مستند الشيعة في أحكام الشريعة - ج10

- الشيخ أحمد بن محمد مهدي النراقي المزيد...
576 /
453

للأصل، و مرسلة سعد: عن رجل يكون مريضا في شهر رمضان ثمَّ يصحّ بعد ذلك، فيؤخّر القضاء سنة أو أقلّ من ذلك أو أكثر، ما عليه في ذلك؟ قال: «أحبّ له تعجيل الصيام، فإن كان أخّره فليس عليه شيء» (1).

و الأصل مدفوع، و المرسلة مخصوصة بما ذكر، مضافا إلى صحيحة زرارة و الرضوي المتقدّمتين و غيرهما (2).

و للمحكيّ عن الصدوقين و العماني و المعتبر و الشهيدين و المدارك و الذخيرة و الحدائق (3)، و قيل: هو محتمل كلام المفيد و ابن زهرة و الجامع، فأوجبوا الكفّارة مطلقا.

لإطلاق صحيحة زرارة المتقدّمة و محمّد، بحمل التواني على الترك، سيّما مع مقابلته مع استمرار المرض، و ظهورها في الحصر بين القسمين، و لا يكون ذلك إلا مع تعميم التواني مطلقا.

و رواية أبي بصير (4) بحمل قوله: «عليه أن يقضي الصيام» أي ما بين الرمضانين، و حمل التهاون على ترك ذلك و تأخيره.

و رواية العيّاشي (5) بالتقريب المذكور، و الرضوي (6)، و إطلاق صدر

____________

(1) التهذيب 4: 252- 749، الاستبصار 2: 111- 365، الوسائل 10: 337 أبواب أحكام شهر رمضان ب 25 ح 7.

(2) انظر ص: 442 و 444.

(3) حكاه عن والد الصدوق في الدروس 1: 287، الصدوق في الفقيه 2: 96، حكاه عن العماني في المختلف: 239، المعتبر 2: 698، الشهيد الأول في اللمعة (الروضة 2): 121، الشهيد الثاني في المسالك 1: 78، المدارك 6: 218، الذخيرة: 527، الحدائق 13: 310.

(4) المتقدّمة في ص: 443.

(5) المتقدمة في ص: 444.

(6) المتقدّمة في ص: 444.

454

رواية الكناني (1).

و الجواب عن الصحيحة الأولى بوجوب حمل المطلق على المقيّد، مضافا إلى قصور دلالتها على الوجوب.

و هو الجواب عن الثانية، مضافا إلى أن معنى التواني: التكاسل، الغير الحاصل عرفا مع العزم على القضاء في السعة و طرو المانع، و منع دلالتها على الحصر، و لعلّ ترك القسم الآخر لندرته، و لو سلّم عدم دلالة التواني على التكاسل فلا أقلّ من احتماله المسقط للاستدلال لهذا القول.

و هو الجواب عن الثالثة، مضافا إلى ضعف الرواية الخالي عن الجابر في المقام.

و هو الجواب عن الرابعة، مضافا إلى ما مرّ من وجوب حمل المطلق على المقيّد.

الذي هو الجواب عن الخامسة، مضافا إلى عدم الريب في كونه مجملا، و للمعنى الذي ذكرنا محتملا.

و بالجملة: لا شكّ في فهم العرف من التهاون و التواني- بل اللغة- معنى زائدا على مطلق الترك، فلا وجه للإطلاق، سيّما مع البيان في رواية الوشّاء، و ضعفها بسهل- مع وجودها في الكتاب المعتبر، و انجباره لو كان بدعوى الشهرة المستفيضة- سهل، مع أنّ سهلا كثير الرواية عنهم، و قالوا: اعرفوا منازل الرجال على قدر روايتهم عنّا (2). فالمسألة واضحة بحمد اللّه.

____________

(1) المتقدّمة في ص: 445.

(2) الكافي 1: 50- 13، الوسائل 27: 137 أبواب صفات القاضي ب 11 ح 3، و في المصادر: الناس، بدل: الرجال.

455

فروع:

أ: الكفّارة هنا كما مرّ

في المستمرّ قدرا و محلّا و حكما.

ب: المراد بالتهاون: عدم العزم على الفعل

، سواء عزم على العدم أم لا، كما هو المفهوم عرفا، و المدلول عليه في رواية الوشّاء، و مقتضى الأصل: الاقتصار في تخصيص مطلقات الكفّارة بالمتيقّن، الذي هو العزم على الفعل.

ج: قال في الحدائق- بعد بيان أنّ المستفاد من الأخبار أنّ وقت القضاء ما بين الرمضانين-:

و على هذا فلو تمكّن من القضاء و أخلّ به، ثمَّ عرض له سفر لا يتمكن معه من القضاء في ذلك الوقت المعيّن، فإن كان سفرا مباحا أو مستحبّا، فلا إشكال في وجوب تقديم القضاء عليه و عدم مشروعيّة السفر، و إن كان واجبا- كالحج الواجب و نحوه- فإشكال ينشأ من تعارض الواجبين و لا سيّما حجّة الإسلام، و ترجيح أحدهما على الآخر يحتاج إلى دليل، و إن كان مقتضى قواعد الأصحاب تقديم ما سبق سبب وجوبه، كما صرّحوا به في جملة من المواضع (1). انتهى.

أقول: ما ذكره من التوقيت يظهر من المعتبر أيضا، حيث استدلّ على نفي القضاء مع استمرار العذر باستيعابه وقتي الأداء و القضاء (2).

و منعه بعض الأجلّة، قال- بعد ذكره-: و فيه منع كون ما بين الرمضانين وقتا و إن وجبت المبادرة. انتهى.

أقول: ما ذكره من منع التوقيت في محلّه، إذ لا دليل عليه أصلا،

____________

(1) الحدائق 13: 306

(2) المعتبر 2: 699.

456

و وجوب الكفّارة بترك القضاء في هذا الوقت لا يدلّ على أنّه وقته كما يأتي.

و أمّا ما ذكره من وجوب المبادرة فظاهره- في موضع آخر- شهرته أيضا، بل إجماعيّته، حيث صرّح بكون عدم وجوب تعجيل القضاء في البين متروكا، و لكن إثباته في غاية الإشكال، إذ لا موجب له سوى الكفّارة، و إيجابها له ممنوع، لم لا يجوز أن يكون جبرا لما فاته من الصوم في أيّام رمضان، التي هي من الشرف بمكان، و عدم جبره بالتعجيل؟! و أمّا قوله في رواية أبي بصير السابقة: «فإنّما عليه أن يقضي الصيام» (1) إنّما كان يفيد لو قلنا أنّ المعنى: عليه أن يقضيه بين الرمضانين كما قيل (2)، و هو غير معلوم، فتبقى أصالة عدم الوجوب فارغة من الدافع، بل مرسلة سعد المتقدّمة (3) ظاهرة في نفيه، فهو الأظهر إلّا أن يثبت الإجماع عليه.

المسألة الخامسة: لو مات شخص و عليه قضاء صيام يجب على وليّه قضاؤه على الأصحّ

، وفاقا للصدوقين و الشيخين و السيّد و الإسكافي و القاضي و الحلّي و ابن حمزة (4)، بل هو المشهور كما صرّح به جماعة (5)، بل على المعروف في مذهب الأصحاب كما في الكفاية (6)، بل بلا خلاف

____________

(1) راجع ص: 443.

(2) في الحدائق 13: 314.

(3) في ص: 453.

(4) حكاه عن والد الصدوق في المختلف: 241، الصدوق في المقنع: 63، المفيد في المقنعة: 353، الطوسي في المبسوط 1: 286، و حكاه عن السيّد و الإسكافي في المختلف: 241، القاضي في المهذب 1: 196، الحلي في السرائر 1: 409، ابن حمزة في الوسيلة: 150.

(5) انظر الحدائق 13: 319.

(6) الكفاية: 51.

457

ظاهرا إلّا من العماني كما قيل (1)، بل بالإجماع كما عن الخلاف و السرائر و المنتهى و التذكرة (2).

لمرسلة ابن بكير، و فيها: «فإن مرض فلم يصم شهر رمضان، ثمَّ صحّ بعد ذلك فلم يقضه، ثمَّ مرض فمات فعلى وليّه أن يقضي عنه، لأنّه قد صحّ فلم يقض و وجب عليه» (3).

و الرضوي: «و إذا مات الرجل و عليه من صوم شهر رمضان فعلى وليّه أن يقضي عنه، و كذا إذا فاته في السفر» (4)، و ضعفهما- لو كان- بما ذكر ينجبر.

و تدلّ عليه أيضا صحيحة البختري و مرسلة حمّاد:

الاولى: في الرجل يموت و عليه صلاة أو صيام، قال: «يقضي عنه أولى الناس بميراثه»، قلت: إن كان أولى الناس به امرأة؟ قال: «لا، إلّا الرجال» (5).

و الثانية: عن الرجل يموت و عليه دين من شهر رمضان، من يقضي عنه؟ قال: «أولى الناس به» قلت: فإن كان أولى الناس به امرأة؟ قال:

«لا، الّا الرجال» (6).

و هما و غيرهما من بعض الأخبار (7)- التي وردت في المقام- و إن كانت غير صريحة في الوجوب، إلّا أنّها تصير صريحة بقرينة الخبرين

____________

(1) في الرياض 1: 322.

(2) الخلاف 2: 209، السرائر 1: 409، المنتهى 2: 604، التذكرة 1: 276.

(3) التهذيب 4: 249- 739، الاستبصار 2: 110- 360، الوسائل 10: 333 أبواب أحكام شهر رمضان ب 21 ح 13.

(4) فقه الرضا (عليه السلام): 211، المستدرك 7: 449 أبواب أحكام شهر رمضان ب 16 ح 1.

(5) الكافي 4: 123- 1، الوسائل 10: 330 أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 5.

(6) الكافي 4: 124- 4، التهذيب 4: 246- 731، الاستبصار 2: 108- 353، الوسائل 10: 331 أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 6.

(7) انظر الوسائل 10: 329 أبواب أحكام شهر رمضان ب 23.

458

المتقدّمين، حيث صرّحا بما يفيد الوجوب.

و تدل عليه أخبار أخر مطلقة بالنسبة إلى الولي (1)، و لكن يجب حملها عليه حملا للمطلق على المقيّد.

خلافا للمحكيّ عن العماني، فأوجب عليه الصدقة عنه (2)، مدّعيا تواتر الأخبار و شذوذ القول بالقضاء، لرواية أبي مريم المرويّة في التهذيبين: «و إن صحّ ثمَّ مرض ثمَّ مات، و كان له مال تصدّق عنه مكان كلّ يوم بمدّ، و إن لم يكن له مال تصدّق عنه وليّه» (3).

و تضعف باختلاف النسخ، فإنّها مرويّة في الفقيه و الكافي- اللذين هما أتقن من الأولين- بطريق موثّق هكذا: «و إن لم يكن له مال صام عنه وليّه» (4)، و مثل ذلك [لا تعارض] [1] به الأخبار المتكثّرة المشتهرة.

سلّمنا، و لكن إثبات رجحان الصدقة لا ينافي وجوب غيرها أيضا.

سلّمنا التعارض، و الترجيح للأول بمخالفته لما عليه جمهور العامّة كما صرّح به جماعة (5)، و معاضدته بالشهرة القويّة و الإجماعات المحكيّة. (6)

و للمحكيّ عن الانتصار، فأوجب الصدقة إن خلّف مالا و إلّا فعلى

____________

[1] في النسخ: لا يعرض، و الظاهر ما أثبتناه.

____________

(1) انظر الوسائل 10: 329 أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 3 و 7 و 8 و 13.

(2) حكاه عنه في المختلف: 241.

(3) التهذيب 4: 248- 735، الاستبصار 1: 109- 356، الوسائل 10: 331 أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 7.

(4) الفقيه 2: 98- 439، الكافي 4: 123- 3، الوسائل 10: 331 أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 7.

(5) منهم السبزواري في الذخيرة: 528، و صاحبي الحدائق 13: 321، و الرياض 1: 323.

(6) راجع رقم 5 من ص 457.

459

وليّه القضاء (1)، للموثقة المذكورة على النسختين الأخيرتين.

و هو كان حسنا من جهة أخصّية الموثّقة عمّا مرّ لو لا اختلاف النسخ، مع أنّها لا تنافي ما مرّ إلّا مع الدلالة على نفي الصوم مع وجود المال، و لا دلالة لها على ذلك إلّا أن يكون التفصيل قاطعا للشركة، و هو يتحقّق بانتفاء الصدقة في صورة فقدان المال و إن وجب الصوم في الصورتين.

