شرح الرسالة الصلاتية

- الشيخ يوسف البحراني المزيد...
173 /
151

و المرأة في مكان واحد وجوب تقدمه عليها أو استحبابه هو التقدم بشبر و نحوه ففي (مرسلة ابن أبي بكير) قال (عليه السلام)

[إذا كان سجودها مع ركوعه فلا بأس].

يعني أن موضع سجودها يحاذي موضع ركوعه.

و في (صحيحة زرارة)

[لا تصلي المرأة بحيال الرجل إلا أن يكون قدامها و لو بصدره].

و حينئذ فما ذكره في (المدارك) بعد رد ما ذكره الأصحاب بعدم النص من أنّه لو قيل بأن المرجع في التقدم المبطل إلى العرف كان وجهاً قوياً مما لا حاجة إليه مع كونه لا دليل أيضاً عليه، و مراده بالتقدم المبطل يعني تقدم المأموم على الإمام.

(و يشترط) أيضاً في صحة الجماعة (نية الاقتداء بمعين) لأنّه بدون قصد الاقتداء منفرد يجب عليه ما يجب على المنفرد، و أما اشتراط تعين الإمام فاستدلوا عليه بعدم الدليل على سقوط القراءة بدون ذلك فيه ما لا يخفى لكن الظاهر أن الحكم إجماعي و يقين البراءة متوقف عليه هو المعهود من فعل السلف في الاقتداء.

(و يشترط) أيضاً (تأخيرها) أي نسبة الاقتداء (عن نية الإمام للصلاة) و دخوله فيها لأنّه لو نوى الاقتداء و دخل في الصلاة قبل دخول الإمام فيها كان لغواً محضاً.

و هذا مما لا إشكال فيه.

(و) يشترط أيضاً (المتابعة في الأفعال إجماعاً) و لعله لا دليل على ذلك فإني لم أقف لهم على دليل سواه.

و فسر الأصحاب المتابعة بعدم التقدم فيكون أعم من المقارنة و التأخير و لم نجد لهم على هذا التفسير مستند مع أن ظاهر لفظ المتابعة لغة و عرفاً يقتضي التأخير إذ المساواة لا تسمى تابعاً لغة و عرفاً و الاستناد إلى أصالة عدم التأخر و صدق الجماعة عند المقارنة لا يخفى ما فيه.

إلا أنّه لما كان المفهوم من كلام (الصدوق (قدس سره) الذي هو من أرباب النصوص الصحة في صورة المساواة حيث صرح [إن من سبق الإمام فلا صلاة له و من قارنه فله صلاة واحدة و من تأخر عنه فله أربع و عشرون صلاة] كان الخطب أهون.

و كيف كان «فالأحوط التأخر عن الإمام».

هذا كله في الأفعال (دون الأقوال) فإن الأصح كما هو أحد القولين في المسألة عدم وجوب المتابعة لأصالة العدم و إطلاق التكليف و لأنّه لو وجبت المتابعة فيها لوجب على الإمام الجر بها «و ليس فليس»؟ (و إن كان الأحوط فيها ذلك) أي المتابعة لخلو المسألة من النص، و ما ذكر من التعليلات ربّما أمكن المناقشة فيه (إلا في تكبيرة الإحرام فيجب المتابعة إجماعاً) هل يتعين التأخير فيها أم يجوز المقارنة؟ قولان: روي في (كتاب قرب الإسناد) بسنده

(عن علي بن جعفر) عن أخيه (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يصلي أ له أن يكبر قبل الإمام؟ قال: [لا يكبر إلا مع الإمام فإن كبر قبله أعاد التكبير].

و ظاهرها جواز المقارنة و قواه (شيخنا المجلسي (قدس سره) في كتاب بحار الأنوار).

«و الاحتياط لا يخفى».

و ينبغي أن يعلم أن وجوب اشتراط المتابعة في الأفعال لا بمعنى أنّه تبطل القدوة مع التقدم مطلقاً بل الظاهر اختصاص ذلك إنّما إذا مضي في صلاته كذلك.

و إلا فلو (تقدم ركوعاً أو سجوداً أو رفعاً منهما فالمشهور) بين الأصحاب (الاستمرار) أي بقاؤه على حاله حتى يلحقه الإمام لا المضي في صلاته.

و عن (الشيخ في المبسوط) البطلان حيث قال: «من فارق الإمام لغير عذر بطلت صلاته».

و الحكم بالاستمرار (إن كان) تقدمه (عمداً) و أما إن كان ساهياً أو ظاناً

152

تقدم الإمام فالمشهور بينهم الرجوع.

و الحجة لهم على هذا التفصيل الجمع بين الأخبار فإن بعضاً منها كرواية (غياث بن إبراهيم) قال

سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الرجل رفع رأسه من الركوع قبل الإمام أ يعود فيركع إذا أبطأ الإمام و يرفع رأسه معه قال: [لا].

و جملة منها دلت على الرجوع (كصحيحة علي بن يقطين) قال

سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يركع مع إمام يقتدى به ثم رفع رأسه قبل الإمام فقال: [يعيد ركوعه].

و مثلها (صحيحة ربيع بن عبد الله، و الفضيل بن يسار)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قالا سألناه عن رجل صلى مع إمام يؤتم به فرفع رأسه من السجود قبل أن يرفع الإمام رأسه من السجود قال: [فليسجد].

و رواية (سهل الأشعري) فيمن رفع رأسه من الركوع قبل الإمام قال

[يعيد ركوعه معه]

فحملوا إطلاق هذه الأخبار على غير العامد و إطلاق رواية (غياث) على العامد.

و أنت خبير بما فيه إذ لا إشعار في شيء منها بذلك.

(و الأظهر) التفصيل في أفراد هذه المسألة و هو (الرجوع) كما تضمنته تلك الأخبار (وجوباً أو استحباباً) لكن (في الثالث) بخصوصه و هو الرفع من الركوع و السجود فلو رفع من أحدهما فإنّه يرجع (مطلقاً) عامداً كان أو لا فإن مورد تلك الأخبار هو الرفع من الركوع و السجود و أعم من أن يكون عن تعمد أم لا (و موثقة غياث المذكورة) مطلقة أيضاً في عدم الرجوع في صورة الرفع بخصوصها، و الأصحاب و إن جمعوا بينها بحمل (موثقة غياث) على العامد و تلك الأخبار على غيره إلا أنّك قد عرفت أنّه لا مستند لهذا الجمع و لا قرينة في شيء من تلك الأخبار تؤذن به «فالأظهر» إما اطراح رواية غياث لضعفها عن مقاومة تلك الأخبار أو حملها على الجواز و حمل تلك الأخبار على الاستحباب و من ذلك وقع الترديد في العبارة بقوله وجوباً أو استحباباً.

(و التفصيل في الأولين) أعني التقدم في الركوع و التقدم في السجود (بين العمد) بأن يكون المأموم قد تعمد التقدم فيهما (فالأحوط حينئذ الإعادة للصلاة) فإنّا لم نقف في ذلك على نص، و جملة من الأصحاب قد فصلوا في هذه الصورة بأنه إن كان تعمد المأموم الركوع حال قراءة الإمام فالظاهر بطلان الصلاة لوجوب الوقوف و الطمأنينة في تلك الحال و إن كان بعد القراءة فنقلوا عن (الشيخ في المبسوط) كما قدمناه بطلان الصلاة و مال جملة منهم إلى العدم و إن لزم الإثم خاصة و رجح بعض (متأخري المتأخرين) البطلان من حيث إن الفعل وقع منهياً عنه فيكون فاسداً غير مبرئ للذمة و الرجوع إليه ثانياً يستلزم زيادة الركن و الواجب عمداً و هو مبطل للصلاة.

و التعليل المذكور و إن كان لا يخلو من مناقشة [9] إلا أن الأحوط ما ذكره هذا في التقدم عمداً.

(و أما) غيره من (الظن و السهو) بأن يكون تقدم المأموم في الركوع و السجود لظنه أن الإمام قد ركع أو سجد أو كان تقدمه سهواً (فيرجع في الأول) و هو التقدم في الركوع و وجه الرجوع هنا (موثقة علي بن الحسن بن فضال) قال

كتبت إلى الرضا (عليه السلام) في الرجل كان خلف إمام يأتم به فركع قبل أن يركع الإمام و هو يظن أن الإمام قد ركع و لما رآه لم يركع

____________

[9] وجه المناقشة أن ما ادعاه من أن الفعل وقع منهياً عنه إنما يتم لو كان ثمة نص دال على وجوب المتابعة في الأفعال و عدم جواز التقدم و قد عرفت سابقاً أنه لا دليل على ذلك غير الإجماع و على تقدير النهي كما ادعاه فغاية ما يلزم الإثم بمخالفته لا الإبطال لأن التقدم و التأخر ليسا من أجزاء الصلاة و لا شروطها منه (قدس سره).

153

رفع رأسه ثم أعاد الركوع مع الإمام أ يفسد ذلك صلاته أم تجوز له الركعة؟ فكتب: [يتم صلاته و لا يفسد ما صنع صلاته].

و الرواية موردها الركوع و الأصحاب قد عمموا الحكم في السجود أيضاً و كأنهم بنوه على عدم ظهور الخصوصية للتقدم في الركوع فيكون تعدية الحكم للسجود من باب تنقيح المناط كما هو معمول عليه في جملة من الأحكام و هو و إن احتمل إلا أن الأولى في التقدم في السجود هو الاحتياط و إليه أشار بقوله (و يحتاط في الثاني) بإعادة الصلاة بعد الرجوع و الإتمام (و من وجب عليه الرجوع) في شيء من هذه الأحكام المذكورة (لو تركه) و لم يرجع عامداً (ففي بطلان صلاته وجهان) أحدها: البطلان لعدم صدق الامتثال لأنّه مأمور بالعود فيبقى تحت العهدة.

الثاني: العدم لأن الرجوع لقضاء حق المتابعة لا لكونه جزءاً من الصلاة إنّما ترك واجباً خارجاً عن حقيقة الصلاة.

و غايته الإثم دون البطلان و حيث كان الوجهان متعارضين و إن كان الثاني لا يخلو من رجحان.

و المسألة خالية من النص فينبغي أن يتم الصلاة (و الأحوط الإعادة و) من الشروط أيضاً (اتحاد النوع) أي أن يكون صلاة الإمام و المأموم من نوع واحد فلو اختلفا نوعاً كالصلاة اليومية مع صلاة الآيات أو العيدين أو بالعكس لم يجز الاقتداء و إنّما يشترط اتحاد النوع (لا) [10] اتحاد (الصنف) كاقتداء المتنفل بالمفترض و المقصر بالمتمم و بالعكس فيهما فإنّه لا مانع منه لورود الأخبار به.

(و لا) يشترط الاتحاد في (عدد الركعات) كالصبح بالظهر و بالعكس (و خلاف الصدوق) في جواز الاقتداء مع اتحاد الكمية و كذا خلافه في جواز اقتداء المتمم بالمقصر و بالعكس حيث نقل عنه أنّه قال: «لا يجوز إمامة المتمم للمقصر و لا العكس».

و كذا نقل عنه أنّه قال: «و لا بأس أن يصلي الرجل الظهر خلف من يصلي العصر و لا يصلي العصر خلف من يصلي الظهر إلا أن يتوهمها العصر فيصلي معه العصر ثم يعلم أنّها كانت الظهر فتجزئ عنه» (نادر) لا يعبأ به لدلالة الأخبار مضافاً إلى اتفاق الأصحاب على خلافه أما اشتراط اتحاد الكمية فترده الأخبار الدالة على جواز إمامة المتمم بالمقصر و بالعكس (كصحيحة حماد بن عثمان و صحيحة محمّد بن مسلم) و غيرها من الأخبار الكثيرة مع أنّه صرح في (الفقيه) بجواز اقتداء المسافر بالحاضر و بالعكس و أما منعه من جواز إمامه المتمم بالمقصر و بالعكس فهو مردود بما عرفت أيضاً.

و غاية ما يدل عليه بعض الأخبار الكراهة و أما المنع من صلاة العصر خلف من يصلي الظهر فمع كونه أيضاً خالياً عن المأخذ كما صرّح به في (الذكرى) مردود بجملة من الأخبار الدالة على جواز ذلك.

(و من) الشروط أيضاً (استمرار الاقتداء) من الابتداء إلى الانتهاء بحيث لا يتركه (إلا لعذر على الأظهر) ظاهر المشهور بينهم جواز نقل النية من الائتمام إلى الانفراد و إن كان لا لعذر، و دليله غير واضح و قد تقدم النقل عن (الشيخ في المبسوط) المنع من مفارقة الإمام لا لعذر و إن من فعل بطلت صلاته و هو الأظهر لتوقف يقين البراءة من الأمر الثابت يقيناً عليه. و يؤيده (صحيحة علي بن جعفر) عن أخيه موسى (عليه السلام) أنّه سأله عن

____________

[10] في نسخة م لاتحاد.

154

إمام أحدث فانصرف و لم يقدم أحداً ما حال القوم قال

[لا صلاة لهم إلا بإمام].

و أما ما يدل على جواز المفارقة مع العذر مضافاً إلى نفي الحرج (فصحيحة علي بن جعفر) عن أخيه موسى (عليه السلام) قال

سألته عن الرجل يكون خلف الإمام فيطول في التشهد فيأخذه البول أو يخاف على شيء أن يفوت أو يعرض له وجع كيف يصنع قال: [سلم و ينصرف و يدع الإمام].

(و) من الشرائط أيضاً (أن لا يقرأ) المأموم (خلف من يأتم به) في شيء من الصلوات (إلا في الجهرية إذا لم يسمع) المأموم القراءة بالكلية حتى (و لا) يسمع (همهمة) و هو مجرد الصوت (فيستحب) القراءة (له على) القول (المختار) و الأصحاب (رضوان الله عليهم) في هذه المسألة اختلاف زائد و أقوال متعددة.

و المستفاد من الأخبار هو ما ذكرناه و احترز بقوله «خلف من يأتم به» عمن لا يجوز الائتمام به اختياراً كالفاسق و المخالف فإنّه يجب القراءة خلفه قولا واحداً و لو بالحمد إن ضاق الوقت عن السورة بل يقطع الحمد أيضاً لو ضاق الوقت عنها كما تضمنته صحاح الأخبار.

و أما استحباب القراءة للمأموم في الصورة المذكورة فلورود جملة من الأخبار بالأمر بالقراءة فيها مع ورود بعض الصحاح بأنه لا بأس إن قرأ و إن صمت و لذلك حملت تلك الأوامر على الاستحباب (أو في أوليي المسبوق) إذا اتفقتا (مع أخيرتي الإمام) فإن «الأظهر عندي وجوب القراءة في الصورة المذكورة».

و هو المنقول عن (السيد المرتضى) و ذهب [11] في (المختلف و المنتهى) إلى الاستحباب و اختاره جماعة من (متأخري المتأخرين) منهم (السيد السند في المدارك) و الأظهر الوجوب لاستفاضة الأخبار بالأمر بالقراءة كما أوضحنا ذلك بما لا مزيد عليه في رسالتنا (ميزان الترجيح في أفضلية التسبيح).

