مستند الشيعة في أحكام الشريعة - ج10

- الشيخ أحمد بن محمد مهدي النراقي المزيد...
576 /
303

و مقتضى الاستثناء انتفاؤها في الواثق.

و أمّا الخامسة، فلأنّ نفي البأس عمّن لم يفعل بشهوة ينفي الحرمة، و إثبات عدم الصلاح لمن فعل بشهوة يثبتها، لأنّ ضدّ الصلاح الفساد.

و أمّا السادسة، فظاهرة.

و على هذا، فيظهر عدم دليل للقولين الأخيرين، و وجوب رفع اليد عنهما، فيبقى الأول، و لكن يجب تقييده بما لم تثبت فيه الحرمة، و لكنّها ثابتة فيما خاف من الإنزال و لم يكن واثقا بنفسه، فإنّه يحرم حينئذ على الأظهر، كما هو أحد القولين على ما ذكره في المنتهى (1)، للأمر بالتنزّه في صحيحة محمّد و زرارة، و مرسلة الفقيه: عن الرجل يلصق بأهله في شهر رمضان؟

قال: «ما لم يخف على نفسه فلا بأس» (2)، دلّت بالمفهوم على البأس- الذي هو العذاب- مع الخوف و لا ينافيه قوله: «يكره» في صحيحة الحلبي، لأنّه أعمّ من الحرمة، و على ذلك يحمل الأمر بالاستغفار في رواية رفاعة، حيث إنّ الإمذاء لا ينفكّ عن عدم الوثوق.

و منها: جلوس المرأة في الماء

على الأظهر الأشهر، للشهرة، و موثّقة حنّان: عن الصائم يستنقع في الماء؟ قال: «لا بأس، و لكن لا يغمس فيه، و المرأة لا تستنقع في الماء، لأنّها تحمل الماء بفرجها» (3).

خلافا للمحكيّ عن الديلمي و الحلّي و ابن زهرة و القاضي (4)، و ظاهر

____________

(1) المنتهى 2: 581.

(2) الفقيه 2: 71- 300، الوسائل 10: 98 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 33 ح 6.

(3) الكافي 4: 106- 5، الفقيه 2: 71- 307 بتفاوت يسير، التهذيب 4:

263- 789، الوسائل 10: 37 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 3 ح 6.

(4) الديلمي في المراسم: 98، لم نعثر عليه في السرائر و هو موجود في الكافي للحلبي:

183، ابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية): 571، القاضي في المهذب 1: 192.

304

الفقيه (1)، و محتمل المقنعة (2)، فحرّموه، إمّا مع القضاء كالأولين، أو مع الكفّارة كالمتعقّبين لهما، أو بدونهما كالباقين، للموثّقة في الحرمة، و لعدم اتّجاه التعليل المذكور فيها لو لا الإفساد الموجب للقضاء أوله و للكفّارة فيهما، بل تصريحه بأنّه يوصل الجوف و هو مفسد، مضافا في الثلاثة إلى الإجماع المدّعى في الغنية.

و يضعّف الكلّ بضعف دلالة الموثّقة- لمكان الجملة الخبريّة- على الحرمة، و كفاية الكراهة في توجيه التعليل، حيث إنّه موجب لرفع العطش المطلوب في الصوم، و منع كلّ إيصال إلى الجوف و لو مع عدم صدق الأكل و الشرب مفسدا، و عدم حجّيّة الإجماع المنقول.

و لا يكره ذلك من الرجل و لا من الخنثى و المجبوب، للأصل الخالي عن المعارض، بل المقارن للمؤيّد كما مرّ.

و منها: السواك بالرطب

، وفاقا للمحكيّ عن الشيخ و العماني و ابن زهرة و المدارك (3)، بل جماعة من متأخّري المتأخّرين كما قيل (4)، للمعتبرة:

كصحيحة الحلبي: عن الصائم يستاك بالماء؟ قال: «لا بأس به»، و قال: «لا يستاك بسواك رطب» (5).

و ابن سنان: «كره للصائم أن يستاك بسواك رطب» (6).

____________

(1) الفقيه 2: 71- 307.

(2) المقنعة: 356.

(3) الشيخ في النهاية: 156، حكاه عن العماني في المختلف: 223، ابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية): 571، المدارك 6: 74.

(4) الرياض 1: 308.

(5) الكافي 4: 112- 2، التهذيب 4: 323- 992، الوسائل 10: 84 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 28 ح 10.

(6) الكافي 4: 112- 3، التهذيب 4: 263- 787، الاستبصار 2: 92- 294، الوسائل 10: 85 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 28 ح 11.

305

و موثّقة الساباطي: في الصائم ينزع ضرسه؟ قال: «لا، و لا يدمي فاه، و لا يستاك بعود رطب» (1).

و محمّد: «يستاك الصائم أيّ النهار شاء، و لا يستاك بعود رطب» (2).

و رواية أبي بصير: «لا يستاك الصائم بعود رطب» (3).

خلافا للمشهور، فلا يكره، بل يستحبّ، و عن المنتهى: أنّه مذهب علمائنا أجمع إلّا العماني (4)، للأصل، و الحصر، و عمومات السواك (5)، و خصوص المستفيضة المجوّزة للسواك بقول مطلق للصائم بقوله: «يستاك»، كصحيحة ابن سنان (6)، و موثّقة محمّد (7)، و روايتي أبي بصير (8) و أبي الجارود (9). أو النافية للبأس عن السواك بالعود الرطب، كصحيحة الحلبي (10)،

____________

(1) الكافي 4: 112- 4، الفقيه 2: 70- 294 و فيه بنقص، الوسائل 10: 85 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 28 ح 12.

(2) التهذيب 4: 262- 785، الاستبصار 2: 91- 292، الوسائل 10: 84 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 28 ح 8.

(3) التهذيب 4: 262- 786، الاستبصار 2: 92- 293، الوسائل 10: 84 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 28 ح 7.

(4) المنتهى 2: 568.

(5) الوسائل 2: أبواب السواك ب 1 و 2 و 3.

(6) التهذيب 4: 261- 780، الوسائل 10: 82 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 28 ح 1.

(7) التهذيب 4: 262- 784، الوسائل 10: 83 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 28 ح 6.

(8) التهذيب 4: 262- 781، الوسائل 10: 82 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 28 ح 2.

(9) التهذيب 4: 262- 783، الوسائل 10: 83 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 28 ح 5.

(10) التهذيب 4: 262- 782، الاستبصار 2: 91- 291، الوسائل 10: 83 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 28 ح 3.

306

و خصوص رواية الرازي: عن السواك في شهر رمضان؟ قال: «جائز»- إلى أن قال-: فقال: ما تقول في السواك الرطب يدخل رطوبته في الحلق؟

فقال: «الماء للمضمضة أرطب من السواك الرطب» (1).

و نحوها المرويّ في قرب الإسناد عن عليّ (عليه السلام)، و في آخره: «فقال علي (عليه السلام): فإن قال قائل: لا بدّ من المضمضة لسنّة الوضوء، قيل له: فإنّه لا بدّ من السواك للسنّة التي جاء بها جبرئيل» (2).

و بما مرّ يدفع الأصل، و يقيّد الحصر، و يخصّص العموم، كما أنّ به تخصّص أيضا بغير الرطب مطلقات مجوّزات السواك للصائم، مع أنّها غير دالّة إلّا على الجواز الغير المنافي للكراهة، كما أنّ نفي البأس- الذي هو العذاب- في صحيحة الحلبي الأخيرة لا ينافيها أيضا.

و ممّا ذكر يعلم عدم منافاة إثبات الجواز في الروايتين الأخيرتين لها أيضا، بل و كذا قوله فيهما: «الماء للمضمضة أرطب»، لأنّ القائل استدرك دخول الرطوبة في الحلق، فتوهّم منه نفي الجواز الثابت أولا، فردّ (عليه السلام) عليه بما ردّ، و قال: إنّ دخول الرطوبة لا ينفي الجواز، لوجوده في المضمضة.

نعم، في قوله في الذيل: «فإن قال قائل» إلى آخره، دلالة على انتفاء الكراهة، بل ثبوت الاستحباب، إلّا أنّه لا يثبته إلّا في مطلق السواك، فإنّه الذي سنّه جبرئيل، و لذا أطلق الإمام (عليه السلام) أيضا، فيجب التخصيص،

____________

(1) التهذيب 4: 263- 788 بتفاوت يسير، الاستبصار 2: 92- 295، الوسائل 10: 83 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 28 ح 4.

(2) قرب الإسناد: 89- 297، الوسائل 10: 86 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 28 ح 15.

307

فتأمّل، مع أنّه على الدلالة أيضا لا يقاوم ما مرّ، لأكثريّته و أصحيته و أصرحيّته. و نقل الكراهة عن أحمد (1) لا يجعله موافقا للعامّة فتدبّر.

و منها: الاكتحال

، فيكره مطلقا و إن اشتدّت فيما فيه مسك أو طعم يجده في الحلق، و لا يحرم.

أمّا عدم الحرمة، فبالإجماع، و الأصل، و الحصر، و الأخبار النافية للبأس عن مطلق الاكتحال، كصحيحتي محمّد (2) و عبد الحميد (3)، و مرسلة سليم (4)، و روايات عبد اللّه بن ميمون (5) و ابن أبي يعفور (6) و غياث بن إبراهيم (7).

و أمّا الكراهة مطلقا، فللأخبار الناهية عن مطلقه، كصحيحتي الأشعري (8) و الحلبي (9)، و رواية الحسن بن عليّ (10)، و هي واردة بالجملة

____________

(1) انظر المغني لابن قدامة 3: 45.

(2) الكافي 4: 111- 1، التهذيب 4: 258- 765، الاستبصار 2: 89- 278، الوسائل 10: 74 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 25 ح 1.

(3) التهذيب 4: 259- 767، الاستبصار 2: 89- 280، الوسائل 10: 76 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 25 ح 7.

(4) الكافي 4: 111- ذ. ح 1، الوسائل 10: 74 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 25 ح 1.

(5) التهذيب 4: 260- 775، الاستبصار 2: 90- 288، الوسائل 10: 75 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 25 ح 4.

(6) التهذيب 4: 258- 766، الاستبصار 2: 89- 279، الوسائل 10: 75 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 25 ح 6.

(7) التهذيب 4: 214- 622، الوسائل 10: 76 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 25 ح 10.

(8) الكافي 4: 111- 2، الوسائل 10: 75 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 25 ح 3.

(9) التهذيب 4: 259- 769، الاستبصار 2: 89- 282، الوسائل 10: 76 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 25 ح 9.

(10) التهذيب 4: 259- 768، الاستبصار 2: 89- 281، الوسائل 10: 76 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 25 ح 8.

308

الخبريّة فلا تفيد أزيد من الكراهة.

و أمّا شدّتها مع أحد الوصفين، فلصحيحة محمّد: عن المرأة تكتحل و هي صائمة؟ فقال: «إذا لم يكن كحلا تجد له طعما في حلقها فلا بأس» (1).

و موثّقته: عن الكحل للصائم؟ فقال: «إذا كان كحلا ليس فيه مسك و ليس له طعم في الحلق فلا بأس» (2).

و المرويّ في قرب الإسناد «إنّ عليّا (عليه السلام) كان لا يرى بأسا بالكحل للصائم إذا لم يجد طعمه» (3).

و الرضويّ: «لا بأس بالكحل إذا لم يكن [ممسّكا]» (4).

و مفهوم تلك الأخبار و إن اقتضى الحرمة مع أحد الوصفين، إلّا أنّ الإجماع على عدم الحرمة أوجب الحمل على نوع من الكراهة، و لثبوت أصلها لمطلقه يفهم العرف من التخصيص بالذكر شدّة فيه.

مضافا إلى رواية ابن أبي غندر: أكتحل بكحل فيه مسك و أنا صائم؟

فقال: «لا بأس به» (5).

و المشهور اختصاص الكراهة بما فيه أحد الوصفين، كجماعة (6)، أو

____________

(1) التهذيب 4: 259- 771، الاستبصار 2: 90- 284، الوسائل 10: 75 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 25 ح 5.

(2) الكافي 4: 111- 3، التهذيب 4: 259- 770، الوسائل 10: 74 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 25 ح 2.

(3) قرب الإسناد: 89- 295، الوسائل 10: 77 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 25 ح 12.