و قد يردّ أيضا بعدم حجّية الرواية، لشذوذ هذا القول، كما صرّح به الحلّي، قال: و لم يذهب إلى ما قاله السيّد غيره (2).

و فيه: أنّه معارض بما قاله في المعتبر ردّا عليه، قال: و ليس ما قاله صوابا مع وجود الرواية الصريحة و فتوى الفضلاء من الأصحاب، و دعوى علم الهدى إجماع الإماميّة على ما ذكره، فلا أقلّ من أن يكون قولا ظاهرا بينهم (3).

و للمحكيّ عن المبسوط و الاقتصاد و الجمل، فخيّر بين الصدقة و القضاء (4).

للجمع بين رواية أبي مريم و ما مرّ.

و لصحيحة ابن بزيع: رجل مات و عليه صوم، يصام عنه أو يتصدّق؟

قال: «يتصدّق عنه فإنّه أفضل» (5).

و يضعف الأول: بأنّ الجمع فرع التعارض ثمَّ التكافؤ، و قد عرفت انتفاءهما.

____________

(1) الانتصار: 71.

(2) السرائر 1: 409.

(3) المعتبر 2: 702، الانتصار: 71.

(4) المبسوط 1: 286، الاقتصاد: 294، الجمل و العقود (الرسائل العشر): 220.

(5) الفقيه 3: 236- 1119.

460

و الثاني- بعد الإغماض عن شذوذه، بل مخالفته الإجماع، لعدم القول بأفضليّة التصدّق-: أنّه أعمّ مطلقا ممّا مرّ من جهة الصوم، فيخصّص بغير صوم شهر رمضان أو الواجب، فيحمل على صيام السنة، كما ورد في صيام ثلاثة أيّام من كلّ شهر.

فروع:

أ: هل الصوم الواجب على ولي الميّت هو صوم شهر رمضان، أم يعمّ كلّ واجب؟

صرّح المفيد و الشيخ في المبسوط بالثاني (1)، و نقله في المنتهى عن الشيخ، و نسبه إلى ظاهر النصوص مشعرا بالميل إليه (2)، و في التذكرة اقتصر على النسبة مؤذنا بالتوقّف (3).

و ظاهر العماني و ابني بابويه: الأول (4)، حيث خصّوه بالذكر.

و الأجود التخصيص، للأصل، و اختصاص جميع أخبار المسألة- سوى صحيحة البختري المتقدّمة و رواية الوشّاء الآتية- بصوم رمضان.

و القول- بأنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما في الحدائق (5)- من غرائب الأقوال، إذ لا عموم في لفظ الجواب في شيء منها.

و أمّا الصحيحة و إن كانت مطلقة، إلّا أنّه لا دلالة فيها على الوجوب، و إرادة مطلق الرجحان عنها ممكنة، و لا قرينة موجبة لحملها على الوجوب.

____________

(1) المفيد في المقنعة: 353، المبسوط 1: 286.

(2) المنتهى 2: 604.

(3) التذكرة 1: 276.

(4) حكاه عن العماني و ابن بابويه في المختلف: 241 و 242، الصدوق في المقنع: 63.

(5) الحدائق 13: 333.

461

و أمّا الرواية، فمع إجمالها- لعدم تعيين من يجب عليه، فلعلّه الميت، يعني: تعلّق بذمّته الأمران- تنفي وجوب القضاء كلّية، و الإيجاب الجزئي غير المقصود.

و حجّة التعميم: الصحيحة.

و العلّة المنصوصة في رواية أبي بصير المتقدّمة بقوله (عليه السلام): «لا يقضى عنها، فإنّ اللّه لم يجعله عليها» (1).

و في مرسلة ابن بكير السابقة في صدر المسألة.

و جواب الأول قد ظهر.

و يردّ الثاني: بأنّ مقتضى التعليل أنّ عدم الجعل علّة عدم القضاء، لا أنّ مطلق الجعل علّة القضاء.

و الثالث: بأنّ العلّة هي عدم القضاء و وجوبه عليه، دون الوجوب خاصّة، و تحقّق تمام العلّة في جميع الموارد غير معلوم، لأنّ في العلّة تركين- الأداء و القضاء- فيمكن أن يكون ذلك دخيلا في الوجوب.

ب: هل الواجب عليه الصوم المتروك لعذر، أو يعمّه و المتروك عمدا عصيانا أيضا؟

حكي عن المحقّق في مسائله البغداديّة و عن السيّد عميد الدين:

الأول (2)، و نفى عنه البأس في الذكرى (3)، و مال إليه في المدارك و الذخيرة (4).

____________

(1) الكافي 4: 137- 8، التهذيب 4: 248- 737، الاستبصار 2: 109- 358، العلل: 382- 4، الوسائل 10: 332 أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 12.

(2) حكاه عنهما في الذكرى: 138.

(3) الذكرى: 138.

(4) المدارك 6: 222، الذخيرة: 528.

462

و ظاهر فتوى الأكثر: الثاني (1)، و هو الأقوى، لإطلاق جملة من الأخبار، و منها: الرضويّ المتقدّم، و مرسلة الفقيه: «إذا مات الرجل و عليه صوم شهر رمضان فليقض عنه من شاء من أهله» (2)، و هو مقتضى عموم العلّة الثانية المتقدّمة.

دليل الأول: حمل الروايات على الغالب من الترك.

و فيه: منع الغلبة بحيث يوجب الانصراف.

و أيّده في الحدائق باختصاص بعض الأخبار ببعض الأسباب، فيجب حمل المطلق عليه، لأنّ مقتضى القاعدة حمل المطلق على المقيّد (3).

و فساده ظاهر، لأنّ مثل المورد ليس محلّ جريان القاعدة.

ج: الولي هنا هو أولى الناس بالميراث من الذكور،

وفاقا للمدارك حاكيا له عن الإسكافي و الصدوقين و جماعة (4)، لصحيحة البختري و مرسلة حمّاد المتقدّمتين.

و لازمه كون الولاية على ترتيب الطبقات في الإرث، فمع الأب و الابن لا ولي غيرهما، و مع فقدهما تنتقل الولاية إلى الطبقة الثانية و هكذا، إلّا النساء، فلا تنتقل إليهن أبدا.

و في المسألة أقوال آخر، ذهب إلى كلّ جماعة:

فمنهم من أدخل النساء أيضا (5)، و لا وجه له- بعد ما عرفت- سوى

____________

(1) كما في الشرائع 1: 203، و المنتهى 2: 604.

(2) الفقيه 2: 98- 440، الوسائل 10: 329 أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 1.

(3) الحدائق 13: 328.

(4) المدارك 6: 225.

(5) كما في المقنعة: 353، و الفقيه 2: 98، و حكاه عن القاضي في الحدائق 13:

323.

463

الرضوي: «و إذا كان للميّت وليّان فعلى أكبرهما من الرجال أن يقضي عنه، و إن لم يكن له ولي من الرجال قضى عنه وليّه من النساء» (1).

و هو- لضعفه و عدم الجابر له- لا يصلح لإثبات حكم، سيّما مع المعارضة مع ما مرّ و عدا إطلاقات إثبات القضاء على الولي، اللازم تقييدها بما مرّ.

مضافا إلى عدم معلوميّة حجّية مثله، بعد احتمال وروده لإثبات القضاء في الجملة على الولي من غير نظر إلى الشخصيّة.

و ربّما يستأنس له ملاحظة سياق بعض الأخبار من حيث إطلاق الحكم في صدره بالقضاء، ثمَّ التفصيل في الذيل بعد السؤال بمن عدا النساء.

و منهم من خصّ بأولاده (2).

لكونهم أولى الناس بالأب و بميراثه، و لذا يحجبون من عداهم، فهم المراد من أولى الناس بالميراث، حتى من الأب أيضا.

و لكونه أوفر حظّا و أكثر نصيبا فيكون أولى.

و للأصل.

و عدم قائل به بعد نفي الوجوب عن النساء كما يظهر من تتبّع الفتاوى، و تشير إليه بعض العبارات.

و إجمال إطلاقات الولي، فينبغي الاقتصار على المجمع عليه.

و يرد على الأول: أنّ الأولاد أولى حين الاجتماع، فيكون هو الولي

____________

(1) فقه الرضا «ع» 211، المستدرك 7: 449 أبواب أحكام شهر رمضان ب 16 ح 1.

(2) كما في المبسوط 1: 286، و الشرائع 1: 203، و المختلف: 242، و حكاه عن القاضي في الحدائق 13: 323.

464

حينئذ، أمّا مع عدمه فأولى الناس غيره. و الحاصل: أنّه إنّما يفيد لو كان الأولاد أولى الناس بالميراث مطلقا، و لكنّه ليس كذلك، بل هو أولى مع وجوده، و أمّا مع فقده فالأولى غيره.

و على الثاني: أنّ المراد بالأولى بالميراث المقدّم في الإرث، لا الأكثر فيه، فإنّه ليس أولى بالإرث.

و على الثالث: أنّ الأصل مندفع بما مرّ.

و على الرابع: أنّ دعوى الإجماع المركّب في مثل تلك المسألة من المجازفات جدّا، كيف؟! و الأقوال مشتّتة، و العبارات مختلفة، و الحكايات متفاوتة.

و على الخامس: أنّ إطلاق الولي و إن كان مجملا، إلّا أنّ تفسيره بأولى الناس بالميراث ينفي الإجمال، و اللّه أعلم بحقيقة الحال.

د: لو كان الوارث من الذكور متعدّدا يجب على أكبرهم سنا.

للرضويّ المتقدّم، المنجبر بالشهرة المحكيّة و المحقّقة المؤيّدة.

و مكاتبة الصفار: رجل مات و عليه قضاء من شهر رمضان عشرة أيّام و له وليّان، هل يجوز لهما أن يقضيا عنه جميعا خمسة أيّام أحد الوليّين و خمسة أيّام الآخر؟ فوقّع (عليه السلام): «يقضي عنه أكبر وليّيه عشرة أيام ولاء إن شاء اللّه» (1).

مضافا إلى ما قيل في أكبر الأبناء من أولويّته بالإرث، لاختصاصه بالحبوة (2).

____________

(1) الكافي 4: 124- 5، الفقيه 2: 98- 441، التهذيب 4: 247- 732، الاستبصار 2: 108- 355، الوسائل 10: 330 أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 3.

(2) كما في المختلف: 242.

465

و فيه نظر من وجهين.

و المعارضة بمرسلة الفقيه- الآمرة بقضاء من شاء من أهله (1)، و موثّقة أبي بصير القائلة بأنّه يقضيه أفضل أهل بيته (2)- مردودة بأنّها بالعموم و الخصوص المطلقين، فيقدّم الرضويّ الأخصّ.

ه: تعلّق الوجوب بالأكبر مع وحدته

، و أمّا مع اجتماع المتساويين في السنّ فلا، لتبادر المتّحد من الرضوي، مع صراحة المكاتبة، سيّما مع ندرة المتعدّد جدّا.

و لو حمل على التساوي العرفي في السن، فحينئذ يرجع إلى الوجوب الكفائي، فيجب الكلّ، أو كلّ بعض على المتعدّد كفاية، كما هو مقتضى العمل بقوله: «يقضي عنه أولى الناس بميراثه» (3).

و: يجوز لغير الولي قضاء الصوم عن الميّت تبرّعا

، و قد مرّ ما يدلّ عليه في بحث الصلاة. و لا ينافيه وجوبه على الولي، كما لا ينافي جواز التبرّع بأداء دين زيد عن وجوب أدائه عليه.

ز: الحقّ عدم السقوط عن الولي بتبرّع الغير و لا باستئجاره

أو وصيّة الميّت بالاستئجار، للأصل.

فإن قيل: بفعل الغير تبرأ ذمّة الميّت و لا صوم عليه، فلا معنى لقضاء الولي عنه.

قلت: ما أرى مانعا من قضاء متعدّد عن واحد، و لا ضير في أن يشتغل ذمّة

____________

(1) الفقيه 2: 98- 440، الوسائل 10: 329 أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 1.

(2) التهذيب 4: 325- 1007، الوسائل 10: 332 أبواب أحكام شهر رمضان ب 23 ح 11.

(3) تقدم في ص: 457.

466

أحد بشيء و يجوز لمائة أداؤه عنه و لو بالتعاقب، فإنّ أمثال هذه الأمور ليست ممّا يقاس على المحسوسات، و قد مرّ بيان ذلك مستوفى في كتاب الصلاة.

ح: الواجب قضاؤه على الولي ما تمكّن الميّت في حياته عن القضاء،

و إلّا فلا قضاء على الولي و بيان ذلك قد مرّ (1).