مسائل

المسألة الأولى: (تدرك بإدراك) المأموم و دخوله معه قبل (تكبيرة الركوع إجماعاً)

(و كذا تدرك) الركعة أيضاً (حال الركوع) لكن (على الأشهر) بين الأصحاب و خلافه ما نقل عن (الشيخ في المبسوط و كتابي الأخبار و الشيخ المفيد في المقنعة) من فوات الركعة بفوات إدراك تكبيرها، و المشهور «هو الأظهر عندي» للأخبار المتكاثرة منها (صحيحة علي الحلبي)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: [إذا أدركت الإمام و قد ركع فكبرت قبل أن يرفع الإمام رأسه فقد أدركت الركعة و إن رفع رأسه قبل أن تركع فقد فاتتك الركعة].

و مثلها (صحيحة سليمان بن خالد و صحيحة عبد الرّحمن ابن أبي عبد الله) و غيرها من الأخبار الكثيرة.

و يدل على ما ذهب إليه (الشيخان (قدس سرهما) (صحيحة محمّد بن مسلم)

عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: [قال لي: إن لم تدرك القوم قبل أن يكبر الإمام للركعة فلا تدخل معهم في تلك الركعة]

و مثلها (صحيحة أخرى له أيضاً) و فيها

[لا تعتد بالركعة التي لم تشهد تكبيرها مع الإمام].

و رواية ثالثة له أيضاً، و هذه الأخبار مع كون الأصل فيها واحد و هو (محمّد بن مسلم) لا تنهض قوة في معارضة تلك الأخبار الكثيرة الواردة في أحكام عديدة فحملها على الكراهة متعين (و لو بعد الرفع) من الركوع (فالمشهور استحباب الدخول) مع الإمام (و المتابعة فيما بقي) من أفعال الركعة و إن لم يعتد به تحصيلا لإدراك فضيلة الجماعة (ثم) بعد قيام الإمام

____________

[11] ذهب أي العلامة الحلي (قدس سره) و ذلك بقرينة الكتابين المشار إليهما.

155

للركعة الأخرى و انقضاء صلاته إن وقع الدخول في آخر ركعة من صلاته (فعليه إعادة النية و التكبير) للإحرام (وجوباً) و عدم الاعتدال بتلك النية و التكبير الذي أتى به أولا.

و عن (الشيخ) أنّه لا يجب إعادة النية و التكبير بل يتعدى بما فعله أولا حجة المشهور لزوم زيادة السجود و هو مبطل حجة (الشيخ) اغتفار الزيادة بالنص و المستند في أصل الحكم رواية (المعلى بن خنيس)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: [إذا سبقك الإمام بركعة و قد رفع رأسه فاسجد معه و لا تعتد بها]

و الرواية كما ترى لا دلالة لها صريحاً على أزيد من استحباب المتابعة لا أنّه ينوي و يكبر بحيث يدخل في الصلاة و لعل في قوله (عليه السلام)

[و لا تعتد بها]

يشير إلى ذلك بمعنى أنك لا تعد ذلك دخولًا في الصلاة (و) بذلك يظهر لك أن ما ذكروه من الحكم المذكور (فيه إشكال) لعدم وضوح ما ذكروه من الدليل في المدعى و قيام ما ذكرناه من الاحتمال و الأحوط هو عدم الدخول على الوجه الذي ذكروه و أما على ما ذكرنا من الاحتمال فلا ضرر فيه.

إلا أن في (موثقة عمار)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل يدرك الإمام و هو قاعد يتشهد و ليس خلفه إلا رجل واحد عن يمينه قال: [لا يتقدم الإمام و لا يتأخر الرجل و لكن يقعد الذي دخل معه خلف الإمام فإذا سلم الإمام قام الرجل فأتم صلاته].

و ظاهره كما ترى يدل على دخول الرجل في الصلاة مع الإمام كما ينادي به قوله (عليه السلام) في آخره

[قام الرجل فأتم الصلاة]

مع أن العبادة في صدده مثل العبادة في صدر رواية (المعلى).

و لعل هذه العبادة يرمي بها في هذا المعنى بينهم و كيف كان «فالأحوط ما ذكرناه».

المسألة الثانية: (المشهور بين الأصحاب عدم فوات القدوة بترك المتابعة مطلقاً)

عمداً أو سهواً (في ركن بل ركنين) و بذلك صرح (شيخنا الشهيد في الذكرى حيث قال «و لا يتحقق فوات القدوة بفوات الركن و لا أكثر عندنا» و في (التذكرة [1] (توقف «في بطلان القدوة بالتأخير بركن و المروي بقاء القدوة رواه (عبد الرّحمن)

عن أبي الحسن (عليه السلام) [فيمن لم يركع ساهيا حتى انحط الإمام للسجود أنّه يركع و يلحق به]»

انتهى.

و مثل ذلك كلامه (في الدروس) و غيره في غيرهما أيضاً (و فيه) على (إطلاقه إشكال) لعدم الدليل عليه (إلا مع السهو) لما دلت عليه (صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج المذكورة)، و مثلها ورد في (مزاحم) عن الركوع و حينئذ فالاستناد إلى هذه الرواية مع كون موردها خاصاً بالعذر في إطلاق جواز التأخير و إن كان عمداً لا يخفى ما فيه على أنّهم قد خالفوا أنفسهم في هذه المسألة في صلاة الآيات كما قدمنا الإشارة إليه.

و لا سيما (شيخنا الشهيد في الذكرى) فإنّه صرح بالمنع من الدخول مع الإمام لو لم يدركه في الركوع الأول.

المسألة الثالثة: (لو ضاق وقت المسبوق عن القراءة كملا)

بمعنى أنّه إذا دخل المأموم مع الإمام في قيام الأخيرتين وقته عن القراءة بمعنى أنّه إن أتى بالقراءة كملا رفع الإمام رأسه من الركوع و فاتته المتابعة في الركعة، و هذا (بناء على ما اخترناه) من وجوب القراءة على المسبوق كما تقدم.

و عدم جواز التأخير في المتابعة بركن كما ذكرنا أيضاً بادر إلى الركوع (و اجتزأ بالفاتحة) خاصة بدون السورة و لحق الإمام في ركوعه (و لو ضاق وقته عنها) أي عن الفاتحة (فهل يقطع القراءة) و يبادر للركوع حذراً من فوات المتابعة في الركن الذي قد تقدم ما فيه من الإشكال

____________

[1] للعلامة الحلي (قدس سره).

156

(أو يحل بالمتابعة في الركن) و يتم الفاتحة؟ (إشكال) ينشأ من عدم النص في المسألة المذكورة على الخصوص (و الأقرب) تقديم (قطع القراءة) و المسارعة إلى المتابعة في الركوع (لصحيحة زرارة الواردة) في الحكم المسبوق أنّه

[يقرأ في كل ركعة مما أدرك بأم الكتاب و سورة فإن لم يدرك السورة تامة أجزأته أم الكتاب]

و

(صحيحة معاوية بن وهب فيمن أدرك الإمام في آخر صلاته و هي أول صلاة الرجل فلا يمهله حتى يقرأ هل يقضي القراءة في آخر صلاته؟ قال: [نعم].

فإنّهما ظاهرتان في وجوب المتابعة و تقديمها على إتمام القراءة إذ الإجزاء بأم الكتاب و عدم إمهال الإمام إنّما هو لخوف رفع الإمام رأسه من الركوع قبل إتمام القراءة و اللحوق به في الركوع.

(إلا أن الأحوط) في هذه الصورة (عدم الدخول) أي عدم دخول المأموم مع الإمام في صلاته (متى عرفت ذلك حذراً من الوقوع في هذا الإشكال) (و معه) أي مع الدخول بحيث اتفق له الدخول و لزوم الإشكال (فالأظهر) حينئذ قطع القراءة (و المبادرة إلى المتابعة) مع الإمام حتى يكمل صلاته (ثم الإعادة) أي إعادة الصلاة من رأس بعد ذلك.

(احتياطاً) و ظاهر (الصحيحتين المذكورتين) عدم جواز التخلف بركن و إن كان للاشتغال بواجب كالقراءة المفروضة فيهما سيما الثانية منهما حيث تضمنت أنّه مع عدم إمهال الإمام للمأموم حتى يقرأ و يبادر للركوع معه و يقضي القراءة في آخر صلاته فيهما من أوضح الأدلة على ما اخترناه في المسألة المتقدمة.

المسألة الرابعة: (العالم بفسق الإمام أو كفره أو حدثه)

و نحو ذلك من الأمور الموجبة لبطلان صلاة الإمام أو عدم جواز الاقتداء به (بعد الصلاة معه) و الاقتداء به في تلك الصلاة (لا يعيد على الأشهر الأظهر).

و خلافه ما نقل عن (المرتضى (رضي الله عنه) و ابن الجنيد) من وجوب الإعادة و نقل عن (المرتضى) تعليل ذلك بأنّها صلاة و بأن فسادها لاختلال بعض شرائطها فيجب إعادتها «و هو ضعيف» للأخبار المستفيضة الدالة على عدم الإعادة، و على أنّه موضوع عن الإمام أن يخبرهم و من ذلك (صحيحة محمّد بن مسلم)

عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يؤم القوم و هو على غير طهر فلا يعلم حتى ينقضي صلاته فقال: [يعيد و لا يعيد من خلفه، و إن أعلمهم أنّه على غير طهر].

و في (حسنة ابن أبي عمير) في قوم خرجوا من (خراسان) أو من بعض الجبال و كان يؤمهم رجل فلما صاروا إلى (الكوفة) علموا أنّه يهودي قال: [لا يعيدون]

إلى غير ذلك من الأخبار.

و عن (الصدوق (قدس سره) الإعادة في السرية دون الجهرية و نقله في (الفقيه) عن جماعة من مشايخه و أفتى به في (المقنع) و لم نقف له على مستند فيما وصل إلينا من الأخبار.

هذا إذا كان العلم بحال الإمام بعد انقضاء الصلاة (و أما) لو كان (في الأثناء) فإنّه (يعدل) المأموم (إلى الإفراد) و يدل على ذلك (صحيحة زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) قال

سألته عن رجل صلى بقوم ركعتين ثم أخبرهم أنّه ليس على وضوء قال: [يتم القوم صلاتهم لأنّه ليس على الإمام ضمان].

و يؤيده ذلك الأدلة الدالة على صحة الصلاة كملا بعد العلم و قد فرغت الصلاة فبطريق أولى صحة البعض إذا علم في الأثناء.

المسألة الخامسة: (في جواز الاقتداء بمن علم نجاسة ثوبه أو بدنه)

قبل الدخول منه في الصلاة أو في أثناء الصلاة (قولان) أحدهما: المنع نقله (شيخنا العلامة أبو الحسن الشيخ سليمان البحراني (قدس سره) في رسالته (الصلاتية) عن

157

(المحقق الشيخ علي الكركي) [2] و نقل بعض (المتأخرين) و هو (قدس سره) [3] تنظر في الجواز أولا ثم قال بعد نقل القول بالجواز: «و لا يخلو من قوة».

و لم يذكر دليلًا في المقام نفياً و لا إثباتاً (و) القولان المذكوران (أظهرهما) «عندي» (الجواز) لرواية (محمّد بن مسلم)

عن أحدهما (عليهما السلام) قال: سألته عن الرجل يرى في ثوب أخيه دماً و هو يصلي قال: [لا يؤذنه حتى ينصرف].

و رواية (عبد الله بن بكير) المروية في (كتاب قرب الإسناد) قال

سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أعار رجلا ثوباً يصلي فيه و هو لا يصلي فيه قال: [لا يعلمه قلت: فإن أعلمه قال: يعيد]

وجه الاستدلال بهما أنّه لو امتنع الاقتداء بمن علم نجاسة ثوبه أو بدنه فسببه [4] البتة إنّما هو بطلان صلاته و لا يصح الاقتداء بصلاة باطلة و هو و إن وافق ما ذكروه من أن المصلي في النجاسة جاهلا و أن المتوضي بماء نجس و إن صحت صلاته بحسب الظاهر و أسقطت القضاء إلا أنّها باطلة واقعاً كما صرح به (شيخنا الشهيد الثاني في شرح الألفية إلا أنّه مخالف لما ذكرناه من الأخبار إذ لو تم ما ذكروه من بطلان صلاة الجاهل النجاسة واقعاً فكيف يحسن من الإمام المنع من الإيذان و الأخبار بها للمصلي في حال صلاته كما في رواية (محمّد بن مسلم) أو قبلها كما في رواية (ابن بكير) و هل هو بناء على ما ذكروه إلا من قبيل التقدير على تلك الصلاة الباطلة و من باب المعاونة على الباطل.

و لا ريب أنّه باطل و تحقيق المسألة زيادة على ما ذكرنا قد أودعناه (كتابنا الدرر النجفية) وفقنا الله تعالى لإتمامه.

المسألة السادسة: (لو حدث بالإمام حادث)

من موت أو إغماء (استناب المأمومون (بعضهم) ليتم بهم، و يدل على ذلك (صحيحة الحلبي)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجل أمّ قوماً فصلى ركعة ثم مات قال: [يقدمون رجلا آخر و يعتدون بالركعة]

(و لو اعتل) الإمام إما لحدث خرج منه أو رعاف أصابه و لم يتمكن من إزالته إلا بقطع الصلاة أو ذكر أنه على غير طهارة (قدم غيره) أعم من أن يكون من المأمومين أو من غيرهم و يدل على ذلك رواية (زرارة) قال

سألت أحدهما (عليهما السلام) عن إمام أمّ فذكر أنه على غير وضوء فانصرف و أخذ بيد رجل و أدخله فقدمه و لم يعلم الذي قدم ما صلى القوم قال: [يصلي بهم فإن أخطأ سبح القوم به و يبني على صلاته الذي كان قبله].

و مثلها رواية (جميل بن دراج).

و في رواية (معاوية بن شريح)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: [إذا أحدث الإمام و هو في الصلاة لم ينبغي أن يقدم إلّا من شهد الإقامة].

و في جملة من الأخبار أيضاً استنابة المسبوق بركعة أو أكثر.

(و إلا) أي و إن لم يقدم الإمام أحداً (قدموا) أي المأمومون و يدل على ذلك (صحيحة علي بن جعفر) عن أخيه موسى (عليه السلام) أنّه سأله عن إمام أحدث فانصرف و لم يقدم أحداً ما حال القوم؟ قال

[لا صلاة لهم إلا بالإمام فليتقدم بعضهم و ليتم بهم ما بقي منها و قد تمت صلاتهم].

و ظاهر الأصحاب (رضوان الله عليهم) هو استحباب الاستنابة من الإمام أو المأمومين و إلّا فيجوز لهم الانفراد أو ائتمام بعض بالإمام الطاري و انفراد الآخرين و نقل (العلّامة في التذكرة) إجماع علمائنا على انتفاء الوجوب و ظاهر (صحيحة علي بن جعفر المذكورة) الوجوب إلا أن ظاهر (صحيحة زرارة المتقدمة) في (المسألة الرابعة) العدم.

و حينئذ فتحمل هذه الرواية على نفي الفضل و الكمال.

____________

[2] و ثانيهما أي ثاني القولين: و هو ساقط من الأصل

[3] أي الشيخ سليمان البحراني (قدس سره).

[4] في نسخة م فسبيله.