(4) فقه الرضا «ع»: 212، مستدرك الوسائل 7: 334 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب

16 ح 2. بدل ما بين المعقوفتين في النسخ: مسكا، و ما أثبتناه من المصدر.

(5) التهذيب 4: 260- 772، الاستبصار 2: 90- 285، الوسائل 10: 77 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 25 ح 11.

(6) انظر الكفاية: 47، و الرياض 1: 308.

309

الأول خاصّة، كالمحقّق و الشهيد (1)، أو مع ما فيه صبر، كما في الروضة (2)، أو مع ما فيه رائحة حادّة، كبعضهم (3)، للجمع بين الصنفين المطلقين من الأخبار بالصنف المفصّل، و هو كان حسنا لو تنافيا الصنفان، و كان نفي البأس نفيا للكراهة أيضا، و ليس كذلك.

و منها: إخراج الدم مع خوف الضعف

، للصحاح المستفيضة، كصحاح الأعرج (4)، و الحلبي (5)، و ابن سنان (6)، و الحسين بن أبي العلاء (7)، و غيرها (8)، و هي و ان كانت مختصّة بالاحتجام ظاهرة في الحرمة مع خوف الضعف، إلّا أنّه يستفاد العموم من السياق- و قيل: من تنقيح المناط (9)، و فيه تأمّل- و يصرف عن الظاهر، للإجماع على عدم الحرمة، و رواية عبد اللّه بن ميمون: «ثلاثة لا يفطرن الصائم: القيء و الاحتلام و الحجامة، و قد احتجم النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله) و هو صائم» (10).

____________

(1) المحقق في المعتبر 2: 664، الشهيد في الدروس 1: 279.

(2) الروضة 2: 132.

(3) كما في التهذيب 4: 259.

(4) التهذيب 4: 260- 774، الاستبصار 2: 90- 287، الوسائل 10: 80 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 26 ح 10.

(5) الكافي 4: 109- 1، الفقيه 2: 68- 287، التهذيب 4: 261- 777، الاستبصار 2: 91- 290، الوسائل 10: 77 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 26 ح 1.

(6) التهذيب 4: 260- 776، الاستبصار 2: 91- 289، الوسائل 10: 80 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 26 ح 12.

(7) الكافي 4: 109- 3، التهذيب 4: 260- 773، الاستبصار 2: 90- 286، الوسائل 10: 78 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 26 ح 2.

(8) كما في الوسائل 10: 77 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 26.

(9) انظر الحدائق 13: 158.

(10) التهذيب 4: 260- 775، الاستبصار 2: 90- 288، الوسائل 10: 80 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 26 ح 11.

310

و أمّا النبويّ: «أفطر الحاجم و المحجوم» (1) فمع أنّه عامّي، روي أنّه كان لمكان اغتيابهما مسلما و تسابّا و كذبا في سبّهما على نبي اللّه (2).

و احتمل الصدوق في معاني الأخبار أن يكون المعنى: المحتجم عرّض نفسه للاحتياج إلى الإفطار، و الحاجم عرّض المحتجم إليه، و قال أيضا: سمعت بعض المشايخ بنيشابور يذكر في معناه: أنّهما دخلا بذلك في فطرتي و سنّتي (3).

و منها: دخول الحمّام إذا خيف منه الضعف

، لصحيحة محمّد (4).

و منها: شمّ الريحان عموما

- و هو كلّ نبت طيّب الريح، كما ذكره أهل اللغة (5)- للإجماع المنقول في المنتهى و التذكرة (6)، و الأخبار المستفيضة، كروايتي الحسن بن راشد (7)، و رواية الصيقل (8)، و مراسيل الكافي (9) و الفقيه (10)، معلّلا في بعضها: بأنّه لذّة و يكره للصائم أن يتلذّذ،

____________

(1) كما في سنن أبي داود 2: 14، و مسند أحمد: 364.

(2) انظر معاني الأخبار: 319- 1، الوسائل 10: 79 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 26 ح 9.

(3) معاني الأخبار: 319.

(4) الكافي 4: 109- 3، الفقيه 2: 70- 296، التهذيب 4: 261- 779، الوسائل 10: 81 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 27 ح 1.

(5) كما في القاموس 1: 232، و المصباح المنير: 243، و لسان العرب 2: 458.

(6) المنتهى 2: 583، التذكرة 1: 266.

(7) التهذيب 4: 267- 805 و 807، الاستبصار 2: 93- 299 و 301، الوسائل 10: 93 و 94 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 32 ح 7 و 12.

(8) التهذيب 4: 267- 806، الاستبصار 2: 93- 300، الوسائل 10: 94 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 32 ح 13.

(9) الكافي 4: 113- ذ. ح 4، الوسائل 10: 92 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 32 ح 2.

(10) الفقيه 2: 71- 302، الوسائل 10: 95 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 32 ح 14.

311

و في بعضها: أنّ الريحان بدعة للصائم، و هو و إن كان مشعرا بالحرمة، إلّا أنّ الإجماع و الأخبار النافية للبأس عنه- كصحيحتي محمد (1)، و البجلي (2)، و روايتي سعد (3)، و أبي بصير (4)- أوجبت الحمل على الكراهة.

و قيل: تتأكّد الكراهة في النرجس (5)، لرواية ابن رئاب: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) ينهى عن النرجس، فقلت: جعلت فداك لم ذلك؟ قال: «لأنّه ريحان الأعاجم» (6).

و لا يخفى أنّها لا تدلّ على الأشدّية، بل و لا على الاختصاص بالصائم، بل غايتها كراهة شمّ النرجس مطلقا، فهي الأظهر.

و التعليل- للشدّة بفتوى الأكثر مع التسامح في أدلّة الكراهة- غير جيّد، لأنّ الشدّة غير نفس الكراهة، و لم تثبت فيها المسامحة، إلّا أن تثبت الشدّة بثبوت الكراهة من جهتين: إحداهما: من جهة كراهة شمّ مطلق الريحان للصائم. و ثانيتهما: من جهة كراهة شمّ النرجس مطلقا، فتجتمع الجهتان في شمّ الصائم للنرجس، فتشتدّ الكراهة.

____________

(1) الكافي 4: 113- 4، التهذيب 4: 266- 800، الاستبصار 2: 92- 296، الوسائل 10: 91 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 32 ح 1.

(2) التهذيب 4: 266- 802، الاستبصار 2: 93- 297، الوسائل 10: 93 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 32 ح 8.

(3) التهذيب 4: 266- 803، الاستبصار 2: 93- 298، الوسائل 10: 94 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 32 ح 10.

(4) التهذيب 4: 265- 798، الوسائل 10: 94 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 32 ح 9.

(5) كما في الشرائع 1: 195، و المختصر النافع: 66، و الذخيرة: 505، و الحدائق 13: 159، و الرياض 1: 308 و غنائم الأيام: 427.

(6) الفقيه 2: 71- 301 و فيه: النرجس للصائم ..، العلل: 383- 1، الوسائل 10: 92 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 32 ح 4.

312

و هل يشمل الريحان مثل: التفّاح و السفرجل و الأترج، لصدق النبت؟

فيه نظر، بل الظاهر العدم، لأن المتبادر من النبت مثل الحشائش و الأوراق، فلا يشمل الفواكه و أصول النباتات و أغصانها الطيّبة.

و كذا يكره التطيّب بالمسك، لرواية غياث (1). و لا يكره غيره من أصناف الطيب و الغالية، للأصل، و المستفيضة، كمرسلة الفقيه (2)، و رواية الحسن بن راشد (3)، و غيرها (4)، و في بعضها: «إنّ الطيب تحفة الصائم».

و منهم من ألحق بالمسك ما يجري مجراه ممّا يوجد طعمه في الحلق (5)، و منهم من ألحق به الزعفران (6)، و لا وجه له إلّا فتوى الفقيه، و تعارضها عمومات الطيب، فعدم الكراهة فيهما أشبه.

و منها: الاحتقان بالجامد،

لنقل الإجماع عن الغنية و الكشف (7)، و قد مرّ.

و منها: لبس الثوب المبلول

، لروايات الصيقل (8)، و ابن سنان (9)،

____________

(1) الكافي 4: 112- 1، التهذيب 4: 266- 801، الوسائل 10: 93 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 32 ح 6.

(2) الفقيه 2: 71- 302، الوسائل 10: 95 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 32 ح 14.

(3) الكافي 4: 113- 3، الفقيه 2: 70- 295، التهذيب 4: 265- 799، الوسائل 10: 92 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 32 ح 3.

(4) كما في الوسائل 10: 91 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 32.

(5) كالشيخ في النهاية: 156، و ابن حمزة في الوسيلة: 144، 683، و ابن إدريس في السرائر 1: 388.

(6) كالمفيد في المقنعة: 356، و ابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية): 571.

(7) الغنية (الجوامع الفقهية): 571، كشف الرموز 1: 281.

(8) المتقدم ذكر مصادرها في ص: 310.

(9) الكافي 4: 106- 4، الوسائل 10: 36 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 3 ح 3.

313

و ابن راشد (1)، و لخلّوها عن الدالّ على الحرمة استدلّ بها للكراهة.

لا لصحيحة محمّد: «الصائم يستنقع في الماء، و يصبّ على رأسه، و يتبرّد بالثوب، و ينضح بالمروحة و ينضح البوريا تحته» (2)، لجواز أن يراد بالتبرّد بالثوب: جعله مروحة لا بلّه على الجسد، أو يراد به: التبرّد به بعد عصره، كما صرّح به في رواية ابن سنان المشار إليها، حيث قال: «لا تلزق ثوبك إلى جسدك و هو رطب و أنت صائم حتى تعصره».

و منها: إنشاد الشعر

على ما ذكره بعض الأصحاب (3)، و لكن لم يذكره الأكثر كما صرّح به في الحدائق (4).

و وجه الكراهة: صحيحة حمّاد: «تكره رواية الشعر للصائم و المحرم و في الحرم و في يوم الجمعة و أن يروى بالليل، و لا ينشد في شهر رمضان بليل و نهار» فقال له إسماعيل: يا أبتاه، و إن كان فينا؟ قال: «و إن كان فينا» (5).

و الأخرى: «تكره رواية الشعر للصائم و المحرم و في الحرم و في يوم الجمعة و أن يروى بالليل» قال: قلت: و إن كان شعر حقّ؟ قال: «و إن كان شعر حقّ» (6).

____________

(1) المتقدم ذكر مصادرها في ص: 310.

(2) الكافي 4: 106- 3، التهذيب 4: 204- 591، الاستبصار 2: 84- 260، الوسائل 10: 36 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 3 ح 2.

(3) كما في المفاتيح 1: 250.

(4) الحدائق 13: 162.

(5) الكافي 4: 88- 6، الفقيه 2: 68- 282، التهذيب 4: 195- 556، الوسائل 10: 169 أبواب آداب الصائم ب 13 ح 2.

(6) التهذيب 4: 195- 558، الوسائل 10: 169 أبواب آداب الصائم ب 13 ح 1.

314

و خصّ في الحدائق كلّ ما ورد من كراهة إنشاد الشعر في مكان أو زمان شريف بالأشعار الدنيويّة و غير الحقّة ممّا كان متضمّنا لحكمة أو موعظة أو مدح أهل البيت أو رثائهم، بل نسبه إلى أصحابنا و قال:

إنّ أصحابنا قد خصّوا الكراهة بالنسبة إلى إنشاد الشعر في المسجد أو يوم الجمعة أو نحو ذلك من الأزمنة الشريفة و البقاع المنيفة بما كان من الإشعار الدنيويّة الخارجة عمّا ذكرناه.

قال: و ممّن صرّح بذلك الشهيد في الذكرى و الشهيد الثاني في جملة من شروحه و المحقّق الشيخ عليّ و السيّد السند في المدارك (1). انتهى.

و استدلّ لذلك بصحيحه عليّ بن يقطين النافية للبأس عن الشعر الذي لا بأس به في الطواف، المستلزم لكونه في الحرم (2).

و بالأخبار الغير العديدة، الواردة في مدح الشعر في أهل البيت و في مراثيهم (3).

و بالمرويّ في إكمال الدين: عن أمر النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله) يوم فتح مكّة وفد بكر بن وائل حين أقبلوا إليه و هو بفناء الكعبة بإنشاد شعر قيس بن ساعدة و ترحّمه عليه [1].