ط: لا خلاف- على ما قيل (2)- في جواز القضاء عن المرأة و مشروعيّته،

و إطلاق كثير من الأخبار و خصوص بعضه يدلّ عليه.

و هل هو واجب على وليّها كالرجل أيضا، أم لا؟

فيه قولان، ذهب إلى كلّ جماعة (3)، و الحقّ هو: الثاني، لأنّ ما يشمل المرأة من أخبار القضاء (4) خصوصا أو عموما لا ذكر فيه للولي، و لا دلالة فيه على الوجوب، و ما يشمل عليهما مخصوص بالرجل، فيبقى الأصل- الذي هو المعوّل- بلا معارض.

استدلّ الأولون باشتراكها مع الرجل في الأحكام غالبا، و دلالة الأخبار على القضاء عنها.

و ضعف الأول ظاهر، و الثاني ممنوع إن أريد الوجوب، و غير مفيد إن أريد غيره.

ي: يقضي عن العبد أولى الناس به وجوبا

، و هو مولاه، لصدق الولي، و أولى الناس به بل بميراثه لو كان له ميراث.

يا: حكم جماعة بأنّه مع فقدان الولي أو وجوده و عدم وجوب القضاء عليه كالإناث يجب التصدّق عن كلّ يوم بمدّ

____________

(1) راجع ص: 441.

(2) في الرياض 1: 324.

(3) فإلى الأوّل: الشيخ في النهاية: 158، و الشهيد في الدروس 1: 289، و إلى الثاني: الحلي في السرائر 1: 399، و الشهيد الثاني في المسالك 1: 78.

(4) الوسائل 10: 329 أبواب أحكام شهر رمضان ب 23.

467

كجماعة (1)، أو مدّين كبعضهم (2)، من أصل التركة.

و أنكره بعضهم (3)، و هو الأقوى، للأصل و فقد المستند للقول الأول، سوى ما قيل من رواية أبي مريم (4)، و هي غير دالّة، مع أنّ مدلولها وجود الولي، فهي غير مورد المسألة.

يب: لو كان الولي حين الموت صغيرا يجب عليه القضاء بعد البلوغ،

لصدق الولي و اجتماع الشرائط. و لا يضرّ عدم الاجتماع حين الموت، لأنّا لا نقول إنّه زمان تكليف الولي، بل هو زمان بلوغه.

فإن قيل: ما يوجب تكليفه حينئذ مع عدم كونه مكلّفا سابقا؟

قلنا: ما أوجب تكليف سائر الأولياء المكلّفين حين الموت، فإنّ غاية ما يرتكب في الأخبار أن يقيّد الولي فيها بالبالغ، و يكون المعنى: فعلى وليّه البالغ القضاء، و هذا أيضا ولي بالغ.

نعم، لو كان المعنى: فعلى وليّه البالغ حين الموت، لما تمَّ الاستدلال، و لكنّه ليس كذلك.

المسألة السادسة:

قاضي شهر رمضان مخيّر في الإفطار إلى الزوال، و لا يجوز له الإفطار بعده، و عليه الكفّارة لو أفطر.

و أمّا الأول: فهو الأظهر الأشهر- كما صرّح به جماعة ممّن تأخّر (5)-

____________

(1) منهم المحقق في المعتبر 2: 702، و الشهيد في الدروس 1: 289، و الشهيد الثاني في الروضة 2: 125.

(2) انظر المبسوط 1: 286.

(3) كما في السرائر 1: 408، و الإيضاح 1: 238، و الحدائق 13: 328.

(4) المتقدّمة في ص: 458.

(5) كصاحب الرياض 1: 324.

468

بل عن الفاضل في المدنيّات الاولى: الإجماع عليه.

و تدلّ عليه- بعد الأصل- المستفيضة من الأخبار، كرواية العجلي:

في رجل أتى أهله في يوم يقضيه من شهر رمضان، قال: «إن كان أتى أهله قبل الزوال فلا شيء عليه إلّا يوما مكان يوم، و إن كان أتى أهله بعد زوال الشمس فإنّ عليه أن يتصدّق على عشرة مساكين، لكلّ مسكين مدّ، فإن لم يقدر صام يوما مكان يوم، و صام ثلاثة أيام كفّارة لما صنع» (1).

و مرسلة الفقيه: «إن أفطر قبل الزوال فلا شيء عليه، و إن أفطر بعد الزوال فعليه الكفّارة مثل ما على من أفطر يوما من شهر رمضان» (2).

و صحيحة جميل: في الذي يقضي في شهر رمضان: «أنّه بالخيار إلى زوال الشمس، و إن كان تطوّعا فإنّه إلى الليل بالخيار» (3).

و موثّقة أبي بصير: المرأة تقضي شهر رمضان فيكرهها زوجها على الإفطار، فقال: «لا ينبغي أن يكرهها بعد الزوال» (4).

و رواية سماعة: في قوله (عليه السلام): «الصائم بالخيار إلى زوال الشمس»، قال: «إنّ ذلك الفريضة، و أمّا النافلة فله أن يفطر أي ساعة شاء إلى غروب الشمس» (5).

____________

(1) الكافي 4: 122- 5، الفقيه 2: 96- 430، المقنع: 63، الوسائل 10: 15 أبواب وجوب الصوم و نيته ب 4 ح 1.

(2) الفقيه 2: 96- 431، الوسائل 10: 349 أبواب أحكام شهر رمضان ب 29 ح 5.

(3) التهذيب 4: 280- 849، الاستبصار 2: 122- 396، الوسائل 10: 16 أبواب وجوب الصوم و نيته ب 4 ح 4.

(4) الكافي 4: 122- 6، الفقيه 2: 96- 432، التهذيب 4: 278- 842، الاستبصار 2: 120- 390، الوسائل 10: 16 أبواب وجوب الصوم ب 4 ح 2.

(5) الكافي 4: 122- 3، الفقيه 2: 96- 433، التهذيب 4: 187- 527، الوسائل 10: 17 أبواب وجوب الصوم و نيته ب 4 ح 8.

469

و صحيحة ابن سنان: «صوم النافلة لك أن تفطر ما بينك و بين الليل متى ما شئت، و صوم قضاء الفريضة لك أن تفطر إلى زوال الشمس، فإذا زالت الشمس فليس لك أن تفطر» (1).

و رواية إسحاق: «الذي يقضي شهر رمضان بالخيار في الإفطار ما بينه و بين ما تزول الشمس، و في التطوّع ما بينه و بين أن تغيب الشمس» (2).

خلافا للمحكيّ عن ظاهر العماني و الحلبي و ابن زهرة، فحرّموه (3)، و عن الأخير: الإجماع عليه.

للنهي عن إبطال العمل.

و إطلاق موثّقة زرارة- بل عمومها-: عن رجل صام قضاء من شهر رمضان فأتى النساء، قال: «عليه من الكفّارة ما على الذي أصاب في رمضان، لأنّ ذلك اليوم عند اللّه من أيّام رمضان» (4)، و قريبة منها مرسلة حفص (5).

و خصوص صحيحة البجلي: عن رجل يقضي رمضان، إله أن يفطر بعد ما يصبح قبل الزوال إذا بدا له؟ فقال: «إذا كان نوى ذلك من الليل و كان ذلك من قضاء شهر رمضان فلا يفطر و يتمّ صومه» (6).

____________

(1) التهذيب 4: 278- 841، الاستبصار 2: 120- 389، الوسائل 10: 18 أبواب وجوب الصوم و نيته ب 4 ح 9.

(2) التهذيب 4: 280- 848، الاستبصار 2: 122- 395، الوسائل 10: 18 أبواب وجوب الصوم و نيته ب 4 ح 10.

(3) حكاه عن العماني في المختلف: 247، الحلبي في الكافي في الفقه: 184، ابن زهرة في الغيبة (الجوامع الفقهية): 572.

(4) التهذيب 4: 279- 846، الاستبصار 2: 121- 393، الوسائل 10: 348 أبواب أحكام شهر رمضان ب 29 ح 3.

(5) التهذيب 4: 321- 983 الوسائل 10: 130 أبواب أحكام شهر رمضان ب 56 ح 1.

(6) التهذيب 4: 186- 522، الوسائل 10: 17 أبواب وجوب الصوم و نيته ب 4 ح 6.

470

و يضعّف الأول بمنع النهي، كما بيّنا في عوائد الأيام (1). سلّمنا، و لكنّه عامّ يلزم تخصيصه بما مرّ.

و هو الجواب عن الثاني و الثالث.

و عن الرابع: بقصور دلالته على الحرمة.

و أمّا الثاني: فعلى الأصحّ الأشهر أيضا، بل عن الانتصار و الخلاف و الغنية: الإجماع عليه (2)، لصريح صحيحة ابن سنان المتقدّمة، و مفهوم الغاية في أكثر الأخبار السابقة.

خلافا للمحكيّ عن ظاهر التهذيبين، فلم يحرّماه و إن أوجبا الكفّارة (3)، لعدم ثبوت الحرمة من الأخبار، و ضعفه ظاهر ممّا مرّ.

و أمّا الثالث: فعلى الأقوى أيضا، و عليه دعوى الإجماع في الكتب الثلاثة المتقدّمة، و يدلّ عليه عموم مرسلة حفص و موثّقة زرارة، و خصوص رواية العجلي و مرسلة الفقيه، المتقدّمة جميعا.

خلافا فيه للمحكيّ عن العماني، فلا كفّارة (4)، و إليه يميل شيخنا الشهيد الثاني في المسالك، حيث استجود حمل أخبار الكفارات على الاستحباب (5).

لموثّقة عمّار: عن الرجل يكون عليه أيّام من شهر رمضان- إلى أن قال:- فإن نوى الصوم ثمَّ أفطر بعد ما زالت الشمس؟ قال: «قد أساء، و ليس عليه شيء إلّا قضاء ذلك اليوم الذي أراد أن يقضيه» (6).

____________

(1) عوائد الأيام: 151.

(2) الانتصار: 69، الخلاف 2: 221، الغنية (الجوامع الفقهية): 572.

(3) التهذيب 4: 278، الاستبصار 2: 122.

(4) حكاه عن العماني في المختلف: 247.

(5) المسالك 2: 86.

(6) التهذيب 4: 280- 847، الاستبصار 2: 121- 394، الوسائل 10: 348 أبواب أحكام شهر رمضان ب 29 ح 4.

471

و يجاب عنها بالمعارضة مع ما سبق، و مرجوحيّتها، لموافقة غير قتادة من العامّة، كما في المنتهى و غيره (1).

فروع:

أ: الكفّارة هنا إطعام عشرة مساكين لكلّ مسكين مدّ،

و لو عجز صام ثلاثة أيّام على الأظهر الأشهر كما صرّح به جماعة (2)، و إليه ذهب الشيخان و السيّد و الإسكافي و الفاضلان (3).

لرواية العجلي المتقدّمة، و صحيحة هشام، و فيها: «و إن فعل بعد العصر صام ذلك اليوم و أطعم عشرة مساكين، فإن لم يمكنه صام ثلاثة أيّام كفّارة لذلك» (4).

و الرضوي: «و قد روي: أنّ على من أفطر بعد الزوال إطعام عشرة مساكين، لكلّ مسكين مدّ من طعام، فإن لم يقدر عليه صام يوما، و صام ثلاثة أيّام كفّارة» (5).

و لا يضرّ اختصاصها بما بعد صلاة العصر، لأنّ المراد منه: بعد الزوال، أو لاتحاد حكم ما بينه و بين الزوال بالإجماع. كما لا يضرّ تجويز

____________

(1) المنتهى 2: 605، و انظر التذكرة 1: 261، و الرياض 1: 325.

(2) انظر المفاتيح 1: 263، و الرياض 1: 325.

(3) المفيد في المقنعة: 360، الطوسي في المبسوط 1: 287، السيّد في الانتصار:

69، حكاه عن الإسكافي في المختلف: 247، المحقق في المعتبر 2: 704، العلّامة في المنتهى 2: 605.

(4) التهذيب 4: 279- 845، الاستبصار 2: 120- 392، الوسائل 10: 347 أبواب أحكام شهر رمضان ب 29 ح 2.

(5) فقه الرضا (عليه السلام): 213، مستدرك الوسائل 7: 454 أبواب أحكام شهر رمضان ب 21 ح 1.

472

الإفطار فيها بما قبل صلاة العصر، لأنّ المراد منه: قبل الزوال، أو لكونه أعمّ منه، فيخصّص به، لما مرّ.

