استدلوا بها على ذلك، و لعل الاستدلال بها من باب تنقيح المناط من ثم جعله القضاء احتياطاً حيث لم نقف على دليل يتعلق بوجوب القضاء في الصلاة (و لو مات قبله) أي قبل القضاء (قضى وليّه عنه) إن كان ثمة ولي (و إلا فغيره) إن كان مما يقضي و هو العبادات المشوبة بالمال لا البدنية كما حققه في محله.

المسألة الثالثة: (اشترط البعض) و هو (العلامة في الإرشاد) (في صحته)

أي صحة انعقاد النذر المقيد بزمان معين (أن لا يكون عليه صلاة واجبة) في ذلك الزمان و هذا إن كان متعلق النذر النافلة فلو كان متعلقه فريضة بنى على القول بصحة نذرهما كما سيأتي إنشاء الله تعالى.

(و هو متجه بناء على القول بعدم مشروعية النافلة لمن عليه فريضة) لأن مشروعية المنذورة شرط في انعقاد نذرها فيجب أن يكون المنذور مشروعاً قبل النذر حتى يصح تعلق النذر به و النافلة لمن عليه فريضة غير مشروعة بناء على أحد القولين و هو أصحها «عندنا» كما بيّناه في (كتاب المسائل الشيرازية).

و حينئذ فلا تصح تعلق النذر بها.

المسألة الرابعة: (يشترط فيها كل ما يشترط في اليومية)

من الطهارة و الاستقبال و الساتر و غيرها مما تقدم بيانه في اليومية، (مع الإطلاق) فعلى هذا متى أطلق فلا يجوز الإتيان بها جالساً و لا إلى غير القبلة و لا ماشياً و إن صح ذلك في النافلة قبل تعلق النذر بها.

هذا مقتضى كلامهم (إلا الوقت) إذ لا تعين فعل المنذورة في وقت الصلاة اليومية، بل هو تابع النذر في إطلاقه و تقيده (على المشهور) أي الحكم بالاشتراط على الوجه المذكور بناء على القول المشهور بين الأصحاب إذ لم نعثر على دليل غير مجرد الشهرة مع أنّه قد روى (الشيخ (قدس سره) في التهذيب عن علي بن جعفر) عن أخيه موسى (عليه السلام) قال

سألته عن رجل جعل عليه أن يصلي كذا و كذا صلاة [18] هل يجزيه أن يصلي على دابته و هو مسافر؟ قال: [نعم].

و هو دال على جواز الإتيان بالمنذورة مع عدم الاستقبال و عدم القيام الذي كل منهما شرط في اليومية هذا كله إذا كان النذر مطلقاً.

(و أما مع التقييد فإنّه يتبع القيد لكن مع المشروعية) أي مشروعية القيد لما تقدم من أن انعقاد نذر شيء فرع مشروعيته.

المسألة الخامسة: (لو نذر الفريضة)

أي الواجب صلاة كان أو غيرها (قولان) يلتقيان إلى أن فائدة النذر الإيجاب أو الأعم منه كتأكيد

____________

[18] في نسخة م صلوات.

128

الإيجاب فعلى الأول لا ينعقد و على الثاني ينعقد كذا قيل و الأظهر أن يقال إن الغرض من النذر إنّما هو الزجر أو الشكر، و كلاهما مما لا يصح ترتبه على نذر واجب لوجوب الإتيان به على أي حال.

و حينئذ فلا ينعقد نذره و بالنظر إلى عموم أخبار النذر و جواز أن يقصد بالواجب أمرا زائداً على وجوبه من الزجر أو الشكر، و خصوص ما رواه (الشيخ في التهذيب) بسند صحيح (عن عبد الملك بن عمرو)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من جعل عليه أن لا يركب محرما سماه فركبه قال: [لا أعلم إلى أن قال: فليعتق رقبة أو ليصم شهرين متتابعين أو ليطعم ستين مسكيناً].

يقرب القول بالانعقاد و حينئذ فما ذكر من القولين (أقربهما الصحة و مظهر الخلاف وجوب الكفارة) مع المخالفة إن قلنا بالانعقاد، و عدمه أي عدم الوجوب إن قلنا بعد الانعقاد.

المطلب الخامس: في صلاة الأموات

(يجب على كل مكلف) علم بالموت (الصلاة كفاية) بمعنى أن الوجوب المذكور وجوب كفائي إذا قام به البعض سقط عن البعض الآخر لا عيني (على من بلغ ستاً من السنين) فصاعداً (من المسلمين) و الحكم بالإسلام على من بلغ ستاً مجازاً لإجزاء حكم المسلمين عليه و المراد به من تولد من مسلم أو مسلمة و تخصيص الحكم بوجوب الصلاة على من بلغ ستاً دون من نقص عنها بناءً (على الأشهر) بين الأصحاب و هو (الأظهر) عندي من الأخبار و خلاف ما ذهب إليه (ابن الجنيد) من الوجوب على من استهل بعد الولادة و هو نادر و أخباره محمولة على «التقية».

و عن (ابن أبي عقيل) تخصيص الوجوب بالبالغ و عليه يدل (موثقة عمار) و فيها

[إنّما الصلاة على الرجل و المرأة إذا جرى عليهما القلم]

و مثلها رواية (هشام) و فيها

[إنّما يجب أن يصلي على من وجب عليه الصلاة و الحدود و لا يصلي على من لا يجب عليه الصلاة و لا الحدود].

و يعارض ذلك الأخبار الدالة على القول المشهور (كصحيحة زرارة) عن أبي جعفر (عليه السلام) و فيها

[إنّه يجب الصلاة إذا عقل الصلاة و كان ابن ست سنين]

و مثلها (صحيحة الحلبي و صحيحة محمّد بن مسلم) و ظاهر (المحدث الكاشاني في الوافي) الجمع بين الأخبار و الأخبار الدالة على مذهب (ابن أبي عقيل) يحمل هذه على الاستحباب دون الوجوب و هو غير بعيد فإن ما قدمناه من الروايتين الدالتين على مذهب (ابن عقيل) صريحتان فيما ادعاه لا محل له غير ظاهرهما ليجمع به بينهما و بين تلك الأخبار و أصحابنا إنّما ردّوها بضعف السند بناءً على هذا الاصطلاح المحدث بينهم و عدم قوة معارضتها لتلك الصحاح، و بالجملة فالمسألة لا تخل من نوع إشكال و طريق الاحتياط واضح.

(و) كما تجب الصلاة على المسلم فلذا تجب على من بحكمه ممن كان لقيطاً في دار الإسلام أو مسبياً لمسلم.

و وجوب الصلاة مرتبة بعد (الغسل) و التكفين و هو مما لا خلاف فيه و لا إشكال و هو الذي جرت به السنة و عليه عمل الناس و في كثير من الأخبار دلالة عليه.

و ليكن المصلي على الميت حال الصلاة (قائماً مع الإمكان) و مع العجز يصلي بقدر المكنة و لو وجد من يمكنه فهل تسقط الصلاة بصلاة العاجز؟ وجهان أحوطهما العدم.

و ليكن أيضاً حال

129

الصلاة قائماً (مستقبلًا للقبلة معه) أي مع الإمكان و لا خلاف في وجوب الاستقبال على المصلي و هو المنقول من فعل النبي (صلى الله عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام) و يقين البراءة يتوقف عليه لكن بشرط الإمكان كما ذكرنا و ليكن ذلك حال كونه (جاعلا رأس الجنازة إلى يمينه) إن لم يكن مأموماً و لا بد مع ذلك من كون الميت (مستلقياً) بحيث لو انضجع على يمينه لكان مستقبلًا و يدل عليه مع توقف يقين البراءة عليه (موثقة عمار) فيمن صلى عليه فإذا الميت مقلوب رجلاه إلى موضع رأسه، قال (عليه السلام)

[يسوى و تعاد الصلاة]

و يؤتى بهذه الأحكام الثلاثة (وجوباً في الجميع).

و ليكن المصلي (متطهراً استحباباً) بلا خلاف و لو بالتيمم مع وجود الماء هذا أحد المواضع المستثناة في التيمم مع وجود الماء.

و ينبغي أن يكون (مستتراً حال الصلاة احتياطاً) و للأصحاب في وجوب الستر هنا قولان و المسألة عارية من النص و أصالة البراءة قائمة فمن ثمة نسب إلى الاحتياط.

و ليكن المصلي (واقفاً إن كان إماما عند وسط الرجل و صدر المرأة) هذا هو المشهور و يدل عليه (حسنة عبد الله بن المغيرة و رواية جابر).

و قيل بأنه يقف عند رأس المرأة و صدر الرجل و عليه تدل رواية (موسى بن بكير) و المقام مقام استحباب فلا إشكال، و احتمال التخيير بين الأمرين جمعاً بين الدليلين غير بعيد و لكن حال صلاته نازعاً نعليه من رجليه بلا خلاف بين الأصحاب و يدل عليه رواية (يوسف بن عمير).

(رافعاً بالتكبيرات) الخمس (يديه) هذا هو المشهور و يدل عليه (صحيحة عبد الرّحمن العرزمي) و قيل باستحباب الرفع في أول تكبيرة خاصة و عليه تدل بعض الأخبار الضعيفة و لعلها محمولة على «التقية».

و ليكن بعد الفراغ من الصلاة (واقفاً مكانه حتى ترفع الجنازة) إماماً كان أو مأموماً كما صرح به جمع من الأصحاب و خصه (الشهيد) تبعاً (لابن الجنيد) بالإمام و الذي وقفت عليه من الأخبار في ذلك رواية (حفص بن غياث)

عن جعفر (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) [إن علياً (عليه السلام) كان إذا صلى على جنازة لم يبرح من مصلاه حتى يراها على أيدي الرجال]

و رواية (يونس)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: [الصلاة على الجنازة التكبيرة الأولى استفتاح].

ثم ساق بيان كيفية الصلاة إلى أن قال

[و لا يبرح حتى يحمل السرير من بين يديه].

و الأولى ظاهرة في الإمام و الثانية في المنفرد من حيث الإطلاق، و حينئذ فالأظهر ما هو المشهور و يأتي بهذه الأحكام استحباباً في ذيل الجميع لما ذكرنا من أدلة كل واحد منها.

(و هي) أي هذه الصلاة و كيفيتها (خمس تكبيرات نصاً و فتوى) و ما ورد في شذوذ الأخبار من الأربع فسبيله «التقية».

(و في وجوب الذكر بينهما) أي بين التكبيرات خلاف (و الأشهر الأظهر) عندي ذلك لوقوع الأمر به في الأخبار الكثيرة و توقف يقين البراءة من الأمر الثابت عليه و قيل بالاستحباب و به صرح (المحقق في الشرائع) استناداً إلى إطلاق الروايات المتضمنة لأن الصلاة على الميت خمس تكبيرات فإن الاكتفاء بذلك في مقام البيان يقتضي وجوب ما سواهما و فيه أن الإطلاق مقيد بتلك الأخبار و الاكتفاء بذلك إنّما هو في مقام الرد على من ذهب إلى أنّه أربع تكبيرات من العامة لوقوع الخلاف

130

فيها بين الخاصة و العامة فالمقام و إن كان مقام بيان إلا أنّه لبيان العدد خاصة من حيث وقوع الخلاف فيه لا بيان الكيفية الواجبة في صلاة الجنازة و من ذلك يعلم وجوب الذكر بين التكبيرات كما ذكرنا (إلا أن في التعيين) أي تعيين لفظ الخصوص و ذكر معين (إشكالا) لاختلاف الأخبار في ذلك.

ففي (حسنة إسماعيل الجعفري)

[ليس في الصلاة على الميت قراءة و لا دعاء موقت فادعوا بما بدا لك]

و مثلها (صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم) و في (موثقة يونس بن يعقوب)

[إنّما هو تكبير و تسبيح و تحميد و تهليل].

(و في رواية كليب الأسدي) قال

سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن التكبير على الميت؟ فقال: [تكبر خمساً قلت: فكيف أقول إذا صليت عليه؟ قال: تقول اللهم عبدك يحتاج إلى رحمتك و أنت غني عن عذابه اللهم إن كان محسناً فزد في إحسانه و إن كان مسيئاً فاغفر له].

(و في صحيحة أبي ولاد) قال

سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن التكبير على الميت فقال: [خمس تكبيرات تقول إذا كبرت أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له اللهم صل على محمّد و آل محمّد ثم تقول: اللهم إن هذا المسجى قدامنا عبدك و ابن عبدك قد قبضت روحه إليك و قد احتاج إلى رحمتك و أنت غني عن عذابه اللهم و لا نعلم من ظاهره إلا خيرا و أنت أعلم بسريرته اللهم إن كان محسناً فضاعف إحسانه و إن كان مسيئاً فتجاوز عن سيئاته ثم تكبر الثانية ثم تفعل ذلك في كل تكبيرة].

إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة الآتي بعضها أيضاً المشتملة على الأدعية المتفرقة المختلفة و الظاهر جواز العمل بكل مزيدة الأخبار و الأحوط العمل بما دل عليه (صحيح أبي ولاد و حسنة الحلبي و زرارة) من تكرار الدعاء للميت عقيب كل تكبيرة بل تكرار التشهد و الصلاة على النبي و آله صلى الله عليه و عليهم كما في (صحيح أبي ولاد).

و القول المشهور بين الأصحاب (وجوب الشهادتين بعد) التكبيرة (الأولى و الصلاة) على النبي و آله صلى الله عليهم (بعد) التكبيرة (الثانية و الدعاء للمؤمنين بعد) التكبيرة (الثالثة و الدعاء للميت بعد الرابعة).