و بالمرويّ في كتاب الآداب الدينيّة لأمين الإسلام الشيخ أبي عليّ الطبرسي بإسناده عن خلف بن حمّاد: قال: قلت للرضا (عليه السلام): إنّ أصحابنا يروون عن آبائك أنّ الشعر ليلة الجمعة و يوم الجمعة و في شهر رمضان و في

____________

[1] إكمال الدين: 166- 22، و فيه: قسّ بن ساعدة، بدل: قيس بن ساعدة.

____________

(1) الحدائق 13: 162.

(2) التهذيب 5: 127- 418، الاستبصار 2: 227- 784، الوسائل 13: 402 أبواب الطواف ب 54 ح 1.

(3) كما في الوسائل 14: 597 أبواب المزار و ما يناسبه ب 105.

315

الليل مكروه، و قد هممت أن أرثي أبا الحسن (عليه السلام) و هذا شهر رمضان، فقال: «ارث أبا الحسن (عليه السلام) في ليالي الجمع و في شهر رمضان و في الليل و في سائر الأيّام، فإنّ اللّه عزّ و جلّ يكافئك على ذلك» (1).

و في دلالة غير الأخيرة على مطلوبه نظر، إذ نفي البأس أعمّ من نفي الكراهة، و العمومات لا تجدي في مقابل الأخبار الخاصّة، و أمر النبيّ لعلّه كان قبل ورود الحكم بالكراهة.

نعم، تتمّ دلالة الأخيرة، و لا يضرّ اختصاصها بالرثى، لعدم القول بالتفرقة.

ثمَّ يعارض بذلك ما مرّ، فإمّا يرجّح ذلك، لاحتمال حمل ما مرّ على التقيّة كما في الحدائق (2)، أو يرجع إلى العمومات المذكورة (3)، و لا يضرّ ضعف الأخيرة، لأنّ المقام مقام المسامحة.

فالحقّ: عدم الكراهة في الأشعار الحقّة- و المتضمّنة للحكمة و الموعظة، و نحوها- في الأوقات المذكورة.

بل ها هنا كلام آخر متقن ذكره في الوافي، قال: و الشعر غلب على المنظوم من القول، و أصله: الكلام التخييلي، الذي هو أحد الصناعات الخمس نظما كان أو نثرا، و لعلّ المنظوم المشتمل على الحكمة و الموعظة، أو المناجاة مع اللّه سبحانه، ممّا لم يكن فيه تخييل شعري، مستثنى من هذا الحكم، أو غير داخل فيه.

و قال في بيان قوله: «و إن كان شعر حقّ»: و ذلك لأنّ كون موضوعه

____________

(1) الوسائل 14: 499 أبواب المزار و ما يناسبه ب 105 ح 8.

(2) الحدائق 13: 164.

(3) في ص: 313- 314.

316

حقّا- كحكمة أو موعظة- لا يخرجه عن التخييل الشعري، فأمّا إذا لم يكن كلاما شعريّا بل كان موزونا فقط فلا بأس (1). انتهى.

و ما ذكره جيد، فإنّ الحقيقة الشرعيّة للشعر في المنظوم من الكلام غير ثابت، بل لم يكن كذلك أولا البتّة، و لذا سمّوا الكفّار القرآن شعرا و رسول اللّه شاعرا، فالمنظوم الخالي عن الخيالات الشعريّة ليس شعرا مكروها، و الشعر منها أيضا إذا كان حقّا يكون بما مرّ مستثنى أيضا.

و منها: التنازع و التحاسد

، و السبّ و المراء، و أذى الخادم، و الجدال، و المسارعة إلى الحلف و الأيمان، و القول الفاحش، كلّ ذلك للأخبار (2).

و المقصود كراهيّة هذه الأمور من حيث الصيام، و إلّا فأكثرها حرام في نفسه.

____________

(1) الوافي 11: 220.

(2) الوسائل 10: 161، 167 أبواب آداب الصائم ب 11 و 12.

317

الفصل الثالث

في بيان أنّ وجوب الإمساك عمّا ذكر من الأمور- و إيجابها لارتكاب المحرّم أو الفساد أو مع القضاء أو مع الكفّارة أيضا- إنّما هو إذا كان عمدا.

فنقول: إنّ كلّما ذكرنا أنّه محرّم في الصوم و مبطل له و موجب للقضاء و الكفّارة، فهو كذلك إذا كان ذاكرا للصوم، عامدا في الإفطار، مختارا فيه، عالما بالحكم، و أمّا إذا لم يكن كذلك فليس كذلك إجماعا في بعض الصور، و مع الخلاف في بعض آخر.

و تفصيل المقال: أنّ من لم يكن كذلك فإمّا ناس للصوم، أو غير عامد في فعل المفطر، أو مكره، أو جاهل، فهذه أربع أصناف يذكر حكمها في أربع مقامات.

المقام الأول: في الناسي للصوم

، و لا يفسد صومه بفعل شيء من المفطرات، بلا خلاف بين علمائنا كما في المنتهى (1) و غيره (2)، بل بالإجماع كما صرّح به بعضهم (3)، بل بالإجماع المحقّق، فهو الحجّة، مضافا إلى الأخبار المستفيضة، كصحيحتي الحلبي (4) و محمّد بن قيس (5)، و موثّقتي سماعة (6)

____________

(1) المنتهى 2: 577.

(2) كالذخيرة: 507، و الحدائق 13: 66، و الرياض 1: 307.

(3) كما في المفاتيح 1: 252، و مشارق الشموس: 396، و غنائم الأيام: 410.

(4) الكافي 4: 101- 1، الفقيه 2: 74- 318، التهذيب 4: 277- 838، الوسائل 10: 50 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 9 ح 1.

(5) التهذيب 4: 268- 809، الوسائل 10: 52 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 9 ح 9.

(6) الكافي 4: 101- 2، الوسائل 10: 51 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 9 ح 5.

318

و عمّار (1)، و روايتي الزهري (2) و داود بن سرحان (3).

و أخصّيتها من المدّعى- باختصاصها بالأكل و الشرب و الجماع- غير قادح، لعدم قائل بالفرق بينها و بين سائر المفطرات، مع ظهور التعميم من رواية الهروي: «متى جامع الرجل حراما أو أفطر على حرام في شهر رمضان فعليه ثلاث كفّارات» إلى أن قال: «و إن كان نكح حلالا أو أفطر على حلال فعليه كفّارة واحدة و قضاء ذلك اليوم، و إن كان ناسيا فلا شيء عليه» (4).

و إطلاق بعض تلك الروايات يثبت الحكم في جميع أنواع الصيام الواجب المعيّن، و غير المعيّن، و المندوب، و تزيد في المندوب رواية أبي بصير: عن رجل صام يوما نافلة فأكل و شرب ناسيا؟ قال: «يتمّ صومه ذلك و ليس عليه شيء» (5).

و عن التذكرة: تقييد عدم البطلان بتعيّن الزمان (6)، و عن المدنيّات الاولى: عدم صحّة الصيام إذا كان ندبا أو واجبا غير معيّن، استنادا إلى الرواية عن الصادق (عليه السلام). و كذا في قضاء رمضان بعد الزوال، لأنّ الصوم

____________

(1) الفقيه 2: 74- 319، التهذيب 4: 208- 602، الاستبصار 2: 81- 248، الوسائل 10: 53 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 9 ح 11.

(2) الكافي 4: 83- 1، الفقيه 2: 46- 208، التهذيب 4: 294- 895، الوسائل 10: 52 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 9 ح 7.

(3) الكافي 4: 101- 3، التهذيب 4: 268- 810، الوسائل 10: 51 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 9 ح 6.

(4) الفقيه 3: 238- 1128، التهذيب 4: 209- 605، الاستبصار 2: 97- 316، الوسائل 10: 53 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 10 ح 1.

(5) التهذيب 4: 277- 840، الوسائل 10: 52 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 9 ح 10.

(6) التذكرة 1: 261.

319

عبارة عن الإمساك، و لم يتحقّق.

قال الشهيد في حواشي القواعد في بيان الرواية: و لعلّها ما رواه العلاء في كتابه عن محمّد: قال سألته فيمن شرب بعد طلوع الفجر و هو لا يعلم، قال: «يتمّ صومه في شهر رمضان و قضائه، و إن كان متطوّعا فليفطر» انتهى.

و الرواية غير ثابتة، و مع ذلك عمّا ادّعاه أخصّ، و مع ذلك غير دالّة على الناسي، و التعليل المذكور اجتهاد في مقابلة النصّ، مع [عدم] (1) كون الصوم الشرعي إمساكا مطلقا، و إنّما هو الإمساك مع العمد.

المقام الثاني: في غير القاصد للفعل

، كالذباب يطير إلى الحلق، و الغبار يدخل فيه بلا قصد و اختيار، و لا ريب في عدم إفساده للصوم و لا خلاف، و الأصل يدلّ عليه، لأنّه ليس أكلا و لا شربا و لا إفطارا، لأنّ كلّ ذلك لا بدّ أن يكون من فعل المكلّف، و في بعض الأخبار تصريح به (2).

المقام الثالث: في المكره

، و الإكراه إمّا بنحو الإيجار (3) في الحلق و الوضع فيه بغير مباشرة بنفسه، فلا إشكال و لا خلاف- كما قيل (4)- في عدم حصول الإفطار به، و ما مرّ سابقا يدلّ عليه أيضا.

أو يكون بالتوعّد بما يوجب الضرر من القادر المظنون فعله مع ترك الإفطار، فباشر بنفسه مع القصد، فلا خلاف أيضا في جواز الإفطار حينئذ و عدم ترتّب إثم عليه، بل بطلانه لو صام، للنهي عن التهلكة (5)، و نفي الضرر، و رفع ما استكرهوا عليه، و الأمر بالتقيّة، و إفطار الإمام تقيّة عن

____________

(1) ما بين المعقوفتين أضفناه لاستقامة المعنى.

(2) كما في الوسائل 10: 108 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 39.

(3) الرجل إذا شرب الماء كارها فهو التوجّر و التكاره- لسان العرب 5: 279.

(4) انظر الحدائق 13: 68.

(5) البقرة: 195.

320

السفّاح كما في مرسلتي رفاعة (1) و داود بن الحصين (2) و روايتي خلّاد (3) و عيسى (4)، و في الاولى: «إنّ إفطاري يوما و قضاءه أيسر عليّ من أن يضرب عنقي و لا يعبد اللّه».

و هل يكون معه الصوم صحيحا أيضا، أم يبطل و يوجب القضاء أو مع الكفّارة أيضا؟

فاختار الشيخ في الخلاف و الشرائع و المعتبر و النافع و المنتهى و التحرير و المختلف و الإرشاد و الدروس و الروضة (5) بل الأكثر- كما قيل (6)-:

الأول، لجميع ما ذكر، مضافا إلى الأصل و الاستصحاب- الخاليين عن معارضة عموم ما دلّ على وجوب القضاء، لاختصاصه بحكم التبادر بغير المكره- و ما دلّ من الأخبار على وجوب الكفّارة على المكره زوجته دونها (7).

و ذهب في المبسوط و التذكرة و المسالك و الحدائق إلى الثاني (8)، لأنّه فعل المفطر اختيارا فيدخل تحت إطلاقات فساد الصوم به، و وجوب

____________

(1) الكافي 4: 82- 7، الوسائل 10: 132 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 57 ح 5.

(2) الكافي 4: 83- 9، الوسائل 10: 131 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 57 ح 4.

(3) التهذيب 4: 317- 965، الوسائل 10: 132 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 57 ح 6.

(4) الفقيه 9: 79- 352، الوسائل 10: 131 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 57 ح 1.

(5) الخلاف 2: 195، الشرائع 1: 190، المعتبر 2: 662، النافع: 66، المنتهى 2: 577، التحرير 1: 80، المختلف: 223، الإرشاد 1: 298، الدروس 1:

273، الروضة 2: 90.

(6) انظر المدارك 6: 69، و الذخيرة 508.

(7) انظر الوسائل 10: 56 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 12.

(8) المبسوط 1: 273، التذكرة 1: 212، المسالك 1: 71، الحدائق 13: 69.

321

القضاء، و عموماته، بتصريح الإمام (عليه السلام) بأنّه أفطر في المرسلتين، و قوله في أولا هما: «و قضاءه أيسر عليّ»، و لأنّ الصوم ليس إلّا عبارة عن الإمساك عن المفطرات، و هو هنا غير متحقّق لا لغة و لا عرفا و لا شرعا.