و عن الصدوق في الرسالة و المقنع: أنّ عليه كفّارة الإفطار في رمضان (1)، و حكاه في موضع من المختلف عن القاضي (2)، و هو مختار ابن حمزة مع الاستخفاف (3)، و احتمله في التهذيبين أيضا مع ذلك (4)، للمرسلتين، و الموثّقة السابقة (5)، و الرضوي: «فإن أفطرت بعد الزوال فعليك كفّارة مثل من أفطر يوما من شهر رمضان».

و عن الحلبيّين: التخيير بين الخصالين، مدّعيا أحدهما الإجماع عليه (6)، و هو مذهب ابن حمزة في صورة عدم الاستخفاف.

و عن الديلمي و الكراجكي: أنّها كفّارة يمين (7)، و نقله في موضع آخر من المختلف عن القاضي (8)، و هو أحد قولي الحلّي (9).

و يمكن إرادتهم المشهور، كما أنّ المفيد قال في باب الكفّارات:

كان عليه كفّارة يمين إطعام عشرة مساكين، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيّام متتابعات (10).

____________

(1) حكاه عن الرسالة في المختلف: 246، المقنع: 63.

(2) المختلف: 247.

(3) الوسيلة: 147.

(4) التهذيب 4: 279، الاستبصار 2: 121.

(5) راجع ص: 468، 469.

(6) الحلبي في الكافي: 184، ابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية): 572.

(7) الديلمي في المراسم: 187.

(8) المختلف: 247.

(9) السرائر 3: 76.

(10): المقنعة: 570.

473

و في الكفّارات المختلف: المشهور عند علمائنا أنّ كفّارة من أفطر يوما ليقضيه من شهر رمضان بعد الزوال مختارا: كفّارة يمين، ذهب إليه الشيخان و سلّار و أبو الصلاح و ابن إدريس، و استدلّ له بأدلّة المشهور (1).

و عن كفّارات النهاية: كان عليه كفّارة يمين، فإن لم يجد صام ثلاثة أيّام (2).

أقول: و لم أعثر على غير الأولين على دليل، و أمّا الأولان فيدلّ على كلّ منهما ما ذكر له، و لم أر ترجيحا لأحدهما. و الشذوذ- الذي ادّعاه الشيخ للثاني (3)- عندي غير معلوم. و حمله على الاستحباب (4) حمل بلا دليل، و على التشبيه في وجوب الكفّارة دون قدرها في الرضوي قريب، و في الوجوب في المرسلة الاولى ممكن، و لكن شيء منهما لا يجري في الباقيين. و نسبة الأصل إلى القولين على السواء و إن تمسّك به في المختلف للمشهور (5). و لذا تصير المسألة محلّ إشكال، و لأجله توقّف فيها في الحدائق (6)، و هو في موقعه جدّا.

ب: الأيّام الثلاثة- على القول بها- متتابعات عند الشيخين و الفاضلين و ابني حمزة و إدريس و غيرهم،

قاطعين به (7)، فإن ثبت عليه إجماع، و إلّا

____________

(1) المختلف: 664.

(2) النهاية: 572.

(3) التهذيب 4: 279.

(4) كما في المعتبر 2: 705.

(5) المختلف: 247.

(6) الحدائق 13: 216.

(7) المفيد في المقنعة: 570، الطوسي في الاقتصاد: 291، ابن حمزة في الوسيلة:

145، ابن إدريس في السرائر 1: 406 و 3: 76، و انظر الدروس 1: 296.

474

فالأصل ينفيه، و حسنة ابن سنان (1) و رواية الجعفري (2) تشعران بعدمه، بل تدلّان، حيث حصر التتابع في صيام ليس ذلك منها.

ج: صرّح في الدروس و الروضة بوجوب الإمساك بقيّة اليوم لو أفطر بعد الزوال (3).

لقوله في صحيحة هشام المتقدّمة: «صام ذلك اليوم».

و في خبر زرارة: «لأنّ ذلك اليوم عند اللّه من أيّام رمضان» (4).

و لاستصحاب وجوب الإمساك.

و يردّ الأول- بعد الإغماض عن عدم دلالته على الوجوب-: بأنّ الظاهر صوم بدل ذلك اليوم، كما يومئ إليه صدر الخبر. و لأنّ هذا الإمساك ليس صوما حقيقة.

و الثاني: بعدم دلالته على المساواة في جميع الأحكام.

و الثالث: بتعارضه مع استصحاب عدم الوجوب الأولي كما بيّناه في موضعه، مضافا إلى أنّ الواجب أولا هو الصوم، و حقيقة هذا الإمساك مباينة لحقيقة الصوم شرعا، فلا يتحقّق للاستصحاب معنى، و لذا ذهب ابن فهد إلى عدم الوجوب (5)، و تبعه بعض أجلّة المتأخّرين (6)، و هو الأظهر.

____________

(1) الكافي 4: 120- 3، التهذيب 4: 274- 829، الاستبصار 2: 117- 381، الوسائل 10: 340 أبواب أحكام شهر رمضان ب 26 ح 4.

(2) الكافي 4: 120- 1، الفقيه 2: 95- 428، التهذيب 4: 274- 830، الاستبصار 2: 117- 382، الوسائل 10: 342 أبواب أحكام شهر رمضان ب 26 ح 8.

(3) الدروس 1: 290، الروضة 2: 119.

(4) التهذيب 4: 279- 846، الاستبصار 2: 121- 393، الوسائل 10: 348 أبواب أحكام شهر رمضان ب 29 ح 3.

(5) نقله عنه في غنائم الأيام: 480.

(6) كما في غنائم الأيام: 480.

475

د: قالوا: اختيار الإفطار قبل الزوال إنّما هو مع سعة وقت القضاء،

و أمّا لو تضيّق بدخول شهر رمضان المقبل أو علم الوفاة أو ظنّه فلا اختيار (1).

و هو حسن مع القول بحرمة التأخير إلى المقبل.

ه: الظاهر اختصاص الحكم بالقضاء الواجب،

فلو قضى أحد احتياطا ندبا لم يحرم عليه الإفطار بعد الزوال، لعدم كونه قضاء حقيقة- و إنّما هو صوم مندوب- و لعدم انصراف إطلاق القضاء إليه.

و: هل يختصّ الحكم بالقاضي لنفسه، أو يعمّ القاضي لغيره

ولاية أو تبرّعا أو إجارة أيضا؟

مقتضى إطلاق كثير من الأخبار: الثاني، و تبادر الأول عنها ممنوع، و لو سلّم ففي الجميع ليس كذلك، و شيوعه المقتضي للانصراف إليه غير متحقّق.

المسألة السابعة:

لا تجب الموالاة في القضاء من حيث هي، بالإجماع كما في الناصريّات و الخلاف و المختلف (2)، و يدلّ عليه الأصل، و كثير من الأخبار.

كرواية الجعفري: عن الرجل يكون عليه أيّام من شهر رمضان، أ يقضيها متفرّقة؟ قال: «لا بأس بتفريق قضاء شهر رمضان» الحديث (3).

و موثّقة سماعة: عمّن يقضي شهر رمضان منقطعا؟ قال: «إذا حفظ أيّامه فلا بأس» (4).

____________

(1) انظر الروضة 2: 118، و الرياض 1: 324.

(2) الناصريات (الجوامع الفقهية): 207، الخلاف 2: 210، المختلف: 246.

(3) الكافي 4: 120- 1، الفقيه 2: 95- 428، التهذيب 4: 274- 830، الاستبصار 2: 117- 382، الوسائل 10: 342 أبواب أحكام شهر رمضان ب 26 ح 8.

(4) الكافي 4: 120- 2، الوسائل 10: 340 أبواب أحكام شهر رمضان ب 26 ح 2.

476

و رواية البصري: عن قضاء شهر رمضان في ذي الحجّة و قطعه، قال:

«اقضه في ذي الحجّة و اقطعه إن شئت» (1)، و غير ذلك من الأخبار الآتية.

و قيد الحيثيّة لوجود القول بوجوبها من حيث كونها ملزومة للفوريّة.

و الأظهر الأشهر: استحبابها، للشهرة، و كونها مسارعة إلى الخير، و الأخبار المعتبرة:

كصحيحة الحلبي: «إذا كان على الرجل شيء من صوم شهر رمضان فليقضه في أي شهر شاء أيّاما متتابعة، فإن لم يستطع فليقضه كيف شاء، و ليحص الأيّام، فإن فرّق فحسن، و إن تابع فحسن» (2).

و صحيحة ابن سنان: «من أفطر شيئا من شهر رمضان في عذر فإن قضاه متتابعا فهو أفضل، و إن قضاه متفرّقا فحسن» (3).

و رواية غياث: «في قضاء شهر رمضان إن كان لا يقدر على سرده فرّقه» (4).

و المرويّ في الخصال: «و الفائت من شهر رمضان إن قضاه متفرقا جاز، و إن قضاه متتابعا كان أفضل» (5).

____________

(1) الكافي 4: 121- 5، الفقيه 2: 95- 426، التهذيب 4: 275- 832، الاستبصار 2: 119- 836، الوسائل 10: 344 أبواب أحكام شهر رمضان ب 27 ح 2.

(2) الكافي 4: 120- 4، الفقيه 2: 95- 427، التهذيب 4: 274- 828، الاستبصار 2: 117- 380، الوسائل 10: 341 أبواب أحكام شهر رمضان ب 26 ح 5، بتفاوت يسير.

(3) الكافي 4: 120- 3، التهذيب 4: 274- 829، الاستبصار 2: 117- 381، الوسائل 10: 340 أبواب أحكام شهر رمضان ب 26 ح 4.

(4) التهذيب 4: 275- 833، الاستبصار 2: 119- 387، الوسائل 10: 344 أبواب أحكام شهر رمضان ب 27 ح 3.

(5) الخصال: 606- 9، الوسائل 10: 343 أبواب أحكام شهر رمضان ب 26 ح 11.

477

و حكى في السرائر عن بعض الأصحاب استحباب التفريق (1)، و إليه يميل كلام المفيد، و لكن بهذا الوجه: إذا كان عليه يومان فصل بينهما بيوم، و كذلك إذا كان عليه خمسة أيّام و ما زاد، فإن كان عليه عشرة أيّام أو أكثر من ذلك تابع بين ثمانية الأيّام إن شاء ثمَّ فرّق الباقي (2).

و في الوسيلة: فإن صام ثمانية أيّام أو ستّة متواليات و فرّق الآخر كان أفضل (3).

و تدلّ على التفريق في الجملة موثّقة عمّار: عن الرجل يكون عليه أيّام من شهر رمضان، كيف يقضيها؟ فقال: «إن كان عليه يومان فليفطر بينهما يوما، و إن كان عليه خمسة فليفطر بينها يومين، و إن كان عليه شهر فليفطر بينها أيّاما، و ليس له أن يصوم أكثر من ثمانية أيّام، يعني متوالية، و إن كان عليه ثمانية أيّام أو عشرة أفطر بينها يوما» (4).

و المرويّ في قرب الإسناد: عمّن كان عليه يومان من شهر رمضان، كيف يقضيهما؟ قال: «يفصل بينهما بيوم، فإن كان أكثر من ذلك فليقضها متوالية» (5).

و لا يخفى أنّ هاتين الروايتين لا تصلحان لمعارضة ما مرّ، لأكثريّته و أصحّيته، و موافقته للشهرتين، و لظاهر الكتاب، و اضطراب الأول منهما،

____________

(1) السرائر 1: 405.

(2) انظر المقنعة: 359.

(3) الوسيلة: 146.

(4) التهذيب 4: 275- 831، الاستبصار 2: 118- 383، الوسائل 10: 341 أبواب أحكام شهر رمضان ب 26 ح 6.

(5) قرب الاسناد: 231- 906، الوسائل 10: 343 أبواب أحكام شهر رمضان ب 26 ح 12.

478

و اختلاف النسخ فيها، فإنّ في بعضها: «ستّة أيّام» بدل: «ثمانية».

المسألة الثامنة:

المعروف من مذهب الأصحاب: عدم فوريّة قضاء رمضان، و تدلّ عليه جميع الأخبار المتقدّمة، و صحيحة البختري: «كنّ نساء النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) إذا كان عليهنّ صيام أخّرن ذلك إلى شعبان، كراهة أن يمنع رسول اللّه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم)، فإذا كان شعبان صمن و صام» (1) إلى غير ذلك.

المسألة التاسعة:

صرّح جملة من الأصحاب: بأنّه لا يجب الترتيب في قضاء الصوم، بأن ينوي الأول فالأول (2)، و هو كذلك، للأصل.

قيل: نعم، يستحبّ ذلك (3).

و لا أرى له وجها، إلّا أن يثبت بفتوى الفقيه.

المسألة العاشرة:

لو نذر صوما يوما معيّنا، فاتّفق ذلك اليوم في رمضان، صام عن رمضان، و لم يجب عليه قضاء إجماعا.