و مستنده (صحيحة محمّد بن المهاجر عن أمه أم سلمة

عن) أبي عبد الله (عليه السلام) قال: [كان رسول الله (عليه السلام) إذا صلى على الميت كبر و تشهد ثم كبر و صلى على الأنبياء و دعا ثم كبر و دعا للمؤمنين ثم كبر و دعا للميت ثم كبر الخامسة و انصرف].

و مثلها رواية (إسماعيل بن همام) عن أبي الحسن (عليه السلام).

و ليعلم أن الدعاء بعد الرابع للميت (إن كان مؤمناً) و أما غير المؤمن فيدعو عليه (إن كان مخالفاً) للحق فيقول

[اللهم املأ جوفه ناراً و قبره ناراً و سلط عليه الحيات و العقارب].

كذا في (صحيحة محمّد ابن مسلم) و روي أيضاً غير ذلك.

(و) يدعو (بدعاء المستضعفين) و هو

[اللهم اغفر للذين تابوا و اتبعوا سبيلك و قهم عذاب الجحيم النّار].

و كذا في (حسنة الحلبي).

و المراد بالمستضعف هو من لا يعرف اختلاف النّاس في المذاهب و لا يوالي أحداً بعينه و لا يبغض أهل الحق على اعتقادهم كالبله و النساء و هذا في الصدر الأول في زمان الأئمة (عليهم السلام) كثير و أما الآن فقل أن يوجد كما حققناه في رسالة (الشهاب

131

الثاقب في بيان معنى الناصب) و حينئذ فيدعو له بها ذكر (إن كان منهم).

(و يدعو بدعاء المجهولين) و هو أن يقول

[اللهم إن هذه النفوس أنت أحييتها و أنت أمتها اللهم و لها ما تولت و احشرها مع من أحبت]

كما في (صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم).

و المراد بالمجهول هو الذي لا يعرف مذهبه فيدعو له بهذا الدعاء (إن كان كذلك).

(و يدعو بدعاء الأطفال) و هو

[اللهم اجعله لأبويه و لنا سلفاً و فرطاً و أجراً]

كما في رواية (زيد بن علي) و الفرط بفتح الفاء، و المراد هو الذي يتقدم القوم لمورد الماءِ لإصلاح الحوض و الدلاء و أستعير للطفل لما ورد من أنّه يشفع لوالديه (إن كان الميت كذلك) أي من الأطفال.

مسائل

المسألة الأولى (ظاهر بعض الأخبار) الواردة في الصلاة على الميت (اختصاص الوجوب) أي وجوب الصلاة (بالولي أو نائبه)

و المراد بالولي هنا هو الأولى بالميراث كما هو المشهور بين الأصحاب و فسره (بعض متأخري المتأخرين [1] (بالأشد علاقة بالميت كما ذكره في (المدارك) و اختاره (المحدث الكاشاني في المفاتيح).

أقول: و يمكن تأييد القول المشهور في تفسير الأولى بالميت في أحكامه بالأولى بميراثه بأن يقال: المراد من الأولى في تلك الأخبار ليس باعتبار التفضيل بل هو بمعنى الولي و هو المالك للتصرف و التدبير في الأمر.

و الولي قد ورد تفسيره في مسألة قضاء الولي عن الميت ما فاته من صلاة و صيام بالأولى بالميراث كما في (صحيحة حفص) و غيرها.

و لا ريب أن الولي الذي جعل إليه أحكام الميت هو الذي أوجب عليه الشارع القضاء عما فاته من صلاة و صيام و يؤيد ذلك أن لفظ الأولى كما نقله بعض الفضلاء عن (العالم الرباني الشيخ ميثم البحراني (قدس سره) في كتاب النجاة) في القيامة في آخر تحقيق أمر الإمامة إنّما يطلق لغة على من يملك التدبير في الأمر و فيه قال (قدس سره): «إن أهل اللغة لا يطلقون لفظ الأولى إلا فيمن يملك تدبير الأمر و التصرف فيه» إلى آخر كلامه زيد في مقامه.

و حينئذ فلا ولي في تلك الأخبار بمعنى من له التصرف و تدبير الأمر هذا هو معنى الولي كما في ولي الطفل و ولي البكر و حينئذ فتفسيره بالأشد علاقة كما ذكره (الفاضلان) المتقدم ذكرهما ليس بجيد لأنّه مبني على ملاحظة معنى التفضيل من الصيغة المذكورة و هو ليس بملحوظ هنا.

و كيف كان فإن تخصيص وجوب بالولي (مدافعة للوجوب الكفائي) أي وجوب الصلاة على جميع من علم كفاية لتعلق الخطاب بهم جميعاً بمجرد العلم حتى يصلى على الميت ظاهرة، إذ ظاهر تلك الأخبار أن الوجوب إنّما تعلق بالولي أو من يأمره.

فالمدافعة بين الأمرين واضحة (إلا أن تخصيص) الوجوب الكافة كفاية (به) أي بالوجوب على الولي بمعنى أنّه يجب على الولي أو من يأمره بالقيام بذلك فإن قام به سقط الفرض عن الغير و إلا سقط اعتبار الولي و وجب على الكافة.

(أو يخصص) الوجوب على الولي (بالإمامة) فمعنى قولهم (عليهم السلام)

[يصلي على الجنازة أولى النّاس بها أو من يأمره من يجب]

يعني بأن يكون إماماً أو بأمر من يجب بالإمامة (كما جزم به البعض) و هو (شيخنا الشهيد الثاني في شرح الإرشاد).

و إلى الوجه الأول مال (السيد السند في المدارك) (و لعله) أي التخصيص بالإمامة (الأقرب) بالنسبة إلى الصلاة

____________

[1] و هو الشيخ الفاضل محمّد بن الشيخ حسن بن الشيخ الشهيد الثاني في كتاب الدرر المنظوم و المنثور.

132

إلا أنّه يمكن خدشه بأنه لا يمكن إجراؤه في باقي الأحكام من التكفين و التغسيل و التلقين و نحوها مع جريان الإشكال في الجميع.

و يحتمل أن يقال في الوجوب كفاية على الجميع الولي و غيره و إن كان الولي أو من يأمره الولي أولى بذلك فتكون هذه الأولوية استحباباً.

و فضل الأولوية وجوب إلا أن عندي في أصل ورود الإشكال نظر فإن ما اشتهر بين الأصحاب من الوجوب الكفائي على الكافة في جميع أحكام الميت، لم أقف فيه على دليل بل الأدلة في جميع أحكام الميت إنّما تعلقت بالولي أو من يأمره و لعل مستندهم في ذلك إنّما هو الإجماع، فإن الحكم لا مخالف فيه (منهم) فيما علم لكنّهم في الكتب الاستدلالية لم يتعرضوا إلى ذكر دليل من إجماع أو غيره و كأنه من الأمور المسلمة بينهم.

نعم لو لم يكن ثمة ولي يمكن القول بالوجوب على الكافة لا من حيث خصوص نصوص في المقام بل من الأدلة العامة فيما يتعلق بالمؤمن و وجوب صيانته و ستره و رعاية حرمته ميتاً كرعايتها حياً و الأمر بالمعروف و نحو ذلك.

المسألة الثانية: (المشهور بين المتأخرين)

و تخصيص الشهرة (بالمتأخرين) لعدم ظهور هذا الحكم في كلام (المتقدمين [2] (بل الظاهر من كلام جملة منهم خلافه كما أوضحناه في رسالة (الشهاب الثاقب في بيان معنى الناصب).

و اشتهار (وجوب الصلاة على المخالف) بينهم (نظراً إلى الحكم بإسلامه، و هو) أي الحكم بإسلام المخالف كما يدعونه (في غير المستضعف) الذي قدمنا تعريفه و بيان معناه في كيفية الصلاة على الميت (ضعيف و دليله مزيف) و مما استدلوا به على ذلك رواية (طلحة بن زيد)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: [صلى على من مات من أهل القبلة و حسابه على الله]

و رواية (السكوني) و فيها

قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): [لا تدعوا أحداً من أمتي بلا صلاة].

و لا يخفى ما في هذا الاستدلال من الضعف و الوهن لدلالة الأخبار المستفيضة بل المتواترة معنى كما أوضحناه في (الرسالة المشار إليها) على كفر المخالف الغير مستضعف و نصبه و نجاسته.

و لا ريب أن (هذين الخبرين) يقصران عن معارضة تلك الأخبار سنداً و عدداً و دلالة فالواجب حملها إما على التقية و هو الأظهر بقرينة الرواة فيهما أو تخصيصهما بما عدا المخالف كما أنّه يجب تخصيصهما بما عدا الغالي و الخوارج و النواصب بالمعنى المشهور بين الأصحاب فإنّهم لا يختلفون في كفر الجميع.

المسألة الثالثة: (لو تعذر الكفن جعل في القبر و سترت عورته و صلي عليه)

الظاهر أنه لا خلاف في الحكم المذكور.

و عليه تدل (موثقة عمار الساباطي) قال

قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ما تقول في قوم كانوا في سفر لهم يمشون في ساحل البحر فإذا هم برجل ميت عريان لفظه البحر و هم عراة ليس معهم إلا إزار فكيف يصلون عليه و هو عريان و ليس معهم فضل ثوب يكفنونه به؟ قال: [يحفر له و يوضع في لحده و يوضع اللبن على عورته فتستر عورته باللبن و الحجر فيصلي عليه ثم يدفن].

و يدل عليه أيضاً رواية (محمّد بن مسلم عن رجل من أهل الجزيرة) عن الرضا (عليه السلام).

و ذكر بعض (المتأخرين) أنّه إن أمكن ستر عورته بثوب صلي عليه قبل الوضع باللحد بل صرح (الشهيد الثاني) بوجوب ذلك و يدل عليه ظاهر (الرواية الثانية) حيث قال فيها

____________

[2] منهم شيخنا المفيد حيث قال في المقنعة «و لا يجوز لأحد من أهل الإيمان أن يغسل مخالفاً للحق في الولاية و لا يصلي عليه إلا أن تدعوه ضرورة إلى ذلك من تقية ..» إلى آخره و وافقه الشيخ في التهذيب على ذلك حيث استدل له «بأن المخالف لأهل الحق كافر فيجب أن يكون حكمه حكم الكفار» إلى آخر كلامه (قدس سره) و منع أبو الصلاح من جواز الصلاة على المخالف إلا لتقية .. و منع ابن إدريس وجوب الصلاة إلا على المعتقد و من كان بحكمه من المستضعف و ابن الست سنين و كذلك يفهم من كلام سلار و مذهب السيد المرتضى في المخالفين واضح حيث حكم بكفرهم.

133

بعد سؤال السائل عن مثل السؤال الذي ذكر في (موثقة عمّار) ما صورته

[إذا لم يقدروا على ثوب يوارون به عورته فليحفروا قبره و يضعوه في لحده يوارون عورته بلبن أو أحجار ثم يصلون عليه].

و قد صرح في آخر كل من الروايتين بأنه لا يصلى عليه عرياناً غير مستور العورة حيث قال في آخر الرواية الأولى

[لا يصلى على الميت بعد ما يدفن و لا يصلى عليه و هو عريان].

و في آخر الثانية مثله أيضاً من عدم الصلاة على المدفون و العريان.

المسألة الرابعة: (الزوج أولى بزوجته) في الصلاة بل في جميع أحكام الميت من أقاربها

(نصاً) كما ورد في رواية (أبي بصير)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: المرأة تموت من أحق النّاس بالصلاة عليها؟ قال: [زوجها] قلت: الزوج أحق من الأب و الولد و الأخ؟ فقال: [نعم و يغسلها].

و مثلها رواية (إسحاق بن عمار)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: [الزوج أحق بامرأته حتى يضعها في قبرها].

و قد روي أيضاً في (الصحيح عن حفص بن البختري)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) في المرأة تموت و معها أخوها و زوجها أيهما يصلي عليها فقال: [أخوها أحق بالصلاة عليها].

و مثله في رواية (عبد الرّحمن بن أبي عبد الله)، و حملها (الشيخ) على «التقية» قال «لأنّهما موافقان لمذهب العامة» و هو جيد، لمخالفتهما لعمل (الطائفة المحقة) سلفاً و خلفاً، و مخالفتهما لما دل على أن الأولى بالميت هو الأولى بميراثه.

و لا ريب أن نصيب الزوج أكثر من الإخوة أقوى في الميراث، و الأخ على إطلاق غير وارث بخلاف الزوج: فإنّه وارث في جميع المراتب و ربّما قيل أيضاً بتعدي الحكم للزوجة بمعنى أنّها تكون أولى بزوجها استناداً إلى صدق الزوج عليها لغة.

و لا ريب في ضعفه لأن النص (المتقدم) صريح في أن الزوج إنّما المراد به الرجل فلا تدخل المرأة فيه، و الظاهر عدم الفرق في الزوجة بين الدائمة و المتمتعة الحرة و الأمة [3] لعموم النص.

و بالجملة فأصل الحكم المذكور مما لا ريب فيه (نصاً و فتوى) إذ ظاهر الأصحاب الاتفاق عليه سلفاً و خلفاً حيث لم يصرحوا بذكر مخالف فيه.

(و المشهور أن الأب أولى من الابن) بل لا أعلم فيه مخالفاً، و استدل عليه بأن الأب أرق على الميت و أشفق فيكون دعاؤه أقرب.

و رد: بأن مجرد هذا التعليل لا يصلح لتأسيس الحكم الشرعي و إثباته، نعم يصلح توجيهاً للحكم بعد ثبوته «و هو جيد».