أمّا الأولان، فظاهران. و أمّا الثالث، فلأنّ الحقيقة الشرعيّة ليست إلّا المعنى المتبادر عند المتشرعة، و ليس هو إلّا الإمساك و عدم إيقاع المفطر باختيار المكلّف، و هو هنا منتف، و لذا يصحّ سلب اسم الصوم و الإمساك عنه، فيقال: ما صام، و ما أمسك و لو اضطرارا.

أقول: و يرد على أول أدلّة القول الأول: بأنّ غاية ما يدلّ عليه نفي الإثم، و هو لا يلازم انتفاء الإفطار و وجوب القضاء، كما في المريض و الحائض و المسافر.

و على الثاني: منع خلوّ الأصل و الاستصحاب عن المعارض، لإطلاق كثير من أخبار الإفطار و القضاء، كقوله: «الكذب على اللّه و على رسوله و الأئمّة يفطر الصائم» (1).

و في موثّقة سماعة: عن رجل كذب في شهر رمضان، فقال: «قد أفطر و عليه قضاؤه» (2).

و قوله: «من تقيّأ و هو صائم فعليه القضاء» (3).

و قوله: «من أكل قبل أن يدخل الليل فعليه قضاؤه، لأنّه أكل متعمّدا» (4)، إلى غير ذلك.

____________

(1) الفقيه 2: 67- 277، الوسائل 10: 34 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 2 ح 4.

(2) التهذيب 4: 203- 586، الوسائل 10: 34 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 2 ح 3.

(3) التهذيب 4: 264- 792، الوسائل 10: 88 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 29 ح 6.

(4) الكافي 4: 100- 2، التهذيب 4: 270- 815، الاستبصار 2: 115- 377، الوسائل 10: 121 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 50 ح 1.

322

و تبادر غير المكره منها ممنوع، كيف؟! و لو كان لكان لأجل عدم عصيانه، و بعد ملاحظة حال المريض و المسافر و الحائض و تناول المفطر مع عدم مراعاة الفجر كيف يتبادر ذلك؟! و على الثالث: أنّ عدم لزوم الكفّارة على الزوجة المكرهة لا يدلّ على عدم إفطارها و عدم وجوب القضاء عليها، بل لا يبعد دلالة ما في بعض الأخبار من أنّ على الزوج كفّارتين على بطلان صوم الزوجة (1)، إلّا إذا كانت مكرهة بالمعنى الأول لا بالتوعّد و التخويف مجرّدا.

و من ذلك يظهر ضعف القول الأول.

و أمّا الثاني و إن أمكن الخدش في بعض أدلّته- كقضاء الإمام، لجواز أفضليّته- و لكن البواقي لا خدشة فيها، سيّما بضميمة ما قيل من عدم الفصل بين الإفطار و وجوب القضاء (2)، فإذن هو الأقوى، بل لم يبعد القول بثبوت الكفّارة لو لا الإجماع المؤيّد بعدم ذكر الإمام الكفّارة مع ذكر القضاء، و عدم تبادر المكره من أخبار الكفّارة جدّا.

فرعان:

أ: الإكراه المسوّغ للإفطار النافي للكفّارة:

ما ظنّ معه الضرر الغير المتحمّل عرفا بنفسه أو ما يجري مجراه، لنفي العسر و الحرج و الضرر، و حسنة زرارة: «التقيّة في كلّ ضرورة» (3)، و حسنة الفضلاء: «التقيّة في كلّ

____________

(1) الكافي 4: 103- 9، الفقيه 2: 73- 313، التهذيب 4: 215- 625، الوسائل 10: 56 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 12 ح 1.

(2) انظر الرياض 1: 307.

(3) الكافي 2: 219- 13، الوسائل 16: 214 أبواب الأمر و النهي ب 25 ح 1.

323

شيء يضطرّ إليه ابن آدم فقد أحلّه اللّه» (1).

و ربّما يظهر من الدروس اعتبار خوف التلف على النفس (2)، و لعلّه لاعتماده على أخبار إفطار الإمام (عليه السلام)، و تصريحه في بعضها بأنّ في تركه ضرب عنقي. و لا يخفى أنّه لا دلالة فيها على التخصيص.

ب: قال في المسالك:

و حيث ساغ الإفطار للإكراه يجب الاقتصار على ما تندفع به الحاجة، فلو زاد عليه كفّر (3).

و اعترضه في المدارك بأنّه لا يتمّ على ما اختاره من كون التناول مكرها مفسدا للصوم، لاختصاص الكفّارة بما يحصل به الفطر، و ما زاد عليه لم يستند إليه فطر و إن كان محرّما (4).

و ردّه في الحدائق بأنّ إيجاب الكفّارة لتكفير الذنب، فهي تتحقّق في موضع الإثم، و هو هنا متحقّق. و قوله: إنّ الكفّارة تختصّ بما يحصل به الفطر، ليس في محلّه، لفساد الصوم و وجوب القضاء بكثير ممّا لا كفّارة معه (5).

أقول: تحقّق الكفّارة في كلّ ما فيه الإثم- مطلقا، أو مع وقوعه في الصوم و إيجابه لإفطاره- ممنوع، و لا يقول هو به أيضا، بل إنّما هي في مواضع خاصّة موجبة للإفطار، و لم يعلم أنّ المورد منها، و الأصل ينفيها، و غرض المدارك ليس أنّ كلّ ما يحصل به الفطر فيه الكفّارة، بل أنّ الكفّارة المعهودة ليست إلّا في موضع الفطر.

____________

(1) الكافي 2: 220- 18، الوسائل 16: 214 أبواب الأمر و النهي ب 25 ح 2.

(2) انظر الدروس 1: 273.

(3) المسالك 1: 71.

(4) المدارك 6: 71.

(5) الحدائق 13: 66.

324

المقام الرابع: في الجاهل بالحكم

، و ذهب الحلّي إلى أنّه لا شيء عليه من القضاء و الكفّارة (1)، و اختاره في الحدائق (2)، و هو ظاهر الجامع (3)، و محتمل موضع من المنتهى و الاستبصار و التهذيب (4)، بل حكي جزما عن موضع من الأخير.

و المشهور- كما قاله جماعة-: فساد صومه و وجوب القضاء عليه، إمّا مع الكفّارة- كما جزم به في موضع من المنتهى و التذكرة (5)، و يحتمله كلام المختلف (6)، و نسبه في الكفاية إلى الأكثر (7)- أو بدونها، كالمعتبر و الدروس و حواشي القواعد للشهيد و الروضة و المدارك و محتمل المختلف (8)، و احتمله في موضع من المنتهى و التذكرة (9)، و نسبه في المدارك إلى أكثر المتأخّرين (10).

حجّة الأولين: الأصل الخالي عن المعارض، لانحصاره بعمومات القضاء و الكفّارة المخصوصين بغير الجاهل، إمّا بحكم التبادر، أو لأجل تقييد الأكثر بمتعمّد الإفطار الغير الصادق هنا و إن كان متعمدا للفعل، لأنّ تعمّد الإفطار لا يكون إلّا مع العلم بكونه مفطرا، و به تقيّد المطلقات أيضا،

____________

(1) السرائر 1: 386.

(2) الحدائق 13: 66.

(3) الجامع للشرائع: 157.

(4) المنتهى 2: 569، الاستبصار 2: 81، التهذيب 4: 208- ذ. ح 602.

(5) المنتهى 2: 577، التذكرة 1: 259.

(6) المختلف: 223.

(7) كفاية الأحكام: 48.

(8) المعتبر 2: 662، الدروس 1: 272، الروضة 2: 90، المدارك 6: 66، المختلف: 223.

(9) المنتهى 2: 569، التذكرة 1: 262.

(10) المدارك 6: 66.

325

و لوجوب حملها على المقيّد.

مع أنّه على فرض التعارض يجب التخصيص بغير الجاهل، لموثّقة زرارة و أبي بصير: عن رجل أتى أهله في شهر رمضان، أو أتى أهله و هو محرم، و هو لا يرى إلّا أنّ ذلك حلال له، قال: «ليس عليه شيء» (1) المعتضدة بروايات معذوريّة الجاهل، كصحيحة عبد الصمد الواردة فيمن لبس قميصا حال الإحرام، و فيها: «و أيّ رجل ركب أمرا بجهالة فلا شيء عليه» (2).

و في صحيحة ابن الحجّاج المتضمّنة لحكم تزويج المرأة في عدّتها، و فيها: قلت: فبأيّ الجهالتين أعذر، بجهالته أنّ ذلك محرّم عليه، أم جهالته أنّها في العدّة؟ فقال: «إحدى الجهالتين أهون من الأخرى، الجهالة بأنّ اللّه حرّم عليه، و ذلك أنّه لا يقدر على الاحتياط معها»، فقلت: فهو في الأخرى معذور؟ فقال: «نعم» (3).

احتجّ الثاني: أمّا على الفساد فبإطلاق المفسدات، و أمّا على القضاء و الكفّارة فبعموماتهما (4) و إطلاقاتهما.

و أجابوا عن أدلّة الأولين باندفاع الأصل بما ذكر، مع منع التبادر المذكور، لعدم تصوّر ما يوجبه سوى شيوع غير الجاهل، و هو بالنسبة

____________

(1) التهذيب 4: 208- 603، الاستبصار 2: 82- 249، الوسائل 13: 109 أبواب كفّارات الاستمتاع ب 2 ح 4.

(2) التهذيب 5: 72- 239، الوسائل 12: 488 أبواب تروك الإحرام ب 45 ح 3.

(3) الكافي 5: 427- 3، التهذيب 7: 306- 1274 بتفاوت يسير، الاستبصار 3:

186- 676، الوسائل 20: 450 أبواب ما يحرم بالمصاهرة و نحوها ب 17 ح 4.

(4) الوسائل 10: 53 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 10.

326

إلى جميع المفطرات ممنوع، و لو سلّم فلم يبلغ حدّا يوجب الانصراف إليه.

و منع التقييد بمتعمّد الإفطار في القضاء، بل صرّح بمتعمّد الفعل أيضا، كما مرّ بعضه في المقام السابق (1). و أمّا في الكفّارة فإن تقيّد به في كثير من الأخبار (2)، إلّا أن التقييد فيها مخصوص أمّا بالسؤال- كالأكثر- أو بالجواب أيضا، مع تقييد السؤال- الذي هو سبب تقييد الجواب، الموجب لعدم حجّية مفهوم الشرط أو الوصف- بنفسه، و مثل ذلك لا يوجب تقييد المطلقات، كرواية محمّد بن نعمان: عن رجل أفطر يوما من شهر رمضان، فقال: «كفّارته جريبان» [1].

و موثّقة سماعة: عن رجل لزق بأهله فأنزل، قال: «عليه إطعام ستّين مسكينا» الحديث (3).

و رواية الهروي: «و إن كان نكح حلالا أو أفطر على حلال فعليه كفّارة واحدة، و قضاء ذلك اليوم» (4).

و أمّا معارضة الموثّقة معها فهي و إن كانت أخصّ- من حيث اختصاصها بالجاهل- إلّا أنّها لا تصلح للتخصيص، لأنّه فرع التكافؤ

____________

[1] الفقيه 2: 73- 312، التهذيب 4: 322- 987، الوسائل 10: 47 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 8 ح 6.

و الجريب: مكيال قدر أربعة أقفزة- القاموس المحيط 1: 47.

____________

(1) راجع ص: 321.

(2) انظر الوسائل 10: 44 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 8.

(3) التهذيب 4: 320- 980، الوسائل 10: 49 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 8 ح 12.

(4) الفقيه 3: 238- 1128، التهذيب 4: 209- 605، الاستبصار 2: 97- 316، الوسائل 10: 53 أبواب ما يمسك عنه الصائم ب 10 ح 1.

327

المفقود في المقام، لأكثريّة العمومات عددا، و أصحّيّتها سندا، و أشهريّتها عملا.

و دليل الثالث: أمّا على إثبات الفساد و القضاء فما مرّ، و أمّا على نفي الكفّارة فبما ذكر من تقييد أخبارها بتعمّد الإفطار المنتفي في المقام، حيث إنّ قصد الإفطار لا يكون إلّا مع اعتقاد الإفساد.

و حمل الإفطار على تناول المفطر خلاف الأصل. سلّمنا، و لكنّه غير متعيّن، و احتمال إرادة الإفساد كاف.