158

المسألة السابعة: (المسبوق) بركعة (يجلس في موضع تشهده)

و يتشهد (وجوباً) في ثالثة الإمام (ثم يلحق بالإمام) في ثالثته (و) أما (إذا أجلسه الإمام) بمعنى أنّه ليس موضع جلوس له و لكن الإمام جلس للتشهد بعد الثانية: و هي له واحدة (تجافى) أي جلس (متجافياً) بمعنى مقعياً غير متمكن كما في رواية (الحلبي) عنه (عليه السلام) قال

[و من أجلسه الإمام في موضع يجب أن يقوم فيه تجافى و أقعى إقعاءً و لم يجلس متمكناً]

و الإقعاء على ما ذكره أصحابنا هو أن يعتمد بصدور قدميه على الأرض و يجلس على عقبيه.

و أهل اللغة فسروه بأن يلصق أليتيه بالأرض و ينصب ساقيه و فخذيه و يضع يديه على الأرض كما يقعي الكلب (استحباباً و تابعه في تشهده كذلك) أي استحباباً و يدل على هذه الأحكام روايات منها (صحيحة عبد الرّحمن بن الحجاج) قال

سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يدرك الركعة الثانية من الصلاة مع الإمام و هي له الأولى كيف يصنع إذا جلس الإمام؟ قال: [يتجافى و لا يتمكن من القعود و إذا كانت الثالثة للإمام و هي الثانية له فليلبث قليلا إذا قام بقدر ما يتشهد ثم ليلحق الإمام]

«الحديث».

و يدل على استحباب متابعة الإمام في تشهده في الموضع الذي أجلسه رواية (إسحاق بن يزيد) [5] و غيرها.

المسألة الثامنة: في نبذة من مستحبات صلاة الجماعة

(يستحب تقديم من اختاره المأمومون مع التشاح) أي تشاح الأئمة و طلب كل منهم الإمامة لنفسه فإذا اتفق المأمومون على أحد منهم فهو الأولى بلا خلاف.

قالوا لما فيه من اجتماع القلوب و ائتلاف النفوس و فيه ما فيه «و الأظهر» الاستدلال عليه برواية (زكريا صاحب السابري)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: [ثلاثة في الجنة على المسك الأذفر مؤذن يؤذن احتساباً و إمام أمّ قوماً و هم به راضون]

«الخبر».

و ما رواه (الصدوق في الفقيه) قال

قال النبي (صلى الله عليه و آله): [ثمانية لا تقبل لهم صلاة] إلى أن قال (صلى الله عليه و آله): [و إمام قوم يصلي بهم و هم له كارهون]

«الخبر».

و روي أيضاً في حديث (المناهي) عن الصادق (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) مثل ذلك [6].

(فإن اختلفوا) و لم يتفقوا على إمام بل اختار كل قوم إماماً فليس لهم ذلك لما فيه من الاختلاف المثير للفتنة بل رجع إلى الترجيح بين أولئك الأئمة بالمرجحات الشرعية (فصاحب المنزل فيه) أي في منزله (و صاحب السلطان) أي الإمارة إذا كان من قبل الإمام (في سلطانه) أي موضع إمارته (أحق بالتقديم إجماعاً) و يدل عليه قول الصادق (عليه السلام) من رواية (أبي عبيدة)

[لا يقتد من أحدكم في منزله و لا صاحب السلطان في سلطانه]

(و صاحب الراتبة) أي من كان عادته الصلاة إماماً (في مسجده كذلك) أي أحق أيضاً (على المشهور) و في نسبته إلى الشهرة إيذان بقصور في الدليل فإن الأصحاب إنّما عللوه بأن المسجد يجري مجرى المنزل و لا تقديم غيره عليه يوجب وحشة و تنافراً و فيه ضعف نعم ورد في (كتاب الفقه الرضوي)

[أن صاحب المسجد أحق بمسجده]

و هو صريح في الدلالة.

(ثم الأعلم الأفقه على الأظهر) المشهور بين الأصحاب تقديم الأقرأ على الأعلم استناداً إلى رواية (أبي عبيدة) قال

سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن القوم من أصحابنا يجتمعون فتحضر الصلاة

____________

[5] و هو ما رواه ثقة الإسلام في الكافي بسنده إلى إسحاق بن يزيد قال

قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) جعلت فداك يسبقني الإمام بالركعة فتكون لي واحدة و له ثنتان فأتشهد كلما قعدت؟ قال: نعم فإنّما التشهد بركعة و مثلها و غيرها

«منه عطر الله مرقده».

[6] و فيه أنّه نهى أن يؤم الرجل قوماً إلا بإذنهم و هم به راضون «الحديث» و روي في الخصال بسنده إلى أبي عبد الله (عليه السلام) قال

أربعة لا تقبل لهم صلاة و عد منهم الرجل يؤم القوم و هم له كارهون

«هذا من كلامه زيد في مقامه».

159

فيقول بعضهم لبعض تقدم يا فلان فقال: إن رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال: [يتقدم القوم أقرأهم للقرآن فإن كانوا في القراءة سواء فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سناً فإن كانوا في السن سواء فليؤمهم أعلمهم بالسنة و أفقههم في الدين]

«الحديث» [7].

و المستفاد من عموم الآيات و كثير من الروايات بل و الدليل العقلي أيضاً هو تقديم الأعلم كما اخترناه و إليه مال جمع من (متأخري المتأخرين) منهم (المحدث الكاشاني، و الفاضل المحقق ملا محمّد باقر الخراساني صاحب الكفاية و الذخيرة، و المحدث الشيخ محمّد الحرّ العاملي (قدس سرهم).

و من الآيات قوله سبحانه [هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لٰا يَعْلَمُونَ] [8]. و قوله عزّ و جل [أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لٰا يَهِدِّي إِلّٰا أَنْ يُهْدىٰ فَمٰا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ] [9].

و من الأخبار ما رواه في (الفقيه)

عنه (صلى الله عليه و آله) قال: [إمام القوم وافدهم فقدموا أفضلكم]

قال: [10]

قال علي (عليه السلام): [إن سركم أن تزكوا صلاتكم فقدموا خياركم].

و روي في (الفقيه) و مثله (الشيخ في كتابي الأخبار مرسلا) في الأول (و مسنداً) في الثاني قالا [11]

قال النبي (صلى الله عليه و آله) [من أمّ قوماً و فيهم من هو أعلم لم يزل أمرهم إلى سفال إلى القيامة].

و في رواية (الصدوق (رضي الله عنه) هذه الأخبار في (الفقيه) و عدم نقله لخبر (أبي عبيدة) دليل على أن عمله على هذه الأخبار كما هو معلوم من قاعدته.

و روي في (كتاب قرب الإسناد في الموثق

عن جعفر بن محمّد) عن آبائه (عليهم السلام) [أن النبي (صلى الله عليه و آله) قال: إن أئمتكم وفدكم إلى الله فانظروا من توفدون في دينكم و صلاتكم].

و يؤيده أيضاً ما في (حسنة زرارة) قال

قلت: أصلي خلف الأعمى؟ قال: [نعم إذا كان له من يسدده، و كان أفضلهم]

[12].

و يعضده ما دل عليه العقل و النقل من قبح تقديم المفضول على الفاضل (ثم الأقرأ) و هل المراد به في الخبر الذي هو مستند الترجيح الأجود إتقاناً للحروف و الأسد [13] إخراجاً لها من مخارجها كما ذكره جمع من أصحابنا أو الأعرف بالأصول و القواعد المقررة بين القراء مع المعنى الأول أو الأكثر قرآناً و قراءة للقرآن [14] أو الأجود بحسب طلاقة اللسان و حسن الصوت و جودة المنطق و اللحن «احتمالات».

(ثم الأكبر سناً) و صرح جمع من الأصحاب: أن المراد من علو السن في الإسلام و هو تقييد للنص من غير دليل، و إنّما لم يذكر هنا الترجيح بالأقدم هجرة كما هو مذكور في كلام الأصحاب لأن الظاهر أن الترجيح بهذا الفرد غير جار في ما عدا زمان النبي (صلى الله عليه و آله) و ما قاربه، و إن كان أصحابنا قد أطلقوا القول في ذلك و أكثروا من الاحتمالات في إجزائه في مثل هذه الأوقات مع أن الترجيح به إنّما ورد عنه (صلى الله عليه و آله) و إن كان بنقل الأئمة (صلوات الله عليهم) و لكنّه لا يستلزم إجراءه في كل وقت و ما ذكروه من المعاني للهجرة في هذه الأزمان فكله مجرد تكليفات لا دليل عليها و لا برهان «فالأظهر قصر الحكم على ما ذكرناه» فإنّه لا هجرة إلا في تلك الأوقات.

(و) منها أنّه يستحب (إقامة الصفوف) أي جعلها مستقيمة معتدلة و يدل عليه (صحيحة محمّد بن مسلم)

عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث قال: [قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): أقيموا صفوفكم فإني أراكم من خلفي كما أراكم من قدامي و من بين يدي و لا تخالفوا فيخالف الله بين قلوبكم]

[15].

(و) منها (اختصاص ذوي المزية) و أهل الفضل (بأولها)

____________

[7] و مما يدل على ضعف التمسك بمضمون حديث أبي عبيدة هو أنّه قد قدم في الترجيح الأسن على الأعلم و الأفقه و تقديم الأسن على ذلك لم يقل به أحد ممن استدل بها على تقديم الأقرأ على الأعلم فإن أخذ و تمسك بها فليأخذ بكلها و إلا الترك.

[8] 9 الزمر.

[9] 35 يونس.

[10] أي الراوي.

[11] أي الصدوق في الفقيه و الشيخ في كتابي الأخبار: التهذيب و الاستبصار.

[12] و حسنة أخرى لزرارة أيضاً

عن أبي جعفر (عليه السلام) في الصلاة خلف العبد قال: لا بأس به إذا كان فقيهاً، و لم يكن هناك أفقه منه.

«من إفاضاته (قدس سره)».

[13] في نسخة ع و الأشد

[14] و يدل على المنقول ما ورد من أن الأعمى يؤم إذا رضوا به و كان أكثرهم قراءة «الحديث» و في صحيحة محمّد بن مسلم

عن أحدهما (عليهما السلام) أنّه سئل عن العبد يؤم القوم إذا رضوا به و كان أكثرهم قرآناً فقال: لا بأس،

«الحديث».

[15] و في التهذيب مرسلًا

عن أبي جعفر عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): سووا صفوفكم و حاذوا بين مناكبكم ليستعوذ عليكم الشيطان

«منه (قدس سره)».

160

لرواية (جابر)

عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال: [ليكون الذين يلون الإمام أولى الأحلام منكم و النهى فإن نسي الإمام أو تعايا قوموه]

«الحديث».

(و) منها (سد الخلل فيها) أي في الصفوف (لصحيحة الفضيل بن يسار

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: [أتموا الصفوف إذا وجدتم خللا].

(و) منها (وقوف النساء المؤتمين بالمرأة عن جنبها) دون التأخر خلفها كما في جملة من الأخبار [16] (و كذا العاري المصلي بالعراة) يقعد المأمون عن جنبيه (إلا أنه يبرز بركبتيه) و الأخبار به مستفيضة [17].

(و) منها أن (الأفضل للإمام مؤكداً أن يصلي بصلاة أضعف من خلفه) في جملة من الأخبار أيضاً (و) كذا الأفضل له (أن يقوم) بعد فراغه من الصلاة لو كان بعده مسبوق (حتى يتم المسبوق) صلاته (خلفه) و عليه يدل جملة من الأخبار منها (صحيحة الحلبي) و غيرها.

(و) منها أن الأفضل له (يسر بتكبيرات الافتتاح عدا تكبيرة الإحرام) فإنّه يستحب له الجهر بها ففي (صحيحة الحلبي)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: [إذا كنت إماماً فإنه يجزيك أن تكبر واحدة تجهر فيها و تسر ستاً]

[18].

(و) منها أن الأفضل للإمام أيضاً (أن يسمع من خلفه جميع الأذكار لما) في (موثقة أبي بصير) من أنه

[ينبغي للإمام أن يسمع من خلفه كل ما يقول و للمأموم أن لا يسمع الإمام شيئاً مما يقول].

(و يتأكد) إسماعه لمن خلفه (في التشهد) لما في رواية (أبي بصير)

[صليت خلف أبي عبد الله (عليه السلام) فلما كان في آخر تشهده رفع صوته حتى أسمعنا فلما انصرف قلت: كذا ينبغي للإمام أن يسمع تشهده من خلف قال: نعم]

[19].

(و) منها أن (لا يخص نفسه بالدعاء) لما رواه (الشيخ في التهذيب) مسنداً أو (الصدوق في الفقيه) مرسلًا

أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال: [من صلى بقوم فاختص نفسه بالدعاء دونهم فقد خانهم]

[20].

(و) منها أن الأفضل (للمأموم القيام) إلى الصلاة (عند) قول المقيم (قد قامت الصلاة) على المشهور [21] ففي رواية (معاوية بن شريح) قال

سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) قال: [إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة ينبغي لمن في المسجد أن يقوموا على أرجلهم و يقدموا بعضهم و لا ينتظروا الإمام]

«الحديث» و مثله غيره.

(و) منها أنّه يستحب للمأموم أيضاً (عدم التنقل حال الإمامة) بمعنى أنّه إذا قال المقيم: قد قامت الصلاة، لا يصلي نافلة و إلا فلو شرع فيها قبل ذلك أتمها بلا كراهية و مستند الحكم المذكور رواية (عمر بن يزيد) أنّه

سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرواية التي يروونها أنّه [لا ينبغي أن يتطوع في وقت فريضة] ما حدّ هذا الوقت قال: [إذا أخذ المقيم في الإقامة]

«الحديث».

و ظاهر الخبر أن التوقيت المذكور لكراهية التنقل هو شرع المقيم في الإقامة التي هي عبارة عن مجموع الفصول السبعة عشر و عبائر الأصحاب تضمنت التحديد بقول «قد قامت الصلاة» و المشهور كراهية التنقل في الوقت المذكور و عن (الشيخ، و ابن حمزة) أنهما منعا ذلك و الأصحاب ردوا قولهما بالخبر المذكور بناءً على قوله (عليه السلام) فيه [لا ينبغي].

و لا يخفى على المتتبع للأخبار حق التتبع تعبيرهم (عليهم السلام) بهذا اللفظ عن التحريم و كذا بلفظ ينبغي عن الوجوب و قد حضرني من ذلك ما يقرب من سبعة عشر موضعاً من الأخبار قد استعمل فيها اللفظان المذكوران فيما ذكرنا.

(و) منها أنّه يستحب للمأموم لو كان مشغولا بالنافلة (قطعها لإدراك الركعة) مع الإمام إذا خاف بالاشتغال بها فوات الركعة، إلا أتمها جمعاً بين الحقين و لم أقف في المسألة على نصّ إلّا أنّ الأصحاب عللوه بأن الجماعة أهم في نظر الشارع

____________

[16] أما في إمامة المرأة ففي صحيحة سليمان بن خالد قال (عليه السلام)

و لا تقدمهن و لكن تقوم وسطاً فيهن.

[17] و أما في العاري ففي صحيحة عبد الله بن سنان قال

يتقدمهم الإمام بركبتيه و يصلي بهم جلوساً و هو جالس.

[18] و قد مر هذا الخبر في صفحة 140 و هو منقول عن كتاب الخصال راجع التعليقة الموجودة في الصفحة، فإنّه يرد هنا كما ورد هناك.