و لو اتّفق أحد العيدين أو أيّام التشريق بمنى لم يصحّ صومه إجماعا نصّا و فتوى.

و هل يجب عليه القضاء، أم لا؟

الحقّ: الثاني مع استحبابه، وفاقا لموضع من المبسوط و القاضي و الحلبي و الشرائع و المختلف و فخر المحقّقين و الكفاية (4)، بل هو المشهور كما في الكفاية.

أمّا عدم الوجوب: فللأصل السالم عن المعارض، المؤيّد بعدم انعقاد

____________

(1) الكافي 4: 90- 4، الوسائل 10: 345 أبواب أحكام شهر رمضان ب 27 ح 4.

(2) كما في الذخيرة: 530، و مشارق الشموس: 428.

(3) كما في المسالك 1: 77، و الحدائق 13: 318.

(4) المبسوط 1: 282، القاضي في جواهر الفقه: 35، الحلبي في الكافي: 185، الشرائع 1: 196، المختلف: 658، فخر المحققين في الإيضاح 1: 242، كفاية الأحكام: 229.

479

النذر لو نوى شمول هذه الأيّام أيضا، و عدم وجوب الأداء لو نوى خروجها، فكيف بالقضاء؟! و أمّا الاستحباب: فلقوله (عليه السلام) في رواية الصيقل (1) و صحيحة ابن مهزيار بعد السؤال عن ذلك: «و يصوم يوما بدل يوم» (2).

خلافا للنهاية و موضع من المبسوط و ابن حمزة، فأوجبوه (3)، و لظاهر الدروس و المدارك، فتردّدا فيه (4)، للرواية و الصحيحة، و هما بمعزل عن إفادة الوجوب، لمكان الجملة الخبريّة.

و كذا الحكم في عدم صحّة الصوم و وجوب الإفطار لو اتّفق في ذلك اليوم سفر أو مرض أو حيض.

و أمّا القضاء، فصرّح في المسالك بوجوبه قطعا (5)، و ظاهر المختلف أيضا أنّه لا نزاع في وجوب القضاء حينئذ (6)، و في شرح النافع لصاحب المدارك: أنّه مقطوع به في كلام الأصحاب (7)، و في الكفاية: و قد قطع الأصحاب بأنّه يجب القضاء (8).

و احتجّوا لذلك بصحيحة ابن مهزيار المتقدّمة، و رواية ابن جندب، و فيها- بعد السؤال عن رجل جعل على نفسه صوم يوم فحضرته نيّة

____________

(1) التهذيب 4: 234- 686، الاستبصار 2: 101- 328، الوسائل 10: 378 أبواب بقية الصوم الواجب ب 7 ح 3.

(2) الكافي 7: 456- 12، الوسائل 10: 378 أبواب بقية الصوم الواجب ب 7 ح 1.

(3) النهاية: 163، المبسوط 1: 281، ابن حمزة في الوسيلة: 144.

(4) الدروس 1: 272، المدارك 6: 137.

(5) المسالك 2: 209.

(6) المختلف: 249.

(7) نهاية المرام 2: 358.

(8) الكفاية: 229.

480

الزيارة إلى أن أجاب-: «فإذا رجع قضى ذلك» (1).

و الروايتان قاصرتان عن إفادة الوجوب، مع أنّ الثانية ليست صريحة في اليوم المعيّن، فلعلّه كان غير معيّن، و المراد بالقضاء: الفعل، كما هو مقتضى الحقيقة اللغويّة، و معارضة مع رواية مسعدة: في رجل يجعل على نفسه أيّاما معدودة مسمّاة في كلّ شهر، ثمَّ يسافر فتمرّ به الشهور: «أنّه لا يصوم في السفر و لا يقضيها إذا شهد» (2).

و لأجل ذلك يظهر من الكفاية التردّد، بل هو الظاهر من شرح النافع لصاحب المدارك أيضا، و هو في محلّه جدّا، بل الأظهر عدم الوجوب إلّا أن يثبت الإجماع عليه، و الاحتياط عدم ترك القضاء هنا.

____________

(1) الكافي 7: 457- 16، التهذيب 4: 333- 1048، الوسائل 10: 197 أبواب من يصح منه الصوم ب 10 ح 5.

(2) الكافي 4: 142- 7، التهذيب 4: 329- 1028، الوسائل 10: 199 أبواب من يصح منه الصوم ب 10 ح 10.

481

المطلب الثاني في الصوم المندوب و هو أيضا أقسام كثيرة:

منها: ما لا يختصّ بسبب مخصوص و لا بوقت معيّن

كصيام أيّام السنة عدا ما استثني، فإنّ استحبابه ممّا لا خلاف فيه، كما صرّح به غير واحد (1)، و صوم كلّ يوم شاء عدا المستثنيات.

ففي مرسلة الفقيه: «من صام للّه يوما في شدّة الحرّ، فأصابه ظمأ و كل اللّه به ألف ملك يمسحون وجهه و يبشّرونه، حتى إذا أفطر قال اللّه تعالى:

ما أطيب ريحك و روحك، ملائكتي اشهدوا أنّي قد غفرت له» (2).

و في رواية الكناني: «نوم الصائم عبادة، و صمته تسبيح، و عمله متقبّل، و دعاؤه مستجاب» (3).

و في الحديث القدسي: «الصوم لي، و أنا اجازي به» (4).

و في رواية عمرو بن جميع: «الصوم جنّة من النار» (5)، إلى غير ذلك.

____________

(1) كما في الحدائق 13: 347.

(2) الفقيه 2: 45- 205، الوسائل 10: 409 أبواب الصوم المندوب ب 3 ح 1.

(3) ثواب الأعمال: 51- 3، الوسائل 10: 403 أبواب الصوم المندوب ب 1 ح 24، بإسناده عن الحسين بن أحمد عن أبيه.

(4) الفقيه 2: 44- 198، التهذيب 4: 152- 420، الوسائل 10: 400 أبواب الصوم المندوب ب 7 ح 15 و 16.

(5) التهذيب 4: 191- 544، الوسائل 10: 400 أبواب الصوم المندوب ب 7 ح 13.

482

و لو لم يكن في الصوم إلّا الارتقاء عن حضيض حظوظ النفس البهيميّة إلى ذروة التشبّه بالملائكة الروحانيّة لكفي به فضلا و منقبة و شرفا.

و منها: ما يختصّ بسبب مخصوص

، و أفراده غير محصورة، مذكورة في كتب الأدعية و الآداب.

و منها: ما يختص بوقت معيّن، و ذلك في مواضع:

منها- و هو أوكدها-: صوم ثلاثة أيّام من كلّ شهر:

أول خميس منه، و أول أربعاء من العشر الثاني، و آخر خميس من العشر الأخير، فإنّه قد كثر الحثّ عليه في السنّة المقدّسة، و ورد أنّه يعادل صوم الدهر.

ففي صحيحة حمّاد: «أنّ رسول اللّه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) قبض على صوم ثلاثة أيّام في الشهر، و قال: يعدلنّ صوم الدهر، و يذهبن بوحر الصدر»، قال حمّاد: فقلت: أي الأيّام هي؟ قال: «أول خميس في الشهر، و أول أربعاء بعد العشر منه، و آخر خميس فيه» الحديث (1).

و في صحيحة معاوية بن عمّار: «كان في وصيّة النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) لعلي (عليه السلام): يا علي أوصيك في نفسك بخصال احفظها عنّي، ثمَّ قال: اللهم أعنه»- إلى أنّ قال: «و السادسة: الأخذ بسنّتي في صلاتي و صومي» إلى أن قال: «و أمّا الصيام فثلاثة أيّام في الشهر: الخميس في أوله، و الأربعاء في وسطه، و الخميس في آخره» (2).

____________

(1) الكافي 4: 89- 1، الفقيه 2: 49- 210، التهذيب 4: 302- 913، الاستبصار 2: 136- 444، المقنعة: 369، المحاسن: 301- 8، الوسائل 10: 415 أبواب الصوم المندوب ب 7 ح 1، و الوحر: الوسوسة، و قيل: وحر الصدر- بالتحريك-:

غشه، و قيل: الحقد و الغيظ، و قيل: العداوة، و قيل: أشدّ الغضب- مجمع البحرين 3: 510.

(2) الكافي 8: 79- 33، الوسائل 15: 181 أبواب جهاد النفس ب 4 ح 2، و رواها في الفقيه 4: 139- 483.

483

و في موثّقة زرارة: أنّه جميع ما جرت به السنّة (1)، إلى غير ذلك من الأخبار المتكثّرة (2).

و ما ذكر في تعيين الأيّام الثلاثة هو المشهور رواية و فتوى.

و عن الشيخ: التخيير بين أربعاء بين خميسين، و خميس بين أربعاءين (3).

و عن الإسكافي: شهر بالأول و شهر بالثاني (4).

و عن العماني: تخصيص الأربعاء بالأخير من العشر الأوسط (5).

و عن الحلبي: فأطلق في خميس العشر الأول، و أربعاء الثاني و خميس الثالث (6).

و العمل على المشهور، لموافقته لسنّة رسول اللّه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) و الأئمّة من بعده، كما نطقت به الروايات.

فروع

أ: من ترك هذا الصوم يستحبّ له قضاؤه.

كما صرّح به غير واحد (7)، و دلّت عليه الأخبار، ففي رواية عبد اللّه بن سنان: «لا يقضي شيء

____________

(1) الكافي 4: 93- 9، الفقيه 2: 51- 220، ثواب الأعمال: 81- 8، الوسائل 10: 18 أبواب الصوم المندوب ب 7 ح 6.

(2) انظر الوسائل 10: 415 أبواب الصوم المندوب ب 7.

(3) التهذيب 4: 303.

(4) حكاه عنه في المختلف: 238.

(5) حكاه عنه في المختلف: 238.

(6) الكافي في الفقه: 189.

(7) انظر الشرائع 1: 207، و المسالك 1: 80، و الكفاية: 49، و الحدائق 13:

351.

484

من صوم التطوّع إلّا الثلاثة الأيّام التي كان يصومها من كل شهر» (1)، و غير ذلك.

و في ثبوت القضاء فيما ترك للسفر أو المرض و سقوطه روايتان (2)، مقتضى تعارضهما الرجوع إلى عمومات قضائه (3)، فيستحبّ القضاء و عليه الفتوى.

ب: صرّح جملة من الأصحاب بجواز تأخير هذا الصوم من الصيف إلى الشتاء،

إمّا مطلقا أو مع المشقّة (4)، و دلت عليه النصوص المستفيضة المقيّدة بالمشقّة و المطلقة (5)، و الظاهر أنّ المراد تأخيره بقضاء ما فات من الصيف في الشتاء، فإنّه الظاهر من التأخير، لا ترك الصيف و الاقتصار على الشتاء.

ج: إن عجز عن هذا الصوم أو اشتدّ عليه تصدّق عن كلّ يوم بمدّ من طعام أو بدرهم

، للنصوص المستفيضة (6).

و منها: صوم أيّام البيض من كلّ شهر بالإجماع

، كما عن الغنية و المختلف و المنتهى و التذكرة (7)، له، و للأخبار العديدة (8).

____________

(1) الكافي: 4: 142- 8، التهذيب 4: 233- 685، الاستبصار 2: 100- 327، الوسائل 10: 222 أبواب من يصح منه الصوم ب 21 ح 2.

(2) الكافي 4: 130- 3 و 4، الوسائل 10: 223 أبواب من يصح منه الصوم ب 21 ح 3 و 4.

(3) كما في الوسائل 10: 222 أبواب من يصح منه الصوم ب 21.

(4) كما في الشرائع 1: 207، و المنتهى 2: 609، و المدارك 6: 261 و الكفاية: 49، و الذخيرة: 518، و الحدائق 13: 353، و الرياض 1: 325، و غنائم الأيام: 492.

(5) انظر الوسائل 10: 430 أبواب الصوم المندوب ب 9.

(6) الوسائل 10: 433 أبواب الصوم المندوب ب 11.

(7) الغنية (الجوامع الفقهية): 573، المختلف: 238، المنتهى 2: 609، التذكرة 1: 278.

(8) الوسائل 10: 436 أبواب الصوم المندوب ب 12.

485

و تلك الأيّام: الثالث عشر و الرابع عشر و الخامس عشر، كما في رواية الصدوق (1)، و هو المشهور.

و عن العماني: أنّها الثلاثة المتقدّمة (2). و لا وجه له.

و منها: صوم يوم الغدير،

و هو عيد اللّه الأكبر، و هو الثامن عشر من ذي الحجّة.