أقول: حقّ المحاكمة بين هذه الفرق الثلاث أنّه لا يصحّ الاستناد إلى قيد تعمّد الإفطار، لوجود المطلقات بالنسبة إليه في كلّ من القضاء الكفّارة، و عدم صلاحيّة المقيّدات لتقييدها، لورود القيد كما في السؤال أو في الجواب أيضا، لذكره في السؤال الموجب لعدم اعتبار مفهوم له، سيّما في أخبار القضاء، و بعد رفع اليد عن ذلك يحصل التعارض بين تلك المطلقات و الموثّقة.

و ما سبق- من أنّ التعارض فرع التكافؤ، و هو هنا غير حاصل- غير مسموع، لأنّ كثرة العدد و صحّة السند و الشهرة العمليّة- ما لم تخرج بتعارضها عن الحجّيّة بالشذوذ- و إن كانت مقوّية، إلّا أنّها لا تصلح على التحقيق للترجيح، بعد كون أصل الخبر الآخر حجّة، بل معاضدة بعمومات أخر و بالأصل [1]، فضلا عن أن يكون المعارض خاصّا مطلقا، فإنّه حينئذ يكون قرينة للتخصيص و يكفي فيها مجرّد الحجّية، و لا اعتناء في القرائن إلى وجوه التراجيح.

____________

[1] في «س» زيادة: و ان لم نعتبرها فيه أيضا.

328

و على هذا، فنقول: إنّ تعارض الموثّقة مع مطلقات الكفّارة بالعموم المطلق، لأنّ أخبار الكفّارة و إن كانت مخصوصة على الظاهر بالكفّارة- فيتوهّم وجه خصوصيّة لها، حيث إنّ الموثّقة تنفي الشيء مطلقا- إلّا أنّ ثبوت الكفّارة يستلزم ثبوت القضاء أيضا بالإجماع المركّب، بل الإثم للتقصير، فتساوي الموثّقة من تلك الجهة، حيث إنّ الشيء المنفيّ لا يخرج عن هذه الثلاثة بالإجماع و شاهد الحال، و تبقى الموثّقة أخصّ من جهة الجاهل، فيلزم تقديم الموثّقة و نفي الكفّارة، و به يطرح القول الثاني.

و أمّا مع مطلقات القضاء و إن كان تعارضها بالعموم من وجه- لأنّ المطلقات تثبت القضاء و الموثّقة تنفي الشيء مطلقا- إلّا أنّ الأصل مع الموثّقة، و هو المرجّح عند فقد الترجيح و التخيير كما في المقام، و هو مع عدم القضاء أيضا، و به يبطل القول الثالث أيضا، فيبقى الأول، و عليه الفتوى، و هو المعوّل.

و لكن الظاهر اختصاص ذلك بالجاهل الساذج، و المراد منه: من لا يشكّ في عدم الإفساد به، و لا يخطر بباله احتمال الضرر، لأنّه الظاهر من قوله: و هو لا يرى إلّا أنّ ذلك حلال له (1). و لا أقلّ من احتمال ذلك المعنى، و هذا المعنى هو الذي لا يقدر معه على الاحتياط كما في صحيحة ابن الحجّاج (2)، فتبقى المطلقات في غيره خالية عن المعارض.

فالحقّ في المسألة: انتفاء الإثم و القضاء و الكفّارة مع الجهل الساذج،

____________

(1) تقدّم في ص: 325.

(2) المتقدّمة في ص: 325.

329

و وجود الثلاثة مع غيره من أنواع الجهل.

فروع:

أ: من أفراد المفطر جهلا: من تناول شيئا من المفطرات نسيانا

، ثمَّ ظنّ فساد الصوم به، فتعمّد فعل المفطر، و حكمه ما مرّ بعينه.

و عن الخلاف و المبسوط و المعتبر و التذكرة: أنّ حكمه حكم العمد (1).

و عن بعض القدماء (2) و الدروس و حاشية القواعد للشهيد: أنّ عليه القضاء خاصّة (3).

ب: من تناول شيئا منها سهوا مع تذكّر الصوم

- أي من غير إرادة التناول و الالتفات، كأن يشتغل بأمر و صدر منه لمس امرأته من غير إرادة و لا التفات إليه فأمنى- فالظاهر أنّ حكمه حكم النسيان.

ج: الجاهل بحرمة الارتماس لا يبطل غسله

إن كان من أول قسمي الجاهل، لعدم النهي. و يبطل إن كان من ثانيهما، لوجوده.

د: لو كان جاهلا بإفساد شيء للصوم عالما بتحريمه فيه يبطل معه الصوم

، و عليه القضاء و الكفّارة، لعموماتهما الفارغة عن مكافئة الموثّقة، إذ فيها: أنّه لا يرى إلّا أنّه حلال (4).

و منه تظهر قوّة الفساد و القضاء و الكفّارة مع العلم بالتحريم مطلقا

____________

(1) الخلاف 2: 190، المبسوط 1: 273، المعتبر 2: 663، التذكرة 1: 259.

(2) نقله في المبسوط 1: 273 عن بعض أصحابنا.

(3) الدروس 1: 272.

(4) تقدمت في ص: 325.

330

و إن لم يعلم تحريمه من حيث الصيام، كما في الكذب على اللّه سبحانه.

331

الفصل الرابع في وقت الإمساك عن الأمور المذكورة

و مبدؤه: طلوع الفجر الثاني، بالكتاب و السنّة و الإجماع، بل الضرورة .. إلّا في الجماع، فمن زمان يبقى إلى طلوع الفجر زمان لم يعلم عدم اتّساعه للوقاع و الاغتسال، بل و لم يظنّ أيضا، على القول الأصحّ من بطلان الصوم بتعمّد البقاء على الجنابة، و يأتي على القول الآخر جوازه إلى الفجر.

و منتهاه: دخول الليل، بالثلاثة أيضا، و إن اختلفوا فيما به يتحقّق دخوله من استتار القرص أو ذهاب الحمرة المشرقيّة، و قد تقدّم تحقيقه في بحث مواقيت الصلاة مفصّلا، و أنّه الاستتار على الحقّ المختار (1).

و قد مرّ الكلام في الإفطار بظنّ الليل و الأكل باستصحابه في الفصل الثاني (2).

مسألة: يستحبّ تقديم الصلاة على الإفطار

، إلّا أن يكون هناك من ينتظر إفطاره أو لا يقوى على الصلاة قبله، للمعتبرة:

كصحيحة الحلبي: عن الإفطار قبل الصلاة أو بعدها؟ قال: «إن كان معه قوم يخشى أن يحبسهم عن عشائهم فليفطر معهم، و إن كان غير ذلك فليصلّ و ليفطر» (3).

و موثّقة زرارة و الفضيل: «في رمضان تصلي ثمَّ تفطر إلّا أن تكون مع

____________

(1) راجع ج 4 ص: 25.

(2) راجع ص: 268- 289.

(3) الكافي 4: 101- 3، الفقيه 2: 81- 360، التهذيب 4: 185- 517، الوسائل 10: 149 أبواب آداب الصائم ب 7 ح 1.

332

قوم ينتظرون الإفطار، فإن كنت معهم فلا تخالف عليهم و أفطر ثمَّ صلّ، و إلّا فابدأ بالصلاة» (1).

و مرسلة ابن بكير: «يستحبّ للصائم- إن قوي على ذلك- أن يصلّي قبل أن يفطر» (2).

و قد يشترط في استحباب تقديم الصلاة عدم منازعة نفسه، لأنّ معها ينتفي الحضور المطلوب في الصلاة، و تدلّ عليه مرسلة المقنعة أيضا (3).

و المراد بالصلاة المأمور بتقديمها: صلاة المغرب وحدها لا مع العشاء أيضا، لأنّ وقتها هو الذي يصادم وقت الإفطار دون العشاء، سيّما مع ما كانوا عليه من التفريق بين الصلاتين.

____________

(1) التهذيب 4: 198- 570، الوسائل 10: 150 أبواب آداب الصائم ب 7 ح 2.

(2) التهذيب 4: 199- 575، الوسائل 10: 150 أبواب آداب الصائم ب 7 ح 3.

(3) المقنعة: 318، الوسائل 8: 151 أبواب آداب الصائم ب 7 ح 5.

333

الفصل الخامس فيمن يصحّ منه الصوم

أي بيان شرائط التكليف به وجوبا أو ندبا، فإنّه مع انتفاء التكليف لا أمر فلا صحّة، لأنّها موافقة المأمور به، و هي أمور:

الأول: البلوغ.

فلا يصحّ الصوم شرعا من الصبي الغير المميّز، و لا يقع منه إجماعا، و كذا من المميّز عند جماعة، كالمختلف و الإيضاح و البيان و الروضة (1)، و هو ظاهر الفقيه و المحقّق الثاني (2)، و قوّاه في المنتهى (3).

للأصل، فإنّ الصحّة الشرعيّة هي موافقة أمر الشارع، و الأصل عدم تعلّق أمر بالصبي.

و عموم رفع القلم الشامل للندب أيضا (4)، و تخصيصه بالوجوب و المحرّم- كما قيل (5)- غير واضح الوجه.

و لأنّ الأمر تكليف، و هو بالبلوغ مشروط.

و لظاهر الأخبار، كرواية الزهري الطويلة، و فيها: «الصوم على أربعين وجها، فعشرة أوجه منها واجبة كوجوب شهر رمضان، و عشرة أوجه منها

____________

(1) المختلف: 216، الإيضاح 1: 243، و في البيان: 362 ما هو موافق لما عليه في الدروس و اللمعة من المخالفة، الروضة 2: 102.

(2) الفقيه 2: 48- 208، المحقق الثاني في جامع المقاصد 3: 82.

(3) المنتهى 2: 562.

(4) الوسائل 1: 42 أبواب مقدمة العبادات ب 4.

(5) انظر المدارك 6: 42.

334

صيامهنّ حرام، و أربعة عشر وجها منها صاحبها فيها بالخيار إن شاء صام و إن شاء أفطر، و صوم الإذن، و صوم التأديب» ثمَّ ذكر (عليه السلام) الأقسام و عدّ من أقسام ما فيها بالخيار كثيرا من أقسام المندوب، إلى أن قال: «و أمّا صوم التأديب فأن يؤخذ الصبي إذا راهق بالصوم تأديبا، و ليس ذلك بفرض، و كذلك من أفطر لعلّة من أول النهار ثمَّ قوي بقيّة يومه أمر بالإمساك عن الطعام يومه تأديبا، و ليس بفرض، و كذلك المسافر إذا أكل من أول النهار ثمَّ قدم أهله، و كذلك الحائض إذا طهرت» (1)، و قريب منها الخصالي (2) و الرضوي (3)، فإنّ الظاهر من جعل صومه قسيم المندوب و مثل صوم الحائض و المسافر عدم كونه شرعيّا، و يؤكّده ما في المستفيضة من أخذه بالصوم بعض اليوم (4).

خلافا للشيخ و المحقّق (5) و الفاضل في جملة من كتبه (6) و اللمعة و الدروس (7).

لأنّ الولي مأمور شرعا بأمره، و الأمر بالأمر أمر، و إذا تحقّق الأمر تحقّقت الصحّة.

و لإطلاق الأوامر و شمولها له.

____________

(1) الكافي 4: 83- 1، الفقيه 2: 46- 208، التهذيب 4: 294- 895، الوسائل 10: 367 أبواب بقية الصوم الواجب ب 1 ح 1.

(2) الخصال 2: 534- 2، الوسائل 10: 367 أبواب بقية الصوم الواجب ب 1 ح 1.

(3) فقه الرضا «ع»: 200، مستدرك الوسائل 7: 487 أبواب بقية الصوم الواجب ب 1 ح 1.

(4) الوسائل 10: 233 أبواب من يصح منه الصوم ب 29.

(5) الشيخ في المبسوط 1: 266، المحقق في الشرائع 1: 197.

(6) كالتذكرة 1: 266، و التحرير: 81.

(7) اللمعة (الروضة 2): 102، الدروس 1: 268.

335

و تدلّ عليه أيضا الأخبار المجوّزة لعتقه و وصيّته و إمامته (1).

و لأنّ شرعيّة صومه ممّا لا شكّ فيها، فإنّ النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله) أمر وليّ الصبي به، و عن أئمّتنا: «إنّا نأمر صبياننا بالصيام ما أطاقوا» (2)، و مع ذلك فيه تمرين على الطاعة، فشرعيّته ثابتة من الشارع، فيكون صحيحا، و إذ لا وجوب عليه فينوي الندب.