(و) المشهور أيضاً أن (الابن) أولى (من الجد) و نقل هنا عن (ابن الجنيد) أنّه جعل الجد أولى من الأب و الابن محتجاً بأن منصب الإمامة التي بالأب من الولد.

و لعل المشهور لما علم الأولوية بالنسبة إلى الميراث لأن الجد لا يرث مع وجود الأب.

(و) المشهور أيضاً أن (الأخ للأبوين) أولى (من الأخ لأحدهما).

أما تقديم الأخ للأبوين على الأخ للأب خاصة، فالظاهر أنّه لا ريب فيه إلى الأولوية المترتبة على الأولوية في الميراث و الأخ من الأب لا يرث مع الأخ من الأبوين.

و أما على الأخ للأم فعللوه بأنّه أكثر نصيباً في الميراث و بأن الأم لا ولاية لها في الصلاة فمن يتقرب بها أولى.

و المفهوم من كلامهم أنّه مع تعدد الأولياء فكل من كان أولى بالصلاة و كذا الأكثر نصيباً أولى من الأقل، لكن هذا ينتقض عليهم

____________

[3] هذا في الزوجة أما في الزوج فالظاهر العدم: أي عدم من أن يكون حراً أو عبداً و الحكم منقول عن العلامة (رحمه الله) في المنتهى قال: و إن الحر أولى من العبد و إن كان الحر بعيداً و العبد أقرب، لأن العبد لا ولاية له في نفسه ففي غيره أولى و لا نعلم فيه مخالفاً و لا خلافاً يذكر.

و إطلاق النص كما عرفت يقتضي العموم و ليكن استثناء الزوج بالنص مما ذكروه و الله ولي العلم و هو أعلم.

134

باجتماع الأب و ابن حيث إن الابن أكثر نصيباً مع أن الولاية للأب.

(و) المشهور أيضاً أن (الذكر) أولى (من الأنثى) بل قال في (المنتهى) أنّه لا خلاف فيه و حكي عن بعضهم قول باشتراك الورثة في الولاية، و كان مبنى الأولوية هنا هو كون ميراث الذكر من الأنثى، و قيده جماعة بما إذا تعدد الأولياء في طبقة واحدة فلو لم يكن في طبقة الأنثى ذكر فالولاية لها.

و يدل على ذلك (صحيحة زرارة)

عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت: المرأة تؤم النساء؟ قال: [لا إلا على الميت إذا لم يكن أحد أولى منها]

«الحديث».

(و الحر أولى) أيضاً (من العبد) إذا اجتمعا في طبقة و إن كان العبد أقرب بلا خلاف لأن العبد لا يرث مع الحر.

و يؤيد أيضاً كونه محجوراً عليه من التصرفات في نفسه، و كذا في غير.

(و كذا الأفقه) أولى (من غير) و لو كان الأفقه عبداً كما صرح به بعضهم [4] و قد اختلف كلامهم هنا في تقديم الأفقه على الأقرأ و بالعكس مع ظاهر اتفاقهم على تقديم الأقرأ في الجماعة اليومية، و لم أقف لهم على دليل في خصوص هذه الصورة.

و هل الأولوية في هذا الموضع على سبيل الاستحباب أو الوجوب بحيث إنّه تسقط ولاية المرجوح بالكلية، لم أقف لهم على تصريح صريح في ذلك.

المسألة الخامسة: (المشهور) بين الأصحاب (جواز الصلاة) على الميت بعد الدفن (على القبر لمن فاتته الصلاة) عليه قبل الدفن،

و مدة الزمان التي يصلى فيها بعد الدفن (يوماً و ليلة) و قيل يصلى عليه ثلاثة أيام و قيل يصلى عليه ما لم تتغير صورته و قيل بالصلاة على القبر من غير تقيد و قيل بالوجوب على من دفن بغير صلاة و المنع من غيره، و ظاهر ما عدا القول الأخير جواز ذلك.

(و إن كان الميت قد صلى عليه) قبل الدفن (و في التقدير) باليوم و الليلة و كذا الثلاثة الأيام كما في بعض أقوال المسألة (نظر) لعدم الظفر بمستنده و إنّما الموجود في الأخبار جواز الصلاة من غير تقييد بالوقت، (و) لكن (الرواية) و المراد الجنس فإن ما ورد بهذا الحكم روايات متعددة إلا أنّها في (أصل الحكم) و هو الصلاة على القبر بعد الدفن (مختلفة) ففي (صحيحة هشام بن سالم)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) [لا بأس أن يصلي الرجل على الميت بعد ما يدفن].

و في رواية (مالك) عنه (عليه السلام)

[إذا فاتتك الصلاة على الميت حتى يدفن فلا بأس بالصلاة عليه و قد دفن].

و في رواية (عمرو بن جميع) قال

[كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) إذا فاتته الصلاة على الميت صلى على القبر].

و يعارض هذه الأخبار (موثقة عمار) عنه (عليه السلام) في حديث قال

قلت: أ فلا يصلى على الميت إذا دفن قال: [لا يصلى على الميت بعد ما يدفن].

و مثلها (موثقة عمار أخرى له) فيمن صلى عليه فظهر كونه مقلوباً رأسه إلى يسار الإمام قال

[يسوى و تعاد الصلاة عليه و إن كان قد حمل ما لم يدفن فإذا دفن فقد مضت الصلاة و لا يصلى عليه و هو مدفون].

و مثله رواية (محمّد بن مسلم) عن الرضا (عليه السلام) و زاد فيها

[لو جاز لأحد لجاز لرسول الله (صلى الله عليه و آله) قال: و لا يصلى على المدفون

____________

[4] أي الأصحاب.

135

و لا على العريان].

و في (مضمرة زرارة)

[الصلاة على الميت بعد ما يدفن إنّما هو الدعاء قال: قلت: فالنجاشي لم يصل عليه النبي (صلى الله عليه و آله) فقال لا إنّما دعا له].

و في (موثقة أخرى لعمار) قال (عليه السلام)

[الميت يصلى عليه ما لم يوار في التراب و إن كان قد صلى عليه].

و في (موثق يونس بن يعقوب) و قد سأله عن الجنازة لم يدركها حتى بلغت القبر قال

[إن أدركتها قبل أن تدفن فإن شئت فصل عليها].

و في رواية (جعفر بن عيسى)

[إن أبا عبد الله (عليه السلام) سأله عن (عبد الله بن أعين) قال: قلت: مات، قال فانطلق بنا إلى قبره حتى نصلي عليه قلت: نعم قال: لكنا نصلي عليه هنا فرفع يديه يدعو و اجتهد في الدعاء].

هذه الجملة ما وقفت عليه من الأخبار، و هي كما ترى مختلفة (و وجوه الجمع) بينها (متدافعة).

(فالشيخ (رحمه الله) جمع بينها بحمل ما دل على المنع على كونه بعد اليوم و الليلة مع أنّه ليس في شيء من الأخبار لهذا التحديد عين و لا أثر، و احتمل بعض الجمع بحمل أخبار المنع على من صلى عليه، و أخبار الجواز على من لم يصل عليه بالكلية.

و فيه أن ظاهر (موثقة عمار) الواردة على المقلوب برأسه إلى موضع رجليه يدل على المنع و إن دفن من غير صلاة مع المعارضة باحتمال حمل الصلاة في أخبار الجواز على مجرد الدعاء، كما تدل عليه (مضمرة زرارة و رواية حفص السابقتان).

و قيل بحمل أخبار المنع على الكراهة، و حينئذ فتجوز الصلاة على الكراهة إذا كان الميت قد صلى عليه، و إلا فيجب الصلاة عليه عملا بالأخبار الدالة على وجوب الصلاة مطلقاً من غير استثناء و أن المعارض المذكور يضعف عن المعارضة.

و فيه ما قد عرفت مراراً من أن الأحكام المودعة في الأخبار إنّما تبنى على الأفراد الغالبة المتكررة دون الفروض الشاذة النادرة [5].

(و كذا) يعني أن مثل الحكم في الصلاة بعد الدفن و اختلاف الأخبار فيه.

و إشكال الجمع بينها.

(الحكم) أيضاً (في تكرارها قبل الدفن) فإن قد اختلفت فيه الأخبار أيضاً، و اختلف لذلك كلام الأصحاب، فظاهر المشهور كراهة تكرار الصلاة على الميت لكنّه مدافع لما تقدم في المسألة السابقة من تصريحهم بجواز الصلاة ممن فاتته على القبر في المدة المذكورة إلا أن تخص الكراهة بمن صلى على الميت أو يريدون الكراهة قبل الدفن.

و قيد بعضهم الكراهة بالصلاة جماعة قال: «لتكرار الصحابة الصلاة على النبي (صلى الله عليه و آله)» و قيل بالكراهة إذا خيف على الميت و قيل أيضاً بضم منافاة التعجيل إلى الخوف و قيل بتخصيص الكراهة بالمصلي الواحد أو بمنافاة التعجيل.

و الذي وقفت عليه من الأخبار مما يدل على الجواز (موثقتا عمار و يونس بن يعقوب المتقدمتين) في المسألة السابقة، و رواية (عمرو بن شمر)

عن الصادق (عليه السلام) [أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) خرج إلى جنازة امرأة من بني النجار فصلى عليها فوجد الحفرة لم يمكثوا فوضعوا الجنازة فلم يجيء قوم إلا قال لهم صلوا عليها].

و في (صحيحة الحلبي)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: [كبر أمير المؤمنين (عليه السلام) على سهل بن حنيف و كان بدرياً خمس تكبيرات ثم مشى ساعة ثم وضعه و كبر عليه خمساً أخرى فصنع ذلك حتى كبر عليه خمساً و عشرين تكبيرة].

و بمضمونه أخبار عديدة في الصلاة على (سهل بن حنيف) و حديث رسول الله (صلى الله عليه و آله) على (عمه حمزة (رضي الله عنه) و تكبيره عليه سبعين تكبيرة مروي بعدة طرق.

و كذلك حديث

____________

[5] و حاصله أن الأخبار الدالة على وجوب الصلاة على كل مسلم مثلًا إنّما تنصرف إلى من يدفن كما هو المتكرر.

136

صلاة النّاس على النّبي (صلى الله عليه و آله) فوجاً فوجاً مروي بعدة طرق و متون.

و أما ما يدل على المنع فمنها رواية (وهب بن وهب)

عن أبي جعفر عن أبيه (عليهما السلام) [أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) صلى جنازة فلما رفع جاء ناس فقالوا يا رسول الله لم ندرك الصلاة عليه فقال: لا يصلى على جنازة مرتين و لكن ادعوا له].

و مثل هذا الخبر و بمضمونه رواية (إسحاق بن عمار) و زاد في آخرها بعد قوله

[ادعوا له و قولوا خيراً].

و أنت خبير بأن ما حملوا هذين الخبرين من الكراهة على الوجه المتقدم نقله و تفصيله عنهم [6] لا يكاد يسلم من خدش، أما أصل الكراهة فينافيه ظاهر أمره (صلى الله عليه و آله) في رواية (عمرو بن شمر) لمن أتى بالصلاة على الجنازة، و ينافيه التزام أمير المؤمنين (عليه السلام) في الصلاة على (سهل بن حنيف) بالفعل المتكرر خمس مرات و أظهر منه الصلاة على (حمزة) و صلاة النّاس على الرسول (صلى الله عليه و آله).

و أما تخصيص الكراهة بالمصلي نفسه فينافيه مورد الخبرين فإن موردهما من لم يصل على الجنازة [7].

و بالجملة فالمسألة لا تخلو من شوب الإشكال و ذيل البحث فيها واسع المجال و اختصاص التكرار بذي المزية و إن أمكن في حديث النبي (صلى الله عليه و آله) (و سهل و حمزة) إلا أن الأصل حمل باقي الأخبار المطلقة عليه لا يخلو من بعد.

المسألة السادسة: (من فاته بعض التكبيرات) على الجنازة (مع الإمام)

بحيث لم يدخل معه إلا بعد أن مضى بعض منها تابع الإمام فيما بقي ثم (أتم) ما بقي عليه بعد فراغ الإمام (ولاء) أي من غير دعاء (و لو بعد الرفع) أي رفع الجنازة من مكانها.

و يدل على الحكم المذكور أخبار عديدة: منها (صحيحة الحلبي)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: [إذا أدرك الرجل التكبيرتين من الصلاة على الميت فليقض ما بقي متتابعاً].

و في (مرسلة خالد بن زياد القلانسي)

[يتم التكبير و هو يمشي معها].

و أما ما في رواية (إسحاق بن عمار) من أنّه

[لا يقضي ما سبق من تكبير الجنازة] ..

فحمله (الشيخ) على نفي القضاء الخاص يعني مشغولًا بالدعاء و لا قضاء المتتابع «و هو جيّد».

المسألة السابعة: (لو حضرت جنازة على) جنازة (أخرى)

ف(المشهور) بين الأصحاب (التخيير بين القطع) أي قطع الصلاة التي صلاها على الجنازة الأولى (و الاستيناف) أي استيناف الصلاة من رأس (عليها) معاً، فيشترك بين الجنازتين في صلاة واحدة.

(أو الإتمام) أي إتمام صلاة الجنازة الأولى (ثم الاستيناف على الأخيرة) صلاة لها على حدة.