[19] و مثلها أيضاً رواية أبي بصير الأخرى و صحيحة حفص و غيرها

[20] هذا يدل على الكراهة و إنّما جعل الاستحباب في عكسه من باب مخالفة المستحب كراهة و بالعكس كما مر في كلام المصنف أعلى الله مقامه في عدة مواقف قد تخطيتها في الكتاب و غيره.

[21] و نقل عن الشيخ في المبسوط و الخلاف أن وقت القيام للصلاة عند فراغ المؤذن من كمال الأذان و حكى العلامة في المختلف عن بعض علمائنا قولا بأن وقته عند قوله حي على الصلاة لأنّه دعاء إليها فاستحب القيام عنده و ارتضاه (قدس سره)، و الأخبار كما ترى بخلاف ذلك «منه أعلى الله مقامه».

161

من النافلة.

(و) منها أنّه يستحب له أيضاً أنّه لو كان في فريضة (نقل الفريضة) إلى النافلة (لذلك) أي لإدراك الركعة مع الإمام، و الأصل في هذا الحكم (صحيحة سليمان بن خالد) قال

سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل دخل المسجد فافتتح الصلاة فبينما هو قائم يصلي إذ أذن المؤذن و أقام الصلاة قال: [فليصل ركعتين ثم ليستأنف الصلاة مع الإمام و ليكن الركعتان تطوعاً].

و مثله (موثقة سماعة).

(و) منها أنّه يستحب له (التسبيح حال قراءة الإمام في) الصلاة (الإخفاتية) و كذا يستحب له أيضاً التسبيح (في) الصلاة (الجهرية) لكن يكون (تسبيحه خفياً) بحيث (لا يمنع الإنصات الواجب عليه للقراءة فيكون قد جمع بين التسبيح مع (الإنصات) فأما ما يدل على استحباب التسبيح في الصلاة الإخفاتية (فصحيحة بكر بن محمّد الأزدي)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه قال: [إني أكره للمرء أن يصلي خلف الإمام صلاة لا يجهر فيها بالقراءة فيقوم كأنه حمار قال: قلت: جعلت فداك يصنع ما ذا قال: يسبح].

و أما ما يدل على الجهرية (فصحيحة زرارة)

عن أحدهما (عليهما السلام) قال: [إذا كنت خلف إمام تأتم به فأنصت و سبح في نفسك].

(و) منها أنّه يستحب له (تنبيه الإمام إذا أخطأ) في القراءة أو غيرها (أو تعايا) في قراءته لرواية (جابر) المتقدمة و قوله (عليه السلام) فيها

[فإن نسي الإمام أو تعايا قوموه].

(و) منها أنّه يستحب له (قول «الحمد لله رب العالمين» عند سمعلته [22] (أي قول الإمام «سمع الله لمن حمده» و يدل عليه (صحيحة جميل بن دراج) قال:

سألت أبا عبد الله (عليه السلام) فقلت: ما يقول الرجل خلف الإمام إذا قال:: «سمع الله لمن حمده» قال:: [يقول: «الحمد لله رب العالمين» و تخفض من صوته].

(و) منها (عدم إسماع الإمام شيئاً من أذكاره) و يدل عليه (موثقة أبي بصير) المتقدمة.

(و) منها أن (يعيد المصلي المنفرد) لو وجد الجماعة صلاته التي صلاها منفرداً (جماعة إماماً) كان المعيد (أو مأموماً) و يدل عليه (موثقة عمار) قال

سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصلي الفريضة ثم يجد قوماً يصلون جماعة أ يجوز له أن يعيد الصلاة؟ قال: [نعم و هو أفضل].

و بمضمونها روايات عديدة.

و في بعضها تصريح بكون المعيد إماماً و في بعضها تصريح بكونه مأموماً (و في إعادة) صلاة جماعة (المنفردين) الذين صلوا جميعاً كل منهم فرادى فهل يستحب لهم أن يعيدوها بحيث (يأتيهم بعضهم ببعض) و يعيدون صلاتهم جماعة (إشكال) ينشأ من أن مورد الأخبار الواردة في المسألة على كثرتها و موضع الاستحباب فيها إنّما هو لو صلى أحد منفرداً ثم وجد جماعة مبتدئين في الصلاة فإنّه يستحب له الإعادة معهم جماعة بأن يؤمهم أو يأتم بإمامهم فالإعادة على هذا إنّما هي إحدى الصلاتين أما صلاة الإمام إن كان المعيد إماماً و المأموم إن كان كذلك (لا كلتاهما).

(و أشكل منه) استحباب (إعادة الجامع) أي من صلى جماعة أولا ثم وجد جماعة فصلى معهم جماعة أيضاً استحباباً فإنّه أشد إشكالا فإن المستفاد من أخبار المسألة إنّما هو إعادة من صلى منفرداً لتحصيل ثواب الجماعة لا من صلى جماعة أولا و بالجملة فالحكم به مشكل (و إن جزم به البعض) و نقل ذلك عن (الشهيد في الذكرى) و تبعه (الشهيد الثاني) أيضاً.

و لا ريب في ضعفه لخروجه عن مناطيق [23] المسألة و العبارة توقيفية يجب الوقوف فيها على ما رسمه صاحب الشريعة.

المقصد الثالث: في صلاة السفر

(تسقط أخيرتا) الصلاة

____________

[22] السمعلة هي كالحوقلة و هي صيغة مختصرة لكلمة لا حول و لا قوة إلا بالله و الهلهلة كذلك لكلمة لا إله إلا الله و الحيقلة حي على الصلاة، و حي على الفلاح، و حي على خير العمل و كذلك السمعلة: (صلى الله عليه و آله) و الحمدلة و إلخ

[23] أي مصاديق بمعنى أحد أفراد المندرجة تحت عنوانه و في حيازته.

162

(الرباعية) اتفاقا نصا و إجماعاً بل ضرورة من الدين روى (الصدوق عطر الله مرقده في الفقيه في الصحيح عن زرارة و محمّد بن مسلم) أنّهما قالا لأبي جعفر (عليه السلام)

ما تقول في الصلاة في السفر كيف هي و كم هي؟ فقال: [إن الله عزّ و جلّ يقول

«وَ إِذٰا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلٰاةِ»

فصار التقصير في السفر واجبا كوجوب الإتمام في الحضر] قالا: قلنا: إنّما قال الله عزّ و جلّ

فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ

و لم يقل: افعلوا فكيف أوجب ذلك كما أوجب الإتمام في الحضر؟ فقال (عليه السلام): [أو ليس قد قال الله عزّ و جلّ

«إِنَّ الصَّفٰا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعٰائِرِ اللّٰهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمٰا»

[24] أ لا ترون أن الطواف بهما واجب مفروض لأن الله عزّ و جلّ ذكره في كتابه و صنعه نبيه (صلى الله عليه و آله)] و كذلك التقصير شيء صنعه النبي (صلى الله عليه و آله) و ذكره الله تعالى ذكره في كتابه [25] قال: قلنا: فمن صلى في السفر أربعاً أ يعيد أم لا؟ قال: إن كان قرئت عليه آية التقصير و فسرت له فصلى أربعاً أعاد، و إن لم يكن قرئت عليه و لم يعلمها فلا إعادة عليه، و الصلاة في السفر الفريضة ركعتان إلا المغرب فإنّها ثلاث ليس فيها تقصير تركها رسول الله (صلى الله عليه و آله) في السفر و الحضر ثلاث ركعات، و قد سافر رسول الله (صلى الله عليه و آله) إلى (ذي خُشُب) و هي مسيرة يوم إلى (المدينة) يكون إليها بريدان أربعة و عشرون ميلا فقصر و أفطر فصارت سنة و قد سمى رسول الله (صلى الله عليه و آله) قوماً صاموا حين أفطر العصاة قال: [فهم العصاة إلى يوم القيامة و إنا لنعرف أبناءهم و أبناءهم إلى يومنا هذا].

(و كذا) تسقط في السفر (نافلتها) أي نافلة الرباعية من غير خلاف ففي جملة من الأخبار

[الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما و لا بعدهما شيء]

و في بعضها

[إلا في المغرب فإن بعدها أربع ركعات لا ندعهن في حضر و لا في سفر]

نعم ينبغي الكلام في الوتيرة و ظاهر المشهور سقوطها أيضاً عملا بهذه الأخبار بل نقل (ابن إدريس) فيه إجماع و نقل عن (الشيخ في النهاية) أنّه يجوز فعلها و قال في (المدارك): «و ربما كان مستنده ما رواه (ابن بابويه عن الفضل بن شاذان)

عن الرضا (عليه السلام) قال: [إنّما صارت العشاء مقصورة و ليس تترك ركعتاها لأنّها زيادة في الخمسين تطوعاً يتم بها بدل كل ركعة من الفريضة ركعتين من التطوع].

و قواه في (الذكرى) قال: «لأنّه خاص و معلل و ما تقدم خال منهما، إلا أن ينعقد الإجماع على خلافه» و هو جيد «لو صح السند فالتمسك بعموم الأخبار المستفيضة الدالة على السقوط أولى» انتهى كلامه زيد في مقامه «و الأظهر عندي عدم سقوطهما» للخبر المذكور مع جملة من الأخبار نقلها (شيخنا الصدوق نور الله مرقده في كتاب علل الشرائع و الأحكام) منها ما رواه في (الصحيح عن زرارة بن أعين) قال

قال أبو جعفر (عليه السلام): [من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فلا يبيتن إلا بوتر]

[26].

و روى فيه أيضاً بسند ليس في رجاله من ربما يطعن في توثيقه إلا (محمّد بن عيسى) و هو مشترك بين (العبيدي و الأشعري عن حمران)

عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: [قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): لا يبيتن الرجل و عليه وتر]

[27] إلى غير ذلك من الأخبار التي أتينا عليها في (أجوبة مسائل بعض الإخوان) و ما ذكرنا من سقوط أخيرتي الرباعية و كذا إسقاط نافلتها مشروط بشروط أحدها: الاشتراط (بقصد ثمانية فراسخ) و قد مضى ذكر معنى الفرسخ في صلاة الجمعة، و وجوب التقصير بقصد الثمانية إجماعي نصاً

____________

[24] 158 البقرة.

[25] أقول يستفاد من هذا الخبر الشريف قاعدة كلية و هي أن فعل المعصوم (عليه السلام) إذا وقع بياناً للمجمل في الكتاب أو السنة وجب اتباعه إلا أن يقوم دليل من الخارج على الاستحباب خلافاً لظاهر جملة من الأصحاب و قد تقدم نظر ذلك في مسألة وجوب الابتداء بالأعلى في غسل الوجه في الوضوء و المرفقين و نحو ذلك مما وصفته الآيات و عينه الأئمة الهداة «منه (قدس سره)».

[26] أقول: قال المحقق الشيخ حسن (قدس سره) في كتاب المنتقى بعد نقل صحيحة زرارة الدالة على أنّه من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فلا يبيتن إلا بوتر ما لفظه «قلت هذا الخبر محمول على المبالغة في كراهة ترك الوتر في كل ليلة، و فهم منه بعض الأصحاب إرادة التقديم في أول الليل كما ورد في جملة من الأخبار مقيداً بالعذر و ستأتي في بابها فحملت على الضرورة و فيه تكلف ظاهر مع عدم الحاجة إليه فإن المبيت بغير وتر صالح لإرادة إخلاء الليل من الوتر و لو مجازاً، فإن بابه واسع و القرينة على إرادة هذا المعنى من المقام واضحة، و لأن استبعد ذلك بالنظر إلى ظاهر اللفظ فالوجه حينئذ حمله على التقية كما احتمله الأصحاب» انتهى.

و لا يخفى ما فيه فإن المراد من الوتر في هذا الخبر و نحوه إنّما هو ركعتا الوتيرة كما صرح في حديث أبي بصير المنقول في التعليقة الآتية لا أن المراد بالوتر التي تصلى آخر الليل و أنّها تقدم في أوله كما توهموه و اضطربوا لأجل ذلك في التفصي عن معنى هذا الخبر و كذا يدل على ذلك حديث منقول في الكافي أيضا سيأتي بعد حديث أبي بصير المنقول في التعليقة الآتية.

و ذلك ليس ببعيد على أمثال هذه الجماعة الذين أضاقوا على أنفسهم ما لا ينبغي له و حبسوا أدلتهم على الضئيل و اكتفوا بالقليل ذلك في كفة الحديث أما في غير فقد أطالوا و العقد (عليهم السلام) فإن المنقول عنه و هو الشيخ حسن بن الشهيد الثاني (قدس سرهما) صاحب المعالم و المنتقى قد عد عدم صحة الحديث عنده إلا ما يرويه العدل الإمامي المنصوص عليه بالتوثيق بشهادة ثقتين عدلين من غير أقل جرح يذكر و تعديل يستر فرمز للحديث الموصوف بصحى و للصحيح عند الأصحاب برمز صحرا نظر إلى ما بلغ في الضيق إلى مبلغ السحيق.

و إذ قال المصنف (قدس سره) في كتاب لؤلؤة البحرين في ترجمة الشيخ المبرور (قدس سره) ما هذا لفظه «هذا الاصطلاح الذي هو إلى الفساد أقرب من الصلاح حيث أن اللازم منه لو وقف عليه أصحابه لفسد الشريعة و ربما انجر إلى البدع الفظيعة، فإنه متى كان الضعيف باصطلاحهم مع إضافة الموثق إليه كما جرى عليه في المدارك ليس بدليل شرعي بل هو كذب و بهتان مع أن ما عداهما من الصحيح و الحسن لا يفيان لهما إلا بالقليل من الأحكام فإلى أي يرجعون في باقي الأحكام الشرعية و لا سيما أصولها و فضائل الأئمة و عصمتهم و بيان فضائلهم و كراماتهم (عليهم السلام) و نحو ذلك، و إذا نظرت بعين التدقيق إلى أصول الكافي و أمثاله وجدت جله و أكثره إنّما هو من هذا القسم الذي أطرحوه، و لهذا ترى جملة منهم لضيق الخناق خرجوا من اصطلاحهم في مواضع عديدة، و تستروا بأعذار غير سديدة، و إذا كان الحال هذه في أصل هذا الاصطلاح فكيف الحال في اصطلاح صاحب المنتقى و تخصيصه الصحيح بما ذكره، ما هذه إلا غفلة ظاهرة و الواجب إنما الأخذ بهذه الأخبار كما عليه متقدمو علمائنا الأبرار، أو تحصيل دين غير هذا الدين و شريعة غير هذه الشريعة لنقصانها و عدم تمامها، لعدم الدليل على جملة من أحكامها و لا أراهم يلتزمون شيئا من الأمرين مع أنّه لا ثالث لهما في البين، و هذا بحمد الله ظاهر لكل ناظر غير متعصب و غير مكابر».

[27] و ما يدل على ما مر من كلام المصنف أعلى الله مقامه هذا الخبر فهو مصداق لما قال: فإنّه نقل الطعن في توثيقه و لكن هل ترك الحديث أم رفضه؟ لا و إنّما اتخذه دليلا و مدركاً و لا يضر الطعن إن كان الحديث قد قرن بقرائن الصحة في مضمونه و مدلوله، أو بدلالة الصراح الصحاح بما يدل عليه راجع باب تقسيم الخبر في كتاب هداية الأبرار فهناك تجد الجواب لضالتك المنشودة اغتنم و افهم و روي فيه أيضاً أي في كتاب علل الشرائع عن أبي بصير

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فلا يبيتن إلا بوتر قال: قلت: يعني الركعتين بعد العشاء؟ قال: نعم إنّهما يعدان بركعة فمن صلاها ثم حدث به حدث الموت مات على وتر في آخر الليل.