و منها: صوم يوم مولد النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم)،

و هو السابع عشر من ربيع الأول، على الأشهر رواية و فتوى.

خلافا للكليني، فجعله الثاني عشر (3)، و حكي الميل إليه عن الشهيد الثاني في فوائد القواعد (4).

و منها: صوم يوم مبعثه

، و هو اليوم السابع و العشرون من شهر رجب.

و منها: صوم يوم دحو الأرض،

و هو اليوم الخامس و العشرون من ذي القعدة، و هو يوم دحيت الأرض، أي بسطت من تحت الكعبة.

و منها: صوم يوم الخامس عشر من رجب.

و منها: صوم أول ذي الحجّة.

و منها: صوم يوم التروية.

و منها: صوم يوم المباهلة،

و هو الرابع و العشرون من ذي الحجّة.

و في المسالك: قيل: إنّه الخامس و العشرون (5). و قائله غير معروف.

____________

(1) علل في الشرائع: 379- 1، الوسائل 10: 436 أبواب الصوم المندوب ب 12 ح 1.

(2) حكاه عن العماني في المختلف: 238.

(3) الكافي 1: 439.

(4) نسبه إليه سبطه صاحب المدارك 6: 264.

(5) المسالك 1: 80.

486

كلّ ذلك لفتوى الأصحاب و روايات الأطياب.

و منها: صوم يوم عرفة،

فقال جماعة باستحبابه بخصوصه (1)، للمستفيضة، كموثّقة محمّد: عن صوم يوم عرفة، قال: «من قوي عليه فحسن إن لم يمنعك من الدعاء، فإنّه يوم دعاء و مسألة فصمه، و إن خشيت أن تضعف عن ذلك فلا تصمه» (2).

و رواية الجعفري: سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول: «كان أبي يصوم يوم عرفة في اليوم الحارّ في الموقف» (3).

و رواية البصري: «صوم يوم عرفة يعدل السنة» و قال: «لم يصمه الحسن و صامه الحسين (عليهما السلام)» (4).

و مرسلة الفقيه: «صوم يوم التروية كفّارة سنة، و يوم عرفة كفّارة سنتين» (5).

و رواية يعقوب بن شعيب: عن صوم يوم عرفة، قال: «إن شئت صمت و إن شئت لم تصم، و ذكر أنّ رجلا أتى الحسن و الحسين (عليهما السلام)، فوجد أحدهما صائما و الآخر مفطرا، فسألهما فقالا: إن صمت فحسن، و إن لم تصم فجائز» (6).

____________

(1) انظر المبسوط 1: 238، و النافع: 71، و التذكرة 1: 278، و المسالك 1: 80، و الرياض 1: 326.

(2) التهذيب 4: 299- 904، الاستبصار 2: 134- 436، الوسائل 10: 465 أبواب الصوم المندوب ب 23 ح 4.

(3) التهذيب 4: 298- 901، الاستبصار 2: 133- 433، الوسائل 10: 465 أبواب الصوم المندوب ب 23 ح 3.

(4) التهذيب 4: 298- 900، الاستبصار 2: 133- 432، الوسائل 10: 465 أبواب الصوم المندوب ب 23 ح 5.

(5) الفقيه 2: 52- 231، الوسائل 10: 467 أبواب الصوم المندوب ب 23 ح 11.

(6) الفقيه 2: 52- 233، الوسائل 10: 466 أبواب الصوم المندوب ب 23 ح 8.

487

و المروي في ثواب الأعمال: «إنّ صوم تاسع ذي الحجّة كفّارة تسعين سنة» (1).

و بإزاء تلك الأخبار أخبار أخر مانعة أو دالّة على عدم الرجحان، كصحيحة محمّد: عن صوم يوم عرفة، فقال: «ما أصومه اليوم، و هو يوم دعاء و مسألة» (2).

و موثّقة محمّد بن قيس: «إنّ رسول اللّه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) لم يصم يوم عرفة منذ نزل صيام شهر رمضان» (3).

و رواية سدير: عن صوم يوم عرفة، فقلت: جعلت فداك، إنّهم يزعمون أنّه يعدل صوم سنة، قال: «كان أبي (عليه السلام) لا يصومه»، قلت: و لم ذلك؟ قال: «إنّ يوم عرفة يوم دعاء و مسألة، و أتخوف أن يضعفني من الدعاء، و أكره أن أصومه، و أتخوّف أن يكون يوم عرفة يوم أضحى، فليس بيوم صوم» (4).

و رواية زرارة: «لا تصم يوم عاشوراء، و لا يوم عرفة بمكّة و لا في المدينة و لا في وطنك و لا في بعض الأمصار» (5).

____________

(1) الفقيه 2: 52- 232، الوسائل 10: 466 أبواب الصوم المندوب ب 23 ح 10، و لم نجده في ثواب الأعمال.

(2) الكافي 4: 145- 1، الوسائل 10: 464 أبواب الصوم المندوب ب 23 ح 1.

(3) التهذيب 4: 298- 902، الاستبصار 2: 133- 434، الوسائل 10: 466 أبواب الصوم المندوب ب 23 ح 7.

(4) الفقيه 2: 53- 235، التهذيب 4: 299- 903، الاستبصار 2: 133- 435، علل الشرائع: 385- 1، الوسائل 10: 465 أبواب الصوم المندوب ب 23 ح 6، بتفاوت يسير.

(5) الكافي 4: 146- 3، التهذيب 4: 300- 909، الاستبصار 2: 134- 440، الوسائل 10: 462 أبواب الصوم المندوب ب 21 ح 6.

488

و لأجل تلك الأخبار ذهب غير واحد من متأخّري المتأخّرين إلى عدم استحبابه بخصوصه و مساواته لسائر الأيّام (1). و هو كذلك، إذ ليس في الأخبار المرغّبة ما يدلّ على خصوصيّة له أصلا زائدة عن استحباب أصل الصوم، سوى ما دلّ على أنّه يعدل صوم سنة، و أنّه كفّارة سنتين أو تسعين.

و هو معارض بالنهي في رواية زرارة، و ترك رسول اللّه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) له و كذا الإمام، كما في صحيحة محمّد و رواية سدير، و قوله: «ليس بيوم صوم» و التخيير في رواية يعقوب بن شعيب، و ظهور رواية سدير في أنّه ليس يعدل سنة، و أنّ ذلك قول العامّة.

و بذلك تترجّح الروايات الدالّة على عدم الاستحباب، فيرجع إلى ما كان من الاستحباب الأصلي الثابت في سائر الأيّام، و به يجمع بين الطائفتين من الأخبار، فالمرغبة تحمل على الاستحباب الأصلي لأصل الصوم، و مقابلتها على نفي الخصوصيّة و رجحان الترك لو أوجب توهّمها، كما صرّح، به في رواية سالم: «دخل رجل يوم عرفة إلى الحسن (عليه السلام) و هو يتغدّى، و الحسين (عليه السلام) صائم، ثمَّ جاء بعد ما قبض الحسن (عليه السلام)، فدخل على الحسين (عليه السلام) يوم عرفة و هو يتغدّى، و علي بن الحسين (عليه السلام) صائم، فقال له الرجل: إنّي دخلت على الحسن (عليه السلام) و هو يتغدّى و أنت صائم، ثمَّ دخلت عليك و أنت مفطر و علي بن الحسين (عليه السلام) صائم؟! فقال: إنّ الحسن (عليه السلام) كان إماما فأفطر لئلّا يتّخذ صومه سنّة و يتأسى به الناس، فلمّا أن قبض كنت أنا الإمام، فأردت أن لا يتخذ صومي سنّة فيتأسى الناس به» (2).

____________

(1) كما في مشارق الشموس: 452، و الحدائق 13: 366.

(2) الفقيه 2: 53- 234، علل الشرائع: 386- 1، الوسائل 10: 467 أبواب الصوم المندوب ب 23 ح 13.

489

فإنّ هذه الرواية صريحة في نفي الخصوصيّة، و أصدق شاهد على الجمع المذكور.

و منه يظهر أنّ الحق: عدم ثبوت خصوصيّة لصوم يوم عرفة، بل هو كسائر الأيّام، و يستحبّ صومه نحو استحبابها، إلّا مع خوف الضعف عن الدعاء أو التباس أول الشهر فينزل عن سائر الأيّام أيضا و يكره صومه، للتصريح بذلك في بعض الروايات المتقدّمة.

و منها: صوم يوم عاشوراء،

فإنّه قال باستحبابه جمع من الأصحاب على وجه الحزن و المصيبة (1)، بل قيل: لا خلاف فيه أجده (2). و عن ظاهر الغنية: الإجماع عليه (3).

أمّا أصل الاستحباب فللمستفيضة من الأخبار، كرواية أبي همام:

«صام رسول اللّه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) يوم عاشوراء» (4).

و رواية مسعدة: «صوموا العاشوراء التاسع و العاشر فإنّه يكفّر ذنوب سنة» (5).

و رواية القدّاح: «صيام يوم عاشوراء كفّارة سنة» (6).

و رواية النواء: «لزقت السفينة يوم عاشوراء على الجودي، فأمر نوح من

____________

(1) كما في المبسوط 1: 282، و النافع: 71، و القواعد 1: 68.

(2) كما في الرياض 1: 326.

(3) الغنية (الجوامع الفقهية): 573.

(4) التهذيب 4: 299- 906، الاستبصار 2: 134- 438، الوسائل 10: 457 أبواب الصوم المندوب ب 20 ح 1.

(5) التهذيب 4: 299- 905، الاستبصار 2: 134- 437، الوسائل 10: 457 أبواب الصوم المندوب ب 20 ح 2.

(6) التهذيب 4: 300- 907، الاستبصار 2: 134- 439، الوسائل 10: 457 أبواب الصوم المندوب ب 20 ح 3.

490

معه من الجنّ و الإنس أن يصوموا ذلك اليوم» و قال أبو جعفر (عليه السلام):

«أ تدرون ما هذا اليوم؟ هذا اليوم الذي تاب اللّه فيه على آدم و حواء (عليهما السلام)» الحديث (1).

و أمّا التقييد بكونه حزنا فللجمع بين ما مرّ و بين الأخبار النافية له جدّا، كرواية زرارة السابقة (2)، و رواية نجيّة: عن صوم يوم عاشوراء؟

فقال: «صوم متروك بنزول شهر رمضان، و المتروك بدعة» قال: فسألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) من بعد أبيه عن ذلك، فأجابني بمثل جواب أبيه، ثمَّ قال: «أما أنّه صوم ما نزل به كتاب و لا جرت به سنّة، إلّا سنّة آل زياد لعنهم اللّه بقتل الحسين بن علي (عليهما السلام)» (3).

و رواية جعفر بن عيسى: عن صوم يوم عاشوراء و ما يقول الناس فيه؟ فقال: «عن صوم ابن مرجانة لعنه اللّه تسألني؟! ذلك يوم صامه الأدعياء من آل زياد لقتل الحسين (عليه السلام)، هو يوم يتشاءم به آل محمّد (صلوات اللّه عليهم) و يتشاءم به أهل الإسلام، و اليوم الذي يتشاءم به أهل الإسلام لا يصام، و لا يتبرّك به، و يوم الاثنين يوم نحس» إلى أن قال: «فمن صامهما أو تبرّك بهما لقي اللّه تعالى ممسوخ القلب، و كان يحشره مع الذين سنّوا صومهما و تبرّكوا بهما» (4).

و رواية النرسي: عن صوم يوم عاشوراء؟ فقال: «من صامه كان حظّه

____________

(1) التهذيب 4: 300- 908، الوسائل 10: 458 أبواب الصوم المندوب ب 20 ح 5.

(2) في ص: 487.

(3) الكافي 4: 146- 4، التهذيب 4: 301- 910، الاستبصار 2: 134- 441، الوسائل 10: 461 أبواب الصوم المندوب ب 21 ح 5.

(4) الكافي 4: 146- 5، التهذيب 4: 301- 911، الاستبصار 2: 135- 442، الوسائل 10: 460 أبواب الصوم المندوب ب 21 ح 3.

491

من صيام ذلك اليوم حظّ ابن مرجانة و آل زياد» قلت: و ما كان حظّهم من ذلك اليوم؟ فقال: «النار، أعاذنا اللّه من النار، و من عمل يقرّب من النار» (1).

و رواية عبد الملك: عن صوم تاسوعاء و عاشوراء من شهر المحرم؟

فقال: «تاسوعاء يوم حوصر فيه الحسين (عليه السلام)» إلى أن قال: «و أمّا يوم عاشوراء فيوم أصيب فيه الحسين (عليه السلام)» إلى أن قال: «فصوم يكون في ذلك اليوم؟! كلّا و ربّ البيت الحرام، ما هو يوم صوم، و ما هو إلّا يوم حزن و مصيبة» إلى أن قال: «فمن صامه، أو تبرّك به حشره اللّه تعالى مع آل زياد ممسوخ القلب مسخوطا عليه» الحديث (2).