أقول: أمّا الأولون، فإن كان مرادهم عدم صحّة الصوم منه مطلقا- سواء كان من شهر رمضان أو غيره من الواجبة و المستحبّة و كون كلّ صوم منه محض التمرين و التأديب- فكلامهم غير صحيح، إذ المقتضي لصحّة صومه في الجملة و شرعيّته موجود، و المانع مفقود.

أمّا الأول، فلعموم بعض الأخبار في الصوم المستحبّ، كما في مرسلة سهل في سبعة و عشرين من رجب: «فمن صام ذلك اليوم كتب اللّه له صيام ستّين شهرا» (3)، و مثلها من الأخبار كثيرة جدّا (4).

و القول: بأنّ الأوامر الاستحبابيّة منساقة لبيان أصل الاستحباب، فأمّا من يستحبّ له فالمتضمّن للمستحبّات بالنسبة إليه مجمل، و بأنّ المتبادر منها من عدا الصبيان.

ففاسد جدّا، لأنّ شيئا منهما لا يجري في مثل ما ذكرنا، و إن أمكن

____________

(1) انظر الوسائل 8: 321 أبواب صلاة الجماعة ب 14، و الوسائل 19: 360 كتاب الوصايا ب 44.

(2) الكافي 4: 124- 1، التهذيب 4: 282- 853، الاستبصار 2: 123- 400، الوسائل 10: 234 أبواب من يصح منه الصوم ب 29 ح 3.

(3) الكافي 4: 149- 2، التهذيب 4: 304- 919، الوسائل 10: 448 أبواب الصوم المندوب ب 15 ح 5.

(4) الوسائل 10: 447 أبواب الصوم المندوب ب 15.

336

في بعض آخر.

و أمّا الثاني، فللأصل، و عدم تصوّر مانع غير الأدلّة التي ذكروها.

و الكلّ مردود:

أمّا الأصل، فبالعموم المذكور.

و أمّا حديث رفع القلم، فبمنع العموم فيه، إذ ليس المراد بالقلم و لا برفعه حقيقته، و مجازه متعدّد، فلعلّه قلم التكليف، أو قلم المؤاخذة، أو قلم كتابة السيّئات، كما ورد في حديث يوم الغدير: «إنّه يوم يأمر اللّه سبحانه الكتبة أن يرفعوا القلم عن محبّي أهل البيت إلى ثلاثة أيّام، و لا يكتبوا خطأ و لا معصية» (1).

و أمّا كون الأمر تكليفا، فهو ممنوع بإطلاقه، و إنّما هو في الإيجابي، و لو سلّم فاشتراط مطلق التكليف بالبلوغ ممنوع.

و أمّا الأخبار، فلأنّ الظاهر منها هو صيام شهر رمضان، و هو الذي يحتاج إلى التأديب.

و أمّا الآخرون، فإن كان مرادهم: أنّ كلّ صوم منه شرعيّ مندوب في حقّه، فهو ممّا لا دليل عليه.

و كون الأمر بالأمر أمرا ممنوع.

و إطلاق الأوامر مخصوص ببعض المستحبّات و إن تعدّى إلى الباقي بالإجماع المركّب، و أمّا الإيجابيّات فمخصوصة بالمكلّفين، إذ لا وجوب على الصبي.

و تعميم الأوامر الوجوبية، و رفع المنع في الصبي فيبقى الندب، استعمال اللفظ في الحقيقة و المجاز، و هو غير جائز.

____________

(1) إقبال الأعمال: 464.

337

و المراد بشرعيّة صومه إن كان: رضاء الشارع به، فهو غير الأمر، بل هو كرضائه بذهاب الحمار من الطريق الفلاني إذا قال لصاحبه: اذهب به من هذا الطريق. و إن كان: أمره به، فهو غير متحقّق في جميع أفراد الصيام.

و بما ذكر ظهر أنّ الحقّ: شرعيّة صومه المستحبّ مطلقا، و تمرينيّة الواجب- لا شرعيّته- و صحّته.

و إن أريد بالشرعيّة: مطلق رضاء الشارع أو أنّه أمر الولي بتمرينه عليه، فلا مشاحّة، كما أنّه لا مضايقة في أن يوصف بالصحّة بمعنى الموافقة للأمر الصادر عن أمر الشارع، أو لأمر من له الإلزام.

فرعان:

أ: قالوا: يتفرّع على الخلاف ما لو بلغ في أثناء النهار

قبل الزوال بغير المبطل، فعلى الصحّة يجب الإتمام، و على عدمها فلا.

أقول: فيه نظر، إذ على فرض الندبيّة و الصحّة فما الدليل على الوجوب في البالغ في الأثناء؟! و لم يثبت علينا الوجوب إلّا في المستجمع للشرائط في تمام النهار.

و الحمل- على من قدم أهله قبل الزوال، و نحوه- قياس باطل، و الأصل يقتضي عدم وجوب الإتمام و لا القضاء على القولين، مع أنّ من القائلين بالصحّة أيضا من يقول بوجوب الإتمام تأديبا لا صوما.

ثمَّ إنّ للشيخ في كتاب الصوم من الخلاف و المحقّق في المعتبر قولا بوجوب الصوم على الصبي إذا بيّت النيّة و بلغ قبل الزوال (1)، لإمكان الصوم في حقّه. و هو ممنوع.

____________

(1) الخلاف 2: 203، و المعتبر 2: 711.

338

ب: المصرّح به في كلام كثير من الأصحاب

(1) و المنصوص عليه في صحيحة الحلبي (2) و مرسلة الفقيه (3) و الرضوي: أنّ مبدأ تمرين الصبي إذا بلغ تسع سنين (4)، فيؤمر بما يطيقه من اليوم أو بعض اليوم، فلا استحباب للوليّ قبله و لا بعده بما يعسر عليه و يغلب معه الجوع أو العطش.

و أمّا موثّقة سماعة (5) و صحيحة محمّد (6)-: عن الصبي متى يصوم؟

قال: «إذا قوي على الصيام» كما في الأولى، أو: «إذا أطاقه» كما في الثانية- فمحمولتان على ما ذكر، حملا للمطلق على المقيّد، أو على جواز صومه بإرادته، بمعنى: عدم منع الوليّ له، لا على أمر الولي- كما ورد في بعض الأخبار فيما قبل أربع عشرة سنة: «فإن هو صام قبل ذلك فدعه» (7)- أو على الصوم المستحبّ، أو على صيام تمام اليوم.

و عن المبسوط و الشرائع و النافع و القواعد و المختلف و الدروس و اللمعة و الروضة [1] و غيرها (8): أنّ المبدأ سبع سنين، لصدر صحيحة

____________

[1] قال في المبسوط 1: 266 .. و حدّ ذلك بتسع سنين فصاعدا، و قال في المختلف:

233 نقلا عن المبسوط القول بسبع سنين، الشرائع 1: 198، النافع: 68، القواعد 1: 68، المختلف: 234، الدروس 1: 268، اللمعة و الروضة 2: 105.

____________

(1) منهم الصدوق في الفقيه 2: 76، و المقنع: 61، و حكاه عن والده في المختلف: 234، و الشيخ في النهاية: 149، و صاحب المدارك 6: 160.

(2) الكافي 4: 124- 1، التهذيب 4: 282- 853، الاستبصار 2: 123- 400، الوسائل 10: 234 أبواب أحكام شهر رمضان ب 29 ح 3.

(3) الفقيه 2: 76- 329، الوسائل 10: 236 أبواب أحكام شهر رمضان ب 29 ح 11.

(4) فقه الرضا «ع»: 211، مستدرك الوسائل 7: 393 أبواب من يصح منه الصوم ب 19 ح 1.

(5) الكافي 4: 125- 3، الوسائل 10: 234 أبواب أحكام شهر رمضان ب 29 ح 2.

(6) التهذيب 4: 326- 1014، الوسائل 10: 236 أبواب أحكام شهر رمضان ب 29 ح 9.

(7) الوسائل 10: 233 أبواب أحكام شهر رمضان ب 29.

(8) كالرياض 1: 318.

339

الحلبي: «إنّا نأمر صبياننا بالصيام إذا كانوا بني سبع سنين بما أطاقوا»، و ظاهره اختصاص ذلك بأولادهم، كما يستفاد من قوله في ذيلها: «فمروا صبيانكم إذا كانوا أبناء تسع سنين».

بل أطلق جماعة تمرينه قبل السبع (1)، و جعلوه بعده مشدّدا، جمعا بين صدر الصحيحة و بين ما تحدّده بالطاقة. و يظهر ما فيه ممّا ذكرنا.

ثمَّ إنّ الأخبار مخصوصة بالصبي، و لا تعرّض فيها للصبيّة، بل في الرضوي صرّح بالغلام، و لذا توقّف فيها بعض مشايخنا الأخباريّين، بل قال: و من الجائز اختصاص هذا الحكم بالصبي خاصّة (2). انتهى.

إلّا أنّ كثيرا من الأصحاب قد عمّموا الحكم فيهما (3)، و حيث إنّ المقام مقام الاستحباب على الولي فلا بأس بإثباته، للتسامح، إلّا أنّه لا مبدأ معيّنا فيها، بل يقال: يستحبّ تمرينها، فتأمّل.

ثمَّ الممرّن للصيام ينوي القربة أيضا تمرينا لا شرعا، و لو نوى الوجوب أيضا لذلك جاز.

الثاني: العقل.

فلا يصحّ الصوم من المجنون بلا خلاف ظاهر، قالوا: لقبح تكليف غير العاقل (4).

قالوا: و لا يمرّن المجنون و لا يؤمر بالصوم كما يؤمر الصبي، بلا خلاف، لأنّه غير مميّز، بخلاف الصبي، فإنّه مميّز، فكانت للتكليف في

____________

(1) كما في المسالك 1: 76، و الرياض 1: 318.

(2) الحدائق 13: 180.

(3) كما في المسالك 1: 76، و المدارك 6: 162، و الرياض 1: 318.

(4) كما في المنتهى 2: 585.

340

حقّه فائدة، بخلاف المجنون (1).

قيل: و يشكل ذلك في بعض المجانين، لوجود التمييز فيهم (2)، بل ربّما كان أكثر من تمييز الصبي المميّز، فإن كان جنونهم دوريّا أو كانت الإفاقة منهم مرجوحة كان ينبغي تمرينهم على ما تمرّن عليه الصبيان.

إلّا أن يقال: إن وجوب التمرين أو استحبابه حكم شرعيّ لا يثبت إلّا بدليل، و لا دليل هنا كما يوجد في الصبي، فالمناط عدم الدليل لا عدم التمييز.

و يظهر منه القدح في الاستناد في نفي تكليف المجنون بقبح تكليف غير العاقل، فإنّ من المجانين من يعقل تكليفه، فإنّا رأينا منهم من يضرب الناس و يشتمهم و يضحك و يبكي بلا سبب و يتلف ماله، و كانت له دقّة في صلاته و صيامه، و كان يتعقّل التكليف و الثواب و العقاب، و يحفظ آداب عبادته و أحكامها و مسائلها.

بل في دلالة حديث: «و عن المجنون حتى يفيق» (3) على رفع تكليف مثل ذلك أيضا تأمّل، إذ ظاهره رفع القلم فيما جنّ فيه، كما في المكره و الناسي لا مطلقا، فلو ثبت فيه الإجماع و إلّا فنفي التكليف عن مثله مشكل، فإنّ الجنون فنون، و من فنونه ما لا يعقل بعض الأمور و يعقل بعضها.

فروع:

أ: حكي عن الفاضل (4) و غيره (5):

أنّ الجنون إذا عرض في أثناء

____________

(1) انظر المنتهى 2: 585.

(2) انظر الروضة 2: 102.

(3) الخصال: 93- 40، الوسائل 10: 45 أبواب مقدمة العبادات ب 4 ح 11.

(4) في المختلف: 228، و المنتهى 2: 585.

(5) كصاحب الحدائق 13: 165.

341

النهار لحظة أبطل صومه. و عن الشيخ: أنّه حكم بالصحّة مع سبق النيّة (1).

قال في المدارك: و لا يخلو من قرب (2). و يأتي تحقيقه في المغمى عليه.

ب: لا يصحّ صوم المغمى عليه على الحقّ المشهور

، كما صرّح به جماعة (3)، لرواية ابن سنان: «كلّما غلب اللّه عليه فليس على صاحبه شيء» (4)، فلا صوم عليه، و لأنّ الصحّة فرع الأمر، الذي هو فرع العقل ضرورة و إجماعا و نصّا.