(و الدليل) الذي استدلوا به على ذلك هو: (صحيحة علي بن جعفر) عن أخيه موسى (عليه السلام) في القوم كبروا على جنازة تكبيرة أو تكبيرتين و وضعت معها أخرى قال

[إن شاءوا تركوا الأولى حتى يفرغوا من التكبير على الأخيرة و إن شاءوا رفعوا الأولى و أتموا التكبير على الأخيرة]

كل ذلك لا بأس به (لا تساعده) أي لا يساعد ما ذهبوا إليه من التخيير على الوجه المتقدم (بل ظاهره) أي ظاهر الدليل المذكور هو (التشريك) بين الجنازتين (فيما بقي من تكبيرات) الجنازة (الأولى) بأن يدعو عقيب كل تكبيرة من التكبيرات الباقية بدعاء الجنازة الأولى فيما يخص ذلك التكبير و (للثانية) أيضاً بما يخصه بالنسبة إليها بناء على المشهور ثم إن شاءوا بعد تمام تكبيرات

____________

[6] أي الأصحاب.

[7] و الذي يقرب عندي في الجمع بين هذه الأخبار هو جواز الصلاة بلا كراهة بل باستحبابها على ذي المزية و الفضيلة و أما غيره فيجوز على الكراهية و به يتلائم الأخبار و الله العالم.

«منه (رحمه الله) في الحاشية».

137

الأولى أن يرفعوها و إن شاءوها تركوها إلى أن يفرغ التكبير على الأخيرة و ليس فيه دلالة على قطع صلاة الجنازة الأولى كما ادعوه و نقل عن (ابن الجنيد) في هذه المسألة أنّه قال «يجوز للإمام جمعهما إلى أن يتم على الثانية خمساً و إن شاء أن يومي إلى أهل الأولى ليأخذوها و يتم على الثانية خمساً» و هو ظاهر في القول بالتشريك كما هو ظاهر الخبر المذكور.

المسألة الثامنة: (لو اجتمعت الجنائز) وقت الصلاة

(جازت صلاة واحدة على الجميع إجماعاً نصاً و فتوى) أما النصوص على ذلك فكثيرة كما سيأتي بعض منها.

و أما الفتوى فلما نقله في (المنتهى) من أنّه لا يعرف فيه خلافاً، إلا أنّه نقل عن جمع منهم [8] أنّهم استشكلوا في صورة اجتماع الصبي الذي لم يبلغ الست مع غيره ممن تجب الصلاة عليه لاختلاف الوجه.

و لا يخفى ما فيه.

أما أوّلا: فلأنه لم يثبت ما ادعوه من استحباب الصلاة على من لم يبلغ الست و الأخبار التي استندوا إليها هي الأخبار التي استدل بها (ابن الجنيد) على وجوب الصلاة على من ولد حيّاً كما قدمنا نقله هي محمولة على التقية لتصريح (صحيحة زرارة) و غيرها بذلك.

و أما ثانياً: فلما قدمنا في صدر المقدمة من أنّه لا دليل على اعتبار الوجه من وجوب أو استحباب في النية، و أنّه لم يقم دليل على غير القربة.

و أما الكيفية في وضع الجنائز إذا أريد أن يصلي عليها صلاة واحدة (فليقدم الرجل إلى الإمام) استحباباً أو متعدداً (ثم المرأة) كذلك بعد الرجل مما يلي القبلة (إجماعاً).

و يدل على هذا الترتيب جملة من الأخبار: منها (موثقة عمار)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجل يصلي على ميتين أو ثلاثة موتى كيف يصلي عليهم؟ قال: [إن كان ثلاثة أو اثنتين أو عشرة أو أكثر من ذلك فليصلي عليهم صلاة واحدة و يكبر عليهم خمس تكبيرات كما يصلي على الميت واحد و قد صلى عليهم جميعاً، يضع ميتاً واحداً ثم يجعل الآخر إلى ألية الأول ثم يجعل رأس الثالث إلى ألية الثاني شبه الدرج حتى يفرغ منهم كلهم ما كانوا، فإذا سواهم هكذا قام في الوسط فكبر خمس تكبيرات يفعل كما يفعل إذا صلى على ميت واحد] سأل فإن كان الموتى رجالا و نساء؟ قال: [يبدأ بالرجال فيجعل رأس الثاني إلى ألية الأول حتى يفرغ من الرجال كلهم ثم يجعل رأس المرأة إلى ألية الرجل الأخير ثم يجعل رأس المرأة الأخرى إلى ألية المرأة الأولى حتى يفرغ منهم كلهم فإذا سوى هكذا قام في الوسط وسط الرجال فكبّر و صلّى عليهم كما يصلي على ميت واحد].

و مثلها (صحيحة زرارة و الحلبي، و صحيحة محمّد بن مسلم) و غيرها.

و في رواية (طلحة بن زيد) [9] و كذا رواية (الحلبي) ما يدل بظاهر على تقديم

____________

[8] أي الأصحاب.

[9] أما رواية طلحة بن زيد

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان إذا صلى على المرأة و الرجل قدم المرأة و أخر الرجل، و إذا صلي على العبد و الحر قدم العبد و أخر الحر، و إذا صلى على الكبير و الصغير قدم الصغير و أخر الكبير ..

و حملوها إلى التقديم إلى القبلة لا إلى الإمام بالنسبة للمصلين.

و أما رواية الحلبي فغير ظاهرة و مجملة فإن فيها أنّه يكون الرجل بين يدي المرأة مما يلي القبلة فيكون الرأس عند وركي الرجل مما يلي يساره و يكون رأسها مما يلي يسار الإمام و رأس الرجل مما يلي يمين الإمام .. و لكن الروايتان ضعيفتان لا تقاوم الصراح الصحاح.

138

المرأة إلى الإمام، و ما تولوا به (خبر طلحة) لا يجري في رواية (الحلبي) و لو قيل بالتخيير جمعاً لكان غير بعيد.

و مما يدل على أن ذلك على جهة الاستحباب (صحيحة هشام بن سالم) و فيها

[لا بأس أن يقوم الرجل و تؤخر المرأة و يؤخر الرجل و تقدم المرأة].

يعني في الصلاة على الميت.

و بالجملة «فالأظهر الأحوط العمل بما هو المشهور من تقدم الرجل ثم المرأة».

(ثم الصبي) و هو ابن ست سنين فصاعداً عندنا أو الأقل من ست بناء على ما قدمنا نقله (عنهم) من استحباب الصلاة، و لكن جعل الصبي بعد المرأة (على قول)، و بعضهم خص الصبي هنا بمن لا تجب الصلاة عليه فتقدم المرأة عليه من حيث وجوب الصلاة عليها و بعض أطلق، و أطلق (ابنا بابويه) [10] بتقديم الصبي إلى الإمام و إلى القبلة، (و الأظهر تقديمه عليها) كما ذكره (الصدوقان) لما رواه (الشيخ عن ابن بكير عن بعض الصحابة)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) في جنائز الرجال و الصبيان و النساء قال: [يوضع النساء مما يلي القبلة و الصبيان دونهم و الرجال دون ذلك و يقوم الإمام مما يلي الرجال].

و ظاهر الأخبار المؤذنة بتقديم الرجال و هو: تقديم الرجل حراً كان أو عبدا.

و لو اجتمع الحر مع العبد فظاهر الأصحاب بتقدم الحر إلى الإمام على العبد و لم أقف الأخبار على اجتماعهما، إلا في رواية (طلحة بن زيد المشار إليها آنفاً) و هي مجملة في التقديم إلا أنّهم حملوها على التقديم للقبلة و حينئذ فتكون الرواية دليلًا بمعونة الشهرة.

الباب السادس في اللواحق

و فيه مقاصد:

المقصد الأول في القضاء

(يجب) إجماعاً نصاً و فتوى بل ضرورة (القضاء ما يقضى من الفرائض) احترز به عما لم يرد بقضائه نص كالجمعة فإنّها لا قضاء لها بعد خروج وقتها مطلقاً و العيدين فإنّهما كذلك، إلا في صورة مخصوصة كما تقدم.

و وجوب القضاء (على كل مكلف فاتته الفريضة) عمداً أو سهواً، و على أي حال كان (ما لم يكن الفوات بصغر أو جنون) لسقوط التكليف حالتيهما بلا خلاف (أو كفر أصلي) احترز به عن الكفر العارض كالمرتد و سيجيء حكمه إنشاء الله تعالى.

و لا يلحق بالكافر الأصلي في الحكم بكفره من الفرق المنتحلين للإسلام، فإنّه يجب عليهم القضاء بعد الاستبصار إذا فاتتهم، و أما إذا أوقعوها صحيحة بحسب معتقدهم فلا قضاء عليهم [11].

و أما وجوب القضاء في الأول فلعموم الأدلة الآتية، و خروج الكافر الأصلي منها بدليل لا يقتضي انسحاب الحكم في غيره، و أما العدم في الثاني فللأخبار الكثيرة الدالة على ذلك و قد تضمنت أن كل عمل عمله في حال ضلاله و نصبه ثم منّ الله عليه و عرفه الولاية فإنّه يوجر عليه إلا الزكاة فإنّه يعيدها، و إن كل صلاة صلاها أو صوم أو حج أو نحو ذلك فإنّه ليس عليه إعادة.

(أو) يكن الفوات بسبب (حيض أو نفاس إجماعاً في الجميع نصاً و فتوى) و من الأخبار الدالة على وجوب القضاء بقول مطلقاً (صحيحة زرارة)

عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن رجل صلى ركعتين بغير طهور أو نسي صلاة لم يصلها أو نام عنها؟ قال: [إذا ذكرها في أي ساعة ذكرها في ليل أو نهار].

و مثلها أخبار كثيرة. (أو) يكن الفوات بسبب (إغماء على الأقوى) قد اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في حكم المغمى عليه لاختلاف الأخبار في ذلك فالمشهور أنّه لا يجب عليه القضاء.

و عن (الصدوق في المقنع [12] (وجوب القضاء عليه مطلقاً و حكي عن بعضهم أنّه يقضي آخر أيام إفاقته إن أفاق نهاراً أو آخر ليلته إن أفاق ليلًا.

و يدل على المشهور أخبار عديدة منها: (صحيحة أيوب بن نوح) قال

كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام) أسأله عن المغمى عليه يوماً أو أكثر هل يقضي ما فاته من صلاة أو لا؟ فكتب (عليه السلام) [لا يقضي الصوم و لا يقضي الصلاة].

و في معناها (صحيحة الحلبي، و صحيحة حفص، و صحيحة أبي بصير، و صحيحة محمّد بن مسلم و رواية معمر بن عمر) و غيرها .. و يدل على مذهب (الصدوق): (صحيحة عبد الله بن سنان)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: [كل شيء تركته في صلاتك لمرض أغمي عليك فاقضه إذا أفقت].

و في معناها (صحيحة محمّد بن مسلم، و صحيحة منصور بن حازم).

و في جملة من الأخبار

____________

[10] الأب و الابن.

[11] و عدم قضائها بعد الاستبصار لا من حيث صحتها بل لاستفاضة الأخبار بأن الولاية شرط في قبول الأعمال بل إنّما هو تفضل منه سبحانه لدخولهم في الإسلام ثم في الإيمان و في ذلك اختلاف يذكر للأصحاب و منهم من قال بصحة أعمالهم جميعها و منهم من قال بصحة عمل المستضعفين منهم و منهم من قال بعدم صحة أعمالهم في حال الضلال و صحته بعد ذلك و لكم الرجوع إلى ما قاله المصنف (رحمه الله).

[12] مع أنّه قد صرح في الفقيه بالاستحباب و حمل الأخبار الواردة على ذلك بالأمر بالقضاء.

139

يقضي التي أدرك وقتها.

و في رواية (العلاء بن فضيل) سأله فيمن أغمي عليه يوماً إلى الليل قال

[إن أفاق قبل غروب الشمس، فعليه قضاء يومه هذا فإن أغمي عليه ذوات عدد فليس عليه إلا آخر أيامه إن أفاق قبل غروب الشمس].

و في (موثقة سماعة) أنّه

[إذا جاز عليه ثلاثة أيام فليس عليه قضاء و إن أغمي عليه ثلاثة أيام فعليه قضاء الصلاة فيهن].

و في (صحيحة حفص البختري)

[المغمى عليه يقضي صلاة ثلاثة أيام].

و في (صحيحة أخرى له) أيضاً

[يقضي صلاة يوم].

إلى غير ذلك من الأخبار المختلفة زيادة و نقصانا.

«و الأظهر الحمل في الجميع على الاستحباب».

و يؤيده ما تضمنته (صحيحة حفص بن البختري) و غيرها: أن

[ما غلب الله عليه فالله أولى بالعذر].

(و لا) يسقط القضاء بكون سبب الفوات (فقد الطهورين على الأظهر) الظاهر أنّه لا خلاف بين الأصحاب في سقوط الأداء في هذه الصورة كما نقله عن غير واحد منهم قالوا لأن الطهارة شرط في الصلاة مطلقاً: لقوله (عليه السلام) في (صحيحة زرارة)

[لا صلاة إلا بطهور]

[13].

و قد تعذرت، فيسقط التكليف و يلزم من سقوط التكليف بها سقوط التكليف بالمشروط و إلا فإن بقي الاشتراط لزم تكليف ما لا يطاق، و إن انتفى خرج المشروط المطلق عن كونه مشروطاً إلا أنّه يظهر من (المحدث السيد نعمة الله الجزائري في رسالته تحفة المناقشة) في ذلك حيث قال: «و الأولى أن ينعقد الإجماع على خلافه وجوب الصلاة أداء من غير إعادة لأن الطهارة شرط في صحة الصلاة لا في وجوبها فهي كغيرها في الساتر و القبلة و باقي شروط الصحة إنّما تجب مع إمكانها و إلا لكانت الصلاة من قبيل الواجب المقيد كالحج .. و الأصوليون على خلافه» انتهى.

«و هو جيد».

و أما ما نقله في (الشرائع) من القول بأنّه يصلي و يعيد أنكره من تأخر عنه لعدم الوقوف على القائل به.