و صحيحة زرارة و محمّد: عن صوم يوم عاشوراء، فقال: «كان صومه قبل شهر رمضان، فلما أنزل اللّه شهر رمضان ترك» (3).

و المروي في المصباح: سألته عنه، فقال: «صمه من غير تبييت و أفطره من غير تسميت، و لا تجعله يوم صوم كملا، و ليكن إفطارك بعد العصر بساعة على شربة من ماء» الحديث (4).

و في مجالس الصدوق: قلت: فصوم عاشوراء، قال: «ذلك يوم قتل فيه الحسين (عليه السلام)، فإن كنت شامتا فصم» ثمَّ قال: آل أبي زياد نذروا نذرا

____________

(1) الكافي 4: 147- 6، التهذيب 4: 301- 912، الاستبصار 2: 135- 443، الوسائل 10: 461 أبواب الصوم المندوب ب 21 ح 4.

(2) الكافي 4: 147- 7، الوسائل 10: 459 أبواب الصوم المندوب ب 21 ح 2.

(3) الفقيه 2: 51- 224، الوسائل 10: 459 أبواب الصوم المندوب ب 21 ح 1.

(4) مصباح المتجهد: 724، الوسائل 10: 458 أبواب الصوم المندوب ب 20 ح 7.

و فيهما: بعد صلاة العصر.

و تسميت العاطس: أن تقول له: يرحمك اللّه- الصحاح 1: 254.

492

إن قتل الحسين (عليه السلام) أن يتّخذوا ذلك اليوم عيدا لهم، فيصومون شكرا و يفرحون، فصارت في آل أبي سفيان سنّة إلى اليوم، فلذلك يصومونه» إلى أن قال: «إن الصوم لا يكون للمصيبة، و لا يكون إلّا شكرا للسلامة. و إنّ الحسين (عليه السلام) أصيب يوم عاشوراء، فإن كنت فيمن أصيب به فلا تصم، و إن كنت ممّن سرّه سلامة بني أميّة فصم شكرا للّه» (1).

و لا يخفي أنّه لا دلالة في شيء من أخبار الطرفين على التقييد المذكور، و لا شاهد على ذلك الجمع من وجه، بل في الرواية الأخيرة: إنّ الصوم لا يكون للحزن و المصيبة. فجعله وجها للجمع خروج عن الطريقة، بل لا وجه له، بل مقتضي الطريقة طرح الأخبار الأولى بالكلية، لمرجوحيّتها بموافقة أخبث طوائف العامّة موافقة قطعيّة، و الأخبار بها مصرّحة (2) و لذلك جعل في الوافي الأولى تركه (3).

و قال بعض مشايخنا فيه بالحرمة (4)، و هو في غاية الجودة، بمعنى حرمته لأجل الخصوصيّة و إن لم يحرم من جهة مطلق الصوم.

و لا يضرّ ضعف إسناد بعض تلك الأخبار بعد وجودها في الكتب المعتبرة، مع أنّ فيها الصحيحة.

و لا يرد ما قيل من أنّها مخالفة للشهرة، بل لم يقل به أحد من الطائفة، و مع ذلك مع أخبار استحباب مطلق الصوم معارضة (5) لأنّ جميع

____________

(1) لم نجدها في أمالي الصدوق، و هي موجودة في أمالي الشيخ: 677، الوسائل 10: 462 أبواب الصوم المندوب ب 21 ح 7.

(2) كما في الوسائل 10: 459 أبواب الصوم المندوب ب 21.

(3) الوافي 11: 76.

(4) كما في الحدائق 13: 375 و 376.

(5) انظر الرياض 1: 326.

493

ذلك إنّما يرد لو قلنا بالتحريم بالمرّة لا بقصد الخصوصية و لأجل أنّه السنّة، و أمّا معه فلا نسلّم المخالفة للشهرة، و لا تعارضها أخبار مطلق الصوم.

فالحقّ: حرمة صومه من هذه الجهة، فإنّه بدعة عند آل محمّد متروكة، و لو صامه من حيث رجحان مطلق الصوم لم يكن بدعة و إن ثبتت له المرجوحيّة الإضافيّة.

و الأولى العمل برواية المصباح المتقدّمة.

و أمّا ما في رواية النواء- من ذكر بعض فضائل يوم عاشوراء- فيعارضه ما في رواية أخرى في مجالس الصدوق في تكذيب تلك الرواية (1).

و منها: صوم يوم الجمعة من كلّ شهر،

للمروي في العيون، قال:

«قال رسول اللّه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم): من صام يوم الجمعة صبرا و احتسابا اعطى ثواب صيام عشرة أيّام غيرها لا تشاكل أيّام الدنيا» (2).

و قد يستدلّ ببعض أخبار أخر، كما دلّ على رؤيته (عليه السلام) صائما قائلا:

«إنّه يوم خفض و دعة» (3) أو على الترغيب على عمل الخير فيه، معلّلا بتضاعف الحسنات فيه (4)، و غير ذلك (5).

و شيء منها لا يدلّ على المطلوب- الذي هو صوم يوم الجمعة- من حيث إنّه صومه و إن دلّ على حسنه من حيث العبادة أو تضاعف الخيرات،

____________

(1) راجع ص: 491 و 493.

(2) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 35- 92، الوسائل 10: 412 أبواب الصوم المندوب ب 5 ح 2.

(3) التهذيب 4: 316- 959، الوسائل 10: 412 أبواب الصوم المندوب ب 5 ح 5.

(4) انظر الخصال 2: 392- 93، الوسائل 10: 412 أبواب الصوم المندوب ب 5 ح 4.

(5) كما في الوسائل 10: 411 أبواب الصوم المندوب ب 5.

494

فالمستند ما ذكرناه مضافا إلى فتوى الأصحاب.

و أمّا مكاتبة الصيقل: رجل نذر أن يصوم يوما من الجمعة دائما ما بقي، فوافق ذلك اليوم عيد فطر أو أضحى أو يوم جمعة أو أيّام التشريق أو سفر أو مرض، هل عليه صوم ذلك اليوم أو قضاؤه؟ أو كيف يصنع يا سيّدي؟ فكتب (عليه السلام): «قد وضع اللّه الصيام في هذه الأيّام كلّها، و يصوم يوما بدل يوم إن شاء اللّه تعالى» (1).

فلا تعارض ما مرّ، لاختلاف النسخ، و عدم ذكر يوم الجمعة في البعض، مع أنّه على فرض ذكره أيضا متروك غير معمول به، إذ يجب الوفاء بنذره يوم الجمعة أو يشار إلى غير الجمعة من تلك الأيّام.

و يظهر من بعض الروايات كراهة إفراده بالصوم، كالمروي في صحيفة الرضا (عليه السلام): «لا تفردوا الجمعة بصوم» (2)، و رواية أخرى في التهذيب (3).

و لا يضرّ كون الرواية ضعيفة، للتسامح في أدلة الكراهة.

أقول: الكراهة هنا بمعنى: أقلّية الثواب، و لم يثبت التسامح في ذلك المعنى، فإنّ الروايتين تتعارضان مع الإطلاق المتقدّم- المثبت للثواب و لو مع الإفراد- و هما تنفيانه، و لا دليل على قبول الروايات الضعيفة في ذلك التقييد.

و منها: صوم شهر رجب و شهر شعبان بعضا أو كلّا،

و هو ممّا

____________

(1) التهذيب 4: 234- 686، الاستبصار 2: 101- 328، الوسائل 10: 196 أبواب من يصح منه الصوم ب 10 ح 2.

(2) لم نجده في صحيفة الرضا (عليه السلام) و وجدناه في عيون الأخبار 2: 73- 346، الوسائل 10: 412 أبواب الصوم المندوب ب 5 ح 3.

(3) التهذيب 4: 315- 958، الوسائل 10: 413 أبواب الصوم المندوب ب 5 ح 6.

495

لا خلاف فيه بين الأصحاب كما صرّح به غير واحد أيضا (1)، و استفاضت به الروايات بل تواترت (2). و ما ورد في شعبان على خلافه (3) مطروح أو مؤوّل.

و منها: صيام ستّة أيّام متوالية بعد عيد الفطر بغير فصل،

ذكره جمع من الأصحاب (4)، لرواية عامية فيها: «إنّ صومها يعدل صوم الدهر» (5).

و لم يستحبّها الشيخ في المصباح، و نقل عن بعض الأصحاب كراهتها (6)، و هو الظاهر من بعض آخر (7)، و هو الأظهر.

لصحيحة البجلي: عن اليومين اللذين بعد الفطر، أ يصامان أم لا؟

فقال: «أكره لك أن تصومهما» (8).

و رواية زياد: «لا صيام بعد الأضحى ثلاثة أيّام، و لا بعد الفطر ثلاثة أيّام» (9).

و موثقة حريز: «إذا أفطرت رمضان فلا تصومنّ بعد الفطر تطوّعا إلّا بعد ثلاثة يمضين» (10).

____________

(1) كما في الغنية (الجوامع الفقهية): 573، و المنتهى 2: 612، و الرياض 1: 327.

(2) الوسائل 10: 471 و 485 أبواب الصوم المندوب ب 26 و 28.

(3) الوسائل 10: 487 و 491 أبواب الصوم المندوب ب 28 ح 6 و 17.

(4) كما في المنتهى 2: 614، و التذكرة 1: 279، و الروضة 2: 135.

(5) صحيح مسلم 2: 822، و سنن الترمذي 2: 129- 756، بتفاوت يسير.

(6) انظر النهاية: 169، و مصباح المتهجد: 610.

(7) انظر الحدائق 13: 387.

(8) الكافي 4: 148- 3، الوسائل 10: 519 أبواب الصوم المحرم و المكروه ب 3 ح 2.

(9) الكافي 4: 148- 2، التهذيب 4: 330- 1031، الوسائل 10: 519 أبواب الصوم المحرم و المكروه ب 3 ح 1.

(10) التهذيب 4: 298- 899، الاستبصار 2: 132- 431، الوسائل 10: 519 أبواب الصوم المحرم و المكروه ب 3 ح 1.

496

و لا شكّ أنّ هذه الروايات تترجّح على الرواية العامية، و المسامحة في أدلّة السنن إنّما تكون إذا لم يعارضها ما هو راجح عليها.

و منها: صوم يوم النيروز،

للمروي في مصباح المتهجّد (1).

و منها: صوم يوم الخميس،

للشهرة بين الأصحاب (2).

و منها: صوم أول يوم من المحرم،

للمستفيضة من الروايات (3).

و منها: صوم تسعة أيّام من أول ذي الحجّة.

للمروي مرسلا في المصباح (4)، و أنّه يكتب له صوم الدهر (5) و يعارضه ما مرّ في صوم يوم عرفة (6)، فلا بدّ إمّا من حمل ما دلّ على عدم استحباب صوم عرفة على ما إذا لم يكن من تتمّة التسع، أو يخصّص يوم عرفة من بين التسع، و هذا هو الأظهر.

و كذلك الكلام فيما ورد في استحباب صوم شهر المحرّم كله بالنسبة إلى صوم يوم عاشوراء.

و قد ذكر بعض الأصحاب جملة أخرى من الأيّام أيضا ممّا يستحبّ صومها (7)، و لم نتعرّض لها، لعدم وجود نصّ بخصوصه فيها.

و تلحق بهذا المقام مسائل:

المسألة الاولى: لا يجب الصوم النافلة بالشروع

، بل يجوز الإفطار

____________

(1) مصباح المتهجّد: 790، الوسائل 10: 468 أبواب الصوم المندوب ب 24 ح 1.

(2) كما في المنتهى 2: 614، و التذكرة 1: 279، و الذخيرة: 520.

(3) الوسائل 10: 468 أبواب الصوم المندوب ب 25.

(4) مصباح المتهجّد: 613، الوسائل 10: 453 أبواب الصوم المندوب ب 18 ح 2.

(5) الفقيه 2: 52- 230، الوسائل 10: 453 أبواب الصوم المندوب ب 18 ح 3.

(6) راجع ص: 487.

(7) انظر المقنعة: 368، و المنتهى 2: 614.

497

فيه إلى الغروب، بلا خلاف يوجد- إلّا في صوم الاعتكاف على قول كما سيأتي- بل بالإجماع كما في كلام جماعة، منهم المدارك (1)، للأصل، و الأخبار:

كصحيحة جميل، و فيها: «و إن كان تطوّعا فإنّه إلى الليل بالخيار» (2).