و النقض بالنائم مردود بالفرق، فإنّ له العقل دون المغمى عليه، و لو سلّم فكون حكم شيء خلاف الأصل بالدليل لا يوجب التعدّي إلى غيره، لا بمعنى أنّ النائم مكلّف حال النوم على خلاف الأصل، بل بمعنى صحّة صوم من بعض يومه في النوم و كفاية سائر الأجزاء مع سبق النيّة، بل كفاية مطلق سبق النيّة و لو نام في تمام الأجزاء.

ثمَّ إنّه لا فرق فيما ذكرنا بين ما إذا سبقت منه النيّة أو لا، طرأه الإغماء في جميع النهار أو بعضه، في أوله أو أثنائه أو آخره، لما ذكر بعينه.

خلافا للمحكيّ عن المقنعة و المبسوط و الخلاف و السيّد و الديلمي و القاضي، فحكموا بصحّة صومه مع سبق النيّة (5)، و لا دليل يعتدّ به لهم سوى القياس على النائم، و فساده ظاهر، أو جعل سبق النيّة موجبا لبقاء

____________

(1) المبسوط 1: 285.

(2) المدارك 6: 138.

(3) انظر الذخيرة: 525، و الحدائق 13: 167.

(4) التهذيب 4: 245- 726، الوسائل 10: 226 أبواب أحكام شهر رمضان ب 24 ح 3.

(5) المقنعة: 352، المبسوط 1: 285، الخلاف 2: 198، السيد في جمل العلم و العمل (رسائل الشريف المرتضى 3): 57، و الديلمي في المراسم: 98، القاضي في المهذب 1: 196.

342

النيّة الحكميّة مع الإغماء، و يضعف بأنّ النيّة الحكميّة إنّما تفيد مع وجود التكليف.

و قيل: الحقّ أنّ الصوم إن كان عبارة عن مجرّد الإمساك عن الأمور المخصوصة مع النيّة وجب حكمنا بصحّة صوم المغمى عليه إذا سبقت منه النيّة.

و إن اعتبر مع ذلك وقوع جميع أجزائه على وجه الوجوب أو الندب- بحيث يكون كل جزء من أجزائه موصوفا بذلك- تعيّن القول بفساد ذلك الجزء الواقع في حال الإغماء، و يلزم منه فساد الكلّ، إذ الصوم لا يتبعّض، إلّا أنّ ذلك منفي بالأصل، و منقوض بالنائم (1).

و فيه: إنّا نختار الأول، و لا تلزم منه صحّة صوم المغمى عليه.

أمّا أولا: فلعدم تحقّق الإمساك منه حال الإغماء، لأنّه فرع الشعور، و مطلق عدم تحقّق الأمور المخصوصة ليس إمساكا و لا صوما.

و أمّا ثانيا: فلعدم تحقّق النيّة حال الإمساك، لا الفعليّة منها و لا الحكميّة.

و أمّا ثالثا: فلأنّ الصوم هو إمساك المكلّف عمّا ذكر، و المغمى عليه ليس مكلّفا.

ج: السكران كالمغمى عليه حتى في عدم الوجوب

و إن كان السكر بفعله، لما مرّ من قبح تكليف غير العاقل.

د: لا خلاف في صحّة صوم النائم إذا سبقت منه النيّة

و إن استمرّ نومه جميع النهار، و عليه الإجماع مستفيضا، و تدلّ عليه- بعد الإجماع، و تحقّق الإمساك مع النيّة- المتواترة من الأخبار، المتضمّنة لنحو: «إنّ اللّه يطعم

____________

(1) المدارك 6: 140.

343

الصائم و يسقيه في منامه» (1) و: «إنّ نوم الصائم عبادة» (2): و: «إنّ الصائم في عبادة و إن كان نائما في فراشه» (3).

و المراد بصومه: كونه بحيث ينعقد قلبه و جوارحه عليه قبل النوم و بعده، بحيث لو سئل عنه في الحالين يجيب بأنّي صائم، و هذه نيّته الحكميّة كالساهي.

و المراد بصحّته: كونه مأمورا بذلك العقد المتقدّم و المتأخّر، لا أنّه مكلّف به حال النوم، و لم يثبت اشتراط النيّة أزيد من ذلك، فإنّ هذه نيّته الحكميّة.

و لا ينتقض بالمغمى عليه، لا لأنّه لا عقل له حال الإغماء، فلا تكليف حينئذ، فلا أمر فلا صوم، لعدم تبعّضه، بخلاف النوم، فإنّ عقله باق و إن كانت حواسّه الظاهريّة مغطّاة، إذ لم يثبت لنا فرق بين عقل النائم و المغمى عليه، بحيث يصلح أحدهما للتكليف معه دون الآخر.

بل للنصوص و الإجماع، فإنّ مقتضى الأصل و قاعدة عدم تكليف غير الشاعر حين عدم الشعور و عدم تبعّض الصوم: بطلان صومهما معا.

إلّا أنّ الدليل أخرج النائم، بمعنى: أنّ الدليل جعل صومه عقد القلب و الجوارح في طرفي النوم من النهار، فهو صوم النائم، و جعل صوما من جانب الشارع، فمن كان كذلك فهو صائم و لا قضاء عليه إجماعا.

____________

(1) الكافي 4: 65- 14، ثواب الأعمال: 51، الوسائل 10: 136 أبواب آداب الصائم ب 2 ح 1.

(2) الكافي 4: 64- 12، ثواب الأعمال: 51، المقنعة: 304، الوسائل 10: 136 أبواب آداب الصائم ب 2 ح 2.

(3) الكافي 4: 64- 9، التهذيب 4: 190- 538، المقنعة: 304، ثواب الأعمال:

51، الوسائل 10: 127 أبواب آداب الصائم ب 2 ح 3.

344

بخلاف المغمى عليه و نحوه، لفقد الدليل المخرج عن الأصل.

الثالث: الإسلام.

بالإجماع، فلا يصحّ من الكافر بأنواعه، لعدم تأتّي قصد القربة و امتثال الأمر به منه، لإنكاره له، مع أنّه شرط في الصحّة إجماعا.

نعم، يجب عليه عندنا، بناء على أنّه مكلّف بالفروع، كما حقّقناه في محلّه.

و ممّا يدلّ على عدم الصحّة منه المروي في العلل: «إنّما يتقبّل اللّه من العبادات العمل بالفرائض التي افترضها اللّه على حدودها مع معرفة من دعا إليه» قال: «و إن صلّى و زكّى و حجّ و اعتمر و فعل ذلك كلّه بغير معرفة من افترض اللّه عليه طاعته، فلم يفعل شيئا من ذلك، لم يصلّ و لم يصم و لم يزكّ و لم يحجّ و لم يعتمر و لم يغتسل من الجنابة و لم يتطهّر و لم يحرّم للّه حراما و لم يحلّ له حلالا، و ليس له صلاة و إن ركع و إن سجد، و لا له زكاة و لا حجّ، و إنّما ذلك كلّه بمعرفة رجل أمر اللّه تعالى على خلقه بطاعته و أمر بالأخذ عنه، فمن عرفه و أخذ عنه أطاع اللّه» (1).

و لا فرق في ذلك بين الكفر في تمام اليوم أو بعضه، فلا يصحّ ممّن أسلم في أثناء النهار في ذلك النهار، كما صرّح به في صحيحة العيص: عن قوم أسلموا في شهر رمضان و قد مضى منه أيّام، هل عليهم أن يقضوا ما مضى منه أو يومهم الذي أسلموا فيه؟ فقال: «ليس عليهم قضاء و لا يومهم الذي أسلموا فيه، إلّا أن يكونوا أسلموا قبل طلوع الفجر» (2).

____________

(1) العلل: 250- 7 بتفاوت يسير، الوسائل 1: 124 أبواب مقدمة العبادات ب 29 ح 18.

(2) الكافي 4: 125- 3، الفقيه 2: 80- 357، التهذيب 4: 245- 728، الاستبصار 2: 107- 349، الوسائل 10: 327 أبواب أحكام شهر رمضان ب 22 ح 1.

345

خلافا للمحكيّ عن المبسوط و المعتبر، فأوجبا صوم يوم أسلم قبل زواله (1)، لإطلاق الأمر بالصوم و بقاء وقت النيّة. و الصحيحة المذكورة تردّه.

و لا يجب على الكافر قضاء ما فاته حال الكفر أيضا، للمعتبرة من الأخبار، كالصحيحة المتقدّمة، و صحيحة الحلبي (2)، و رواية مسعدة (3)، و مرسلة الفقيه (4). و أمّا موثّقة الحلبي الآمرة بالقضاء (5) فمحمولة على الاستحباب.

الرابع: الخلوّ عن الحيض و النفاس.

بالإجماع المحقّق، و المحكيّ مستفيضا (6)، و استفاضت عليه الروايات، بل تواترت أيضا (7)، فلا يصحّ الصوم منهما و لو رأت الدم في أول جزء من النهار أو آخره، كما نطقت به الأخبار و اتّفقت عليه كلمات الأصحاب. و رواية أبي بصير (8)- الظاهرة في الاعتداد بالصوم لو رأت الدم بعد الزوال- متروكة، و إلى الوهم منسوبة.

____________

(1) المبسوط 1: 286، المعتبر 2: 711.

(2) الكافي 4: 125- 1، التهذيب 4: 245- 727، الاستبصار 2: 107- 348، الوسائل 10: 328 أبواب أحكام شهر رمضان ب 22 ح 2.

(3) الكافي 4: 125- 2، التهذيب 4: 246- 729، الاستبصار 2: 107- 350، الوسائل 10: 328 أبواب أحكام شهر رمضان ب 22 ح 4.

(4) الفقيه 2: 80- 356، الوسائل 10: 328 أبواب أحكام شهر رمضان ب 22 ح 3.

(5) التهذيب 4: 246- 730، الاستبصار 2: 107- 351، الوسائل 10: 329 أبواب أحكام شهر رمضان ب 22 ح 5.

(6) انظر المعتبر 2: 683، و المنتهى 2: 585، و الرياض 1: 321.

(7) الوسائل 2: 346 أبواب الحيض ب 41 و 394 أبواب النفاس ب 6.

(8) التهذيب 1: 393- 1216، الاستبصار 1: 146- 500، الوسائل 10: 232 أبواب أحكام شهر رمضان ب 28 ح 4.

346

الخامس: الخلوّ عن السفر.

فلا يصحّ صوم واجب مطلقا- منذورا كان أو غيره- و لا مندوب في السفر، إلّا ما استثني منهما، فهاهنا ثلاثة مقامات:

المقام الأول: عدم صحّة صوم واجب غير ما استثني.

و لا ريب فيه، بل هو إجماعيّ مدلول عليه بالأخبار المتواترة.

و هي بين ما يدلّ على الحكم في مطلق الصوم، كصحيحتي صفوان و الحلبي:

الأولى: عن الرجل يسافر في شهر رمضان فيصوم، فقال: «ليس من البرّ الصيام في السفر» (1)، فإنّ الجواب عامّ و إن كان المورد خاصّا.

و الثانية: رجل صام في السفر، فقال: «إن كان بلغه أنّ رسول (صلّى اللّٰه عليه و آله) نهى عن ذلك فعليه القضاء، و إن لم يكن بلغه فلا شيء عليه» (2).

و موثّقة زرارة: «لم يكن رسول اللّه (صلّى اللّٰه عليه و آله) يصوم في السفر في شهر رمضان و لا غيره» (3).

و رواية محمّد بن حكيم: «لو أنّ رجلا مات صائما في السفر ما صلّيت عليه» (4).

____________

(1) التهذيب 4: 217- 632، الوسائل 10: 177 أبواب من يصحّ منه الصوم ب 1 ح 10.

(2) الكافي 4: 128- 1، الفقيه 2: 93- 417، التهذيب 4: 220- 643، الوسائل 10: 179 أبواب من يصح منه الصوم ب 2 ح 3.

(3) التهذيب 4: 235- 691، الاستبصار 2: 102- 333، الوسائل 10: 201 أبواب من يصح منه الصوم ب 11 ح 4.

(4) الكافي 4: 128- 7، الفقيه 2: 91- 405، التهذيب 4: 217- 629، الوسائل 10:

177 أبواب من يصح منه الصوم ب 1 ح 9.

347

و مرسلة الفقيه: «ليس من البرّ الصيام في السفر» (1).