و روى الكافي في الحسن إبراهيم بن هاشم الذي هو من الصحيح عندنا في الحديث عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال فيه

و الفريضة النافلة إحدى و خمسون ركعة منها ركعتان بعد العشاء جالساً تعد بركعة مكان الوتر

الحديث.

و أنت خبير بما في هذه الأخبار من مزيد التأكيد على الإتيان بها حتى أن من تركهما كان لم يؤمن بالله و لا باليوم الآخر و هي شاملة للحضر و السفر كما يدل عليه التعليل في رواية أبي بصير بقيامها مقام الوتر لمن حدث به الموت لاستحباب الوتر سفراً و حضرا أو مثله في رواية الكافي.

و لا ينافيه التعليل الذي في رواية الفضل بن شاذان المذكورة في الأصل فإنه يجوز أن يكون العلة لخلاء الأمرين و إن ذكرتا متفردتين

163

و فتوى.

و حينئذ فلو قصد أقل من هذه المسافة ثم بعد بلوغ مقصده قصد أقل أيضاً و هكذا كطالب الحاجة مثلًا يرجع متى وجدها و تابع الآبق و نحوهما فإن فرضهما التمام و إن قطع مسافات بهذه المثابة نعم متى أراد الرجوع و كان ذلك قدر المسافة التي ذكرنا وجب التقصير لتحقق المسافة و يدل على أصل الحكم رواية (صفوان)

عن الرضا (عليه السلام) في رجل خرج من (بغداد) يريد أن يلحق رجلا على رأس ميل فلم يزل يتبعه حتى بلغ (النهروان) و هي أربع فراسخ من (بغداد) أ يفطر إذا أراد الرجوع و يقصر؟ فقال: [لا يقصر و لا يفطر لأنّه خرج من منزله و ليس يريد السفر ثمانية فراسخ و إنّما خرج يريد أن يلحق صاحبه في بعض الطريق فتمادى به السير إلى الموضع الذي بلغه]

«الحديث».

(و في قصد الأربعة) فراسخ (أقوال) أحدها: ما هو المشهور و هو التقصير إن أراد الرجوع ليومه و المنع من التقصير إن لم يكن كذلك.

و ثانيها: ما ذهب إليه (الصدوق في الفقيه) من وجوب التقصير إن قصد الرجوع ليومه، و إلا فهو بالخيار إن شاء أتم و إن شاء قصر و نحوه قال (الشيخ المفيد و الشيخ في النهاية) إلا أنّه منع من التقصير في الصوم فصار قولا ثالثا.

و رابعها: ما نقله في (الذكرى) عن (الشيخ في التهذيب و المبسوط و ابن بابويه في كتابه الكبير) و قواه من التخيير في قصد الأربعة بشرط الرجوع ليومه.

و خامسها: التخيير مطلقاً و إليه مال (في المدارك) و نقله عن (جده (قدس سرهما) [28] (و نقله أيضاً عن (الشيخ في التهذيب) و عبارة (التهذيب) لا تخلو من إجمال في هذا المقام فلذا اختلف النقل عنه باختلاف الأفهام [29].

و سادسها: ما ذهب إليه (ابن أبي عقيل) و مضمون عبارته يدل على أنّه متى قصد الأربعة بشرط الرجوع ليومه أو في ضمن العشرة فإنّه يجب التقصير.

و الأصل في اختلاف هذه الأقوال اختلاف الأخبار، ففي كثير منها إناطة التقصير بثمانية فراسخ و ما في معناها و في كثير منها علق بأربعة فراسخ فاختلفوا في وجه الجمع بينهما بهذه الأقوال.

(أظهرها) عندي (ذلك) أي وجوب التقصير بقصد الأربعة لكن لا مطلقاً بل (ما لم ينقطع سفره بأحد القواطع الآتية) و إلى هذا مال جملة من (أفاضل متأخري المتأخرين) و عليه تنطبق الأخبار.

و ملخصه أنّه إذا قصد الأربعة و لم ينوِ إقامة عشرة في سفره ذلك [30] و الأمر بمنزل يقطع سفره و لا مضت عليه ثلاثون يوماً متردداً فإنّه يجب عليه التقصير و يصدق عليه أنّه قصد ثمانية فراسخ لكنّها ملفقة من الذهاب و الإياب.

و من الأخبار الصريحة في هذا القول (صحيحة زرارة) قال

سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن التقصير فقال: [يريد ذهابا و يريد جائياً و كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) إذا أتى ذهاباً و ذهاب على بريد و إنّما فصل ذلك لأنّه إذا رجع كان سفره بريدين ثمانية فراسخ]

و رواية (صفوان) المتقدمة و روايات حج أهل مكة و إنكار الأئمة (عليهم السلام) التمام أشد الإنكار مقروناً بالنهي عن التمام مع أنّ (عرفه من مكة) على أربعة فراسخ و هم غير مريدي الرجوع ليؤمهم و حينئذ فما ذكره (ابن أبي عقيل) في عبارته من قيد الرجوع فيما دون العشرة إنّما وقع على جهة التمثيل فهو يرجع إلى هذا القول و إلا كان هذا قولا سابقاً في المسألة و بالجملة فهذا القول عندي أظهر الأقوال (و) لكن (أحوطها) القول المشهور و هو (التقييد) بالرجوع ليومه و حينئذ فمع رجوعه ليومه يقصر البتة (و مع عدمه)

____________

[28] أي الشهيد الثاني جده من أمه و الشيخ حسن صاحب المعالم خاله.

[29] وقع الإبهام في عبارته المنقولة عنه هكذا كل سفر كان مبلغه بريدين و هو ثمانية فراسخ أ يريد ذهاباً و إياباً و هو أربعة فراسخ في يوم واحد أو دون العشرة أيام فعلى من سافر عند آل الرسول (عليهم السلام) إذ اختلف حيطان مصره، أو الأذان أن يصلي صلاة السفر ركعتين انتهى منه (قدس سره).

[30] و نظرة من قصد ثمانية فراسخ و هي المسافة المتفق على وجوب التقصير فيها ثم إنّه اتفق جلوسه على رأس أربعة فراسخ أياماً لبعض المطالب و الغرض فإن جلوسه تلك الفترة في سفره بالمدة المذكورة لا يخرجه عن كونه مسافراً و لا كونه قاصداً لثمانية فراسخ منه (قدس سره).

164

أي عدم رجوعه ليومه (فالجمع) القصر و الإتمام أحوط ما لم ينقطع سفره بأحد القواطع الآتية فيعدل إلى الإتمام خاصة و الشرط الثاني (استمرار القصد) أي البقاء على قصده الأول و عدم العدول عنه إلى أن تحصيل المسافة و لو أربعة فراسخ مع إرادة الرجوع (فلو رجع) عن القصد الأول قبل ذلك انقطع سفره و وجب عليه التمام، و كذا لو بقي متردداً بين السفر و عدمه كمنتظر الرفعة [31] أما لو كان بعد بلوغ المسافة فإنّه يقصر بلا إشكال في محله و رجوعه و يدل على هذا الشرط (صحيحة أبي ولاد) قال

قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) إني كنت خرجت من (الكوفة) في سفينة إلى (قصر ابن هبيرة) و هو من (الكوفة) على نحو عشرين فرسخاً في الماء فسرت يومي ذلك أقصر الصلاة ثم بدأ لي في الليل الرجوع إلى (الكوفة) فلم أدر أصلي في رجوعي بتقصير أم تمام فكيف كان ينبغي أن أصنع؟ فقال: [إن كنت سرت في يومك الذي خرجت فيه بريداً فكان عليك حين رجعت أن تصلي بالقصر لأنّك كنت مسافر إلى أن تصير إلى منزلك [32] قال: و إن كنت لم تسر في يومك الذي خرجت فيه بريداً فإن عليك حين رجعت أن تقضي كل صلاة صليتها في يومك ذلك بالتقصير بتمام من قبل أن تريم من مكانك] ذلك لأنّك لم تبلغ الموضع الذي يجوز التقصير فيه حتى رجعت فوجب عليك إذا رجعت أن تتم الصلاة حتى تصير إلى منزلك ثم إنّه لو رجع عن قصد المسافة قبل بلوغها (و قد صلى قصراً) حيث إنّه كان مسافراً و فرضه القصر.

(ففي وجوب القضاء) أي قضاء ما صلاه قصراً قبل الرجوع (تردد أحوطه ذلك) أي وجوب القضاء المشهور بين الأصحاب في هذه المسألة هو عدم وجوب القضاء لأنّه صلى صلاة مأمور بها فكانت مجزية (و لصحيحة زرارة)

عن أبي جعفر (عليه السلام) في الرجل يخرج مع القوم في السفر بريدة فدخل عليه الوقت و قد خرج من القرية على رأس فرسخين فصلوا و انصرف بعضهم في حاجة فلم يقضِ له الخروج ما يصنع بالصلاة التي كان صلاها ركعتين؟ قال: [تمت صلاته و لا يعيد].

و ذهب (الشيخ في الاستبصار) إلى أنّه يعيد مع بقاء الوقت لرواية (سليمان بن حفص المروزي) عن الكاظم (عليه السلام) في حديث قال

[و إن كان قصر ثم رجع عن نيته أعاد الصلاة]

و الأصحاب حملوا الرواية المذكورة على الاستحباب.

و وجه التردد هنا ينشأ من دلالة (صحيحة زرارة) المذكورة على صحة الصلاة و عدم الإعادة و دلالة (صحيحة أبي ولاد) و رواية (المروزي) على الإعادة تماماً و حمل الإعادة على الاستحباب كما جعلوه وجه الجمع بين الأخبار و إن تم في رواية (المروزي) إلا أنّه لا يتم في رواية (أبي ولاد) لصراحتها في الوجوب لقوله (عليه السلام) فيها

[فإن عليك أن تقضي كل صلاة صليتها في يومك ذلك بالتقصير بتمام من قبل أن تريم].

أي تبرح من مكانك ذلك إلى آخره، فإن التأكيد بالقضاء فوراً بتقديمه على اليومية كما يدل عليه ظاهر اللفظ و التعليل بما ذكره مفرّعاً عليه الوجوب بقوله (عليه السلام) [فوجب عليك] لا يقبل الحمل على الاستحباب كما صار إليه جملة من الأصحاب، إلا أنّهم لم ينقلوا (صحيحة أبي ولاد) المذكورة و لم يقفوا عليها، و إنّما رواية (المروزي) رواها بضعف السند أولًا ثم بالحمل على الاستحباب فالعذر لهم ظاهر.

و الشرط الثالث (عدم الانقطاع) أي انقطاع السفر الذي قصده بأحد القواطع الثلاثة التي أحدها الانقطاع

____________

[31] في نسخة م الوقفة.

[32] أقول: و روى الصدوق (قدس سره) حديث إسحاق بن عمار المذكور في كتاب العلل و زاد فيه

قال: ثم قال: هل تدري كيف صار كذا؟ قلت: لا قال: لأن التقصير في بريدين لا يكون التقصير في أقل من ذلك فيما إذا كانوا قد ساروا بريداً و أرادوا أن ينصرفوا كانوا قد سافروا سفر التقصير و إن كانوا ساروا أقل من ذلك لم يكن لهم إلا إتمام الصلاة

الحديث.

و هو أشد صراحة فيما ذكرناه منه (قدس سره).

165

(بنية إقامة العشرة) فما زاد [1] متقدمة (متقدمة أو في الأثناء) يعني أن هذه النية قد تكون متقدمة بأن ينوي المسافة و لكن ينوي أيضاً إقامة العشرة في أثنائها.

و حينئذ فإن كان من موضع خروجه إلى موضع نية الإقامة مسافة توجب القصر قصّر و إلا أتم، فالشرط المذكور حينئذ شرط في أصل الوجوب [2] و قد تكون النية المذكورة في الأثناء بمعنى أن ينوي السفر ثم بعد الخروج و الصلاة قصراً يعرض له قصد الإقامة و حينئذ ينقطع السفر و هذا هو الذي يفهم من أخبار المسألة و على هذا فالشرط المذكور شرط في استمرار القصد و الأصل في الحكم الأخبار المستفيضة.

منها (صحيحة زرارة)

عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له: أ رأيت من قدم بلدة متى ينبغي أن يكون مقصراً و متى ينبغي له أن يتم فقال: [إذا دخلت أرضاً فأيقنت أن لك بها مقاماً عشرة أيّام فأتم الصلاة و إن لم تدر ما مقامك بها تقول غداً أخرج أو بعد غد فقصر ما بينك و بين أن يمضي شهر فإذا تم لك شهر فأتم الصلاة و إن أردت أن تخرج من ساعتك].

و هل يكفي الاجتزاء باليوم الملفق [3] من يومي الدخول و الخروج؟ وجهان: أحوطهما بل أظهرهما العدم لعدم تبادر ذلك من لفظ اليوم (أو) الانقطاع (بوصول منزل قد استوطنه ستة أشهر) فأما ما يدل على المنزل فأخبار عديدة.

منها (صحيحة محمّد بن إسماعيل بن بزيع)

عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يقصر في ضيعته؟ فقال: [لا بأس ما لم ينو مقام عشرة أيام إلا أن يكون له فيها منزل يستوطنه فقلت: ما الاستيطان؟ فقال: أن يكون له فيها منزل يقيم فيه ستة أشهر فإذا كان كذلك يتم فيها متى يدخلها].

و يدل على ذلك أيضاً (صحيحة علي بن يقطين) و فيها

[كل منزل لا تستوطنه فليس لك بمنزل و ليس لك أن تتم فيه]

إلى غير ذلك من الأخبار.

ثم إن ظاهر الأصحاب بكون الستة أشهر المذكورة أعم من أن تكون متوالية أو متفرقة و أنّه متى كملت وجبت الصلاة تماماً دائماً، و ظاهر (صحيحة ابن بزيع المذكورة) اعتبار الستة أشهر في كل سنة كما يستفاد من صيغة المضارع الدالة على التجدد في الموضعين و بمضمونه أفتى (الصدوق في الفقيه) و الاحتياط لا يخفى (و في غيره) أي غير المنزل (من العقار تردد) ينشأ من ورود الأخبار الكثيرة بالأمر بالتمام في الضيعة و الملك مطلقاً و منها (صحيحة إسماعيل بن المفضل) قال

سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل سافر من أرض إلى أرض و إنّما ينزل قراه و ضيعته؟ قال: [إذا نزلت قراك و ضيعتك فأتم الصلاة]

بل في (موثقة عمار)

[و لو لم يكن إلا نخلة واحدة].

و الظاهر أنّه هو المشهور لا سيما بين (المتأخرين) و من ورود (صحيحة ابن بزيع المتقدمة) الدالة على التقصير في الضيعة ما لم ينو مقام عشرة أيام إلا أن يكون له فيها منزل يستوطنه ستة أشهر و الاحتياط بين القصر و الإتمام بل في مجرد الملك إلا أن يقين البراءة لا يحصل إلا بالجمع بين الفرضين.