و أما القضاء فللأصحاب فيه قولان أحدهما: السقوط، اختاره (المحقق في الشرائع و المعتبر) و نقله عن (المفيد) في أحد قوليه.

و الثاني: وجوب القضاء، و الظاهر أنّه المشهور لعموم ما دل على وجوب قضاء الفوائت، كقوله (عليه السلام) في (صحيحة زرارة)

[و متى ذكرت صلاة فاتتك صليتها].

و قوله في (صحيحة أخرى له)

[أربع صلوات يصليها الرجل في كل ساعة صلاة فاتتك و قد ذكرتها أديتها]

«الحديث».

«و هو الأظهر إلا أن الأحوط هو الإتيان بالصلاة أداءً و قضاءً لخلو المسألة عن النص عليها بالخصوص».

(و في كل ما يزيل العقل جهلا أو لضرورة أو يؤدي إلى الإغماء كذلك) لجهل أو ضرورة (إشكال) ظاهر المشهور أن كل ما يزيل العقل على الوجه المذكور من غير موجب للقضاء لعذر الجهل و الضرورة و دليله من الأخبار غير معلوم بل ظاهر إطلاق أخبار القضاء و عمومها يشمله و ظاهرهم [14] أيضاً في كل ما يؤدي إلى الإغماء لضرورة أو لجهل الاتفاق على عدم إيجابه القضاء.

و استند جملة منهم [15] إلى الأخبار الدالة على سقوط القضاء بأن

[كل ما غلب الله عليه فالله أولى بالعذر]

و هذا ظاهر في كون الإغماء من قبل الله عزّ و جل لا من قبل المكلف و من هذا التعليل ربّما يفهم أيضاً وجوب القضاء على الحائض و النفساء إذا كان ذلك عن شرب

____________

[13] لا يخفى أن ظاهر هذا الكلام أن الطهارة شرط في وجوب الصلاة لا في صحتها و هو خلاف ما يفهم من كلام الأصحاب إذ الظاهر من كلامهم أنّها من شروط الصحة كما نبه عليه السيد المحدث (قدس سره) في كلامه المنقول في الأصل و إنما شرط الوجوب الوقت خاصة فمتى دخل وجبت وجوباً مطلقاً.

نعم لقائل أن يقول أن الطهارة و إن كانت من قبيل شروط الصحة كما ذكره السيد (قدس سره) إلا أن تعميم الحكم في شروط الصحة بعدم وجوبها إلا مع الإمكان الموجب لسقوط شرطيتها مع عدم الإمكان .. محل نظر.

و قيام الدليل في ما عد الطهارة من تلك الشروط لا يلزم إجراءه فيها من غير دليل بل إن ظاهر الخبر المذكور و عموم صحة الصلاة إلا بطهور فهي بدونه باطلة أمكنت الطهارة أم لا فلتوقف صحتها على الطهارة، و فقدانها موجب لسقوط التكليف، و لا يرد ما أورده الأصحاب من الضرورة و الاضطرار و الشهرة.

[14] أي الأصحاب.

[15] أي الأصحاب.

140

الدواء كذلك و إن كان ظاهرهم [16] على خلافه عملا بإطلاق أخبار الحيض و النفاس من أن جملة من محققيهم صرّحوا في موضع بأن الأحكام المودعة في الأخبار إنّما تحمل على الأفراد الشائعة المتبادرة عند الإطلاق دون الفروض النادرة الوقوع (و) بالجملة (الأحوط) عندي (الوجوب) أي وجوب القضاء في المواضع المذكورة لما عرفت.

(و وقته) أي وقت القضاء (حين الذكر) ما لم تتضيق الحاضرة (على الأظهر) عندنا و هو أحد الأقوال في المسألة كما سيأتي بيانه.

و يدل عليه الآية و هي قوله سبحانه [أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِذِكْرِي] فإنّه قد ورد تفسيرها عن أهل البيت (صلوات الله عليهم) بالصلاة الفائتة يقضيها وقت ذكرها [17]، ففي (صحيحة زرارة)

عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: [من نسي شيئاً من الصلوات فليصلها إذا ذكر فإن الله عزّ و جلّ يقول

«أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِذِكْرِي»

].

و مثله في رواية أخرى (لزرارة) و فيها

[إذا فاتتك صلاة فذكرتها في وقت آخر فإن كنت تعلم أنك إذا صليت الذي فاتتك كنت من الأخرى في وقت فابدأ بالتي فاتتك فإن الله تعالى يقول

«وَ أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِذِكْرِي»

و إن كنت تعلم أنك إذا صليت الذي فاتتك فأتتك التي بعدها فابدأ بالتي أنت في وقتها فصلها ثم أقم الأخرى].

و من الأخبار الدالة على ذلك أيضاً (صحيحة زرارة المتقدمة) و منها (صحيحة معاوية بن عمار) و فيها

[فإذا نسيت فصل إذا ذكرت].

(و صحيحة زرارة الأخرى، و رواية نعمان الرازي، و صحيحة يعقوب بن شعيب، و صحيحة زرارة و الفضيل) و سيجيء ما فيه مزيد و تحقيق للمقام إنشاء الله تعالى.

مسائل

المسألة الأولى: (الأظهر وجوب ترتب الصلاة الحاضرة على) الصلاة (الفائتة)

أي تأخر الحاضرة عن الفائتة (و إن تعددت) الفائتة، فيه إشارة إلى الرد على من قال باختصاص وجوب تقديم الفائتة بما إذا كانت متحدة أو لم تكن (ليومها) فيه إشارة أيضاً إلى الرد على القول الآخر و هو تخصيص وجوب تقديم الفائتة متحدة كانت أو متعددة بما إذا ذكرها في يوم الفوات.

و تحقيق الكلام في هذا المقام أن يقال قد اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في وجوب تقديم الفائتة على الحاضرة و عدمه .. على أقوال فالمشهور بين (المتقدمين) هو القول بالمضايقة المحضة و هو عبارة عن وجوب تقديم الفائتة متحدة كانت أو متعددة ما لم يتضيق وقت الحاضرة، و ذهب (ابنا بابويه) [18] إلى القول بالمواسعة المحضة و هو جواز تقديم الحاضرة في أول وقتها بل استحباب تقديمها مع السعة و تبعهما على ذلك كثير من (المتأخرين) لكنّهم صرحوا باستحباب تقديم الفائتة مع السعة.

و ذهب (المحقق) في كتبه الثلاثة [19] إلى وجوب التقديم في الفائتة المتحدة و الاستحباب في المتعددة، و اختاره (صاحب المدارك).

و ذهب (العلامة في المختلف) إلى وجوب تقديم الفائتة إذا ذكرها في يوم الفوات اتحدت أو تعددت و استحباب تقديمها لو لم يذكره إلا بعده اتحدت أو تعددت .. «و الأظهر عندي من هذه الأقوال هو القول الأول» لدلالة الآية و الأخبار الكثيرة الصحيح أكثرها مع الصراحة عليه، و من الأخبار الدالة على ذلك زيادة على ما قدمناه (صحيحة زرارة)

____________

[16] أي الأصحاب خاصة الأصوليين كما تقدم.

[17] هنا خلاف يذكر لصاحب المدارك: في أن تفسير الآية إذا نسيت الصلاة ثم ذكرتها فصلها.

هذا منقول عن تفسير الثقة الجليل علي بن إبراهيم و أما ما نقل عن مجمع البيان للطبرسي فإن تفسيرها أقم الصلاة أي متى ذكرت أن عليك صلاة كنت في وقتها أم لم تكن و نسب ذلك إلى أكثر المفسرين و حينئذ فلا يلتفت إلى ما ذكره سائر المفسرين من الاحتمالات التي جنح إليها صاحب المدارك في المقام، راجع تتضح لك المخالفة.

[18] و أيضاً ذهب ابن البراج و ابن إدريس و المرتضى في الانتصار و الشيخ في المبسوط و أبو صلاح في الكافي و لكن منهم من صرح ببطلان الحاضرة لو قدمها و منع علم الهدى من أكل ما يفضل عما يمسك الرمق و من نوم يزيد على حفظ الحياة و حاصله المنع من جميع المباحات و المندوبات و الواجبات الواسعة و الظاهر أنّه بناء منه على أن الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده الخاص كما هو أحد القولين في المسألة و الله العالم.

[19] أي المعتبر المختصر و الشرائع.

141

عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: [إذا نسيت صلاة أو صليتها بغير وضوء و كان عليك قضاء صلوات فابدأ بأولاهن فأذن لها و أقم ثم صلها ثم صلي ما بعدها بإقامة إقامة لكل صلاة].

و قال

قال أبو جعفر (عليه السلام) [إن كنت قد صليت الظهر و قد فاتتك الغداة، فذكرتها فصل الغداة أي ساعة ذكرتها و لو بعد العصر، و متى ذكرت صلاة فاتتك صليتها].

و قال

[إن نسيت الظهر حتى صليت العصر فذكرتها و أنت في الصلاة أو بعد فراغك فانوها الأولى ثم صل العصر فإنّما هي أربع مكان أربع فإن ذكرت أنّك لم تصل الأولى و أنت في العصر و قد صليت منها ركعتين فانوها الأولى و صل الركعتين الباقيتين، و قم فصل العصر، و إن كنت ذكرت أنّك لم تصل العصر حتى دخل وقت المغرب و لم تخف فوتها فصل العصر ثم صل المغرب، و إن كنت قد صليت من المغرب ركعتين ثم ذكرت العصر فانوها العصر ثم قم فأتمها بركعتين ثم سلم ثم صل المغرب]

«الحديث» [20].

و هو طويل مشتمل على تعداد جملة من الأوقات و الصلوات بهذه الكيفية وجه الاستدلال بهذه الأخبار أنّها قد تضمنت الأمر بالقضاء ساعة الذكر و تضمنت الأمر بالعدول عن صاحبة الوقت متى ذكر الفائتة في أثنائها و الأمر بتأخرها ما لم يتم قضاء ما لم يتم قضاء ما عليه قبل ذلك متى ذكر في الوقت قبل الإتيان بها، و الأمر للوجوب كما حقق في الأصول.

و عليه تدل أخبار أهل الذكر (صلوات الله عليهم) كما حققناه في (مقدمات كتاب الحدائق).

و أما ما عارض هذه الأخبار مما يدل على المواسعة المحضة فقاصر عن معارضة هذه الأخبار سنداً و عدداً و دلالة قابل للتأويل كما أوضحنا ذلك بما لا مزيد عليه في (كتاب المسائل [21] (و من ذلك يعلم ضعف ما ذهب إليه (الصدوقان) و من تبعهما، و ضعف ما ذهب إليه (المحقق) حيث إنّه بنى الاعتماد في أحد شقي ترديده على الأخبار المواسعة و هي معلولة مؤولة.

و أما ما ذكره في (المختلف) فلم نعثر له على دليل بل ظاهر جملة من الأخبار يرده كما أوضحنا ذلك في (كتاب المشار إليه) [22].

و لو كانت الفائتة متعددة وجب (ترتب بعضها على بعض) بأن يقدم في حال القضاء ما هو مقدم في حال النسيان أو الترك كما يدل عليه قوله (عليه السلام) في (صحيحة زرارة المتقدمة)

[فابدأ بأولاهن و أذن لها و أقم ثم صل ما بعدها بإقامة إقامة لكل صلاة].

لكن وجوب ذلك مع العلم بالترتيب فلو نسيه أو جهله سقط اعتباره لأن ما دل على وجوب الترتيب لا دلالة فيه على تناول غير العالم (لاستلزامه) العسر في كثير من الفروض هذا في قضاء الإنسان عن نفسه أما لو استؤجر على فعلها عن الميت فهل يجب الترتيب أيضاً أم لا؟ لم أقف في هذا المقام على كلام لأحد من الأعلام إلا على كلام (المحدث السيد نعمة الله الجزائري (قدس سره) في شرحه على التهذيب) و هو كلام جيد يعجبني نقله.

قال (قدس سره) بعد ذكر المسألة «الذي أفتى به أكثر (مشايخنا المعاصرين) هو وجوب الترتيب و لهذا أمروا [23] بتوزيع الأوقات و تقسيمها بين (المتأخرين) حتى لا يصلي اثنان عن الميت في وقت واحد و الذي ما زال يختلج بخاطري من البحث عن حقيقة الأخبار هو القول الثاني.

و ذلك أن أخبار هذا الباب من قوله (عليه السلام)

[من فاتته فريضة]

و من هذا الخبر الذي نحن بصدد الكلام فيه هو قضاء المكلف

____________

[20] إذا جاءت كلمة الحديث أو كلمة الخبر بعد تمام ذكر ما نقله إشارة إلى أنّه قد أخذ موضع الحاجة منه، و أن له بقايا لم تذكر هذا ما اصطلح عليه علماء أهل الحديث.

[21] و هو مجهول لدينا و قد يكون بالإضافة كأن يكون مسائل عبد الله البلادي أو مسائل الأحمدية أو مسائل الشيرازية أو غيرها للمصنف (قدس سره) و الله العالم.

[22] أي المسائل.

[23] في نسخة ع أمر كل بتوزيع.

142

ما في ذمته و ذلك أنّه يجب عليه تفريغ الذمة مما يتعلق بها أولا شيئاً بعد شيء لعدم إمكان المبادرة إلى تفريغها من تلك الواجبات كلها دفعة واحدة، و إذا لم يمكن هذا وجب ذلك بخلاف الميت فإنّه إذا مات لم يبق له ذمة كذمة الحي، و لهذا بطلت الأحكام المنوطة بها كأجل الدين و أكثر الإجارات و أحكام الفلس و نحوها.