و موثّقة سماعة: عن الصيام في السفر، فقال: «لا صيام في السفر، قد صام أناس على عهد رسول اللّه (صلّى اللّٰه عليه و آله) فسمّاهم العصاة، فلا صيام في السفر إلّا الثلاثة الأيّام التي قال اللّه تعالى في الحجّ» (2).

و موثّقة عمّار: عن الرجل يقول: للّه عليّ أن أصوم شهرا أو أكثر من ذلك أو أقل، فعرض له أمر لا بدّ له من أن يسافر، أ يصوم و هو مسافر؟

قال: «إذا سافر فليفطر، فإنّه لا يحلّ له الصوم في السفر فريضة كان أو غيره، و الصوم في السفر معصية» (3) إلى غير ذلك.

و بين ما يدلّ عليه في صيام شهر رمضان، و هي كثيرة جدّا.

و ما يدلّ عليه في قضائه، كصحيحة عليّ: عن رجل يكون عليه أيّام من شهر رمضان و هو مسافر يقضي إذا أقام في المكان؟ قال: «لا، حتى يجمع على مقام عشرة أيّام» (4).

و ما يدلّ عليه في النذر، كخبر كرّام: إنّي جعلت على نفسي [أن أصوم] حتى يقوم القائم، فقال: «صم، و لا تصم في السفر» الحديث (5).

____________

(1) الفقيه 2: 92- 411 بتفاوت يسير، الوسائل 10: 177 أبواب من يصح منه الصوم ب 1 ح 11.

(2) التهذيب 4: 230- 677، الوسائل 10: 200 أبواب من يصح منه الصوم ب 11 ح 1.

(3) التهذيب 4: 328- 1022، الوسائل 10: 199 أبواب من يصح منه الصوم ب 10 ح 8.

(4) الكافي 4: 133- 2، مسائل علي بن جعفر: 262- 633، قرب الإسناد:

231- 903، الوسائل 10: 193 أبواب من يصح منه الصوم ب 8 ح 1.

(5) الكافي 4: 141- 1، التهذيب 4: 233- 683، الاستبصار 2: 100- 325، الوسائل 10: 199 أبواب من يصح منه الصوم ب 10 ح 9، و ما بين المعقوفتين أضفناه من المصادر.

348

و رواية مسعدة: في الرجل يجعل على نفسه أيّاما معدودة مسمّاة في كلّ شهر، ثمَّ يسافر فتمرّ به الشهور، أنّه «لا يصوم في السفر و لا يقضيها إذا شهد» (1).

و موثّقة زرارة: إنّ أمّي جعلت على نفسها للّه عليها نذرا- إلى أن قال-: «لا تصوم في السفر، و قد وضع اللّه عنها حقّه في السفر» (2).

و رواية ابن جندب: عن رجل جعل على نفسه صوم يوم يصومه فحضرته نيّة في زيارة أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «يخرج و لا يصوم في الطريق، فإذا رجع قضى ذلك» (3).

و رواية الصيقل: رجل نذر أن يصوم يوما من الجمعة دائما ما بقي، فوافق ذلك اليوم عيد فطر أو أضحى أو أيّام التشريق أو سفر أو مرض، هل عليه صوم ذلك اليوم، أو قضاؤه، أو كيف يصنع؟ فكتب (عليه السلام): «قد وضع اللّه الصيام في هذه الأيام كلّها» (4).

و ما يدلّ عليه في صوم الظهار، كموثّقتي محمّد (5) و زرارة (6)، إلى غير ذلك من الأخبار.

____________

(1) الكافي 4: 142- 7، التهذيب 4: 329- 1028، الوسائل 10: 199 أبواب من يصح منه الصوم ب 10 ح 10.

(2) الكافي 4: 143- 10، و في التهذيب 4: 234- 687، و الاستبصار 2: 101- 329، بتفاوت يسير، الوسائل 10: 196 أبواب من يصح منه الصوم ب 10 ح 3.

(3) الكافي 7: 457- 16، التهذيب 4: 333- 1048، الوسائل 10: 197 أبواب من يصح منه الصوم ب 10 ح 5.

(4) التهذيب 4: 234- 686، الاستبصار 2: 101- 328، الوسائل 10: 196 أبواب من يصحّ منه الصوم ب 10 ح 2.

(5) التهذيب 4: 232- 681، الوسائل 10: 195 أبواب من يصح منه الصوم ب 9 ح 1.

(6) راجع الحدائق 13: 186، الهامش: 5.

349

خلافا للمحكيّ عن المفيد فيما عدا صوم شهر رمضان (1)، لوجه ضعيف غايته. و قيل: لم يجوّز غير الثلاثة الأيّام لدم المتعة، فمذهبه مطابق للمشهور.

المقام الثاني: في عدم صحّة الصوم المندوب.

و هو مذهب الصدوقين (2) و الحلي و القاضي (3)، و جماعة من المتأخّرين (4)، بل هو المشهور عند القدماء كما صرّح به المفيد، بل يظهر منه أنّ عليه عمل فقهاء العصابة (5)، و قال الحلّي: إنّه مذهب جملة المشيخة الفقهاء من أصحابنا المحصّلين (6).

و نسبه في المدارك إلى المفيد (7)، و هو الذي صرّح به في أول كلامه، حيث قال: لا يجوز ذلك إلّا ثلاثة أيّام للحاجة عند قبر النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله) أو مشهد من مشاهد الأئمّة (8). و لكن المستفاد من آخره الجواز، كما أنّ كلام الديلمي بالعكس (9).

للإطلاقات المتقدّمة، و صريح موثّقة عمّار السابقة (10)، و صحيحة البزنطي: عن الصيام بمكّة و المدينة و نحن بسفر، قال: «فريضة؟» فقلت:

لا، و لكنّه تطوّع كما يتطوّع بالصلاة، فقال: «تقول اليوم و غدا؟» قلت:

____________

(1) حكاه عنه في المعتبر 2: 685، و المختلف: 229.

(2) الصدوق في المقنع: 63، حكاه عن والده في المختلف: 230.

(3) الحلي في السرائر 1: 393، القاضي في المهذب 1: 194.

(4) كصاحبي الذخيرة: 524، و الحدائق 13: 200.

(5) انظر المقنعة: 350.

(6) السرائر 1: 393.

(7) المدارك 6: 150.

(8) المقنعة: 350.

(9) المراسم: 98.

(10) في ص: 347.

350

نعم، فقال «لا تصم» (1).

و المرويّ في تفسير العيّاشي: «لم يكن رسول اللّه (صلّى اللّٰه عليه و آله) يصوم في السفر تطوّعا و لا فريضة» (2).

خلافا لجماعة- كالتهذيبين (3) و النهاية و الوسيلة و الشرائع و الشهيد (4)، و جمع آخر (5)، بل نسب إلى الأكثر (6)- فجوّزوه مع الكراهة كبعضهم (7)، أو بدونها كآخر (8)، لمرسلتي إسماعيل بن سهل و الحسن بن بسّام:

الاولى: خرج أبو عبد اللّه (عليه السلام) من المدينة في أيّام بقين من شعبان و كان يصوم، ثمَّ دخل شهر رمضان و هو في السفر فأفطر، فقيل له: تصوم شعبان و تفطر شهر رمضان؟! فقال: «نعم، شعبان إليّ إن شئت صمت و إن شئت لا، و شهر رمضان عزم من اللّه على الإفطار» (9).

و قريبة منها الثانية، و فيها: فقال: «إنّ ذلك تطوّع و لنا أن نفعل ما شئنا، و هذا فرض فليس لنا أن نفعل إلّا ما أمرنا» (10).

____________

(1) التهذيب 4: 235- 690، الاستبصار 2: 102- 332، الوسائل 10: 202 أبواب من يصح منه الصوم ب 12 ح 2.

(2) تفسير العياشي 1: 81- 190.

(3) التهذيب 4: 235، الاستبصار 2: 103.

(4) النهاية: 162، الوسيلة: 149، الشرائع 1: 197، الشهيد في الدروس 1: 270.

(5) كما في جامع المقاصد 3: 83، و الرياض 1: 317.

(6) انظر الرياض 1: 317.

(7) منهم العلّامة في المختلف: 230.

(8) كما في الوسيلة: 149.

(9) الكافي 4: 130- 1، التهذيب 4: 236- 692، الاستبصار 2: 102- 334، الوسائل 10: 203 أبواب من يصح منه الصوم ب 12 ح 4.

(10) الكافي 4: 131- 5، التهذيب 4: 236- 693، الاستبصار 2: 103- 335، الوسائل 10: 203 أبواب من يصح منه الصوم ب 12 ح 5.

351

و صحيحة الجعفري: «كان أبي (عليه السلام) يصوم عرفة في اليوم الحارّ في الموقف» الحديث (1).

و لصحيحة البزنطي المتقدّمة، من جهة سؤاله في مقام الجواب عن كون صومه أيّهما، و لو لا الفرق لاتّجه الجواب ب «لا تصم» (2) مطلقا من غير استفسار مفهم منه الفرق بين الفريضة و التطوّع، و ليس إلّا كون النهي في التطوّع للكراهة، إذ لا فارق بينهما غيره إجماعا.

و الجواب، أمّا عن المرسلتين: فبأنّهما معارضتان مع خصوص صحيحة البزنطي و موثّقة الساباطي (3)، و الأخيرتان راجحتان بوجوه عديدة من المرجّحات المنصوصة و غيرها.

من المخالفة لمذهب العامّة، فإنّ ترك الصوم في السفر و المنع منه من شعار الخاصّة.

و الموافقة لسنّة رسول اللّه (صلّى اللّٰه عليه و آله)، كما عرفت في الروايات المتقدّمة (4)، حتى ورد في رواية أبان أنّه «قال رسول اللّه (صلّى اللّٰه عليه و آله): خيار أمّتي الذين إذا سافروا أفطروا» (5).

و الأحدثيّة، حيث إنّ الصحيحة مرويّة عن أبي الحسن (عليه السلام).

و الأصحّيّة سندا.

____________

(1) التهذيب 4: 298- 901، الاستبصار 2: 133- 433، الوسائل 10: 203 أبواب من يصح منه الصوم ب 12 ح 3.

(2) راجع ص: 350.

(3) المتقدمة في ص: 347.

(4) في ص: 350.

(5) الكافي 4: 127- 4، الفقيه 2: 91- 408، الوسائل 10: 175 أبواب من يصح منه الصوم ب 1 ح 6.

352

و الاعتضاد بشهرة القدماء المحكيّة، بل المحقّقة.

و الموافقة للأصل.

و لو قطع النظر عن الترجيح يجب الرجوع إلى عمومات المنع و إطلاقاته، مع أنّه لو لا ما ذكرنا لزم طرح الصحيحة و الموثّقة، و هو ممّا لا وجه له.

و أمّا حملهما على الكراهة فبعيد غايته، إذ المراد منها إن كان أقلّيّة الثواب و المرجوحيّة الإضافيّة فهي ممّا لا تصلح تجوّزا لقوله: «لا يحلّ» و: «معصية» كما في الموثّقة، بل لا وجه للأمر بالإفطار كما فيها، و النهي عن الصوم كما في الصحيحة.

و إن كان الكراهة المصطلحة المطلوب تركه فلا يلائم إطلاق التطوع عليه، كما في إحدى المرسلتين، و يبعد ارتكاب الإمام له سيّما مع ترك رسول اللّه (صلّى اللّٰه عليه و آله) له.

و أمّا عن صحيحة الجعفري: فباحتمال كون الصيام لأجل عدم بلوغ المسافة المعتبرة في تحتّم الإفطار كما هو كذلك، أو استثناء صوم يوم عرفة.

و أمّا عن الأخير: فبأنّه يمكن أن يكون الاستفسار لأمر آخر غير ما ذكر، مثل أن يكون غرضه أنّه لو كان فريضة يأمره بالمقام و الصيام إن أمكن، سيّما إن كانت الفريضة ممّا يتضيّق وقتها كواجب معيّن، أو كان غرضه أنّه إن أجاب بالفرض يستفسر عن أنّه هل هو النذر المقيّد أم غيره.

المقام الثالث: فيما استثني من الصيام الواجب و المندوب في السفر.

أمّا المستثنىٰ من الواجب: فبعض الصيام المتعلّقة بمناسك الحجّ، و يأتي في كتابه.

و صوم النذر مع التقييد بالسفر إمّا فقط أو مع الحضر، و استثناؤه