إذا عرفت ذلك فاعلم أن ظاهر الأصحاب أن المسافر متى أنشأ سفراً موجباً للتقصير فإنّه لا ينقطع

____________

[1] ظاهر الأصحاب و النصوص أيضا أنّه لا فرق بين أن تكون الإقامة في بلد أو قرية أو بادية أما لو عزم على الإقامة في رستاق ينتقل فيه من قرية إلى قرية و لم يعزم على الإقامة في قرية من القرى فالظاهر أنّه يبقى على حكم المسافر لأنّه لم يقم في بلد بعينه و بذلك صرح في المنتهى منه (قدس سره).

[2] أي أصل وجوب القصر لأنّ من شرط وجوب القصر أن ينوي مسافة لا يعزم على إقامة العشرة في أثنائها منه (قدس سره).

[3] لأن نصفي اليومين لا يسمى يوماً عرفاً و قد اعترف الأصحاب بعدم الاجتزاء بالتلفيق في أيام الاعتكاف و أيام العدة و الحكم في الجميع واحد فلا بد من عشرة أيّام غير يومي الدخول و الخروج منه (قدس سره).

166

سفره إلا بأحد هذه القواطع الثلاثة حتى في بلده التي هي مقره و مسكنه و وطنه من زمن آبائه و أجداده التي سافر منها فلا بد في رجوعه إليها وجوب التمام عليه فيها من انقطاع سفره بأحد هذه القواطع الثلاثة.

و لهذا أنّه قد نقل عن (العلامة (قدس سره) و من تأخر عنه أنّهم ألحقوا بالملك اتخاذ البلد دار مقامه على الدوام قال: في (المدارك) و لا بأس به لخروج المسافر بالوصول إليها عن كونه مسافراً عرفاً ثم نقل عن (الذكرى) أنّه هل يشترط هنا استيطان الستة الأشهر؟ «الأقرب ذلك» لتحقق الاستيطان الشرعي مضافاً إلى الاستيطان العرفي ثم نفى عنه البعد معللا ذلك بأن الاستيطان على هذا الوجه [4] إذا كان معتبراً مع وجود الملك فمع عدمه أولى.

و أنت خبير بأن المستفاد من الأخبار المتضمنة القواطع الثلاثة أن موردها إنّما هو من خرج من بلده التي هو متوطن فيها فإنّه متى كان حكمه التقصير باستكمال الشروط المقررة فإنّه يبقى على التقصير في سفره إلا أن ينقطع بأحد القواطع الثلاثة المذكورة حتى يعود إلى بلدته المذكورة فينقطع سفره بالعود إليها فيجب عليه التمام، لكن الروايات قد اختلفت في أنّه يتم بمجرد الوصول إلى محل الترخص منها أو حتى يدخل منزله فهذه القواطع الثلاثة إنّما محلها و اعتبارها في مدة السفر ذهاباً و إياباً و لا تعلق لشيء منها ببلده الذي خرج منه.

و روايات البلد الدالة على وجوب الائتمام بالرجوع إليها لا تعرض فيها لشرط منزل و لا استيطان و لا ملك بالكلية كما لا يخفى على من راجع الأخبار في هذا الباب فإنّها صريحة فيما ذكرناه واضحة فيما ادعيناه.

و حينئذ فما ذكروه من الإلحاق لا وجه له بالكلية فإن هذه القواطع الثلاثة لا تعلق لها ببلد الاستيطان بالمدة و ظواهر أخبار بلد الاستيطان أنّه بالوصول إليها يتم مطلقاً لكن هل يكون ذلك من تجاوز محل الترخص دخولا أو لا بد من دخول المنزل؟ و سيأتي نقل شطر منها و تحقيق القول في ذلك و بما ذكرناه يظهر أن القواطع أربعة لا ثلاثة كما ذكروه (رحمهم الله) و لم أعثر على أحد تنبه لهذا البيان الذي ذكرناه من أصحابنا (رضوان الله عليهم).

(أو) الانقطاع (بمضي ثلاثين يوماً متردداً) في نية الخروج فيقول غداً أخرج أو بعد غد و هكذا حتى يمضي عليه ثلاثون يوماً و يدل عليه ما تقدم في (صحيحة زرارة) و لكنّها تضمنت الشهر و هو أعم من الثلاثين، و مثلها (صحيحة معاوية بن وهب و في حسنة أبي أيوب) فإن لم يدر ما يقيم يوماً أو أكثر فليعد ثلاثين يوماً و الظاهر حملا إطلاق الروايتين الأوليين على الحسنة المذكورة.

و الشرط الرابع (عدم كون السفر عمله) المشهور بين الأصحاب التعبير عن هذا الشرط بكثير السفر و هو من يزيد سفره على حضره و الموجود في الأخبار نفي التقصير عن أفراد معدودة كالملاح و المكاري و البريد و الجمال و الراعي معللا في بعض الأخبار

[بأن بيوتهم معهم]

و في بعض آخر

[بأنه عملهم]

و ظاهر الأخبار المذكورة الرجوع إلى صدق اسم المكاري و نحوه و كذا صدق كون السفر عمله فيتعلق به الحكم بعد ذلك و يجب عليهم التمام حينئذ.

(إلا المكاري إذا جدّ به السير) فيقصر حال جدّ السير به و شدته ثم يرجع إلى التمام بعد ذلك و هذا الاستثناء وقع في (صحيحتي محمّد بن مسلم و الفضل بن عبد الملك) حيث تضمنت الأولى أن المكاري و الجمال إذا جدّ بهما السير فليقصرا.

و الثانية: المكارين الذين يختلفون إذا جدّوا السير فليقصروا و الأظهر أن المراد بجدّ السير هو الزيادة على المقدار المتعارف في سائر أسفارهما غالباً و الحكمة فيه ظاهرة و حينئذ فيخص بهما الأخبار الدالة على وجوب الإتمام عليهما.

____________

[4] فإن أخبار انقطاع السفر بالوصول إلى الملك أو المنزل الذي استوطنه ستة أشهر و أو مع عدم الاستيطان يقصر و لا يتم كلها إنّما وردت فيمن سافر و يمر في سفره بضياعه و قراه و منازله أو دار له في قرية أو نحو ذلك كما سمعته من صحيحة محمّد بن بزيع المنقولة و هكذا غيرها و أخبار إقامة العشرة و التردد ثلاثين يوماً إنّما هو إلى من ورد في سفره بلداً من البلدان أو قرية من القرى كما صرحت به صحيحة زرارة المنقولة في الأصل و ليس في شيء منها تعرض لبلده التي خرج منها بالكلية و أخبار بلده التي خرج منها على حده مذكورة مصرح فيها بأنه يتم متى وصل إليها لكن فيها ما ذكرناه من الاختلاف في مكان التمام و سيأتي إن شاء الله تعالى، منه (قدس سره).

167

و احتمل بعض (مشايخنا في ذلك معاني أخر و ظني أن ما ذكرناه) «أقرب».

(أو أقام عشرة أيام) أيضاً فيقصر بعد إقامة العشرة إذا أنشأ سفراً و في عوده إلى التمام بسفرتين أو ثلاث قولان و الموجود في عبارات الأصحاب اشتراط أن لا يقيم في بلده عشرة أيام، و الأخبار التي استدلوا بها على هذا الحكم قد تضمنت كون إقامة العشرة مطلقاً في بلده أو البلد الذي يذهب إليه موجبة لقطع التمام و العود إلى التقصير منها (مرسلة يونس) عن بعض رجاله

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن حد المكاري الذي يصوم و يتم قال: [أيما مكاري أقام في منزله أو البلد الذي يدخله أكثر من عشرة أيام فعليه التقصير و الإفطار].

و مثلها (صحيحة عبد الله بن سنان) و غيرها.

و هذه الروايات موردها المكاري خاصة و الأصحاب قد أطلقوا الحكم في الجميع و هو مشكل.

و من ثم احتمل في (المعتبر) قصر الحكم عليه و نقله في (الشرائع) قولان.

و كيف كان فالجمع بين صلاتي القصر و الإتمام في الثاني و هو أقام عشرة أيام أحوط، و وجه الاحتياط هنا استفاضة الأخبار بوجوب الإتمام على هؤلاء معلّلا بأن بيوتهم معهم و أنّه عملهم و قضية التعليل وجوب الإتمام ما صدق الحكم و عدم زواله إلّا بزواله.

و الأخبار الدالة على الرجوع إلى التقصير لا تخلو من ضعف في السند أو الدلالة و تخصيص تلك الأخبار بها مع ما علم من صحتها و صراحتها و استفاضتها مشكل سيما مع تحقق الخلاف في الرجوع إلى الإتمام بالسفرتين أو الثلاث و عدم تضمن الدليل لشيء من ذلك.

و اختصاص أخبار المسألة بالمكاري و هم قد عمموا الحكم في الجميع.

و الشرط الخامس (كون السفر) الذي قصده (سائغاً) شرعاً فلا يترخص العاصي بسفره و الأخبار بذلك مستفيضة.

و منها (صحيحة عمار بن مروان)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: [من سار فقصر و أفطر إلا أن يكون رجلا سفره إلى صيد أو في معصية الله تعالى أو رسوله لمن يعصي الله أو في طلب شحناء أو سعاية أو ضرر على قوم من المسلمين].

و (موثقة عبيد بن زرارة) قال

سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يخرج إلى الصيد [5] أ يقصر أم يتمّ قال: [يتم لأنّه ليس بمسير حق].

و غيرهما من الأخبار.

و المستفاد من ظاهر هذين الخبرين المذكورين عموم الحكم بالنسبة إلى كل سفر حرام إما لتحريم غايته كالمسافر لقطع الطريق أو لأجل قتل مسلم أو نحو ذلك أو لتحريم السفر في نفسه و إن كان غايته طاعة أو أمراً جائزاً كمن سلك طريقاً يغلب على ظنه الهلاك فيه قاصداً للحج و الزيارات و تارك الجمعة بعد وجوبها و الفار من الزحف و نحو ذلك.

و ظاهر إطلاقات الأصحاب يقتضي التعميم أيضاً.

و استشكال (شيخنا الشهيد الثاني [6] في هذا المقام الظاهر أنّه لا وجه له ثم إنّه قد صرح جمع من الأصحاب بأنّه لو رجع المسافر العاصي عن المعصية في أثناء السفر يقصر إن كان الباقي مسافة و لا إشكال فيه و كذا لو قصد المعصية في أثناء السفر المباح انقطع ترخصه و وجب عليه التمام و لو عاد إلى الطاعة قصر.

و هل يعتبر حينئذ كون الباقي مسافة؟ قيل نعم لبطلان المسافة الأولى بقصد المعصية و قيل لا و هو «الأظهر و عليه الأكثر» لأن المانع من التقصير إنّما كانت المعصية و قد زالت و يدل عليه ما رواه (الشيخ) عن (السياري) عن بعض (أهل العسكر) قال

خرج عن أبي الحسن (عليه السلام) [أن صاحب الصيد يقصر

____________

[5] و الحكم بالتقصير على من خرج للصيد في هذين الخبرين محمول على من قصد به اللهو و اللعب دون تحصيل قوته و قوت عياله أو التجارة به لما دل عليه صحيح عمر بن محمّد القمي عن بعض أصحابنا

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: الرجل يخرج إلى الصيد مسيرة يوم أو يومين يقصر أو يتم قال: إن خرج لقوته أو لقوت عياله فليفطر و يقصر و إن خرج لطلب الفضول فلا و لا كرامة،

منه (قدس سره).

[6] حيث إنّه في كتاب روض الجنان خص الشرط المذكور بما إذا كان غاية السفر المعصية دون ما إذا كان نفسه معصية محتجاً بأن لو تم ذلك للزم أن لا يكون السفر إلا لأوحدي الناس تعلم العلم لأنّه يجب على النّاس الواجب عينا أو كفاية و أن الأمر في هذا الواجب أقوى من الوجوب في صلاة الجمعة إذا سافر عنها للتجارة و نحوها.

و فيه أولًا أن ظاهر الروايتين المذكورتين كما ذكرناه العموم و ثانياً: أن ما ذكره من التحريم للسفر على من وجب عليه تحصيل العلم إنّما يترتب على المسألة الأصولية و هي أن الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده الخاص و هو لا يقول به كما صرح به في الكتاب المتقدم ذكره و ثالثاً: أن ما ادعاه من وجوب التعلم إن أراد به بناءً على ما ادعوه من أن لا بد من البناء على العبادات على الاجتهاد أو التقليد و أنّه لا يصح شيء من أفعال الصلاة و واجباتها و مستحباتها ما لم يكن كذلك فهو مما لا دليل كما أوضحناه في محل أليق و إن أراد ما يجب تعلمه على الجمهور في الجملة فهو قليل لا يحصل للكثير من الناس و رابعاً: أنّه لا منافاة و لا مضارة بين السفر و التعلم حتى يلزم من السفر ما ذكره، من كلامه زيد في مقامه.

168

ما دام على الجادة فإذا عدل عن الجادة أتم و إذا رجع إليها قصر]

[7].

و الشرط السادس: (خفاء الأذان عنه) بحيث يصل إلى موضع لا يسمع فيه أذان البلد الذي سافر منه و يدل عليه (صحيحة عبد الله بن سنان)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه سأله عن التقصير؟ فقال: [إذا كنت في الموضع الذي لا يسمع الأذان فقصّر و إذا قدمت من سفرك مثل ذلك].

و إطلاق الرواية شامل لما لو وقع من نهاية البلد و المعتبر هو التوسط المتعارف [أو التواري من البيوت]. هذا صورة لفظ الخبر و هو على حذف مضاف أي [التواري من أهل البيوت] مثل و اسأل القرية و الأصحاب قد عبروا بخفاء البيوت، و الأصل في ذلك (صحيحة محمّد بن مسلم) قال

قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يريد السفر فيخرج متى يقصر؟ قال: [إذا توارى من البيت].

و الأصحاب قد اختلفوا في الجمع بين الخبرين المذكورين [8] فبعض اشترط الأمرين معاً بتقييد أحدهما بالآخر «و هو بعيد جدّاً» بل ربما لزم منه تأخير البيان عن وقت الحاجة، و أيضاً فإن تعبيرهم بخفاء البيوت يزيد في البعد و الآخرون ذهبوا إلى التخيير كما اخترناه و هو «الأظهر لما عرفت» و ما ذكرناه من اشتراط القصر بالشرط المذكور هو المشهور [9].

و نقل عن (علي بن الحسين بن بابويه) قال: «إذا خرجت من منزلك فقصر إلى أن تعود إليه».

و لعل مستنده ما رواه في (الفقيه مرسلا) حيث قال: روي

عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال: [إذا خرجت من منزلك فقصر إلى أن تعود إليه].

فهذه جملة من الشروط الموجبة للتقصير على المسافر (فلا يجوز الإتمام بعد استكمال هذه الشروط) اتفاقاً نصاً و فتوى، إلا فيما استثنى مما سيأتي بيانه كما (لا يجوز القصر مع فقد شيء منها) اتفاقاً نصاً و فتوى فهذان ضابطان كليان يعمل عليهما في وجوب القصر و الإتمام (إلا ما استثني أولا بالنسبة إلى الثاني) و هو عدم جواز القصر مع اختلال شيء من الشروط.

و أريد بالمستثنى أولا من جد به السير أو أقام عشرة أيام فإن حكمه التقصير مع أنّه فاقد لبعض الشروط و هو عدم كون السفر عمله.