و حينئذ فقد بقي مشغولا بما فاته من الواجبات كلها و المبادرة إلى رفعها و رفع عذابها عنه مهما أمكن هو الأولى، لأنّه كما ورد في الأخبار يضيق عليه من جهتها، فإذا قضيت عنه أسرعت إليه ملائكة الرحمة و وسعوا عليه من جهة قضاء العبادة عنه فإذا أمكن رفعها عنه دفعة واحدة، و ما هو قريب منها كان هو الأحسن».

إلى أن قال: «على أن الأخبار التي استدلوا بها على القضاء على الميت عامة و شاملة لموضع النزاع.

و بالجملة فالقول بعدم الترتيب هنا لعله الأولى و قد استند هذا القول عن بعض المعاصرين إلا أنّه لم يذكر أدلة هذا الكلام بل جعل عدم الدليل دليلًا على العدم» .. انتهى.

أقول: «و هو جيد وجيه» و يكفينا في القول بذلك ما نقله أخيراً عن بعض (معاصريه) من عدم وجود دليل في الصورة المذكورة على وجوب الترتيب و ما ذكره (قدس سره) علاقة ظاهرة الوجاهة، و على هذا جرى من (عاصرناه من مشايخنا (قدس الله تعالى أرواحهم).

(و في) وجوب (الترتيب بين فوائت غير الصلاة اليومية) مثل صلاة الآيات المتعددة الأسباب مثلًا فهل يجب الترتيب بينها أم لا؟ و كذا وجوب الترتيب (بينها) أي بين فوائت اليومية (و بين) فوائت (غير اليومية) بأن يكون عليه فوائت من اليومية و فوائت من صلاة الآيات ففي الترتيب فيما بين الصورتين (احتمال) بالوجوب و العدم حيث لا نص في المسألة «و الاحتياط يقتضي العمل بالترتيب».

المسألة الثانية: (لو فاتته فريضة) واحدة من الفرائض اليومية

و كانت (مشتبه بما يوافقها عدداً) كما إذا فاتته رباعية محتملة لأن يكون ظهراً أو عصراً أو عشاءً (قضى العدد) و هو أربع ركعات (مردداً في النية بين المحتملات) إن ظهراً فظهر و إن عصراً فعصر و إن عشاءً مخيراً في الجهر و الإخفات.

(و) لو كانت مشتبهة (بما يخالفها) في العدد كان شك بين كونها ظهراً أو مغرباً أو صبحاً (أتى به) أي بالمخالف كما يأتي بالفرائض الثلاث في الصورة التي فرضناها و كذا لو شك في فريضة من الخمس غير متعينة، فإنّه يأتي بأربع مترددة بين الرباعيات الثلاث و ثلاثية ينوي بها المغرب، و ثنائية ينوي بها الصبح.

و الأصل في هذا الحكم رواية (علي بن أسباط عن غير واحد من أصحابنا)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: [من نسي صلاة يومه واحدة و لم يدر أي صلاة هي صلى ركعتين و ثلاثاً و أربعاً].

و نقل عن (أبي الصلاح، و ابن حمزة) وجوب الفرائض الخمس في هذه الصورة عملًا بما دل على قضاء الفوائت و كيف كان (ف) ينبغي أن يعلم أن (الاعتبار في) القضاء (بحال الفوائت كمية) بمعنى أن كمية الفائتة متى أراد قضاءها يبني على حال الفوات: يعني أن ما فات حضراً يقضيه تماماً و إن كان في السفر و ما فات سفراً يقضيه قصراً.

و إن كان في الحضر، و هذا مما لا خلاف فيه و عليه يدل قوله (عليه السلام)

[يقضي ما فاته كما فاته].

(و) الاعتبار (بحال) الصلاة (الحاضرة كيفية) بمعنى أن كيفية الصلاة

143

و هيئتها و وقتها التي نودي عليها تبنى [1] على وقت الحاضرة لا الفائتة كما في العدد فيقضي الصحيح فائتة المرض بتمام الكيفية التي عليها الصحيح و المريض يقضي فائتة الصحة بحسب المكنة حال مرضه، و لا يؤخرها إلى حال الصحة.

المسألة الثالثة: (فائتة أماكن التخيير)

و هي (مكة و المدينة و الكوفة، و الحائر الحسيني على مشرفه السلام) من الصلوات الرباعية على المشهور من التخيير فيها (هل يجز التخيير إلى قضائها) أيضاً كما يتخير في الأداء لأنّه فرعه؟ (أو يتحتم القصر)؟ نظراً إلى أن تخيره في الإتمام أداء في تلك الأماكن إنّما هو من حيث شرف الأماكن و البقاع و إلا فالواجب الحتمي إنّما هو القصر (وجهان) يلتقيان إلى ما ذكر في كل منهما إلا أن (أحوطهما الثاني) فإن المحتمل قريباً أن القضاء يكون فرعاً لما هو الواجب أصالة: و هو القصر، و أنّه يبرأ بالقصر بيقين سيما إذا كان القضاء خارج تلك الأماكن و أما إذا كان فيهم [2] فيحتمل قوياً بالتخيير إلا أن الأحوط ما ذكرناه.

المسألة الرابعة: (لو لم يحص قدر الفائت) لكثرته:

فالمشهور بين الأصحاب (التكرار) أي تكرار القضاء و ترديده (حتى يظن الوفاء) بما في ذمته و في نسبة الحكم بالمشهور ما يؤذن بنوع توقف في الدليل و قصور، و قد اعترف جملة من (متأخري المتأخرين) بعدم الوقوف على دليل لهذا الحكم و احتمل بعضهم الاكتفاء بقضاء ما يحصل اليقين بفواته، و مال إليه (السيد السند في المدارك) نظراً إلى أصالة البراءة من التكليف بالقضاء مع عدم تيقن الفوات، و أيده بقوله (عليه السلام) في (حسنة زرارة، و الفضيل)

[متى استيقنت أو شككت في وقت صلاة أنّك لم تصلها صليتها، و إن شككت بعد خروج وقت الفوات فقد دخل حائل فلا إعادة عليك من شك حتى تستيقن فإن استيقنت فعليك أن تصليها في أي حال كنت]

[3].

و لا ريب في قربه إلا أن «الأحوط ما عليه الأكثر».

و يؤيده ما ورد في جملة من الأخبار في حكم قضاء النافلة الفائتة إذا لم يدر كم هي لكثرتها ففي بعض الأخبار توخ و في بعضها التخيير و اقضها في الثالث فليصل حتى لا يدري كم صلى من كثرتها فإذا كان الأمر في النافلة كذلك و هي غير موجبة لشغل الذمة فبطريق الأولى في الفريضة كما لا يخفى.

المسألة الخامسة: (المرتد) فطرياً كان أو ملياً (يقضي زمان ردته)

إذا أسلم اتفاقا لا أعلم فيه خلافاً و المستند فيه على ما ذكروا عموم الأخبار الدالة على قضاء الفوائت خرج منها ما خرج بدليل فيبقى الباقي، و هذا الحكم واضح في المرتد الملي و المرأة مطلقاً فإنّه لا خلاف و لا إشكال في قبول توبتهم متى تابوا و إنّما الخلاف و الإشكال في الرجل المرتد إذا كان فطريا فهل تقبل توبته أم لا؟ المشهور بين الأصحاب على ما نقله جملة منهم هو عدم قبولها مطلقاً و قيل بقبولها باطناً و عدم قبولها ظاهراً [4].

و إليه مال جملة من (المتأخرين) و حينئذ فتجري عليه الأحكام التي أوجبتها الردة من القتل و بينونة الزوجة و قسمة أمواله على ورثته و تصح عباداته فيما بينه و بين الله تعالى و تقبل منه لو اتفق ذلك قبل القتل و بعد التوبة و نقل (عن ابن الجنيد) قبولها باطناً و ظاهراً حجة المشهور ظواهر الأخبار.

مثل قول أبي جعفر (عليه السلام) في (حسنة محمّد بن مسلم) و قد سئل عن المرتد؟ فقال

[من رغب عن الإسلام و كفر بما أنزل الله على محمّد (صلى الله عليه و آله) بعد إسلامه فلا توبة له و قد وجب قتله و بانت منه امرأته و يقسم ما ترك على ولده].

و قول أبي عبد الله (عليه السلام) في (موثقة عمار الساباطي)

[كل مسلم

____________

[1] في نسخة م تبقى.

[2] في نسخة ع فيها. و يجوز الوجهان لأنّه عائد على الأماكن الأربعة.

[3] في رواية في كل حال كنت.

[4] صرح بذلك شيخنا الشهيد الثاني في المسالك في شرح الشرائع قال «و أما عدم قبولها مطلقا فالمشهور ذلك عملا بإطلاق الأخبار، و الحق قبولها فيما بينه و بين الله تعالى حذرا من التكليف بما لا يطاق» انتهى.

و حينئذ فما ذكره بعض مشايخنا المعاصرين من أن المشهور هو قبولها باطناً و عدم قبولها ظاهراً غفلة ظاهرة لا تحتاج إلى إبانة و توضيح.

144

بين مسلمين ارتد عن الإسلام و جحد محمّد (صلى الله عليه و آله) بنبوته و كذبه فإن دمه مباح لكل من سمع ذلك منه و امرأته بائنة منه يوم ارتد فلا تقربه و يقسم ماله على ورثته و تعتد امرأته عدة المتوفى عنها زوجها، و على الإمام أن يقتله و لا يستتيبه].

و نحو ذلك من الأخبار.

و ظاهرها كما ترى هو عدم القبول مطلقاً لإجرائه مجرى الميت في الأحكام المذكورة حجة القول بقبولها باطناً و عدم قبولها ظاهراً.

«و هو الأظهر عندي» وجهان: أحدهما: الأدلة الدالة على قبول التوبة من الآيات القرآنية و الأخبار النبوية [5].

الثاني: توجه خطاب التكليف إليه لعموم الأدلة: فيلزم صحتها منه و قبولها المستلزم لقبول التوبة باطناً و إلا لزم التكليف بما لا يطاق.

و هو منفي عقلا و نقلًا.

و حينئذ فلو لم يطلع عليه أحداً و لم يقدر على قتله أو تأخر بوجه و تاب فإنّه تقبل توبته فيما بينه و بين الله.

و تصح عبادته و معاملاته و يطهر بدنه و يدفن في مقابر المسلمين لقوله سبحانه [إِلَّا الَّذِينَ تٰابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللّٰهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ] [6].

و لا ينافيه إجراء تلك الأحكام التي اشتملت عليها الأخبار الأدلة من القتل و بينونة الزوجة و قسمة المال و عدم عود زوجته و ماله إليه بالتوبة فإن هذا أمر آخر وراء القبول باطناً، و في هذا القول جمع واضح بين الأدلة، و أما نقل عن (ابن الجنيد) فلعل وجهية العمل بما دل على التوبة من الآيات و الروايات لكثرتها و صحتها و صراحتها.

المسألة السادسة: (يستحب قضاء الراتبة اليومية)

حتى ورد في (صحيحة عبد الله بن سنان) فيمن

[ترك القضاء تشاغلا بالدنيا أن عليه القضاء و إلا لقي الله و هو مستخف متهاون مضيع لحرمة رسول الله (صلى الله عليه و آله)]

و أنه مع

[تعذر القضاء يتصدق و أدنى ذلك من كل ركعتين بمد و دونه كل أربع و دونه لكل من صلاة الليل بمد و صلاة النهار بمد].

ثم قال (عليه السلام)

[و الصلاة أفضل يكررها ثلاثاً].

(و يتأكد قضاء فائتة الصحة) أما فائتة المرض: فقد ورد في (حسنة مرازم)

[ليس عليه قضاء]

معللا أن المريض ليس كالصحيح

[كلما غلب الله عليه فالله أولى بالعذر].

و في (حسنة محمّد بن مسلم)

[إن قضى فهو خير يفعله و إن لم يفعل فلا شيء عليه].

المسألة السابعة: (فائتة الفرض المختلف باعتبار أول الوقت و آخره)

كمن دخل عليه الوقت و هو حاضر ثم سافر قبل الصلاة و بالعكس (هل يقضي) متى فاتت (باعتبار الوجوب) و هو أول الوقت (أو الفوات) و هو الوقت الثاني (قولان) لأصحابنا (رضوان الله عليهم) (و الأشهر الأظهر الثاني) و هو الاعتبار بحال الفوات على وجوب الأداء في المسألة فإن كان الواجب فيه التمام مطلقاً كما هو أحد الأقوال وجوب القضاء تماماً و إن كان القصر مطلقاً وجب القضاء كذلك و إذا كان التفصيل كما سيأتي بيانه في محله فكذلك، و بالجملة فالمراعى ما وجب عليه أداؤه فمعنى حال الفوات يعني الحالة التي فاتت عليها الفريضة و يجب أداء ما عليها من قصر أو إتمام.

و قيل إن الاعتبار بحال الوجوب و نقل عن (السيد المرتضى، و ابن الجنيد) و يدل على المشهور قوله (عليه السلام) في (حسنة زرارة)

[يقضي ما فاته كما فاته]

و لا يتحقق الفوات إلا عند خروج الوقت و استدل الآخر برواية (زرارة)

عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه

____________

[5] الأدلة من الآيات القرآنية المستدل بها قوله سبحانه «فَمَنْ تٰابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَ أَصْلَحَ فَإِنَّ اللّٰهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللّٰهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» 39 المائدة.

و قوله سبحانه «وَ مَنْ تٰابَ وَ عَمِلَ صٰالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللّٰهِ مَتٰاباً» 71 الفرقان.