و رواية إسحاق بن عمّار: «الذي يقضي شهر رمضان هو بالخيار في الإفطار ما بينه و بين أن تزول الشمس، و في التطوّع ما بينه و بين أن تغيب الشمس» (3).

و رواية سماعة: «فأمّا النافلة، فله أن يفطر أيّ ساعة شاء إلى غروب الشمس» (4).

و رواية ابن سنان: «صوم النافلة لك أن تفطر ما بينك و بين الليل متى شئت» (5).

نعم، يكره نقضه بعد الزوال عندنا، كما عن الخلاف (6)، لرواية مسعدة: «الصائم تطوّعا بالخيار ما بينه و بين نصف النهار، فإذا انتصف النهار فقد وجب الصوم» (7).

____________

(1) المدارك 6: 274.

(2) التهذيب 4: 280- 849، الاستبصار 2: 122- 396، الوسائل 10: 16 أبواب وجوب الصوم و نيته ب 4 ح 4.

(3) التهذيب 4: 280- 848، الاستبصار 2: 122- 395، الوسائل 10: 18 أبواب وجوب الصوم و نيته ب 4 ح 10.

(4) الكافي 4: 122- 3، الفقيه 2: 96- 433، التهذيب 4: 187- 527، الوسائل 10: 17 أبواب وجوب الصوم و نيته ب 4 ح 8.

(5) التهذيب 4: 278- 841، الاستبصار 2: 120- 389، الوسائل 10: 18 أبواب وجوب الصوم و نيته ب 4 ح 9.

(6) الخلاف 2: 220.

(7) التهذيب 4: 281- 850، الاستبصار 2: 122- 397، الوسائل 10: 19 أبواب وجوب الصوم و نيته ب 4 ح 11.

498

و رواية معمّر: النوافل ليس لي أن أفطر فيها بعد الظهر؟ قال: «نعم» (1).

و إنّما حملنا على الكراهة مع ظهورها في الوجوب بقرينة ما سبق، مع أنّ بقاءهما على ظاهريهما يوجب طرحهما بالشذوذ، مضافا إلى أنّه مع التعارض- و قطع النظر عن ترجيح أحاديث الجواز بالأصحّيّة و الأشهريّة و الأصرحيّة- يرجع إلى الأصل.

هذا مع ما في الأخيرة من خفاء الدلالة، لجواز أن يكون «نعم» بمعنى: لك أن تفطر، و أيضا: ليس لك أن تفطر، ليس صريحا في الحرمة، لاحتمال نفي الإباحة بالمعنى الخاصّ.

و يستثنى من الكراهة من يدعى الى طعام، فلا يكره له قطعه مطلقا، بل يكره المضيّ عليه، كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى.

المسألة الثانية: لا يجوز لمن عليه قضاء رمضان أن يتطوّع بشيء من الصيام،

بلا خلاف- إلّا من السيّد في المسائل الرسّية (2)- لصحيحة الحلبي:

عن الرجل عليه من شهر رمضان طائفة، أ يتطوّع؟ قال: «لا، حتى يقضي ما عليه من شهر رمضان» (3)، و قريبة منها رواية الكناني (4).

و صحيحة زرارة، و فيها: «أ تريد أن تقايس؟ لو كان عليك من شهر رمضان أ كنت تتطوع؟! إذا دخل عليك وقت الفريضة فابدأ بالفريضة» (5).

____________

(1) التهذيب 4: 166- 473، الوسائل 10: 17 أبواب وجوب الصوم و نيته ب 4 ح 5.

(2) المسائل الرسيّة (رسائل السيّد المرتضى 2): 366.

(3) الكافي 4: 123- 2، التهذيب 4: 276- 836، الوسائل 10: 346 أبواب أحكام شهر رمضان ب 28 ح 5.

(4) الكافي 4: 123- 1، التهذيب 4: 276- 836، الوسائل 10: 346 أبواب أحكام شهر رمضان ب 28 ح 6.

(5) التهذيب 2: 133- 513، الاستبصار 1: 283- 1031، الوسائل 10: 345 أبواب أحكام شهر رمضان ب 28 ح 1.

499

و قال في المقنع: و أعلم أنّه لا يجوز أن يتطوّع الرجل و عليه شيء من الفرض، كذا وجدته في الأحاديث (1).

و في الفقيه: وردت الأخبار و الآثار عن الأئمّة: أنّه لا يجوز أن يتطوّع الرجل بالصيام و عليه شيء من الفرض (2).

و قصور دلالة بعض ما ذكر على الوجوب ينجبر بصراحة البعض الآخر، كما أنّ ضعف البعض الآخر بالشهرة ينجبر.

و هل يجوز لمن في ذمّته واجب آخر غير القضاء التطوّع، أم لا؟

الأول للسيّد (3) و ظاهر الكليني و الصدوق و المدارك (4)، و اختاره بعض مشايخنا (5)، للأصل الخالي عن المعارض.

و حكي عن ظاهر الأكثر: الثاني (6)، و يدلّ عليه ما في المقنع و الفقيه (7)، و هما بمنزلة خبران مرسلان مجبوران بحكاية الشهرة، بل بالشهرة المعلومة، فهو الأظهر.

و نسبة الأول الى الصدوق غير معلومة، بل ظاهره: الثاني.

المسألة الثالثة: إذا دعي الصائم تطوّعا إلى الإفطار يستحبّ له الإفطار،

بلا خلاف كما قيل (8)، بل بالاتّفاق كما في المعتبر (9)، للمستفيضة:

____________

(1) المقنع: 64.

(2) الفقيه 2: 87- 392 و 393، الوسائل 10: 346 أبواب أحكام شهر رمضان ب 28 ح 3.

(3) حكاه عن السيّد في المختلف: 238.

(4) الكليني في الكافي 4: 123، الصدوق في المقنع: 64، المدارك 6: 210.

(5) انظر كشف الغطاء: 324.

(6) كما في الذخيرة: 530، و الحدائق 13: 319.

(7) المقنع: 64، الفقيه 2: 87.

(8) في الحدائق 13: 206.

(9) المعتبر 2: 712.

500

كرواية إسحاق: «إفطارك لأخيك المؤمن أفضل من صيامك تطوّعا» (1)، و الدلالة إنّما هي إذا فسّر قوله: «لأخيك» أي لأجل أخيك.

و الرقّي: «لإفطارك في منزل أخيك المسلم أفضل من صيامك سبعين ضعفا، أو تسعين ضعفا» (2).

و نجم بن حطيم: «من نوى الصوم ثمَّ دخل على أخيه، فسأله أن يفطر، عنده فليفطر، و ليدخل عليه السرور، فإنّه يحسب له بذلك اليوم عشرة أيّام» (3).

و الخثعمي: عن الرجل ينوي الصوم، فيلقاه أخوه الذي هو على أمره فيسأله أن يفطر، أ يفطر؟ قال: «إن كان الصوم تطوّعا أجزأه و حسب له» (4).

و الأفضل له عدم الإعلام بالصوم بلا خلاف، لصحيحة جميل: «من دخل على أخيه و هو صائم فأفطر عنده، فلم يعلمه بصومه فيمنّ عليه، كتب اللّه له صوم سنة» (5).

و روايته: «أيّما رجل مؤمن دخل على أخيه و هو صائم، فسأله الأكل فلم يخبره بصيامه فيمنّ عليه بإفطاره، كتب اللّه تعالى له بذلك اليوم صيام

____________

(1) الكافي 4: 150- 1، الوسائل 10: 152 أبواب آداب الصائم ب 8 ح 3.

(2) الكافي 4: 151- 6، الفقيه 2: 51- 221، العلل 2: 387- 2، المحاسن:

411- 145، ثواب الأعمال: 82- 1، الوسائل 10: 153 أبواب آداب الصائم ب 8 ح 6.

(3) الكافي 4: 150- 2، الوسائل 10: 151 أبواب آداب الصائم ب 8 ح 1.

(4) الكافي 4: 122- 7، الفقيه 2: 96- 434، الوسائل 10: 152 أبواب آداب الصائم ب 8 ح 2.

(5) الكافي 4: 150- 3، الفقيه 2: 51- 222، العلل: 387- 3، المحاسن:

412- 153، ثواب الأعمال: 82- 2، الوسائل 10: 152 أبواب آداب الصائم ب 8 ح 4.

501

سنة» (1).

و لا فرق في ذلك بين قبل الزوال و بعده، للإطلاقات، و خصوص رواية ابن جندب: أدخل على القوم و هم يأكلون، و قد صلّيت العصر و أنا صائم، فيقولون: أفطر، فقال: «أفطر، فإنّه أفضل» (2).

و لا بين من هيّأ له طعاما و غيره، للإطلاق.

نعم، قال في الحدائق: المستفاد من هذه الأخبار تعليق الاستحباب على الدعوة إلى طعام. و ما اشتهر في هذه الأوقات سيّما في بلاد العجم- من تعمّد تفطّر الصائم بشيء يدفع إليه، من تمرة أو يسير من الحلو أو نحو ذلك لأجل تحصيل الثواب بذلك- فليس بداخل تحت الأخبار، و لا هو ممّا يترتّب عليه الثواب المذكور (3). انتهى.

أقول: المستفاد من الأكثر و إن كان ذلك، إلّا أنّ إطلاق رواية الخثعمي يكفي في إثبات التعميم، و كفاية ما اشتهر في هذه الأوقات في درك الفضيلة و الثواب.

المسألة الرابعة: يكره الصوم المندوب للضيف بدون إذن مضيفه مطلقا،

وفاقا للديلمي و ابني زهرة و حمزة و المنتهى و التذكرة و القواعد (4)، و نسب إلى المشهور (5).

أمّا عدم التحريم فللأصل.

____________

(1) الكافي 4: 150- 4، الوسائل 10: 153 أبواب آداب الصائم ب 8 ح 5.

(2) الكافي 4: 151- 5، الوسائل 10: 154 أبواب آداب الصائم ب 8 ح 7.

(3) الحدائق 13: 207.

(4) الديلمي في المراسم: 96، لم نعثر عليه في الغنية و حكاه عنه في الرياض 1: 327، ابن حمزة في الوسيلة: 147، المنتهى 2: 615، التذكرة 1: 279، القواعد 1: 68.

(5) كما في الحدائق 13: 201.

502

و أمّا الكراهة فلرواية الزهري، و فيها: «و الضيف لا يصوم تطوّعا إلّا بإذن صاحب البيت» (1)، و نحوها الرضوي (2)، و المرويّ في الفقيه في وصيّة النبيّ للوليّ (عليهما السلام) (3).

و رواية هشام: «من فقه الضيف أن لا يصوم تطوّعا إلّا بإذن صاحبه» (4).

و رواية الفضيل: «لا ينبغي للضيف أن يصوم إلا بإذنهم، لئلا يعملوا له الشيء فيفسد عليهم، و لا ينبغي لهم أن يصوموا إلّا بإذن الضيف، لئلّا يحتشمهم» (5).

خلافا للمحكيّ عن الشيخين و الحلّي و المعتبر و النافع و الإرشاد و التلخيص و التبصرة (6)، بل في المعتبر الإجماع عليه (7)، فحرّموه، للروايات المذكورة.

و تضعف بعدم دلالة شيء منها على الحرمة، بل ظهور بعضها في الكراهة، حتى رواية الزهري و الرضوي، لجعل صوم الضيف فيهما في أقسام صوم الإذن في مقابل الصيام المحرّم.

____________

(1) الكافي 4: 83- 1، الفقيه 2: 46- 208، التهذيب 4: 294- 895، الخصال:

534- 2، الوسائل 10: 529 أبواب الصوم المحرم و المكروه ب 10 ح 1.

(2) فقه الرضا (عليه السلام): 202، مستدرك الوسائل 7: 555 أبواب الصوم المحرم و المكروه ب 8 ح 1.

(3) الفقيه 4: 258- 824، الوسائل 10: 530 أبواب الصوم المحرم و المكروه ب 10 ح 4.

(4) الكافي 4: 151- 2، الفقيه 2: 99- 445، علل الشرائع: 385- 4، الوسائل 10: 530 أبواب الصوم المحرم و المكروه ب 10 ح 2.

(5) الفقيه 2: 99- 444، العلل: 384- 2، الوسائل 10: 528 أبواب الصوم المحرم و المكروه ب 9 ح 1.

(6) المفيد في المقنعة: 367، الطوسي في المبسوط 1: 283، الحلّي في السرائر 1: 420، المعتبر 2: 712، النافع: 71، الإرشاد 1: 301، التبصرة: 56.

(7) المعتبر 2: 712.