(أو كان جاهلا بالحكم على الأظهر في الموضعين) المذكورين أما جاهل الحكم بالنسبة إلى الموضع الأول و هو من أتم جاهلا بالحكم مع استكمال الشرائط الموجبة للقصر فإن المشهور صحة صلاته و قيل بوجوب الإعادة عليه في الوقت و هو ضعيف و يدل على المشهور (صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم) المتقدمة في صدر «المقصد».

و أما جاهل الحكم بالنسبة إلى الموضع الثاني و هو من قصر جاهلا مع فقد بعض شرائط التقصير فإن «الأظهر صحة صلاته أيضا» [10].

و يدل عليه (صحيحة منصور بن حازم)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: [إذا أتيت بلداً و عزمت [11] المقام عشرة أيام فأتم الصلاة فإن تركه جاهلا فليس عليه الإعادة]

و بعض (فضلاء متأخري المتأخرين) قصر الحكم على مورد الرواية.

و ألحق عمومه للأخبار المستفيضة الدالة على معذورية الجاهل مطلقاً كما بسطنا الكلام عليه في (كتاب الدرر النجفية).

(أو كان ناسياً و قد خرج الوقت على الأول) هذا مما يستثني أيضاً من الضابط الأول و هو عدم جواز التمام لمن استكمل الشروط المذكورة في التقصير فإنه لو أتم ناسياً في موضع يجب عليه التقصير أعاد في الوقت و إلا فلا و هو المشهور و على ذلك تدل رواية (أبي بصير) قال

سألته عن رجل نسي فصلى في السفر أربع ركعات قال: [إن ذكر في ذلك اليوم فليعد و إن لم يذكر حتى يمضي اليوم فلا إعادة عليه]

[12] و بمضمون هذه الرواية

____________

[7] و هذا الخبر قد فسره الشيخ و من أتى بعده بأنه إذا سافر لغير قصد الصيد ثم عدل إلى قصد الصيد عن الطريق فإنّه يتم، ثم إذا عدل إلى الجادة و ترك الصيد قصر و هكذا «و الأظهر حمل الجادة على الطريق الشرعي لا الطريق المتعارف» و حينئذ فمعنى الخبر أن المسافر للصيد يقصر ما دام على الطريق الشرعي و هو السفر المباح فإذا عدل عنه قصر و هكذا من إفاضاته أعلى الله مقامه.

[8] و ذلك فإن خفاء البيوت لا يحصل إلا بعد قطع مسافة كبيرة بحيث تزيد عن خفاء الأذان بكثير بخلاف المتواري من البيوت أي الذي لا يراه أحد من أهل البلد فإنّه قريب مع خفاء الأذان و عليه يجتمع الحديثان، منه (قدس سره).

[9] أي خفاء الأذان و التخيير المذكور الذي اختاره المصنف (قدس سره) هو يكون بين خفاء الأذان و المتواري من البيوت فإن القاصد إلى السفر بالمسافة الشرعية يقصر إذا كان كذلك و قال شيخنا في هذا الصدد ما هذا لفظه «و الأقوى أن يتوارى هو عن جدران بلده أو يخفى عنه أذانه، و مثله في العود على المشهور و الأقوى أنّه حتى يدخل منزله إن كان ذا منزل، و إلا فكالمشهور، و لا عبرة بالسور و لا بالقباب و المنائر و الأشياء المرتفعة و لا المنخفضة فيقدم معها الأوسط و الاستواء و لا فرق بين المصر الأكبر و الأصغر» انتهى كلامه زيد في مقامه.

س ع ص 305.

[10] و هو اختيار الشيخ مجيب الدين يحيى بن سعيد صاحب الجامع «و قيل بالعدم لعدم حصول الامتثال المقتضي للإعادة و ألحق بعضهم بالجاهل ناسي الإقامة فحكم بأنه لا إعادة عليه أيضاً و فيه خروج عن النصوص»، منه (قدس سره).

[11] في نسخة ع و أزمعت.

[12] أقول: قد طعن جمع من الأصحاب في رواية أبي بصير من حيث الدلالة بأن اليوم إن كان المراد به بياض اليوم النّهار كان حكم العشاء غير مذكور في الرواية و إن كان المراد بياض النهار و الليلة المقبلة كل ما تضمنته في النهار للمشهور.

أقول: من المحتمل قريبا أن هذه العبارة إنّما أريد بها في هذا المقام بالنسبة إلى الوقت و عدمه فكأنه قال: إن ذكر في الوقت فليعد و إن لم يذكر حتى يمضي الوقت فلا إعادة عليه و ارتكاب هذا التأويل فيها أظهر من سائر ما تحملوه و التجوز بمثل هذا في معاني الأخبار غير عزيز كما لا يخفى على من جاس خلال الديار فتكون الرواية على هذا شاملة للظهرين و العشاء، منه (قدس سره).

169

أفتى في (المقنع) و نقل عن (أبيه) و عن (الشيخ في المبسوط) الإعادة مطلقاً و يدل على ما ذكرناه أيضاً (صحيحة العيص بن قاسم) [13] يحملها على الناسي.

(أو كان قد دخل من سفره على تردد) على تقدير الضابط (الثاني) فإنّه مقتضى الضابط الثاني الذي هو عبارة عن عدم جواز القصر من فقد شيئاً من الشرائط أنّه يجب على المسافر القصر في رجوعه إلى بلده حتى يصل إلى موضع الترخص الذي ذكرناه فيتجاوزه فيحصل له سماع الأذان أو رؤية أهل البيوت إلا أنّه قد وردت هنا أخبار عديدة بأنه يجب عليه التقصير حتى يدخل منزله، و إنّما يجب عليه التمام في منزله و نقل القول بذلك عن (المرتضى و علي بن الحسين بن بابويه و ابن الجنيد) فمن الأخبار المذكورة (صحيحة العيص بن قاسم)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: [لا يزال المسافر مقصراً حتى يدخل بيته].

و (موثقة إسحاق بن عمار

عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يكون مسافراً ثم يقدم فيدخل بيوت (الكوفة) أ يتم الصلاة أم يكون مقصراً حتى يدخل أهله؟ قال: [بل يكون مسافراً مقصراً حتى يدخل أهله]

و في (صحيحة معاوية بن عمار)

عن أبي عبد الله (عليه السلام) [أن أهل (مكة) إذا زاروا البيت و دخلوا منازلهم أتموا و إذا لم يدخلوا منازلهم قصروا].

و مثلها بالنسبة إلى (أهل مكة) أيضاً (صحيحة الحلبي).

و الأصحاب قد تأولوا ما نقلوه من هذه الأخبار بالحمل على موضع يسمع الأذان أو يرى الجدران و هو بعيد عن ظواهرها و حينئذ فمقتضى هذه الأخبار يكون هذا الحكم مستثنى من الضابط الثاني إلا أنّه لا يخلو من تردد لما تقدم من دلالة (صحيحة عبد الله بن سنان على وجوب الإتمام بسماع الأذان لقوله فيها

[و إذا قدمت من سفرك مثل ذلك]

و جملة من (متأخري المتأخرين) احتملوا الجمع بين الأخبار بالتخيير و هو ممكن إلا أن «الأحوط أما الصلاة قصراً قبل تجاوز محل الترخص، أو تأخير الصلاة حتى يدخل أهله فيصلي تماماً».

(أو كان في أحد المواطن الأربعة) المشهورة على المشهور من القول بالتخيير فيها بين القصر و الإتمام و أفضلية الإتمام «و هو الأظهر» كما استفاضت به الأخبار، و هذا الحكم مستثنى من الضابط الأول.

و ذهب (الصدوق) إلى جعل هذه المواضع كغيرها فأوجب التقصير فيها و حمل الأخبار الدالة على الأمر بالتمام فيها على قصد الإقامة كما يدل عليه بعض الأخبار الواردة في (الحرمين) خاصة و الأصحاب حملوا الأخبار الدالة على القصر و هي التي استند إليها (الصدوق) على كون ذلك باختيار أحد الفردين المخبرين و التحقيق أن كل من التأويلين بعيد عن مساق الأخبار، بل أخبار القصر ناصة على وجوبه و تعينه بخصوصه من حيث كونه أحد فردي المخبر كما زعموه و أخبار التمام أيضاً ناصة على كون الأفضل ذلك لا مع نية الإقامة كما ادعاه (الصدوق) بل و لو يوماً واحداً.

و لنا في المسألة رسالة جيدة قد استوفينا فيها الأخبار الواردة في المقام، و أحطنا فيها بأطراف الكلام بإبرام النقض و نقض الإبرام بما لم يسبق إليه سابق من علمائنا الأعلام.

و نقل عن (المرتضى و ابن الجنيد) أنّهما طردا الحكم في المشاهد المشرفة [14].

مسائل

المسألة الأولى: (ناوي الإقامة بعد صلاة فريضة على التمام ليس له التقصير حتى يقصد المسافة إجماعاً نصاً و فتوى)

و المستند في هذا الحكم

(صحيحة أبي ولاد الخياط) قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):

____________

[13] و هي ما رواه في الصحيح

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل صلى و هو مسافر فأتم الصلاة قال: إن كان في وقت فليعد و إن كان الوقت قد مضى فلا،

وجه الاستدلال بها أن الحكم فيها شامل بإطلاقها للعامد و الجاهل و الناسي خرج الأولان منها بالأدلة الدالة على الإعادة في الأول و العدم في الثاني فبقي الناسي من غير معارض بل يكفي في المقام دلالتها باختلافها على حكم الناسي و إن فرضنا شمولها لغيره أيضاً، منه (قدس سره).

[14] و جاء عن شيخنا في «شرط تحتم القصر أن لا يكون بمكة و لا المدينة و لا مسجد الكوفة و لا الحائر الحسيني بل الحرم له أجمع، و مشاهد الأئمة (عليهم السلام) على الأحوط» س ع/ 306.

170

إني كنت نويت حين دخلت المدينة أن أقيم بها عشرة أيام فأتم الصلاة ثم بدا لي بعد أن لا أقيم بها فما ترى لي أتم أم أقصر؟ قال: [إن كنت دخلت المدينة و صليت بها صلاة فريضة واحدة بتمام فليس لك أن تقصر حتى تخرج منها و إن كنت حين دخلتها على نيتك المقام و لم تصل فيها صلاة فريضة بتمام حتى بدا لك أن لا تقيم في تلك الحالة بالخيار إن شئت فانو المقام عشراً أو أتم و إن لم تنو المقام عشراً فقصر ما بينك و بين شهر فإذا مضى لك شهر فأتم الصلاة].

و في هذا المقام

فوائد:

الفائدة الأولى

أن ظاهر إطلاق قوله (عليه السلام) في (الصحيحة المذكورة) حتى بدا لك أن لا تقيم أنّه مجرد العدول عن نية الإقامة قبل الصلاة على التمام سواء كان بقصد المسافة أو بالتردد بالإقامة و عدمها يلزمه الرجوع إلى التقصير ما لم ينو إقامة عشرة غير الأولى، و هذا هو المعروف من مذهب الأصحاب لا نعلم فيه خلافاً إلا أنّه يظهر من كلام (شيخنا الشهيد الثاني) احتمال أن مجرد العدول عن النية السابقة قبل الصلاة لا يقتضي التقصير ما لم يقصد مسافة قال: «لإطلاق النص و الفتوى بأن نية الإقامة تقطع السفر فيبطل حكم ما سبق كما لو وصل إلى وطنه» و أيد هذا الاحتمال بعض (أفاضل متأخري المتأخرين) بأن (الراوي كوفي) «و الظاهر من حاله أن عدوله عن الإقامة إنّما يكون بالسفر إلى (الكوفة)».

و حينئذ فلا تنهض للرواية حجة في كون مجرد العدول موجباً للقصر من غير قصد المسافة.

و المسألة لذلك لا تخلو من إشكال.

الفائدة الثانية

أنّه لا ريب في الانقطاع بالصلاة المقصورة إذا صليتها تماماً بعد نية الإقامة أما لو صلى غيرها من المغرب أو الصبح بعد نية الإقامة فهل يكفي في الانقطاع لم أقف على مصرح بذلك من الأصحاب نفياً أو إثباتاً و الرواية محتملة لكل من الأمرين باعتبار قوله

[صليت فريضة واحدة بتمام]

فإنّه يحتمل أن يكون المعنى صليت فريضة مقصورة بتمام.

و حينئذ فلا يثبت الحكم بصلاة غير المقصورة و يحتمل أن يكون المعنى صليت فريضة واحدة بعد قصد الإتمام في المقصورات، و الظاهر بعده فلا يتعلق الحكم بإتمام إحدى المقصورات خاصة [15].

الفائدة الثالثة:

الأظهر أنّه لا يلحق بالصلاة الفريضة الصوم الواجب لأن الحكم في النص إنّما علق على الصلاة و هو شامل لمن صام أو لم يصم فيكون الحكم بإطلاق النص ثابتاً في الصورتين فإلحاق غيره به قياس ليس من مذهبنا و ما اعتمده القائل بذلك من الأدلة التي أوردها مدخولة مردودة بما أوضحه جملة من (أفاضل متأخري المتأخرين).

الفائدة الرابعة:

لو نوى الإقامة عشراً في أثناء الصلاة المقصورة فأتمها، ففي الاجتزاء بها و عدمه وجهان رجح أولهما (شيخنا الشهيد في الذكرى).

المسألة الثانية (المشهور اشتراط التوالي في العشرة)

يعني أنّه لا يجوز أن يخرج في أثنائها إلى ما دون المسافة و لو إلى محل الترخص فلو خرج قطع إقامته بل صرحوا بأنّه لو نوى ذلك في أصل نية الإقامة أبطلها و استدل على ذلك بأنّه المتبادر من الأخبار يعني أن المتبادر من إقامة العشرة في مكان كونها متوالية في ذلك المكان لا متفرقة كما قالوا (عليهم السلام)

[أقل الحيض ثلاثة و أقل الطهر عشرة].

فإن الظاهر من جميع ذلك البناء على التمام و عدم بطلانه إلا بقصد المسافة.

(و هو) أي ما ذكروه من اشتراط التوالي على الوجه المذكور (مدافع للحكم الأول) فإن الحكم الأول الذي تضمنته (المسألة الأولى) دالة على أنّه متى نوى إقامة العشرة و صلى فريضة واحدة بالتمام وجب عليه التمام

____________

[15] بمعنى أنّه بناء على هذا الاحتمال لا يتعلق الحكم، منه (قدس سره).

171

حتى يقصد المسافة خرج في ضمن العشرة أو لم يخرج، و مقتضى اشتراط التوالي في العشرة أنّه بالخروج إلى الموضع المذكور تبطل الإقامة و مقتضى بطلانها بطلان الصلاة تماماً و وجب القصر و إن كان قد صلى تماماً بتلك النية و هو (ظاهر) المدافعة للحكم الأول (إلا أن يقيد) الحكم الأول (به) أي بهذا الاشتراط بمعنى أنّه يشترط في وجوب التمام و دوامة نية الإقامة و الصلاة تماماً و عدم الخروج من موضع الإقامة على الوجه المذكور.