و قوله سبحانه «وَ الَّذِينَ لٰا يَدْعُونَ مَعَ اللّٰهِ إِلٰهاً آخَرَ وَ لٰا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّٰهُ إِلّٰا بِالْحَقِّ وَ لٰا يَزْنُونَ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثٰاماً 68 يُضٰاعَفْ لَهُ الْعَذٰابُ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ وَ يَخْلُدْ فِيهِ مُهٰاناً 69 إِلّٰا مَنْ تٰابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ عَمَلًا صٰالِحاً فَأُوْلٰئِكَ يُبَدِّلُ اللّٰهُ سَيِّئٰاتِهِمْ حَسَنٰاتٍ وَ كٰانَ اللّٰهُ غَفُوراً رَحِيماً» 70 الفرقان.

و قوله سبحانه «وَ مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَ هُوَ كٰافِرٌ فَأُولٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمٰالُهُمْ فِي الدُّنْيٰا وَ الْآخِرَةِ» 217/ البقرة.

هذا ما استدل به علماؤنا الأعلام في هذا المقام.

أما الروايات: ففي حسنة محمّد بن مسلم

عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: من كان مؤمن يعمل خيراً في إيمانه ثم أجابته فتنة فكفر ثم تاب بعد كفره كتب له و حسب كل شيء كان عمله في إيمانه و لا يبطله الكفر إذا تاب بعد كفره

إلى غير ذلك من الروايات الواضحة الدلالة.

و المقام يحتاج إلى مزيد يفرد له كتاب خاص في المسألة.

34

[6] المائدة.

145

سئل عن رجل دخل وقت الصلاة و هو في السفر فأخر الصلاة حتى قدم فنسي حتى قدم إلى أهله أن يصليها حتى ذهب وقتها قال: [يصليها ركعتين صلاة المسافر لأن الوقت دخل و هو مسافر كان ينبغي أن يصليها عند ذلك].

و رده (المتأخرون) بضعف السند بناء على هذا الاصطلاح المتأخر.

«و الأقرب في الجواب عن ذلك هو عدم ظهور الخبر في ما ذكر» لاحتمال بناء ذلك على أن فرض هذا الداخل للصلاة أداء بالقصر كما هو أحد الأقوال في المسألة و عليه يدل بعض الأخبار أيضاً.

و حينئذ: فالقضاء تابع لذلك فيكون الخبر موافقاً لما هو المشهور، و ليس في التعليل الذي في (الرواية) منافاة لما قلنا إذ غاية ما يدل عليه أن استقرار الركعتين في ذمته باعتبار دخول الوقت عليه في السفر و هو مما لا إشكال فيه و الاحتياط مما لا ينبغي تركه فإن (الرواية) لا تخلو من ظهور فيما ذكروه من المعنى المشار إليه.

المسألة الثامنة: (يقضي ولي الميت و هو أولى النّاس بميراثه)

تفسير المولى هنا ذكر مذهب (ابن الجنيد، و الصدوقين) و عليه تدل (صحيحة حفص بن البختري)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل يموت و عليه صلاة أو صيام قال: [يقضي عنه أولى النّاس بميراثه] قال: قلت: إن كان أولى النّاس به امرأة قال: [لا إلّا الرجل]

و في (مرسلة حماد)

[أولى النّاس به].

و المشهور تفسيره بالولد الأكبر من الذكور و قيل كل وارث مع فقده و لو من النساء و لم نقف لهما على دليل.

و الذي يقضيه الولي هو (ما فاته مطلقاً) أي لعذر كان أم عمداً في مرض الموت أم لا عملا بإطلاق الأخبار.

و منها (صحيحة حفص) المذكورة.

و منها (مرسلة حماد) عمن ذكره

عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل يموت و عليه من شهر رمضان من يقضي عنه قال: [أولى النّاس به] قلت: فإن كان أولى النّاس به امرأة؟ قال: [لا إلّا الرجال].

إلى غير ذلك من الأخبار الدالة بعمومها على قضاء جميع ما فاته مطلقاً.

(و يختص) القضاء (بأكبر الرجال لو تعدد) و فيه إشارة إلى اختصاص القضاء بالرجال دون النساء كما تقدم في (الخبرين المنقولين).

و أما ما يدل على الاختصاص بالأكبر فهو (صحيحة الصفار)

عن أبي الحسن (عليه السلام) أنّه كتب إليه رجل مات و عليه قضاء من شهر رمضان عشرة أيام و له وليّان هل يجوز لهما أن يقضيا جميعاً خمسة أيام أحد الولدين و خمسة الآخر؟ فوقّع (عليه السلام) [يقضي عنه أكبر وليه عشرة أيام ولاء إنشاء الله تعالى].

قال في (الفقيه) «و هذا التوقيع عندي مع توقيعاته إلى الصفار بخطه (عليه السلام)».

(و للأصحاب) (رضوان الله عليهم) (اختلاف في القاضي) و قد تقدم نقله و نقل من هو المختار من ذلك.

و اختلاف في الفرض المقضي عن الميت هل هو ما فاته مطلقاً كما اخترناه سابقاً أو يختص بما فاته في المرض أو فاته لعذر كالمرض و السفر و الحيض بالنسبة إلى الصيام لا ما تركه عمداً مع قدرته عليه.

و إطلاق الأخبار المتقدمة يدل على الأول كما عرفت.

(و) لهم أيضاً اختلاف في (المقضي عنه) فقيل بأنه الرجل و قيل بدخول المرأة.

و الأخبار منها جملة قد اشتملت على لفظ الرجل و جملة منها بلفظ الميت و الظاهر حمل الرجل على مجرد التمثيل لاشتراكها في الأحكام غالباً و أيضاً التخصيص بالرجل في الروايات إنّما وقع في الأسئلة فلا يقتضي تقييد المطلق الواقع في الروايات الآخر.

و لا ريب أنّه الأحوط

146

و على تفسير الولي بالولد الأكبر كما عليه الأكثر ينحصر المقضي عنه في الأب سيما على القول بكون المقضي عنه الرجل و كأنهم جعلوه في مقابلة [7] الحبوة التي له أو مع الأم بناء على العموم في المقضي عنه و لا تتعدى إلى غيرها و لكن تفسير الولي بما ذكروه كما عرفت عار من الدليل بل الدليل ظاهر في خلافه.

(و) بالجملة فإن (الأظهر) بحسب الدليل (هو ما ذكرناه) آنفا في الثلاثة المذكورة (و هل يستحب أن يقضى عنه) أي عن الميت ذكراً أو امرأة (ما علم براءة ذمة منه) من الصلوات اليومية و نحوها (المشهور ذلك) بلا خلاف يعرف فيه إلا من بعض (أفاضل متأخري المتأخرين) فإنّه منع من ذلك (و) جواز ذلك (لا يخلو من إشكال) نظراً إلى أن شرعية العبادة متوقف على الإذن من الشارع.

و غاية ما يستفاد من الأخبار الدالة على جواز الصلاة عن الميت هو أن يصلي الإنسان صلاة و يجعل ثوابها للميت، و أنّه يقضي عنه ما علم اشتغال ذمته به لا ما ذكروه من أنّه يجوز أن يصلي بعض الفرائض اليومية نيابة عن الميت و إن كانت ذمته خالية من ذلك نعم يدل على ذلك خبر تعاقد (صفوان بن يحيى، و عبد الله بن جندب، و علي بن النعمان) في بيت الله الحرام على أن من مات منهم يصلي من بقي صلاته و يصوم عنه و يحج ما دام حياً، فبقي (صفوان) و مات صاحباه فكان يفي لهما بذلك فيصلي كل يوم و ليلة خمسين و مائة ركعة. نقله (النجاشي) في كتاب الرجال إلا أن الاستناد في الأحكام الشرعية إلى مثل هذه الحكاية مشكل و من أوضح الأدلة على عدم مشروعية القضاء في هذه الصورة ما وقفت عليه مما رواه (ثقة الإسلام، و الشيخ (قدس سرهما) في (الموثق عن أبي بصير)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن امرأة مرضت في شهر رمضان فماتت في شوال فأوصتني أن أقضي عنها قال: [هل برأت من مرضها؟ قلت: لا، ماتت عليه، قال: لا تقض عنها فإن الله لم يجعله عليها، قلت: فإني أشتهي أن أقضي عنها و قد أوصتني بذلك قال: فكيف تقضي شيئاً لم يجعله الله عليها]

فإن قيل: إن مورد الرواية مخصوص بالصوم فلا يتعدى إلى غيره إلا بدليل: قلنا: موضع الاستدلال في الخبر هو قوله (عليه السلام) في الجواب بعد نهيه عن القضاء في الصورة المذكورة المؤذن بالتحريم تعليله التحريم بقوله (عليه السلام)

[فإن الله لم يجعله عليها]

الدال على أن القضاء إنّما يكون ما ثبت في الذمة و كان مخاطباً به من جهته سبحانه، ثم تأكيد ذلك بعد مراجعة السائل بالاستفهام الإنكاري بقوله (عليه السلام)

[فكيف تقضي شيئاً لم يجعله الله عليها].

و بالجملة فإن كلامه (عليه السلام) صريح في أن القضاء لا يشرع إلا مع وجوب الأداء و استقراره في الذمة، و قد شاهدنا جميع من أدركناه من (مشايخنا و علمائنا من بلادنا البحرين) يعملون على هذه الطريقة من غير تناكر حتى أن الرجل منهم ليوصي بعقار يصرف حاصله في العبادة و الصلاة اليومية عنه إلى يوم القيامة، و شاهدنا جملة من العلماء يعملون بتلك العبادات من غير تناكر في المسألة و الله العالم.

المقصد الثاني في صلاة الجماعة

(و هي مستحبة في سائر الفرائض) و ظاهر الأصحاب استحبابها في جميع الفرائض حتى في الصلاة المنذورة و صلاة الاحتياط و ركعتي الطواف و تنظر فيه (بعض أفاضل متأخري المتأخرين) قال «و في استفادة هذا التعميم من الأخبار نظر أو هو في محله فالأولى هو

____________

[7] في نسخة ع مقاسمة.

147

الوقوف في ذلك على موارد النصوص».

(و واجبة في الجمعة و العيدين مع الشرائط) المتقدمة في وجوبها (و تتأكد) في الجماعة (في الصلاة اليومية و قد ورد فيها) أي في الجماعة في الصلاة اليومية (من الثواب العظيم و الأجر الجسيم ما لا تحيط به الأقلام و لا يخطر على خواطر الأنام و من ضروب التأكيد على فعلها و أنواع التهديدات على تركها ما كاد يلحقها بالواجبات) كما لا يخفى على من راجع الواردة في هذا المقام حتى ورد الأمر من الرسول (صلى الله عليه و آله) [بحرق بيت من لا يحضرها عليه].

(و الأشهر الأظهر تحريمها في النافلة) ظاهر الأصحاب الاتفاق على المنع من الجماعة في النافلة إلا ما استثنى مما سيأتي ذكره و ربما ظهر من بعض عبائرهم الخلاف في المسألة و الأخبار في ذلك مختلفة.

و قد ورد في جملة من أخبار نافلة شهر رمضان المنع من الجماعة فيها معللا في بعضها بأنه

[لا جماعة في نافلة].

كما في رواية (إسحاق بن عمّار) و في بعض آخر منها

[بدعة ضلالة و كل ضلالة سبيلها إلى النّار].

و بإزاء هذه الأخبار ما يدل بظاهره على الجواز (كصحيحة هشام بن سالم) أنّه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة تؤم النساء؟ فقال

[تؤمهن في النافلة فأما في المكتوبة فلا]

و نحوها (صحيحة سليمان بن خالد، و في صحيحة عبد الرّحمن بن عبد الله)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: [صل بأهلك في أشهر رمضان الفريضة و النافلة فإني أفعله].

«و الذي يقرب عندي في الجمع بين هذه الأخبار» تحريمها في النافلة على الرجل و أما أخبار إمامة النساء بمثلهن فيحتمل الاختصاص لهن و يحتمل «التقية» أيضاً، و أما (صحيحة عبد الرّحمن) فهي محمولة على التقية البتة [8] إذ ظاهر النافلة فيها هي نافلة شهر رمضان و إلا لم يكن لتخصيص شهر رمضان بالذكر فائدة، و الأخبار مستفيضة بالمنع من الجماعة فيها على الخصوص.

و كيف كان فالمنع منها إنّما هو فيها (عدا الاستسقاء) للاتفاق نصا و فتوى على استحباب الجماعة فيها و كذا (في العيدين مع اختلاف الشرائط) المشروطة في وجوبهما عيناً على المشهور كما تقدم بيانه.

و كذا يستثني استحباب صلاة الغدير من المنع (على قول قوي في الأخير) و هو الغدير و هذا القول منقول (عن أبي الصلاح) و اختاره (الشهيد في اللمعة، و المحقق الشيخ) على ما نقل عنه و رجحه (شيخنا أبو الحسن (قدس سره) في رسالته في الصلاة و نقل عن (أبي الصلاح) أنّه نسبه إلى الرواية و هو الذي يعطيه كلامه في (الكافي) إلا أن الظاهر أن الاحتياط في العدم.

(و) كذا يستثني من المنع (استحباب إعادة المصلي المنفرد) صلاته (جماعة) إماماً كان أو مأموماً و سيأتي تحقيق المسألة في المسائل الآتية.

(و أقلها) أي الجماعة بمعنى ما تنعقد به الجماعة و يترتب عليها أحكامها و ثوابها (اثنان) أحدهما إمام و الآخر مأموم و لكن ينبغي أن (يؤم المأموم عن يمين الإمام).

فلا يكون خلفه و لا على يساره، ففي (صحيحة زرارة) قال

قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجلان يكونان جماعة قال: [نعم و يقوم الرجل عن يمين الإمام]

و في (صحيحة محمّد بن مسلم)

عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه سئل عن الرجلين يصليان جماعة قال: [نعم و يجعله عن يمينه].

و سيأتي تحقيق المسألة مستوفاة إن شاء الله تعالى.

(و يشترط في إمام الجماعة زيادة على ما سبق) في صلاة الجمعة من بيان شروط الإمامة (الذكورة و القيام

____________

[8] أي قطعاً بلا ترجيح و تشكيك.

148

و القراءة و الإتقان إن أم مثله) قيد في الذكورة و ما بعده، و عليه فلا تؤم المرأة و الخنثى الذكر إجماعاً نصاً و فتوى، و كذا لا تؤم المرأة الخنثى لاحتمال الذكورية في المأموم و لا يؤم القاعد القائم بلا خلاف كما نقله جمع من الأصحاب.

و يدل عليه ما رواه (ابن بابويه مرسلا)

عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: [إن رسول الله (صلى الله عليه و آله) صلى بأصحابه جالساً فلما فرغ قال: لا يؤمّنّ أحد بعدي جالساً و لا يؤم الأمي و هو من لا يحسن القراءة القاري و هو من يحسنها].

و أما إمامته بمثله فجائز مع تساويهما في الأمية و مقدارها و عجزهما عن التعلم أو الائتمام بقارئ أو بمن أقل منهما لحناً و لا اللاحن في قراءته المتقن لها سواء كان لحنه بغير المعنى كضم تاء أنعمت أم لا كفتح دال الحمد و يأتم بمثله على التفصيل المتقدم في الأمي و القاري.

(و المشهور) بين الأصحاب (جواز إمامة المرأة بمثلها في الفريضة) بل ادعى عليه (العلامة في التذكرة) الإجماع و قيل بالمنع و نقل عن (المرتضى و الجعفي) و نفى عنه البأس في (المختلف)، و عن (ابن الجنيد) أنّه منع في الفرائض و جوز في النوافل و منشأ الخلاف في المسألة اختلاف الأخبار فيها.

ففي (صحيحة علي بن جعفر) عن أخيه موسى (عليه السلام) قال

سألته عن المرأة تؤم النساء ما حد رفع صوتها في القراءة قال: [قدر ما تسمع].

(و موثقة سماعة بن مهران) قال

سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة تؤم النساء قال: [لا بأس به].

و مثل ذلك (موثقة ابن بكير، و موثقة علي بن يقطين) أو ضعيفة و هي دالة بإطلاقها على الجواز في الفريضة و إليها استند القائل بذلك لذلك و لكن بإزائها روايات تدل على المنع من الفريضة و التخصيص بالنافلة مثل (صحيحتي هشام بن سالم و سليمان بن خالد المتقدمتين) في صدر المقصد (و صحيحة زرارة المتقدمة) في (المسألة الرابعة) من مسائل (المطلب الخامس) من سابق هذا الباب الدالة على أن المرأة لا تؤم النساء إلا على الميت إذا لم يكن أحد أولى منها و مثل ذلك (قوية الحلبي).

و المسألة لا تخلو من إشكال و إن كان الأقرب تقييد إطلاق الروايات المتقدمة بهذه الأخبار الأخيرة و كيف كان فإن (الأحوط العدم) لما ذكرناه.

(و يشترط في صحتها) أي صحة الجماعة (عدم الحائل) بين الإمام و المأموم و بين المأمومين بعضهم مع بعض و المراد بالحائل (المانع من المشاهدة) و يدل على ذلك قوله (عليه السلام) في (صحيحة زرارة)

[فإن كان بينهم ستر أو جدار فليست تلك لهم بصلاة إلّا من كان بحيال الباب]

«الحديث».

و أما ما ورد في (موثقة الحسن بن الجهم)

عن الرضا (عليه السلام) حيث سأله عن الرجل يصلي بالقوم في مكان ضيق و يكون بينهم و بينه ستر أ يجوز أن يصلي بهم؟ قال: [نعم]

فيحتمل حملها على الستر الذي لا يمنع المشاهدة و بما وجد في بعض (نسخ الحديث) «شبر» بالشين المعجمة و الباء الموحدة و الظاهر أنّه تصحيف.

أما ما لا يمنع المشاهدة و إن منع الاستطراق كالشبابيك فالمشهور عدم منعه و قيل بالمنع أيضاً، و النص الذي هو مستند الحكم بالمنع و هو النهي عن الصلاة خلف تلك المقاصير مشتبه لعدم معلومية تلك المقاصير بكونها مصمة أو مخرقة فيبقى عموم أخبار الجماعة سالماً من المعارض إذ لا يمكن تخصيصه بمثل هذا الخبر المتشابه فما ذكره (السيد في المدارك) من الاحتياط بالمنع من الصلاة خلف الشبابيك الظاهر بعده (إلا أن يكون) الحائل (مأموماً) فإنّه و إن كان حائلا يمنع مشاهدة من خلفه للإمام، أما أنّه لو أثر في المنع لزم بطلان

149

صلاة الصف الثاني و ما بعده سيما إذا كان في موضع الإمام أخفض من مكان من كان خلفه.

و المعلوم من النصوص خلافه لدلالتها على جواز تعدد الصفوف في الجماعة (و لا بأس) بالحائل و إن منع المشاهدة (في ائتمام المرأة بالرجل) و يدل عليه (موثقة عمار) قال

سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصلي بالقوم و خلفه دار فيها نساء هل يجوز لهن أن يصلين خلفه؟ قال: [نعم إن كان الإمام أسفل منهن] قلت: إن بينهن و بينه حائطاً فقال: [لا بأس].

(و يشترط) في صحتها (عدم علو الإمام بما يعتد به) هذا هو المشهور و قيل بالكراهة و مستند الحكم المذكور (موثقة عمار)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يصلي بقوم و هم في موضع أسفل من موضعه الذي يصلي فيه فقال: [إن كان الإمام على شبه الدكان أو على موضع أرفع من موضعهم لم تجز صلاتهم].

(إلا في الأرض المبسوطة) فيجوز علو الإمام حينئذ و المراد بها ما لا يكون ارتفاعها نتوءاً ظاهراً بل منبسطاً، و مستند هذا الحكم أيضاً (موثقة عمار المذكورة) و فيها

[فإن كانت الأرض مبسوطة و كان في موضع منها ارتفاع فقام في الموضع المرتفع فقام من خلفه أسفل منه و الأرض مبسوطة إلّا أنّهم في موضع منحدر فلا بأس].

(أما العكس) و هو انخفاض مكان الإمام (فجائز) و يدل عليه (موثقة عمار المتقدمة) أيضاً و فيها

[و إن كان الرجل فوق بيت أو غير ذلك دكاناً أو غيره و كان الإمام يصلي على الأرض أسفل منه جاز للرجل أن يصلي خلفه و يقتدي بصلاته و إن كان أرفع منه بشيء كثير].

و لكن جواز ذلك على (كراهية) لما ورد في خبر (محمّد بن عبد الله)

عن الرضا (عليه السلام) قال: سألته عن الإمام يصلي في موضع و الذي خلفه يصلون في موضع أرفع منه؟ فقال: [يكون مكانهم مستوياً]

بحمل هذه الرواية على الاستحباب جمعاً بينها و بين (موثقة عمار المذكورة).

(و) يشترط أيضاً في صحة الجماعة (عدم التباعد) بين الإمام و المأموم و بين المأمومين بعضهم مع بعض (بغير صفوف) فإن التباعد بالصفوف كما عرفت غير مانع و الأظهر تقدير التباعد المنهي عنه (بما لا يتخطى عادة).

أما اشتراط عدم التباعد فهو مما لا خلاف فيه إنّما الخلاف في مقدار البعد الموجب لبطلان القدوة فالأكثر على إرجاع ذلك للعرف و لا يخفى ما فيه من الإجمال و عدم الانضباط الذي لا يصلح لأن يكون مستنداً للأحكام الشرعية لعدم الدليل عليه أوّلا و عدم انضباط العرف ثانياً.

و قيل بأنّه عبارة عما يمنع المشاهدة و الاقتداء بأفعال الإمام و هو أبعد و قيل بجواز البعد بثلاثمائة ذراع و هو أبعد و أبعد.

و قيل بما ذكرناه و هو الذي دلت عليه (صحيحة زرارة)

عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: [لأن صلى قوم و بينهم و بين الإمام ما لا يتخطى فليس ذلك الإمام لهم بإمام و أي صف كان أهله يصلون بصلاة إمام و بينهم و بين الصف الذي يتقدمهم قدر ما لا يتخطى فليس تلك الصلاة لهم بصلاة].

إلى أن قال: و

قال أبو جعفر (عليه السلام) [ينبغي أن تكون الصفوف متواصلة بعضها إلى بعض لا يكون بين صفين قدر ما لا يتخطى بكون ذلك قدر مسقط جسد الإنسان إذا سجد].

قال: و قال

[أيما امرأة صلّت خلف إمام و بينها و بينه ما لا يتخطى فليس لها تلك بصلاة].

و لا يخفى ما فيها من الصراحة في الحكم و النص عليه كما ذكرنا.

و العجب من ارتكاب جملة من (متأخري أصحابنا) جادة التأويل في هذا الخبر مع عدم المعارض.

فبعضهم حمل [ما لا يتخطى] على

150

الحائل الذي لا يتخطى مع التصريح فيه بحكم الحائل على حدة.

و بعضهم حمله على الاستحباب مستنداً إلى لفظ [ينبغي] مع وجود لفظ ينبغي في الأخبار بمعنى الوجوب و لا ينبغي بمعنى التحريم في مواضع عديدة كما حققناه في محل أليق.

فرع الأحوط للبعيد من المأمومين أن لا يحرم حتى يحرم من هو أقرب منه

ممن يزول معه التباعد المذكور و لو خرجت الصفوف المتخللة أو بعض المأمومين ممن يحصل بخروجهم التباعد عن الاقتداء لانتهاء صلاتهم مثلًا أو نية انفراد.

و حصل البعد بما لا يتخطى.

قيل تفسخ القدوة و لا تعود بانتقاله إلى محل أقرب.

و يحتمل جواز تجديد القدوة مع القرب إذا لم يحصل ثمة فصل كثير بناء على جواز تجديد الائتمام بإمام آخر إذا انتهت صلاة الأول.

و الأظهر أن هذا الشرط إنّما يعتبر في ابتداء الصلاة خاصة لا في استدامتها كالجماعة و العدد في الجمعة تمسكاً بمقتضى الأصل السالم من المعارض.

(و) يشترط أيضاً في صحة الجماعة (عدم تقدم المأموم) هذا الشرط و إن لم يرد به نص على الخصوص لكنّه أولا: إجماع من الأصحاب (متقدميهم و متأخريهم).

و ثانياً: أن المستفاد من أخبار الجماعة أما المساواة إن كان واحداً أو التأخر إن كان أكثر و الأوامر بذلك مستفيضة فالتقدم حينئذ عار عن الدليل و العبادات توقيفية من الشارع فيقتصر فيها على ما ورد به الأمر من الشارع و ما عداه يكون محرماً.

و ظاهر الحكم المذكور جواز المساواة مطلقاً واحداً كان أو أكثر و هو المشهور و عن (ابن إدريس) أنّه منع من ذلك و أوجب التأخير مطلقاً و عن (ابن الجنيد) وجوب المساواة و الوقوف على اليمين إن كان واحداً و التأخير إن كان أكثر (و الأحوط وقوف الواحد غير المرأة) فإنّه يجب عليها التأخير، و إن كانت واحدة (عن يمين الإمام).

(محادياً له و تأخر غيره) كما ذهب إليه (ابن الجنيد) لاستفاضة الأخبار بذلك و منها (صحيحة محمّد بن مسلم)

عن أحدهما (عليهما السلام) قال: [الرجلان يؤم أحدهما صاحبه يقوم عن يمينه فإن كانوا أكثر من ذلك قاموا خلفه].

و المشهور بين الأصحاب حمل ذلك على الاستحباب بل قال في (المنتهى) بعد ذكر الحكم المذكور فلو خالف بأن وقف الواحد على يسار الإمام أو خلفه لم تبطل صلاته عند علمائنا أجمع.

و لا أعرف لهم دليلا واضحاً على الاستحباب مع استفاضة الأخبار و ترادفها بما ذكره (ابن الجنيد) حتى ورد أنّه لو قام المأموم عن يسار الإمام و لم يعلم به إلا في أثناء الصلاة حوله إلى يمينه سوى الإجماع المدعى.

نعم ربّما يستفاد من رواية (السكوني)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال [أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجلين اختلفا فقال أحدهما كنت إمامك فقال الآخر أنا كنت إمامك فقال: صلاتهما تامة قلت: فإن قال كل منهما كنت أئتم بك قال: صلاتهما فاسدة و ليستأنفا

أنّه لو كان الوقوف عن يمين الإمام واجباً في الواحد كما ذهب إليه (ابن الجنيد) لما حصل الاشتباه في الصورة المذكورة بحيث يقول كل واحد كنت أئتم بك إلا أنّه لا يخلو من ثوب المناقشة و الاحتياط يقتضي العمل بما ذهب إليه (ابن الجنيد) ثم إن الظاهر من كلام الأصحاب بالنسبة إلى المساواة و التقدم و التأخر بين الإمام و المأموم هو الاعتبار بالأعقاب. و المستفاد من أخبار الصلاة الرجل