(أو يسند وجوب الاستمرار على التمام إلى الصلاة لا إلى النية) يعني أن يقال: إن نية الإقامة قد انقضت و بطلت بالخروج عن موضع الإقامة و وجب البقاء على التمام إنّما هو بسبب الصلاة تماماً بعد تلك النية، فعلى هذا تقصير الصلاة تماماً شرطاً في دوام التمام، و هذا الوجه الأخير مما رأيته بخط (والدي (قدس سره) مجيباً به عن الإشكال المذكور «و هو جيد».

إلا أن الذي يظهر من الخلاف في المسألة و نقل الأقوال فيها و إن من جملتها القول بالبقاء على التمام حتى يقصد المسافة كما قدمنا نقله و هو أن مراد القائل بانقطاع نية الإقامة إنّما هو وجوب الرجوع إلى التقصير و إلا لما كان هذا القول مغايراً لذلك كما لا يخفى.

تنبيه

المستفاد من الأخبار و كلام الأصحاب من غير خلاف يعرف في الموضعين أن حدود البلد التي تعلقت بها الأحكام الشرعية قصراً و إتماماً دخولًا و خروجاً و إقامة عبارة عن مواضع الترخص المقدمة و حينئذ فما توهمه جملة من (المعاصرين) من بطلان الإقامة بالخروج إلى خارج سور البلد أو نحو ذلك مما لم يبلغ محل الترخص غفلة واضحة كما لا يخفى [16].

المسألة الثالثة: المقيم (الخارج بعد العشرة) أو في أثنائها

(إلى ما دون المسافة) مما يزيد على محل الترخص (إن عزم العود) إلى موضع الإمامة بعد خروجه (و الإقامة) فيه (ثانياً أثم مطلقاً) أي في حال الذهاب و الإياب و في الموضع الذي ذهب إليه و في محل الإقامة لأنّه بنية التمام و الصلاة تماماً قد وجب عليه الصلاة تماماً حتى يقصد المسافة.

(و إلا) أي و إن لم يقصد الإقامة ثانياً.

فأقوال: أحدها: ما نقل عن (العلامة) من وجوب التقصير بمجرد الخروج معللا ذلك ببطلان حكم البلد بالمفارقة فيعود إليه حكم السفر و لا خفي في ضعفه لمنافاته الرواية (الصحيحة) الدالة على وجوب الإتمام بعد النية و الصلاة تماماً إلى أن يقصد المسافة.

نعم لو كان عزمه بعد العود قصد المسافة أمكن ذلك إلا أن جمعاً من الأصحاب نقلوا الإجماع على عدم ضم الذهاب إلى الإياب بغير قصد الأربعة الفراسخ، فإن تم و إلا كان ما ذكره متجهاً في خصوص هذا الفرد.

و منها: وجوب الإتمام في الذهاب و تقصير في الرجوع و هو على إطلاقه مشكل لأنّه إنّما يتم بالنسبة إلى من قصد بعد العود المسافة دون من رجع ذاهلا و متردداً، أو كيف كان فإن هذه الأقوال (أظهرها) هو أنّه (إن عزم العود و قصد المسافة) بعد عوده (أتم في الذهاب) خاصة دون العود على إشكال في ذلك أيضاً و ذاك لأن الإتمام في الذهاب

____________

[16] نعم قد ورد كما تقدم بالنسبة إلى المسافر القادم وجوب القصر إلى أن يدخل أهله و هو على تقدير القول به يكون مستثنى من القاعدة المذكورة، منه (قدس سره).

172

و القصر في العود مبني على الإجماع المدعى على عدم ضم الذهاب إلى الإياب في غير قصد الأربعة الفراسخ و ثبوت الأحكام «عندنا» بمثل هذه الإجماعات سيما مع خلو كلام المتقدمين عنها في غاية الإشكال و متى أغمضنا النظر عن الإجماع كان الواجب القصر بمجرد الخروج كما هو المنقول عن (العلامة).

(و قصر في العود) لأنّه بعوده و إرادة قصد المسافة يصير مسافراً فيجب عليه القصر.

(و) كذا يقصر في (محل الإقامة على تردد) في الموضعين ينشأ من أنّه برجوعه قصد المفارقة لموضع الإقامة، و السفر عنه يكون قاصراً للمسافة، فيقصر من حين رجوعه.

و بذلك جزم جملة من (متأخري) أصحابنا و (متأخري المتأخرين) و من احتمال البقاء على التمام حتى يفارق موضع إقامته و يصير اعتبار قصد المسافة إنّما هو منه حيث إنّه بالإقامة فيه صار في حكم البلد و هذا هو ظاهر كلام (العلامة (قدس سره) في أجوبة مسائل السيد السعيد مهنا بن سنان المدني).

و المسألة خالية من النص و الاحتمال لأنّه متقابلان و إن كان للأول نوع قوة و رجحان هذا إن عزم العود و قصد المسافة (و أما إن عزم العود ذاهلا) عن السفر و الإقامة (أو متردداً) بين السفر و الإقامة (أتم مطلقاً) في الذهاب و الإياب و المكان الذي قصده في موضع الإقامة بعد الرجوع إليه عملا (بالصحيحة) الدالة على أنّه بنية الإقامة و الصلاة على التمام يجب البقاء على التمام ينشأ سفراً و الخارج من محل الإقامة على هذا الحال لم يحصل له قصد مسافة فيبقى على وجوب التمام (و الاحتياط في موضع التوقف) بالجمع بين الفريضتين (أولى) بل لا يبعد وجوبه.

و في (المسألة تفصيلات) و شقوق عديدة (لا يليق بهذا الإملاء) و من أرادها فليطلبها من (رسالة شيخنا الشهيد الثاني) في المسألة المذكورة.

المسألة الرابعة: (فيمن دخل عليه الوقت حاضراً)

بحيث لم يصل إلى محل الترخص و الحال بأنه لم يصل إلى أن سافر و تجاوز محل الترخص.

(أو بالعكس) بأن دخل عليه الوقت في السفر و لم يصل حتى حضر (أقوال) أحدها: اعتبار الأداء في الموضعين.

و ثانيها: القول بالتخيير.

و ثالثها: القول بالتفصيل بالسعة في [17] الوقت و عدمها فإن اتسع الوقت صلى تماما و إلا صلى قصراً.

و رابعها: الاعتبار بحال الوجوب في الشق الأول و بحال الأداء في الثاني فيتم في الحالين معاً.

و خامسها: عكسه فيقصر في الحالين معاً.

و هذه الأقوال (أظهرها) عندي (الاعتبار بحال الأداء في الموضعين) و إليه مال جملة من (متأخري المتأخرين).

وجه الأظهرية أولا: دلالة (صحيحة إسماعيل بن جابر) قال

قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): يدخل عليّ وقت الصلاة و أنا في السفر فلا أصلي حتى أدخل أهلي؟ قال: [صل و أتم الصلاة قلت: فدخل علي وقت الصلاة في أهلي و أريد السفر فلا أصلي حتى أخرج فقال: صل و قصر و إن لم تفعل خالفت الله و رسول الله (صلى الله عليه و آله)].

و مثلها روايات أخر أيضاً و لا يخفى ما فيها من النص الصريح على الحكم المذكور.

و ثانياً: عموم الأدلة الدالة على وجوب القصر على المسافر و الإتمام على الحاضر فإنّها شاملة لمن كان كذلك.

و ثالثاً: الأخبار الدالة على وجوب القصر في الخروج ببلوغ محل الترخص و الإتمام في الدخول بوصوله و وصول المنزل.

و هذا داخل فيها [18] دخولا و خروجاً.

و أما الأخبار التي استدل بها على بقية أقوال المسألة فلا صراحة في شيء منها في الدلالة على ما ادعي منها كما حققناه ذلك في (كتاب المسائل).

المسألة الخامسة: (يستحب جبر الصلاة المقصورة بالتسبيحات الأربع في دبرها ثلاثين مرة)

و الأصل في هذا الحكم رواية (سليمان بن حفص المروزي) قال

قال الفقيه العسكري (عليه السلام) [يجب على المسافر أن يقول في دبر كل صلاة يقصر فيها «سبحان الله و الحمد لله

____________

[17] في نسخة م كافي للوقت.

[18] في نسخة م و هذا إذا أخل فيها.

173

و لا إله إلا الله و الله أكبر ثلاثين مرة».

و إطلاق الوجوب في الرواية محمول على المبالغة في تأكيد الاستحباب أو يحمل على المعنى اللغوي [19].

خاتمة

[20] اللهم أجبر تقصيرنا بغفرانك، و بدل إساءتنا بإحسانك و ارزقنا حلاوة رضوانك و أوزعنا شكر امتنانك و أسكنّا فسيح جنانك.

و هذا ما سمحت به القريحة الجامدة و الرؤية الخامدة [21] على توزع البال و ترادف الأشغال و كتبه بيمناه الفانية الداثرة أعطاه الله تعالى كتابه بها في الآخرة، فقير ربه الكريم يوسف بن أحمد بن إبراهيم البحراني في كربلاء المعلى بتاريخ سابع عشر شهر ربيع الثاني سنة 1170 إلى هنا صورة خط المصنف الشارح و فرغ من نقله من خطه دام الله أيام إفاداته العبد المقصر الذي يرده المشتري علي بن علي التستري عفى الله عنه في الثالث و العشرين من شهر جمادى الثاني سنة 1175 و الحمد لله أولًا و آخراً و صلى الله على محمّد و آله الطاهرين.

استدراك في ص 38 قال (قدس سره): «المشهور بين أصحابنا (رضوان الله عليهم) للآية و الأخبار كما بسطنا الكلام عليه في (كتاب الحدائق) و إنّما أثر هذه العبارة دون أن يقول خط المصحب إشارة إلى شمول الحكم و إن لم يكن في مصحف».

سقط من الأصل في الطبع في ص 59 قال: (قدس سره) في نقله عن الشهيد في الذكرى: «روى (محمّد بن همام) بإسناده إلى (إدريس بن يزادان)».

هذا ما يوجد في أصل النسخ و أما الموجود في الكتاب من زيادة (الكفرثوثي) فإنّه وفق ما جاء في (الذكرى).

و قد تكون النسخة التي وجدت عند المصنف (قدس سره) لم تكن الزيادة فيها لما رتبه من المجهولية في ص 60 بالنسبة إلى الراوي.

«و أثر تتبعنا للمنقول كتبناه بما هو موجود».

في ص 62 قد أشار المصنف (قدس سره) إلى رواية (علي بن جعفر) و ل(صحيحة أخرى) في مسألة عدم طهارة الموضع الذي يصيبه البول أو نحوه إذا جف و لكن لم يذكرها فاستدركنا ذكرها.

عن (محمّد بن علي بن الحسين) بإسناده عن (علي بن جعفر) أنّه

سأل أخاه موسى بن جعفر (عليه السلام) عن البيت و الدار لا يصيبها الشمس و يصيبها البول، و يغتسل فيها من الجنابة أ يصلى فيهما إذا جفا؟ قال: [نعم]،

مروية في (كتاب قرب الإسناد) و في (الوسائل).

و أما (صحيحة علي بن جعفر) الأخرى قال

سألته عن البواري يبل قصبها بماءِ قدر أ يصلى عليه؟ قال: [إذا يبست فلا بأس].

أيضاً مروي عنهما إلا أن (قرب الإسناد) قد زاد في السند.

في ص 67 للمصنف (قدس سره) على قوله (من بول غير الرضيعين و إلا فالصب) له زيادة محشاة ظاهر المشهور بين الأصحاب: هو تخصيص الصب بالصبي دون الصبية فألحقوها بالبالغ في وجوب الغسل، مع أن (حسنة الحلبي) قد صرحت بأنهما سواء في ذلك و ما تأولها في (المعتبر) من التسوية في أهل النجاسة «بعيد غاية البعد» كما لا يخفى.

في ص 69 نقل المصنف (قدس سره) رواية و قد اقتصر على موضع الحاجة في النقل أولا ثم أتمها في موضع آخر فتكون الرواية الكاملة المستدل بها عنه (عليه السلام)

[يغسل سبع مرات و كذلك الكلب].

في ص 84 للمصنف (قدس سره) حاشية على قوله «و هو عبارة عن ميلها عن دائرة النصف».

و هي دائرة عظيمة معلومة تفصل بين المشرق و المغرب و قطبها منتصف النصف الشرقي، و منتصف النصف الغربي من الأفق و هما نقطتا المشرق و المغرب كذا حققه شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره).

في ص 84 للمصنف (قدس سره) إفادة محشاة على قوله «العلامة في البلاد التي لا يعدم فيها الظل».

و عرض البلد عبارة عن أن يعدم الظل عن خط الاستواء و هو جهة الجنوب لأن عرض البلدان التي في الربع المسكون من خط الاستواء إلى منتهى الربع في جهة الشمال و الطول عندهم عبارة عن ساحل البحر الغربي أو الجزائر الخالدات من طرف المغرب إلى منتهاها من الجانب الشرقي و هو كذلك.

في ص 87 للمصنف (قدس سره) حاشية تذكر على قوله «إلى غير ذلك من الفروع».

فمن ذلك ما لو صلى الظهر في آخر الوقت ظاناً سعته الظهر و العصر ثم تبين الخطأ و وقوع الظهر في الوقت المختص بالعصر فإنّه يجب عليه حينئذ قضاؤهما معاً بناء على القول بالاختصاص دون الاشتراك.

و منه ما لو ظن ضيق الوقت إلا عن أداء العصر فإنّه تجب عليه صلاة العصر فلو صلى ثم تبين له الخطأ و لم يبق إلا مقدار ركعة مثلا فإنّه يجب عليه الإتيان بالظهر أداء على القول بالاشتراك خاصة.

في ص 87 قد استدرك المصنف (قدس سره) بحاشية على قوله «قد تتبعنا كتابه فلم نقف على ما نسبه إليه من التصريح بذلك، و الله العالم.»

أقول: قد وفق الله سبحانه و تعالى للوقوف على ما نقله (قدس سره) من كلام (الصدوق في الفقيه) حيث قال: «و من فاتته الظهر و العصر فإن بقي بمقدار ما يصلي إحديهما بدأ بالعصر» انتهى.

و صرح أيضاً قبل هذا الكلام أنّه إذا نسي الظهر و العصر ثم ذكر عند غروب الشمس أنّه يصليهما معاً إن كان لا يخاف فوت إحداهما، و إن خاف فوت إحداهما، بدأ بالعصر و هو صريح فيما نقله (قدس سره).

في ص 93 قد أتم المصنف (قدس سره) النقل عن (الفضل بن شاذان (رحمه الله) في كتاب الطلاق) بعد قوله «لا يجب إلا للصلاة» كلما كان واجباً قبل الفرض و بعده فليس ذلك من شرائط الفرض، و لأن ذلك أتى على حدة و الفرض جائز معه و كلما لم يجب إلا مع الفرض و من أجل الفرض فإن ذلك من شرائطه لا يجوز الفرض إلا بذلك، و لكن القوم لا يعرفون و لا يميزون و يريدون أن يلبسوا الحق بالباطل إلى آخر ما ذكره ثمة مزيد.

____________

[19] و قال شيخنا «و يجب جبر الصلاة المقصورة بقوله عقيبها «سبحان الله و الحمد لله و لا إله إلا الله و الله أكبر» ثلاثين مرة. س ع/ 309.

[20] زيادة على الأصل ليتضح ما في الفصل من توضيح.

[21] في نسخة م و الفكرة الخامد.